الاشباه و النظاير في النحو - ج2

- عبد الرحمن السيوطي المزيد...
264 /
203

أحدها: أنه لا يصحّ حذف المؤكّد، و يصحّ حذف الموصوف. و سرّه أنّ التأكيد ليس فيه زيادة على المؤكّد، بل هو هو بلفظه أو بمعناه، فلو حذف لبطل سرّ التأكيد. و أما الصفة ففيها معنى زائد على الموصوف فإذا علم الموصوف جاز حذفه و إبقاؤها لإفادتها المعنى الزائد على الموصوف. لأنها بمنزلة المستقلّ بالنظر إلى المعنى الزائد.

و الوجه الثاني: أنّ التوكيد المتعدّد لا يعطف بعضه على بعض، و الصفات المتعدّدة يجوز عطف بعضها على بعض، و سرّه أنّ ألفاظ التوكيد متّحدة المعاني.

و ألفاظ الصفات متعدّدة المعاني. فجاز عطفها لتعدّد معانيها، و لم يجز في التأكيد لاتحاد معانيه.

و الوجه الثالث: أنّ ألفاظ التأكيد لا يجوز قطعها عن إعراب متبوعها و الصفات يجوز قطعها عن إعرابه، و سرّه أنّ القطع إنما يكون لمعنى مدح أو ذمّ و هو موجود في الصفات، فلذلك جاز قطعها. و أما التأكيد فلا يستفاد منه مدح و لا ذمّ، فلذلك لم يجز قطعه.

و الوجه الرابع: أنّ التأكيد يكون بالضمائر دون الصفات، و سرّه أنّ التأكيد يقوّي المعنى في نفس السامع بالنسبة إلى رفع مجاز الحكم، و إن كان المحكوم عليه في نهاية الإيضاح. فلذلك احتيج إليه. و أما الصفة فلأنّ المقصود منها إيضاح المحكوم عليه، و هو في نهاية الإيضاح، فلا يحتاج إلى إيضاح، لأنه إن كان لمتكلم أو مخاطب فقرينة التكلّم أو الخطاب توضّحهما، و إن كان لغائب فالقرينة الظاهرة توضّحه، فلا يحتاج إلى إيضاح.

و الوجه الخامس: أنّ النكرات تؤكّد بتكرير ألفاظها دون معاني ألفاظها، و توصف، و سرّه أن معاني ألفاظها معارف، و لا تؤكّد النكرات بالمعارف، و أما الوصف فإنها توصف بما يوافقها في التنكير.

و قال الأندلسيّ في (شرح المفصّل) : النعت يفارق التوكيد من أوجه:

الأول: أنّ التأكيد إن كان معنويا فألفاظه محصورة، و ألفاظ الصفات ليست كذلك، و إن كان لفظيا فإنه يجري في الكلم بأسرها مفردة و مركّبة، و النعت ليس كذلك.

الثاني: أنّ النعت يتبع المعرفة و النكرة، و التأكيد لا يتبع إلا المعارف، أعني التأكيد المعنويّ.

204

الثالث: أنّ الصفة يشترط فيها أن تكون مشتقّة، و لا كذلك في التأكيد.

قال: و عطف البيان يجامع الصفة من حيث أنه يبيّن و يوضّح كما تفعل الصفة في الجملة. ثم إنّهما يفترقان في غير ذلك.

فالصفة مشتقة أبدا من معنى في الموصوف، أو في شبيه استحقّ أن يوضع له اسم منه نحو: طويل مشتقّ من الطول، فإذا قلت: رجل طويل، فالرجل استحق أن يكون طويلا اسما له و واقعا عليه بطريق وجود الطول فيه. و أمّا عطف البيان فلا يكون مشتقّا.

و فرق ثان: و هو أنّ عطف البيان على الانفراد يدلّ على المقصود. فإذا قلت:

زيد أبو عبد اللّه، دلّ أبو عبد اللّه، لو انفرد، على الرجل المخصوص الذي قصد به زيد، و أما الصفة فليست كذلك، لأنك إذا قلت: رجل طويل، ثم أفردت الطويل، و لم تقدر جريه على رجل لم يدلّ عليه، و إنما دل على شي‏ء من صفته الطول على الجملة.

و فرق ثالث: أنّ عطف البيان لا يكون إلا بالمعارف، و الصفة تكون بالمعرفة و النكرة.

و فرق رابع: أنّ النعت يكون للشي‏ء و كيفيّته، و عطف البيان لا يكون فيه ذلك.

و فرق خامس: أنّ النعت قد يكون جملة، و عطف البيان ليس كذلك، و النعت منه ما يكون للمدح، و لا كذلك في عطف البيان.

و أيضا فالصفة تتحمّل الضمير، و عطف البيان لا يتحمّله، و غير ذلك من الفروق، انتهى.

و قال ابن يعيش‏ (1) و صاحب (البسيط) : عطف البيان يشبه الصفة من أربعة أوجه، و يفارقها من أربعة أوجه. أمّا أوجه الشبه:

فأحدها: أنه يبيّن المتبوع كبيان الصفة.

و الثاني: أنّ حكمه حكم الصفة في انسحاب العامل عليها.

و الثالث: أنه يطابق متبوعه في التعريف كالصفة.

و الرابع: أنه لا يجري على مضمر كالصفة.

و أما أوجه المفارقة:

فأحدها: أنّ الصفة بالمشتقّ غالبا، و هو بالجوامد.

____________

(1) انظر شرح المفصّل (3/71) .

205

و الثاني: أنّ عطف البيان يختصّ بالمعارف، و الصفة تكون في المعارف و النكرات. و ذكر بعضهم أنه يكون في النكرات أيضا.

و الثالث: أنّ حكم الصفة أن تكون أعمّ من الموصوف أو مساوية، و لا تكون أخصّ منه، لأنها تستمدّ من الفعل، بدليل تحمّلها الضمير، فلذلك انحطّت رتبتها لنظرها إلى ما أصله التنكير، و لا يشترط ذلك في عطف البيان نحو: مررت بأخيك زيد، فإنّ زيدا أخصّ من الأخ.

الرابع: أنّ الصفة يجوز فيها القطع إلى النصب و الرفع، و لا يجوز ذلك في عطف البيان، لعدم المدح و الذمّ المقتضي للقطع.

قالا: و يشبه البدل أيضا من أربعة أوجه، و يفارقه من أربعة أوجه. أما أوجه الشبه:

فأحدها: أنه عبارة عن الأول كالبدل.

و الثاني: أنه يكون بالجوامد كالبدل.

و الثالث: أنه قد يكون أخصّ من متبوعه و أعمّ منه كالبدل.

و الرابع: أنه قد يكون بلفظ الأول على جهة التأكيد كقوله: [الرجز]

____________

333

-[إنّي و أسطار سطرن سطرا] # لقائل: يا نصر نصر نصرا

كالبدل.

و أما أوجه المفارقة: فأحدها: أنّ عطف البيان في تقدير جملة على الأصحّ، و البدل في تقدير جملتين على الأصحّ.

و الثاني: أنّ عطف البيان يشترط مطابقته لما قبله في التعريف، بخلاف البدل، فإنه تبدل النكرة من المعرفة و بالعكس.

و الثالث: أنّ عطف البيان لا يجري على المضمر كالوصف، بخلاف البدل.

و الرابع: أنّ البدل قد يكون غير الأول في بدل البعض و الاشتمال و الغلط، بخلاف عطف البيان.

و قال ابن جنّي في (الخصائص) (1) : حدّثنا أبو عليّ أنّ الزيادي سأل أبا الحسن

____________

(333) -الرجز لرؤبة في ديوانه (ص 174) ، و الكتاب (2/187) ، و خزانة الأدب (2/219) ، و الخصائص (1/340) ، و الدرر (4/22) ، و شرح شواهد الإيضاح (ص 243) ، و شرح المفصّل (2/3) ، و لسان العرب (نصر) ، و بلا نسبة في أسرار العربية (ص 297) ، و الدرر (6/26) ، و لسان العرب (سطر) ، و مغني اللبيب (2/388) ، و المقاصد النحوية (4/209) ، و المقتضب (4/209) ، و همع الهوامع (1/247) .

(1) انظر الخصائص (2/428) .

206

عن قولهم: مررت برجل قائم زيد أبوه، أأبوه بدل أم صفة؟فقال أبو الحسن: لا أبالي بأيّهما أجبت. قال ابن جنّي: و هذا يدلّ على تداخل الوصف و البدل، و على ضعف العامل المقدّر مع البدل.

و قال ابن يعيش‏ (1) : قد اجتمع في البدل ما افترق في الصفة و التأكيد، لأنّ فيه إيضاحا للمبدل و رفع لبس، كما كان ذلك في الصفة، و فيه رفع للمجاز، و إبطال التوسع الذي كان يجوز في المبدل منه، ألا ترى أنّك إذا قلت: جاءني أخوك، جاز أن تريد كتابه أو رسوله، فإذا قلت: زيد، زال ذلك الاحتمال، كما لو قلت نفسه أو عينه، فقد حصل باجتماع البدل و المبدل منه ما يحصل من التأكيد بالنفس و العين، و من البيان ما يحصل بالنعت. غير أنّ البيان في البدل مقدّم، و في النعت و التأكيد مؤخّر.

و قال ابن هشام في (المغني) (2) : افترق عطف البيان و البدل في ثمانية أمور، فذكر من هذه الأربعة التي ذكرها ابن يعيش و صاحب البسيط ثلاثة.

و الرابع و الخامس و السادس: أنّ عطف البيان لا يكون جملة، و لا تابعا لجملة، و لا فعلا تابعا لفعل، بخلاف البدل.

و السابع: أنه لا يكون بلفظ الأول، و يجوز ذلك في البدل، بشرط أن يكون مع الثاني زيادة بيان، كقراءة يعقوب: وَ تَرى‏ََ كُلَّ أُمَّةٍ جََاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى‏ََ إِلى‏ََ كِتََابِهَا [الجاثية: 28]بنصب كلّ الثانية.

و الثامن: أنه ليس في نية إحلاله محلّ الأول، بخلاف البدل، و لهذا امتنع البدل، و تعيّن البيان في نحو: يا زيد الحارث و يا سعيد كرز، و في نحو: أنا الضارب الرجل زيد، و في نحو: زيد أفضل الناس الرجال و النساء، أو النساء و الرجال، و في نحو: يا أيّها الرجل غلام زيد، و في نحو: أيّ الرجلين زيد و عمرو جاءك، و في نحو: جاءني كلا أخويك زيد و عمرو.

و قال ابن هشام في (المغني) (3) : و عبارة ابن السرّاج الفرق بين عطف البيان و بين البدل أن عطف البيان تقديره تقدير النعت التابع للاسم، و البدل تقديره أن يوضع موضع الأول.

____________

(1) انظر شرح المفصّل (3/66) .

(2) انظر المغني اللبيب (508) .

(3) انظر مغني اللبيب (508) .

207

قال: و الفرق بين العطف و بين النعت و البدل أنّ الثاني في العطف غير الأول، و النعت و البدل هما الأول.

قال ابن يعيش‏ (1) : و يتبيّن الفرق بينهما بيانا شافيا في موضعين:

أحدهما: النداء نحو: يا أخانا زيدا.

و الثاني‏ نحو: أنا الضارب الرجل زيد. فإنه يتعيّن فيهما جعل زيد عطف بيان، و لا يجوز جعله بدلا، لأنه يوجب ضمّ زيد في الأول، و امتناع الإضافة في الثاني.

قال ابن يعيش‏ (2) : و من الفصل بين البدل، و عطف البيان أنّ المقصود بالحديث في عطف البيان هو الأول، و الثاني: بيان كالنعت المستغنى عنه، و المقصود بالحديث في البدل هو الثاني، لأنّ البدل و المبدل منه اسمان بإزاء مسمّى مترادفان عليه، و الثاني منهما أشهر عند المخاطب، فوقع الاعتماد عليه، و صار الأول كالتوطئة و البساط لذكر الثاني. و على هذا لو قلت: زوّجتك بنتي فاطمة، و كانت عائشة فإن أردت عطف البيان صحّ النكاح، لأنّ الغلط وقع في البيان، و المقصود لا غلط فيه.

و إذا جعلته بدلا لا يصحّ النكاح لأنّ الغلط وقع فيما هو معتمد الحديث، و هو الثاني.

و ذكر صاحب البسيط مثله، قال: و ينبغي للفقيه أن يتبع هذا التحقيق و لا ينكره.

و كتب الزركشيّ على (الحاشية) : هنا ما ذكره حسن، و به يستدرك على أصحابنا حيث حكوا وجهين في مثل هذه الصورة، و صحّحوا الصّحة.

و في (شرح التسهيل) لأبي حيّان: باب العطف أوسع من باب البدل، لأنّ لنا عطفا على اللفظ، و على الموضع و على التوهّم. و البدل يكون على اللفظ و على الموضع، و لا يكون على التوهّم. و فيه الفرق بين العطف على الموضع، و العطف على التوهّم أنّ العطف على الموضع عامله موجود، و أثره مفقود. و العطف على التوهّم أثره موجود، و عامله مفقود.

و قال السخاويّ في (سفر السعادة) : قال شيخنا أبو اليمن الكنديّ: ينبغي أن يعلم أنّ كثيرا من النحويين لا يكادون يعرفون عطف البيان على حقيقته. و إنما ذكره سيبويه‏ (3) عارضا في مواضع، و أكثر ما يجي‏ء تابعا للأسماء المبهمة كقولك: يا هذا

____________

(1) انظر شرح المفصّل (3/73) .

(2) انظر شرح المفصّل (3/74) .

(3) انظر الكتاب (2/190) .

غ

208

زيد، ألا ترى أنه ينوّن زيد؟. فدلّ على أنه ليس ببدل، و على هذا تقول: يا أيّها الرجل زيد، فزيد لا يكون بدلا من الرجل، لأن (أي) لا توصف بما لا لام فيه و إنما يكون بدلا من أي، فلذلك كان مبنيّا على الضمّ غير منوّن. و هذا المكان من أوضح فروقه، و هو من المواضع التي لا يقع فيها البدل.

و للبدل مواضع يخالف لفظه فيها لفظ عطف البيان، فيعلم بذلك أنّ عطف البيان من قبيل التوابع قائم بنفسه على خفائه، و أحكامه في التكرير و العطف و الإعراب في التقديم و التأخير و العامل فيه أحكام الصفة. فلذلك أدخله سيبويه‏ (1) في جملتها و لم يفرد له بابا.

قال: و من الفرق بين الصفة و عطف البيان أنّ الصفة لا بدّ من تقديرها ثانيا، و إلاّ بطل كونها صفة. و عطف البيان علم لا بدّ من تقديره غير ثان، بل أولا، و إلا فسد كونه علما. فلذلك لا يصحّ أن يجري مجرى الصفة من كلّ وجه، انتهى.

و قال ابن هشام في (تذكرته) : عطف البيان و النعت و بدل الكلّ من الكلّ و التأكيد فيها بيان لمتبوعها، و تفترق من أوجه. فيفارق عطف البيان النعت من وجهين:

أحدهما: من حيث أنّ النعت بالمشتقّ أو بالمؤوّل به، و هو ليس كذلك.

و الثاني: من حيث أنّ النعت يرفع الضمير و السببيّ، و البيان ليس كذلك، و هذا الوجه ناشئ عن الأوّل، و ينبغي أن يهذّب فيقال: يكون في الحقيقة لغير الأول، نحو:

برجل قائم أبوه، و البيان لا يكون إلا للأول. و يفارق التأكيد من وجهين:

أحدهما: أن التأكيد بألفاظ محصورة، و هذا ليس كذلك.

الثاني: أنّ التأكيد يرفع المجاز، و هذا إنما يرفع الاشتراك.

و وجه ثالث: على رأي الكوفيين أنّهما يتخالفان في التعريف و التنكير في نحو: صمت شهرا كلّه و لا يجوز ذلك في البيان خلافا للزمخشريّ. و يفارق البدل من وجهين:

أحدهما: أنّ متبوعه هو المقصود بالنسبة، و ليس كذلك البدل. فالمقصود التابع لا المتبوع، و إنما ذكر الأول كالتوطئة.

____________

(1) انظر الكتاب (2/190-192) .

209

و الثاني: أنّ البيان من جملة الأول، و البدل من جملة أخرى، انتهى.

و قال الأندلسي في (شرح المفصّل) : امتاز البدل عن بقية التوابع الأربعة بخواصّ لا توجد فيها. أما امتيازه عن الصفة فبوجوه:

أحدها: أنّ الصفة تكون بالمشتقّ أو ما هو في حكمه، و لا كذلك البدل، فإنّ حقه أن يكون بالأسماء الجامدة أو المصادر.

