الاشباه و النظاير في النحو - ج2

- عبد الرحمن السيوطي المزيد...
264 /
153

أحدهما: الجواز، نحو: جاءني الذي ما أحسنه!و عليه ابن خروف.

و الثاني: المنع، لأنّ التعجّب إنما يكون من خفاء السبب. و الصّلة تكون موضّحة، فتنافيا.

باب المبتدأ و الخبر

مسألة

قال ابن النّحاس في (التعليقة) : إذا دخلت على المبتدأ الموصول ليت و لعلّ، نحو: ليست الذي يأتيني و لعلّ الذي في الدّار، فلا يجوز أن تدخل الفاء في خبره، و اختلف في علّة ذلك ما هي؟فمنهم من قال: علّتة أنّ الشرط لا يعمل فيه ما قبله، فإذا عملت فيه ليت أو لعل خرج من باب الشرط، فلا يجوز دخول الفاء حينئذ.

و منهم من قال: بل العلّة أنّ معنى ليت و لعلّ ينافي معنى الشرط من حيث كان ليت للتمنّي، و لعل للترجّي، و معنى الشرط التعليق، فلا يجتمعان.

و يتخرّج على هاتين العلّتين مسألة، و هي دخول (إنّ) على الاسم الموصول هل يمنع دخول الفاء أم لا؟فمن علّل بالعلّة الأولى منع من دخول الفاء مع إنّ أيضا لأنّها قد عملت فيه، فخرج عن باب الشرط. و من علل بالعلة الثانية، و هو تغيّر المعنى جوّز دخول الفاء مع إن لأنها لا تغيّر المعنى عمّا كان عليه قبل دخولها. و قبل دخولها كانت الفاء تدخل في الخبر، فيبقى ذلك بعد دخولها.

مسألة: الوصف المعتمد على نفي أو استفهام‏

ذهب البصريّون إلا الأخفش إلى أنّ الوصف إذا اعتمد على نفي أو استفهام كان مبتدأ، و ما بعده فاعل مغن عن الخبر، نحو: أقائم زيد؟و ما قائم زيد.

و ذهب الأخفش‏ (1) و الكوفيّون إلى أنّه لا يشترط هذا الاعتماد، و ذلك مبنيّ على رأيهم أنه يعمل غير معتمد.

مسألة: الاختلاف في صدر الكلام في (إذا قام زيد فأنا أكرمه)

اختلف في صدر الكلام من نحو: إذا قام زيد فأنا أكرمه، هل هو جملة اسمية أو فعليّة؟

قال ابن هشام: و هذا مبنيّ على الخلاف في عامل إذا. فإن قلنا: جوابها فصدر

____________

(1) انظر أوضح المسالك (1/135) .

154

الكلام جملة اسميّة، و إذا مقدّمة عن تأخّر و ما بعد إذا متمّم لها، لأنّه مضاف إليه، و إن قلنا: فعل الشرط، و إذا غير مضافة، فصدر الكلام جملة فعلية، قدّم ظرفها.

باب كان و أخواتها

مسألة: هل الأفعال الناقصة تدل على الحدث‏

قال الخفاف في (شرح الإيضاح) : اختلف هل الأفعال الناقصة تدلّ على الحدث أم لا؟و ينبني على ذلك الخلاف في عملها في الظرف و المجرور و الحال.

فمن قال: تدلّ أعمل، و من قال: لا فلا.

و قال أبو حيّان‏ (1) في (الارتشاف) : اختلفوا هل تعمل كان و أخواتها في الظرف و المجرور و الحال؟فقيل لا تعمل، و قيل: تعمل. و ينبغي أن يكون هذا الخلاف مرتّبا على دلالتها على الحدث.

مسألة: تعدد أخبار كان و أخواتها

قال أبو حيّان في (الارتشاف) : الظاهر من كلام سيبويه أنّه لا يكون لكان و أخواتها إلا خبر واحد، و هو نصّ ابن درستويه. و قيل: يجوز تعدّده، و هو مبنيّ على جواز تعدّد خبر المبتدأ، و المنع هنا أقوى، لأنّها شبّهت بضرب.

و قال في (شرح التسهيل) : تعدّد خبر كان مبنيّ على الخلاف في تعدّد خبر المبتدأ، ثم قيل: الجواز هنا أولى، لأنه إذا جاز مع العامل الأضعف، و هو الابتداء، فمع الأقوى و هو كان و أخواتها أولى.

و منهم من قال: المنع هنا أولى، و عليه ابن درستويه، و اختاره ابن أبي الربيع قال: لأنّ (ضرب) لا يكون له إلا مفعول واحد، فما شبّه به يجري مجراه.

مسألة: لم سميت هذه الأفعال نواقص؟

اختلف لم سمّيت هذه الأفعال نواقص؟فقيل: لأنها لا تدلّ على الحدث، بناء على القول به. و على القول الآخر سمّيت ناقصة لكونها لا تكتفي بمرفوعها.

مسألة: تقدم أخبارها عليها

اختلف في جواز (2) تقدم أخبار هذا الباب على الأفعال إذا كانت منفية بما،

____________

(1) انظر همع الهوامع (1/114) .

(2) انظر الإنصاف (155) .

155

نحو: ما كان زيد قائما، فالبصريون على المنع، و الكوفيون على الجواز، و منشأ الخلاف اختلافهم في أن (ما) هل لها صدر الكلام أو لا؟فالبصريون على الأول.

و الكوفيون على الثاني.

باب ما

مسألة

البصريون على أنه إذا اقترنت ما بإن يبطل عملها، نحو: [البسيط]

____________

322

-بني غدانة ما إن أنتم ذهب # [و لا صريف و لكن أنتم الخزف‏]

و ذهب الكوفيون إلى جواز النصب مع إن، و اختلف في إن هذه، فالبصريون على أنها زائدة كافة، و الكوفيون على أنها نافية، و عندي أنّ الخلاف في إعمالها ينبغي أن يكون مرتبا على هذا الخلاف.

باب إن و أخواتها

مسألة: وقوع إن المخففة بعد فعل العلم‏

إذا وقعت إن المخففة بعد فعل العلم، كقولك: علمت إن كان زيد لعالما و حديث: «قد علمنا إن كنت لمؤمنا» (1) فهل هي مكسورة أو مفتوحة؟فيه خلاف:

ذهب الأخفش الصغير و هو أبو الحسن عليّ بن سليمان البغداديّ إلى أنها لا تكون إلا مكسورة.

و قال أبو علي الفارسي: لا تكون إلا مفتوحة. و كذلك اختلف فيها كبراء أهل الأندلس: أبو الحسن بن الأخضر، و أبو عبد اللّه بن أبي العافية، فقال ابن الأخضر بقول الأخفش، و قال ابن أبي العافية بقول الفارسي.

____________

(322) -الشاهد بلا نسبة في أوضح المسالك (1/274) ، و تخليص الشواهد (ص 277) ، و الجنى الداني (ص 328) ، و جواهر الأدب (ص 207) ، و خزانة الأدب (4/119) ، و الدرر (2/101) ، و شرح الأشموني (1/121) ، و شرح التصريح (1/197) ، و شرح شذور الذهب (ص 252) ، و شرح شواهد المغني (1/84) ، و شرح عمدة الحافظ (ص 214) ، و شرح قطر الندى (ص 143) ، و لسان العرب (صرف) ، و مغني اللبيب (1/25) ، و المقاصد النحوية (2/91) ، و همع الهوامع (1/123) .

(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء (1/31) ، و مسلم في صحيحه، باب ما عرض على النبي صلّى اللّه عليه و سلّم في صلاة الكسوف (3/32) ، باختلاف باللّفظ.

156

قال أبو حيّان‏ (1) : و هذا الخلاف مبنيّ على خلافهم في اللام: أهي لام الابتداء ألزمت للفرق أم هي لام أخرى مجتلبة للفرق بينها و بين إن النافية؟

فعلى الأولى تكسر، و على الثانية تفتح، و وجه البناء أنها إذا كانت لام ابتداء فهي لا تدخل إلا في خبر المكسورة، و إذا كانت غيرها لم يكن الفعل الذي قبلها مانعا لها من فتحها.

قال أبو حيّان: و هذا البناء إنما هو على مذهب البصريين، و أما على مذهب الكوفيين فاللام عندهم بمعنى إلا، و إن نافية، لا حرف توكيد. فعلى مذهبهم لا يجوز في نحو: قد علمنا إن كنت لمؤمنا إلاّ كسر (إن) ، لأنها عندهم حرف نفي.

و التقدير: «قد علمنا ما كنت إلا مؤمنا» .

مسألة: متى تقع أن المفتوحة و معمولاها اسما لأن المكسورة

تقع (أنّ) المفتوحة و معمولاها اسما لأنّ المكسورة بشرط الفصل بالخبر، نحو: إنّ عندي أنّك فاضل. و قال الفرّاء: لو قال قائل: أنّك قائم يعجبني، جاز أن تقول: إن أنّك قائم يعجبني، قال أبو حيّان: و هذا من الفرّاء (2) بناء على رأيه أن (أن) يجوز الابتداء بها، و الجمهور على منعه.

مسألة: ما يلي إنّ المكسورة المخففة من الأفعال‏

إن خفّفت (إنّ) المكسورة لم يلها من الأفعال إلا ما كان من نواسخ الابتداء عند البصريين، و جوّز الكوفيون غيره. و هو مبنيّ على مذهبهم أنها نافية. ذكر ذلك السخاويّ في (شرح المفصل) .

مسألة: ما يجوز في إنّ إذا وقعت جوابا لقسم‏

إذا وقعت (إنّ) جواب قسم نحو: و اللّه إنّ زيدا قائم، فمذهب البصريين وجوب كسرها. و قيل: يجوز فتحها مع اختيار الكسر، و قيل: يجوزان مع اختيار الفتح، و عليه الكسائيّ، و البغداديون. و قيل: يجب الفتح و عليه الفرّاء.

قال في (البسيط) : و أصل هذا الخلاف أنّ جملتي القسم و المقسم عليه هل إحداهما معمولة للأخرى، فيكون المقسم عليه مفعولا لفعل القسم، أو لا؟و في ذلك خلاف: فمن قال: نعم فتح، لأنّ ذلك حكم (أنّ) إذا وقعت مفعولا، و من قال:

____________

(1) انظر شرح التسهيل (2/230) .

(2) انظر شرح التسهيل (2/135) .

157

لا فإنما هي تأكيد للمقسم عليه لا عاملة فيه كسر، و من جوّز الأمرين أجاز الوجهين.

مسألة: هل يجوز (إن قائما الزيدان)

لا يجوز هنا: إن قائما الزيدان، كما لا يجوز ذلك في المبتدأ دون نفي أو استفهام و أجازه الكوفيون و الأخفش بناء على إجازته في المبتدأ، فجعلوا قائما اسم إن، و الزيدان فاعل به سدّ مسدّ خبرها، و الخلاف جار في باب ظنّ.

فمن أجاز هنا و في المبتدأ أجاز ظننت قائما الزيدان. و من منع منع. و ابن مالك وافقهم على الجواز في المبتدأ، و منع في باب (ظنّ) و (إنّ) ، و فرّق بأنّ إعمال الصفة عمل الفعل فرع إعمال الفعل، فلا يستباح إلا في موضع يقع فيه الفعل، فلا يلزم من تجويز قائم الزيدان، جواز إنّ قائما الزيدان و لا ظننت قائما الزيدان، لصحة وقوع الفعل موقع المتجرّد من إن و ظننت، و امتناع وقوعه بعدهما.

باب لا

مسألة: مذاهب في قول (لا مسلمات)

قال أبو حيّان في (شرح التسهيل) : في نحو: لا مسلمات أربعة مذاهب:

أحدها: الكسر و التنوين: و هو مذهب ابن خروف.

و الثاني: الكسر بلا تنوين، و هو مذهب الأكثرين.

و الثالث: الفتح، و هو مذهب المازنيّ‏ (1) و الفارسيّ.

و الرابع: جواز الكسر و الفتح من غير تنوين في الحالين.

قال: و فرّع‏ (2) بعض أصحابنا الكسر و الفتح على الخلاف في حركة لا رجل:

فمن قال: إنها حركة إعراب قال هنا: لا مسلمات بالكسر، و من قال: هي حركة بناء فالذي يقول: إنّه يبنى لجعله مع لا كالشي‏ء الواحد قال: لا مسلمات بالفتح، و لا يجوز عنده الكسر، لأن الحركة عنده ليست خاصة. و الذي يقول يبنى لتضمّنه معنى الحرف يقول: لا مسلمات بالكسر و حجّته أنّ المبنيّ مع لا قد أشبه المعرب المنصوب.

فكما أنّ الجمع بالألف و التاء في حال النصب مكسور فكذلك يكون مع لا، و هو الصحيح، انتهى.

____________

(1) انظر الخصائص (3/305) .

(2) انظر شرح التسهيل (2/156) .

158

باب أعلم و أرى‏

مسألة: القول في حذف مفاعيل هذا الباب‏

قال ابن النحاس في (التعليقة) : يجوز حذف الأوّل و الثاني من مفاعيل هذا الباب اختصارا. و أمّا حذف الثالث اختصارا فمبنيّ على الخلاف في حذف الثاني من مفعولي ظننت اختصارا. فمن أجاز الحذف هناك أجازه في الثالث، و من منعه في الثاني هناك منعه في الثالث هنا.

باب النائب عن الفاعل‏

مسألة: باب اختار

باب اختار: ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز فيه إلا إقامة المفعول الأوّل نحو:

اختير زيد الرجال.

و جوّز الفرّاء و السيرافيّ و ابن مالك‏ (1) إقامة الثاني مع وجود الأوّل، فتقول: اختير الرجال زيدا.

و أشار أبو حيّان إلى أن الخلاف مبنيّ على الخلاف في إقامة المجرور بالحرف مع وجود المفعول به الصريح، لأن الثاني هنا على تقدير حرف الجرّ.

قال أبو حيّان: المجرور بحرف غير زائد، نحو: سير بزيد، فيه خلاف.

فمذهب الجمهور أنّ المجرور في محل رفع، و هو النائب.

و مذهب الفرّاء (2) أنّ النائب حرف الجرّ وحده، و أنه في موضع رفع.

قال أبو حيّان‏ (3) : و هذا مبنيّ على الخلاف في قولهم: مرّ زيد بعمرو، فمذهب البصريين أنّ المجرور في موضع نصب، فلذا قالوا: إنه إذا بني للمفعول كان في موضع رفع، بناء على قولهم: إنّه في: مرّ زيد بعمرو، في موضع نصب.

و مذهب الفرّاء أنّ حرف الجرّ هو في موضع نصب، فلهذا ادعى أنه إذا بني للمفعول، كان هو في موضع رفع، بناء على مذهبه أنه هناك في موضع نصب.

و في أصل المسألة قول ثالث: أنّ النائب ضمير مبهم مستتر في الفعل. قاله ابن هشام‏ (4) .

____________

(1) انظر تسهيل الفوائد، و تكميل المقاصد لابن مالك (77) .

(2) انظر همع الهوامع (1/163) .

(3) انظر شرح التسهيل (3/34) .

(4) انظر أوضح المسالك (1/373) .

159

و رابع: أن النائب ضمير عائد على المصدر المفهوم من الفعل، و التقدير: سير هو، أي السير.

قال ابن درستويه: و ينبني على هذا الخلاف جواز تقديم المجرور، نحو: بزيد سير. فعلى القول الأول و الثالث لا يجوز، و على القول الثاني و الرابع يجوز.

باب المفعول به‏

مسألة: إذا تعددت المفاعيل فأيها يقدم‏

إذا تعدّد المفعول في غير باب ظن و أعلم، كباب (أعطى و اختار) فالأصل تقديم ما هو فاعل في المعنى، و ما يتعدّى إليه الفعل بنفسه، على ما ليس كذلك.

هذا مذهب الجمهور. و قيل: المفعولان في مرتبة واحدة بعد الفاعل، فأيّهما تقدّم فذلك مكانه. و عليه ابن هشام‏ (1) ، و بعض البصريين.

قال أبو حيّان: و ينبني على هذا الخلاف جواز تقديم المفعول الثاني إذا اتصل به ضمير يعود على الأول. نحو أعطيت درهمه زيدا، فعند الجمهور يجوز، و عند غيرهم لا بناء على ما ذكر.

