نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج29

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
495 /
55

و استهلت سنة تسع و ستمائة:

ذكر عزل الصاحب صفى الدين عبد اللّه بن على بن شكر و ولاية الصاحب الأعز بن شكر

و فى يوم الاثنين، لسبع مضين من شهر ربيع الأول، سنة تسع و ستمائة، صرف الصاحب صفى الدين من الوزارة و الزم داره.

و نحن الآن نذكر فى هذا الموضع سبب اتصاله بخدمة السلطان العادل، و موجب انفصاله.

كان قد اتصل بالخدمة العادلية فى أواخر الأيام الناصرية. فلما مات ابن النّحّال النصرانى- كاتب الملك العادل- تقدم صفى الدين، فرآه شهما مقداما فقدمه، و تمكن من دولته. فلما كانت حادثة الأفضل، و رجوعه عن دمشق بعد حصارها، و خرج العادل فى طلبه اجتاز بالبيت المقدس، و معه صفى الدين، فتحلف معه أنه إن قدّر اللّه تعالى له بملك الديار المصرية، يمكنه من المصريين، و حلفه على ذلك فحلف له.

فلما ملك العادل الديار المصرية، لم يتمكن صفى الدين من مصادرات المصريين، لأمرين: أحدهما ما حل بالناس من الغلاء المشهور، و الثانى ملازمة العادل ببلاد الشام. فلم يزل كذلك إلى سنة اثنتين و ستمائة عند قدوم العادل من الشام، فأمسك الصاحب جماعة من رؤساء المصريين، و أصحاب الدواوين و المستخدمين و غيرهم، و عاقبهم أشد عقوبة و نكّل بهم، و فعل بهم ما أوجب حقد الناس عليه. و كثر بطشه بالناس، و أقام لنفسه حرمة عظيمة زادت على حرمة السلطان و عظم أمره، حتى كان أولاد

56

الملك العادل يأتون إلى داره فيجلسون على بابه، حتى يؤذن لهم، فثقل ذلك على أمراء الدولة و خاطبوا السلطان فى أمره، و هو لا يسمع فيه كلام متكلّم.

فلما كان فى سنة ست و ستمائة- و السلطان على سنجار- اتفق أن الصاحب تحدّث معه فى شي‏ء، لم يوافق رأى السلطان، فتوقف عن إجابته. فقام الصاحب من مجلس السلطان، و قد غضب، و جرح جرحا مفرطا فى المجلس، حتى خجل العادل ممن حضره، و وجدوا للكلام مجالا فتكلموا فيه. و كان العادل من أثبت الناس، و أحلمهم و أقلهم بطشا، و صفىّ الدين بخلاف ذلك. فبقيت هذه الحادثة فى نفس السلطان كامنة.

و كان القاضى الأعز بن شكر فى هذه السفرة نائب الوزارة بالديار المصرية، و هو ناظر الدواوين بها فى خدمة الملك الكامل، فحصل بينهما مودة.

فحسده من كان ينوب عن الصاحب فى الوزارة قبله. و كانوا يكاتبون‏ (1) الصاحب و يقولون له إنّ الأعز قد توثب عليك، و اتصل بالكامل و تمكن منه.

فلما كان فى ذى الحجة، سنة سبع و ستمائة، اجتمع بنو شكر عند الصاحب على طعامه. فأشار أن توضع زبديّة (2) طعام مخصوص بين يدى الموفق- و هو أحد من كان ينوب عن الوزارة- فقال أحد الحاضرين: يده طويلة!- يريد أنها تطول لمكان الزبدية. فقال آخر: طوّلها الذى صرفه من نيابة الوزارة- يعرض به أنه كان يتبرطل! فضحك الأعز ضحكا مفرطا،

____________

(1) فى (ع): و كانوا يكاتبوا.

(2) وعاء للطعام.

57

بمعنى أنه أمين، ليس فيه ما يقال كما قيل فى غيره! فغضب الصاحب لذلك و انتهره، لإساءته فى مجلسه بالضحك.

فأسرع الأعز فى القيام إلى داره. فلما قام، قال بعض من حضر للصاحب: لا تأمنه من سوء يكيدك به. و أغروه به، فأمر باحضاره. فلما جاءه الرسول، علم أنه إن وقع فى يده لا يأمنه على نفسه. فتسوّر من مكان فى داره، و طلع إلى القلعة، و احتمى بالكامل. فلما سمع الصاحب بذلك طلبه من الكامل، فدافعه به. فغضب و اجتمع بالملك العادل، و قال: ان الأعز لزمه حساب، و قد أحماه الكامل علينا. و كرر عليه القول. فتحدث العادل مع ابنه الكامل فى ذلك، فقال: يصلح بينهما. و قصد الكامل بذلك مدافعة الأيام، ليقع سفر العادل إلى الشام معه، فيسكن ما عند الصاحب منه، فلم يزده ذلك إلا حنقا.

فلما كان فى آخر ذى الحجة- سنة ثمان و ستمائة- ركب الكامل إلى دار الوزارة، و حضر مجلس الوزير، و الأعز معه، و أصلح بينهما. فاصطلحا ظاهرا، و البواطن بخلاف ذلك. و قصد الصاحب أن الأعز إذا انصرف إلى داره، قبض عليه، فلم يفارق الأعز الخدمة الكاملية بالقلعة. فازداد الصاحب حنقا عليه، و تحدث مع العادل أن يعزله عن نظر الدواوين.

فتوقف السلطان فى ذلك.

و تمادى الأمر، إلى آخر صفر. فامتنع الصاحب من الكتابة على المناشير و التّواقيع، و حلف أنه لا يباشر و الأعزّ يكتب معه أيدا. فتعطلت أحوال الناس، و شكوا ذلك إلى السلطان. فأرسل إلى الصاحب بروضة،

58

و يقول: لا بد أن أمكّنك من الأعز، و هو لا يزداد إلا غضبا و إساءة فى الجواب. فإذا عاد رسول السلطان إليه، لا يمكنه مخاطبته بما قاله الصاحب، و يغالط فى الجواب. فأرسل السلطان بعض الأمراء إلى الصاحب برسالة، و معه أحد مماليكه، و قال له احفظ ما يقوله الصاحب، و أعده علىّ. فكان من جملة قول الصاحب: و اللّه لا كتبت و الأعز يكتب معى أبدا. فعند ذلك، خرج السلطان على ابنه الكامل و انتهره، و أغلظ فى القول، و قال: يسلّم الأعز إلى الصاحب فى هذه الساعة!.

فلما عاد الكامل إلى القلعة، تلقاه الأعز على عادته. فقال: قد أمر السلطان بتسليمك للصاحب، و خرج علىّ بسببك، و عجزت عن حمايتك.

فقال له الأعز: يا مولانا، و اللّه عداوتى للصاحب بسببك! و هو أنه كاتبنى فى حقك أنه لا بد أن يعمل على صرفك من مملكة الديار المصرية، و أن يجعل عوضا عنك الأشرف موسى. و هذه كتبه إلىّ. فلما وقف الكامل على الكتب كان من جملة ما تضمنته: «و أما هذا المجنون- يشير إلى الكامل- فلا بد من صرفه، و إحضار الأشرف إلى الدّيار المصرية». و تضمنت من سبه و شتمه كثيرا.

فعاد الكامل للعادل، و الكتب معه، و جاء فى غير الوقت المعتاد.

فقال له العادل: ما جاء بك الآن؟ فقال: هذا الصاحب يريد أن يوقع بين السلطان و أولاده، و بين الإخوة. هذه كتبه للأعز، و عداوته بسببها. فلما وقف العادل عليها، عظم عليه سبه لابنه- و كان العادل يدارى جميع أولاده، خوفا أن يقوم أحدهم عليه، فتنخرق حرمته- فقال نعزله، و لا يسلّم إليه الأعز. و يكتب الأعز وحده.

59

فخرج الكامل لوقته، و استدعى الأعز فخر الدين أبا الفوارس مقدام، بن القاضى جمال الدين أحمد بن شكر. و أمر أمير جاندارة (1) بجمع الدواوين و تسليمهم للأعز. فسلمهم إليه. و جلس الصاحب الأعز، و تحدث فى الوزارة لوقته. و قام الصاحب صفى الدين من مجلس الوزارة و لازم داره. ثم كان من خبر مصادرته، و إخراجه من الديار المصرية ما نذكره- إن شاء اللّه تعالى.

ذكر حادثة الأمير عز الدين أسامة و اعتقاله و الاستيلاء على قلاعه‏

كان الأمير عز الدين أسامة الجبلى من أكابر الأمراء، و صهر الملك العادل. و هو الذى بنى الجسر الذى على نهر الأردن، المعروف بجسر أسامة.

و قيل أنه هو الذى بنى قلعة عجلون‏ (2). و كانت داره بدمشق، التى هى الآن‏

____________

(1) وصف «القلقشندى» «وظيفة» «أمير جاندار» بقوله:

«إمرة جاندار»: و موضوعها أن صاحبها يستأذن على دخول الأمراء للخدمة و يدخل أمامهم إلى الديوان.

و يقدم البريد مع كاتب السر. و صاحبها كالمتسلم للباب. و إذا أراد أحد تعزير أحد أو قتله كان ذلك على يد صاحب هذه الوظيفة.

(صبح الأعشى: ج 4- ص 20) و هذه الكلمة مكونة من جزءين: جان بالفارسية و معناها روح، و دار و معناها صاحب.

فهذه الوظيفة تشبه وظيفة الحاجب أو الأمين الأول.

(2) قلعة من جند (إقليم) الأردن. مبنية على جبل يعرف بجبل عوف، تشرف على الغور. و هى محدثة البناء، بناها أسامة بن منقذ من أمراء السلطان صلاح الدين فى سنة 580، و كان مكانها دير به راهب اسمه عجلون، فسميت به. و هى حصن- على صغره- جليل منيع.

(صبح الأعشى: ج 4- ص 105- 106) نقول: و ما ورد هنا فى صبح الأعشى يخالف ما ذكره المؤلف (النويرى) فى المتن من أن أسامة الجبلى هو الذى بنى قلعة عجلون. و ظاهر أن حقيقة الاسم هو أسامة الجبلى هذا، و أما رواية القلقشندى ففيها التباس بين أسامة هذا و أسامة بن منقذ، الذى كان فى شيزر و لم يكن هنا.

60

المدرسة البادرائيّة (1) بدمشق.

فاتهمه السلطان بمباطنة الملك الظاهر صاحب حلب، و استوحش هو أيضا من السلطان الملك العادل و أولاده، فقصد الانحياز إلى قلاعه- و كان له عجلون و قلعة كوكب‏ (2). و اتفق أن السلطان توجه فى هذه السنة إلى ثغر دمياط، و صحبته أولاده الملك الكامل و الملك المعظم و الملك الفائز، فاغتنم عز الدين أسامة غيبتهم، و ركب من القاهرة فى يوم الاثنين سلخ جمادى الآخرة، و خرج و أظهر أنه يريد الصيد.

فلما مر ببلبيس، بطق‏ (3) متوليها إلى السلطان يخبره. فقال الملك العادل: من ساق خلفه فله أمواله و قلاعه. فانتدب الملك المعظم لذلك.

و ركب من ثغر دمياط ليلة الثلاثاء، غرة شهر رجب. و ساق فى ثمانية ممن يعتمد عليهم، و على يده حصان جنيب‏ (4) فوصل إلى غزة صبح الجمعة،

____________

(1) نسبة إلى نجم الدين البادرائى رسول الخليفة إلى الشام و مصر- الذى سيأتى ذكره- لأنه هو الذى بناها بدمشق. و هو منسوب إلى (بادرايا) و هى بلدة صغيرة بالقرب من موقع واسط بالعراق، مشهورة بتمرها الغاية فى الجودة.

(معجم البلدان: ج 2- 28) و هذا الاسم يطلق على موضع آخر بالنهروان.- كما ذكر ياقوت- و لكنه ليس المقصود هنا.