الثاني: أنّ الصفة تطابق الموصوف تعريفا و تنكيرا، و البدل لا يلزم فيه ذلك.

الثالث: أنه يجري في المظهر و المضمر، و الصفة ليست كذلك.

الرابع: أنّ البدل ينقسم إلى بدل بعض و كلّ و اشتمال، و الصفة لا تنقسم هذه القسمة.

الخامس: أنّ البدل منه ما يجري مجرى الغلط، و ليس ذلك في الصفة.

السادس: أنّ البدل لا يكون للمدح و الذمّ، كما تكون الصفة.

السابع: أنّ البدل يجري مجرى جملة أخرى، و لا كذلك الصفة.

الثامن: أنّ الصفة تكون جملة تجري على المفرد، و في البدل لا يكون ذلك، فلا تبدل الجملة من المفرد.

التاسع: أنّ الوصف يكون بمعنى في شي‏ء من أسباب الموصوف، و البدل لا يكون كذلك. لو قلت: سلب زيد ثوب أخيه، لما جاز.

العاشر: أنّ البدل موضوع على مسمّى المبدل منه بالخصوصية، من غير زيادة و لا نقصان، و الوصف ليس موضوعا على مسمّى الموصوف بالوضع بل بالالتزام. و أما امتيازه عن عطف البيان فمن وجوه:

أحدها: أنه يجري في المعرفة و النكرة، و عطف البيان لا يكون إلا معرفة على ما قيل.

الثاني: أنّ عطف البيان هو المعطوف لا غير، و البدل قد لا يكون المبدل بل بعضه، أو مشتملا عليه، أو لا واحدا منهما، و هو بدل الغلط.

الثالث: أنّ البدل يقدّر معه العامل، و لا كذلك في عطف البيان.

الرابع: أنّ في البدل ما يجري مجرى الغلط، و ليس هذا في عطف البيان. و أما امتيازه عن التأكيد فلأنّ ألفاظ التأكيد المعنويّ محصورة، و أما اللفظيّ فهو إعادة اللفظ الأول، و البدل ليس كذلك. و لأنّ التأكيد قد يكون المراد منه الإحاطة و الشمول، و ليس هذا في البدل. و أما امتيازه عن عطف النسق فظاهر.

210

و قال ابن الدهّان في (الغرّة) : المناسبة بين التوكيد و البدل أنهما تكريران يلحقان الأوّل في أحد أقسام البدل، و أنّ كلّ واحد منهما لا يتقدّم على صاحبه، و أنّ إعرابها كإعراب ما يجريان عليه، و أنك في التوكيد مسدّد لمعنى المؤكّد، و كذلك في البدل، تعنى بالأول فتبدل منه.

و من المقارنة التي بين الوصف و البدل أنّ الصفة موضّحة، كما أنّ البدل موضّح و المباينة بينهما أنّ الصفة لا تكون إلا بمشتقّ، و البدل لا يلزم ذلك فيه، و في البدل ما يلزم فيه ضمير ظاهر إلى اللفظ، و ذلك البعضيّ و الاشتماليّ.

و ليس كذلك الصفة إذا كانت للأوّل، بل يكون مستترا غير ظاهر إلى اللفظ، و في البدل ما لا يتحمّل ضميرا البتّة، و ليس كذلك الصفة. و البدل يخالف متبوعه في التعريف و التنكير، و الصفة ليست كذلك.

و من الفرق بين الصفة و البدل أنّ الفعل يبدل منه و لا يوصف.

ذكر ما افترق فيه الصفة و الحال‏

قال ابن القواس: الحال لها شبه بالصفة من حيث أنّ كلّ واحد منهما لبيان هيئة مقيّدة.

و قال في (البسيط) : الفرق بينهما من عشرة أوجه:

أحدها: أنّ الصفة لازمة للموصوف، و الحال غير لازمة، و لذلك إذا قلت: جاء زيد الضاحك، كانت الصفة ثابتة له قبل مجيئه، و إذا قلت: جاء زيد ضاحكا كانت صفة الضحك له في حال مجيئه فحسب.

الثاني: أنّ الصفة لا تكون لموصوفين مختلفي الإعراب، بخلاف الحال، فإنها قد تكون من الفاعل و المفعول.

الثالث: أنّ الصفة تتبع الموصوف في إعرابه، بخلاف الحال.

الرابع: أنّ الحال تلازم التنكير، و الصفة على وفق موصوفها.

الخامس: أن الحالّ تتقدّم على صاحبها و على عاملها القويّ عند البصريين،

بخلاف الصفة، فإنها لا تتقدّم على موصوفها.

السادس: أنّ الحال تكون مع المضمر بخلاف الصفة.

السابع: أنّ الحال ليس في عاملها خلاف، و في عامل الصفة خلاف.

الثامن: أنّ الحال يغني عن عائدها الواو بخلاف الصفة.

211

التاسع: أنّ الصفة أدخل من الحال في باب الاشتقاق.

العاشر: أنّ الصفات المتعدّدة لموصوف واحد جائزة، و في الأحوال المتعدّدة كلام، انتهى.

ذكر ما افترقت فيه (أم) المتّصلة و المنقطعة

قال ابن الصائغ في (تذكرته) : نقلت من مجموع بخطّ ابن الرمّاح: الفرق بين أم المتصلهة و المنقطعة من سبعة أوجه: فالمتصلة تقدّر بأيّ. و لا تقع إلا بعد استفهام. و الجواب فيها اسم معيّن لا (نعم) أو (لا) . و يقدّر الكلام بها واحدا. و لا إضراب فيها. و ما بعدها معطوف على ما قبلها، لا لازم الرفع بإضمار مبتدأ، و تقتضي المعادلة و هي أن يكون حرف الاستفهام يليه الاسم و أم كذلك و الفعل بينهما، كأزيدا ضربته أم عمرا؟فزيد و عمرو مستفهم عنهما، و أوليت كلاّ حرف الاستفهام و الذي تسأل عنه بينهما و لو سألت عن الفعل قلت: أضربت زيدا أم قتلته؟.

و قال المهلّبيّ: [البسيط]

الفرق في (أم) إذا جاءتك متّصله # من أوجه سبعة للقطع معتزله

وقوعها بعد الاستفهام عارية # عن قطع الإضراب في الأسماء معتدله

كالفعل، و الفعل لا يحتلّ بينهما # جواب سائلها التعيين للمسله

من بعد تقدير أيّ، ثم مفردها # من بعدها داخل في حكم ما عدله

و كون ما بعدها من جنس أوّله # و عكس ذلك نقيضه لمنفصله‏

ذكر ما افترق فيه (أم) و (أو)

قال ابن العطّار في (تقييد الجمل) : (أم) و (أو) يشتبهان من وجوه و يفترقان من وجوه. فوجوه المشابهة ثلاثة: الحرفيّة، و العطفيّة، و أنّهما لأحد الشيئين أو الأشياء. و وجوه المخالفة خمسة.

و قال في (البسيط) : الفرق بينهما من أربعة أوجه:

أحدها: أنّ (أم) (1) تفيد الاستفهام دون (أو) .

الثاني: أنّ (أو) مع الهمزة تقدّر بأحد و (أم) مع الهمزة المعادلة تقدر بأيّ.

الثالث: أن جواب الاستفهام مع أو بـ (لا) أو (نعم) ، و جوابه مع أم المعادلة بالتعيين.

____________

(1) انظر همع الهوامع (2/132) .

212

الرابع: أنّ الاستفهام مع (أو) سابق على الاستفهام مع (أم) المعادلة، لأن طلب التعيين إنما يكون بعد معرفة الأحديّة و حكم الأحديّة (1) .

قال: و أما الفرق بين موقعهما فإذا كان الاستفهام باسم كقولك: أيّهم يقوم أو يقعد؟و من يقوم أو يقعد؟كان العطف بـ (أو) دون (أم) ، لأنّ التعيين يستفاد من الاستفهام بالاسم فلا حاجة إلى (أم) في ذلك لدلالة الاسم على معناها و هو التعيين، و أما أفعل التفضيل كقولك: زيد أفضل أم عمرو فلا يعطف معه إلاّ بأم دون أو لأنّ أفعل التفضيل موضوع لما قد ثبت، فلا يطلب معه إلا التعيين دون الأحدية. و إذا وقع سواء قبل همزة الاستفهام كان العطف بأم سواء كان ما بعدها اسما أم فعلا كقولك: سواء عليّ أزيد في الدّار أم عمرو، و سواء عليّ أقمت أم قعدت، و إنما كان كذلك، لأنّ الهمزة تطلب ما بعد (أم) لمعادلة المساواة، و لذلك لا يصحّ الوقف على ما قبل أم. و إذا لم يقع بعد سواء همزة استفهام فلا يخلو إما أن يقع بعده اسمان أو فعلان، فإن وقع بعده اسمان كان العطف بالواو، كقولك: سواء عليّ زيد و عمرو، و في التنزيل: سَوََاءً مَحْيََاهُمْ وَ مَمََاتُهُمْ [الجاثية: 21]لأنّ التسوية تقتضي التعديل بين شيئين. و إن وقع بعده فعلان من غير استفهام كقولك: سواء عليّ قمت أو قعدت كان العطف بأو، لأنه يصير بمعنى الجزاء. و إذا وقع بعد أبالي همزة الاستفهام كان العطف بأم، كقولك: ما أبالي أ زيدا ضربت أم عمرا، لأن الهمزة تقتضي ما بعد أم لتحقيق المعادلة و المجموع في موضع مفعول أبالي. و لذلك لا يصحّ السكوت على ما قبل أم، و أما إذا لم يقع بعده همزة الاستفهام كقولك: ما أبالي ضربت زيدا أو عمرا فإن العطف بأو لعدم الاستفهام الذي يقتضي ما بعدها، و لذلك يحسن السكوت على ما قبل أو، تقول: ما أبالي ضربت زيدا. و الأجود في نحو قولك: ما أدري أزيد في الدار أم عمرو، و ما أدري أقمت أم قعدت، و ليت شعري أقمت أم قعدت العطف بأم، لأنها بمنزلة علمت، فتكون الهمزة تقتضي ما بعد (أم) لتحقيق المعادلة، و الفعل المعلق متعلق في المعنى بمجموعهما على معنى أيهما، و قد ذكروا جواز أو، و هو ضعيف لوجهين:

أحدهما: أنه لا يصحّ السكوت على ما قبل أو، و الضابط الكليّ في الفرق بينهما أنه يحسن السكوت على ما قبل أو، فإن لم يحسن فهو من مواضع أم.

و الثاني: أنه يصير المعنى ما أدري أحد الفعلين فعل، و لا معنى له، إنما المعنى يقتضي: ما أدري أيّ الفعلين فعل. و أما قوله: [الطويل‏]

____________

(1) انظر شرح المفصّل (8/98) .

213

____________

334

-إذا ما انتهى علمي تناهيت عنده # أطال فأملى، أو تناهى فأقصرا

فالّذي حسّن العطف فيه بأو و إن تقدّمت الهمزة أنّ الجملتين فضلة في موضع الحال أي تناهيت عنده في حال طوله فإملائه، أو في حال تناهيه فقصره، انتهى.

ذكر الفرق بين أو و إمّا

قال ابن أبي الربيع في (شرح الإيضاح) : الفرق بين أو و إما من جهة اللفظ من وجهين:

أحدهما: أنّ إما لا تستعمل إلا مكرّرة، و أو لا تكرّر.

الثاني: أنّ إمّا تلازم حرف العطف و أو لا يدخل عليها حرف العطف.

ذكر الفرق بين حتّى العاطفة و الواو

قال ابن هشام في (المغني) (1) : تكون (حتّى) عاطفة بمنزلة الواو إلا أنّ بينهما فرقا من ثلاثة أوجه:

أحدهما: أنّ لمعطوف حتّى ثلاثة شروط أن يكون ظاهرا لا مضمرا، كما أن ذلك شرط مجرورها. ذكره ابن هشام الخضراوي، و لم أقف عليه لغيره، و أن يكون إما بعضا من جمع قبلها كقدم الحاجّ حتى المشاة، أو جزءا من كلّ، كأكلت السمكة حتى رأسها، أو كجزء كأعجبتني الجارية حتى حديثها (2) ، و الذي يضبط ذلك أنها تدخل حيث يصحّ دخول الاستثناء، و تمتنع حيث يمتنع، و أن يكون غاية لما قبلها إما في علوّ أو ضده.

الثاني: أنها لا تعطف الجمل.

الثالث: أنها إذا عطفت على مجرور أعيد الجارّ فرقا بينها و بين الجارّة نحو:

مررت بالقوم حتى بزيد. ذكر ذلك ابن الخبّاز و أطلقه، و قيّده ابن مالك‏ (3) بأن لا يتعيّن كونها للعطف، نحو: عجبت من القوم حتى بنيهم.

____________

(334) -الشاهد لزيادة بن زيد العذري في الكتاب (3/209) ، و خزانة الأدب (11/170) ، و شرح أبيات سيبويه (2/148) ، و لسان العرب (نهى) ، و بلا نسبة في أمالي ابن الحاجب (2/47) ، و المقتضب (3/302) .

(1) انظر مغني اللبيب (135) .

(2) انظر شرح المفصّل (8/16) .

(3) انظر أوضح المسالك (3/46) .

214

قال ابن هشام: و هو حسن، قال: و يظهر لي أنّ الذي لحظه ابن مالك أنّ الموضع الذي يصلح أن تحلّ فيه إلى محلّ حتى العاطفة فهي فيه محتملة للجارّة، فيحتاج حينئذ إلى إعادة الجار عند قصد العطف، نحو: اعتكفت في الشهر حتى في آخره. و زعم ابن عصفور أنّ إعادة الجارّ مع حتى أحسن، و لم يجعلها واجبة (1) .

ذكر ما افترقت فيه النون الخفيفة و التنوين‏

قال ابن السرّاج في (الأصول) : النون الخفيفة في الفعل نظير التنوين في الاسم، فلا يجوز الوقف عليها كما لا يوقف على التنوين. و قد فرّقوا بينهما بأنّ النون الخفيفة لا تحرّك لالتقاء الساكنين، و التنوين يحرك لالتقاء الساكنين، فمتى لقي النون الخفيفة ساكن سقطت. كأنّهم فضّلوا ما يدخل الاسم على ما يدخل الفعل، و فصلوا بينهما.

و قال ابن النحّاس في (التعليقة) : إنّما حذفت النون الخفيفة و لم تحرّك حطّا لها عن درجة التنوين، حيث كان التنوين يحرّك لالتقاء الساكنين غالبا، لأنّ الأفعال أضعف من الأسماء، فما يدخلها أضعف مما يدخل الأسماء مع أنّ نون التوكيد ليست ملازمة للفعل إلا مع المستقبل في القسم، و التنوين لازم لكلّ اسم منصرف عري عن الألف و اللام و الإضافة، فلما انحطّت النون عن التنوين، و انحط ما تلحقه عما يلحقه التنوين ألزموها الحذف عند التقاء الساكنين.

قال أبو عليّ: لما يدخل الاسم على ما يدخل الفعل مزية، يعني تفضيلهم التنوين بتحريكه لالتقاء الساكنين على النون بحذفها لالتقاء الساكنين.

ذكر ما افترق فيه تنوين المقابلة و النون المقابل له‏

قال ابن القوّاس في (شرح الدرّة) : اعلم أنّ تنوين المقابلة يفارق النون المقابل له في أنّ التنوين لا يثبت مع اللام، و لا في الوقف بخلاف النون. و أن النون تجعل حرف الإعراب بخلاف التنوين.

ذكر ما افترقت فيه السين و سوف‏

قال ابن هشام في (المغني) (2) : تنفرد (سوف) عن (السين) بدخول اللام عليها، نحو: وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‏ََ [الضحى: 5]و بأنّها قد تفصل بالفعل الملغى كقوله: [الوافر]

____________

(1) انظر أوضح المسالك (1/13) .

(2) انظر مغني اللبيب (148) .

غ

215

____________

335

-و ما أدري و سوف إخال أدري # [أقوم آل حصن أم نساء]

و ذهب البصريّون إلى أنّ مدة الاستقبال معها أوسع من السين‏ (1) .

قال ابن هشام‏ (2) : و كأنهم نظروا إلى أنّ كثرة الحروف تدلّ على كثرة المعنى، و ليس ذلك بمطّرد.

و قال ابن إياز في (شرح الفصول) : الفرق بين السين و سوف من وجهين:

الأول: التراخي في سوف أشدّ منه في السين بدليل استقراء كلامهم، قال تعالى: وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ [الزخرف: 44]و طال الأمد و الزمان. و قال تعالى:

سَيَقُولُ اَلسُّفَهََاءُ مِنَ اَلنََّاسِ مََا وَلاََّهُمْ [البقرة: 142]فنعجّل القول.