باب الظرف‏

مسألة: الاتساع في الظرف مع كان و أخواتها

قال أبو حيّان في (الارتشاف) : هل يتّسع في الظرف مع كان و أخواتها؟هو مبنيّ على الخلاف: هل تعمل في الظرف أم لا.

فإن قلنا: لا تعمل فلا يتوسّع. و إن قلنا يجوز أن تعمل فيه فالذي يقتضيه النظر أن يجوز التوسّع فيه معها.

مسألة: إذا استعملت إذا شرطا

قال أبو حيّان في (شرح التسهيل) (2) : إذا استعملت (إذا) شرطا فهل تكون مضافة للجملة بعدها أم لا؟قولان:

قيل: تكون مضافة، و ضمّنت الربط بين ما تضاف إليه و غيره.

و قيل: ليست مضافة بل معمولة للفعل بعدها لأنها لو كانت مضافة لكان الفعل من تمامها، فلا يحصل به ربط.

____________

(1) انظر أوضح المسالك (2/19) .

(2) انظر شرح التسهيل (5/96) .

160

قال: و ينبني على ذلك الخلاف في العامل فيها: فمن قال: إنها مضافة أعمل الجزاء، و لا بدّ، و من منع ذلك أعمل فيها فعل الشرط، كسائر الأدوات.

باب الاستثناء

مسألة: تقدم المستثنى‏

هل يجوز تقديم المستثنى على المستثنى منه، و على العامل فيه إذا لم يتقدم، و توسّط بين جزأي كلام، نحو: القوم إلاّ زيدا قاموا؟فيه خلاف: قيل بالجواز و قيل:

بالمنع‏ (1) .

قال أبو حيّان: و هو مبنيّ على الخلاف في العامل في المستثنى: فمن قال: إنه ما تقدّم من فعل أو شبهه منعه، و من قال: إنه إلاّ، أو نحوه، جوّزه.

مسألة: عود الاستثناء إذا وقع بعد جمل عطف بعضها على بعض‏

إذا ورد الاستثناء بعد جمل، عطف بعضها على بعض فهل يعود إلى الكلّ؟فيه خلاف:

قيل: نعم، و قيل: لا. بل يختصّ بالجملة الأخيرة.

قال أبو حيّان‏ (2) : و الخلاف مبنيّ على الخلاف في العامل في المستثنى: فمن قال إنه إلاّ أعاده إلى الكلّ. و من قال: إنه الفعل السابق، قال: إن اتحد العامل عاد إلى الكل. و إن اختلف فللأخيرة خاصة. إذ لا يمكن عمل العوامل المختلفة في مستثنى واحد.

باب حروف الجر

مسألة: تعلق الجار و المجرور و الظرف بالفعل الناقص‏

اختلف، هل يتعلّق الجارّ و المجرور و الظرف بالفعل الناقص؟على قولين مبنيين على الخلاف في أنه هل يدلّ على الحدث أم لا؟فمن قال: لا يدل على الحدث و هم المبرّد و الفارسي و ابن جنّي‏ (3) و الجرجانيّ و ابن برهان و الشلوبين منع ذلك، و من قال يدلّ عليه جوزه.

____________

(1) انظر همع الهوامع (1/226) .

(2) انظر همع الهوامع (1/227) .

(3) انظر الخصائص (1/400) .

غ

161

مسألة: على ما يرتفع الاسم بعد منذ؟

قال أبو البقاء في (التبيين) : اختلف في الاسم المرفوع بعد (منذ) ، نحو ما رأيته منذ يومان على أي شي‏ء يرتفع؟على ثلاثة مذاهب:

أحدها: أنّ (منذ) مبتدأ، و ما بعده خبر. و التقدير: أمد ذلك يومان‏ (1) ، و قال بعض الكوفيّين: يومان فاعل، تقديره: منذ مضى يومان.

و قال الفرّاء (2) : موضع الكلام كلّه نصب على الظرف، أي: ما رأيته من الوقت الذي هو يومان.

قال: و هذا كلّه مبنيّ على الخلاف في أصل منذ. و قد قال الأكثر: إنها مفردة.

و قال الفرّاء: أصلها (من) و (ذو) الطائية بمعنى (الذي) . و قال غيره من الكوفيين:

أصلها من (إذ) . ثم حذفت الهمزة، و ضمّت الميم.

باب القسم‏

مسألة: الاختلاف في ايمن اللّه‏

قال ابن النحّاس في (التعليقة) : اختلف النحاة في (ايمن اللّه) هل هي كلمة مفردة موضوعة للقسم أم هي جمع؟و ينبني على هذا الخلاف خلاف في همزتها أهي همزة قطع أم همزة وصل؟.

فمذهب البصريين أنّ (ايمن) كلمة مفردة موضوعة للقسم، و أن همزتها همزة وصل. و مذهب الكوفيين أنّ (أيمن) جمع يمين، و همزتها همزة قطع.

باب التعجب‏

مسألة: الاختلاف في أفعل به‏

قال ابن النحّاس في (التعليقة) : اختلف النحاة في قولنا: أفعل به: في التعجّب، هل معناه أمر أو تعجب مع إجماعهم على أنّ لفظه لفظ الأمر؟.

فذهب الكوفيون إلى أنّ معناه أمر كلفظه.

و ذهب البصريون إلى أن معناه التعجب على الخلاف في التعجب: هل هو إنشاء أو خبر؟قال: و ينبني على هذا الخلاف خلاف في الجارّ و المجرور: هل هو في موضع نصب أو رفع؟

____________

(1) انظر شرح المفصّل (8/45) ، و مغني اللبيب (422) .

(2) انظر شرح المفصّل (8/45) .

162

فمن قال بأنّ معنى أفعل الأمر، و أنّ فيه فاعلا مستترا قال بأنّ الجارّ و المجرور في موضع نصب بأنه مفعول. و يكون الباء عنده إما للتعدية كمررت به أو زائدة مثل:

قرأت بالسورة.

و من قال بأن معنى أفعل التعجّب لا الأمر، قال بأن الجارّ و المجرور في موضع رفع بالفاعلية، و لا ضمير في أفعل، و تكون الباء عند هذا القائل زائدة مع الفاعل، مثلها في: كفى باللّه.

مسألة: لزوم أل في فاعل فعل‏

قال ابن النحّاس: لزوم الألف و اللام في فاعل، فعل‏ (1) ، فيه خلاف مبنيّ على الخلاف في فعل الذي للمبالغة، هل هو من باب نعم و بئس. أو من باب التعجب؟.

فمن قال: هو من باب نعم و بئس اشترط في الفاعل لزوم الألف و اللام و غيره ما يشترطه في فاعل نعم و بئس.

و من قال: هو من باب التعجّب لم يشترط في فاعله الألف و اللام.

و باب التعجب فيه أظهر بدليل جواز دخول الباء الزائدة فيه مع الفاعل، كما دخلت في باب التعجب في أفعل به.

باب التوكيد

مسألة: وقوع كل من أكتع و أخواتها منفردة

قال ابن النحاس: هل يجوز أن يقع كلّ واحد من أكتع، و أبصع، و أبتع تأكيدا بمفرده؟فيه ثلاثة مذاهب:

أحدها: نعم.

و الثاني: لا، بل يكون بعد أجمع تابعا بالترتيب، كما ذكرنا.

و الثالث: يجوز أن يقدّم بعضها على بعض بشرط تقديم، أجمع، قبلهن.

قال و هذا الخلاف مبنيّ على أنه هل لكلّ واحد منهنّ معنى في نفسه أم لا؟ فإن قيل: لا معنى لها إلا الإتباع فلا بدّ من تقدم أجمع. و إن قيل: بأنّ لها معاني جاز أن تستعمل بأنفسها، انتهى.

____________

(1) انظر شرح الكافية (2/319) .

163

باب النداء

مسألة: الاختلاف في (اللهم)

اختلف في (اللّهمّ) (1) ، فمذهب البصريين أنّ الميم عوض من حرف النداء.

و مذهب الكوفيين أنّها بقيّة من جملة محذوفة. و الأصل: يا اللّه آمنا بخير. و ينبني على هذا الخلاف جواز إدخال (يا) على اللهم. فعند البصريين لا يجوز، لأنه لا يجمع بين العوض و المعوّض، و عند الكوفيين يجوز، لأنّ الميم على رأيهم ليست عوضا من (يا) .

قال أبو حيّان في (الارتشاف) : اللّهمّ، لا تباشره (يا) في مذهب البصريين، زعموا أنّ الميم المشدّدة في آخره عوض من حرف النداء، فلا يجتمعان، و أجاز الكوفيون أن تباشره (يا) و عندهم: الميم المشدّدة بقيّة من جملة محذوفة قدّروها:

آمنا بخير، و هو قول سخيف، لا يحسن أن يقوله من عنده علم.

باب إعراب الفعل‏

مسألة: هل يجوز في المضارع المنصوب بعد الفاء في الأجوبة الثمانية أن يتقدم على سببه‏

فيقال: ما زيد فنكرمه يأتينا، و متى فآتيك تخرج، و كم فأسير تسير؟فيه قولان:

قال البصريون: لا. و قال الكوفيون: نعم. و الخلاف مبنيّ على الخلاف في أصل، و هو أنّ مذهب البصريين في ذلك أنّ النصب بأن مضمرة، و أنّ الفاء عاطفة عطفت المصدر المقدّر من أن المضمرة و الفعل على مصدر متوهّم من الفعل المعطوف عليه و التقدير: لم يكن من زيد إتيان فيكون منّا إكرام. و على هذا يمتنع التقديم، لأنّ المعطوف لا يتقدّم على المعطوف عليه.

و مذهب الكسائيّ‏ (2) و أصحابه أنّ الناصب هو الفاء نفسها، و ليست عاطفة، فلا معطوف هنا، و إنما هو جواب تقدّم على سببه، مع تقدم بعض الجملة، فلم يمتنع.

مسألة: هل يجوز الفصل هنا بين السبب و معموله بالفاء و مدخولها

اختلف هل يجوز الفصل هنا بين السبب و معموله بالفاء و مدخولها بأن يقال:

ما زيد يكرم فنكرمه أخانا. يراد: ما زيد يكرم أخانا فنكرمه؟.

____________

(1) انظر الإنصاف (341) .

(2) انظر الإنصاف (555) .

164

فمذهب البصريين المنع، و مذهب الكوفيين الجواز. و الخلاف مبنيّ على الخلاف في الأصل السابق.

فالبصريّون يقولون: ما بعد الفاء معطوف على مصدر متوهّم من يكرم.

فكما لا يجوز أن يفصل بين المصدر و معموله، كذلك لا يجوز أن يفصل بين يكرم و معموله، لأن يكرم في تقدير المصدر.

و الكوفيون أجازوه، لأنه لا عطف عندهم، و لا مصدر متوهم.

مسألة: رأي في لام الجحود

قال أبو البقاء في (التبيين) : لام الجحود الداخلة على الفعل المستقبل غير ناصبة للفعل، بل الناصب أن مضمرة و على هذا تترتب مسألة، و هي أنّ مفعول هذا الفعل لا يتقدّم عليه‏ (1) .

و قال الكوفيون: اللام هي الناصبة، فإن وقعت بعدها أن كانت توكيدا و على هذا يتقدّم مفعول هذا الفعل عليه.

باب التكسير

مسألة: تكسير همّرش‏

قال أبو حيّان‏ (2) : اختلف في تكسير، همّرش، فقال بعضهم: يكسّر على همارش. و قال بعضهم: يكسر على هنامر. قال: و السبب في الاختلاف الاختلاف في أصل وزنه، و في الحرف الأول المدغم في الثاني ما هو:

فقال قوم: وزنه فعّلل، و الميم زائدة للإلحاق. بجحمرش، و أدغمت الميم في الميم، فهو من باب إدغام المثلين.

و قال آخرون: وزنه فعللل و المدغم نون، و حروفه كلّها أصول، كحروف قهبلس و جحمرش و صهصلق.

قال: و الأول هو الصحيح. و الثاني قول الأخفش. و تناقض فيه كلام سيبويه‏ (3) .

____________

(1) انظر الإنصاف (ص 593) .

(2) انظر شرح التسهيل (6/111) .

(3) انظر الكتاب (4/473) .

165

باب التصغير

مسألة: الاختلاف في تصغير بعض الأسماء

اختلف في تصغير ركب، و طير، و صحب، و سفر على قولين:

أحدهما: -و عليه الجمهور (1) -أنّها تصغّر على لفظها، فيقال: ركيب، و طيير، و صحيب، و سفير.

و الثاني: -و عليه الأخفش-أنّها تردّ إلى المفرد فيقال: رويكبون، و طويرات، و صويحبون، و مسيفرون.

و الخلاف مبنيّ على الخلاف في هذه الألفاظ، ما هي؟و فيها قولان:

أحدهما: -و عليه الجمهور-أنّها أسماء جموع. و على هذا فتعطى حكم المفرد في التصغير على لفظها.

الثاني: -و عليه الأخفش-أنها جموع تكسير، و على هذا فتردّ إلى مفرداتها، أشار إلى هذا البناء أبو حيّان.

باب الوقف‏

مسألة: هل يصح الوقف على المتبوع دون التابع‏

قال في (البسيط) : فيه خلاف مبنيّ على الخلاف في العامل في التابع.

فإن قلنا: إنّه يقدّر فيه عامل من جنس الأول صحّ، لأنه يصير جملة مستقلة، فيستغني عن الأول.

و إن قلنا: العامل فيه هو العامل في المتبوع لم يصحّ. قال و الصحيح أنه لا يجوز الوقف. لعدم استقلاله صورة.

مسألة: الوقف على إذا

اختلف في الوقف على إذا، و الصحيح أنّ نونها تبدل ألفا، تشبيها لها بتنوين المنصوب، و قيل: يوقف بالنون، لأنها كنون لن، و إن، و روي عن المازني و المبرّد.

قال ابن هشام في المغني‏ (2) : و ينبني على الخلاف في الوقف عليها الخلاف في كتابتها، فالجمهور يكتبونها بالألف و المازنيّ و المبرّد بالنون.

____________

(1) انظر الكتاب (3/547) .

(2) انظر مغني اللبيب (16) .

166

مسألة: إذا نكّر يحيى بعد العلمية

إذا نكّر يحيى بعد العلميّة، فهل يكتب بالياء أو بالألف، لأنه قد زالت علميّته؟

قال‏ (1) أبو حيّان: يبنى على الخلاف في تعليل كتابة (يحيى) العلم بالياء، فإن علّلناه بالعلميّة كتبناه بالألف، لأنه قد زالت علميّته، و إن علّلنا بالفرق بين الاسم و الفعل كتبناه بالياء، لأنّ الاسميّة موجودة فيه، انتهى.

تمّ الفنّ الثالث من الأشباه و النظائر للشيخ العلاّمة جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطيّ رحمه اللّه.

____________

(1) انظر شرح التسهيل (7/205) .

167

فن الرابع‏ فنّ الجمع و الفرق‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ الحمد للّه الذي أوجد الخلق، و جعل لكلّ شي‏ء مظهرين من الجمع و الفرق، و الصلاة و السّلام على سيدنا محمد الذي سناه أضوأ من البرق.

هذا هو الفنّ الرابع من الأشباه و النظائر، و هو فنّ الجمع و الفرق. و هو قسمان:

أحدهما: الأبواب المتشابهة المفترقة في كثير من الأحكام.

و الثاني: المسائل المتشابهة المفترقة في الحكم و العلّة و سمّيته: اللمع و البرق في الجمع و الفرق.

القسم الأول ذكر ما افترق فيه الكلام و الجملة

قال ابن هشام في (المغني) (1) : الكلام أخصّ من الجملة لا مرادف لها. فإنّ الكلام هو القول المفيد بالمقصد، و المراد بالمفيد ما دلّ على معنى، يحسن السكوت عليه. و الجملة عبارة عن الفعل و فاعله، كقام زيد، و المبتدأ و خبره، كزيد قائم، و ما كان بمنزلة أحدهما، نحو: ضرب اللصّ، و أقائم الزيدان؟، و كان زيد قائما، و ظننته قائما. و هذا يظهر لك أنّهما ليسا مترادفين. كما يتوهمه كثير من الناس. و هو ظاهر قول الزمخشريّ في (المفصّل) (2) ، فإنه بعد أن فرغ من حدّ الكلام قال: و يسمّى الجملة. و الصواب أنها أعمّ منه، إذ شرطه الإفادة بخلافها، و لهذا تسمعهم يقولون:

جملة الشرط، جملة الجواب، جملة الصلة. و كلّ ذلك ليس مفيدا، فليس كلاما، انتهى.