(2) أما عجلون فقد تقدم ذكرها. و أما قلعة كوكب فهى أيضا من القلاع التى كان لها شأن فى عهد الحروب الصليبية. و يقول عنها ياقوت (ج 7- 301):- «اسم قلعة على الجبل المطل على مدينة طبرية، حصينة رصينة، تشرف على الأردن. افتتحها صلاح الدين فيما افتتحه من البلاد». أه.

(3) بطق: أى أرسل بطاقة كتب فيها ما يريد.

(4) أى حصان يأخذه المسافر معه للحيطة، ليبادل الركوب عليه و يريح الحصان الأول.

61

و سبق أسامة إليها، و أمسك عليه الطرق. و أما أسامة فإنه تقطعت عنه مماليكه و من كان معه، و بقى وحده، و به مرض النّقرس. و وصل إلى الدّاروم‏ (1) فعرفه بعض الصيادين، فأعطاه أسامة ألف دينار، و قال: خذ هذه و أوصلنى إلى الشام. فأخذه و جاء إلى رفاقه فعرفوه، و توجهوا به على طريق الخليل، ليتوجهوا به إلى عجلون. فوصلوا به إلى القدس، فى يوم الأحد سادس من شهر رجب. و نزل بصهيون- و هى ضيعة بالقدس.

و علم به الملك المعظم، فأرسل إليه بثياب و طعام، و لاطفه، و قال له أنت شيخ كبير ما يصلح لك الحصون، فسلّم الىّ كوكب و عجلون. و قال أنا أحلف لك على مالك و ملكك و جميع أسبابك، و تعيش بيننا مثل الوالد.

فامتنع من ذلك، و سب المعظم أقبح سب. فلما يئس منه، بعث به إلى الكرك‏ (2) و اعتقله بها و استولى على قلاعه و أمواله و ذخائره. فكان قيمة ما أخذ له ألف ألف دينار.

و أما السلطان الملك العادل فانه كان توجه فى العشرين من جمادى الأولى إلى ثغر دمياط، و توجه منه إلى ثغر الاسكندرية، ثم عاد و توجه إلى الشام، فى ثانى شوال من هذه السنة. و حاصر كوكب أشد حصار، و استولى عليها. و أخذ منها أموالا عظيمة و هدمها و عفّى أثرها. و ذلك فى العشر الأوسط من ذى القعدة

____________

(1) قلعة بعد غزة للقاصد إلى مصر. فيها يرى البحر، ألا أن بينها و بين البحر مقدار فرسخ.

(المعجم: ج 4- 13)

(2) بفتح أوله و ثانيه. قلعة حصينة جدا و فى طرف الشام من نواحى البلقاء فى جبالها، بين أيلة و بحر القلزم (البحر الأحمر) و البيت المقدس. و هى على سن جبل عال، تحيط بها أودية- إلا من جهة الربض (أى قريتها).

(ياقوت: ج 7- 240)

62

ذكر وفاة الملك الأوحد صاحب خلاط و استيلاء أخيه الملك الأشرف عليها

و فى هذه السنة، كانت وفاة الملك الأوحد نجم الدين أيوب، بن السلطان الملك العادل، و هو صاحب خلاط. و كانت وفاته بملازكرد (1) فى ثامن شهر ربيع الأول، و دفن بها.

و كان قد استزار أخاه الملك الأشرف من حرّان، فأقام عنده أياما.

و اشتد مرضه، فقصد الأشرف الرجوع إلى حرّان لئلا يتخيّل‏ (2) منه الأوحد. فقال له الأوحد: يا أخى كم تلح؟ و اللّه، إنى ميت، و أنت تأخذ البلاد! ثم مات. فدفنه الملك الأشرف. و جاء إلى خلاط، و استولى عليها، و على ما بها من الأموال.

فتوجه الملك العادل إليه، و قد غضب لكونه‏ (3) فعل بغير أمره. فلما وصل إليها، اعتذر الملك الأشرف أنه إنما فعل ذلك خوفا أن يسبقه غيره من ملوك الأطراف إليها، فقبل عذره، و استمر به فيها (4). و أنعم السلطان على ولده الملك المظفر شهاب الدين غازى بميّافارقين و أعمالها.

____________

(1) من بلاد أرمينية. كانت عندها الموقعة التاريخية الشهيرة التى هزم فيها السلطان ألب أرسلان الأمبراطور البيزنطى و جيشه.

(2) يتوهّم أنه يدبر له أمرا.

(3) فى (ع): كونه. و يتكرر هذا فى مواضع مختلفة.

(4) هذا تعبير نقابله فى المتن فى عدة مواضع. و معناه أنه أقر استمراره فيها، واليّا عليها.

63

و استهلت سنة عشر و ستمائة:

ذكر قيام أهل مصر على الملك الكامل، و رجمه‏

و فى جمادى الأولى سنة عشر و ستمائة، شغب العوامّ بمصر على الملك الكامل و رجموه، و سبب ذلك أن أبا شاكر النصرانى الطبيب كان الملك الكامل يميل إليه، و كان إلى جانب الكنيسة المعلّقة بمصر مسجد قد عفى أثره، فقصد العوام تجديده. فامتنع الكامل من إجابتهم إلى ذلك، بسبب أبى شاكر. فثار العوام، و قالوا لا بد من عمارته. فركب الملك الكامل من القلعة، و جاء إلى الكنيسة المعلّقة (1)، و كشف المكان بنفسه. فلما شاهده، قال: ما كان هذا مسجدا قط. فاستغاث العوام، و شغبوا و رموه بالحجارة، فهرب منهم إلى القلعة.

و فيها توجه الملك الظافر الخضر، بن السلطان الناصر: صلاح الدين يوسف بن أيوب، من حلب لقصد الحج. فنزل بالقابون‏ (2) فى يوم الأحد رابع شوال، ثم انتقل إلى مسجد القدم‏ (3) فى خامس الشهر. و كان الملك المعظم بحوران، فوصل إلى دمشق، و أدخله إليها و عمل له ضيافة. ثم توجه‏

____________

(1) ذكر المقريزى عنها فى «الخطط» أنها «بمدينة مصر»، فى خط قصر الشمع، على اسم السيدة. و هى جليلة القدر عندهم.

(ج 4- ص 424)

(2) موضع بينه و بين دمشق ميل واحد، فى طريق القاصد إلى العراق، وسط البساتين.

(ياقوت: ج 7- 4)

(3) مسجد بدمشق. و أصله «مشهد القدم». و هو من الآثار التى فى مدينة دمشق و غوطتها، يقال إن هناك قبر موسى بن عمران.

(النجوم الزاهرة: ج. 6- 126. حاشية 1)

64

إلى الحجاز، صحبة الركب الشامى، فلما وصل إلى المدينة زار رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم). و أحرم بالحج من ذى الحليفة (1)، فلما انتهى إلى بدر وجد عسكر الملك الكامل قد سبقه من مصر إلى بدر، خوفا منه أن يتوجه إلى اليمن. فقالوا له: ترجع. فعلم مرادهم. فقال إنه قد بقى بينى و بين مكة مسافة يسيرة، و انى قد أحرمت. و و اللّه ما قصدى اليمن و لا أقصد غير الحج، فقيدونى، و احتاطوا بى، حتى أقضى المناسك و أعود. فلم يوافقوه على ذلك، و أعادوه إلى الشام فصنع كما صنع النبى (صلى اللّه عليه و سلّم) حين صده المشركون عن البيت: قصّر و ذبح ما تيسر، و عاد إلى الشام.

و فيها توفى الأمير فارس الدين ميمون القصرى بحلب فى رابع عشر من شهر رمضان. و كان من أكابر الأمراء الناصرية. و كانت أعزاز (2) اقطاعه.

و خلف أموالا جمّة. و هذه النسبة إلى القصر الذى بالقاهرة، كان تربّى‏ (3) فيه- (رحمه الله).

____________

(1) قرية بينها و بين المدينة ستة أميال أو سبعة. و منها ميقات أهل المدينة. (معجم البلدان: ج 3- 329)

(2) سبق أن عرفنا بها، و هى بلدة و قلعة شمالى حلب.

(3) كان آخر الأمراء الصلاحية، الذين لعبوا دورا هاما فى الأحداث السابقة. و بعد وفاته انتهت دولتهم.

65

و استهلت سنة إحدى عشرة و ستمائة:

ذكر استيلاء الملك المسعود بن الملك الكامل على اليمن‏

و فى هذه السنة جهز الملك الكامل ابنه الملك المسعود، صلاح الدين أتسز- و هو أقسيس‏ (1)- إلى الحجاز، و يتوجه من هناك إلى اليمن.

و كان سبب إرساله إلى اليمن أن الناصر أيوب، بن سيف الإسلام بن أيوب، قد توفى، و استولى على اليمن سليمان بن شاهنشاه، بن تقى الدين عمر، بن شاهنشاه بن أيوب- باتفاق من أجنادها- و تزوج بأم الناصر.

و وصل الخبر إلى الملك الكامل بذلك، فجهز ابنه الملك المسعود. فرحل من بركة الجبّ‏ (2) فى يوم الاثنين، سابع عشر من شهر رمضان، و معه ألف فارس، و من الجانداريّة (3) و الرّماة خمسمائة و [كان‏] ذلك بعد أن سيره إلى خدمة السلطان الملك العادل بدمشق، و لقبه بالملك المسعود، و أعاده إلى القاهرة.

____________

(1) هذا لقب الملك المسعود بن الملك الكامل. و قد شرحه ابن خلّكان فقال:

«و أطسيس بفتح الهمزة و سكون الطاء و كسر السين- هى كلمة تركية معناها بالعربية: ما له اسم. و يقال:

إنما سمى بذلك لأن الملك الكامل ما كان يعيش له ولد، فلما ولد له المسعود المذكور قال بعض الحاضرين فى مجلسه من الأتراك: فى بلادنا إذا كان الرجل لا يعيش له ولد سماه: أطسيس، فسماه أطسيس. و الناس يقولون: أقسيس بالقاف. و صوابه بالطاء.

(وفيات الأعيان: ج 4- ص 170) و هى مذكورة هنا فى المتن بالتاء. و هو تخفيف من الطاء.

(2) يقع موضعها فى الجهة البحرية من القاهرة، على نحو بريد منها. عرفت أولا بجب عميرة، ثم قيل لها أرض الجب، ثم عرفت ببركة الحاج لنزول الحجاج بها فى مسيرهم من القاهرة و إليها. و كانت إحدى المنتزهات بظاهر القاهرة يبرز إليها الملوك للصيد.

(المقريزى: الخطط ج 1- 489)

(3) سبق أن شرحنا وظيفة (الجاندار). و الجاندارية: فئة من المماليك السلطانية كانوا من خواص السلطان الملازمين له من حرسه أو حاشية قصره. و واحدهم «جاندار».

66

فتوجه إلى مكة- شرفها اللّه تعالى، فلما قضى مناسك الحج توجه إلى بلاد اليمن. فكان وصوله إلى زبيد فى يوم السبت مستهل المحرم، سنة ثنتى عشرة و ستمائة. فملكها من غير قتال، و تسلم ثمانية حصون من تهامة. و ندب قطعة من العسكر لحصار تعزّ (1)- و كان سليمان قد تحصن بها- ففتح الحصن فى ثالث صفر، و دخله العسكر المسعودى، و مسك سليمان و اعتقل. ثم جهزه إلى الديار المصرية هو زوجته.

و كانت صنعاء فى يد عبد اللّه بن حمزة- المدعى الخلافة- فجرد الملك المسعود إليه عسكرا، فوصل العسكر إلى صنعاء فى مستهل جمادى الأولى.

فهرب عبد اللّه لما سمع بقرب العسكر، و جعل لا يخرج من مدينة إلا بعد تخريب أسوارها، و تعفية ما يستطيع من أثرها، و هدم منار المساجد، و لحق بالجبال و تعلق بها. و ملك الملك المسعود البلاد. و كان جبّارا فاتكا، فيقال إنه قتل باليمن ثمانمائة شريف، و خلقا كثيرا من الأكابر.