و الثاني: أنه يجوز دخول اللام على سوف و لا تكاد تدخل على السين.

و قال ابن الخشّاب: (سوف) أشبه بالأسماء من السين لكونها على ثلاثة أحرف، و السين أقعد في شبه الحروف لكونها على حرف واحد، فاختصّت سوف بجواز دخول اللام عليها بخلاف السين.

ذكر ما افترقت فيه ألفاظ الإغراء و الأمر

قال الأندلسيّ: الفرق بين هذه الأسماء: (عليك و دونك) و نحوها في الإغراء، و بين الأمر المأخوذ من الفعل من وجوه:

منها: أن الإغراء يكون مع المخاطب، فلا يجوز: عليه زيدا.

و منها: أنه لا يتقدّم معمولها عليها، لا تقول: زيدا عليك.

و منها: أنّ الفاعل فيها مستتر لا يظهر أصلا في تثنية و لا جمع.

و منها: أنّ حروف الجرّ هنا لا تتعلق بشي‏ء، و لا يعمل فيها عامل عند بصريّ إلا المازنيّ، كقوله تعالى: اِرْجِعُوا وَرََاءَكُمْ [الحديد: 13]، فليس وراءكم معمولا لارجعوا، لأنه اسم فعل، بل ذكر تأكيدا.

____________

(335) -الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه (ص 73) ، و الاشتقاق (ص 46) ، و جمهرة اللغة (ص 978) ، و الدرر (2/261) ، و شرح شواهد الإيضاح (ص 509) ، و شرح شواهد المغني (ص 130) ، و الصاحبي في فقه اللغة (ص 189) ، و مغني اللبيب (ص 41) ، و بلا نسبة في همع الهوامع (1/153) .

(1) انظر الإنصاف (647) .

(2) انظر مغني اللبيب (148) .

216

و منها: أن الإغراء لا يجاب بالفاء، لا يقال: دونك زيدا فيكرمك.

و منها: أنّ المفعول به إذا كان مضمرا كان منفصلا، و لم يجز أن يكون متصلا نحو: عليك إياي، و لا يقال عليكني، كما يقال الزمني لأنّ هذه لم تتمكّن تمكّن الأفعال.

ذكر ما افترقت فيه لام كي و لام الجحود

قال أبو حيّان: افترقا في أشياء:

أحدها: أنّ إضمار أن في لام الجحود على جهة الوجوب، و في لام كي على جهة الجواز في موضع، و الامتناع في موضع: فالجواز حيث لم يقترن الفعل بلا، نحو: جئت لتكرمني، و يجوز لأن تكرمني و الامتناع حيث اقترن بلا، فإن الإظهار حينئذ يتعيّن، نحو: لِئَلاََّ يَعْلَمَ أَهْلُ اَلْكِتََابِ [الحديد: 29]فرارا من توالي المتماثلين.

الثاني: أنّ فاعل لام الجحود لا يكون غير مرفوع كان، نحو: ما كان زيد ليذهب بخلاف لام كي، نحو: قام زيد ليذهب.

الثالث: أنه لا يقع قبلها فعل مستقبل، فلا تقول: لن يكون زيد ليفعل، و يجوز ذلك في الفعل قبل لام كي، نحو: سأتوب ليغفر اللّه لي.

الرابع: أنّ الفعل المنفيّ قبلها لا يكون مقيّدا بظرف فلا يجوز: ما كان زيد أمس ليضرب عمرا، و يوم كذا ليفعل. و يجوز ذلك في الفعل قبل لام كي، نحو: جاء زيد أمس ليضرب عمرا.

الخامس: أنه لا يوجب الفعل معها، فلا يجوز: ما كان زيد إلا ليضرب عمرا و يجوز ذلك مع لام كي، نحو: ما جاء زيد إلاّ ليضرب عمرا.

السادس: أنّه لا يقع موقعها (كي) ، لا تقول: ما كان زيد كي يضرب عمرا، و يجوز ذلك في لام كي، نحو: جاء زيد كي يضرب عمرا.

السابع: أنّ المنصوب بعدها لا يكون سببا لما قبلها، و هو كذلك، بعد لام كي.

الثامن: أنّ النفي متسلّط مع لام الجحود على ما قبلها، و هو المحذوف الذي تتعلق به اللام، فيلزم من نفيه نفي ما بعد اللام، و في لام كي يتسلط على ما بعدها، نحو: ما جاء زيد ليضربك، فينتفي الضرب خاصة، و لا ينتفي المجي‏ء إلا بقرينة تدلّ على انتفائه.

217

التاسع: أنّ لام الجحود لا تتعلّق إلا بمعنى الفعل الواجب حذفه.

فإن قلت: ما كان زيد ليقوم، فكأنّك قلت: ما كان زيد مستعدا للقيام، يقدّر في كلّ موضع ما يليق به على حسب مساق الكلام. ففي نحو قوله تعالى: وَ مََا كََانَ اَللََّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى اَلْغَيْبِ [يقدّر مريدا لإطلاعكم على الغيب، و أما لام كي فإنّها متعلّقة بالفعل الظاهر الذي هو معلول للفعل الذي دخلت عليه اللام.

العاشر: أنّ لام الجحود تقع بعد ما لا يستقلّ أن يكون كلاما دونها، و لام كي لا تقع إلا بعد ما يستقلّ كلاما. و لذلك كان الأحسن في تأويل قوله: [الوافر]

____________

336

-فما جمع ليغلب جمع قومي # مقاومة، و لا فرد لفرد

أنّه على إضمار (كان) لدلالة المعنى عليه، أي فما كان جمع ليغلب، لتكون اللام فيه لام الجحود لا (لام كي) لأنّ ما قبلها و هو: فما جمع لا يستقلّ كلاما.

ذكر ما افترق فيه (الفاء) و (الواو) اللّذان ينصب المضارع بعدهما

قال‏ (1) أبو حيان: لا أحفظ النصب جاء بعد الواو بعد الدعاء و العرض و التحضيض و الرجاء، قال: فينبغي ألاّ يقدم على ذلك إلا بسماع. قال: و كذلك مع التشبيه الواقع موقع النفي و مع قد المنفيّ بها، فإنّ عموم قول التسهيل‏ (2) في مواضع الفاء يدلّ على الجواز معهما، و يحتاج ذلك إلى سماع من العرب. و انفردت الفاء بأنّ ما بعدها في غير النفي يجزم عند سقوطها، نحو: وَ قُلْ لِعِبََادِي يَقُولُوا اَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الإسراء: 53]و يرفع مقصودا به الوصف أو الاستئناف، و أجاز الزجاجيّ الجزم في النفي أيضا، فأجاز: ما تأتينا تحدّثنا، و على هذا قال بعضها: كلّ ما تنصب فيه الفاء تجزم، و لم يستثن شيئا.

ذكر ما افترقت فيه أن المصدرية و أن التفسيرية

قال أبو حيان: من الفرق بين (أن) المصدرية و المفسّرة (أنّ) المصدرية يجوز أن تتقدّم على الفعل لأنها معموله، و إذا كانت مفسّرة لم يجز أن تتقدّمه لأن المفسّر لا يتقدّم المفسّر.

____________

(336) -الشاهد بلا نسبة في تذكرة النحاة (ص 560) ، و الجنى الداني (ص 117) ، و شرح الأشموني (3/557) ، و شرح شواهد المغني (2/526) ، و مغني اللبيب (1/212) .

(1) انظر شرح التسهيل (5/30) ، و همع الهوامع (2/12) .

(2) انظر تسهيل الفوائد (231) .

218

ذكر ما افترقت فيه لم و لمّا

قال ابن هشام في (المغني) (1) : افترقتا في خمسة أمور:

أحدها: أنّ (لمّا) لا تقترن بأداة شرط، لا يقال: إن لما تقم و (لم) تقترن به، نحو: وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ [المائدة: 67].

الثاني: أنّ منفيّ لمّا يتّصل بالحال كقوله: [الطويل‏]

____________

337

-فإن كنت مأكولا فكن خير آكل # و إلاّ فأدركني و لمّا أمزّق‏

و منفيّ (لم) يحتمل الاتصال، نحو: وَ لَمْ أَكُنْ بِدُعََائِكَ رَبِّ شَقِيًّا [مريم:

4]، و الانقطاع مثل: لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً [الدهر: 1]و لهذا جاز: لم يكن ثم كان، و لم يجز: لما يكن ثم كان، و لامتداد النفي بعد (لمّا) لم يجز اقترانها بحرف التعقيب، بخلاف لم تقول: قمت فلم تقم، لأنّ معناه و ما قمت عقب قيامي، و لا يجوز: قمت فلما تقم، لأن معناه و ما قمت إلى الآن.

الثالث: أنّ منفيّ (لمّا) لا يكون إلاّ قريبا من الحال، و لا يشترط ذلك في منفي لم، تقول: لم يكن زيد في العام الماضي مقيما. و لا يجوز لما يكن.

الرابع: أنّ منفيّ (لمّا) متوقّع ثبوته بخلاف منفيّ لم، ألا ترى أنّ معنى: بَلْ لَمََّا يَذُوقُوا عَذََابِ [ص: 8]أنهم لم يذوقوه إلى الآن، و أن ذوقهم له متوقّع.

و قال الزمخشريّ في قوله تعالى: وَ لَمََّا يَدْخُلِ اَلْإِيمََانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:

14]ما في (لمّا) من معنى التوقّع دالّ على أنّ هؤلاء قد آمنوا فيما بعد.

الخامس: أنّ منفيّ (لمّا) جائز الحذف لدليل، كقوله: [الوافر]

____________

338

-فجئت قبورهم بدءا، و لمّا # فناديت القبور فلم يجبنه‏

____________

(1) انظر مغني اللبيب (309) .

(337) -الشاهد للممزّق العبدي (شأس بن نهار) في الاشتقاق (ص 330) ، و الأصمعيات (ص 166) ، و جمهرة اللغة (ص 833) ، و خزانة الأدب (7/280) ، و شرح شواهد المغني (2/860) ، و الشعر و الشعراء (1/407) ، و لسان العرب (مزق) ، و (أكل) ، و تاج العروس (مزق) و (أكل) ، و المقاصد النحوية (4/590) ، و بلا نسبة في رصف المباني (ص 281) ، و شرح الأشموني (3/575) ، و مغني اللبيب (1/278) .

(338) -الشاهد بلا نسبة في خزانة الأدب (10/113) ، و الدرر (4/245) ، و شرح الأشموني (3/576) ، و شرح شواهد المغني (2/681) ، و الصاحبي في فقه اللغة (ص 149) ، و لسان العرب (لمم) ، و مغني اللبيب (1/280) ، و همع الهوامع (2/57) .

219

أي: و لمّا أكن قبل ذلك بدءا، أي سيّدا، و لا يجوز وصلت إلى بغداد و لم.

تريد: و لم أدخلها، فأما قوله: [الكامل‏]

____________

339

-احفظ وديعتك التي استودعتها # يوم الأعارب إن وصلت و إن لم‏

فضرورة، و علّة هذه الأحكام كلّها أنّ لم لنفي فعل، و لمّا لنفي قد فعل.

و قال ابن القوّاس في (شرح الدرّة) : لما تشارك لم في النفي و القلب، و تفارقها من أربعة أوجه:

أحدها: أن لم لنفي الماضي مطلقا أي بغير قد، و لما لنفي المقترن بقد.

و الثاني: أنّ لم مفردة و لمّا مركّبة.

و الثالث: أنّ لما قد يحذف الفعل بعدها، و لا يحذف بعد لم إلا في الضرورة.

و الرابع: أنّ لمّا تفيد اتصال النفي إلى زمن الإخبار بخلاف لم، فإنّ النفي بها منقطع.

مهمة: القول في تخريج قوله تعالى‏ وَ إِنَّ كُلاًّ لَمََّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ

اضطرب النحويّون في تخريج قوله تعالى: وَ إِنَّ كُلاًّ لَمََّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ [هود:

111]في قراءة من شدّد ميم (لمّا) و شدّد إنّ أو خففها. فنقل صاحب كتاب (اللامات) (1) عن المبرّد أنّه قال: هذا لحن، لا تقول العرب: إن زيدا لمّا خارج.

و قال المازنيّ: لا أدري ما وجه هذه القراءة. و قال الفرّاء: التقدير لمن ما، فلمّا كثرت الميمات حذفت منهن واحدة، فعلى هذا هي لام توكيد، و يعني بكثرة الميمات أن نون من حين أدغمت في ميم ما انقلبت ميما بالإدغام، فصارت ثلاث ميمات. و قال المازنيّ أيضا إن بمعنى ما ثم تثقل كما أن (أنّ) المؤكّدة تخفّف و معناها الثقيلة، انتهى.

قال أبو حيان: و ارتباك النحويين في هذه القراءة و تلحين بعضهم لقارئها يدلّ على صعوبة المدرك فيها، و تخريجها على القواعد النحوية. فأما التلحين فلا سبيل إليه البتّة لأنها منقولة نقل التواتر في السبعة.

____________

(339) -الشاهد لإبراهيم بن هرمة في ديوانه (ص 191) ، و خزانة الأدب (9/10) ، و الدرر (5/66) ، و شرح شواهد المغني (2/682) ، و المقاصد النحوية (4/443) ، و بلا نسبة في أوضح المسالك (4/202) ، و جواهر الأدب (ص 256) ، و الجنى الداني (ص 269) ، و شرح الأشموني (3/576) ، و مغني اللبيب (1/280) ، و همع الهوامع (2/56) .

(1) انظر كتاب اللامات (ص 117) .

220

و أما من قال: لا أدري ما وجهها فمعذور لخفاء إدراك ذلك عليه، و أما تأويل إنّ المثقلة بأنها المخففة التي هي نافية، ففي غاية من الخطأ لأنها لو كانت نافية لم ينتصب بعدها كلّ، بل كان يرتفع، و أيضا فإنه لا يحفظ من كلامهم أن تكون إنّ المثقلة نافية. و أما تأويل الفرّاء فأيضا في غاية الضعف، إذ لا يحفظ من كلامهم لمّا في معنى لمن ما.

قال: و قد كنت من قديم فكّرت في تخريج هذه الآية، فظهر لي تخريجها على القواعد النحوية من غير شذوذ، و هو أنّ لما هي الجازمة، و حذف الفعل المعمول لها لدلالة معنى الكلام عليه، و المعنى و أنّ كلاّ لما يبخس أو ينقص عمله، أو ما كان من هذا المعنى. فحذف الفعل لدلالة قوله: لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمََالَهُمْ [هود: 111] عليه. قال: فعلى هذا استقرّ تخريج الآية على أحسن ما يمكن و أجمله، و لم يهتد أحد من النحويين في هذه الآية إليه على وضوحه و اتجاهه في علم العربية، و العلوم كنوز تحت مفاتيح الفهوم.

قال: ثم وجدت شيخنا أبا عبد اللّه بن النقيب قد حكى في تفسيره عن أبي عمرو بن الحاجب أنّ (لما) هنا هي الجازمة، و حذف الفعل بعدها، انتهى.

فائدة: قال أبو الحسين بن أبي الربيع في (شرح الإيضاح) : اعلم أنّ العرب حملت (لو) على (لو لا) في موطن واحد أوقعت بعدها (أنّ) ، فقالت: لو أنّ زيدا قائم، كما قالت: لو لا أنّ زيدا قائم، و فعلت هذا هنا لقرب لو من لو لا، و لشبه أن بالفعل، فكأن أنّ إذا وقعت بعد لو قد وقع بعدها الفعل.

ذكر ما افترقت فيه مدّة الإنكار و مدّة التذكار

قال في التسهيل‏ (1) : لا تلي زيادة التذكار هاء السكت، بخلاف زيادة الإنكار.

قال أبو حيّان: و سبب ذلك أنّ المنكر قاصد للوقف، و المتذكّر ليس بقاصد للوقف، و إنما عرض له ما أوجب قطع كلامه، و هو طالب لتذكّر ما بعد الذي انقطع كلامه فيه، فلذلك لم تلحقه.

ذكر الفرق بين هل و همزة الاستفهام‏

قال ابن هشام‏ (2) : تفترق هل من الهمزة من عشرة أوجه: اختصاصها بالتصديق

____________

(1) انظر تسهيل الفوائد لابن مالك (250) .

(2) انظر مغني اللبيب (386) .

221

و بالإيجاب، و تخصيصها المضارع بالاستقبال، و لا تدخل على الشرط، و لا تدخل على إن، و لا على اسم بعده فعل في الاختيار، و تقع بعد العاطف لا قبله، و بعد أم، و يراد بالاستفهام بها النفي، و تأتي بمعنى (قد) .