و قد نازعه بعضهم في ذلك، و ادّعى أنّ الصواب ترادف الكلام و الجملة.

و أنصف الشيخ بدر الدين الدمامينيّ، فذكر ما حاصله أنّ المسألة ذات قولين و أنّ كلّ طائفة ذهبت إلى قول.

قلت: و ممن ذهب إلى الترادف ضياء الدين بن العلج صاحب البسيط في

____________

(1) انظر مغني اللبيب (419) .

(2) انظر المفصّل (6) .

168

النحو، و هو كتاب كبير نفيس في عدّة مجلدات. و أجاب عمّا ذكره ابن هشام في جملة الشرط، و نحوها.

فقال في البسيط: قولهم إن المبدل منه في نيّة الطّرح، أي في الأعمّ الأغلب، فلا يقدح ما يعرض من المانع في بعض الصور، نحو: جاءني الذي مررت به زيد، للاحتياج إلى الضمير. قال: و نظيره أنّ الفاعل يطّرد جواز تقديمه على المفعول في الأعم الأغلب، و لا يقدح في ذلك ما يعرض من المانع في بعض الصور، و كذلك كلّ جملة مركبة تفيد، و لا يقدح في ذلك تخلّف الحكم في جملتي الشرط و الجزاء فإنها لا تفيد إحداهما من غير الأخرى.

و قال ابن جنّي في (كتاب التعاقب) : ينبغي أن تعلم أنّ العرب قد أجرت كلّ واحدة من جملتي الشرط و جوابه مجرى المفرد، لأن من شرط الجملة أن تكون مستقلة بنفسها، قائمة برأسها. و هاتان الجملتان لا تستغني إحداهما عن أختها، بل كلّ واحدة منهما مفتقرة إلى التي تجاورها، فجرتا لذلك مجرى المفردين اللذين هما ركنا الجملة و قوامها فلذلك فارقت جملة الشرط، و جوابه مجاري أحكام الجمل.

و قال الشيخ محبّ الدين ناظر الجيش: الذي يقتضيه كلام النحاة تساوي الكلام و الجملة في الدّلالة، يعني: كلّما صدق أحدهما صدق الآخر، فليس بينهما عموم، و خصوص، و أمّا إطلاق الجملة على ما ذكر من الواقعة شرطا أو جوابا أو صلة فإطلاق مجازيّ، لأن كلاّ منها كان جملة قبل، فأطلقت الجملة عليه باعتبار ما كان، كإطلاق اليتامى على البالغين، نظرا إلى أنّهم كانوا كذلك.

و قال الشيخ بهاء الدين بن النحاس في (تعليقه على المقرّب) : الفرق بين الكلام و الجملة أنّ الكلام يقال باعتبار الوحدة الحاصلة بالإسناد بين الكلمتين، و يسمى الهيئة الاجتماعية، و صورة التركيب، و أنّ الجملة تقال باعتبار كثرة الأجزاء التي يقع فيها التركيب، لأنّ لكلّ مركّب اعتبارين: الكثرة و الوحدة، فالكثرة باعتبار أجزائه، و الوحدة باعتبار هيئته الحاصلة في تلك الكثرة. و الأجزاء الكثيرة تسمى مادة، و الهيئة الاجتماعية الموحّدة تسمّى صورة.

الفرق بين تقدير الإعراب و تفسير المعنى‏

عقد له ابن جنّي بابا في (الخصائص) (1) . قال: هذا الموضع كثيرا ما يستهوي من يضعف نظره، إلى أن يقوده إلى إفساد الصنعة. و ذلك كقولهم في تفسير قولنا:

____________

(1) انظر الخصائص (1/279) .

169

أهلك و الليل معناه: الحق أهلك قبل الليل‏ (1) ، فربّما دعا ذلك من لا دربة له إلى أن يقول: أهلك و الليل فيجرّه، و إنما تقديره الحق أهلك و سابق الليل. و كذلك قولنا:

زيد قام، ربّما ظنّ بعضهم أنّ زيدا هنا فاعل في الصنعة، كما أنه فاعل في المعنى، و كذلك تفسير معنى قولنا: سرّني قيام هذا و قعود ذاك، بأنه سرني أن قام هذا، و أن قعد ذاك، و ربما اعتقد في هذا و ذاك أنهما في موضع رفع لأنهما فاعلان في المعنى.

و لا تستصغر هذا الموضع، فإن العرب قد مرّت به، و شمّت روائحه، و راعته. و ذلك أن الأصمعي أنشد شعرا ممدودا مقيّدا، التزم الشاعر فيه أن يجعل قوافيه كلّها في موضع جرّ إلا بيتا واحدا، و هو: [الرجز]

____________

323

-يستمسكون من حذار الإلقاء # بتلعات كجذوع الصّيصاء

ردي ردي ورد قطاة صماء # كدريّة أعجبها برد الماء

فطرد قوافيها كلّها على الجرّ إلا بيتا واحدا، و هو قوله:

كأنّها و قد رآها الرّؤّاء

و الذي سوّغه ذلك-على ما التزمه في جميع القوافي-ما كان على سمته من القول، و ذلك أنّه لمّا كان معناه: كأنها في وقت رؤية الرؤاء، و على حال رؤية الرؤاء، تصوّر معنى الجر من هذا الموضع، فجاز أن يخلط هذا البيت بسائر الأبيات، و كأنه، لذلك، لم يخالف. و نظير هذا عندي قول طرفة: [الرمل‏]

____________

324

-في جفان تعتري نادينا # و سديف حين هاج الصّنّبر

يريد الصّنّبر-فاحتاج في القافية إلى تحريك الباء، فتطرق إلى ذلك بنقل حركة الإعراب إليها، تشبيها بباب قولهم: هذا بكر، و مررت ببكر، و كان يجب على هذا أن يضمّ الباء فيقول: الصنبر، لأن الراء مضمومة، إلا أنه تصوّر معنى إضافة الظرف إلى الفعل، فصار إلى أنه كأنه قال: حين هيج الصنبر، فلما احتاج إلى حركة الباء تصوّر معنى الجرّ، فكسر الباء، و كأنه قد نقل الكسرة عن الراء إليها. و لو لا ما أوردته من هذا لكان الضمّ مكان الكسر، و هذا أقرب مأخذا من أن تقول: إنه حرف القافية للضرورة.

____________

(1) انظر الكتاب (1/331) .

(323) -الرجز لغيلان الربعي في لسان العرب (تلع) ، و الخصائص (1/280) ، و تاج العروس (تلع) ، و بلا نسبة في لسان العرب (لقا) ، و جمهرة اللغة (ص 242) .

(324) -الشاهد لطرفة في ديوانه (ص 56) ، و لسان العرب (صنبر) ، و تهذيب اللغة (12/271) ، و تاج العروس (صنبر) ، و الخصائص (1/281) .

غ

170

فإن قلت: فإنّ الإضافة في قوله: حين هاج الصّنّبر، إنما هي إلى الفعل لا إلى الفاعل، فكيف حرفت غير المضاف إليه؟.

قيل: الفعل مع الفاعل كالجزء الواحد، و أقوى الجزأين منهما هو الفاعل. فكأن الإضافة إنما هي إليه، لا إلى الفعل، فلذلك جاز أن يتصوّر فيه معنى الجرّ.

فإن قلت: فأنت إذا أضفت المصدر إلى الفاعل جررته في اللفظ، و اعتقدت مع هذا أنه في المعنى مرفوع، فإذا كان في اللفظ أيضا مرفوعا، فكيف يسوغ لك-بعد حصوله في موضعه من استحقاقه الرفع لفظا و معنى-أن تحوّر به فتتوهّمه مجرورا؟.

قيل: هذا الذي أردناه و تصوّرناه هو مؤكّد للمعنى الأول، لأنك كما تصوّرت في المجرور معنى الرفع كذلك تمّمت حال الشبه بينهما، فتصوّرت في المرفوع معنى الجرّ.

ألا ترى أنّ سيبويه‏ (1) لما شبّه الضّارب الرجل بالحسن الوجه، و تمثّل ذلك في نفسه و رسا في تصوره زاد في تمكين هذه الحال له، و تثبيتها عليه بأن عاد فشبّه الحسن الوجه بالضارب الرجل في الجرّ، كلّ ذلك تفعله العرب، و تعتقده العلماء في الأمرين، ليقوى تشابههما، و تعمر ذات بينهما.

و من ذلك قولهم في قول العرب: كلّ رجل و صنعته، و أنت و شأنك معناه: أنت مع شأنك، و كلّ رجل مع صنعته، فهذا يوهم من أمم أنّ الثاني خبر عن الأول. كما أنه إذ قال: أنت مع شأنك، فإن قوله مع شأنك خبر عن أنت. و ليس الأمر كذلك، بل لعمري إنّ المعنى عليه، غير أنّ تقدير الإعراب على غيره، و إنّما شأنك معطوف على أنت، و الخبر محذوف للحمل على المعنى. فكأنه قال: كلّ رجل و صنعته مقرونان، و أنت و شأنك مصطحبان. و عليه جاء العطف بالنصب مع أن، كما قال: [الطويل‏]

____________

325

-أغار على معزاي لم يدر أنّني # و صفراء منها عبلة الصّفرات‏

و من ذلك قولهم: أنت ظالم إن فعلت. ألا تراهم يقولون في معناه: إن فعلت فأنت ظالم، فهذا ربما أوهم أنّ أنت ظالم جواب مقدّم، و معاذ اللّه أن يقدّم جواب الشرط. و إنما قوله: أنت ظالم دالّ على الجواب، و سادّ مسدّه، فأما أن يكون هو الجواب فلا.

____________

(1) انظر الكتاب (1/263) .

(325) -الشاهد بلا نسبة في الخصائص (1/283) ، و اللسان (معز) ، و فيهما (الصّفوات) بدل (الصفرات) .

171

و من ذلك قولهم: عليك زيدا، إنّ معناه خذ زيدا. و هو-لعمري-كذلك، إلا أن زيدا إنما هو منصوب بنفس عليك من حيث كان اسما لفعل متعدّ، لا أنه منصوب بخذ.

أ فلا ترى إلى فرق ما بين تقدير الإعراب و تفسير المعنى. فإذا مرّ بك شي‏ء من هذا عن أصحابنا فاحفظ نفسك منه، و لا تسترسل إليه، فإن أمكنك أن يكون تقدير الإعراب على سمت تفسير المعنى فهو ما لا غاية وراءه، و إن كان تقدير الإعراب مخالفا لتفسير المعنى تقبّلت تفسير المعنى على ما هو عليه، و صحّحت طريق الإعراب، حتى لا يشذّ شي‏ء منها عليك، و إياك أن تسترسل فتفسد ما تؤثر إصلاحه.

ألا تراك تفسّر نحو قولهم: ضربت زيدا سوطا، أنّ معناه ضربت زيدا ضربة بسوط؟ فهو لا شكّ كذلك، و لكن طريق إعرابه أنه على حذف المضاف، أي: ضربته ضربة سوط، ثم حذفت الضربة. و لو ذهبت تتأوّل ضربته سوطا على أنّ تقدير إعرابه ضربة بسوط، كما أنّ معناه كذلك للزمك أن تقدّر أنك حذفت الباء، كما تحذف حرف الجرّ في نحو قوله: [البسيط]

____________

326

-أمرتك الخير[فافعل ما أمرت به # فقد تركتك ذا مال و ذا نشب‏]

[البسيط]:

____________

327

-أستغفر اللّه ذنبا[لست محصيه # ربّ العباد إليه الوجه و العمل‏]

فتحتاج إلى اعتذار من حذف حرف الجرّ، و قد غنيت عن ذلك كله بقولك: إنه على حذف المضاف، أي ضربة سوط، و معناه ضربة بسوط. فهذا-لعمري-معناه، فأمّا طريق إعرابه و تقديره فحذف المضاف، انتهى.

و قال ابن أبي الربيع في (شرح الإيضاح) : قالوا: لا أفعل هذا بذي تسلم. قال

____________

(326) -الشاهد لعمرو بن معد يكرب في ديوانه (ص 63) ، و الكتاب (1/72) ، و خزانة الأدب (9/124) ، و الدرر (5/186) ، و شرح شواهد المغني (ص 727) ، و مغني اللبيب (ص 315) ، و لخفاف بن ندبة في ديوانه (ص 126) ، و للعباس بن مرداس في ديوانه (ص 131) ، و لأعشى طرود في المؤتلف و المختلف (ص 17) ، و لخفاف بن ندبة أو للعباس بن مرداس في شرح أبيات سيبويه (1/250) ، و بلا نسبة في شرح المفصّل (8/50) ، و كتاب اللامات (ص 139) ، و المحتسب (1/51) ، و المقتضب (2/36) .

(327) -الشاهد بلا نسبة في الكتاب (1/71) ، و أدب الكاتب (ص 524) ، و أوضح المسالك (2/ 283) ، و تخليص الشواهد (ص 405) ، و خزانة الأدب (3/111) ، و الدرر (5/186) ، و شرح أبيات سيبويه (1/420) ، و شرح التصريح (1/394) ، و شرح المفصّل (7/63) ، و المقاصد النحوية (3/226) ، و المقتضب (2/321) ، و همع الهوامع (2/82) .

172

يعقوب: المعنى و اللّه يسلمك. فهذا تفسير المعنى، و أما تفسير اللفظ فتقديره:

بذي سلامتك.

و قال ابن مالك في (شرح الكافية) : و من الاستثناء بليس قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «يطبع المؤمن على كلّ خلق ليس الخيانة و الكذب» (1) أي: ليس بعض خلقه الخيانة و الكذب. هذا التقدير الذي يقتضيه الإعراب، و التقدير المعنوي: يطبع على كلّ خلق لا الخيانة و الكذب.

(فائدة) : قال ابن عصفور في (شرح المقرّب) : فإن قيل: لم صار المتعجّب من وصفه على طريقة ما أفعله مفعولا، و على طريقة أفعل به فاعلا، مع أنّ المعنى عندهم واحد، و إنّما الباب أن يختلف الإعراب إذا اختلف المعنى؟.

فالجواب: أنّ ذلك من قبيل ما اختلف فيه الإعراب، و المعنى متّفق، نحو: ما زيد قائما في اللغة الحجازية، و ما زيد قائم في اللغة التميميّة.

الفرق بين الإعراب التقديري و الإعراب المحلي‏

قال ابن يعيش‏ (2) : الإعراب يقدّر على الألف المقصورة، لأنّ الألف لا تحرّك بحركة، لأنّها مدّة في الحلق، و تحريكها يمنعها من الاستطالة و الامتداد، و يفضي بها إلى مخرج الحركة. فكون الإعراب لا يظهر فيها لم يكن لأنّ الكلمة غير معربة، بل لنبوّ في محلّ الحركة، بخلاف من، و كم، و نحوهما من المبنيّات. فإن الإعراب لا يقدّر على حرف الإعراب منها، لأنه حرف صحيح يمكن تحريكه. فلو كانت الكلمة في نفسها معربة لظهر الإعراب فيه، و إنما الكلمة جمعاء في موضع كلمة معربة. و كذلك ياء المنقوص لا يظهر فيها حركة الرفع و الجرّ لثقل الضمّة و الكسرة على الياء المكسور ما قبلها، فهي نائبة عن تحمّل الضمة و الكسرة.

و قال ابن النحاس في (التعليقة) : الفرق بين الموضع في المبنيّ و الموضع في المعتلّ أنّا إذا قلنا في قام هؤلاء: إن هؤلاء في موضع رفع، لا نعني به أن الرفع مقدّر في الهمزة، كيف، و لا مانع من ظهوره لو كان مقدّرا فيها، لأنّ الهمزة حرف جلد يقبل الحركات. و إنما نعني به أنّ هذه الكلمة في موضع كلمة إذا ظهر فيها الإعراب تكون مرفوعة بخلاف العصا، فإنّا إذا قلنا: إنها في موضع رفع، نعني به أن الضمة

____________

(1) انظر إتحاف السادة المتقين (7/518) ، و الدرّ المنثور (3/290) .

(2) انظر شرح المفصّل (1/55) .

173

مقدّرة على الألف نفسها بحيث لو لا امتناع الألف من الحركة، أو استثقال الضمة و الكسرة في ياء القاضي، لظهرت الحركة على نفس اللفظ.