و فيها استولى الملك المعظّم- شرف الدين عيسى- على قلعة صرخد (2)، و أخذها من ابن قراجا، و عوضه عنها مالا و إقطاعا، و أعطاها لمملوكه، أستاذ داره عز الدين أيبك المعظمى. فبقيت فى يده إلى أن أخرجه منها الملك الصالح نجم الدين أيوب، فى سنة أربع و أربعين و ستمائة.

____________

(1) بالفتح ثم الكسر و الزاى المشددة- كما ضبطها ياقوت-: قلعة عظيمة من قلاع اليمن المشهورات.

(المعجم: ج 2- 393)

(2) سبق ذكرها. و هى قلعة حصينة و ولاية حسنة ملاصقة لبلاد حوران.

67

و فيها أحدثت المعاملة بالقراطيس السّود العادلية بدمشق، كما يتعامل الناس بالورق بالديار المصرية. فبقيت زمانا، ثم بطل ضربها و تناقصت من أيدى الناس، إلى أن توفى الملك العادل.

و فيها توجه الملك المعظم شرف الدين عيسى، بن الملك العادل، من دمشق إلى الحجاز. و جدد فى الطريق البرك و المصانع و المناهل، و أحسن إلى الناس، و تصدق، و حجّ قارنا- و كان حنفىّ المذهب- و عاد إلى الشّام.

و فيها اهتم السلطان- الملك العادل- بعمل الميدان الذى بسوق الخيل، بظاهر القاهرة، و الفساقى المجاورة لها.

و فيها، فى ثالث شهر ربيع الأول، فوض تدريس الحنفية، بالمدرسة النّورية بدمشق، للشيخ جمال الدين محمد بن الحصيرى‏ (1) العجمى.

و حضر الملك المعظم درسه مع الفقهاء.

و استهلت سنة ثنتى عشرة و ستمائة:

فى هذه السنة، وصل الملك المعظم شرف الدين عيسى من الحجاز، و صحبته الأمير السيد الشريف: سالم بن قاسم‏ (2)، أمير المدينة النبوية- على ساكنها أفضل الصلاة و السلام. و كان قد شكى من قتادة: أمير مكة، فوعده بالمساعدة عليه. فلما وصل الآن معه، اجتمع بالسلطان الملك‏

____________

(1) نسبة إلى حصيرة- و هى إحدى قرى بخارى- فيما وراء النهر. كما سيرد ذكره فى المتن.

(2) هو سالم بن قاسم بن مهنا من الأشراف، من بنى الحسن، الذين كانوا أمراء المدينة. و كان الشريف سالم هذا مع السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب فى فتوحاته، يتبرك به و يتيمن بصحبته و يرجع إلى قوله.

و بقى إلى أن حضر إلى مصر للشكوى من قتادة فمات فى الطريق قبل وصوله إلى المدينة.

(القلقشندى: صبح الأعشى: ج 4- ص 300)

68

العادل- و كان بخربة اللّصوص‏ (1)- و قدّم الشريف إلى السلطان ما أحضره- على سبيل الهدية- من تحف الحجاز، و عشرين فرسا من خيل الحجاز، فأكرمه السلطان. و استخدم معه جماعة من أمراء التركمان و الرجال، فتوجه بهم فى ثالث عشر شعبان.

و اتفقت وفاته قبل وصوله إلى المدينة، فقام ولد أخيه الأمير جمّاز بن شيحة بالأمر بعد عمه، و اجتمع أهله على طاعته. فمضى من كان مع عمه لقصد قتادة أمير مكة. فجمع قتادة (2) عسكره و أصحابه و التقوا بوادى الصّفراء(3). و كان الظفر لجمّاز و من معه، و استولوا على عسكر قتادة، قتلا و نهبا و أسرا. و انهزم قتادة إلى الينبع‏ (4) و تحصن بقلعته، فتبعوه و حصروه.

____________

(1) واقعة على الطريق بين بيسان و دمشق.

(عن السلوك- زيادة: ج 1- 281)

(2) هو «قتادة» بن إدريس، من الأشراف من ذرية الحسن بن على. و هو أول أمراء مكة من فرعه، أخذها من الهواشم و هم فرع آخر من بنى الحسن (سنة 599) و خطب للناصر العباسى الخليفة ببغداد، و تعاظم أمره حتى ملك مع مكة و الينبع أطراف اليمن و بعض أعمال المدينة و نجد. و كانت وفاته سنة 617. و أسرته هم «بنو قتادة»، و قد بقيت مكة فى أيديهم حتى عهد الوهابيين.

(القلقشندى: صبح الأعشى: ج 4- ص 272)

(3) واد من ناحية المدينة، كثير النخل و الزرع و الخير، فى طريق الحاج. و بينه و بين بدر مرحلة. و الصفراء قرية كثيرة النخل و الزرع و ماؤها عيون كلها، و هى فوق ينبع مما يلى المدينة.

(ياقوت: المعجم: ج 5- 367)

(4) هى عن يمين رضوى لمن كان منحدرا من المدينة إلى البحر على سبع مراحل من المدينة و هى قرية غناء و قيل: ينبع حصن به نخيل و ماء و زرع.

(معجم البلدان: ج 3- 251)

69

ثم عاد من كان مع الأمير سالم من التركمان و غيرهم، صحبة الناهض ابن الجرخى، و فى صحبتهم كثير مما غنموه، من أموال قتادة و من النساء و الصبيان. و ظهر منهم جماعة من الأشراف، فسلموا إلى أكابر أشراف دمشق، ليكفلوهم و يشركوهم فى وقف الأشراف و فى هذه السنة حصل الشروع فى عمارة المدرسة العادلية (1) بدمشق و حضر السلطان الملك العادل لترتيب وضعها.

و فيها فى سابع من شهر ربيع الأول، عزل قاضى القضاة: زكى الدين أبو العباس الطاهر، بن محيى الدين، [عن‏] الحكم بدمشق و أعمالها. و ولى من الغد الشيخ جمال الدين الحرستانى‏ (2)، و هو ابن اثنتين و تسعين سنة و شهور.

و فيها أبطل السلطان الملك العادل ضمان الخمر و القيان بدمشق، فى رابع عشرين جمادى الآخرة. و بقى الأمر على ذلك، إلى أن توفى الملك العادل فى سنة خمس عشرة و ستمائة.

____________

(1) نسبة إلى السلطان الملك العادل، لأنه هو الذى بدأ بناءها، و إن كان الذى أتمها هو ابنه المعظم عيسى.

و صارت من المدارس الكبيرة. درس بها الجمال المصرى- على ما سبقت الإشارة إليه.

(2) نسبة إلى «حرستا»: و هى قرية كبيرة عامرة فى وسط بساتين دمشق، على طريق حمص، بينها و بين دمشق أكثر من فرسخ.

(معجم البلدان: ج 3- 251)

70

و فيها وصل رسول الخليفة من بغداد، و هو الشيخ شهاب الدين السّهروردى‏ (1) و نزل بجوسق‏ (2) العادل. و توجه إلى السلطان فلحقه بالقدس الشريف، فأدى الرسالة و عاد، فى خامس عشر شوال.

و فيها- فى منتصف شعبان، توفى الشيخ الصالح العارف: أبو الحسن على بن حميد، المعروف بابن الصّبّاغ قدس اللّه روحه. و كانت وفاته بقنا- من الأعمال القوصيّة من الصعيد الأعلى. و دفن بجانبها عند قبر شيخه:

الشيخ السيد القطب عبد الرحيم‏ (3). و ضريحهما من المزارات المشهورة- نفع اللّه تعالى بهما.

____________

(1) كنيته (أبو حفص) و اسمه: «عمر بن محمد بن عبد اللّه» و لقبه شهاب الدين، و نسبه يتصل بأبى بكر الصديق. كان فقيها شافعى المذهب، شيخا صالحا ورعا، كثير الاجتهاد فى العبادة و الرياضة، و تخرج عليه خلق كثير من الصوفية. و قرأ الأدب و عقد مجالس الوعظ سنين. و أشهر مؤلفاته «عوارف المعارف». كان شيخ الشيوخ ببغداد. كان مولده بسهرورد سنة 539 ه، و توفى سنة 632 ه.

(ابن خلكان. وفيات الأعيان: ج 3- 119)

(2) الجوسق: القصر. «القاموس».

هامش ص 40

(3) هو السيد الإمام عبد الرحيم بن أحمد بن حجون القنائى الشريف الحسنى. قدم من سبته بالمغرب فأقام بمكة سبع سنين ثم قدم قنا فأقام با سنين كثيرة، إلى أن مات و عمره ثمانون سنة. كان أحد الزهاد المشهورين و العباد المذكورين، تخرج به جماعة من الصالحين. و كراماته كثيرة. توفى سنة 592 ه. (9 من صفر).

(السّيوطى: حسن المحاضرة: ج 1- ص 220) و أخذ عنه الشيخ أبو الحسن على بن الصباغ القوصى، صوفى كبير هدى اللّه به خلقا كثيرا و صحبه جماعة من العلماء. و له كرامات كثيرة. كانت وفاته بقنا فى منتصف شعبان سنة 612.

(المصدر السابق)

71

و استهلت سنة ثلاث عشرة و ستمائة:

فى هذه السنة كانت الحادثة بين أهل الشّاغور (1) و العقيبة (2) بدمشق. و حملت كل طائفة منهم السلاح، و اقتتلوا. فركب العسكر للفصل بينهم‏ (3). و حضر الملك المعظم من جوسق الرئيس لتسكين الفتنة- و كان مقيما به. و قبض على جماعة من مقدمى الحارات و اعتقلوا، بسبب ذلك.

ذكر القبض على الصاحب الأعز

و فى يوم الاثنين، سابع عشر جمادى الآخرة، سنة ثلاث عشرة و ستمائة. قبض الملك العادل على وزيره الصاحب فخر الدين الأعز، و ضربه و قيده، و حمله إلى قلعة بصرى‏ (4) فاعتقله بها.

و كان لذلك أسباب: منها أنه صرف ما غرم على القبة بالشافعى من مال الديوان- و كان و تقرر صرفه من مال الديوان الكاملى. و منها أنه كشف على الأموال التى أنفقت فى تجهيز الملك المسعود إلى اليمن، و كانت جملة عظيمة، فأنكر عليه ذلك، و فعل به ما فعل.

____________

(1) محلة بالباب الصغير من دمشق مشهورة، و هى فى ظاهر المدينة.

(معجم البلدان: ج 5- 215)

(2) هى قرية من ضواحى دمشق.

(المعجم: ج 2- ص 118- 119)

(3) فى النسختين (ع)، (ك): «فركب العسكر لابسا بسببهم». و المعنى لا يفهم. فصححناه من «مرآة الزمان» لسبط ابن الجوزى، فصار: «للفصل بينهم» كما أثبتناه فى المتن.

(4) هى قصبة كورة «حوران»- و هى من أعمال دمشق، مشهورة عند العرب قديما و حديثا.

(ياقوت: ج 2- 208)

72

و عرضت الوزارة على القاضى الأشرف: أحمد بن القاضى الفاضل عبد الرحيم، فتوقف عنها. ثم خوطب فقال: كان والدى فى الأيام الناصرية لا يكتب فى الدولة. فأجيب إلى ذلك، و استقرت القاعدة أنه يتحدث فى الأموال بلسانه، دون قلمه. و رتب القاضى عماد الدين بن جبريل صاحب ديوان الدولة، و رتب شمس الدين أبو القاسم بن التبنى وزير الصّحبة.

و فيها فى شهر المحرم، صرف قاضى القضاة عماد الدين عبد الرحمن، ابن عبد العلى بن على السّكّرى‏ (1)- عن القضاء بالديار المصرية.

و كان سبب ذلك أن السلطان عقد مجلسا بحضوره بسبب وقف المدرسة- التى أوقفها إبراهيم بن شروه‏ (2)، و ولى القطب، قاضى قوص، النظر عليها- فلم يمض القاضى عماد الدين الوقف. فقال السلطان: هذه القضية أنا أعرفها و أشهد بها. فامتنع من إثباتها. فغضب السلطان، و أشهد على نفسه بعزله فى المجلس. ثم صرف عن الخطابة بالجامع الحاكمى، و ولاها الشيخ بهاء الدين بن الجمّيزى‏ (3) لأربع بقين من شهر ربيع الآخر من السنة.