ذكر ما افترقت فيه إذا و متى‏

قال الزمخشريّ في (المفصّل) (1) : الفصل بين متى و إذا أنّ متى للوقت المبهم، و إذا للمعيّن.

و قال الخوارزميّ: الفرق بينهما أنّ إذا للأمور الواجبة الوجود و ما جرى ذلك المجرى مما علم أنه كائن، و متى لما يترجّح بين أن يكون، و بين ألاّ يكون. تقول:

إذا طلعت الشمس خرجت، و لا يصحّ فيه متى. و تقول متى تخرج أخرج لمن لم يتيقّن أنه خارج.

و قال في (البسيط) : تفارق (متى) الشرطية إذا من وجهين:

أحدهما: أنّ إذا تقع شرطا في الأشياء المحقّقة الوقوع، و لذلك وردت شروط القرآن بها، و الشرط بمتى يحتمل الوجود و العدم.

الثاني: أنّ العامل في متى شرطها على مذهب الجمهور. لكونها غير مضافة إليه، بخلاف إذا لإضافتها إليه، إذ كانت للوقت المعيّن و متى للوقت المبهم.

ذكر ما افترقت فيه أيّان و متى‏

قال ابن يعيش‏ (2) : (أيّان) ظرف من ظروف الزمان مبهم بمعنى (متى) .

و الفرق بينها و بين (متى) أنّ (متى) لكثرة استعمالها صارت أظهر من أيّان في الزمان. و وجه آخر من الفرق أنّ (متى) تستعمل في كلّ زمان، و (أيّان) لا تستعمل إلا فيما يراد تفخيم أمره و تعظيمه.

و قال صاحب (البسيط) : (أيّان) بمعنى (متى) في الاستفهام، و تفارق متى من وجهين:

أحدهما: أنّ (متى) أكثر استعمالا منه.

و الثاني: أنّ (أيّان) يستفهم به في الأشياء المعظّمة المفخّمة.

____________

(1) انظر المفصّل (272) .

(2) انظر شرح المفصّل (4/106) .

غ

222

و كتب الجمهور ساكتة عن كونها شرطا. و ذكر بعض المتأخّرين أنها تقع شرطا، لأنها بمنزلة متى، و متى مشتركة بين الشرط و الاستفهام فكذلك أيّان. و توجيه منع الشرط عدم السماع، و أنّ متى أكثر استعمالا منها فاختصّت لكثرة استعمالها بحكم لا تشاركها فيه أيّان، انتهى.

قلت: فهذا فرق ثالث.

ذكر ما افترق فيه جواب (لو) و جواب (لو لا)

قال أبو حيّان‏ (1) : ليس عندي ما يختلفان فيه إلاّ أنّ جواب لو لا وجدناه في لسان العرب قد يقرن بقد كقوله: [البسيط]

340-لو لا الأمير و لو لا حقّ طاعته # لقد شربت دما أحلى من العسل‏

و لا أحفظ في (لو) ذلك، لا أحفظ من كلامهم لو جئتني لقد أحسنت إليك.

و ليس ببعيد أن يسمع ذلك فيها، و قياس لو على لو لا في ذلك عند من يرى القياس سائغ، و جواب لو إذا كان ماضيا مثبتا جاء في القرآن باللام كثيرا، و بدونها في مواضع، و لم يجئ جواب لو لا في القرآن محذوف اللام من الماضي المثبت و لا في موضع واحد، و قد اختلف فيه قول ابن عصفور (2) : فتارة جعله ضرورة، و تارة جعله جائزا في قليل من الكلام‏ (3) .

ذكر ما افترق فيه (كم) الاستفهاميّة و (كم) الخبريّة

قال في (البسيط) : أمّا مشابهتهما: فأنّهما اسمان، و أنّهما مبنيّان، و أنّهما مفتقران إلى مبيّن، و أنّهما لازمان للتصدّر، و أنّهما اسمان للعدد، و أنّهما لا يتقدّم عليهما عامل لفظيّ إلاّ المضاف و حرف الجرّ.

و أمّا مخالفتهما:

1-فإنّ الاستفهامية بمنزلة عدد منوّن، و الخبرية بمنزلة عدد حذف منه التنوين.

2-و أنّ الاستفهامية تبيّن بالمفرد، و الخبرية تبيّن بالمفرد و الجمع.

3-و أنّ مميّز الاستفهامية منصوب، و مميّز الخبرية مجرور.

____________

(1) انظر شرح التسهيل (6/2) .

(2) انظر شرح الجمل (2/216) .

(3) انظر شرح التسهيل (6/3) .

223

4-و أنّ الاستفهامية يحسن حذف مميّزها، و الخبرية لا يحسن حذف مميّزها.

5-و أنّ الاستفهامية يفصل بينها و بين مميزها، و لا يحسن ذلك في الخبرية إلا في الشعر.

6-و أنّ الاستفهامية إذا أبدل منها جي‏ء مع البدل بالهمزة، نحو: كم مالك أعشرون أم ثلاثون؟و كم درهما أخذت أثلاثين أم أربعين؟و لا يفعل ذلك مع الخبرية لعدم دلالتها على الاستفهام، نحو: كم غلمان عندي ثلاثون و أربعون و خمسون.

7-و أنّ الخبرية يعطف عليها بـ (لا) ، فيقال: كم مالك لا مائة و لا مائتان، و كم درهم عندي لا درهم و لا درهمان، لأنّ المعنى كثير من المال، و كثير من الدراهم لا هذا المقدار بل أكثر منه، و لا يجوز في الاستفهامية، كم درهما عندك لا ثلاثة و لا أربعة لأن (لا) لا يعطف بها إلاّ بعد موجب، لأنها تنفي عن الثاني ما ثبت للأول و لم يثبت شي‏ء في الاستفهام.

8-و أنّ (إلا) إذا وقعت بعد الاستفهامية كان إعراب ما بعدها على حدّ إعراب كم من رفع أو نصب أو جرّ، لأنه بدل منها لأنّ الاستفهام يبدل منه، و يستفاد من إلا معنى التحقير و التقليل، نحو: كم عطاؤك إلاّ ألفان؟و كم أعطيتني إلاّ ألفين؟و بكم أخذت ثوبك إلا درهم؟و كم مالك درهما إلا عشرون؟و لا يجوز أن يكون ما بعد إلا بدلا من خبركم و لا من مفسّرها لبيانهما، بل يبدل من كم لإبهامها لإرادة إيضاحها بالبدل، و لإفادته معنى التقليل كأنّ الاستفهام بمنزل النفي، كقولك: هل الدنيا إلاّ شي‏ء فان؟أي ما الدنيا، و أما الخبرية فإنّ المستثنى بعدها منصوب لأنه استثناء من موجب، و لا يجوز البدل في الموجب، فيقال: كم غلمان جاؤوني إلاّ زيدا.

و قال ابن هشام في (المغني) (1) : يفترقان في خمسة أمور:

أحدها: أن الكلام مع الخبرية محتمل للتصديق و التكذيب بخلافه مع الاستفهامية.

الثاني: أنّ المتكلّم بالخبرية لا يستدعي من مخاطبه جوابا، لأنه مخبر و المتكلّم بالاستفهامية يستدعي ذلك لأنه مستخبر.

ثم ذكر ثلاثة مما تقدّم و هي: عدم اقتران المبدل من الخبرية بالهمزة، و تمييزها بمفرد و مجموع و وجوب خفضه بخلاف الاستفهامية، فتحصلنا من ذلك على عشرة فروق. و بها صرّح المهلّبيّ، فقال: [البسيط]

____________

(1) انظر مغني اللبيب (201) .

224

الفرق في كم في الاستفهام و الخبر # من عشر استوضحت كالأنجم الزهر

نصب المفسّر، مع إفراده أبدا # و حذفه تارة، و الفصل في نظر

و تقتضيك جوابا في السؤال بها # و مبدلا تقتضيك الحرف في الأثر

و ليس من خيمها التكثير، ثمّت لا # عطف عليها (بلا) في سائر الزّبر

و لا تضاف إلى ما بعدها شبها # و قد ترى بعدها إلاّ بمستطر

و كلّ هذا فالاستفهام يحكمه # و ضدّه في كم الأخرى على الخبر

ذكر ما افترق فيه كم و كأيّن‏

قال ابن هشام في (المغني) (1) : توافق كأيّن كم في خمسة أمور: الإبهام، و الافتقار إلى التمييز، و البناء، و لزوم التصدير، و إفادة التكثير تارة و هو الغالب، و الاستفهام أخرى و هو نادر، و لم يثبته إلا ابن قتيبة و ابن عصفور و ابن مالك.

و تخالفها في خمسة أمور:

أحدها: أنها مركّبة، و كم بسيطة على الصحيح.

الثاني: أنّ مميّزها مجرور بمن غالبا، حتى زعم ابن عصفور لزومه.

الثالث: أنها لا تقع استفهامية عند الجمهور.

الرابع: أنها لا تقع مجرورة.

و الخامس: أنّ خبرها لا يقع مفردا.

ذكر ما افترق فيه كأيّن و كذا

قال ابن هشام‏ (2) : توافق كذا كأيّن في أربعة أمور: التركيب، و البناء و الإبهام، و الافتقار إلى التمييز. و تخالفها في ثلاثة أمور:

أحدها: أنها ليس لها الصدر.

الثاني: أن تمييزها واجب النصب.

الثالث: أنها لا تستعمل غالبا إلا معطوفا عليها.

ذكر ما افترق فيه أيّ و من‏

قال في (البسيط) : افترقا من ستّة أوجه:

____________

(1) انظر مغني اللبيب (203) .

(2) انظر مغني اللبيب (204) .

225

أحدها: أنّ (أيّا) معربة تقبل الحركات، و لذلك لا تشترط في حكايتها الوقف، بل تلحقها الزيادة في الوصل و الوقف، و من مبنيّة، و لا تلحقها الزيادة إلا في الوقف.

الثاني: أنّ (من) لمن يعقل، و (أيّ) لمن يعقل، و لمن لا يعقل، بحسب ما تضاف إليه لأنها بعض من كلّ.

الثالث: أن العلم يحكى بعد (من) و لا يحكى بعد (أيّ) .

الرابع: أن (ربّ) قد تدخل على (من) دون (أيّ) .

الخامس: أنّ (أيّا) قد يوصف بها بخلاف (من) .

السادس: أن (من) يدخلها الألف و اللام و ياء النسبة في الحكاية بخلاف (أيّ) .

ذكر ما افترقت فيه تاء التأنيث و ألف التأنيث‏

قال ابن يعيش‏ (1) : ألف التأنيث تزيد على تاء التأنيث قوّة، لأنها تبنى مع الاسم و تصير كبعض حروفه، و يتغيّر الاسم معها عن هيئة التذكير نحو: سكران و سكرى و أحمر و حمراء. فبنية كلّ واحد من المؤنث هنا غير بنية المذكّر. و ليست التاء كذلك، إنما تدخل الاسم المذكّر من غير تغيير بنيته دلالة على التأنيث. نحو:

قائم و قائمة. و يزيد ذلك عندك وضوحا أنّ ألف التأنيث إذا كانت رابعة ثبتت في التكسير، نحو حبلى و حبالى، و سكرى و سكارى، و ليست التاء كذلك، بل تحذف في التكسير، نحو: طلحة و طلاح، و جفنة و جفان. فلمّا كانت الألف مختلطة بالاسم كان لها مزيّة على التاء فصارت مشاركتها في التأنيث علة، و مزيّتها عليه علّة أخرى كأنه تأنيثان، فلذلك منعت الصرف وحدها، و لم تمنع التاء إلا مع سبب آخر.

و قال في باب الترخيم‏ (2) : دخول تاء التأنيث في الكلام أكثر من دخول ألفي التأنيث، لأنها قد تدخل في الأفعال الماضية للتأنيث، نحو: قامت هند، و تدخل المذكّر توكيدا، و مبالغة، نحو: علاّمة، و نسّابة، فلذلك ساغ حذفها في الترخيم و إن لم يكن ما فيه علما.

ذكر ما افترقت فيه التثنية و الجمع السالم‏

قال ابن السرّاج في الأصول: التثنية يستوي فيها من يعقل و من لا يعقل بخلاف الجمع، فإنه مخصوص بمن يعقل. و لا يجوز أن يقال في جمل جملون، و لا

____________

(1) انظر شرح المفصّل (1/59) .

(2) انظر شرح المفصّل (2/20) .

226

في جبل جبلون، و متى جاء ذلك فيما لا يعقل فهو شاذّ، و لشذوذه عن القياس علّة.

قال ابن السرّاج: و المذكّر و المؤنّث في التثنية سواء، و في الجمع مختلف، فإذا جمعت المؤنث على حدّ التثنية زدت ألفا و تاء، و حذفت الهاء إن كانت في الاسم، و ضممت التاء في الرفع، و ألحقتها التنوين، فالضمّة في جمع المؤنث السالم نظيرة الواو في جمع المذكّر، و التنوين نظير النون. و الكسرة في جمع المؤنث في الخفض و النصب نظيرة الياء في المذكرين، و التنوين نظير النون.

ذكر ما افترق فيه جمع التكسير و اسم الجمع‏

قال أبو حيّان: يفارق اسم الجمع جمع التكسير من وجوه:

أحدها: عدم استمرار البنية في جمع التكسير.

الثاني: الإشارة إليه بهذا.

الثالث: إعادة ضمير المفرد إليه.

الرابع: أن يكون خبرا عن هو.

الخامس: أن يصغّر بنفسه و لا يردّ إلى مفرده.

ذكر ما افترق فيه التكسير و التصغير

قال في (البسيط) : افترقا في أنّ بناء التصغير لا يختلف كاختلاف أبنية الجمع، و في أنّ الأجود أن يقال في تصغير أسود و أعور و قسور و جدول، أسيّد و أعيّر و قسيّر و جديّل بالإدغام، و لا يجوز ذلك في التكسير. و يقال في مقام و مقال مقيّم و مقيّل بالإدغام، و في التكسير مقاوم و مقاول بالإظهار. قال: و لا يقدح ذلك في قولهم: إنهما من واد واحد. لأنه لا يلزم من مشابهة الشي‏ء للشي‏ء أن يشابهه من جميع الوجوه.

قال ابن الصائغ في (تذكرته) : سئلت عن السبب في إن كان النسب إلى الجمع في ماله واحد إلى الواحد، فإن لم يكن له واحد نسب إلى الجمع، و كان التصغير للجمع فيما له واحد إلى الواحد، و فيما لم يكن له واحد إلى واحده المقدّر، و هلاّ اتحد البابان.

فقلت: النسب إلى الواحد لم يكن إلاّ قصد الخفّة، حيث المنسوب إلى الجمع هو المنسوب إلى الواحد، و تصغير الواحد في الجمع إنما كان لتنافر التصغير مع الجمع الكثير، فافترق البابان.

227

القسم الثاني‏ المسائل المتشابهة المفترقة في الحكم و العلة

باب الإعراب و البناء

مسألة
يكفي في بناء الاسم شبهه بالحرف من وجه واحد اتفاقا، و لا يكفي في منع الصرف مشابهته للفعل من وجه واحد اتّفاقا، بل لا بدّ من مشابهته له من وجهين:

قال في (البسيط) : و الفرق أنّ مشابهة الحرف تخرجه إلى ما يقتضيه الحرف من البناء، و علّة البناء قويّة، فلذلك جذبته العلّة الواحدة، و أما مشابهة الفعل فإنها لا تخرجه عن الإعراب، و إنما تحدث فيه ثقلا، و لا يتحقّق الثقل بالسبب الواحد لأنّ خفّة الاسم تقاومه فلا يقدر على جذبها عن الأصالة إلى الفرعية، فلذلك احتيج إلى سببين لتحقّق الثقل بتعاضدهما، و غلبتهما بقوّة نقلهما خفّة الاسم و جذبه إلى شبه الفعل.

قال ابن الحاجب في (أماليه) : إن قيل: لم بني الاسم لشبه واحد، و امتنع من الصرف لشبهين، و كلا الأمرين خروج عن أصله؟

فالجواب أنّ الشبه الواحد بالحرف يبعده عن الاسمية، و يقرّبه مما ليس بينه و بينه مناسبة إلا في الجنس الأعمّ، و هو كونه كلمة، و شبه الفعل و إن كان نوعا آخر إلاّ أنه ليس في البعد عن الاسم كالحرف. ألا ترى أنّك إذا قسمت الكلمة خرج الحرف أوّلا لأنه أحد القسمين، و يبقى الاسم و الفعل مشتركين، فيفرق بينهما بوصف أخصّ من وصفهما بالنسبة إلى الحرف، فوزان الحرف من الاسم كالجماد بالنسبة إلى الآدميّ، و وزان الفعل من الاسم كالحيوان من الآدميّ، فشبه الآدمي بالجماد ليس كشبهه بالحيوان. فقد علمت بهذا أنّ المناسبة الواحدة بين الشي‏ء و بين ما هو أبعد لا تقاوم مناسبات متعدّدة بينه و بين ما هو قريب منه.