قال ابن الصائغ في (تذكرته) : الفرق بين أعلى و أحمر من خمسة أشياء: جمع أعلى بالواو و النون، و على أفاعل، و استعماله بمن، و تأنيثه على فعلى، و لزومه أحد الثلاثة: أل أو الإضافة أو من.

و قال المهلبي: [الكامل‏]

الفرق في الأعلى و الأحمر قد أتى # في خمسة: في الجمع و التكسير

و دخول (من) ، و خلاف تأنيثيهما # و لزوم تعريف بلا تنكير

قال في الشرح: هذه الأحكام جارية في الأعلى و بابه كالأفضل و الأرذل، و في الأحمر و بابه كالأصفر و الأخضر.

ذكر ما افترق فيه ضمير الشأن و سائر الضمائر

قال في (البسيط) : ضمير الشأن يفارق الضمائر من عشرة أوجه:

1-أنّه لا يحتاج إلى ظاهر يعود إليه، بخلاف ضمير الغائب، فإنه لا بد له من ظاهر، يعود عليه لفظا أو تقديرا.

2-4-و أنه لا يعطف عليه، و لا يؤكّد، و لا يبدل منه، بخلاف غيره من الضمائر.

و سر هذه الأوجه أنه يوضّحه، و المقصود منه الإبهام.

5-و أنه لا يجوز تقديم خبره عليه، و غيره من الضمائر يجوز تقديم خبره عليه.

6-و أنّه لا يشترط عود ضمير من الجملة إليه، و غيره من الضمائر إذا وقع خبره جملة لا بدّ فيها من ضمير يعود إليه.

7-و أنّه لا يفسّر إلا بجملة، و غيره من الضمائر يفسّر بالمفرد.

8-و أن الجملة بعده لها محلّ من الإعراب، و الجمل المفسّرات لا يلزم أن يكون لها محلّ من الإعراب.

9-و أنه لا يقوم الظاهر مقامه، و غيره من الضمائر يجوز إقامة الظاهر مقامه.

10-و أنّه لا يكون إلاّ لغائب دون المتكلّم و المخاطب لوجهين:

أحدهما: أنّ المقصود بوضعه الإبهام، و الغائب هو المبهم، لأن المتكلّم و المخاطب في نهاية الإيضاح.

و الثاني: أنّه في المعنى عبارة عن الغائب، لأنه عبارة عن الجملة التي بعده، و هي موضوعة للغيبة دون الخطاب و التكلّم.

174

و قال ابن هشام في (المغني) (1) : هذا الضمير مخالف للقياس من خمسة أوجه:

أحدها: عوده على ما بعده لزوما، إذ لا يجوز للجملة المفسّرة له أن تتقدّم هي، و لا شي‏ء منها عليه.

و الثاني: أن مفسّره لا يكون إلا جملة، و لا يشاركه في هذا ضمير.

و الثالث: أنه لا يتبع بتابع، فلا يؤكّد، و لا يعطف عليه، و لا يبدل منه.

الرابع: أنه لا يعمل فيه إلا الابتداء أو أحد نواسخه.

الخامس: أنه ملازم للإفراد، فلا يثنى، و لا يجمع، و إن فسّر بحديثين أو بأحاديث.

ذكر ما افترق فيه ضمير الفصل و التأكيد و البدل‏

قال ابن يعيش‏ (2) : ربما التبس الفصل بالتأكيد و البدل. و الفرق بين الفصل و التأكيد أنّ التأكيد إذا كان ضميرا لا يؤكّد به إلا المضمر، و الفصل ليس كذلك، بل يقع بعد الظاهر و المضمر، فقولك: كان زيد هو القائم فصل لا تأكيد لوقوعه بعد الظاهر، و قولك: كنت أنت القائم، يحتملهما. و من الفرق بينهما أنّك إذا جعلت الضمير تأكيدا فهو باق على اسميّته، و يحكم على موضعه بإعراب ما قبله، و ليس كذلك إذا كان فصلا.

و أما الفرق بينه و بين البدل فإنّ البدل تابع للمبدل منه في إعرابه كالتأكيد إلا أنّ الفرق بينهما أنك إذا أبدلت من منصوب أتيت بضمير المنصوب، نحو: ظننتك إياك خيرا من زيد. فإذا أكّدت، أو فصلت لا يكون إلاّ بضمير المرفوع.

و من الفرق بين الفصل و التأكيد و البدل أنّ لام التأكيد تدخل على الفصل، و لا تدخل على التأكيد و البدل، لأنّ اللام تفصل بين التأكيد و المؤكّد و البدل و المبدل منه، و هما من تمام الأول في البيان.

ذكر ما افترق فيه ضمير الفصل و سائر الضمائر

قال الخليل‏ (3) : ضمير الفصل اسم، و لا محلّ له من الإعراب. و بذلك يفارق سائر الضمائر.

قال ابن هشام‏ (4) : و نظيره على هذا القول أسماء الأفعال.

____________

(1) انظر مغني اللبيب (543) .

(2) انظر شرح المفصّل (3/113) .

(3) انظر الكتاب (2/411) .

(4) انظر مغني اللبيب (550) .

175

ذكر الفرق بين علم الشخص و علم الجنس و اسم الجنس‏

قال في (البسيط) : علم الجنس كأسامة و ثعالة في تحقيق علميّته أربعة أقوال:

أحدها لأبي سعيد، و به قال ابن بابشاذ و ابن يعيش‏ (1) : إنه موضوع على الجنس بأسره، بمنزلة تعريف الجنس باللام في كثرة الدينار و الدرهم، فإنّه إشارة إلى ما ثبت في العقول معرفته، و يصير وضعه على أشخاص الجنس كوضع زيد، علمين على أشخاصهما، و لذلك يقال: ثعالة يفرّ من أسامة، أي أشخاص هذا الجنس تفرّ من أشخاص هذا الجنس. و إنما لم يحتاجوا في هذا النوع إلى تعيين الشخص بمنزلة الأعلام الشخصيّة، لأنّ الأعلام الشخصية تحتاج إلى تعيين أفرادها، لأنّ كلّ فرد من أفرادها يختصّ بحكم لا يشاركه فيه غيره، و لا يقوم غيره مقامه فيما يطلب منه من معاملة أو استعانة، أو غير ذلك. و أما أفراد أنواع الوحوش و الحشرات فلا يطلب منها ذلك فلذلك لم يحتج إلى تعيين أفرادها، و وضع اللفظ علما على جميع أفراد النوع لاشتراكها في حكم واحد.

قال ابن يعيش‏ (2) : تعريفها لفظيّ، و هي في المعنى نكرات، لأنّ اللفظ و إن أطلق على الجنس، فقد يطلق على أفراده، و لا يختصّ شخصا بعينه، و على هذا فيخرج عن حدّ العلم.

و القول الثاني لابن الحاجب‏ (3) : إنّها موضوعة للحقائق المتّحدة في الذهن بمنزلة التعريف باللام للمعهود في الذهن: نحو: أكلت الخبز، و شربت الماء لبطلان إرادة الجنس، و عدم تقدّم المعهود الوجودي. و إذا كانت موضوعة على الحقيقة المعقولة المتحدة في الذهن، فإذا أطلقت على الواحد في الوجود فلا بدّ من القصد إلى الحقيقة، و صحّ إطلاقها على الواحد في الوجود لوجود الحقيقة المقصودة، فيكون التعدد باعتبار الوجود لا باعتبار الوضع، لأنه يلزم إطلاقه على الحقيقة باعتبار الوجود المتعدّد.

قلنا: و إن جعلت المغايرة بذلك بين الحقائق إلاّ أنّه بمنزلة المتواطئ الواقع على حقائق مختلفة بمعنى واحد، كالحيوان الذي تشترك فيه حقائق التواطؤ المختلفة.

فكذلك هاهنا يشترك الذهنيّ و الوجوديّ في الحقيقة، و إن كان الوجودي مغايرا

____________

(1) انظر شرح المفصّل (1/35) .

(2) انظر شرح المفصّل (1/35) .

(3) انظر شرح الكافية (2/132) .

176

للذهنيّ. و الفرق بين أسد و أسامة أنّ أسدا موضوع لكل فرد من أفراد النوع على طريق البدل، فالتعدّد فيه من أصل الوضع، و أما أسامة فإنه لزم من إطلاقه على الواحد في الوجود التعدّد، فالتعدّد فيه جاء ضمنا، لا مقصودا بالوضع.

و القول الثالث: أنّه لمّا لم يتعلّق بوضعه غرض صحيح، بل الواحد من جفاة العرب، إذا وقع طرفه على وحش عجيب، أو طير غريب، أطلق عليه اسما يشتقّه من خلقته أو من فعله، و وضعه عليه. فإذا وقع بصره مرّة أخرى على مثل ذلك الفرد أطلق عليه ذلك الاسم باعتبار شخصه، و لا يتوقّف على تصوّر أنّ هذا الموجود هو المسمى أولا، أو غيره. فصارت مشخّصات كلّ نوع مندرجة تحت الأول، بحيث تكون نسبة ذلك اللفظ على جميع الأشخاص تحته مثل نسبة زيد إلى الأشخاص المسمّين به. و على هذا، فإذا أطلق على الواحد فقد أطلق على ما وضع له، و إذا أطلق على الجميع فلاندراج الكلّ تحت الوضع الأول، لإطلاق وضع اللفظ عليه أوّلا مرة ثانية و ثالثة بحسب أشخاصه من غير تصوّر أنّ الثاني و الثالث هو الأول أو غيره.

و القول الرابع قلته: إن لفظ علم الجنس موضوع على القدر المشترك بين الحقيقة الذهنية و الوجودية. فإن لفظ أسامة مثلا يدل على الحيوان المفترس عريض الأعالي، فالافتراس و عرض الأعالي مشترك بين الذهنيّ و الوجوديّ، فإذا أطلق على الواحد في الوجود، فقد أطلق على ما وضع له لوجود القدر المشترك، و هو الافتراس و عرض الأعالي. و يلزم من إخراجه إلى الوجود التعدّد، فيكون التعدّد من اللوازم لا مقصودا بالوضع، بخلاف أسد فإنّ تعدّده مقصود بالوضع.

و إذا تقرّر ذلك فالفرق بين علم الجنس و اسم الجنس بأمور:

أحدها: امتناع دخول اللام على أحدهما و جوازه في الآخر، و لذلك كان ابن لبون و ابن مخاض اسمي جنس لدخول اللام عليهما. و لم يكن ابن عرس اسم جنس لامتناع ابن العرس.

و الثاني: امتناع الصرف يدلّ على العلميّة.

و الثالث: نصب الحال عنها، على الأغلب.

و الرابع: نصّ أهل اللغة على ذلك.

و أما الإضافة فلا دليل فيها، لأنّ الأعلام جاءت مضافة، كابن عرس، و ابن مقرض.

و اسم الجنس جاء مضافا، كابن لبون، و ابن مخاض، انتهى كلام صاحب البسيط.

(فائدة) : قال صاحب (البسيط) : الفرق بين الاشتراك الواقع في النكرات

177

و الاشتراك الواقع في المعارف أنّ اشتراك النكرات مقصود بوضع الواضع في كلّ مسمّى غير معيّن، و أما اشتراك المعارف فالاشتراك في الأعلام اتفاقيّ غير مقصود بالوضع، لأنّ واضع الاسم على العلم لم يقصد مشاركة غيره له، إنما المشاركة حصلت بعد الوضع لكثرة المسمّين باللفظ الواحد. فلذلك لم يقدح هذا الاشتراك في تعريفها لكونه اتفاقيا غير مقصود للواضع.

و أمّا الاشتراك الواقع في المضمرات، و أسماء الإشارة. و ما عرف باللام، و إن كان مقصودا للواضع فإنّه اشتراك في المسمّى المعيّن، فلذلك لم يقدح في التعريف، بخلاف اشتراك النكرات، فإنه في كلّ مسمّى غير معيّن، فلذلك افترق الاشتراكان.

فائدة: قال الزملكانيّ في (شرح المفصّل) : الفرق بين اللام في الزيدان و اللام في الرجلان أنّ معنى الزيدان: المشتركان في التسمية و معنى الرجلان: المشتركان في الحقيقة.

قال فخر خوارزم: و لذلك لو سمّيت امرأة بزيد و جمعت بينها و بين رجل يسمّى بزيد لقلت في التسمية الزيدان لاشتراكهما في التسمية مع اختلاف الحقيقتين. و إنما أتوا باللام دون الإضافة لأنّ اللام أقوى في إفادة التعريف من الإضافة، فكانت أقرب إلى العلمية، و لأنها أخصر فإن المضاف إليه قد يكون أكثر من حرفين و ثلاثة و لأن امتزاج اللام أشدّ. و لذلك يتخطّاه العامل، مع أنه قد تفرض أعلام لا يعرف لها ملابس، فتضاف إليه، و العهديّة لا تفتقر إلى ذلك.

فائدة: قال ابن يعيش‏ (1) : الفرق بين (ذو) التي بمعنى الذي على لغة طيّئ و بين التي بمعنى صاحب من وجوه:

منها: أنّ ذو في لغة طيّئ توصل بالفعل، و لا يجوز ذلك في ذو التي بمعنى صاحب.

و منها: أنّ ذو بمذهب طيّئ لا يوصف بها إلا المعرفة، و التي بمعنى صاحب يوصف بها المعرفة و النكرة، إن أضفتها إلى نكرة وصفت بها النكرة، و إن أضفتها إلى معرفة صارت معرفة، و وصفت بها المعرفة، و ليست التي بمعنى الذي كذلك، لأنّها معرفة بالصلة، على حدّ تعريف من و ما.

و منها: أنّ التي في لغة طيّئ لا يجوز فيها ذي، و لا ذا، و لا تكون إلا بالواو و ليس كذلك التي بمعنى صاحب.

فائدة: قال الأندلسيّ في (شرح المفصّل) : الفرق بين الموصول الاسمي

____________

(1) انظر شرح المفصّل (3/149) .

178

و الموصول الحرفيّ أنّ (الذي) يوصل بما هو خبر، و أن، توصل بالخبر و الأمر و غير ذلك، لأنّ المقصود المصدر، و المصدر يسوغ من جميع ذلك.

ذكر ما افترق فيه باب (كان) و باب (إنّ)

افترقا في أنه يجوز في باب كان تقديم الخبر على الاسم و على كان، نحو: كان قائما زيد، و قائما كان زيد. و لا يجوز تقديم الخبر على إنّ، و لا على اسمها إلا أن يكون ظرفا أو مجرورا.

ذكر ما افترق فيه باب كان و سائر الأفعال‏

قال أبو الحسين بن أبي الربيع في (شرح الإيضاح) : كان و أخواتها مخالفة لأصول الأفعال في أربعة أشياء:

أحدها: أنّ هذه الأفعال إذا أسقطت بقي المسند و المسند إليه، و غيرها إذا أسقطت لم يبق كلام.

الثاني: أن هذه الأفعال لا تؤكّد بالمصدر، لأنها لم تدلّ عليه، و غيرها من الأفعال يؤكّد بالمصادر، لأنّها تدلّ عليها، نحو: قام قياما، و زال زوالا.

الثالث: أنّ الأفعال التي ترفع و تنصب تبنى للمفعول، و هذه لا تبنى له، لا تقول: كين قائم، لأن قائما خبر عن المبتدأ، فإذا زال المبتدأ زال الخبر، و إذا وجد المبتدأ وجد الخبر.

الرابع: أنّ الأفعال كلّها تستقلّ بالمرفوع دون المنصوب، و لا تستقلّ هذه بالمرفوع دون المنصوب، لأنه خبر للمبتدأ.

و قال ابن الدّهان في (الغرّة) : من الفرق بين هذه الأفعال و الأفعال الحقيقية أن الفاعل في تلك غير المفعول نحو: ضرب زيد عمرا، و هذه مرفوعها هو منصوبها.

فائدة: وجه الموافقة و المخالفة: قال ابن النحاس في (التعليقة) : (ما دام) تخالف باقي أخواتها من وجه، و توافقها من وجه: أما وجه المخالفة فإن (ما) فيها مصدرية في موضع نصب على الظرف، و لذلك لا يتمّ مع اسمها، و خبرها كلام، و يحتاج إلى شي‏ء آخر، يكون ظرفا له، كقولك: لا أكلمك ما دمت مقيما، أي مدّة دوام إقامتك، و (ما) في باقي أخواتها حرف نفي.