____________

(1) ذكره «السيوطى» بين كبار فقهاء الشافعية، و قال عنه أنه «ولد بمصر، سنة 553. و تفقه على الشهاب الطوسى. و له مصنف كبير فى الفقه و حواشى على الوسيط، و نقل عنه ابن الرفعة. ولى قضاء الديار المصرية. و مات فى شوّال سنة 624.

(حسن المحاضرة: ج 1- 172)

(2) أخو سليمان (فلك الدين) بن شروه. و هو أخو العادل لأمه.

(3) ستأتى ترجمته فى المتن عند سنة وفاته (649).

73

و لما عزله السلطان عن القضاء، استشار شيخ الشيوخ: صدر الدين أبا الحسن بن حموية (1)، فيمن يوليه القضاء. فأشار أن يقسم العمل شطرين: قبليّا و بحريّا، و أن يولى ابن عين الدولة القاهرة و الوجه البحرى، و ابن الخرّاط مصر و الوجه القبلى. فعمل برأيه.

و فوض السلطان قضاء القاهرة و الوجه البحرى للقاضى شرف الدين بن عين الدولة، فى يوم السبت ثانى صفر منها- و قيل فى المحرم- و فوض قضاء مصر و الوجه القبلى للقاضى تاج الدين: أبى محمد عبد السلام بن على بن الخراط- و كان قاضى دمياط- و ذلك فى يوم الاثنين سابع عشر صفر- و قيل فى يوم الاثنين ثالث عشر المحرم.

هذا هو السبب الظاهر [للناس‏ (2) فى عزل القاضى عماد الدين بن السكرى‏] و أما السبب الباطن- و هو مما أخبرنى به والدى (رحمه الله تعالى) عن جده زكى الدين عبد الدائم، و غيره- أن الفقيه الشيخ الصالح الشهيد الناطق: رضى الدين: عبد الرحمن العقيلى، المعروف بالنّويرى (و هى نسبة انتقال، و انما هو قدم من بلاد المغرب مع أبيه و سكنا النّويرة، و استطونها

____________

(1) الموجود فى النسختين: «صدر الدين حسن بن حمويه». و صوابه: أبا الحسن محمد. و قد صوبناه فى المتن. و هو «صدر الدين أبو الحسن محمد بن عمر بن حمويه الجوينى». قال عنه «ابن الأثير»: «كان فقيها فاضلا و صوفيا صالحا، من بيت كبير من خراسان.

(الكامل ج 12- ص 165).

و ذكر السيوطى أن السلطان صلاح الدين ولى صدر الدين بن حمويه التدريس بالمدرسة الصلاحية التى كانت «تاج المدرس» بعد وفاة الشيخ نجم الدين الخبوشانى فى عام 587 ه. و كان ولاه قبل ذلك مشيخة «خانقاه سعيد السعداء» و هى أول خانقاه (أى دار للصوفية) عملت بديار مصر.

(حسن المحاضرة: ج 2- ص 140- 141)

(2) هذه الجملة بين القوسين زيادة من نسخة (ع) و ليست موجودة فى النسخة (ك).

74

الشيخ عبد الرحمن و خدمه أهلها، و كانوا يفتخرون بالانتساب إلى خدمته، و اختص بخدمته جد والدى زكى الدين عبد الدائم، فكان أخص الناس به، و أعلاهم منزلة عنده) كان مع ما هو عليه من العبادة و الصلاح المشهور، ينوب عن القاضى عماد الدين فى الحكم بالنّويرة، و ما معها. فاتفق أن رجلين‏ (1) تداعيا فى بقرة، فكتب أحدهما محضرا أن البقرة ملكه و شهد فيه جماعة من الشهود، و أدوا شهادتهم بذلك عند الفقيه، و لم يبق إلا تسليمها لصاحب المحضر.

فتأمل الفقيه البقرة، و نظر إليها. و سأله الذى شهد له الحكم بما ثبت عنده، و تسليمها إليه. فقال: كيف أسلمها إليك، و هى تقول أنها لخصمك، و تخبرنى أن المحضر زور- أو ما هذا معناه؟!. و سلمها لخصمه.

فاعترف الخصم الذى أثبت بصحة ما أخبر به الشيخ الفقيه رضى الدين عن البقرة، و أظهر التوبة و الإنابة. فلما اتصلت هذه الواقعة بالقاضى عماد الدين، كتب إلى الشيخ رضى الدين يقول: كان ينبغى أن تعمل فى هذه القضية بظاهر الشرع، و تسلم البقرة لمن أثبت. و عزله عن نيابته.

فلما اتصل العزل به، قال لمن حضر عنده: اشهدوا علىّ أنى قد عزلته، و عزلت ذريته من بعده. فعزل فى تلك الساعة. و لم يعد إلى القضاء بعدها، و لا ولى القضاء بعده أحد من ذريته. و أعرف أن القاضى عماد

____________

(1) الموجود فى كلتا النسختين: «أن رجلان». فصححناه. و هذا مثل من الأخطاء النحوية.

75

الدين، ولد ولده فوه له بالقضاء غير مرة، [و عيّن‏] (1) و ربما فصّلت له خلعة الولاية، و رسم بكتابة تقليده، ثم يعدل عنه إلى غيره، و لا يتم أمره.

و مات- (رحمه الله تعالى)- و لم يل القضاء. و لم يبق من ذريته فى وقتنا هذا من فيه أهلية لذلك. و هذه الحكاية التى ذكرتها لا أشك فيها و لا أرتاب، و هى مشهورة يعرفها كثير من الناس.

و فى سنة ثلاث عشرة و ستمائة- فى العشرين من جمادى الآخرة- توفى الملك الظاهر: غياث الدين غازى، بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف، صاحب حلب- (رحمه الله تعالى) بحلب.

و كان مولده بالقاهرة، فى منتصف شهر رمضان، سنة ثمان و ستين و خمسمائة. و ملك بعده ولده: الملك العزيز غياث الدين محمد. و كان صغير السن، يقال كان عمره ثلاث سنين، فقامت ضيفة (2) خاتون- ابنة الملك العادل- بتدبير الدولة. و نصبت شهاب الدين طغرل الخادم فى أتابكيّة (3) الدولة.

____________

(1) زيادة من النسخة (ع) غير موجودة فى النسخة (ك).

(2) روى أبو الفداء أنها سميت بذلك لأنه «كان عند أبيها الملك العادل يوم مولدها بحلب ضيف، فأسماها ضيفة». و كان العادل واليا على حلب إذ ذاك.

(المختصر فى أخبار البشر: ص 121)

(3) كلمة تركية مركبة من لفظين: «أتا» و معناها أب، و «بك» و معناها أمير.

فمعناها بالعربية: «الأمير الأب أو الوالد». و كانت تطلق على مربّى أولاد الملك، ثم صارت بمعنى الوصى و النائب على المملكة أو كبير العسكر.

76

ذكر مصادرة الصاحب صفى الدين بن شكر و نفيه من الديار المصرية

كان سبب ذلك أن السلطان الملك العادل، لما قدم من الشام، ظن الصاحب صفى الدين أنه يعيده إلى الوزارة. فصار يركب فى المواكب، و يستعرض للقاء السلطان. ثم فتح بابه و صار الناس يدخلون إليه، و الأعز و غيره يذكرون ذلك للملك الكامل. فاتفق أن الملك الكامل مرّ بدار الصاحب فوجد الخيل على بابه، فقال لمن معه من الأمراء: ما هذا إلا أحمق! يفتح بابه و يأمر الناس أن يدخلوا إليه و يمد السّماط، و السلطان غير راض عنه. فبلغ العادل ما قاله الكامل. فقال فى مجلسه: ما يكفى ابن شكر أنه أخذ مالى، حتى أطّرح جانبى بفتح بابه.

فاتصل ذلك بالصاحب، فركب إلى القلعة، و أراد الاجتماع بالملك الكامل- و كان الملك الكامل على الشراب. فسير إليه، و قال ما حاجتك؟

فإن لنا الآن شغلا! فقال: القصد أن يستخدمنى السلطان، أو يتركنى أخرج من بلاده. و سأل أن يكون الكامل سفيره عند أبيه الملك العادل. فعزّ كلامه عليه، و قال للرسول قل له: هذا ما لا أدخل فيه.

فعاد خجلا، و مضى إلى دار والدة الملك المعز مجير الدّين يعقوب، بن السلطان الملك العادل، و تعلق بذيل ستر الباب. و وافق أن العادل كان عندها فى ذلك الوقت. فعظم ذلك عليه. لكونه قصد زوجته، و أراد قتله، ثم سكن، و أرسل إلى الملك الكامل يقول: إن ابن شكر أخذ منى و أنا على سنجار ستمائة ألف دينار، فطالبه بها.

77

فأحضره الملك الكامل فى مجلس شرابه، و وبخه، و أمر بأخذ أملاكه و حسبها له، بستمائة ألف دينار. ثم حضر جماعة بعد ذلك إلى الملك الكامل، فقالوا: هذا كان فى ابتداء أمره قطّانا، فمن أين له هذا المال؟ فقال ابن التبنى: أنا صانعته عن نفسى بمائتى ألف دينار، و صانعه شهاب الدين بن الفاضل بثلاثمائة ألف دينار. فنقل المجلس إلى الملك العادل، و ذكر له من أخذ منه المصانعات، فأمر بنفيه.

فاستمهل إلى أن يبيع موجوده، فأذن له. فشرع فى بيع موجوده إلى أن كمل ثم أرسل إليه السلطان يقول: أخرج من بلادى إلى بلد، لا تقام لى فيه خطبة. فخرج من القاهرة فى يوم الخميس، لخمس بقين من جمادى الآخرة من السنة. فلما وصل إلى بلبيس أمر السلطان الملك العادل بتعويقه، و أخذ منه مالا و وكل به أياما ببلبيس ثم أطلقه فتوجه إلى آمد (1).

و فيها صادر السلطان الملك العادل حسام الدين يونس، متولّى الإسكندرية، على ثلاثمائة ألف دينار.

و فيها فى سابع شوال، توجه العادل إلى ثغر الإسكندرية. و ذلك أنه اجتمع بها من تجار الفرنج نحو ثلاثة آلاف رجل، فخاف أهل الثغر جانبهم.

____________

(1) أعظم مدن ديار بكر (الجزيرة) على نهر دجلة.

(معجم البلدان: ج 1- 62)

78

فخرج السلطان بعساكره إلى الثّغر، و به ملكان‏ (1) من ملوك الفرنج.

فأحضرهما، فذكرا أن التجار صمموا على الوثوب بأهل الثغر و قتلهم، و أخذه. فقبض حينئذ على تجار الفرنج و استصفى أموالهم، و اعتقلهم، و اعتقل الملكين. و عاد إلى القاهرة، فى سابع ذى الحجة من السنة.

و استهلت سنة أربع عشرة و ستمائة:

ذكر مسير السلطان إلى الشام‏

و فى يوم الأحد، التاسع من شهر ربيع الآخر، من هذه السنة- توجه السلطان الملك العادل إلى الشام، لما بلغه قصد الفرنج بلاد الشام.

و كان رحيله من البركة (2) يوم السبت لثمان بقين من الشهر، و توجه إلى البيت المقدس. و قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة، فى كتاب «الروضتين فى أخبار الدولتين» أنه توجه إلى قلعة الكرك بذخائره و أمواله، و أقام بها مدة، و ترك الأموال و الذخائر بها.

و قال غيره: إنه بقى بالقدس إلى أن وصلت أمداد الفرنج فى البحر، من رومية الكبرى و من الغرب الشمالى- و كان المقدم عليهم صاحب رومية- فنزلوا على عكا. و سار الملك العادل على أنه يسبقهم إلى الماء بخربة اللّصوص‏ (3)، فسبقوه إليها. فلما قاربهم، حيّد عنهم إلى جهة دمشق. فأغاروا

____________

(1) فى (ع): و به ملكين. فلزم تصحيحه.