قال ابن النحّاس في (التعليقة) : فإن قيل فلم بنيتم الاسم لشبهه بالحرف من وجه واحد؟

فالجواب أنّ الاسم بعيد من الحرف. فشبهه به يكاد يخرجه عن حقيقته، فلو لا قوّته لم يظهر ذلك فيه، فلا جرم اعتبرناه قولا واحدا.

228

مسألة: اعتراض و الرد عليه‏
قال ابن الدّهان في (الغرّة) : قال بعض المتقدّمين: فإن قيل: لم لمّا شابه الفعل الاسم أعطيتموه بعض الإعراب، و لمّا أشبه الاسم الحرف أعطيتموه كلّ البناء؟.

فالجواب: أنّ الإعراب لمّا كان يتبعّض أعطي الفرع فيه دون ما للأصل، و لمّا كان البناء لا يتبعّض تساوى الأصل و الفرع فيه.

مسألة: الفرق بين غد و أمس‏
قال بعضهم: الفرق بين (غد) و بين (أمس) -حيث أعرب غد على كل اللغات بخلاف أمس-أنّ أمس استبهم استبهام الحروف، فأشبه الفعل الماضي، و غد لكونه منتظرا أشبه الفعل المستقبل فأعرب. نقله الأندلسيّ.

باب المنصرف و غيره‏

مسألة: الحكم إذا سمي بجمع و أخر
إذا سمّي بجمع و أخر لم ينصرفا عند سيبويه‏ (1) للتعريف و العدل في الأصل، و انصرفا عند الأخفش لزوال معنى العدل عنهما بالتسمية قياسا على المسمى بالمعدول عن العدد.

قال في (البسيط) : و الفرق على الأول أنه لا يمكن مراعاة العدل في العدد بعد التسمية لمنافاة التسمية للعدد، و أمّا عدل جمع فلا ينافي التسمية للموافقة في التعريف. و كذلك عدل أخر عن اللام على الصحيح لا ينافي التعريف، كما لم ينافه العدل في (سحر) .

مسألة: الياء في معد يكرب‏
الجمهور على أنّ الياء في (معد يكرب) ساكنة سواء أضيف أو ركّب.

و قال بعضهم: تحرّك بالفتح قياسا على المنقوص.

و قال في (البسيط) : و الفرق بينهما من وجهين:

أحدهما: أنه طال بالتركيب. و السكون على حرف العلّة أخفّ من الحركة فناسب ثقل التركيب حذف الحركة بخلاف المنقوص.

و الثاني: أنها صارت وسطا في الكلمة بالتركيب فأشبهت الأصليّة، كياء

____________

(1) انظر الكتاب (3/247) .

229

(دردبيس) ، و لأنّ حركة التركيب لازمة و حركة المنقوص عارضة، و اللازم أثقل من العارض.

مسألة: الفرق بين حروف الجر.. و بين الإضافة و أل في دخولها على الممنوع من الصرف‏
قال ابن إياز: فإن قيل: إنّ حروف الجرّ تمنع من الدخول على الفعل، و مع هذا إذا دخلت على ما لا ينصرف لا تجرّ في موضع الجرّ، فهلاّ كانت اللام و الإضافة كذلك.

قيل: الفرق من وجهين:

أحدهما: أنّ اللام و الإضافة يتغيّر بهما معنى الاسم، ألا تراهما ينقلانه من التنكير إلى التعريف، و حروف الجرّ لا تغيّر معناه.

و الثاني: أنّ حروف الجرّ تجري مما بعدها مجرى الأسماء التي تجرّ ما بعدها، و الأفعال قد تقع في موضع الجرّ بإضافة ظروف الزمان إليها. فصار وقوع الأسماء بعد حروف الجرّ كأنه غير مختصّ بها إذ كان مثل ذلك يقع في الأفعال، فلذلك لم يعتد به، انتهى.

و قد ذكر السيرافيّ هذين الوجهين. و زاد فروقا أخرى:

منها: أنّ الألف و اللام و الإضافة أبعدا الاسم الذي لا ينصرف عن شبه الفعل و أخرجاه، منه، فلمّا دخل عليه بعد ذلك العامل صادفه غير مشبه للفعل، فعمل فيه.

و أما إذا دخل قبل دخول اللام أو الإضافة فإنه يصادفه ثقيلا، فلا ينفذ فيه.

و منها: أنّ الألف و اللام و الإضافة قاما مقام التنوين، فكأنّ الاسم منوّن، و التنوين هو الصرف و علامة الأمكن و ليس العامل كذلك.

و منها: أنّا لو اعتبرنا العوامل لبطل أصل ما لا ينصرف، لأن التي تدخل على الاسم غير داخلة على الفعل، فلو كان ينتقل بدخول العوامل لكان كلّ عامل يدخل عليه يوجب صرفه، و يبطل الفرق بين ما ينصرف و بين ما لا ينصرف.

مسألة: تنوين الأسماء غير المنصرفة للضرورة و عدم تنوين الأسماء المبنية للضرورة
و قال ابن الحاجب في (أماليه) : الأسماء المبنيّة لا تنوّن للضرورة، لأنّ التنووين فرع الإعراب. و هي لا يدخلها الإعراب، فلا يدخلها التنوين. غ

230

باب النكرة و المعرفة

مسألة: لزوم نون الوقاية مع الفعل‏
إذا اتصل بالفعل ياء المتكلّم لزمه نون الوقاية حذرا من كسر الفعل لأنها تطلب كسر ما قبلها.

قال في (البسيط) : فإن قيل: فقد كسر الفعل لالتقاء الساكنين. فهلاّ كسر مع ضمير المتكلّم و الجامع بينهما عدم اللزوم، لأنّ ضمير المفعول غير لازم، و لذلك هو في تقدير المنفصل.

قلنا: الفرق بينهما من وجهين:

أحدهما: أنّ ياء المتكلّم تقدّر بكسرتين و قبلها كسرة، فتصير كاجتماع ثلاث كسرات في التقدير، و لا يحتمل ذلك في الفعل، فلذلك احتيج إلى نون الوقاية بخلاف التقاء الساكنين، إذ ليس معه إلا كسرة واحدة، و لا يلزم من احتمال كسرة واحدة عارضة احتمال ثلاث كسرات.

و الثاني: أنّ ياء المتكلّم تمتزج بالكلمة لشدّة اتصالها، فتصير الكسرة قبلها كاللازمة بخلاف التقاء الساكنين، فإن الثاني لا يمتزج بالأول لكونه منفصلا عنه، فلا تشبه حركته الحركة اللازمة.

باب الإشارة

مسألة: الإشارة للبعيد
قالوا: في البعيد للمذكّر (ذلك) ، فلم يحذفوا الألف و كسروا اللام لالتقاء الساكنين. و قالوا: للمؤنث (تلك) . و أصله (تي) فحذفوا الياء، و سكّنوا اللام.

و الفرق أنّه لو أبقيت الياء كما أبقيت الألف في ذلك، و قيل: تيلك كان يؤدي إلى نهاية الثقل، و هي وقوع الياء بين كسرتين، و لا كذلك المذكّر. فإنه لا ثقل فيه مع تحريك اللام. و أنّ ثقل التأنيث و الكسرة ناسب الحذف بخلاف فتح الذال، و خفّة التذكير فإنه لا يقتضي الحذف.

ذكر ذلك في (البسيط) . قال: و قد جاء (تالك) في البعيد، فلم تحذف ألف (تا) كما لم تحذف ألف (ذا) ، و لما كان استعمالها أقلّ من تلك جعلوا كثرة استعمال تلك عوضا عن استعمال تالك.

231

باب الموصول‏

مسألة: الاختلاف في استعمال ذا موصولا، دون ما
جوّز الكوفيّون استعمال (ذا) موصولا دون (ما) كما لو كانت مع ما أو من، و منعه البصريّون، و فرّقوا بأنّ ما الاستفهامية إذا انضمّت إلى ذا أكسبته معناها، فخرج من التخصيص إلى إبهام الذي.

قال في (البسيط) : و لا قياس مع الفارق.

مسألة: لا يوصل الذي بالأمر
قال ابن الدهّان في (الغرّة) : يجوز أن توصل أن بالأمر، نحو: كتبت إليه بأن قم، و لم يجز أن يوصل الذي بالأمر لأنّ الذي اسم يفتقر إلى تخصيص من صلة، و ليس كذلك أن لأنها حرف.

باب الابتداء

مسألة: الفرق بين زيد أخوك و أخوك زيد
قال ابن الخبّاز: إن قلت: ما الفرق بين (زيد أخوك) ، (و أخوك زيد) ؟قلت:

من وجهين:

أحدهما أنّ: زيد أخوك تعريف للقرابة، و أخوك زيد تعريف للاسم.

و الثاني‏ أنّ: زيد أخوك لا ينفي أن يكون له أخ غيره. لأنّك أخبرت بالعامّ عن الخاصّ، و أخوك زيد ينفي أن يكون له أخ غيره، لأنك أخبرت بالخاصّ عن العامّ.

و هذا ما يشير إليه الفقهاء، في قولهم: زيد صديقي، و صديقي زيد، نقله ابن هشام في (تذكرته) .

مسألة: القول في عود الضمير على المبتدأ
قال الشلوبين: فإن قلت: إذا قلت: زيد أمامك لزم فيه ضمير يعود على المبتدأ، لأنه قام مقام المشتقّ، و هو كائن، فتضمّن الضمير الذي كان يتضمنه. و إذا قلت: زيد الأسد، و أبو يوسف أبو حنيفة، و زيد زهير فلا ضمير فيه مع أنه قد قام مقام ما هو المبتدأ في المعنى، و هو مشتقّ، ألا ترى أنّ الخبر قد قام في ذلك مقام مثل و هو مشتقّ، فلم لم يتحمّل هذا القائم من الضمير هنا ما كان فيما قام مقامه و تحمله هناك؟

فالجواب: أنّ الفرق بين الموضعين أنّ الذي قام مقام الخبر هناك قام مقامه على‏

232

معناه من غير زيادة. فتحمّل من الضمير ما كان يتحمّله. و الذي قام مقامه في هذا الأخير قام مقامه على معناه، و لكن بزيادة أنه أريد به أنه هو على جهة المبالغة بتغيير المعنى، و جعل الثاني كأنه الأول لا مثله، فلما قام مقامه على غير معناه لم يحمل من الضمير ما كان يحمله، هذا إذا قلنا: إن قولنا: أبو يوسف أبو حنيفة بزيادة معنى أنه هو هو مبالغة. و إن لم نقل ذلك، و قلنا: إنه بمعنى أصله الذي حذف منه تحمّل من الضمير ما كان يتحمّله، فلك إذا فيه و جهان.

مسألة الإخبار بالظرف الناقص‏
قال ابن النحّاس في (التعليقة) : أجاز الكوفيون الإخبار بالظرف الناقص إذا تم بالحال، و جعلوا (له) من قوله تعالى: وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص: 4] خبر يكن، و كفوا حال من الضمير المستكنّ في له و قاسوه على جواز الإخبار بالخبر الذي لا يتمّ إلاّ بالصفة كقوله تعالى: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [النمل: 55]، و نحوه.

و فرّق البصريّون فأجازوا الإخبار بما لا يتمّ إلاّ بالصفة، و منعوا الإخبار بما لا يتمّ إلا بالحال، لأنّ الصفة من تمام الموصوف، و الحال فضلة فلا يلزم من جواز ما هو من تمام جواز ما هو فضلة.

باب (ما) و أخواتها

مسألة: القول في باء (ما زيد بقائم)
قال الأندلسيّ في (شرح المفصّل) : فإن قلت: ما بالهم حكموا بأنّ الباء في قولك: (ما زيد بقائم) مزيدة مع أنها لتأكيد النفي، و اللام في قولك: إن زيدا لقائم غير مزيدة مع أنها لتأكيد معنى الابتداء؟.

قلت: فيه حرفان: الحرف الأول أنّ الباء أبدا تقع في الطيّ فلا يلتفت إليها لتمام المعنى بدونها بخلاف اللام فإنها تقع في الصدر في نحو: لزيد منطلق و لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً [الحشر: 13]و أمّا إن زيدا لقائم فبدخول إن.

الحرف الثاني و عليه الاعتماد أنّ خبر ما لا يكون إلا على أصله، و هو النصب حتى تكون الباء زائدة بخلاف اللام، فإن خبر المبتدأ على أصله، و إن لم تكن اللام زائدة، انتهى.

مسألة: امتناع تقديم معمول الفعل الواقع بعد ما النافية و لا في جواب القسم عليها و عدم امتناع التقديم في لن و لم و لما
قال ابن عصفور في (شرح المقرّب) : فإن قيل: لأيّ شي‏ء امتنع تقديم معمول‏

233

الفعل الواقع بعد (ما) النافية أو (لا) في جواب القسم عليها، و لم يمتنع ذلك في (لن، و لم، و لما) مع أنها حروف نفي كما أنّ (ما و لا) كذلك؟.

فالجواب: أنّ الفرق أنّ (لن) لنفي مستقبل فهي في مقابلة السين في:

سيفعل. فأجروها لذلك مجراها في جواز التقديم فيقال: زيدا لن أضرب كما يقال:

زيدا سأضرب. (و لم و لمّا) ، لمّا صارتا ملازمتين للفعل أشبهتا ما جعل كالجزء منه و هو السين و سوف، فجاز التقديم فيهما، و لم يجز في (ما) لأنها لا تلازم الفعل الذي نفي بها، كما تلازم لم و لمّا. و (لا) جعلت في مقابلة ما هو كالجزء من الفعل.

قال، و زعم الشلوبين: أنّ العرب إنّما أجازت تقديم الفعل الواقع بعد لم و لمّا عليهما حملا على نقيضه، و هو الواجب، فكما يجوز ذلك في الواجب، فكذلك يجوز في نقيضه. و هذا غير صحيح، لأنه يلزم عليه تقديم معمول الفعل الواقع بعد ما النافية عليها، فيقال: زيدا ما ضربت، حملا على نقيضه، و هو: زيدا ضربت.

و العرب لا تقوله. فدلّ على أن السبب خلاف ما ذكره.

باب كاد و أخواتها

مسألة: الفرق بين كاد و عسى‏
قال ابن إياز: فإن قيل: لم امتنع أن يضمر في (عسى) ضمير الشأن، و (هلاّ) جاز فيها كما جاز في كاد؟.

قيل: فرّق الرمّانيّ بينهما بأنّ خبر كاد لا يكون إلاّ جملة، و خبر عسى مفرد، و قد عرف أنّ ضمير الشأن لا يكون خبره إلاّ جملة.

باب (إنّ) و أخواتها

مسألة: تقدم المنصوب في هذا الباب‏
قال ابن يعيش‏ (1) : إنما قدّم المنصوب في هذا الباب على المرفوع فرقا بينها و بين الفعل، فالفعل من حيث أن الأصل في العمل جرى على سنن قياسه في تقديم المرفوع على المنصوب إذ كانت رتبة الفاعل مقدمة على المفعول. و هذه الحروف لمّا كانت فروعا على الأفعال و محمولة عليها جعلت بينهما، بأن قدّم المنصوب فيها على المرفوع حطّا لها عن درجة الأفعال، إذ تقديم المفعول على الفاعل فرع، و تقديم الفاعل أصل.

____________

(1) انظر شرح المفصّل (1/102) .

234

مسألة: يجوز الجمع بين المكسورتين و لا يجوز بين المكسورة و المفتوحة
قال الأندلسي: فإن قلت: كيف يجوز الجمع بين المكسورتين في التأكيد مع اتحاد اللفظ و المعنى و لا يجوز في المكسورة و المفتوحة مع أنّ بينهما مغايرة ما؟.

قلت: الفرق أنّ إحدى الكلمتين هناك زائدة أو كالزائدة، و هنا بخلافه بدليل أنّ كلّ واحد من الحرفين لا بدّ له من اسم و خبر، و نظيره قولهم على ما نقله سيبويه‏ (1) : إنّ زيدا لما لينطلقنّ.