و أما وجه الموافقة فهو أنّ معناهنّ جميعهنّ الثبات و الدوام.

فائدة: قال الأعلم في (نكته) : الفرق بين كان و بين أصبح و أخواتها أنّ (كان)

179

لما انقطع، و هذه لما لم ينقطع، تقول: أصبح زيد غنيّا، فهو غنيّ في وقت إخبارك، غير منقطع غناه. نقله ابن الصائغ في تذكرته.

فائدة: الفرق بين كان التامة و الناقصة: قال الإمام فخر الدين: الفرق بين كان التامّة و الناقصة أنّ التامّة بمعنى حدث و وجد الشي‏ء، و الناقصة بمعنى وجد موصوفيّة الشي‏ء بالشي‏ء في الزمن الماضي.

و قال ابن القواس في (شرح ألفيّة ابن معط) : الفرق بينهما أنّ التامة يخبر بها عن ذات إما منقض حدوثها أو متوقّع، و الناقصة يخبر بها عن انقضاء الصفة الحادثة من الذات أو عن توقّعها، و الذات موجودة قبل حدوث الصفة و بعدها، و التامة تكتفي بالمرفوع، و تؤكّد بالمصدر و تعمل في الظرف، و الحال، و المفعول له، و يعلّق بها الجارّ، و الناقصة بخلاف ذلك كلّه، انتهى.

و قال الشيخ تاج الدين بن مكتوم في (تذكرته) : قال الإمام أبو جعفر بن الإمام أبي الحسن بن الباذش. قال أبو القاسم الشنتريني فيما نقلت من كتاب بعض أصحابه: من زعم أنّ كان التي يضمر فيها الأمر و الشأن هي الناقصة نفسها، فقد أخطأ. و إنما هي غيرها. و الفرق بينهما أنّ التي على معنى الأمر و الشأن لا يكون اسمها مستترا فيها، و الناقصة يكون اسمها مستترا فيها، و غير مستتر، و التي على معنى الأمر و الشأن لا يتقدّم خبرها عليها و الناقصة يتقدّم خبرها عليها. و التي على معنى الأمر و الشأن لا ينعت اسمها، و لا يؤكّد، و لا يعطف عليه، و لا يبدل منه.

و الناقصة يجوز في اسمها كلّ هذا. و التي على معنى الأمر و الشأن لا يكون خبرها إلاّ جملة، و لا تحتاج الجملة أن يكون فيها عائد يرجع إلى الأول. و الناقصة ليست كذلك، لا بد من عائد يرجع إلى الأول من خبرها إذا كان جملة، فقد ثبت بهذا كله أنّ كان التي على معنى الأمر و الشأن ليست الناقصة. قال أبي: و الصحيح أنّ كان المضمر فيها الأمر و الشأن هي كان الناقصة، و الجملة في موضع نصب.

يدلّ على ذلك أن الأمر و الشأن يكون مبتدأ و مضمرا في إنّ و أخواتها و ظننت و أخواتها، و الجملة المفسّرة الواقعة موقع خبر هذه الأشياء، و ما ثبت أنه خبر المبتدأ و لما ذكر معه ثبت أنه خبر لكان، انتهى.

ذكر ما افترق فيه ما النافية و ليس‏

قال المهلّبي: المشابهة بينهما أولا من ثلاثة أوجه: دخولهما على المبتدأ و الخبر، و كونهما للنفي، و كون النفي نفي حال.

180

ثمّ خالفت ما ليس في عشرة أوجه: يبطل عملها بزيادة إن و دخول (إلا) ، و تقديم الخبر و معموله، و إذا عطف عليها سببيّ نحو: ما زيد راكبا و لا سائرا أخوه، جاز في سائر الرفع و النصب، أو أجنبيّ لم يجز إلاّ الرفع نحو: ما زيد سائرا و لا ذاهب عمرو، و لا تحمل الضمير فلا يقال: زيد ما قائما، كما يقال: زيد ليس قائما، و لا تفسّر فعلا لأنّ الأفعال يفسّر بعضها بعضا، و إذا كان بعد الاسم فعل فالحمل عليه أولى من الاسم نحو: ما زيدا أضربه، على تقدير ما أضرب زيدا أضربه، و هو أولى من رفعه. و لا يخبر عنها بفعل ماض، لا يقال: ما زيد قال، لأنّها لنفي الحال. و لا يحسن تقديم الخبر المجرور، نحو: ما بقائم زيد كحسنه في ليس.

قال: فجميع ما جاز في ما يجوز في ليس، و لا يجوز في ما جميع ما جاز في ليس، لقوّة ليس في بابها بالفعلية، و الشي‏ء إذا شابه الشي‏ء فلا يكاد يشبهه، من جميع وجوهه. و قال نظما: [الطويل‏]

تفهّم فإنّ الفرق قد جاء بين (ما) # (و ليس) بعشر بيّنت لأولي الفهم

زيادة إن من بعدها مبطل لها # و إلا و أخبار يقدّمن للعلم

و معمولها يجري كذاك مقدّما # و مسألة في العطف تشهد بالحكم

و يمتنع الإضمار في ذاتها، و لا # تفسّر فعلا للذكيّ، و لا الفدم

و إن كان بعد الاسم فعل فحمل ما # تضمّنه للفعل أولى من الاسم

و لا تجعل الماضي إذن خبرا لها # و لا الباء في تقديمه تحمدن قسمي‏

ذكر ما افترقت فيه (لا) و (ليس)

قال ابن هشام في (المغني) (1) : (لا) العاملة عمل ليس تخالف ليس في ثلاث جهات:

أحدها: أنّ عملها قليل، حتى ادّعي أنّه ليس بموجود.

الثاني: أنّ ذكر خبرها قليل، حتى إنّ الزّجاج لم يظفر به، فادّعى أنها إنما تعمل في الاسم خاصة، و أن خبرها مرفوع.

الثالث: أنها لا تعمل إلا في النكرات.

____________

(1) انظر مغني اللبيب (264) .

181

ذكر ما افترقت فيه أخوات (إنّ)

قال ابن هشام في (تذكرته) : لإنّ، و أنّ، و لكنّ أحكام خمسة، هي فيها فوضى دون سائر أخواتها:

أحدها: العطف على الموضع.

و الثاني: دخول الفاء في الخبر لتضمّن معنى الشرط.

و الثالث: عدم جواز عملها في حال و ظرف و مجرور، بخلاف أخواتها الثلاث.

و الرابع: عدم جواز الإعمال و الإهمال إذا قرنت بما عند ابن السّراج و الزّجاج محتجّين بأنّ ذلك جاز في ليت سماعا، و في كأنّ و لعلّ قياسا عليها لاشتراكهنّ في إزالة معنى الابتداء، و الحقّ خلاف قولهما، لأنّه إنّما جاز في ليت لبقاء اختصاصها فلا يحمل عليها غيرها.

الخامس: دخول اللام في الخبر، لكنّه في إن المكسورة باطراد، و فيهما بندور، هذا هو الإنصاف و أنّه لا تأويل في: [الطويل‏]

____________

328

-[يلومونني في حبّ ليلى عواذلي‏] # و لكنّني من حبّها لعميد

و لا في قراءة بعضهم‏ إِلاََّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ اَلطَّعََامَ [الفرقان: 20]، كلّ ذلك لبقاء معنى الابتداء معهن، انتهى.

ذكر ما افترق فيه (أنّ) الشديدة المفتوحة و (أن) الخفيفة

قال ابن هشام في (المغني) : شرّكوا بينهما في جواز حذف الجارّ، و سدّهما مسدّ جزأي الإسناد في باب ظن، و خصّوا أن الخفيفة و صلتهما بسدّهما مسدّهما في باب عسى، و خصّوا الشديدة بذلك في باب لو. تقول: عسى أن تقوم، و يمتنع عسى أنك قائم، و لو أنك تقوم: و لا يجوز لو أن تقوم.

و في (شرح المفصّل) للأندلسيّ: (أن) الخفيفة الناصبة للمضارع أشبهت أنّ الشديدة العاملة في الأسماء من أربعة أوجه:

أحدها: أنّ لفظها قريب من لفظها، و إذا خفّفت صارت مثلها في اللفظ.

____________

(328) -الشاهد بلا نسبة في الإنصاف (209) ، و تخليص الشواهد (ص 357) ، و الجنى الداني (ص 132) ، و جواهر الأدب (ص 87) ، و خزانة الأدب (1/16) ، و الدرر (2/185) ، و رصف المباني (ص 235) ، و سرّ صناعة الإعراب (1/380) ، و شرح الأشموني (1/141) ، و شرح شواهد المغني (2/605) ، و شرح المفصّل (8/62) ، و كتاب اللامات (ص 158) ، و لسان العرب (لكن) ، و مغني اللبيب (1/233) ، و المقاصد النحوية (2/247) ، و همع الهوامع (1/140) .

182

الثاني: أنّها و ما عملت فيه مصدر مثل أنّ الثقيلة.

الثالث: أنّ لها و لما عملت فيه موضعا من الإعراب، كالثقيلة.

الرابع: أنّ كلّ واحدة منهما تدخل على الجملة، انتهى.

و قال ابن النحاس في (التعليقة) : أنّ الشديدة للحال، و أن الخفيفة تصلح للماضي و المستقبل.

ذكر ما افترق فيه (لا) و (إنّ)

قال ابن هشام‏ (1) : تخالف لا إنّ من سبعة أوجه:

أحدها: أنّ (لا) لا تعمل إلا في النكرات.

الثاني: أنّ اسمها إذا لم يكن عاملا بني.

الثالث: أنّ ارتفاع خبرها عند إفراد اسمها، نحو: لا رجل قائم، بما كان مرفوعا به قبل دخولها، لا بها. و هذا قول سيبويه‏ (2) ، و خالفه الأخفش و الأكثرون، و لا خلاف أن ارتفاعه بها إذا كان اسمها عاملا.

الرابع: أنّ خبرها لا يتقدّم على اسمها، و لو كان ظرفا أو مجرورا.

الخامس: أنه يجوز مراعاة محلّها مع اسمها قبل مضيّ الخبر و بعده فيجوز رفع النعت و المعطوف من نحو: لا رجل ظريف فيها، و لا رجل و امرأة فيها.

السادس: أنه يجوز إلغاؤها إذا تكرّرت.

السابع: أنه يكثر حذف خبرها إذا علم.

ذكر الفرق بين الإلغاء و التعليق‏

قال ابن إياز: معنى التعليق في باب ظنّ أن يتصدّر على الاسمين حرف يكون حاميا للفعل عن العمل في لفظ الاسمين دون العمل في موضعهما. و هذا حكم بين حكم الإلغاء-و هو إبطال العمل بالكلية-و بين حكم كمال العمل، فسمي ذلك تعليقا تشبيها بالمعلّقة، و هي التي ليست ممسكة و لا مطلّقة. قال ابن الخشّاب:

و لقد أجاد أهل الصناعة في وضع اللقب لهذا المعنى و استعارته له كلّ الإجادة.

و قال ابن يعيش في (شرح المفصّل) (3) : التعليق ضرب من الإلغاء، لأنّه إبطال

____________

(1) انظر مغني اللبيب (262) .

(2) انظر الكتاب (2/286) .

(3) انظر شرح المفصّل (7/86) .

183

عمل العامل لفظا لا محلاّ، و الإلغاء إبطال عمله بالكلّيّة. فكلّ تعليق إلغاء، و ليس كلّ إلغاء تعليقا، قال ابن النحاس: في ادّعائه بين التعليق و الإلغاء عموما و خصوصا نظر، فإنه لا عموم و لا خصوص بينهما.

و في (تذكرة ابن هشام) ، قال ابن أبي الربيع: لا يجوز الإلغاء إلا بشروط:

التوسط أو التأخر، و ألاّ يتعدى إلى مصدره، و أن يكون قلبيا. قال: فأما التعليق فيكون في هذه الأفعال و في أشباهها، انتهى.

ذكر الفرق بين حذف المفعول اختصارا و بين حذفه اقتصارا

قال ابن هشام‏ (1) : جرت عادة النحويين أن يقولوا: يحذف المفعول اختصارا و اقتصارا و يريدون بالاختصار الحذف لدليل، و بالاقتصار الحذف لغير دليل، و يمثّلونه بنحو: كُلُوا وَ اِشْرَبُوا [البقرة: 60]، أي: أوقعوا هذين الفعلين، و قول العرب فيما يتعدّى إلى اثنين: من يسمع يخل، أي: تكن منه خيلة.

و التحقيق أن يقال: إنّه تارة يتعلّق الغرض بالإعلام بمجرّد وقوع الفعل من غير تعيين من أوقعه و من أوقع عليه، فيجاء بمصدره مسندا إلى فعل كون عامّ فيقال:

حصل حريق أو نهب.

و تارة يتعلّق بالإعلام بمجرّد إيقاع الفاعل الفعل، فيقتصر عليهما، و لا يذكر المفعول و لا ينوى، إذ المنويّ كالثابت، و لا يسمى محذوفا، لأن الفعل ينزل بهذا القصد منزلة ما لا مفعول له، و منه: رَبِّيَ اَلَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ [البقرة: 258]، و هَلْ يَسْتَوِي اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ اَلَّذِينَ لاََ يَعْلَمُونَ [الزمر: 9]، وَ كُلُوا وَ اِشْرَبُوا وَ لاََ تُسْرِفُوا [الأعراف: 31]، وَ إِذََا رَأَيْتَ ثَمَّ [الدهر: 20]إذا المعنى: ربّي الذي يفعل الإحياء و الإماتة، و هل يستوي من يتصف بالعلم و من ينتفي عنه العلم، و أوقعوا الأكل و الشرب و ذروا الإسراف، و إذا حصلت منك رؤية هنالك.

و تارة يقصد إسناد الفعل إلى فاعله و تعليقه بمفعوله، فيذكرون نحو: لاََ تَأْكُلُوا اَلرِّبَوا [آل عمران: 130]، وَ لاََ تَقْرَبُوا اَلزِّنى‏ََ [الإسراء: 32]، و قولك: ما أحسن زيدا!. و هذا النوع إذا لم يذكر مفعوله قيل: محذوف، نحو: مََا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ مََا قَلى‏ََ [الضحى: 3]، و قد يكون في اللفظ ما يستدعيه فيحصل الجزم بوجوب تقديره، نحو: أَ هََذَا اَلَّذِي بَعَثَ اَللََّهُ رَسُولاً [الفرقان: 41]، وَ كُلاًّ وَعَدَ اَللََّهُ اَلْحُسْنى‏ََ [النساء: 95]. [الوافر]:

____________

(1) انظر المستقصى في الأمثال (362) ، و فصل المقال (412) .

غ

184

____________

329

-[أبحت حمى تهامة بعد نجد] # و ما شي‏ء حميت بمستباح‏

ذكر ما افترق فيه باب ظنّ و باب أعلم‏

قال ابن إياز: لا يجوز في باب أعلم الإلغاء و لا التعليق-كما صرّح به ابن الورّاق في علله-لأنّك لو قلت: أعلمت لزيد عمرو قائم لم ينعقد من الكلام مبتدأ و خبر، و كان غير مفيد لأنّ قولك: عمرو قائم، لا يستقيم جعله خبرا عن زيد، و كذا الحكم في الإلغاء. و لا يجوز في هذا الباب الاقتصار على المفعول الثاني دون الثالث، و لا على الثالث دون الثاني، و في الاقتصار على المفعول الأول خلاف.

ذكر ما افترقت فيه المفاعيل‏

قال ابن يعيش‏ (1) : المصدر هو المفعول الحقيقيّ، لأنّ الفاعل يحدثه و يخرجه من العدم إلى الوجود و صيغة الفعل تدلّ عليه، و الأفعال كلّها متعدّية إليه، سواء كان يتعدّى الفاعل أو لم يتعدّ. نحو: ضربت زيدا ضربا، و قام زيد قياما. و ليس كذلك غيره من المفعولين ألا ترى أن زيدا من قولك: ضربت زيدا، ليس مفعولا لك على الحقيقة، إنما هو مفعول للّه تعالى. و إنما قيل له على معنى: أن فعلك وقع به.

ذكر الفرق بين المصدر و اسم المصدر

قال الشيخ بهاء الدين بن النحاس: الفرق بينهما أنّ المصدر في الحقيقة هو الفعل الصادر عن الإنسان و غيره كقولنا: إنّ (ضربا) مصدر في قولنا: يعجبني ضرب زيد عمرا، فيكون مدلوله معنى. و سمّوا ما يعبّر به عنه مصدرا مجازا، نحو: ض ر ب في قولنا: إنّ (ضربا) مصدر منصوب إذا قلت: ضربت ضربا فيكون مسمّاه لفظا.