(2) هى بركة الجب التى صارت تعرف ببركة الحاج. و قد سبقت الإشارة إليها. و هى تقع شمال شرقى القاهرة، أول منزلة منها فى الطريق إلى الشام.

(3) سبق أن بينا موقعها، و هى على الطريق بين بيسان و دمشق (فى الأردن).

79

على بيسان فنهبوها و ما حولها، و عادوا إلى مرج عكّا بالسبى و الغنائم.

و جهزوا آلات الحصار، و قصدوا الطّور (1)- و كان العادل قد بناه فى سنة تسع و ستمائة- فحاصروه سبعة عشر يوما. فقتل بعض ملوكهم بسهم، ففارقوا الحصن. و استشهد على حصار الطور من أبطال المسلمين: الأمير بدر الدين محمد بن أبى القاسم، و سيف الدين بن المرزبان- و كان من الصالحين الأجواد.

و كتب الملك المعظم إلى الخليفة كتابا أوله:

قل للخليفة- لا زالت عزائمه‏ * * * لها على الكفر إبراق و إرعاد

إن الفرنج بأرض القدس قد نزلت‏ * * * لا تغفلنّ، فأرض القدس بغداد

و فى نسخة:

إن الفرنج بحصن الطّور قد نزلوا * * * لا تغفلنّ، فحصن الطّور بغداد

____________

(1) بيناه من قبل. و هو جبل على مقربة من طبرية. كان الملك المعظم عيسى بن الملك العادل قد بنى عليه قلعة حصينة أنفق عليها أموالا جمة. و لكن لما هاجمها الفرنج بعد ذلك أمر الملك العادل بهدمها- على ما سيجي‏ء فى المتن.

80

ذكر قصد الفرنج جزين‏ (1) و قتلهم‏

قال: و لما انفصل الفرنج، قصد ابن أخت الهنكر (2) جبل صيدا و قال: لا بدّ لى من أهل هذا الجبل. فنهاه صاحب صيدا، و قال إن أهله رماة، و بلده وعر. فلم يقبل قوله. و صعد فى خمسمائة من أبطال الفرنج إلى مدين- و هى ضيعة الميادنة (3) بالقرب من مشغرا (4)- فأخلاها أهلها.

و نزلها الفرنج و ترجّلوا عن خيولهم للراحة. فتحدرت عليهم الميادنة من الجبال، فأخذوا خيولهم و قتلوا عامتهم. و أسروا ابن أخت الهنكر. و هرب من بقى منهم نحو صيدا.

و كان معهم رجل‏ (5) يقال له الجاموس، كانوا أسروه من المسلمين، فقال لهم أنا أعرف إلى صيدا طريقا سهلا أوصلكم إليها. فقالوا: إن فعلت أغنيناك. فسلك بهم أودية و عرة، و المسلمون خلفهم يقتلون و يأسرون،

____________

(1) هذا اللفظ لم يكن واضحا فى (ع)، و الضبط هنا حسب ما يوجد فى‏ Gronsset .Histoiredes Croissnde III ;P . 205 ..

(2) أى ابن أخت ملك «الهنكر» و هذه هى الصيغة العربية لكلمة)Hangary( و هى المجر، أى بلاد أو أهل المجر.

و ذكر «زيادة» فى السلوك أن ملك الهنكر هذا كان هوAndreII ;AoideHongrie )السلوك: ج 1- ص 187)

(3) سكان أو أهل «مدين» مع تحريف فى النطق.

(4) قرية من قرى دمشق، من ناحية البقاع.

و قرية على سفح جبل لبنان- (بالفتح ثم السكون و غين معجمة وراء) (نقول: و الأخيرة هى المقصودة هنا) (معجم البلدان: ج 8- 64) و قد ضبطناها كما ذكر ياقوت. أما فى (ك) فقد ذكرت: مسعرا أو مسفرا.

(5) فى النسختين: (و كان معهم رجلا)! و هذا مثل من الأخطاء التى أشرنا إليها.

81

ففهموا أن الجاموس قصد ذلك، فقتلوه. و لم يفلت منهم إلى صيدا غير ثلاثة، و كانوا خمسمائة. و جاءوا بالأسرى إلى دمشق، و كان يوما مشهودا.

و فى هذه السنة، احترق مسجد الحسين بالقاهرة.

و فيها، توفى قاضى القضاة جمال الدين أبو القاسم: عبد الصمد بن محمد بن أبى الفضل، الأنصارى الحرستانى‏ (1) و كانت وفاته بدمشق فى رابع ذى الحجة، و دفن بقاسيون. و مولده فى سنة عشرين و خمسمائة.

و أعيد القاضى زكىّ الدين إلى القضاء، بعد وفاته.

و استهلت سنة خمس عشرة و ستمائة:

ذكر تخريب حصن الطّور (2)

فى هذه السنة استدعى السلطان الملك العادل ولده الملك المعظم، و قال له: إنك قد بنيت هذا الطّور، و هو يكون سبب خراب الشام، و قد سلّم اللّه تعالى من كان فيه من أبطال المسلمين، و السلاح و الذخائر. و أرى من المصلحة خرابه، ليتوفر من فيه من المسلمين و العدد على حفظ دمياط، و أنا أعوضك عنه. و كانت دمياط قد حوصرت- على ما نذكره. فتوقف الملك المعظم، و بقى أياما لا يدخل على أبيه العادل. فبعث إليه و أرضاه بمال، و وعده ببلاد بالديار المصرية. فأجاب، و بعث فنقل ما كان فيه من العدد و الذخائر إلى القدس و عجلون و الكرك، و دمشق، و هدمه.

____________

(1) سبق شرح هذه النسبة، و أنها إلى (حرستا) بغوطة دمشق.

(2) هذا هو الطور بقرب طبرية بالأردن، الذى تحدثنا عنه.

82

ذكر وفاة السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر: محمد بن أيوب و شي‏ء من أخباره‏

كانت وفاته- (رحمه الله تعالى)- فى يوم الجمعة سابع جمادى الآخرة، سنة خمس عشرة و ستمائة، بعالقين‏ (1).

و ذلك أنه لما عرج عن الفرنج و قصد دمشق، أقام بظاهرها مدة و هو مريض. فلما بلغه أخذ برج السّلسلة بثغر دمياط، ضرب بيده على صدره، و انزعج، و حصل له من الغم ما أفضى به إلى الوفاة- (رحمه الله تعالى).

و مات، و له ست و سبعون سنة تقريبا. و ذلك أنه سئل عن مولده، فقال:

ولدت سنة فتوح الرّها. و ذلك فى سنة تسع و ثلاثين و خمسمائة. و قيل كان مولده ببعلبك، لما كان والده فى خدمة الملك العادل: نور الدين الشهيد.

و مدة ملكه تسع عشرة سنة (2)، و أربعين يوما. و لما مات لم يشعر بوفاته غير كريم الدين الخلاطى. و كان ولده الملك المعظم عيسى بنابلس.

و كان قد التقى مع الفرنج على القيمون‏ (3) فى هذا الشهر، فانتصر عليهم،

____________

(1) قرية بظاهر دمشق.

(زيادة: السلوك: ج 1- ص- 19)

(2) فى النسختين (ك) و (ع) «تسعة عشر سنة».

(3) حصن قرب الرملة، من أعمال فلسطين.

(معجم البلدان: ج 7- 199)

83

و قتل منهم مقتلة عظيمة، و أسر من الدّاويّة (1) مائة فارس، و أدخلهم القدس منكّسة أعلامهم. و أقام بنابلس. فكتب إليه على جناح طائر يعلمه بالخبر، فجاء يوم السبت إلى عالقين. فاحتاط على الخزائن، و صبّر أباه العادل و كتم موته، و جعله فى محفّة (2)، و عنده خادم يروح عليه، و رفع طرف سجاف المحفّة و أظهر أنه مريض. و دخلوا به إلى دمشق فى يوم الأحد، و الناس يشيرون إلى من بالمحفّة بالخدمة و السلام، و الخادم يومئ إلى جهة السلطان، كأنه يخبره بمن يسلم عليه، و دخلوا به إلى قلعة دمشق.

قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة، و شمس الدين أبو المظفر سبط ابن الجوزى، فى تاريخهما: و من العجائب أنهم طلبوا له كفنا فلم يقدروا عليه، فأخذوا عمامة النّجيب الفقيه ابن فارس فكفنوه بها، و أخرجوا قطنا من مخدّة فلفوه به، و لم يقدروا على ما يحفرون به، فسرق كريم فأسا من الخندق فحفروا له به. و دفن بقلعة دمشق، إلى أن بنى له القبة المجاورة لمدرسته، فنقل إليها فى سنة تسع عشرة و ستمائة. و حصل لابنه الملك المعظم وهم، فلما دفن السّلطان قام قائما، و شقّ ثيابه و لطم على رأسه و وجهه.

____________

(1) الداوية، أو الديوية. سيرد ذكرهم أيضا فى المتن فيما بعد. و يردون فى مراجع تاريخ الحروب الصليبية. و هذا الاسم الذى أطلقه المسلمون على الطائفة التى عرفت فى أوروبا باسم «فرسان المعبد»)The Tem Plars( و هى طائفة دينية من متزهبين تخصصوا لحرب المسلمين فى الحروب الصليبية فأصبحت فرقة حربية، كانوا أشد المحاربين تعصبا و أكثرهم قوة و ضراوة. و معهم طائفة أخرى، سيرد ذكرها فيما بعد، سميت (الإسبتارية).

(2) المحفة: بالكسر: مركب للنساء كالهودج، إلا أنها ليست لها قبة.

84

و اشتهرت وفاته بعد دفنه. و عمل عزاؤه ثلاثة أيام، و صلى عليه فى غالب مدن الإسلام. و نودى ببغداد: من أراد الصلاة على الملك العادل الغازى، المجاهد فى سبيل اللّه، فليحضر إلى جامع القصر. فحضر الناس و صلّوا عليه صلاة الغائب. و لم يتأخر غير الخليفة. و تقدموا إلى خطباء الجوامع بأسرهم، فصلوا عليه بعد صلاة الجمعة.

و كان- (رحمه الله)- قد امتد ملكه و اتسعت ممالكه. و كان ثبتا حازما، حسن التدبير صفوحا، يدبّر الملك و الممالك على الوجه المرضى، متمسكا بأوامر الشرع الشريف و نواهيه، منفذا للأحكام الشرعية، عادلا مجاهدا عفيفا، كثير الصّدقة، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر. طهّر جميع ممالكه من الخمور و الفواحش بأسرها، و أسقط كثيرا من المكوس و المظالم. و كان الذى يتحصّل من هذه الجهات بدمشق خاصة مائة ألف دينار، فأبطل ذلك.

و شدّد فى أمر الخمر، و منع من دخوله إلى دمشق- (رحمه الله تعالى).

ذكر تسمية أولاد السلطان الملك العادل و ما استقر لهم من الممالك و الإقطاع‏

كان له (رحمه الله تعالى) من الأولاد الذكور سبعة عشر، و هم:

الملك الكامل، ناصر الدين محمد، ملك الديار المصرية. و الملك المعظم: شرف الدين عيسى، صاحب دمشق و البيت المقدس، و الكرك‏ (1)

____________

(1) قلعة كانت شهيرة فى الحروب الصليبية، و هى تقع فى طرف الشام إلى الجنوب من «البحر الميت» فى الجبال، بين أيلة و البحر الأحمر (خليج العقبة) و البيت المقدس. و هى حصينة جدا على سن جبل عال، تحيط بها الأودية العميقة من كل الجهات، ما عدا جهة واحدة هى المتصلة بقرية صغيرة بجوارها.

(معجم البلدان بتصرف)

85

و الشّوبك‏ (1)، و السواحل. و الملك الأشرف: مظفر الدين موسى، صاحب خلاط و ما والاها و حرّان و الرّها، و ما مع ذلك.

و الملك المظفر شهاب الدين غازى، صاحب ميّافارقين و ما والاها و الملك المظفّر شهاب الدين الحافظ أرسلان صاحب قلعة جعبر (2) و أعمالها.

و الملك العزيز: عثمان له بانياس و تبنين و أعمال ذلك، و عدة أماكن من بلد دمشق، مثل نوى‏ (3) و غيرها. و الملك الصالح: عماد الدين اسماعيل، له قلعة بصرى و أعمالها، و السواد جميعه- و هو و العزيز فى خدمة أخيهما الملك المعظم.

و الملك الفائز: إبراهيم، كان السلطان قد أقطعه الأعمال القوصية و الملك المفضل: قطب الدين، أقطعه السلطان أيضا الأعمال الفيّومية، فأقر الملك الكامل ذلك بأيديهما. و الملك المعز: مجير الدين يعقوب. و الملك الأمجد: تقى الدين أبو الفضائل عباس- عند أخيهما الملك الأشرف صاحب خلاط. و له أيضا غير هؤلاء: الملك القاهر: إسحاق، و خليل- و هو أصغرهم.

____________

(1) الشوبك: (بالفتح ثم السكون. كما ضبطه ياقوت): قلعة حصينة فى أطراف الشام بين عمان و أيلة و القلزم، قرب الكرك.

(2) هى على الفرات، بين بالس و الرّقّة. قرب صفّين.

(معجم البلدان: ج 3- 108)

(3) بلدة صغيرة من إقليم حوران، قريبة من دمشق.

(معجم البلدان: ج 8- 318)

86

و مات له من الأولاد- فى حياته- أربعة، و هم: شمس الدين مودود، والد الملك الجواد يونس. و الملك الأوحد: نجم الدين أيوب، الذى افتتح خلاط، كما تقدم. و الملك المغيث: محمود. و الملك الأمجد حسن- و هو شقيق الملك المعظم، و الملك العزيز.

و كان له عدة بنات، أجلهن ضيفة خاتون، والدة الملك العزيز، ابن الملك الظاهر صاحب حلب.

و لما مات السلطان الملك العادل، أقر ولده- الملك المعظم- أحوال دمشق، على ما هى عليه فى أيام والده، بقية جمادى الآخرة. فلما استهل شهر رجب، أعاد المكوس و أطلق الخمور و المنكرات، و ما كان والده السلطان قد أبطله. فقيل له فى ذلك، فاعتذر بقلة الأموال و قتال الفرنج.

ثم سار إلى بانياس، و راسل الأمير صارم الدين التبيني فى تسليم الحصون التى بيده، فأجاب إلى ذلك، و سلمها، فأخرب الملك المعظم بانياس و تبنين. و أعطى ما كان بيد أولاد الأمير فخر الدين جهاركس لأخيه الملك العزيز عثمان، و زوّجه ابنة (1) جهاركس. و نزل الأمير صارم الدين و ولده و أصحابه من الحصون، فأكرمهم الملك المعظم و أحسن إليهم، و أظهر أنه ما أخرب بانياس و تبنين، إلا خوفا من استيلاء الفرنج عليها.

____________

(1) فى النسخة (ك): و زوجة أبيه. و هو خطأ. فصححناه من النسخة (ع)، و بذلك استقام المعنى‏

87

ذكر أخبار السلطان الملك [الكامل‏] (1) ناصر الدين ابن السلطان الملك العادل سيف الدين، أبى بكر محمد بن أيوب‏

و هو السادس من ملوك الدولة الأيوبية بالديار المصرية.

ملك الديار المصرية بعد وفاة والده الملك العادل، فى جمادى الآخرة سنة خمس عشرة و ستمائة. و كان قبل ذلك ينوب عن والده بها كما تقدم.

و نحن نذكر أخبار الملك الكامل، و ما اتفق من الحوادث و الوقائع فى أيامه، بالديار المصرية: فى كل سنة نبدأ بذلك، ثم نذكر فى بقية السنة أخبار ملوك الشام من إخوته و غيرهم، و من توفى فيها من المشهورين، و نأتى بالسنة التى بعدها، على ما تقف عليه- إن شاء اللّه.

ذكر نزول الفرنج على ثغر دمياط

كان نزول الفرنج على ثغر دمياط فى يوم الثلاثاء، لثلاث خلون من شهر ربيع الأول، سنة خمس عشرة و ستمائة- و ذلك قبل وفاة الملك العادل، و هو اذ ذاك بمرج الصّفّر (2).

و نزلوا بالبر الغربى‏ (3). فخرج إليهم الملك الكامل بعساكره، و كتب إلى السلطان بالخبر. فأرسل إليه عساكر الديار المصرية التى كانت فى صحبته. و أقام الملك الكامل بثغر دمياط بظاهرها، و اتصل القتال بين الفريقين.

____________

(1) لم يوجد فى النسخة (ك)، و لكنه مثبت فى النسخة (ع). فهى أصح.

(2) بالقرب من دمشق.

(ياقوت: ج 8- 16).

(3) أى المقابل لمدينة دمياط.

88

فلما كان فى جمادى الأولى، ملك الفرنج برح السّلسلة- و هو بين دمياط و البر الغربى، فى وسط بحر النيل- و ذلك أنهم عملوا برجا من الخشب على بطسة (1) كبيرة، و أسندوه إلى البرج. و حصل القتال بين المسلمين المقيمين به و بين الفرنج، إلى أن ملكوه فى يوم السبت، ثامن الشهر.

ثم كانت وقعة كبيرة بين المسلمين و الفرنج. فلما كان فى شهر رمضان، عمل الفرنج مرمّة عظيمة (2)، و زحفوا بها فى بطسة، و قصدوا سور دمياط.

فأحرقها المسلمون. و غرق للفرنج‏ (3) فى هذا الشهر مراكب كثيرة، فى البحر الملح.

ذكر حوادث وقعت فى مدة حصار ثغر دمياط

كان مما اتفق فى مدة الحصار جباية التبرع من التجار، من أرباب الأموال و ذلك فى ذى القعدة، سنة خمس عشرة.

____________

(1) نوع من السفن. عرّفها فى (محيط المحيط) بأنها: «مركب للحرب أو التجارة» و قال إنها معربة عن الأسبانية. ج. بطس.

(السلوك ج 1- ص 77)

(2) المرمة: نوع من المراكب الحربية الكبيرة التى كانت مستعملة فى العصور الوسطى.

(مفرج الكروب ج 3- 260) (و السلوك ج 1- 189)

(3) فى النسخة (ك) العبارة: «و غرق الفرنج مراكب كثيرة» و لكن فى النسخة (ع): «و غرق للفرنج مراكب كثيرة». و هذا هو الصحيح.

89

و فى يوم الثلاثاء، سابع عشر من الشهر، رحل السلطان الملك الكامل عن ثغر دمياط، و تأخر إلى أشموم‏ (1).

و سبب ذلك أن الملك الفائز كان عند أخيه الملك الكامل بثغر دمياط، و كان الأمير عماد الدين بن المشطوب يكره الملك الكامل، فأراد القبض عليه، و إقامة الملك الفائز. فاتصل ذلك بالكامل، فارتحل عن دمياط ليلا، و ترك خيامه و خزائنه. فشعر المسلمون برحيله، فارتحلوا بأجمعهم، و تركوا أثقالهم و أموالهم. و أصبح الفرنج فلم يروا أحدا فى البر الشرقى. فظنوا أن ذلك مكيدة، فارتابوا. ثم حققوا الأمر، فلما اتضح لهم عدّوا بجملتهم، و كبسوا المنزلة (2) و نهبوا ما كان بها، و احتاطوا بدمياط برا و بحرا.

و كان السلطان قصد أن يتوجه إلى مصر، لخوفه من ابن المشطوب.

فأشار عليه بعض الأمراء بالإقامة على المنصورة، فاستقر بها. و ثارت الفتن بالديار من العربان، فكانوا على المسلمين أشد من الفرنج.

____________

(1) المقصود بها مدينة (أشموم طناح) و كانت عاصمة الدقهلية قبل المنصورة. و هى بقرب مدينة «دكرنس» الحالية، شمال شرقى المنصورة.

(2) المقصود بها «المنزلة» أى المحلة أو المكان، الذى نزل به السلطان الكامل قرب دمياط. و هى التى سميت المنزلة العادلية، نسبة إلى العادل، و هى على مسافة من دمياط. فليست هى المنزلة المعروفة اليوم المنسوبة إليها بحيرة المنزلة.

90

ذكر وصول الملك المعظم عيسى- صاحب دمشق و إخراج عماد الدين بن المشطوب و ما اتفق له بعد خروجه‏

كان وصول الملك المعظّم شرف الدين عيسى إلى المنصورة فى يوم الخميس، لليلة بقيت من ذى القعدة، من السنة. فاشتد به عضد أخيه الملك الكامل.

و لما وصل، شكى له ما يحذره من أمر عماد الدين بن المشطوب‏ (1).

فركب الملك المعظم و جاء إلى خيمة عماد الدين. فلما أخبر بذلك، قال لغلمانه قولوا له هو نائم! فذكروا ذلك للملك المعظم، فقال: ننتظره إلى أن يستيقظ، و ثنى رجله إلى عنق فرسه. فلما طال ذلك على عماد الدين، خشى عاقبة هذا الأمر. فخرج إليه و هو بغير خفّ، و قبّل يده. فقال له المعظم:

ليركب الأمير، حتى يحصل الاتفاق معه على نصب المجانيق على أطراف البحر.

____________

(1) هو الأمير أحمد، الملقب بعماد الدين، بن الأمير على سيف الدين الهكّارى. و عرف الأب هذا باسم «المشطوب» بسبب شطبة: أى أثر جرح كان فى وجهه، أصيب به فى بعض الغزوات. و سيف الدين هذا كان من كبار الأمراء فى دولة السلطان صلاح الدين، لأنه كان زعيم الأكراد الهكارية (من جبل هكار).

و كان بطلا شجاعا. اشترك مع صلاح الدين فى حروبه، و كان قائد عكا فى أثناء الحصار. و أقطعه السلطان «نابلس». و كانت وفاته فى سنة 588. فخلفه ابنه (أحمد) هذا الذى عرف بابن المشطوب. و الذى لعب هذا الدور المشئوم فى التاريخ، الذى يتحدث عنه المتن.

91

فلما ركب، سايره الملك المعظم و شغله بالحديث حتى أحاط به عسكر المعظم. ثم نظر إليه نظرة مغضب، و قال له: لما مات السلطان الملك العادل كان من أولاده من اسمه: عماد الدين بن المشطوب؟! قال: اللّه اللّه، يا مولانا! فأمر بإنزاله عن فرسه فأنزل. و حمل على بغلة إلى أشموم.

و لما أمر الملك المعظم بسفره، اعتذر أن لا نفقة معه، و سأل الرجوع إلى خيمته ليلبس خفّه، و يأخذ نفقة. فأعطاه الملك المعظم خمسمائة دينار، و قال له: جميع ما تخلّف من أموالك و أثقالك و دوابك يصل إليك. ثم رجع المعظم إلى خيمة ابن المشطوب، فجهز إليه خيله و أثقاله و غلمانه، و جميع ما يتعلق به، فلحقوه إلى الشام.

و وصل ابن المشطوب إلى دمشق، ثم إلى حماه و أقام بها. فبعث إليه الملك الأشرف منشورا، بأرجيش‏ (1) ببلاد خلاط، و زيادة. و بعث إليه بالخلع. فتوجه إلى خدمته، فأكرمه و أحسن إليه. فصار يركب بالشّبّابة (2)، و يمشى مشى الملوك.

ثم خرج عن طاعة الملك الأشرف، فى سنة سبع عشرة. و عاث فى أرض سنجار، و ساعده صاحب ماردين. فسار إليه الملك الأشرف، و نزل على دنيسر (3). و جاء الملك الصالح، فأصلح بين الأشرف صاحب‏

____________

(1) مدينة قديمة من نواحى أرمينية الكبرى، قرب خلاط. و أكثر أهلها أرمن نصارى.

(المعجم: ج 1- 181)

(2) آلة كالبوق، ينفخ فيها أمام السلطان أو الأمير فى المواكب، كما يفهم من عبارة للمقريزى فى وصف موكب السلطنة.

(الخطط: ج 2- 209)

(3) بلدة عظيمة مشهورة، من نواحى الجزيرة، قرب ماردين. بينهما فرسخان. و لها اسم آخر، يقال لها: قوج حصار. و ليس بها نهر جار، إنما شربهم من آبار عذبة طيبة، و أرضها حرة و هواؤها صحيح (معجم البلدان: ج 4- 94)

92

ماردين. و دخل ابن المشطوب إلى تل أعفر (1). فسار إليه فارس الدين بن صيره من نصيبين، و بدر الدين لؤلؤ من الموصل، و حصراه بها. فاستنزله الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ بالأمان، و حمله معه إلى الموصل، ثم قيده و بعث به إلى الملك الأشرف. فاعتقله بالجب فمات بالجوع و القمل. و كانت وفاته فى سنة تسع عشرة و ستمائة. على ما نذكره.

ذكر وصول الصاحب صفى الدين بن شكر و وزارته‏

و فى مستهل ذى الحجة، سنة خمس عشرة و ستمائة، قدم الصاحب صفى الدين بن شكر من آمد، و كان السلطان قد استدعاه. فلما قدم، ركب إليه و تلقاه و أكرمه و ذكر له السلطان ما يحتاج إليه من الأموال و الكلف، فالتزم له بتحصيل ذلك. و شرع فى مصادرات أرباب الأموال و التجار و الأكابر. و قرر التبرع على الأملاك، و أحدث حوادث كثيرة. و جبى الأموال، حتى من الساسة و الصوانع و المغانى و معلمى المكاتب، و غيرهم.

و استهلت سنة ست عشرة و ستمائة:

فى مستهل المحرم منها، أمر السلطان بخروج أهل مصر و القاهرة، لقتال الفرنج. فخرج الناس. و أقام الصاحب بالقاهرة إلى سابع عشرين من شهر

____________

(1) هذا هو الشائع أما الخواص فيقولون؟؟؟ يعفر. اسم قلعة و ربض. بين سنجار و الموصل. فى وسط واد فيه نهر جار و هى على جبل منفرد حصينة محكمة. و بها نخل كثير يجلب رطبه إلى الموصل (المعجم ج 2- 402)

93

رمضان، سنة ست عشرة. فاستدعاه السلطان و استوزره، و صرفه.

و احتجب الملك الكامل من الناس بعد ذلك. و كان قبل ذلك يركب بنفسه، و يستحث العوام على جهاد الفرنج.

ذكر خراب القدس‏

كان ابتداء الخراب بالقدس فى بكرة يوم الأحد سابع المحرم، سنة ست عشرة و ستمائة.

و سبب ذلك أن الملك المعظم لما توجه إلى أخيه الملك العادل، بلغه أن طائفة من الفرنج قد عزموا على قصد القدس. فاتفق مع جماعة من الأمراء على إخرابه. و قال: قد خلا الشام من العساكر، فلو أخذه الفرنج حكموا على دمشق و بلاد الشام. فأمر بإخرابه. و كان بالقدس الملك العزيز عثمان، و عز الدين أيبك أستاذ الدار.

و وقع فى البلد ضجة عظيمة. و خرج الناس أجمع، حتى البنات المخدّرات و العجائز و الشيوخ و غيرهم، إلى الصخرة و الأقصى، فقطعوا شعورهم و مزقوا ثيابهم. و خرجوا على وجوههم و تركوا أموالهم. و امتلأت بهم الطرقات، فمنهم من توجه إلى الديار المصرية، و منهم من توجه إلى الكرك، و بعضهم إلى دمشق. و صار البنات المخدرات يمزقن ثيابهن، و يلففنها على أرجلهن، من الحفا. و مات خلق كثير من الجوع و العطش. و نهب ما كان لهم بالقدس، حتى بيع القنطار الزيت بالقدس بعشرة دراهم، و رطل النحاس بنصف درهم.

94

و أكثر الشعراء القول فى ذلك، فقال بعض أهل العلم- يشير إلى الملك المعظم- من أبيات:

فى رجب حلّل الحميّا * * * و أخرب القدس فى المحرّم!

ذكر استيلاء الفرنج على دمياط

كان استيلاء الفرنج على ثغر دمياط فى يوم الثلاثاء، لخمس بقين من شعبان سنة ست عشرة- و قيل لثلاث بقين منه.

و ذلك أنهم كانوا قد أحاطوا بها برا و بحرا، و منعوا الميرة عن أهلها، حتى هلكوا من الجوع، و مات أكثرهم. و عدمت الأقوات، و غلت الأسعار حتى بيع السكر بزنته ذهبا، و الدجاجة بثلاثين دينارا، و البيضة بدينار، و بيعت بقرة بألف و ستمائة دينار، و اشترط البائع أن يكون له بطنها و رأسها، فباع ذلك بمائة دينار و أربعة عشر دينارا مصرية- على ما حكاه ابن جلب راغب فى تاريخه.

قال: فلما اشتد بهم ذلك، بذل لهم الفرنج الأمان على أنهم يخرجون منها و يتسلمها الفرنج، فأجابوه إلى ذلك، و خرج الناس منها. و بقى من عجز عن الحركة، فأسرهم الفرنج، و حملوا فى المراكب إلى عكا. فكانت مدة الحصار على ثغر دمياط ستة عشر شهرا، و اثنين و عشرين يوما. و كان السلطان إذا أراد أن يرسل إلى دمياط أرسل العوامين، فيحملون الكتب و يغطسون فى الماء، و يطلعون من تحت سور دمياط. فلما أحسن الفرنج بذلك، عملوا شباكا و خطاطيف من دمياط إلى البر الغربى، و ثبتوا ذلك فى‏

95

المراكب. فصار العوّام إذا غطس فى الماء وقع فى الشباك أو الخطاطيف، فيأخذونه فلا يكاد يفوتهم عوّام، و يقتلون من يجدونه. فامتنع الدخول إليها.

و لما استولى الفرنج على ثغر دمياط، أشار السلطان الملك الكامل على أخيه الملك المعظم بالعود إلى الشام، و غزو الفرج من تلك الجهة، و استجلاب العساكر من بلاد الشرق.

ذكر عود الملك المعظم شرف الدين عيسى إلى الشام و ما اعتمده‏

قال الشيخ أبو المظفر: يوسف، سبط بن الجوزى فى تاريخه:

لما استولى الفرنج على ثغر دمياط، كتب إلىّ الملك المعظم كتابا بخطه، يخبرنى بما جرى على أهل دمياط من الكفر، و يقول: إنى كشفت ضياع الشام فوجدتها ألفى ضيعة: ألف و ستمائة أملاك لأهلها، و أربعمائة سلطانية (1). و كم مقدار ما تقوم هذه الأربعمائة من العساكر؟ و أريد أن يخرج الدماشقة، ليذبوا عن أملاكهم- الأصاغر منهم و الأكابر- و يكون لقاؤنا و هم فى صحبتك إلى نابلس، فى وقت سمّاه.

____________

(1) أى من أملاك السلطان.

96

قال: فجلست فى جامع دمشق، و قرأت كتابه عليهم، فأجابوا بالسمع و الطاعة فلما حلّ ركابه بالساحل وقع التقاعد من الأماثل، فأوجب ذلك أخذ الثّمن و الخمس من أموالهم، مؤاخذة لهم. قال: و خرجت أنا إليه بالساحل و هو نازل على قيساريّة (1)، فأقام بها حتى فتحها عنوة، و فتح غيرها. و عاد إلى دمشق.

ذكر وفاة ست الشام ابنة أيوب و ايقافها أملاكها، و تفرقة أموالها، و ما فعله الملك المعظم مع قاضى الشام، بسبب ذلك‏

و فى هذه السنة فى ذى القعدة، كانت وفاة ست الشام بنت أيوب:

أخت السلطان الملك الناصر صلاح الدين، و الملك العادل. و هى شقيقة الملك المعظم: شمس الدولة تورانشاه، و سيف الاسلام‏ (2): ابنى أيوب.

و كانت سيدة الخواتين. و هى التى ينسب إليها المدرستان، بدمشق و ظاهرها، إحداهما قبلى البيمارستان النّورى، و الأخرى ظاهر دمشق بالعوينة. و تعرف أيضا بالحسامية، نسبة إلى ابنها حسام الدين بن‏

____________

(1) بلد على ساحل بحر الشام. تعد فى أعمال فلسطين. بينها و بين طبرية ثلاثة أيام. و هناك قيسارية أخرى فى بلاد الروم.

(معجم البلدان: ج 7- 195) و المعنى الأول هو المقصود هنا.

(2) أى: طغتكين.

97

لاجين‏ (1)- و كانت دفنته بها. و دفنت هى معه فى قبره. و هو القبر الذى يلى الباب القبو من القبور الثلاثة. و القبلىّ قبر تورانشاه بن أيوب، و الأوسط قبر ابن عمها: ناصر الدين محمد بن شيركوه بن شادى- و كان قد تزوجها بعد لاجين.

و كانت- (رحمها الله)- كثيرة الصدقة و البر. و كانت تصنع الأشربة و الأدوية و المعاجين و العقاقير، فى كل سنة بألوف دنانير، و تفرقها على الناس. و كانت ست الشام، و أختها ربيعة خاتون، محرما على نيف و ثلاثين ملكا و سلطانا.

و كان الملك المعظم يتهمها أن عندها من الجواهر ما لا يحصى قيمته.

و أن ذلك اتصل إليها مما كان بالقصور بالقاهرة. و كان كثير الإحسان إليها و البر بها، و يمنعها من الخروج من دمشق. و يظهر أن ذلك برأيها. و يرجو وفاتها عنده، ليستولى على أموالها و أملاكها، فاتفقت وفاتها و هو بالصيد.

و لما مرضت، جاء وكيلها ابن الشيرجى إلى قاضى القضاة: زكى الدين، و طلبه إليها بدارها. فأخذ معه أربعين عدلا من أعيان دمشق، فشهدوا عليها أنها أوقفت أملاكها على مدرستها، و وجوه البر و أنواع القربات، و جعلت دارها مدرسة و وقفت عليها وقوفا، و أبرأت جواريها و خدمها و وكلاءها. و ماتت بعد ذلك. و أسندت وصيتها إلى القاضى. فعاد

____________

(1) هو محمد بن عمر بن لاجين، و هو ابن أخت صلاح الدين، كان فى القافلة العائدة من الحج التى كان يخشى أن يتعرض لها صاحب الكرك (أرناط)، مما دعا صلاح الدين للخروج إلى هذه الجهة قبل موقعة حطين الفاصلة. و توفى حسام الدين فى عام 587

98

السلطان من الصيد، فوجد الأمر قد مضى على ذلك. فتألم لوقوعه، و أنكر على القاضى، و قال: يحضر إلى دار عمتى من غير إذنى، و يسمع كلامها، هو و الشهود!.

ثم اتفق بعد ذلك أن القاضى طلب جابى أوقاف المدرسة العزيزيّة (1)- و هو سالم بن عبد الرازق، خطيب عقربا (2)- أخو المؤيد العقربانى- و طلب منه حسابها، فأغلظ له فى القول. فأمر القاضى بضربه، فضرب بين يديه، كما تفعل الولاة.

فوجد الملك المعظم سبيلا إلى إظهار ما عنده، فأرسل إلى القاضى بقجة، و هو فى مجلس حكمه، و فى مجلسه الجمال المصرى وكيل بيت المال، و جماعة كثيرة من العدول و المتحاكمين، فجاءه الرسول، و قال للقاضى: السلطان يسلم عليك و يقول لك: الخليفة- سلم اللّه عليه- إذا أراد أن يشرف أحدا من أصحابه خلع عليه من ملابيسه، و نحن نسلك طريقه! و قد أرسل إليك من ملابيسه، و أمر أن تلبسها فى مجلسك هذا،

____________

(1) من أشهر مدارس دمشق فى ذلك الوقت. أسسها الأفضل بن صلاح الدين، و لكن أتمها أخوه العزيز عثمان و وقف عليها أوقافا كثيرة. فنسبت إليه. و درس فيها عدد من العلماء الكبار.

(2) اسم أيضا لمدينة الجولان. و هى كورة من كور دمشق. كان ينزلها ملوك غسان.

(ياقوت: ج 6- 194)

99

و أنت تحكم بين الناس. و كان الملك المعظم أكثر ما يلبس قباء (1) أبيض، و كلّوتة صفراء (2). و فتح الرسول البقجة. فلما نظر القاضى إلى ما فيها وجم!.

قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: فأخبرنى الرسول الذى أحضر هذه الخلعة و الرسالة بذلك، قال: و كان السلطان قد أمرنى أن ألبسه إياها بيدى، إن امتنع أو توقف. فأشرت عليه بلبسها، و أعدت عليه الرسالة.

فأخذ القباء و وضعه على كتفه، و وضع عمامته بالأرض و لبس الكلّوتة الصفراء على رأسه، ثم قام و دخل بيته إثر هذه الحادثة، و رمى كبده و مات. و يقال أن ذلك كان فى يوم الأربعاء، سابع عشرين شهر ربيع الأول سنة سبع عشرة و ستمائة.

و فوّض السلطان قضاء الشام بعده للجمال المصرى‏ (3) وكيل بيت المال، و ذلك فى شهر رجب سنة ثمان عشرة و ستمائة.

قال أبو المظفر سبط ابن الجوزى: و كانت حركة قبيحة و واقعة شنيعة، لم يجر فى الإسلام أقبح منها. و كانت من غلطات الملك المعظم. قال و لقد قلت له: ما فعلت إلا بصاحب الشرع، و لقد وجبت عليك دية القاضى.

فقال: هو أحوجنى إلى هذا. و لقد ندمت.

____________

(1) ثوب يلبس فوق الثياب، أو المعطف.

(2) الكلوتة- بلام مشددة- (لفظة فارسية) و هى غطاء للرأس مثل الطاقية، من الصوف المضرب بالقطن أو من الجوخ، كان يلبسها السلاطين و الأمراء الأيوبيون ثم المماليك. وردت إلى مصر مع الأيوبيين.

(انظر صبح الأعشى ج 4- 5 و 6 و السلوك- زيادة ج 2- 493)

(3) سبقت ترجمته. و سيذكره المؤلف أيضا فى المتن عند (سنة 623).

100

و اتفق أن الملك المعظم بعث إلى شرف الدين بن عنين الشاعر (1)- حين تزهّد- خمرا و نردا، و قال: سبّح بهذا- إشارة إلى أن زهده ليس حقيقة! فكتب إليه ابن عنين:

يا أيها الملك المعظم، سنّة * * * أحدثتها، تبقى على الآباد

تجرى الملوك على طريقك بعدها * * * : خلع القضاة و تحفة الزّهّاد

و فى هذه السنة، توفى الشيخ جلال الدين أبو محمد: عبد اللّه بن نجم ابن شاس بن نزار، بن عشائر بن عبد اللّه بن محمد بن شاس، الجذامى السّعدى: الفقيه المالكى. و كان عالم مذهب مالك فى زمانه. و صنّف فى مذهب مالك كتابا نفيسا، سماه: «الجواهر الثمينة فى علم صاحب المدينة». فانتفع به المالكية انتفاعا كثيرا. و كان مدرّسا بمدرسة المالكية بمصر، المجاورة للجامع. ثم توجه إلى ثغر دمياط بنيّة الجهاد، فتوفى هناك فى جمادى الآخرة، أو رجب، سنة ست عشرة و ستمائة- (رحمه الله تعالى).

و فيها، توفى بالقاهرة القاضى: جمال الدين أبو الحسن على، ابن القاضى شرف الدين أبو المعالى شكر، بن القاضى كمال الدين أبو السّعادات: أحمد بن شكر، الشافعى- (رحمه الله تعالى).

____________

(1) هو أبو المحاسن «محمد بن نصر الدين» الشاعر المشهور. انظر ترجمته فى وفيات الأعيان لابن خلكان (ج 4- ص 106 و ما بعدها).

101

و استهلت سنة سبع عشرة و ستمائة:

فى هذه السنة، كانت وقعة البرلّس‏ (1): بين السلطان الملك الكامل و الفرنج. و كانت من الوقعات العظيمة، المشهورة. قتل من الفرنج فيها عشرة آلاف. و غنم المسلمون خيولهم و سلاحهم. فرجعوا إلى دمياط.

و فيها أخذ ابن حسّون- مقدّم الشّوانى‏ (2) الإسلامية- للفرنج إحدى عشرة حرّاقة (3)

____________

(1) ضبطها ياقوت «بفتحتين و ضم اللّام المشددة». و هى «بليدة على شاطئ نيل مصر، قرب البحر من جهة الإسكندرية.

(معجم البلدان: ج 2- 153) كانت البرلس من الثغور المصرية الواقعة على شاطئ البحر المتوسط بين دمياط و رشيد، و إليها نسبت بحيرة البرلس الواقعة شمال الغربية. و يطلق اسم البرلس أيضا على المنطقة الساحلية المعروفة بإقليم البرلس. لكن الدولة الأيوبية بنت قلعة بقرية البرلس على شاطئ البحر، فبعد ذلك عرفت قرية البرلس باسم «البرج» و اختفى اسمها الأصلى. إلا أن البرلس لا تزال علما على إقليم البرلس و لا تزال البحيرة تحمل اسمها.

(النجوم الزاهرة: ج 6- 248).

(2) جمع «شينى»، أو «شينية»، و هى نوع من السفن الحربية فى مصر. و يظهر أن الشوانى كانت أكبر السفن الحربية فى مصر و أكثرها استعمالا (السلوك- زيادة: ج 2- 306- حاشية 2) راجع (الخطط للمقريزى: ج 2- 194- 195)

(3) نوع من السفن الحربية التى كانت تستعمل فى ذلك العصر، و كانت تستخدم لحمل الأسلحة النارية و كان بها مرام تلقى منها النيران على العدو.

(السلوك: ج 2- 306- حاشية 3) و هناك نوع آخر من الحراقات كان يستعمل فى الأغراض المحلية كالتنزه أو حمل الأمراء- كما يفهم من المقريزى (ج 2- 194- 195). لكن ليس هو المقصود هنا

102

و فيها فى يوم الاثنين، السابع عشر من جمادى الآخرة، احترق بمدينة قوص، بظاهرها- خان الأمير مجد الدين مكرم بن اللمطى. و عدم للتجار فيه ما يقارب قيمته خمسمائة ألف دينار.

و كان متولى الأعمال القوصية، يومئذ، الأمير سيف الدين: سنقر الدّوادار العادلى. فكتب الأديب الفاضل: نجم الدين عبد الرحمن ابن وهيب القوصى‏ (1)، عن المتولى، كتابا إلى السلطان الملك الكامل، يخبره بهذه الحادثة، و هو:

«المملوك يقبّل الأرض بالمقام العالى، المولوىّ السلطانى، الملكى الكاملى الناصرى: غياث الاسلام، سلطان الأنام، ولىّ النعمة، كاشف غياهب الغمّة، جامع فضيلتى السيف و القلم، و رافع زينتى العلم و العلم- لا زالت آيات ملكه باهرة، و نجوم خرصانه‏ (2) فى سماء العجاج‏ (3) زاهرة، و وجوه أوليائه ناضرة، إلى ربها ناظرة و وجوه أعدائه ساهية ساهرة، تظنّ أن يفعل بها فاقرة (4)

____________

(1) سيذكر المؤلف نبذة عنه سنة وفاته (سنة 632)، و يصفه بأنه «كان أديبا فاضلا».

(2) جمع خرص- بضم الخاء. و هو «القناة و السنان» أو «خرص» بالفتح، و هو «الرمح». و المعنى الأول هو الأنسب، لأن الأسنة هى التى تلمع.

«القاموس المحيط»

(3) العجاج: الغبار و الدخان- كما جاء فى القاموس.

و المراد به هنا: غبار المعارك فى الحرب، أى الحرب.

(4) الفاقرة: الدّاهية.

«القاموس المحيط»

103

و ينهى وقوع الكائنة التى عظم مصابها و أصاب عظيمها، و آلم موجعها و أوجع أليمها، و سقم بها من القلوب صحيحها، و صحّ بها من الخطوب سقيمها. و أحالت الأفكار فى ميدان الفكرة، و أطلق من الألسن و الأعين عنان العبرة و العبرة. و هى حلول النار بالخان، الذى أنشأه الأمير مجد الدين مكرم بن اللّمطي بظاهر مدينة قوص و هذا الخان المذكور، قد كان محطا للرفيق و مجتمعا للسّفّار، يأتون إليه من كل فجّ و طريق، خصوصا الكارم‏ (1) الإسكندرى- عوّضهم اللّه أموالهم، و بلّغهم آمالهم- فلا ينزلون بغيره منزلا، و لا يختارون سواه حصنا و موئلا. و إذا حل به أحدهم فكأنه ما فارق وطنه. يتخيّرون منازله و غرفه، و يهرعون إليه كما يهرعون ليوم عرفة.

فاتفق لقضاء اللّه السابق و قدره اللاحق، و إظهار ما كان من مغيّبه مستورا، و تلاوتهم كان ذلك فى الكتاب مسطورا- فاتفق يوم الاثنين السابع عشر من جمادى الآخرة، أن خطبت على أعاليه ألسن النّيران، و اسودّ الفضاء المشرق لتتابع الدّخان. و عاين أهله الهلاك، و جاءهم الموت من كل مكان. فلم يلبثوا إلا ساعة من نهار، و قد احدقت بهم النار إحداق الأجفان بالأحداق و استدار عليهم اللهب استدارة الأطواق بالأعناق. و تلالهم لسان القدر: ما عندكم ينفد و ما عند اللّه باق.

____________

(1) يقصد تجار الكارم من أهل الإسكندرية الذين كانوا ينزلون بقوص.

و قد ذكر «القلقشندى» بين الوظائف الديوانية: وظيفة نظر البهار و الكارمى. قال: و موضوعها التحدث على واصل التجار الكارمية من اليمن من أصناف البهار و أنواع المتجر. و هى وظيفة جليلة.

فهؤلاء كانوا هم التجار فى التوابل و الأفاوية و العنبر، و ما إلى ذلك. و كان لتجارتهم شأن كبير. و كانت هذه التجارة تصل من اليمن و عدن و الهند.

(صبح الأعشى:- 4- 32)

104

و زحفت الخطوب إليه زحفا، و صار للوقت دكا دكّا. و الناس حوله صفّا صفّا. هذا، و لسان النار يقول: هل من مزيد؟ و مدامع الخلق تهمى و تزيد، فعلت الأصوات عند ذلك بالدعاء، و كاد اللهب يخمد من جريان ماء البكاء، و شهد الناس منه اليوم المشهود. و هبّت الأرياح فلم تخمد للأرواح ضراما، و خالفت هذه النار نار الخليل‏ (1)، فلم تعقب بردا و سلاما! فكلّ مالك لموضع صار فيه «مالكا (2)». و كلّ ذى حال حسنة حاله حالكا. فمن فائز بنفسه دون نفائسه، و من راغب فى هربه لشدة رهبه، و من آبق‏ (3) بمرده‏ (4) دون أهله و ولده. قد لزم كل منهم ما يعنيه، و عمل بقوله عز و جل: «يوم يفرّ المرء من أخيه و أمه و أبيه و صاحبته و بنيه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه». فإنا لله و انا اليه راجعون، و لأمره طائعون.

لا صادف لمصادف قضائه، و لا صارف لصرف بلائه.

لم يبق هذا المصاب لهولاء القوم جلدا، و لم يؤخّر عنه حزنا و لا كمدا.

و كلّ أحد منهم يقول: أهلكت مالا لبدا (5). فكم من كريم كان يجزل الهبات فصار جديرا بأن يتصدّق بها عليه. و كم من مموّل كان يؤدى الزكاة فصار مستحقا بأن تصرف إليه. كانوا أعزّاء فى الغربة بأموالهم، فصاروا

____________

(1) إبراهيم- (عليه السلام).

(2) يقصد «مالكا» خازن النار.

(3) آبق: هارب.

(4) غلمانه.

(5) «مالا لبدا»: أى كثيرا.

«التبدت الشجرة: كثرت أوراقها» «القاموس»