مسألة: كسر إن و فتحها بعد إذا الفجائية
قال الأندلسيّ: قال السيرافيّ: يجوز بعد (إذا) التي للمفاجأة كسر إن و فتحها بخلاف حتى، فأنّ المفتوحة لا تقع بعدها، و الفرق أن ما بعد إذا لا يلزم أن يكون ما قبلها و لا بعضه، و يجوز أن يكون مصدرا و غير مصدر، كقولك: خرجت فإذا أن زيدا صائح. فهنا تفتح أنّ، لأن التقدير: خرجت فإذا صياح زيد، و تكسر إذا أردت فإذا زيد صائح. و أمّا (حتى) فإن ما بعدها يكون جزءا مما قبلها، لأنها هنا هي العاطفة، و ليست التي للغاية.

باب (ظنّ) و أخواتها

مسألة: الفرق بين علمت و عرفت من جهة المعنى‏
قال ابن جنّي في (الخاطريّات) : قلت لأبي علي: قال سيبويه‏ (2) : إذا كانت (علمت) بمعنى عرفت عدّيت إلى مفعول واحد، و إذا كانت. بمعنى العلم عدّيت إلى مفعولين. فما الفرق بين علمت و عرفت من جهة المعنى؟

فقال: لا أعلم لأصحابنا في ذلك فرقا محصّلا. و الذي عندي في ذلك أنّ (عرفت) معناها العلم الموصول إليه من جهة المشاعر و الحواسّ بمنزلة (أدركت) ، و علمت معناها العلم من غير جهة المشاعر و الحواسّ، يدلّك على ذلك في (عرفت) قوله تعالى: يُعْرَفُ اَلْمُجْرِمُونَ بِسِيمََاهُمْ [الرحمن: 41]، و السيما تدرك بالحواس و المشاعر.

قلت له: أفيجوز أن يقال: (عرفت) ما كان ضدّه في اللفظ (أنكرت) ، و علمت ما كان ضدّه في اللفظ (جهلت) . فإذا أريد بعلمت العلم المعاقبة عبارته

____________

(1) انظر الكتاب (3/172) .

(2) انظر الكتاب (1/76) .

235

للإنكار تعدّت إلى مفعول واحد، و إذا أريد بها العلم المعاقبة عبارته للجهل تعدّت إلى مفعولين، و يكون هذا فرقا بينهما صحيحا، لأنّ أنكرت ليست بمعنى جهلت لأن الإنكار قد يضامّ العلم، و الجهل لا يضامّ العلم، و لأنّ الجهل يكون في القلب فقط، و الإنكار يكون باللسان و إن وصف القلب به، كقولنا: أنكره قلبي، كان مجازا، و كون الإنكار باللسان دلالة على أنّ المعرفة متعلّقة بالمشاعر. فقال: هذا صحيح، انتهى.

باب المفعول فيه‏

مسألة: اشتراط توافق مادتي الظرف المصاغ من الفعل و عامله‏
اشترطوا توافق مادّتي الظرف المصاغ من الفعل و عامله، نحو: قعدت مقعد زيد، و جلست مجلسه، و لم يكتفوا بالتوافق المعنوي بخلاف المصدر. فاكتفوا فيه بالتوافق المعنويّ نحو: قعدت جلوسا.

و الفرق أنّ انتصاب هذا النوع على الظرفية على خلاف القياس لكونه مختصّا.

فينبغي ألاّ يتجاوز به محلّ السماع. و أما نحو: قعدت جلوسا فلا دافع له من القياس.

ذكره في (المغني) .

باب الاستثناء

مسألة: جواز إيصال الفعل إلى غير بدون واسطة
قال ابن النحّاس في (التعليقة) : فإن قيل: كيف جاز أن يصل الفعل إلى (غير) من غير واسطة، و هو لا يصل إلى ما بعد (إلاّ) إلاّ بواسطة؟

فالجواب: أنّ غيرا أشبهت الظرف بإبهامها، و الظرف يصل الفعل إليه بلا واسطة، فوصل أيضا إلى غير بلا واسطة لذلك.

فإن قيل: فلم لم تبن (غير) لتضمّنها معنى الحرف و هو (إلاّ) ؟

فالجواب: أنّ (غير) لم تقع في الاستثناء لتضمّنها معنى إلاّ، بل لأنّها تقتضي مغايرة ما بعدها لما قبلها، و الاستثناء إخراج، و الإخراج مغايرة، فاشترك (إلاّ و غير) في المغايرة. فالمعنى الذي صارت به غير استثناء هو لها في الأصل لا لتضمّنها معنى إلا فلم تبن.

باب الحال‏

مسألة: فروق بين الصفة و الحال‏
قال في (البسيط) : لم يستضعف سيبويه‏ (1) (مررت بزيد أسدا) بنصب أسد

____________

(1) انظر الكتاب (2/112) .

236

على الحال، أي: جريئا أو شديدا قويّا، و استضعف مررت برجل أسد على الوصف.

و الفرق بينهما من وجهين:

أحدهما: أنّ الوصف أدخل في الاشتقاق من الحال.

و الثاني: أنّ الحال تجري مجرى الخبر. و قد يكون خبرا ما لا يكون صفة. قال:

و القياس التسوية بينهما، لأنه يرجع بالتأويل إلى معنى الوصف، أو بحذف مضاف، أي: مثل أسد.

و قال ابن يعيش‏ (1) : الحال صفة في المعنى. و لذلك اشترط فيها ما يشترط في الصفات من الاشتقاق، فكما أنّ الصفة يعمل فيها عامل الموصوف، فكذلك الحال يعمل فيها العامل في صاحب الحال، إلا أنّ عمله في الحال على سبيل الفضلة لأنها جارية مجرى المفعول، و عمله في الصفة على سبيل الحاجة إليها، إذ كانت مبينة للموصوف، فجرت مجرى حرف التعريف. و هذا أحد الفروق بين الصفة و الحال، و ذلك أنّ الصفة تفرق بين اسمين مشتركين في اللفظ، و الحال زيادة في الفائدة و الخبر و إن لم يكن الاسم مشاركا في لفظه.

قال‏ (2) : و قد ضعّف سيبويه‏ (3) : مررت برجل أسد على أن يكون نعتا، لأن أسدا اسم جنس جوهر، و لا يوصف بالجوهر. لو قلت: هذا خاتم حديد، لم يجز، و أجاز هذا زيد أسدا على أن يكون حالا من غير قبح، و احتجّ بأن الحال مجراها مجرى الخبر. و قد يكون خبرا ما لا يكون صفة. ألا تراك تقول: هذا مالك درهما، و هذا خاتمك حديدا، و لا يحسن أن يكون وصفا. و في الفرق بينهما نظر، و ذلك أنه ليس المراد من السبع شخصه، و إنما المراد أنه في الشدّة مثله، و الصفة و الحال في ذلك سواء، و ليس كذلك الحديد و الدرهم، فإن المراد جوهرهما.

باب التمييز

مسألة: جواز تقديم التمييز على الفعل‏
قال ابن النحّاس في (التعليقة) : أجاز المازنيّ و المبرّد (4) و الكوفيّون تقديم التمييز على الفعل قياسا على الحال و منعه أكثر البصريين، و القياس لا يتّجه، لأنّ

____________

(1) انظر شرح المفصّل (2/57) .

(2) انظر شرح المفصّل (3/49) .

(3) انظر الكتاب (2/112) .

(4) انظر المقتضب (3/36) .

237

الفرق بين الحال و التمييز ظاهر، لأن التمييز مفسّر لذات المميّز و الحال ليس بمفسّر، فلو قدّمنا التمييز لكان المفسّر قبل المفسّر، و هذا لا يجوز.

و قال الأبّذيّ في (شرح الجزولية) : التمييز مشبه للنعت فلم يتقدّم، و إنما تقدّمت الحال لأنها خبر في المعنى، و لتقديرها بفي فأشبهت الظرف، و أيضا فالحال لبيان الهيئة لا لبيان الذات ففارقت النعت.

و قال الفارسيّ في (التذكرة) : إنما لم يجز تقديم التمييز لأنه مفسّر و مرتبة المفسّر أن تقع بعد المفسّر و أيضا فأشبه (عشرون) . و أما الحال فحملت على الظرف.

و قال ابن يعيش في (شرح المفصّل) (1) : سيبويه‏ (2) لا يرى تقديم التمييز على عامله فعلا كان أو معنى. أما إذا كان معنى غير فعل فظاهر لضعفه، و لذلك يمتنع تقديم الحال على العامل المعنويّ، و أما إذا كان فعلا متصرّفا فقضية الدليل جواز تقديم منصوبه عليه لتصرّف عامله إلاّ أنه منع من ذلك مانع، و هو كون المنصوب فيه مرفوعا في المعنى من حيث كان الفعل مسندا إليه في المعنى و الحقيقة، ألا ترى أنّ التصبّب و التفقؤ في قولنا (3) : تصبّب زيد عرقا، و تفقأ زيد شحما في الحقيقة للعرق و الشحم، و التقدير: تصبّب عرق زيد، و تفقّأ شحمه. فلو قدّمناهما لأوقعناهما موقعا لا يقع فيه الفاعل، لأن الفاعل إذا قدمناه خرج عن أن يكون فاعلا، و كذلك إذا قدمناه لم يصح أن يكون في تقدير فاعل نقل عنه الفعل، إذ كان هذا موضعا لا يقع فيه الفاعل.

فإن قيل: فإذا قلت: جاء زيد راكبا جاز تقديم الحال، و هو المرفوع في المعنى فما الفرق بينهما؟.

قيل: نحن إذا قلنا: جاء زيد راكبا فقد استوفى الفعل فاعله لفظا و معنى و بقي المنصوب فضلة، فجاز تقديمه، و أما إذا قلنا: طاب زيد نفسا فقد استوفى الفعل فاعله لفظا لا معنى، فلم يجز تقديمه، كما لم يجز تقديم المرفوع، انتهى.

باب الإضافة

مسألة: إضافة الفم إلى ياء المتكلم‏
إذا أضيف الفم إلى ياء المتكلّم ردّ المحذوف، فيقال: هذا فيّ، و فتحت فيّ،

____________

(1) انظر شرح المفصّل (2/73) .

(2) انظر الكتاب (1/266) .

(3) انظر شرح المفصّل (2/70) .

غ

238

و وضعته في فيّ، و ذلك لأنك تقول: هذا فوك، و رأيت فاك، و نظرت إلى فيك، فتكون الحركة تابعة لحركة ما بعدها من الحروف، فإذا جاءت ياء الإضافة لزم أن تكسر الفاء لتكون تابعة لها.

قال ابن يعيش‏ (1) : فإن قيل: لم قلبتم الألف هنا ياء مع أنها دالّة على الإعراب و امتنعتم من قلب ألف التثنية، و ما الفرق بينهما؟.

فالجواب: أنّ في ألف التثنية وجد سبب واحد يقتضي قلبها ياء، و عارضه الإخلال بالإعراب. و هاهنا وجد سببان لقلبها ياء، و هو وقوعها موقع مكسور و انكسار ما قبلها في التقدير، من حيث أنّ الفاء تكون تابعة لما بعدها، فقوي سبب قلبه و لم يعتدّ بالمعارض.

باب أسماء الأفعال‏

مسألة
لا يجوز تقديم معمولات أسماء الأفعال عليها عند البصريين، و جوّزه الكوفيون قياسا على اسمي الفاعل و المفعول. و الفرق على الأول أنهما في قوّة الفعل لشدّة شبههما به، و أسماء الأفعال ضعيفة. قال في (البسيط) .

باب النعت‏

مسألة: يشترط في الجملة الموصوف بها أن تكون خبرية
قال في (البسيط) : يشترط في الجملة الموصوف بها أن تكون خبريّة لوجهين:

لأن المقصود من الوصف بها إيضاح الموصوف و بيانه، و ما عداها من الجمل الأمريّة و النهييّة و الاستفهامية و غيرها لا إيضاح فيها و لا بيان، و لذلك لم تقع صفة لعدم إيضاحها و بيانها. ألا ترى أنك لو قلت: مررت برجل اضربه أو برجل لا تشتمه، أو برجل هل ضربته لم تفد النكرة إيضاحا و لا بيانا.

قال: فإن قيل: هذا بعينه يصحّ وقوعه خبرا للمبتدأ، و لا يمتنع كقولك: زيد اضربه، و خالد لا تهنه، و بكر هل ضربته. فهلاّ صحّ وقوعه في الوصف.

قلنا: الفرق بينهما من وجهين:

أحدهما: أنّ الخبر محذوف تقديره: مقول فيه. و الجملة محكيّة الخبر. و جاز ذلك لجواز حذف الخبر، و لم يجز ذلك في الصفة، لأنه لا يجوز حذفها لأنّ حذفها ينافي معناها.

____________

(1) نظر شرح المفصّل (3/38) .

239

و الثاني: أنّ المبتدأ يجوز نصبه بالفعل إما على حذف الضمير، أو على التفسير، و لا يتغيّر المعنى فإنّ: زيدا اضربه، و اضرب زيدا سواء في المعنى. و أما الصفة فلا يصحّ عملها في الموصوف سواء حذف منها ضميره أم لا، لأنه معمول لغيرها. فإنك إذا قلت: مررت برجل اضربه لم يصحّ نصب رجل باضربه، و لأنّ الصفة تابعة للموصوف، و لا يعمل التابع في المتبوع.

مسألة: لا يجوز الفصل بين الصفة و الموصوف‏
قال الأبذيّ: لا يجوز الفصل بين الصفة و الموصوف لأنهما كشي‏ء واحد بخلاف المعطوف و المعطوف عليه.

مسألة: تثنية الصفة الرافعة للظاهر و جمعها
قال الخفاف في (شرح الإيضاح) : وقع في كتاب المهذّب لأبي إسحاق الزجّاج أنّ تثنية الصفة الرافعة للظاهر و جمعها فصيح في الكلام لا كضعف لغة:

أكلوني البراغيث‏ (1) .

قال: و الفرق أنّ أصل الصفة كسائر الأسماء التي تثنّى و تجمع، و إنما يمتنع ذلك فيها بالحمل على الفعل: فيجوز فيها وجهان فصيحان:

أحدهما: أن يراعى أصلها فتثنّى و تجمع.

و الثاني: أن يراعى شبهها بالفعل، فلا تثنّى و لا تجمع.

قال الخفاف: و هذا قياس حسن لو ساعده السماع. و الذي حكى أئمّة النحويين أنّ تثنية الصفة و جمعها إذا رفعت الظاهر ضعيف كأكلوني البراغيث، و ينبغي على قياس قوله أن يجيز في المضارع الإعراب و البناء، لأن أصله البناء، و أعرب لشبه الاسم، و كذا في الاسم الذي لا ينصرف الصرف باعتبار الأصل، و المنع باعتبار شبه الفعل، انتهى.

مسألة: لم حذف الموصوف و أقيمت الصفة مقامه و لم يصح ذلك في الموصول‏
قال ابن الحاجب في (أماليه) : فإن قيل: لم حذف الموصوف و أقيمت الصفة مقامه، و لم يفعل ذلك في الموصول؟.

____________

(1) انظر همع الهوامع (1/160) ، و شرح ابن عقيل (197) .

240

قلنا: لأنّ الصفة تدلّ على الذات التي دلّ عليها الموصوف بنفسها باعتبار التعريف و التنكير، لأنها تابعة للموصوف في ذلك، و الموصول لا ينفكّ عن جعل الجملة التي معه في معنى اسم معرّف، فلو حذف لكانت الجملة نكرة فيختلّ المعنى.

باب العطف‏

مسألة: لا يعطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار
لا يجوز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجارّ عند البصريين بخلاف المنصوب، و جوّزه الكوفيّون قياسا على الضمير المنصوب، و الجامع بينهما الاشتراك في الفضلة.

قال في (البسيط) : و الفرق على الأول من أوجه:

أحدها: أنّ ضمير المجرور كالجزء مما قبله لشدّة ملازمته له، و لذلك لا يمكن استقلاله.

و الثاني: أنه يشابه التنوين من حيث أنه لا يفصل بينه و بين ما يتصل به، و يحذف في النداء، نحو: يا غلام.

و الثالث: أنه قد يكون عوضا من التنوين في نحو: غلامي و غلامك و غلامه فكما لا يعطف على التنوين كذلك لا يعطف على ما حلّ محلّه و ناسبه في شدّة الاتصال بالكلمة، و هذه الأوجه معدومة في المنصوب.

و قال الحريريّ في (درّة الغوّاص) (1) : فإن قيل: كيف جاز العطف على المضمرين المرفوع و المنصوب من غير تكرير و امتنع العطف على المضمر المجرور إلاّ بالتكرير.

فالجواب: أنّه لمّا جاز أن يعطف ذانك المضمران على الاسم الظاهر جاز أن يعطف الظاهر عليهما، و لمّا لم يجز أن يعطف المضمر المجرور على الظاهر إلاّ بتكرير الجارّ في قولك: مررت بزيد و بك لم يجز أن يعطف الظاهر على المضمر إلاّ بتكريره أيضا، نحو: مررت بك و بزيد. و هذا من لطائف علم العربية و محاسن الفروق النحوية، انتهى.

مسألة: هل يجوز العطف مع التأكيد إذا أكد ضمير المجرور؟
إذا أكّد ضمير المجرور كقولك: مررت بك أنت و زيد اختلف فيه: فذهب الجرميّ إلى جواز العطف مع التأكيد قياسا على العطف على ضمير الفاعل إذا أكّد،

____________

(1) انظر درّة الغوّاص (62) .

241

و الجامع بينهما شدّة الاتصال بما يتّصلان به. و ذهب سيبويه‏ (1) إلى منع العطف.

و الفرق من أوجه:

أحدها: أنّ تأكيده لا يزيل عنه العلل المذكورة في المنع بخلاف تأكيد الفاعل، فإنه يزيل عنه المانع من العطف.

الثاني: أنّ تأكيد ضمير المجرور بضمير المرفوع على خلاف القياس، و تأكيد ضمير الفاعل بضمير المرفوع جار على القياس، فلا يلزم حمل الخارج عن القياس على الجاري على القياس.

الثالث: أنّ ضمير المجرور أشدّ اتصالا من ضمير الفاعل بدليل أنّ ضمير الفاعل قد يجعل منفصلا عند إرادة الحصر، و يفصل بينه و بين الفعل، و لا يمكن الفصل بين ضمير المجرور و عامله. فلمّا اشتدّ اتصاله قوي شبهه بالتنوين، فلم يؤثر التأكيد في جواز العطف، بخلاف الفاعل فإنه لمّا لم يشتدّ اتصاله أثر التوكيد في جواز العطف عليه.

الرابع: أنه يلزم من العطف مع تأكيد المجرور بالمرفوع، نحو: مررت به هو و زيد مخالفة اللفظ و المعنى.

أما اللفظ فإنّ قبله ضمير المرفوع، و لم يحمل العطف عليه.

و أما المعنى فإن معنى المجرور غير معنى المرفوع، و لا يلزم من العطف على تأكيد ضمير الفاعل لا مخالفة اللفظ و لا مخالفة المعنى ذكر ذلك في (البسيط) .

مسألة: لا يجوز العطف على الضمير المرفوع المتصل من غير تأكيد و فاصل ما
لا يجوز العطف على الضمير المرفوع المتّصل من غير تأكيد أو فاصل ما عند البصريين و جوّزه الكوفيون قياسا على البدل. و الفرق على الأول أنّ البدل هو المبدل منه في المعنى، فلذلك جاز من غير شرط التأكيد، و أما العطف فالثاني مغاير للأول، فلا بدّ من تقوية للأوّل تدلّ على أنّ المعطوف المغاير متعلّق به دون غيره، بخلاف البدل فإنه لا يحتاج إلى تقوية لعدم المغايرة.

باب النداء

مسألة: ما يجوز في وصف المنادى المضموم‏
يجوز في وصف المنادى المضموم، نحو: يا زيد الطويل أن ترفع الصفة حملا على اللفظ، و تنصبها على الموضع.

____________

(1) انظر الكتاب (2/403) .

242

قال‏ (1) ابن يعيش: فإن قيل: فزيد المضموم في موضع منصوب فلم لا يكون بمنزلة أمس في أنه لا يجوز فيه حمل الصفة على اللفظ. لو قلت: رأيت زيدا أمس الدابر بالخفض على النعت لم يجز، و كذلك قولك: مررت بعثمان الظريف لم تنصب الصفة على اللفظ؟

قيل: الفرق بينهما أنّ ضمّة النداء في يا زيد ضمّة بناء مشابهة لحركة الإعراب، و ذلك لأنه لمّا اطّرد البناء في كلّ اسم منادى مفرد صار كالعلة لرفعه، و ليس كذلك أمس، فإن حركته متوغّلة في البناء. ألا ترى أنّ كلّ اسم مفرد معرفة يقع منادى فإنه يكون مضموما، و ليس كلّ ظرف يقع موقع أمس يكون مكسورا؟ألا تراك تقول:

فعلت ذلك اليوم، و اضرب عمرا غدا، فلم يجب فيه من البناء ما وجب في أمس.

و كذلك عثمان فإنه غير منصرف و ليس كل اسم ممنوعا من الصرف، انتهى.

مسألة: نداء الإشارة و عدم نداء ما فيه أل‏
قال ابن يعيش‏ (1) : فإن قيل: أنتم تقولون (يا هذا) ، و هذا معرفة بالإشارة، و قد جمعتم بينه و بين النداء، فلم جاز هاهنا، و لم يجز مع الألف و اللام؟و ما الفرق بين الموضعين؟.

قلنا الفرق من وجهين:

أحدهما: أنّ تعريف الإشارة إيماء و قصد إلى حاضر، ليعرفه المخاطب بحاسّة النظر، و تعريف النداء خطاب لحاضر و قصد لواحد بعينه، فلتقارب معنى التعريفين صارا كالتعريف الواحد، و لذلك شبّه الخليل تعريف النداء بالإشارة في نحو: يا هذا.

و شبّهه لأنه في الموضعين قصد و إيماء إلى حاضر.

و الوجه الثاني: -و هو قول المازنيّ-أنّ أصل هذا أن تشير به لواحد إلى واحد. فلما دعوته نزعت منه الإشارة التي كانت فيه، و ألزمته إشارة النداء، فصارت (يا) عوضا من نزع الإشارة. و من أجل ذلك لا يقال: هذا أقبل بإسقاط حرف النداء.

مسألة: المعطوف على المنادى‏
قال ابن الحاجب في (أماليه) : إن قيل: ما الفرق بين قولهم: يا زيد و عمرو فإنه ما جاء فيه إلاّ وجه واحد و هو قولهم و عمرو، و جاء في المعطوف من باب (لا) وجهان:

أحدهما: العطف على اللفظ، و الثاني: العطف على المحلّ مثل: [الكامل‏]

____________

(1) انظر شرح المفصّل (2/2) .

243

____________

341

-[هذا لعمركم الصّغار بعينيه‏] # لا أمّ لي إن كان ذاك و لا أب‏

الجواب: أنّ الفرق من وجهين:

أحدهما: أنّ قولنا: يا زيد و عمرو حرف النداء فيه مراد، و هو جائز حذفه، فجاز الإتيان بأثره، و ليس كذلك في باب لا في الصورة المذكورة لأن (لا) لا تحذف في مثل ذلك. و إنما قدّر حرف النداء هاهنا دون ثمّ لكثرة النداء في كلامهم.

الوجه الثاني: أنّ (لا) بني اسمها معها إلى أن صار الاسم ممتزجا امتزاج المركّبات و لا يمكن بقاء ذلك مع حذفها، و لم يبنوه بناء مبهم على امتزاجه بالأولى، لأنه قد فصل بينهما بكلمتين، و لئلاّ يؤدّي إلى امتزاج أربع كلمات.

مسألة: يجوز الرفع و النصب في قولهم (ألا يا زيد و الضحاك)
قال‏ (1) ابن الحاجب: قولهم: ألا يا زيد و الضحّاك فيه جواز الرفع و النصب و لم يأت في باب لا إلاّ وجه واحد، و هو الرفع لا غير، مثاله لا غلام لك و لا العبّاس.

و الفرق بينهما أنّ (لا) لا تدخل على المعارف لما تقرر في موضعه، و لا يمكن حمله على اللفظ، لأنّ لا إنما أتي بها لنفي المتعدّد و لا تعدّد في قولك: لا غلام لك و لا العبّاس. و لأنّ دخول النصب فيه فرع دخول الفتح فيه، إذا كان منفيا.

و لا يدخله الفتح فلا يدخله هذا النصب الذي هو فرعه، لأنّ دخول الفتح إنما كان لتضمّنه معنى الحرف. ألا ترى أنّ معنى قولك: لا رجل في الدار، لا من رجل، و لا يتقدّر مثل ذلك فيما ذكرناه. ألا ترى أنّ (لا) إذا وقع بعدها معرفة وجب الرفع و التكرير، و يرجع الاسم حينئذ إلى أصله. فإذا وجب الرفع فيما يلي لا، فلم يجز فيه غيره، فلأن لا يجوز غيره في فرعه الذي هو المعطوف من باب الأولى. و ليس كذلك في باب النداء، في قولنا: يا زيد و الضحاك. فإنّ حرف النداء، و إن كان متعذّرا كما تعذّر فيما ذكرنا إلا أنه يتوصّل إليه بأي، و بهذا، كقولك: يا أيها الضحّاك، و يا أيّهذا

____________

(341) -الشاهد لرجل من مذحج في الكتاب (2/303) ، و لضمرة بن جابر في خزانة الأدب (2/38) ، و لرجل من مذحج أو لضمرة بن ضمرة أولهما أخي جساس ابني مرّة في تخلييص الشواهد (ص 405) ، و لرجل من عبد مناف أو لابن أحمر أو لضمرة في الدرر (6/175) ، و لابن أحمر في المؤتلف و المختلف (ص 38) ، و المقاصد النحوية (2/339) ، و لهمام بن مرّة في الحماسة الشجرية (1/256) ، و بلا نسبة في جواهر الأدب (ص 241) ، و أمالي ابن الحاجب (ص 593) ، و أوضح المسالك (2/16) ، و رصف المباني (ص 267) ، و شرح الأشموني (ص 151) ، و شرح ابن عقيل (ص 202) ، و شرح المفصّل (2/292) .

(1) انظر المقتضب (4/225) ، و شرح المفصّل (2/3) .

244

الضحّاك. فصار له دخول، و إن كان باشتراط فصل، بخلاف لا، فإنها لا تدخل بحال، انتهى.

باب الترخيم‏

مسألة: ترخيم الجملة
لا يجوز ترخيم الجملة عند الجمهور، و جوّزه بعضهم بحذف الثاني قياسا على النسب، فإنه يجوز بحذف الثاني.

قال ابن فلاح في (المغني) : و الفرق على الأول أنّ الثقل الناشئ من اجتماع ياء النسبة معها لو لم يخفف بالحذف لأدّى إلى جعل ثلاثة أشياء كشي‏ء واحد، فلذلك حذف منها في النسب لقيام يائه مقام المحذوف. و أما الترخيم‏ (1) فإنما لم يجز لأنّ شرطه مع تأثير النداء البناء في المرخّم، و لم يوجد هنا، فلم يجز الترخيم. و لأنه أشبه بالمضاف و المضاف إليه في كون الأوّل عاملا في الثاني، فلم يجز ترخيمهما كالمضاف إليه.

باب العدد

مسألة: عدم إعراب مجموع المركبان في العدد
قال الأندلسيّ في (شرح المفصّل) : فإن قلت الاسمان المركّبان في العدد يجريان مجرى الكلمة الواحدة، فهلاّ أعرب مجموعهما كما أعرب معد يكرب و أخواته. قلنا: الفرق من وجهين:

أحدهما: أنّ الامتزاج هنا أشدّ، إذ كان أحد الاسمين منهما لم يكد يستعمل على انفراده. بل (حضرموت) مثلا في استعماله علما لهذه البلدة كدمشق مثلا و بغداد. فكما أنّ هذه معربة فكذلك حضرموت. و أمّا مركّبات الأعداد فالمفرد منها مستعمل بمعناه كخمسة إذا أردت بها هذا القدر. و كذلك العشرة، فالعاطف‏ (2) المتضمّن معتبر، و إذا اعتبر فقد تضمّن معناه، و ما تضمّن معنى الحرف فلا وجه لإعرابه.

و الثاني: أنّ العدد في الأصل موضوع على ألاّ يعرب ما دام لما وضع له من تقدير الكميّات فقط، فإنّ حقه أن يكون كالأصوات ينطق بها ساكنة الأواخر و كحروف التهجي، و إنما يعرب عند التباسه بالمعدود.

____________

(1) انظر شرح المفصّل (2/23) .

(2) انظر شرح المفصّل (6/25) .

245

باب نواصب الفعل‏

مسألة: الفرق بين الباء الزائدة و أن الزائدة بالنسبة إلى العمل‏
(الباء) الزائدة تعمل الجرّ في نحو: ليس زيد بقائم، وفاقا، و (أن) الزائدة لا تعمل النصب في الفعل المضارع على الأصح‏ (1) .

و قال الأخفش: تعمل قياسا على الباء الزائدة. و الفرق على الأول أنّ الباء الزائدة تختصّ بالاسم، و أنّ الزائدة لا تختص، لأنها زيدت قبل فعل و قبل اسم، و ما لا يختصّ فأصله ألاّ يعمل. ذكره أبو حيّان.

مسألة: القول في معمول النواصب من جهة تقديمه عليها
لا يتقدّم معمول‏ (2) معمول (أن) عليها عند جميع النحاة إلاّ الفرّاء، فلا يقال:

طعامك أريد أن آكل. و يجوز تقديم معمول معمول (لن) عليها عند جميع النحاة إلا الأخفش الصغير، فتقول: زيدا لن أضرب.

و الفرق أنّ (أن) حرف مصدريّ موصولة و معمولها صلة لها، و معمول معمولها من تمام صلتها، فكما لا تتقدّم صلتها عليها، كذلك لا يتقدّم معمول صلتها، و (لن) بخلاف ذلك.

و حكم (كي) عند الجمهور حكم أن، لا يجوز تقدّم معمول معمولها. فلا يقال: جئت النحو كي أتعلّم، و لا النحو جئت كي أتعلّم لأنها أيضا حرف مصدريّ موصولة كـ (أن) ، فكما لا يتقدّم معمول صلة الاسم الموصول كذلك لا يتقدّم معمول صلة الحرف الموصول.

و أما (إذن) فقال الفرّاء (3) : إذا تقدّمها المفعول و ما جرى مجراه بطلت. فيقال:

صاحبك إذن أكرم، و أجاز الكسائيّ‏ (4) : إذ ذاك الرفع و النصب.

قال أبو حيّان: و لا نصّ أحفظه عن البصريين في ذلك، بل يحتمل قولهم: (إنّه يشترط في عملها أن تكون مصدّرة) ألاّ تعمل، لأنها لم تتصدّر إذ قد تقدّم عليها معمول الفعل، و يحتمل أيضا أن يقال: تعمل لأنها و إن لم تتصدّر لفظا فهي مصدّرة في النيّة، لأنّ النية بالمفعول التأخير.

____________

(1) انظر مغني اللبيب (32) .

(2) انظر مغني اللبيب (314) .

____________

(3-4) انظر همع الهوامع (2/7) .

غ

246

و لقائل أن يقول: لا يجوز تقديم معمول الفعل بعد (إذن) ، لأنها إن كانت مركّبة من: (إذ و أن) ، أو من: (إذا و أن) ، فلا يجوز تقديم المعمول كما لا يجوز في أن، و إن كانت بسيطة. و أصلها (إذ) الظرفية، و نوّنت، فلا يجوز أيضا لأنّ ما كان في حيّز إذا لا يجوز تقديمه عليها. و إن كانت حرفا محضا فلا يجوز أيضا، لأنّ ما فيه من الجزاء يمنع أن يتقدّم معمول ما بعدها عليها. و لما كان من مذاهب الكوفيين جواز تقدّم معمول فعل الشرط على أداة الشرط أجازوا ذلك في إذن، كما أجازوا ذلك في (إن) ، نحو: زيدا إن تضرب أضرب.

مسألة: لم أجاز سيبويه إظهار أن مع لام كي و لم يجزه مع لام النفي‏
قال أبو حيّان‏ (1) : سأل محمد بن الوليد ابن أبي مسهر-و كانا قد قرأا كتاب سيبويه على المبرّد و رأى ابن أبي مسهر أن قد أتقنه-: لم أجاز سيبويه‏ (2) إظهار (أن) مع (لام كي) ، و لم يجز ذلك مع لام النفي؟فلم يجب بشي‏ء، انتهى.

قال أبو حيّان: و السبب في ذلك أنّ: لم يكن ليقوم، و ما كان ليقوم إيجابه:

كان سيقوم، فجعلت اللام في مقابلة السين، فكما لا يجوز أن يجمع بين أن الناصبة و بين السين أو سوف كذلك لا يجمع بين أن و اللام التي هي مقابلة لها.

مسألة: سمع بعد كي و حتى الجر في الأسماء و النصب في الأفعال‏
سمع بعد (كي و حتى) الجرّ في الأسماء و النصب في الأفعال، فاختلف النحويّون فقيل: كلّ منهما جارّ ناصب. و قيل: كلاهما جارّ فقط. و النصب بعدهما بأن مضمرة. و قيل: كلاهما ناصب و الجرّ بعدهما بحرف جرّ مقدّر.

و الصحيح-و هو مذهب سيبويه-في (كي) أنها حرف مشترك، فتارة تكون حرف جرّ بمعنى اللام، و تارة تكون حرفا موصولا ينصب المضارع بنفسه.

و الصحيح من مذهبه في (حتى) أنها حرف جرّ فقط، و أنّ النصب بعدها بـ (أن) مضمرة لا بها.

قال أبو حيّان: فإن قلت: ما الفرق بينها و بين (كي) حيث صحح فيها أنها جارّة ناصبة بنفسها؟

قلت: النصب بكي أكثر من الجرّ، و لم يمكن تأويل الجرّ، لأنّ حرفه لا يضمر

____________

(1) انظر شرح التسهيل (5/11) .

(2) انظر الكتاب (3/4) .

247

فحكم به. و (حتّى) ثبت جرّ الأسماء بها كثيرا، و أمكن حمل ما انتصب بعدها على ذلك بما قدّرنا من الإضمار، و الاشتراك خلاف الأصل، و لأنها بمعنى واحد في الفعل و الاسم بخلاف (كي) ، فإنها سبكت في الفعل، و خلصت للاستقبال.

مسألة: لماذا عملت أن في المضارع و لم تعمل ما
قال الأندلسيّ في (شرح المفصّل) : قال عليّ بن عيسى: إنما عملت (أن) في المضارع، و لم تعمل (ما) لأنّ (أن) نقلته نقلين إلى معنى المصدر و الاستقبال، و ما لم تنقله إلاّ نقلا واحدا إلى معنى المصدر فقط، و كلّ ما كان أقوى على تغيير معنى الشي‏ء كان أقوى على تغيير لفظه.

و قال السيرافيّ: إنما لم ينصبوا بـ (ما) إذا كانت مصدرا، لأنّ الذي يجعلها اسما-و هو الأخفش- (يقول) : فإن كانت معرفة فهي بمنزلة الذي، فيرتفع الفعل بعدها كما يرتفع في صلة الذي، و إن كانت نكرة فيكون الفعل بعدها صفة، فلا تنصبه. و أما سيبويه‏ (1) فجعلها حرفا، و جعل الفعل بعدها صلة لها.

و الجواب على مذهبه: أنّ المعنى الذي نصبت به (أن) هو شبهها بـ (أنّ) المشدّدة لفظا و معنى، و لذلك لم يجمعوا بينهما. فلا تقول: أنّ (أن) تقوم، كما يستقبحون أنّ أنّ زيدا قائم، و هذا مفقود في (ما) ، و أيضا (فما) يليها الاسم مرّة و الفعل أخرى، فلم تختصّ، انتهى.

و قال ابن يعيش‏ (2) : الفرق بين أن و بين (ما) أنّ (ما) تدخل على الفعل و الفاعل و المبتدأ و الخبر، و أن مختصّة بالفعل، فلذلك كانت عاملة فيه، و لعدم اختصاص ما لم تعمل شيئا.

باب الجوازم‏

مسألة: يجوز تسكين لام الأمر لا لام كي بعد الواو و الفاء
يجوز تسكين لام الأمر بعد الواو و الفاء، نحو: وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ [الحج:

29]، فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي، وَ لْيُؤْمِنُوا بِي [البقرة: 186]و لا يجوز ذلك في (لام كي) .

و فرّق أبو جعفر النحاس بأنّ (لام كي) حذف بعدها (أن) ، فلو حذفت كسرتها أيضا لاجتمع حذفان بخلاف لام الأمر.

____________

(1) انظر الكتاب (3/9) .

(2) انظر شرح المفصّل (8/143) .

248

و فرّق ابن مالك بأنّ لام الأمر أصلها السكون فردّت إلى الأصل ليؤمن دوام تقوية الأصل، بخلاف لام كي فإنّ أصلها الكسر لأنها لام الجرّ.

مسألة: اختلف في لم و لمّا هل غيرتا صيغة الماضي إلى المضارع أو معنى المضارع إلى المضيّ على قولين:
و نسب أبو حيّان الأول إلى سيبويه‏ (1) ، و نقل عن المغاربة أنهم صحّحوه لأنّ المحافظة على المعنى أولى من المحافظة على اللفظ.

و الثاني: مذهب المبرّد (2) ، و صحّحه ابن قاسم في الجنى‏ (3) الداني. و قال: إنّ له نظيرا و هو المضارع الواقع بعد (لو) ، و (إن) . الأول لا نظير له. و لا خلاف أنّ الماضي بعد إن غيّر فيه المعنى إلى الاستقبال لا صيغة المضارع إلى لفظ الماضي.

و الفرق-كما قال أبو حيّان-أنّ (إن) لا يمتنع وقوع صيغة الماضي بعدها، فلم يكن لدعوى تغير اللفظ موجب، بخلاف لم و لما، فإنّهما يمتنع وقوع صيغة الماضي بعدهما، فلهذا قال قوم بأنه غيّرت صيغته.

مسألة: صيغة الأمر مرتجلة بخلاف النهي‏
الأمر صيغة مرتجلة على الأصحّ لا مقتطع من المضارع، و لا خلاف أنّ النهي ليس صيغة مرتجلة، و إنّما يستفاد من المضارع المجزوم الذي دخلت عليه (لا) للطلب. و إنما كان كذلك لأنّ النهي يتنزّل من الأمر منزلة النفي من الإيجاب، فكما احتيج في النفي إلى أداة احتيج في النهي إلى ذلك، و لذلك كان بـ (لا) التي هي مشاركة في اللفظ للا التي للنفي.

مسألة: لا تدخل على (لا) التي للنهي أداة الشرط
(فلا) في قولهم: إن لا تفعل أفعل، للنفي المحض، و لا يجوز أن تكون للنهي، لأنه ليس خبرا، و الشرط خبر، فلا يجتمعان.

و قال بعضهم: هي (لا) التي للنهي، و إذا دخل عليها أداة الشرط لم تجزم و بطل عملها، و كان التأثير لأداة الشرط، و ذلك بخلاف لم فإنّ التأثير لها لا لأداة الشرط في نحو: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا [البقرة: 24].

____________

(1) انظر الكتاب (4/3) .

(2) انظر المقتضب (1/46) .

(3) انظر الجنى الداني (267) .

249

و الفرق أنّ أداة الشرط لم تلزم العمل في كلّ ما تدخل عليه، إذ تدخل على الماضي، فلم يكن لها إذ ذاك اختصاص بالمضارع فضعفت. فحيث دخل عامل مختص كان الجزم له. ذكره أبو حيّان في (شرح التسهيل) .

مسألة: لم جزمت متى و شبهها و لم تجزم الذي إذا تضمنت معنى الشرط نحو الذي يأتيني فله درهم‏
فالجواب: : أنّ الفرق من وجوه:

أحدها: أنّ (الذي) وضع وصلة إلى وصف المعارف بالجمل، فأشبه لام التعريف الجنسيّة، فكما أنّ لام التعريف لا تعمل فكذا (الذي) .

و الثاني: أنّ الجملة التي يوصل بها لا بدّ أن تكون معلومة للمخاطب، و الشرط لا يكون إلاّ مبهما.

و الثالث: أنّ الذي مع ما يوصل به اسم مفرد، و الشرط مع ما يقتضيه جملتان مستقلّتان، نقلت ذلك من خطّ ابن هشام في بعض تعاليقه. و ذكره ابن الحاجب في (أماليه) .

مسألة: كيف تعمل إن في شيئين؟
قال ابن إياز: إن قيل حرف الجزم أضعف من حرف الجرّ، و حرف الجرّ لا يعمل في شيئين فكيف عملت إن في شيئين؟.

قيل: الفرق بينهما الاقتضاء، فحرف الجرّ لما اقتضى واحدا عمل فيه، و حرف الجزم لمّا اقتضى اثنين عمل فيهما، انتهى.

باب الحكاية

مسألة: حكاية الأعلام بمن دون باقي المعارف‏
تحكى الأعلام بـ (من) دون سائر المعارف، هذا هو المشهور، و الفرق بينها و بين غيرها من المعارف من ثلاثة أوجه:

أحدها: أنّ الأعلام تختصّ بأحكام لا توجد في غيرها: من الترخيم، و إمالة نحو الحجاج، و عدم الإعلال في نحو مكوزة و حيوة و محبب‏ (1) و حذف التنوين منها إذا وقع (ابن) صفة بين علمين. فالحكاية ملحقة بهذه الأحكام المختصّة.

____________

(1) انظر المنصف (1/295) .

250

و الثاني: أنّ أكثر الأعلام منقول عن الأجناس مغيّر عن وضعه الأول و الحكاية تغيير مقتضى (من) و التغيير يؤنس بالتغيير.

و الثالث: أنّ الأعلام كثيرة الاستعمال، و يكثر فيها الاشتراك، فرفع الحكاية يوهم أنّ المستفهم عنه غير السابق، لجواز أنّ السامع لم يسمع أوّل الكلام. ذكر ذلك صاحب البسيط.

قال: و الفرق بين (من) حيث يحكى بها العلم. و بين (أيّ) حيث لا يحكى بها بل يجب فيها الرفع-فإذا قيل: رأيت زيدا أو مررت بزيد، يقال: أيّ زيد؟من غير حكاية-أنّ (من) لمّا كانت مبنية لا يظهر فيها إعراب جازت الحكاية معها على خلاف ما يقتضيه خبر المبتدأ. و أما (أي) فإنها معربة يظهر فيها الرفع، فاستقبح، لظهور رفعها، مخالفة ما بعدها لها.

و نظيره قول العرب: إنهم أجمعون ذاهبون. لما لم يظهر إعراب النصب في الضمير أكّدوه بالمرفوع، و منعهم، إنّ الزيدين أجمعون ذاهبون، لمّا ظهر إعراب النصب ألزموا التأكيد بالنصب.

مسألة: حكاية المتبع بتابع‏
لا يحكى المتبع بتابع غير العطف من نعت أو بيان أو تأكيد أو بدل اتفاقا.

و أمّا المتبع بعطف النسق ففيه خلاف حكاه في التسهيل من غير ترجيح، و رجّح غيره جواز حكايته.

قال أبو حيّان: و الفرق بين العطف و بين غيره من التوابع أنّ العطف ليس فيه بيان للمعطوف عليه بخلاف غيره من التوابع، فإنّ فيه بيانا أنّ المتبوع هو الذي جرى ذكره في كلام المخبر، و أما في العطف فلا يبين ذلك بيانا ثابتا إلاّ الحكاية و إيراد لفظ المخبر في كلام الحاكي على حاله من الحركات.

و قال صاحب (البسيط) : يشترط لجوازها أن يكون المعطوف عليه و المعطوف علمين، نحو: رأيت زيدا و عمرا. فإن كان المعطوف عليه علما، و المعطوف غير علم فنقل ابن الدّهان منع الحكاية. و هو الأقوى. و نقل ابن بابشاذ جوازها تبعا، أو بعكسه لم تجز الحكاية اتفاقا.

باب النسب‏

قال أبو حيّان: فإن قلت: لم أجزت بيضات و جوزات بالتحريك، و لم تجز طولي بالتحريك، في النسبة إلى طويلة؟

251

قلت: بينهما فرق، و هو أنّ الحركة في بيضات و جوزات عارضة فلم يعتدّ بها، و النسبة بناء مستأنف.

باب التصغير

مسألة: الفرق بين تصغير أرؤس إذا سميت به امرأة و تصغير هند
قال أبو حيّان: (أرؤس) إذا سمّيت به امرأة ثم خفّفت الهمزة بحذفها و نقل حركتها إلى الراء فقيل (أرس) و صغّرتها قيل: (أريس) ، و لا تدخل الهاء و إن كان قد صار ثلاثيا. و إذا صغّرت هندا قلت: هنيدة بالهاء، و الفرق بينهما أنّ تخفيف الهمزة بالحذف و النقل عارض. فالهمزة مقدّرة في الأصل و كأنه رباعيّ لم ينقص منه شي‏ء.

فإن قلت: لم لا تلحقه بتصغير سماء إذا قلت سميّة، أ ليس الأصل مقدّرا؟.

قلت: لا يشبه تصغير سماء، لأنّ التخفيف جائز في أرؤس عارض بخلاف سماء، فإنّ الحذف لها لازم، فيصير على ثلاثة أحرف إذا صغّرت فتلحقها الهاء.

و بهذا الفرق بين أرؤس و سماء أجاب أبو إسحاق الزجّاج بعض أصحاب أبي موسى الحامض حين سأل أبا إسحاق عن ذلك، و كان أبو موسى الحامض قد دسّ رجلا لقنا فطنا على أبي إسحاق، فسأله عن مسائل فيها غموض، هذه المسألة منها، و كان في هذا المجلس المشوق الشاعر فأخذ ورقة، و كتب من وقته يمدح أبا إسحاق، و يذمّ من يحسده من أهل عصره، فقال‏ (1) : [الرجز]

صبرا أبا إسحاق عن قدرة # فذو النّهى يمتثل الصّبرا

و اعجب من الدّهر و أوغاده # فإنّهم قد فضحوا الدّهرا

لا ذنب للدّهر، و لكنّهم # يستحسنون المكر و الغدرا

نبّئت بالجامع كلبا لهم # ينبح منك الشمس و البدرا

و العلم و الحلم و محض الحجى # و شامخ الأطواد و البحرا

و الديمة الوطفاء في سحّها # إذا الرّبا أضحت بها خضرا

فتلك أوصافك بين الورى # يأبين و التّيه لك الكبرا

يظنّ جهلا و الذي دسّه # أن يلمسوا العيّوق و الغفرا

فأرسلوا النّزز إلى غامر # و غمرنا يستوعب النّزرا

فاله أبا إسحاق عن جاهل # و لا تضق منك به صدرا

و عن خشار غدر في الورى # خطيبهم من فمه يخرى‏

____________

(1) الأبيات في مجالس العلماء للزجاجي (ص 311) ، و كتاب المصون للعسكري (ص 80) .

252

مسألة: لم لا يجوز إثبات همزة الوصل في نحو استضراب إذا صغر
قال أبو حيّان: فإن قلت: لم لا يجوز إثبات همزة الوصل في نحو: استضراب إذا صغّر، و إن كان ما بعدها متحرّكا، لأن هذا التحريك عارض بالتصغير فلم يعتدّ بهذا العارض كما لم يعتدّ به في قولهم: الحمر بإثبات همزة الوصل مع تحريك اللام بحركة النقل؟.

فالجواب: أنّ بين العارضين فرقا، و هو أنّ عارض التصغير لازم، لا يوجد في لسانهم ثاني مصغّر غير متحرّك أبدا، و عارض الحمر غير لازم، لأنه يجوز ألا تحذف الهمزة، و لا تنقل الحركة، فيقال الأحمر، و لا يمكن ذلك في المصغّر في حال من الأحوال.

باب الوقف‏

مسألة: الوقف على المقصور و المنقوص المنونين‏
إذا وقف على المقصور المنوّن وقف عليه بالألف اتفاقا، نحو: رأيت عصا، و اختلف في الوقف على المنقوص المنوّن، فمذهب سيبويه‏ (1) أنه لا يوقف عليه بالياء بل تحذف، نحو: هذا قاض، و مررت بقاض، و مذهب يونس إثباتها.

قال ابن الخبّاز: فما بالهم اختلفوا في إعادة ياء المنقوص، و اتفقوا على إعادة ألف المقصور؟.

قلت: الفرق بينهما خفّة الألف و ثقل الياء.

باب التصريف‏

مسألة: الزائد يوزن بلفظه و زيادة التضعيف توزن بالأصل‏
قال أبو حيّان: و الفرق أن زيادة التضعيف مخالفة لزيادة حروف سألتمونيها من حيث أنها عامة لجميع الحروف، ففرّقوا بينهما بالوزن، و جعلوا حكم المضاعف حكم ما ضوعف منه، فضعّفوه في الوزن مثله. فلو نطقوا في الوزن بإحدى دالي (قردد) لم يتبين من الوزن كيف زيادتها، فلمّا لم تزد منفردة أصلا لم يجعلوها منفردة في الوزن.

بعون اللّه و حسن توفيقه انتهى الفن الرابع و بانتهائه تم الجزء الثاني من كتاب الأشباه و النظائر النحوية، و يليه-إن شاء اللّه-الجزء الثالث و أوله الفن الخامس و هو فن (الطراز في الألغاز) أعان اللّه على إتمامه.

____________

(1) انظر الكتاب (4/295) .