و اسم المصدر اسم للمعنى الصادر عن الإنسان و غيره، كسبحان المسمّى به التسبيح الذي هو صادر عن المسبّح لا لفظ: ت س ب ي ح، بل المعنى المعبّر عنه بهذه الحروف، و معناه القراءة و التنزيه، انتهى.

و قال ابن الحاجب في (أماليه) : الفرق بين قول النحويين، مصدر و اسم مصدر، أنّ المصدر الذي له فعل، يجري عليه، كالانطلاق في انطلق، و اسم المصدر

____________

(329) -الشاهد لجرير في ديوانه (89) ، و الكتاب (1/141) ، و المقاصد النحوية (4/75) ، و بلا نسبة في خزانة الأدب (6/42) ، و سرّ صناعة الإعراب (ص 402) ، و شرح التصريح (2/112) .

(1) انظر شرح المفصّل (1/110) .

185

هو اسم المعنى، و ليس له فعل يجري عليه كالقهقرى، فإنه لنوع من الرجوع، و لا فعل له يجري عليه من لفظه. و قد يقولون: مصدر و اسم مصدر في الشيئين المتغايرين لفظا: أحدهما للفعل و الآخر للآلة التي يستعمل بها الفعل كالطّهور و الطّهور، و الأكل و الأكل. فالطّهور المصدر، و الطّهور اسم ما يتطّهر به، و الأكل المصدر، و الأكل كلّ ما يؤكل، انتهى.

ذكر الفرق بين عند ولدى و لدن‏

قال ابن هشام‏ (1) : يفترقن من ستّة أوجه: لا تكون (عند) و (لدن) إلا إذا كان المحلّ ابتداء غاية، نحو: آتَيْنََاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنََا وَ عَلَّمْنََاهُ مِنْ لَدُنََّا عِلْماً [الكهف:

65]، و لا تكون (لدن) فضلة بخلافهما. و جرّ (لدن) بمن أكثر من نصبها، و جرّ عند كثير، و جرّ (لدى) ممتنع.

و هي مبنيّة، و هما معربان. و هي قد تضاف للجملة كقوله: [الطويل‏]

____________

330

-[صريع غوان راقهنّ و رقنه‏] # لدن شاب حتّى شاب سود الذّوائب‏

و قد لا تضاف أصلا، فإنّهم حكوا في غدوة الواقعة بعدها الجرّ بالإضافة، و النصب على التمييز، و الرفع بإضمار كان تامّة.

ثم إن (عند) أمكن من لدى من وجهين:

أحدهما: أنّها تكون ظرفا للأعيان و المعاني، نحو: عند فلان علم، و يمتنع ذلك في لدى. ذكره‏ (2) ابن الشجريّ في (أماليه) ، و مبرمان في (حواشيه) .

و الثاني: أنّك تقول: عندي مال. و إن كان غائبا، و لا تقول: لديّ مال إلا إذا كان حاضرا. قاله الحريريّ، و أبو هلال العسكري، و ابن الشجري، و زعم المعرّيّ أنه لا فرق بين (لدى) و (عند) ، و قول غيره أولى، انتهى.

____________

(1) انظر مغني اللبيب (168) .

(330) -الشاهد للقطامي في ديوانه (ص 44) ، و خزانة الأدب (7/86) ، و الدرر (3/137) ، و سمط اللآلي (ص 132) ، و شرح التصريح (2/46) ، و شرح شواهد المغني (ص 455) ، و معاهد التنصيص (1/181) ، و المقاصد النحوية (3/427) ، و بلا نسبة في أوضح المسالك (3/145) ، و تخليص الشواهد (ص 263) ، و شرح الأشموني (2/318) ، و همع الهوامع (1/215) .

(2) انظر أمالي ابن الشجري (1/224) .

186

ذكر ما افترق فيه إذ و إذا و حيث‏

قال ابن هشام في (تذكرته) : اعلم أنّ (إذ) و (إذا) و (حيث) اشتركن في أمور، و افترقن في أمور: فاشتركن في الظرفيّة و لزومها، و الإضافة و لزومها، و كونها للجمل، و البناء و لزومه، و أنها لمعنى، و قد تخرج عنه. فهذه ثمانية قد قيلت.

و تشترك إذ و إذا في أنّهما للزمان و لا يكونان للمكان، و أنّهما يكفان بما عن الإضافة مفيدين معنى الشرط، جازمين قياسا مطّردا، و أنّهما يضافان للجملة الفعلية.

و انفردت (إذا) بإفادتها معنى الشرط دون ما، و أنها لا تضاف إلا إلى الجمل الفعلية، و انفردت (حيث) بأنها تكون للمكان و الزمان، و الغالب كونها للمكان، انتهى.

ذكر الفرق بين وسط بالسكون و بين وسط بالفتح‏

قال الجمال السرمري: [الخفيف‏]

فرق ما بين قولهم وسط الشي # ء و وسط تحريكا أو تسكينا

موضع صالح لبين فسكّن # و لفي حرّكا تراه مبينا

كجلسنا وسط الجماعة إذ هم # وسط الدّار كلّهم جالسينا

قال الفارسيّ في (القصريّات) : إذا قلت: حفرت وسط الدار بئرا بالسكون، فوسط ظرف و بئرا مفعول به. و إذا قلت: حفرت وسط الدار بئرا بالتحريك، فوسط مفعول به، و بئرا حال.

ذكر الفرق بين واو المفعول معه و واو العطف‏

قال ابن يعيش‏ (1) : فإن قيل: نحن متى عطفنا اسما على اسم بالواو دخل فيه الأول، و اشتركا في المعنى، فكانت الواو بمعنى (مع) فلم اختصصتم باب المفعول معه بمعنى مع؟.

قيل: الفرق بين العطف بالواو و هذا الباب أنّ التي للعطف توجب الاشتراك في الفعل، و ليس كذلك الواو التي بمعنى مع، إنما توجب المصاحبة فإذا عطفت بالواو شيئا على شي‏ء دخل في معناه، و لا يوجب بين المعطوف و المعطوف عليه ملابسة و مقاربة، كقولك: قام زيد و عمرو، فليس أحدهما ملابسا للآخر و لا مصاحبا له. و إذا

____________

(1) انظر شرح المفصّل (2/49) .

187

قلت: ما صنعت و أباك؟فإنما يراد ما صنعت مع أبيك، و إذا قلت: استوى الماء و الخشبة، و ما زلت أسير و النيل، يفهم منه المصاحبة و المقارنة.

و قال الأبّذيّ: الفرق بين واو المفعول معه و واو العطف أنّك إذا قلت: قام زيد و عمرو، ليس أحدهما ملابسا للآخر، و لا فرق بينهما في وقوع الفعل من كلّ منهما على حدة. فإذا قلت: ما صنعت و أباك؟و ما أنت و الفخر؟فإنما تريد ما صنعت مع أبيك؟و أين بلغت في فعلك به؟و ما أنت مع الفخر في افتخارك و تحقّقك به؟

باب الاستثناء

قال ابن يعيش‏ (1) : الفرق بين البدل و النصب في قولك: ما قام أحد إلا زيدا، أنك إذا نصبت جعلت معتمد الكلام النفي، و صار المستثنى فضلة، فتنصبه، كما تنصب المفعول. و إذا أبدلته منه كان معتمد الكلام إيجاب القيام لزيد، و كان ذكر الأول كالتوطئة كما ترفع الخبر لأنه معتمد الكلام، و تنصب الحال لأنه تبع للمعتمد في نحو: زيد في الدار قائم و قائما، انتهى.

فصل‏

قال ابن يعيش‏ (2) : الفرق بين (غير) إذا كانت صفة، و بينها إذا كانت استثناء، أنها إذا كانت صفة لم توجب للاسم الذي وصفته بها شيئا، و لم تنفه عنه، لأنّها مذكورة على سبيل التعريف، فإذا قلت: جاءني غير زيد، فقد وصفته بالمغايرة له، و عدم المماثلة، و لم تنف عن زيد المجي‏ء. فإنّما هو بمنزلة قولك: جاءني رجل ليس بزيد. و أمّا إذا كانت استثناء فإنه إذا كان قبلها إيجاب فما بعدها نفي، و إذا كان قبلها نفي فما بعدها إيجاب، لأنّها هنا محمولة على إلا، فكان حكمها كحكمها.

ذكر ما افترقت فيه (إلا) و (غير)

قال أبو الحسن الأبّذيّ في (شرح الجزوليّة) : افترقت (إلا) و (غير) في ثلاثة أشياء:

أحدها: أنّ غيرا يوصف بها، حيث لا يتصوّر الاستثناء. و إلا ليست كذلك.

فتقول: عندي درهم غير جيد، و لو قلت: عندي درهم إلا جيّد، لم يجز.

____________

(1) انظر شرح المفصّل (2/87) .

(2) انظر شرح المفصّل (2/88) .

188

و الثاني: أنّ إلا إذا كانت مع ما بعدها صفة لم يجز حذف الموصوف و إقامة الصفة مقامه، فتقول: قام القوم إلاّ زيد: و لو قلت: قام إلا زيد لم يجز بخلاف غير، إذ تقول: قام القوم غير زيد، و قام غير زيد. و سبب ذلك أنّ الأحرف لم تتمكّن في الوصفيّة، فلا تكون صفة إلا تابعا، كما أنّ أجمعين لا تستعمل في التأكيد إلا تابعا.

الثالث: أنّك إذا عطفت على الاسم الواقع بعد إلا كان إعراب المعطوف على حسب المعطوف عليه، و إذا عطفت على الاسم الواقع بعد غير جاز الجرّ و الحمل على المعنى.

ذكر ما افترق فيه الحال و التمييز

قال ابن هشام في (المغني) (1) : اعلم أنّهما اجتمعا في خمسة أمور، و افترقا في سبعة:

فأوجه الاتفاق أنهما اسمان، نكرتان، فضلتان، منصوبتان، رافعتان للإبهام، و أمّا أوجه الافتراق:

فأحدها: أنّ الحال تكون جملة و ظرفا و جارّا و مجرورا. و التمييز لا يكون إلا اسما.

و الثاني: أنّ الحال قد يتوقف معنى الكلام عليها، نحو: وَ لاََ تَمْشِ فِي اَلْأَرْضِ مَرَحاً [الإسراء: 37]، لاََ تَقْرَبُوا اَلصَّلاََةَ وَ أَنْتُمْ سُكََارى‏ََ [النساء: 43]بخلاف التمييز.

و الثالث: أنّ الحال مبيّنة للهيئات، و التمييز مبيّن للذوات.

الرابع: أنّ الحال تتعدّد بخلاف التمييز.

الخامس: أنّه الحال تتقدّم على عاملها إذا كان فعلا متصرّفا، أو وصفا يشبهه، و لا يجوز ذلك في التمييز على الصحيح.

السادس: أنّ حقّ الحال الاشتقاق، و حقّ التمييز الجمود، و قد يتعاكسان.

السابع: أنّ الحال تكون مؤكّدة لعاملها، و لا يقع التمييز كذلك، انتهى.

قلت: و بقيت فروق أخرى تتبّعتها، و لم أر من عدّها.

ذكر ما افترق فيه الحال و المفعول‏

قال ابن يعيش‏ (2) : الحال تشبه المفعول من حيث أنّها تجي‏ء بعد تمام الكلام

____________

(1) انظر مغني اللبيب (513) .

(2) انظر شرح المفصّل (2/55) .

189

و استغناء الفعل بفاعله و أنّ في الفعل دليلا عليه، كما كان فيه دليل على المفعول.

و لهذا الشّبه استحّقت أن تكون منصوبة مثله.

و تفارقه في أنّها هي الفاعل في المعنى، و ليست غيره. فالراكب في: جاء زيد راكبا، هو زيد. و ليس المفعول كذلك، بل لا يكون إلا غير الفاعل، أو في حكمه، نحو: ضرب زيد عمرا. و لذلك امتنع ضربتني و ضربتك، لاتّحاد الفاعل و المفعول.

فأمّا قولهم: ضربت نفسي فالنفس في حكم الأجنبيّ، و لذلك يخاطبها ربّها، فيقول:

يا نفس اقلعي، مخاطبة الأجنبيّ.

و يعمل فيها الفعل اللازم، و ليس المفعول كذلك.

و لا تكون إلا نكرة، و المفعول يكون نكرة و معرفة. و لها شبه خاصّ بالمفعول فيه و خصوصا ظرف الزمان، و ذلك لأنّها تقدّر بفي كما يقدّر الظرف بفي. فإذا قلت:

جاء زيد راكبا، فتقديره: في حال الركوب، كما أن جاء زيد اليوم تقديره: في اليوم.

و خصّ الشبه بظرف الزمان. لأن الحال لا تبقى، بل تنتقل إلى حال أخرى، كما أن الزمان منقض لا يبقى، و يخلفه غيره.

و قال الزمخشريّ في (المفصّل) (1) : يجوز إخلاء الجملة الحاليّة المقترنة بالواو عن الراجع إلى ذي الحال، إجراء لها مجرى الظرف، لانعقاد الشبه بينها و بينه.

و قال ابن النحاس في (التعليقة) : الحال تشبه الظرف في أنها مقدّرة بفي، و تفارقه في أنّ (في) تدخل على لفظ الظرف، و في الحال تدخل على حال مضافة إلى مصدرها، نحو: جاء زيد قائما أي في حال قيامه.

و قال السخاويّ في (شرح المفصّل) : الحال تشبه المفعول به، و ظرف الزمان، و الصّفة، و التمييز و الخبر.

أما شبهها بالمفعول به فلأنّ في الفعل دلالة على كلّ واحد منهما، فإذا قلت:

(ضربت) دلّ ذلك على مضروب و على حال. و لأنّ كلّ واحد من الحال و المفعول اسم جاء بعد استقلال الفعل بالفاعل.

و أما شبهها بالظرف فمن قبل أنها مفعل فيها، و أنها تنتقل كانتقال الزمان و انقضائه، و يحسن فيها دخول في.

و أما شبهها بالصفة فإنّ الصفة أصل الحال، و الحال منقولة من الصفة إلى

____________

(1) انظر المفصّل (64) .

190

الظرفيّة، و لهذا لا تكون الحال في الغالب إلاّ اسم فاعل أو مفعول. و أسماء الفاعل و المفعول إنما كانت فيه ليوصف بها. لا لتكون مفعولا فيها.

و أما شبهها بالتمييز فلأنها لا تكون إلاّ نكرة، و لأنها تبيّن الهيئة التي وقع عليها الفعل، كما يبيّن التمييز النوع.

و أما شبهها بالخبر فلأنها نكرة جاءت لتفيد، و كذلك الخبر. و التنكير فيه هو الأصل.

و الفرق بينها و بين المفعول به أنها يعمل فيها المتعدّي و غير المتعدّي و المعاني. و المفعول به يكون ظاهرا و مضمرا و معرّفا و منكّرا و مشتقّا و غير مشتقّ، و الحال لا تكون إلا اسما ظاهرا نكرة مشتقّة.

و الفرق بينها و بين الظرف أن الحال هيئة الفاعل أو المفعول، فهي في المعنى صاحب الحال بخلاف الظرف. و أيضا فإنّ الظرف يعمل فيه معنى الفعل متأخّرا و متقدّما، و أما الحال فلا يعمل فيها معنى الفعل إلا متقدّما عليها.

و قال ابن الشجريّ في (أماليه) (1) : الحال تفارق المفعول به من أربعة أوجه:

الأول: لزومها التنكير، و المفعول يكون معرفة و نكرة.

و الثاني: أنّ الحال في الأغلب هي ذو الحال، و أنّ المفعول هو غير الفاعل.

و الثالث: أنّ الحال يعمل فيها الفعل، و معنى الفعل، و المفعول لا يعمل فيه المعنى.

و الرابع: أنّ المفعول يبنى له الفعل فيرفع رفع الفاعل، و الحال لا يبنى لها الفعل.

ذكر الفرق بين الجملة الحالية و المعترضة

قال ابن هشام‏ (2) : كثيرا ما تشتبه المعترضة بالحالية. و يميّزها منها أمور:

أحدها: أنّ المعترضة تكون غير خبريّة كالأمريّة، و الدعائيّة و القسميّة و التنزيهيّة.

و الثاني: أنّه يجوز تصديرها بدليل استقبال كلن و السين و سوف و الشرط.

الثالث: أنّه يجوز اقترانها بالفاء.

الرابع: أنه يجوز اقترانها بالواو مع تصديرها بالمضارع المثبت.

____________

(1) انظر الأمالي الشجرية (2/272) .

(2) انظر مغني اللبيب (441) .

191

ذكر الفرق بين الإضافة بمعنى اللام و بينها بمعنى من‏

قال الأندلسيّ في (شرح المفصّل) : الفرق بينهما من وجوه:

أحدها: أنّ الثاني غير الأول في الإضافة التي بمعنى اللام، سواء وافقه في اسمه، أو لم يوافقه، فإنه يتّفق أن يكون اسم الغلام و المالك واحدا، فالمغايرة حاصلة و إن اتّحد اللفظ. و أما التي بمعنى من فالأول فيها بعض الثاني.

الثاني: أنّ التي بمعنى اللام لا يصحّ فيها أن يوصف الأول بالثاني، و التي بمعنى من يصحّ ذلك فيها.

الثالث: أن التي بمعنى اللام لا يصحّ فيها أن يكون الثاني خبرا عن الأول، و التي بمعنى من يصحّ فيها ذلك.

قال ابن برهان: إذا صحّ أن يكون الثاني خبرا عن الأوّل فالإضافة بمعنى (من) ، فإن امتنع ذلك فهي بمعنى اللام.

الرابع: أنّ التي بمعنى اللام لا يصحّ انتصاب المضاف إليه فيها على التمييز و يصحّ في التي بمعنى من.

ذكر الفرق بين حتى الجارّة و إلى‏

قال السخاويّ في (تنوير الدياجي) : (حتّى) إذا كانت جارّة وافقت (إلى) في أنها غاية، و خالفتها في ثلاثة أشياء.

أحدها: أنها لا تدخل على المضمر، فلا يقال: حتّاه، كما يقال إليه.

الثاني: أنّ فيها معنى الاستثناء و ليس ذلك في إلى.

الثالث: أنّ إلى تقع خبرا للمبتدأ، كقوله تعالى: وَ اَلْأَمْرُ إِلَيْكِ [النمل:

33]، و حتّى لا تكون كذلك.

و قال ابن القوّاس في (شرح ألفيّة ابن معط) : حتّى و إن شاركت إلى في الغاية تخالفها في أوجه:

أحدها: أنّ المجرور بها يجب أن يكون آخر جزء مما قبلها، أو ملاقي الآخر.

تقول‏ (1) : (أكلت السمكة حتى رأسها، و لا تقول حتى نصفها أو ثلثها، كما تقول:

إلى نصفها أو إلى ثلثها) .

____________

(1) انظر شرح المفصّل (8/16) ، و همع الهوامع (1/23) .

غ

192

الثاني: أنّ ما بعد حتّى لا يكون إلا من جنس ما قبلها، فلا تقول: ركبت الخيل حتى الحمار، و لا يلزم ذلك في إلى تقول: ذهب الناس إلى السوق.

و الثالث: أنّ حتى لا تقع مع مجرورها خبرا لمبتدأ بخلاف إلى.

و الرابع: أنها مختصة بالظاهر بخلاف إلى.

ذكر ما افترق فيه المصدر و اسم الفاعل‏

قال ابن السّراج في (الأصول) : الفرق بين المصدر و بين اسم الفاعل أنّ المصدر يجوز أن يضاف إلى الفاعل و إلى المفعول. تقول: عجبت من ضرب زيد عمرا، فيكون (زيد) هو الفاعل في المعنى، و من ضرب زيد عمرو فيكون (زيد) هو المفعول في المعنى، و لا يجوز هذا في اسم الفاعل، كما لا يجوز أن يقال: عجبت من ضارب زيد، و زيد فاعل.

و قال المهلّبيّ: الفرق بينهما من ستّة أوجه:

1-أنّ اسم الفاعل يتحمّل الضمير بخلاف المصدر.

2-و أنّ الألف و اللام فيه تفيد شيئين: التعريف و الموصوليّة، و في المصدر تفيد التعريف فقط.

3-و أنه يجوز تقديم معموله عليه، نحو: هذا زيدا ضارب، بخلاف المصدر.

4-و أنه يعمل بشبه الفعل، و المصدر قائم بنفسه، لا يعمل بشبه شي‏ء لأنه الأصل.

5-و أنه لا يعمل إلا في الحال و الاستقبال، و المصدر يعمل في الأزمنة الثلاثة.

6-و السادس ما ذكره ابن السرّاج من الإضافة.

و قال نظما: [الوافر]

تنافى مصدر الأفعال و اسم # لفاعلها بواحدة و خمس:

ضمير بعده ألف و لام # و تقديم لمعمول بنكس

و تحذوها الإضافة ثمّ وزن # و أزمنة تجلّت غير حدس‏

و قال ابن الشجريّ في (أماليه) (1) : و من الفرق بينهما أنّ المصدر يعمل معتمدا و غير معتمد، و اسم الفاعل لا يعمل إلا معتمدا على موصوف أو ذي خبر أو حال.

____________

(1) انظر الأمالي الشجرية (1/37) .

193

ذكر ما افترق فيه المصدر و الفعل‏

قال أبو الحسين بن أبي الربيع في (شرح الإيضاح) : يحذف الفاعل من المصدر، نحو: أَوْ إِطْعََامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ `يَتِيماً [البلد: 14-15]بخلاف الفعل، فإنه لا يحذف معه، لأنّ في ذلك نقضا للغرض، لأنه بني للإخبار عنه، و المصدر لم يبن لفاعل و لا مفعول. و إنما يطلبهما من جهة المعنى، فكما يحذف معه المفعول يحذف الفاعل، لأن بنية المصدر لهما سواء.

ذكر ما افترق فيه المصدر و (أن) و (أنّ) وصلتهما

افترقا في أمور:

الأول و الثاني: قال ابن مالك في (شرح العمدة) : إذا لم يشارك المصدر المعلّل في الفاعل و الزمان معا فلا بدّ من حرف التعليل، نحو: جئتك لرغبتك فيّ، أو جئتك الساعة لوعدي إياك أمس. فلو كان المصدر أن وصلتها، أو أنّ وصلتها لم يجب حرف التعليل، فيجوز أن يقال: جئتك أن رغبت فيّ، و جئتك الساعة أن وعدتك أمس، و كذلك أنك رغبت فيّ، لأنّ أن و أنّ قد اطّرد فيهما جواز الاستغناء عن حروف الجرّ في هذا الباب و غيره، انتهى.

يشير بقوله: (و غيره) ، إلى قوله في الألفية في باب التعدّي و اللزوم:

و الحذف مع أنّ و أن يطّرد # مع أمن لبس، كعجبت أن يدوا

فيقال: عجبت أن قمت، و عجبت عن قيامك بإظهار الجارّ مع المصدر وجوبا، و حذفه مع أن أو أنّ وصلتها.

الثالث: قال أبو حيّان: زعم ابن الطراوة أنه لا يجوز أن يضاف إلى أن و معمولها.

قال: لأنّ أن معناها التراخي، فما بعدها في جهة الإمكان و ليس بثابت، و النيّة في المضاف إثبات عينه بثبوت عين ما أضيف إليه، فإذا كان ما أضيف إليه غير ثابت في نفسه فأن يثبت غيره محال.

قال أبو حيّان: و هو مردود بالسماع، فقد حكاها الثقات عن العرب في قولهم:

مخافة أن تفعل. و يقال: أجي‏ء بعد أن تقوم، و قبل أن تخرج.

الرابع: قال ابن يعيش‏ (1) : قالوا في التحذير: إيّاي و أن يحذف أحدكم الأرنب،

____________

(1) انظر شرح المفصّل (2/26) .

194

يعني يرميه بسيف أو نحوه. فأن في موضع نصب، كأنّه قال: إياي و حذف أحدكم الأرنب، و لو حذفت الواو لجاز مع أن، فيقال: إيّاي أن يحذف أحدكم الأرنب، و لو صرّح بالمصدر لم يجز حذف الواو و لا من. و الفارق بينهما أنّ أن و ما بعدها من الفعل، و ما يعمل فيه مصدر، فلمّا طال جوّزوا فيه من الحذف ما لم يجز في المصدر الصريح.

الخامس: قال أبو حيّان في إعرابه: نصّوا على أنّ (أن) المصدرية لا ينعت المصدر المنسبك منها و من الفعل، فلا يوجد في كلامهم: يعجبني أن قمت السريع، تريد (قيامك السريع) و لا عجبت من أن تخرج السريع، أي: من خروجك السريع، قال: و حكم باقي الحروف المصدرية حكم أن، فلا يوجد في كلامهم وصف المصدر المنسبك من أنّ، و لا من ما، و لا من كي، بخلاف صريح المصدر، فإنه يجوز أن ينعت، و ليس لكلّ مصدر حكم المنطوق به، و إنّما يتّبع في ذلك ما تكلّمت به العرب.

و قال ابن هشام في (المغني) : اعلم أنهم حكموا لأن و أنّ المقدّرتين بمصدر معرّف بحكم الضمير، لأنه لا يوصف كما أنّ الضمير كذلك.

السادس و السابع و الثامن: قال ابن هشام في (المغني) : لا يعطى المصدر حكم أن و أنّ وصلتهما في جواز حذف الجارّ، و لا في سدّهما مسدّ جزأي الإسناد في باب ظنّ و عسى، و لا في النيابة عن ظرف الزمان، تقول: عجبت أن تقوم، أو أنّك قائم.

و لا يجوز عجبت قيامك. و تقول: حسبت أن تقوم و أنّك قائم، و لا تقول: حسبت قيامك، حتى تذكر الخبر، و تقول: عسى أن تقوم، و لا يجوز عسى قيامك. و تقول:

جئتك صلاة العصر، و لا يجوز جئتك أن تصلّي العصر، خلافا لابن جنّي و الزمخشري، و قال ابن إياز: يجوز حذف حرف الجرّ مع أنّ و أن كثيرا، و لا يجوز مع المصدر. لا تقول: رغبت لقاءك، و تريد: في لقائك، إذ المسوّغ للحذف معهما طول الكلام بصلتهما، و لا طول هنا.

و قال ابن القوّاس: يجوز في باب التحذير مع أن من حذف حرف الجرّ و حذف حرف العطف ما لا يجوز في غيرها مصدرا كان أو غيره.

التاسع: قال ابن يعيش‏ (1) : في قوله تعالى: إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مََا أَنَّكُمْ [الذاريات:

23]و قول الشاعر: [البسيط]

____________

(1) انظر شرح المفصّل (3/81) .

195

____________

331

-لم يمنع الشّرب منها غير أن نطقت # [حمامة في غصون ذات أو قال‏]

بنيت (مثل و غير) على الفتح لإضافتهما إلى غير متمكّن. فإن قيل: فأن و الفعل في تأويل المصدر، و كذلك أنّ المشددة مع ما بعدها. و المصدر اسم متمكن فحينئذ (مثل و غير) قد أضيفا إلى متمكّن، فلم وجب البناء؟.

قيل: كون أن مع الفعل في تقدير المصدر شي‏ء تقديريّ، و الاسم غير ملفوظ به، و إنما الملفوظ به حرف و فعل، فلما أضيفا إلى ما ذكرنا مع لزومهما الإضافة بنيا معها، لأن الإضافة بابها أن تقع على الأسماء المفردة. فلما خرجت هنا عن بابها بني الاسم.

العاشر: يقال: ضربت زيدا ضربا، و لا يقال ضربت زيدا أن ضربت، على إيقاع أن و الفعل موقع المصدر، و أجازه الأخفش‏ (1) .

و حجة الجمهور أنّ (أن) تخلّص الفعل للاستقبال و التأكيد إنما يكون بالمصدر المبهم، و علّله بعضهم بأنّ (أن تفعل) يعطي محاولة الفعل، و محاولة المصدر ليست بالمصدر، فكذلك لم يسغ لها أن تقع مع صلتها موقع المصدر.

قال صاحب البديع: أجاز الأخفش مسألة لا يجيزها غيره: ضربت زيدا أن ضربت، و يقول: هو في تقدير المصدر.

الحادي عشر: قد ينوب المصدر عن الظرف، نحو: جئتك قدوم الحاجّ، و انتظرتك حلب ناقة. و لا ينوب في ذلك المصدر المؤول، و هو أن و الفعل، نحو:

وَ تَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ [النساء: 127]، إذا قدّر بفي خلافا للزمخشري.

الثاني عشر: قال ابن مجاشع في كتاب (معاني الحروف) : الفرق بين كرهت خروجك، و كرهت أن تخرج أنّ الأول مصدر غير موقّت، و الثاني مصدر موقّت لأنه بيّن فيه الوقت.

____________

(331) -الشاهد لأبي قيس بن الأسلت في ديوانه (ص 85) ، و جمهرة اللغة (ص 1316) ، و خزانة الأدب (3/406) ، و الدرر (3/150) ، و لأبي قيس بن رفاعة في شرح أبيات سيبويه (2/180) .

و شرح شواهد المغني (1/458) ، و شرح المفصّل (3/80) ، و بلا نسبة في الكتاب (2/344) ، و خزانة الأدب (6/532) ، و سرّ صناعة الإعراب (2/507) ، و شرح التصريح (1/15) ، و شرح المفصّل (3/81) ، و لسان العرب (نطق) و (وقل) ، و مغني اللبيب (1/159) ، و همع الهوامع (1/219) .

(1) انظر همع الهوامع (1/187) .

196

و قال الأندلسيّ في (شرح المفصل) : الفرق بين ذكر (أن) مع الفعل بمعنى المصدر، و بين الإفصاح بذكر المصدر من وجهين:

أحدهما: ذكره عليّ بن عيسى، أن ذكر المصدر بمنزلة المجمل، لأنه يحتمل الفعل الذي نسب إلى فاعله، و الفعل الذي فعل، و الفعل الذي فعله، و إذا ذكرت (أن) مع الفعل فقد أفصحت بالمعنى الذي أردت من ذلك. مثال ذلك: أعجبني أن ضرب زيد، و أن ضرب زيد، و أن تضرب و أن يضرب زيد.

و الآخر: أنّ ذكر المصدر لا يدلّ على زمان بعينه، و ذكر (أن) مع الفعل يدلّ على أنّ الفعل وقع من فاعله فيما مضى، أو يقع فيما يأتي.

و فرق ثالث و هو أنّ (أن) وصلتها له شبه بالمضمر في أنّه لا يوصف، و لذلك اختار الجرمي في البرّ من قوله تعالى: لَيْسَ اَلْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا [البقرة: 177]النصب لأنه إذا اجتمع مضمر و مظهر فالوجه أن يكون المضمر الاسم، لأنه أذهب في الاختصاص، انتهى.

و في تذكرة ابن مكتوم عن تعاليق ابن جنّي: من قال‏ (1) : [البسيط]

[ترتع ما رتعت حتى إذا ادّكرت‏] # فإنّما هي إقبال و إدبار

لم يقل: فإنما هي أن تقبل و أن تدبر. و إن كان هذا بمعنى المصدر، و ذلك لأن قوله إقبال مصدر دالّ على الأزمنة الثلاثة دلالة مبهمة غير مخصوصة، فهو عامّ، و قولك أن تقبل خاصّ، لأنّ أن تخصّص الاستقبال. فلما كانوا توسّعوا في الأول، و هو المصدر، لم يتوسّعوا في هذا الثاني، و إن كان معناه المصدر للمخالفة التي بينهما، انتهى.

ذكر ما افترق فيه المصدر و اسم الفاعل‏

في تذكرة ابن الصائغ قال: نقلت من مجموع بخطّ ابن الرماح:

يفارق المصدر اسم الفاعل في عمله مطلقا، و عدم تقديم معموله، و إضافته للفاعل، و تعريفه بأل العهديّة و الجنسية غير الموصولة، و عدم الجمع بين أل و الإضافة، و عدم الاعتماد و العمل غير مفرد إلا في‏ (2) : [الطويل‏]

[وعدت و كان الخلف منك سجيّة] # مواعيد عرقوب أخاه‏[بيثرب‏]

____________

(1) مرّ الشاهد رقم (40) .

(2) مر الشاهد رقم (232) .

197

و تركته بملاحس البقر أولادها.

ذكر ما افترق فيه اسم الفاعل و الفعل‏

قال في (البسيط) : اعلم أنّ اسم الفاعل ينقص عن الفعل، و يفارقه بستّة أشياء:

أحدها: لا يعمل عند البصريين إلاّ في الحال و الاستقبال، و الفعل يعمل مطلقا.

الثاني: اشتراط اعتماده عند البصريين.

الثالث: إذا جرى على غير من هو له برز ضميره عند البصريين بخلاف الفعل.

الرابع: أنه يجوز تعديته بحرف الجرّ، و إن امتنع ذلك في فعله، نحو: فَعََّالٌ لِمََا يُرِيدُ [هود: 107]، و قال الشاعر: [الوافر]

____________

332

-و نحن التّاركون لما سخطنا # و نحن الآخذون لما رضينا

الخامس: أنّ اسم الفاعل مع فاعله يعدّ من المفردات بخلاف الفعل مع فاعله.

و لذلك يعرب بخلاف الفعل مع فاعله عند التسمية به.

السادس: أنّ الألف و الواو في: (ضاربان و ضاربون) حرفان يدلاّن على التثنية و الجمع، و هما في: (يضربان و يضربون) اسمان يدلاّن على الفاعل المثنى و المجموع.

و قال في موضع آخر: اعلم أنّ الألف و الياء و الواو اللاحقة لاسم المفعول و اسم الفاعل حروف دالّة على التثنية و الجمع. و الفاعل فيها ضمير لا يبرز، بخلاف الفعل، فإنّها فيه ضمائر دالة على المثنّى و المجموع و الفاعلة المخاطبة عند سيبويه‏ (1) . و إنما حكمنا بأنها حروف، و ليست بضمائر لتغيّرها بدخول العامل، و الضمائر في الفعل لا تتغيّر بدخوله. و إنما لم يبرز ضمير الفاعل في الصفات في تثنية و لا جمع لثلاثة أوجه:

أحدها: لتنحطّ رتبتها عن رتبة الفعل الذي هو أصلها في العمل، فإنه يبرز فيه ضمير التثنية، و الجمع.

و الثاني: أنه لو برز لكان بصورة الضمير الدالّ على التثنية و الجمع في الفعل، و حينئذ فيؤدي إلى اجتماع ألفين في التثنية، أحدهما: ضمير، و الثاني: علامة التثنية، و اجتماع واوين في الجمع، إحداهما: ضمير، و الثانية: علامة الجمع، و لا يجوز الجمع بينهما لأنهما ساكنان، فلا بدّ من حذف أحدهما. و إذا كان لا بدّ من الحذف حكمنا باستتار الضمير خيفة من الحذف، لأن الموجود علامة التثنية و الجمع، و ليس بضمير بدليل تغيّره، و الضمير لا يتغيّر.

____________

(332) -الشاهد لعمرو بن كلثوم في ديوانه (ص 83) ، و شرح المفصّل (6/78) .

(1) انظر الكتاب (1/44) .

198

و الثالث: أنّ الصفة لمّا كانت تثنّى و تجمع بحكم الاسميّة استغني عن بروز ضميرها بدليل علامة التثنية و الجمع عليه، بخلاف الفعل، فإنه لا يثنّى و لا يجمع، فلذلك برز ضميره ليدلّ على تثنية الفاعل و جمعه.

و ذكر الأندلسيّ بدل الوجه الرابع في الفرق أنّ اسم الفاعل إذا ثنّي أو جمع، و اتّصل به ضمير وجب حذف نونه، لاتصال الضمير-على المشهور، و ذلك لا يجب في الفعل، بل يتّصل الضمير به. و قال المهلّبيّ: [الطويل‏]

مراتب ستّ لم تكن لاسم فاعل # تنزّل عنها، و استبدّ بها الفعل

يحلّ إذا لم يعتمد في محلّه # و لا بدّ من إبراز مضمره يتلو

و إن كان معناه المضيّ فمبطل # و تسقط نوناه إذا مضمر يخلو

و تقديره فردا، و جعلك واوه # و أختا لها في الجمع حرفا به يعلو

ذكر ما افترق فيه اسم الفاعل و اسم المفعول‏

من ذلك أنّ اسم الفاعل يبنى من اللازم كما يبنى من المتعدّي، كقائم و ذاهب، و اسم المفعول إنما يبنى من فعل متعد، لأنه جار على فعل ما لم يسمّ فاعله. فكما أنه لا يبنى إلا من متعدّ كذلك اسم المفعول. ذكره في (البسيط) قال: فإن عدّي اللازم بحرف جرّ أو ظرف جاز بناء اسم المفعول منه نحو: غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: 7]و زيد منطلق به.

و من ذلك قال ابن مالك في (شرح الكافية) : انفرد اسم المفعول عن اسم الفاعل بجواز إضافته إلى ما هو مرفوع معنى، نحو: الورع محمود المقاصد، و زيد مكسوّ العبد ثوبا.

و قال الأندلسيّ في (شرح المفصّل) : الفرق بين اسم الفاعل المراد به الماضي و بين اسم الفاعل المراد به الحال أو الاستقبال من وجوه:

أحدها: أنّ الأول لا يعمل إلا إذا كان فيه اللام بمعنى الذي، و الثاني يعمل مطلقا.

ثانيها: أنّ الأول يتعرّف بالإضافة بخلاف الثاني.

ثالثها: أنّ الأول إذا ثنّي أو جمع لا يجوز فيه إلا حذف النون و الجرّ، و الثاني يجوز فيه و جهان: هذا، و بقاء النون و النصب.

199

ذكر ما افترق فيه الصفة المشبّهة و اسم الفاعل‏

قال ابن القوّاس في (شرح الكافية) : الصفة المشبّهة تشبه اسم الفاعل من وجوه، و تفارقه من وجوه. أما وجوه الشّبه فأربعة: التذكير، و التأنيث، و التثنية، و الجمع.

و أما وجوه المفارقة فسبعة:

أحدها: أنها لا تعمل إلا في السببيّ دون الأجنبي، نحو: زيد حسن وجهه و لا يجوز: حسن وجه عمرو كما يجوز ضارب وجه عمرو لنقصانها عن مرتبة اسم الفاعل.

و الثاني: لا يتقدّم معمولها عليها، فلا يقال: زيد وجها حسن، كما يقال: زيد عمرا ضارب.

و الثالث: عدم شبه الفعل، و لذلك احتاجت في العمل إلى شبه اسم الفاعل.

الرابع: أنها لا توجد إلا ثابتة في الحال، سواء كانت موجودة قبله أو بعده فإنها لا تتعرض لذلك، بخلاف اسم الفاعل فإنه يدلّ على ما يدلّ عليه الفعل، و يستعمل في الأزمنة الثلاثة، و يعمل منها في الحال و الاستقبال، و لذلك إذا قصدنا بالصفة معنى الحدوث أتي بها على زنة اسم الفاعل فيقال في حسن: حاسن. فحسن هو الذي ثبت له الحسن مطلقا، و حاسن الذي ثبت له الآن أو غدا. و في التنزيل وَ ضََائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ [هود: 12]، فعدل عن ضيّق إلى ضائق، ليدلّ على عروض ضيق، و كونه غير ثابت في الحال.

لا يقال فإذا دلّت على معنى ثابت كانت مأخوذة من الماضي، لكونه قد ثبت، و حينئذ فيلزم ألاّ تعمل، لكون اسم الفاعل المشبهّة به للماضي، و هو لا يعمل. لأنّا نقول: إنما يلزم ذلك أن لو كان دلالتها على الثبوت، و تعلّقها بالماضي يخرجها عن شبه اسم الفاعل للحال مطلقا، و هو ممنوع. بل معنى الحال موجود فيها، فإنك إذا قلت: مررت برجل حسن الوجه، دلّ على أنّ الصفة موجودة لاتصال زمانها من إخبارك، لا أنها وجدت ثمّ عدمت.

الخامس: أنها لا تؤخذ إلا من فعل لازم.

السادس: أنها إذا دخل عليها أل و على معمولها كان الأجود في معمولها الجرّ، بخلاف اسم الفاعل فإن النصب فيه أجود.

السابع: أنه لا يجوز أن يعطف على المجرور بها بالنصب، فلا يقال: زيد كثير المال و العبيد، بنصب العبيد، كما يقال: زيد ضارب عمرو، و بكرا لأنه إنما يعطف على الموضع بالنصب إذا كان المعطوف عليه منصوبا في المعنى. غ

200

و ليس معمولها كذلك، بل هو مرفوع في المعنى، لأن الأصل في: كثير المال، كثير ماله.

و ذكر ابن السرّاج في (الأصول) فرقا ثامنا، و هو أنّ اسم الفاعل لا يجوز إضافته إلى الفاعل، لا يجوز أن تقول: عجبت من ضارب زيد، و زيد فاعل. و يجوز في الصفة المشبّهة إضافتها إلى الفاعل، لأنها إضافة غير حقيقية، نحو: الحسن الوجه و الشديد اليد. فالحسن للوجه، و الشدّة لليد، و المعنى حسن وجهه.

و زاد ابن هشام في (المغني) (1) فروقا أخرى:

أحدها: أنّ اسم الفاعل لا يكون إلا مجاريا للمضارع في حركاته و سكناته، و هي تكون مجارية له، كمنطلق اللسان، و مطمئنّ النفس، و طاهر العرض، و غير مجارية له، و هو الغالب.

و الثاني: أنه لا يخالف فعله في العمل، و هي تخالفه فإنها تنصب مع قصور فعلها.

و الثالث: أنه لا يقبح حذف موصوف اسم الفاعل و إضافته إلى مضاف إلى ضميره، نحو مررت بقاتل أبيه، و يقبح مررت بحسن وجهه.

و الرابع: أنه يفصل مرفوعه و منصوبه كزيد ضارب في الدار أبوه عمرا، و يمتنع عند الجمهور زيد حسن في الحرب وجهه، رفعت أو نصبت.

و الخامس: أنّه يجوز إتباع معموله بجميع التوابع، و لا يتبع معمولها بصفة. قاله الزّجاج و متأخرو المغاربة.

و السادس: أنّه يجوز حذفه و إبقاء معموله، و هي لا تعمل محذوفة.

و قال الأندلسي في (شرح المفصّل) : الأمور التي ضارعت بها الصفة المشبّهة اسم الفاعل ستّة: الاشتقاق، و اتحاد المعنى، و الإفراد، و التثنية، و الجمع و التذكير، و التأنيث.

و أما الفرق بينها و بين اسم الفاعل فمن وجوه:

أحدها: أنّ هذه الصفات لا توجد إلا حالا، و اسم الفاعل يصلح للأزمنة الثلاثة.

ثانيها: أنّها لا تعمل إلا فيما كان من سبب موصوفها، أعني الاسم الذي تجري عليه إعرابا.

ثالثها: لا يتقدّم معمولها عليها.

____________

(1) انظر مغني اللبيب (511) .

201

رابعها: أنّ المنصوب بها ليس مفعولا به صريحا.

خامسها: أنّ الألف و اللام متى كانت فيها و في معمولها كان الأصل الجرّ.

سادسها: أنّه لا يعطف على المجرور بها نصبا.

سابعها: أنها تعمل مطلقا من غير تقييد بزمان أو ألف و لام.

ثامنها: أنّها يقبح أن يضمر فيها الموصوف و يضاف معمولها إلى مضمره.

تاسعها: أنها لا تكون علاجا، و اسم الفاعل قد يكون و قد لا يكون.

عاشرها: أنّها لا توافق الفعل عدّة و حركة و سكونا.

قال ابن برهان: ضارب يعمل عمل فعله الذي أخذ منه، و حسن يعمل ما يعمل فعله، لأنه ينصب تشبيها له بضارب. و بينهما فرق من طريق، المعنى و ذلك أنّ الفاعل في: زيد ضارب عمرا غير المنتصب، و الفاعل في المعنى في: زيد حسن الوجه هو المنتصب. فإن قيل: ما العلّة في حمل حسن الوجه على ضارب؟قلنا:

لأنّهما صفتان.

قال الأندلسيّ: هذا الذي ذكر فرق آخر أيضا، و هو أنّ المنصوب بها فاعل في المعنى، و ذلك أنّك إذا قلت: زيد ضارب عمرا، فقد أخبرت بوصول الضرب من زيد إلى عمرو، و أما زيد حسن الوجه فلا يخبر أنّ الأول فعل بالوجه شيئا، بل الوجه هو الفاعل في الحقيقة إذا الأصل زيد حسن وجهه. و يشترط فيها الاعتماد كما اشترط في اسم الفاعل.

ذكر ما افترق فيه أفعل في التعجّب و أفعل التفضيل‏

قال صاحب (البسيط) : التعجّب و التفضيل يشتركان في اللفظ و المعنى: أما اللفظ فلتركّبهما من ثلاثة أحرف أصول و همزة.

و أمّا المعنى فلأنّ ما أعلم زيدا!و زيد أعلم من عمرو يشتركان في زيادة العلم، و يفترقان في أنّ أفعل في التعجّب ينصب المفعول به، نحو: ما أحسن زيدا!و أفعل التفضيل لا ينصب المفعول به على أشهر القولين، و الثاني أنه ينصبه للسماع و القياس: أما السماع فقوله‏ (1) : [الطويل‏]

أكرّ و أحمى للحقيقة منهم # و أضرب منّا بالسيوف القوانسا

و أما القياس فإنه اسم مأخوذ من فعل، فوجب أن يعمل عمل أصله قياسا على

____________

(1) مرّ الشاهد رقم (92) .

202

سائر الأسماء العاملة، و الجواب عن البيت أنّ القوانس منصوب بفعل دلّ عليه أضرب، أي: نضرب القوانسا، و عن القياس أنه مدفوع بالفارق من وجهين:

أحدهما: أنّ الأسماء العاملة لها أفعال بمعناها، فلذلك عملت نظرا إلى الفعل الذي بمعناها، و أفعل التفضيل ليس له فعل بمعناه في الزيادة حتى يعمل نظرا إلى فعله.

و الثاني: أنّ أصل العمل للفعل، ثمّ لما قويت مشابهته له، و هو اسم الفاعل و اسم المفعول، ثمّ لما شبه بهما من طريق التثنية و الجمع و التذكير و التأنيث و هي الصفة المشبّهة. و أفعل التفضيل إذا صحبته (من) امتنعت منه هذه الأحكام، فبعد لذلك عن شبه الفعل، فلذلك لم يعمل في الظاهر. ذكره صاحب (البسيط) .

ذكر ما افترق فيه نعم و بئس و حبّذا

قال ابن النحّاس في (التعليقة) : (حبّذا) كنعم و بئس في المبالغة في المدح و الذمّ، إلاّ أنّ بينهما فرقا، و هو أنّ حبّذا مع كونها للمبالغة في المدح تتضمّن تقريب الممدوح من القلب و كذلك في الذمّ تتضمّن بعد المذموم من القلب. و ليس في نعم و بئس تعرّض لشي‏ء من ذلك.

قال: و مما افترقا فيه: أنّه يجوز في حبّذا الجمع بين الفاعل الظاهر و التمييز، من غير خلاف، نحو: حبّذا رجلا زيد. و جرى في نعم و بئس خلاف، فمنعه جماعة و جوّزه آخرون منهم الفارسيّ و الزمخشريّ، و فصّل جماعة منهم ابن عصفور، فقالوا:

إن اختلف لفظ الفاعل الظاهر و التمييز، و أفاد التمييز معنى زائدا جاز الجمع بينهما و إلاّ لم يجز.

قال: و إنما جرى الخلاف في نعم و بئس، و لم يجر في حبّذا لأنّ بينهما فرقا، و هو أنّ الفاعل في حبّذا-و هو اسم الإشارة-مبهم، فله مرتبة من مرتبتي فاعلي نعم و هما المظهر و المضمر. فليس اسم الإشارة واضحا كوضوح فاعل نعم المظهر، فلا يحتاج إلى تمييز، و لا مبهما كإبهام المضمر في نعم، فيلزم تمييزه. بل لمّا كان فيه إبهام فارق به الفاعل المظهر في نعم جاز أن يجمع بين الفاعل و التمييز في حبّذا.

و لما قل إبهامه عن إبهام المضمر في نعم جوّزنا عدم التمييز في حبّذا ظاهرا و مقدّرا، و لم نجزه في نعم، انتهى.

ذكر ما افترقت فيه التوابع‏

قال في (البسيط) : الفرق بين الصفة و التأكيد من خمسة أوجه: