نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج29

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
495 /
105

أذلّاء فى المواطن لإقلالهم. لم يخلص لهم إلا النّزر اليسير، و الشى‏ء الحقير، و القليل من الكثير مقدار أزوادهم إلى مواطنهم، و كفافهم إلى وصول مساكنهم.

هذا، و لم يعلم السبب فى وقوع النار. فقال قوم: صاعقة سمائية، و قال قوم: آفة أرضية. و تزاحمت فى ذلك الظنون، و عند اللّه من علمه السّرّ المكنون. إلا أن المملوك أرسل عليه من الماء طوفانا، و أجرى اليه بحارا- و لا أقول غدرانا- إلى أن عاد غريقا بعد ما كان حريقا، و صار موردا بعد ما كان موقدا. و أصبح ماء ثجّاجا (1) بعد ما كان سراجا وهّاجا. و علموا أن المدفوع من بلاء اللّه أعظم، و قرءوا: «و لكن اللّه سلّم».

أنهى المملوك ذلك، ليطالح بخفىّ الأحوال و جليّها، حتى لا يخفى عن علمه السامى خافية- لا زالت أنوار المملوك بذلك المقام متوالية متلالية- إن شاء اللّه تعالى.

و فيها، فى العشر الآخر من شعبان، صرف قاضى القضاة تاج الدين ابن الخرّاط (2) عن القضاء، بمصر و الوجه القبلى.

و سبب ذلك أن إحدى بنات مرزوق العلائى تزوجت بإنسان علّاف اسمه داود، و هو غير كف ء لها. فاستدعاه السلطان إلى المنصورة، و عقد له‏

____________

(1) ثجّ الماء: سال. و الثّجيج: السيل. ثجّاجا: سيّالا، أو منهمرا.

(2) هو: عبد السلام بن على بن منصور الدمياطى المعروف بابن الخراط. ولد بدمياط، و رحل إلى بغداد فتفقه بها، و تميز فى الفقه و الخلاف، و رجع إلى بلده فأقام بها قاضيا مدرسا، ثم ولى قضاء مصر و الوجه القبلى.

ولد سنة 571 ه. و مات سنة 619 ه.

(حسن المحاضرة: ج 1- ص 172)

106

مجلسا و سلم المرأة لزوجها. و صرف القاضى عن الحكم، و صك الشهود.

و أضاف قضاء مصر و الوجه القبلى لقاضى القضاة: شرف الدين بن عين الدولة الصّفراوى. (1)

ثم ولى القاضى تاج الدين المذكور، بعد ذلك، قضاء دمياط و كان بها، إلى أن مات- (رحمه الله).

و فيها خرّبت صفد (2). ثم عمّرها الفرنج بعد ذلك، عند ما تسلموها من الملك الصالح إسماعيل- فى سنة ثمان و ثلاثين.

و فيها قتل صاحب سنجار (3) أخاه. فسار الملك الأشرف إليها، فأخذها و عوض صاحب سنجار الرّقّة (4) و فيها قصد مظفّر الدين بن زين الدين- صاحب إربل‏ (5)- الموصل.

فخرج إليه بدر الدين لؤلؤ، فهزمه زين الدين، فأفلت لؤلؤ وحده. فانتصر الملك الأشرف له، و نازل إربل. فبعث الخليفة إليه، فردّه عنها، و أصلح بين الملوك.

____________

(1) سيذكر المؤلف ترجمة له فى سنة وفاته (639 ه) و منها يعلم أنه كان من كبار القضاة.

(2) مدينة فى جبال عاملة المطلة على حمص بالشام، و هى من جبال لبنان.

(معجم البلدان: ج 2- 153)

(3) مدينة كبيرة بالجزيرة، فى قاعدة جبل، تبعد عن الموصل بمسيرة ثلاثة أيام. و هى مدينة طيبة عامرة.

(ياقوت: ج 5- 144)

(4) مدينة مشهورة على الفرات. معدودة من بلاد الجزيرة لأنها على جانب الفرات الشرقى، بينها و بين حران ثلاثة أيام.

(المرجع السابق: ج 4- 272)

(5) قلعة حصينة و مدينة كبيرة فى فضاء منبسط من الأرض، تعد من أعمال الموصل، و أكثر أهلها أكراد.

(ياقوت: معجم البلدان: ج 1- 172- 173)

107

و فى هذه السنة، كانت وفاة الملك الفائز: إبراهيم، بن الملك العادل.

و كان قد وافق الأمير عماد الدين بن المشطوب، و حلف له جماعة من الأمراء بالديار المصرية على الملك الكامل. و كاد أمره يتم. فاتفق من إخراج ابن المشطوب ما قدّمناه. و بقى الملك الكامل فى ضيق منه.

فيقال انه استشار الصاحب- صفى الدين بن شكر الوزير- فى أمره، فأشار بإرساله إلى الملوك ببلاد الشّرق، يستحثّهم على الحضور. فلما كانت واقعة البرلّس، قال السلطان الملك الكامل للملك الفائز: إن الملك المعظّم قد أبطأ علينا و الملك الأشرف، و ليس لهذا المهم سؤال، فتوجّه إلى أخيك الملك الأشرف، و عرّفه ما نحن فيه من الضائقة. فتوجه.

و كان الملك الأشرف على الموصل. فمرض الفائز بين سنجار و الموصل.

فمات- و قيل انه سمّ- فردّه من معه الى سنجار. فدفن عند تربة عماد الدين زنكى- (رحمهما الله تعالى).

و حكى ابن جلب راغب، فى وفاته، أن السلطان جهّزه إلى الملك الأشرف، باتفاق من الملك المعظم، و برأى الصاحب صفى الدين، و أنه.

جهز معه شيخ الشيوخ، فسقاه سمّا فى طريقه. فلما شعر الفائز به، قال له:

يا شيخ السّوء فعلتها بى! كل من هذا الذى أحضرته. فأكل منه، فماتا جميعا (1)

____________

(1) هذه الرواية تبدو أنها غير قابلة للتصديق.

108

و حكى غير ابن جلب راغب- و هو أقعد منه بهذه الحادثة- فى وفاة شيخ الشيوخ، فقال ما معناه: كانت وفاة شيخ الشيوخ: صدر الدين‏ (1) أبى الحسن محمد، بن الإمام شيخ الشيوخ عماد الدين أبى الفتوح عمر (2)، ابن الفقيه أصيل خراسان أبى الحسن على، بن الإمام الزاهد: أبى عبد الله محمد، بن حموية (3)، الحمّوى الخراسانى النّيسابورى الجوينى، البحيراباذى‏ (4) الشافعى- فى منتصف جمادى الآخرة- و قيل فى يوم الاثنين رابع عشرين الشهر بالموصل، بعلة الذّرب‏ (5). و كان الملك الكامل قد أرسله إلى الخليفة، يستنجده على الفرنج، فمرض بين حرّان و الموصل، فوصل إلى الموصل و مات بها. و قيل كانت وفاته فى جمادى الأولى.

____________

(1) سبق التعريف به. و نزيد على ذلك أنه كان من كبار فقهاء الشافعية. و تولى التدريس بالمدارس (الصالحية، و الشافعى، و المشهد الحسينى) و ولى مشيخة سعيد السعداء (دار الصوفية) و كان كبير القدر عند صلاح الدين، مبجلا من العادل و الكامل. و بعثه الملك الكامل رسولا إلى الخليفة يستنجد به على الفرنج لما أخذوا دمياط، فأدركه الموت بالموصل سنة سبع عشرة و ستمائة، عن ثلاث و سبعين سنة.

(حسن المحاضرة: ج 1- 172) و (140- 141) و هو والد فخر الدين بن الشيخ، و إخوته.

(2) هو والد صدر الدين. قدم إلى الشام فى الأيام النورية، ففوض إليه الشهيد نور الدين- (رحمه الله)- مشيخة الصوفية. و لما مات صار ذلك بعده لولده صدر الدين.

(ابن واصل: ج 3- 257)

(3) جدهم هذا هو حموية بن على، الذى كان حاكما على خراسان أيام الدولة السامانية.

(النجوم الزاهرة: ج 6- ص 90)

(4) نسبة إلى «بحيراباذ»- بالضم ثم الفتح- و هى من قرى جوين من نواحى نيسابور. و قال ياقوت فى هذه المادة:

منها أبو الحسن على بن حمويه الجوينى (و هذا هو جد صدر الدين) و مات سنة 530 فى نيسابور، و حمل إلى جوين فدفن بها. و هم أهل بيت فضل و تصوف، و لهم عقب بمصر كالملوك، يعرف أبوهم بشيخ الشيوخ.

(ياقوت: معجم البلدان: ج 2- 77)

(5) بفتحتين- مرض يصيب الأمعاء: إسهال أو دوسنطاريا.

109

و مولده بجوين فى سنة ثلاث و أربعين و خمسمائة. و جوين هذه، التى نسب إليها، ناحية كبيرة من نواحى نيسابور، و إليها ينسب إمام الحرمين أبو المعالى: عبد الملك الجوينى. و أما أبو المعالى الجوينى: محمد بن الحسن ابن عبد اللّه- فهو منسوب إلى جوين: قرية من قرى سرخس. و هو إمام فاضل. و أما وقّاد بن قيس الجوينى الشاعر فمنسوب إلى جوين: بطن من سنبس‏ (1).

و فى هذه السنة كانت وفاة السيد الشريف: قتادة بن إدريس، الزّيدى الحسنى‏ (2) العلوى، أمير مكة. و كنيته أبو عزيز. كان (رحمه الله)- عادلا منصفا. و اطمأن الحاجّ فى أيامه. و ما وطئ بساط خليفة قط. و كان يحمّل إليه فى كل سنة من بغداد الخلع و الذهب. و كان يقول: أنا أحقّ بالخلافة من غيرى.

و بعث إليه الخليفة الناصر يستدعيه، و يقول له: أنت ابن العم و الصاحب، و قد بلغنى شهامتك و حفظك للحاج، و عدلك و شرف نفسك، و قد أحببت أن أراك و أشاهدك، و أحسن إليك. فكتب إليه:

____________

(1) إحدى قبائل العرب.

(2) سبق ذكره. و هو مؤسس أسرة «قتادة» من أمراء مكة، منذ سنة 599 ه. و هم الذين ظلوا يحكمون مكة إلى مجى‏ء الوهابيين. و هو من عقب الحسن بن على. و ذكر المؤلف وفاته سنة 617 ه.

110

و لي كفّ ضرغام أدلّ ببسطها * * * و أشرى بها بين الورى و أبيع‏

تظلّ ملوك الأرض تلثم ظهرها * * * و فى وسطها للمجدبين‏ (1)ربيع‏

أ أجعلها تحت الرّجا، ثم أبتغى‏ * * * خلاصا لها، إنى إذا لوضيع‏

و ما أنا إلا المسك فى كل بقعة * * * يضوع‏ (2)، و أ ما عندكم فيضيع‏

و كانت وفاته- (رحمه الله)- إحدى الجماديين، بمكة- شرفها اللّه تعالى- و له سبعون سنة.

و ملك بعده ابنه الحسن- و قيل أن ابنه الحسن سمّه- و كان له ولد آخر اسمه: راجح. و كان قتادة قد اتسعت ولايته من حدود اليمن إلى المدينة: و له قلعة ينبع و استكثر من المماليك. و ذكر ابن الأثير وفاته فى سنة ثمان عشرة.

و اللّه أعلم.

و فيها، كانت وفاة الملك المنصور: محمد بن عمر بن شاهنشاه ابن أيوب- صاحب حماه.

و كان شجاعا محبّا للعلماء. و صنف كتابا سماه: «المضمار» جمع فيه جملة من التواريخ، و أسماء من ورد عليه و أقام عنده، فى عشرة مجلدات. و كان كثير الصدقة، حافظا لرعيته. و كانت وفاته بحماه فى شوال، و دفن عند أبيه.

و قام بعده بملك حماه ولده الأكبر: الملك الناصر قليج أرسلان.

____________

(1) الذين أصابهم الجدب، و هو ضد الخصب.

(2) يفوح شذاه.

111

ثم أخذ منه الملك الكامل حماه، و أعطاها لأخيه الملك المظفّر، و اعتقل قليج أرسلان فى الجبّ بقلعة الجبل، بظاهر القاهرة المعزّية.

و فيها كانت وفاة الملك الصالح: نجم الدين محمود بن محمد بن قرا أرسلان بن أرتق، صاحب آمد. و كان شجاعا عاقلا جوادا، محبا للعلماء. و كان الملك الأشرف يحبّه، و حضر إلى خدمة الأشرف غير مرة إلى دنيسر، و غيرها. و مات بآمد فى صفر.

و قام بعده ولده الملك المسعود. و كان ضد اسمه: بخيلا فاسقا. حضره الملك الكامل بعد ذلك فى آمد، و وجد فى قصره خمسمائة امرأة من الحرائر يفترسهنّ، من بنات الناس. فأخذه الكامل إلى مصر، و أحسن إليه.

و كاتب الروم و سعى فى هلاك الكامل. فقبض عليه و اعتقله فى الجبّ. ثم أطلقه، فتوجه إلى التتار. و كان معه جواهر كثيرة، و أخت جميلة، فقتله التتار، و أخذوا ما معه.

و فيها، فى العشر الأول من ذى الحجة، توفى الشيخ القدوة العارف:

أسد الشام عبد اللّه اليونانى‏ (1) صاحب الكرامات المشهورة و الرّياضات و المجاهدات. و كان- (رحمه الله) و رضى عنه- لا يقوم لأحد من الملوك و لا لغيرهم، تعظيما لله تعالى، و يقول: لا ينبغى القيام لغير اللّه تعالى.

و كان لا يمسّ بيده درهما و لا دينارا، و لا يلبس غير الثوب الخام، و قلنسوة

____________

(1) نسبة إلى «يونان»، قرية من قرى بعلبك (ياقوت: ج 8- 531)

112

من جلد الماعز. و يبعث إليه بعض أصحابه فى الشتاء بفروة قرظ (1)؛ يلبسها، ثم يؤثر بها إذا اشتد البرد. و كان إذا لبس ثوبا قال: هذا لفلان و هذا لفلانة، يوعد به و يعطيه إذا أتاه غيره.

و كان من خبر وفاته أنه دخل الحمام فى يوم الجمعة و اغتسل، و لبس ثوبيه، و كان قد سمّاهما لامرأتين، و صلى الجمعة بجامع بعلبك و هو صحيح. و جاءه داود المؤذّن و كان يغسل الموتى، فقال له: ويحك يا داود، انظر كيف تكون غدا! فلم يفهم. ثم صعد الشيخ المغارة، و كان قد أمر الفقراء أن يقطعوا الصخرة التى عند اللّورة، التى كان ينام تحتها و يجلس عندها، و عندها قبره. فنجّزت فى نهار الجمعة، و بقى منها مقدار نصف ذراع. فقال لهم: لا تطلع الشمس إلا و قد فرغتم منها.

و بات فى ليلة السبت، و هو يذكر أصحابه و معارفه، و يدعو لهم حتى طلع الفجر. فصلى بهم الصبح، و خرج إلى صخرة كان يجلس عليها، فجلس و بيده سبحة. و قام الفقراء ليكملوا حفر الصخرة، فطلعت الشمس و قد فرغوا منها، و الشيخ قاعد و بيده السّبحة. و جاء خادم من القلعة إليه فى شغل، فرآه نائما، فما تجاسر أن يوقظه. فجلس ساعة، فلما طال مجلسه قال لخادم الشيخ: يا عبد الصمد، ما أستطيع أن أقعد أكثر من هذا. قال عبد الصمد: فتقدمت إليه، و ناديته: سيّدى سيّدى! فما تكلم.

فحركته، فإذا هو ميت! فارتفع الصياح.

____________

(1) جاء فى «القاموس» «القرظ- محركة- ... اديم مقروظ دبغ و كبش قرظى يمنى فإما أن يكون المعنى بفروة من جلد مدبوغ، أو بفروة كبش‏

113

و كان الملك الأمجد- صاحب بعلبك- فى الصيد، فأرسلوا إليه.

فجاء، فرآه على تلك الحال: لم يقع: و لا وقعت السّبحة من يده، و هو كأنه نائم! فقال: نبنى عليه بنيانا و هو على حاله، ليكون أعجوبة! فقال أتباع الشيخ: السّنّة أولى. و غسله داود، و دفع الثوبين للمرأتين و لما الحدوه، قال له الحفّار: يا شيخ عبد اللّه، اذكر ما فارقتنا، أو اذكرنا عند ربك. قال: ففتح عينيه، و نظر إلىّ شزرا (1). و دفن (رحمه الله) فى يوم السبت، و قد جاوز ثمانين سنة. و الأخبار عنه فى الكرامات كثيرة، قد اقتصرنا على هذه النبذة.

و استهلت سنة ثمانى عشرة و ستمائة:

ذكر وصول ملوك الشرق إلى السلطان الملك الكامل و انهزام الفرنج و استعادة ثغر دمياط، و تقرير الهدنة

فى هذه السنة، توجه الملك المعظم شرف الدين عيسى، بن السلطان الملك العادل، إلى أخيه الملك الأشرف، و اجتمعا على حرّان‏ (2).

و كان الملك المعظم من أحرص الناس على إعانة أخيه الملك الكامل، على استعادة ثغر دمياط من الفرنج. و كان الملك الأشرف قد باين الملك الكامل، و تقاعد عنه فى هذه الحادثة: فتلطف الملك المعظم بالملك‏

____________

(1) شزره، و إليه- يشزره: نظر منه فى أحد شقّيه. أو هو نظر فيه إعراض أو نظر الغضبان بمؤخر العين. و نظر بعضهم إلى بعض شزرا. و عين شزراء حمراء.

«القاموس المحيط»

(2) سبق ذكر موضعها. و هى قصبة ديار مصر بالجزيرة.

114

الأشرف، و لم يزل به حتى قطع الفرات بالعساكر، و المعظم يقدمه، إلى أن نزل الملك المعظم على حمص، و الأشرف على سلمية (1).

قال أبو المظفّر يوسف، فى تاريخه: و كنت قد توجهت إلى حمص لطلب الغزاة، و كان العزم قد وقع على دخول العساكر إلى طرابلس.

فاجتمعت بالملك المعظم على حمص فى شهر ربيع الآخر. فقال لى: قد سحبت الأشرف إلى هاهنا بأسنانى و هو كاره، و كل يوم أعتبه فى تأخره و هو يكاشر (2)، و أخاف من الفرنج أن يستووا على مصر. و هو صديقك، فتوجّه إليه، فإنه قد سألنى عنك مرارا.

قال: ثم كتب كتابا إلى أخيه بخطّه نحو ثمانين سطرا، فأخذته و توجهت إليه إلى سلميّة؟ فتلقانى و أكرمنى، فقلت له: المسلمون فى ضائقة، و اذا أخذ الفرنج الديار المصرية، ملكوا حضرموت و عفوا آثار مكة، و أنت تلعب؟ قم الساعة و ارحل. فأمر برمى الخيام و الدّهليز (3) لوقته. و قمت فركبت، و سبقته إلى حمص. فركب المعظم و التقى بى، و قال: و اللّه ما نمت البارحة، و لا أكلت فى يومى هذا! فأخبرته أن الملك‏

____________

(1) سبق بيان موضعها، و هى بليدة من أعمال حماه أو حمص، فى ناحية البرية.

(2) فى «القاموس»: كشر عن أسنانه يكشر كشرا: أبدى- يكون فى الضحك و غيره. و قد كاشره فكأن المعنى هنا و هو يكشر عن أسنانه، كناية عن المعارضة أو العناد و قد؟؟؟ محقق (النجوم الزاهرة) و هو يكاسر- بالسين- و تعب فى تفسيره، فأبعد.

(3) السرادق. أو الخيمة الكبيرة المنصوبة للملك‏

115

الأشرف يصل إليه بكرة الغد. فسرّ بذلك، و دعا لى. و أقبلت الأطلاب‏ (1) من الغد. و جاء الأشرف فما رأيت أجمل من طلبه‏ (2)، و لا أحسن رجالا و لا أكمل عدة.

قال: و بات الأخوان الملكان فى تلك الليلة يتشاوران. فاتفقا على الدخول فى السحر إلى طرابلس، و كانوا على أحسن حال. فأنطق اللّه الملك الأشرف- من غير قصد- و قال للمعظم: ياخوند (3)، م عوض دخولنا إلى الساحل و نضعف عساكرنا و خيلنا، و نضيع الزمان، ما نتوجه إلى دمياط و نستريح! فحلّفه المعظم بقول رماة البندق‏ (4) فحلف، و قبّل المعظم قدمه.

و نام الأشرف، فخرج المعظم من الخيمة و نادى فى الناس: الرحيل إلى دمياط، و ما كان يظنّ أن الأشرف يسمح بذلك. و ساق المعظم إلى دمشق، و تبعته العساكر. و نام الأشرف فى خيمته إلى وقت الظهر، و انتبه فدخل الحمّام فلم ير حول خيمته خيمة! فسأل عن العساكر، فأخبر بالخبر. فسكت و ركب إلى دمشق. و نزل القصر فى رابع عشر جمادى الأولى، فأقام بها إلى سلخ الشهر.

____________

(1) الأطلاب: جمع طلب. و هذا لفظ كردى، معناه: الكتيبة. ورد هذا اللفظ مع جيش الدولة الأيوبية، و استعمل فى دولتى الأيوبيين و المماليك.

فالأطلاب: يعنى: كتائب الجند.

(انظر السلوك- زيادة: ج 1- 248)

(2): أى من جند، أو كتيبته.

(3) لفظ تركى أو فارسى، و أصله «خداوند». و معناه: السيد، أو الأمير.

(المصدر السابق ج 1- 224)

(4) رماة البندق هم أهل «الفتوّة» الأعضاء فى ذلك النظام، الذى كان شائعا فى عهد الخليفة الناصر- كما أشرنا إليه من قبل. فمعنى العبارة إذن أنه حلفه بقسم الشرف الذى كان يقسم به أعضاء نظام «الفتوة»، و كان نظاما شبيها بالفروسية.

116

و عرض العساكر، و توجه إلى مصر، هو و الملك المعظم- فى غرة جمادى الآخرة. و وصلوا إلى المنصورة، فى ثالث شهر رجب من السنة.

و وصل أيضا الملك المظفر بن الملك المنصور، صاحب حماه، و غيره من الملوك. هذا ما كان من خبر هؤلاء.

و أما الملك الكامل، فإنه فى هذه السنة اجتهد فى قتال الفرنج .. و استمر القتال بينهم و بينه فى البر و البحر. و طلع النيل و عم البلاد، و جرى فى بحر المحلّة، فرتّب السلطان مراكب الأسطول فى بحر المحلّة، و منع الميرة (1) عن الفرنج. فاشتد ضررهم لذلك، و عدموا القوت. و عزموا على الرجوع إلى دمياط، فأحرقوا أثقالهم و هربوا ليلا. فأمر السلطان بقطع جسر البرمون‏ (2)، و غيره من الجسور، فقطعت. فأحاط بهم النيل من كل جانب. و كان فيهم مائة كند (3)، و ثمانمائة من الخيّالة المعروفين، و ملك عكا، و الدّوك‏ (4) و اللّو كان‏ (5) نائب الباب‏ (6)، و من الرّجّالة ما لا يحصى كثرة.

فلما عاينوا الهلاك، راسلوا السلطان، و بذلوا له أن ينزلوا على ثغر دمياط، و يؤمّنهم على أنفسهم و أموالهم. فأجابهم إلى ذلك. و وصل‏

____________

(1) المؤن و الأقوات.

(2) بلد فى محافظة الدقهلية، بالقرب من المنصورة.

(3) من أرفع ألقاب الشرف عند الفرنجة، و هذا تعريب لقب‏ Comte¬ الفرنسى «كونت»

(4) أى: الدوق.

(5) هكذا فى (ع) و معناه غير ظاهر. و نرجح أنه تحريف للقب «الكاردينال».

(6) البابا، كما كان ينطق فى تلك العصور فى الشرق.

117

الملكان: الأشرف و المعظّم فى هذه الأيام. و تقررت الهدنة ثمانى سنين، و أنه يطلق جميع الأسرى من الجهتين.

و جلس الملك الكامل مجلسا عظيما. و وقف الملك الأشرف و الملك المعظم و سائر الملوك فى خدمته. و لم يجلس معه إلا الملك المعظم محمد [بن‏] سنجر شاه، بن أتابك، صاحب جزيرة ابن‏ (1) عمر- و كان قد وصل إلى الملك الكامل فى أوائل هذه السنة، قبل وصول الأشرف و المعظم- و عظّمه الملك الكامل تعظيما كثيرا. و كان فى مدة مقامه عنده، إذا حضر رسل الفرنج يقول لهم الملك الكامل: إنه الآن لا حكم لى، و حديثكم مع ملك الشّرق، و الأمر له. و حضر رسول الفرنج مرة، فوقف الملك الكامل بين يدى الملك المعظّم هذا، و كذلك من كان بحضرته من الملوك الأيوبية. و كان الملك المعظم محمد شكلا مهيبا، جهورىّ الصوت، هيول الخلقة ففرق رسل الفرنج منه. و لما جلس السلطان فى هذا اليوم، أراد الملك المعظم الوقوف بين يديه مع الملوك الأيوبية، فلم يمكّنه من ذلك، و أجلسه إلى جانبه.

و حضر الملك يوحنا- صاحب عكا- إلى السلطان بظاهر البرمون، بعد أن أعطاه السلطان رهاين: ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب، و أخاه الملك المفضل قطب الدين، و جماعة من أولاد الأمراء. فحلف يوحنا

____________

(1) هى بلدة فوق الموصل. بينهما ثلاثة أيام (15 فرسخا) و لها رستاق (مجمع قرى) مخصب. و تحيط بها دجلة إلا من ناحية واحدة شبه الهلال، ثم عمل خندق أجرى فيه الماء فى هذه الناحية، فصارت جزيرة فعلا.

(معجم البلدان: ج 3- 102)

118

للسلطان، و لأخويه: الأشرف و المعظم، و حلفوا له. و ذلك فى يوم الأربعاء، لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رجب، من السنة.

و تسلم ثغر دمياط فى تاسع عشر شعبان من السنة. فكانت مدة استيلاء الفرنج على الثغر سنتين، إلا ستة أيام. و مدة مقامهم بالديار المصرية ثلاث سنين، و أربعة أشهر، و ستة عشر يوما. و توجه الفرنج إلى عكا: بعضهم فى البر، و بعضهم فى البحر.

و عاد الملك المعظم، صاحب الجزيرة، و الملك المعظم، صاحب دمشق، إلى ممالكهما. و تأخر الملك الأشرف عند السلطان الملك الكامل، و تصافيا، و زال ما عند كلّ منهما من الآخر. و اتفقا على الملك المعظم صاحب الشام.

ذكر رجوع السلطان إلى القاهرة و إخراج الأمراء إلى الشام‏

قال: و لما تسلم السلطان ثغر دمياط، و عاد الفرنج إلى بلادهم، رجع السلطان إلى القاهرة. و استقر بقلعة الجبل.

ثم ركب فى ذى القعدة، و جاء إلى منظرة الصاحب صفى الدين بن شكر، لزيارته. فزاره، و استشاره فى أمر الأمراء، الذين كانوا مع عماد الدين بن المشطوب، لما قصد إقامة الفائز. فأشار بإخراجهم من البلاد.

و كانوا فى الجزيرة، مقابل ثغر دمياط، لعمارتها. فكتب السلطان إليهم بالانصراف، إلى حيث اختاروا. فتوجهوا إلى الشام. و لم يتعرض لشي‏ء من‏

119

موجودهم، و أقطع أخبازهم‏ (1) لمماليكه.

فى هذه السنة- أعنى سنة ثمانى عشرة و ستمائة- كانت وفاة أمين الدين أبو الدرّ: ياقوت بن عبد اللّه الموصلى، الكاتب المعروف بالمالكى- نسبة إلى السلطان ملكشاه السّلجقى. إليه انتهى حسن الخطّ وجوده الكتابة فى زمانه، و ما أدّى أحد طريقة ابن البوّاب‏ (2) فى زمانه مثله. و كتب كثيرا من الكتب. و انتشر خطه. و كان مغرى بنقل صحاح الجوهرى، كتب منها نسخا كثيرة: كل نسخة فى مجلدة واحدة. قال ابن خلّكان: و رأيت منها نسخا عدة، و كل نسخة تباع بمائة دينار. و كتب عليه خلق كثير، و انتفعوا به. و قصده الناس من البلاد إلى الموصل. و بها مات، و قد أسنّ و تغير خطّه- (رحمه الله).

و استهلت سنة تسع عشرة و ستمائة:

فى هذه السنة- فى أولها- وصل الملك الأشرف إلى القاهرة إلى أخيه الملك الكامل، و أمر بعمارة تربة لوالدته بالقرافة. و عاد فى شعبان من السنة.

و فيها ظهر بالشام جراد كثير، لم يعهد مثله. فأكل الزرع و الشجر.

فأظهر الملك المعظم أن ببلاد العجم طائرا، يقال له: السّمرمر يأكل الجراد.

فأرسل الصدر البكرى محتسب‏ (3) دمشق، و رتّب معه صوفيّة، و قال:

____________

(1) أى إقطاعاتهم من الأراضى، أو إيراداتهم منها. جمع خبز. و هو الإقطاع للجند أو إيراده، كما كان يفهم فى ذلك الزمان.

(2) هو: أبو الحسن على بن هلال، المعروف بابن البواب، الكاتب المشهور. المتوفى سنة 423 ببغداد.

(انظر ترجمة فى وفيات الأعيان ج 3- ص 28)

(3) المحتسب هو الذى يقوم بوظيفة الحسبة، و هى وظيفة شرعية. من واجبات صاحبها أن يراقب الآداب العامة و تنفيذ الأحكام الدينية، من باب الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر.

120

تمضى إلى العجم. فهناك عين يجتمع فيها السّمرمر، فتأخذ من مائها قوارير، و تعلقه على رءوس الرماح، فكلما رآه السمرمر يتبعك! و كان قصد الملك المعظم فى إرسال البكرىّ أن يتوجه إلى السلطان:

جلال الدين خوارزم شاه و يتفق معه، لما بلغه اتفاق الملك الكامل و الأشرف عليه. فتوجه البكرى، و اجتمع بالسلطان جلال الدين، و قرر معه الأمور، و جعله سندا للملك المعظم. و كان الجراد قد قلّ، فلما عاد البكرى كثر و ولاه الملك المعظم مشيخة الشيوخ‏ (1) مضافة إلى الحسبة (2).

و فيها نقل الملك العادل فى تابوته من قلعة دمشق إلى مدرسته‏ (3)، التى أنشأها عند دار العقيقى‏ (4). و أخرجت جنازته من القلعة، و عليها مرقعته، و أرباب الدولة حوله. و دخلوا من باب البريد إلى الجامع، و وضع فى صحن الجامع، قبالة حائط النّسر. و صلى عليه الخطيب الدّولعى‏ (5). ثم حملوا جنازته و خرجوا من باب البطّاقين، خوفا من ازدحام الناس فى الطريق. فلم يصل إلى تربته إلا بعد جهد، لضيق المسلك. و تردّد القراء و الفقهاء مدة إلى التربة، غدوة و عشية. و لم تكن كملت عمارتها.

____________

(1) يراد بها الإشراف على دور الصوفية (الخانقاهات). فقد صار متوليها يلقب بشيخ الشيوخ.

(2) سبق تعريفها منذ قليل.

(3) هى المدرسة التى سميت «العادلية» نسبة إليه، لأنه هو الذى وضع أساسها و بدأ بناءها، و إن كان الذى أتمها ابنه الملك المعظم.

(4) العقيقى هو: أحمد بن الحسين بن أحمد العلوى الدمشقى، و يعرف بالعقيقى، توفى سنة 377 ه و نسبت الدار إليه.

(عن النجوم الزاهرة: ج 6 ص 171 حاشية 3)

(5) نسبة إلى «الدّولعيّة»: قرية كبيرة بينها و بين الموصل يوم واحد.

(معجم البلدان: ج 4- 105)

121

ثم درس فيها قاضى القضاة جمال الدين المصرى، قبل كمال عمارتها.

و حضر السلطان الملك المعظّم، و تكلم فى الدرس مع الجماعة.

و كان الاجتماع بالإيوان الشمالى بالمدرسة. و جلس عن يمين السلطان إلى جانبه- الشيخ جمال الدين الحصيرى شيخ الحنفية، و يليه شيخ الشافعية:

الشيخ فخر الدين بن عساكر، ثم القاضى شمس الدين الشّيرازى، ثم القاضى محيى الدين بن الزّكى. و جلس عن يسار السلطان، الى جانبه، مدرّس المدرسة قاضى القضاة (1)، و الى جانبه سيف الدين على الآمدى، ثم القاضى شمس الدين يحيى بن سنىّ الدولة، ثم القاضى نجم الدين خليل قاضى العسكر. و دارت حلقة صغيرة، و الناس وراءهم متصلون مل‏ء الايوان. و كان فى تلك الحلقة أعيان المدرسين و الفقهاء. و قبالة السلطان الشيخ تقىّ الدين بن الصّلاح و غيره. و كان مجلسا جليلا، لم يقع مثله إلا فى سنة ثلاث و عشرين و ستمائة.

ذكر توجه الملك المسعود بن الملك الكامل من اليمن إلى الحجاز، و ما اعتمده‏

فى هذه السنة، حج الملك المسعود بن السلطان الملك الكامل بالناس من اليمن، فى عسكر عظيم.

____________

(1) أى جمال الدين المصرى.

122

و جاء إلى الجبل و قد لبس هو و أصحابه السلاح، و منع علم الخليفة (1). أن يصعد إلى الجبل. و أصعد علم أبيه: الملك الكامل، و علمه. و قال لأصحابه: إن طلع البغاددة بعلم الخليفة فاكسروه، و انهبوهم. و وقفوا تحت الجبل من الظهر إلى غروب الشمس، يضربون الكوسات‏ (2) و يتعرضون إلى الحاجّ العراقى، و ينادون: يا ثارات ابن المقدّم‏ (3) فأرسل‏ (4) إليه حسام الدين بن أبى فراس- أمير الحاج العراقى- أباه، و كان شيخا كبيرا، فعرّفه ما يجب من طاعة الخليفة، و ما يلزمه من ذلك من الشّناعة. فيقال إنه أذن فى صعود العلم قبيل الغروب. و قيل لم يأذن.

و بدا من الملك المسعود أقسيس‏ (5) فى هذه الواقعة جنون عظيم، و أفعال شنيعة. قال أبو المظفّر (6): حكى لى شيخنا جمال الدين‏

____________

(1) كان لا يزال هو الخليفة (الناصر لدين اللّه)، فإنه لم يتوقف إلا فى سنة (622)، و هذه أحداث سنة (619)

(2) عرّفها القلقشندى بأنها: «صنوجات من نحاس شبه الترس الصغير، يدقّ بأحدها على الآخر بإيقاع مخصوص. و مع ذلك طبول و شبّابة. يدق بها مرتين فى القلعة فى كل ليلة ... و كذلك اذا كان السلطان فى السفر تدور حول خيامه.

و قد عد ذلك من رسوم الملك و آلاته.

(صبح الأعشى: ج 4- ص 9).

(3) المقصود به هو «شمس الدين بن المقدم» أحد كبار الأمراء فى دولة صلاح الدين. و مناداتهم بثأر المقدم تشير الى الحادث الذى وقع سنة 583 ه. بمكة، بعرفات، و قتل فيه ابن المقدم هذا. (انظر تفصيل الحادث فى ابن الأثير: الكامل ج 11- ص 228- 229).

(4) من هنا، أى قوله: «ثارات ابن المقدم» ... إلى قوله: «و فيها أنشأ الملك الكامل دار الحديث الكاملية»- أى بضع صفحات كاملة- مفقودة كلها من النسخة (ك)، فاعتمدنا على النسخة الأخرى:

(ع) فقط

(5) سبق تفسير هذا الاسم. و هو كلمة تركية، أصلها: أطسز أو أتسز.

(6) أى سبط ابن الجوزى، المؤرخ.

123

الحصيرى‏ (1)، قال: رأيت أقسيس قد صعد على قبّة زمزم، و هو يرمى حمام مكة بالبندق! قال: و رأيت غلمانه فى المسعى يضربون الناس بالسيوف فى أرجلهم، و يقولون: اسعوا قليلا قليلا، فإن السلطان نائم سكران فى دار السلطنة التى بالمسعى. و الدّم يجرى من ساقات الناس!.

و فيها، فى العشرين من شعبان، ظهر كوكب كبير فى الشرق، له ذؤابة طويلة غليظة. و كان طلوعه وقت السّحر، فبقى كذلك عشرة أيام.

ثم ظهر أول الليل فى المغرب مما يلى الشمال. فبقى كذلك إلى آخر شهر رمضان.

و فى هذه السنة، توفى الملك المفضّل قطب الدين أحمد بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب، بالفيوم. و نقل إلى القاهرة فدفن بالقرافة الصغرى.

و إلى قطب الدين هذا، تنسب الدار القطبيّة التى بين القصرين بالقاهرة المعزّيّة، التى هى الآن البيمارستان المنصورى. و كان قد جمع أخواته بنات الملك العادل، بعد وفاة أبيه، و سكنها، و هنّ تحت كنفه، فسمّيت الدار القطبية به- (رحمه الله تعالى).

____________

(1) و هو شيخ الحنفية، و قد تقدم ذكره فى المتن.

124

و فيها توفى الأمير عماد الدين: أبو العباس أحمد، بن الأمير الكبير سيف الدين أبى الحسن على، بن أحمد، بن أبى الهيجا، بن عبد اللّه، بن أبى الخليل بن مورتان، الهكّارى‏ (1)، المعروف بابن المشطوب‏ (2).

و المشطوب لقب والده، لقّب به لشطبة كانت بوجهه.

و كان أميرا كبيرا، وافر الحرمة عند الملوك، يعدّونه بينهم كواحد منهم. و كان عالى الهمة غزير الجود، واسع الكرم، شجاعا أبىّ النفس.

و كان من أمراء الدولة الصّلاحيّة. فإن والده لما توفى‏ (3)، كانت نابلس إقطاعا له، أرصد منها السلطان الملك الناصر صلاح الدين الثّلث لمصالح بيت المقدس، و أقطع ولده عماد الدين هذا بقيّتها. و لم يزل قائم الجاه و الحرمة نافذ الكلمة، الى أن صدر منه على ثغر دمياط ما قدمنا ذكره. و كان من خبره و اعتقاله ما قدمناه. ثم كانت وفاته بحرّان. و بنت له ابنته قبّة على باب مدينة رأس عين، و نقلته من حرّان إليها، و دفنته بها.

و أما والده- (رحمه الله تعالى)- فكان من أكابر الأمراء الصّلاحيّة.

و كان الملك الناصر (4) قد رتّبه بعكا، هو و بهاء الدين قراقوش الأسدى. و لما خلص منها، وصل إلى السلطان و هو بالقدس. قال ابن شدّاد: إنه دخل عليه بغتة، و عنده الملك العادل، فنهض إليه و اعتنقه، و سر به سرورا عظيما. و أخلى له المكان، و تحدث معه طويلا.

____________

(1) نسبة إلى «الهكارية»: و هى بلدة و قرى فوق الموصل، فى بلد جزيرة ابن عمر، يسكنها أكراد يقال لهم الهكارية.

(ياقوت: ج 8- 469)

(2) سبق ذكره غير مرة فى أيام العادل و الكامل.

(3) و ذلك سنة 588 ه.

(4) أى السلطان صلاح الدين بن ايوب.

125

و لم يكن فى الدولة الناصرية من يضاهيه فى الرّتبة و علو المنزلة. و كانوا يسمونه: الأمير الكبير. و كان ذلك علما عليه عندهم، لا يشاركه فيه غيره. و كان إقطاعه- نابلس و غيرها- بعد خلاصه من الأسر- ثلاثمائة ألف دينار. و كانت وفاته- أعنى والده- بالقدس، فى يوم الخميس سادس عشر شوال، سنة ثمان و ثمانين‏ (1) و خمسمائة، بعد خلاصه من الأسر بعكا بمائة يوم. و دفن بداره، بعد أن صلّى عليه فى المسجد الأقصى- (رحمه الله تعالى).

و فيها توفى جلال الدين أبو بكر، بن القاضى كمال الدين أبى السعادات: أحمد بن شكر.

و استهلت سنة عشرين و ستمائة:

ذكر ملك الملك المسعود بن السلطان الملك الكامل مكة- شرفها اللّه تعالى‏

و فى هذه السنة، ملك الملك المسعود أقسيس بن السلطان الملك الكامل- صاحب اليمن- مكة- شرفها اللّه تعالى. و كان صاحبها يومئذ:

الأمير حسن بن قتادة (2)، و كان قد أساء السيرة. فسار إليه الملك المسعود و قاتله بالمسعى ببطن مكة، فى رابع شهر ربيع الآخر. فتغير الخليفة الناصر لدين اللّه على الملك الكامل، بسبب ذلك.

____________

(1) الموجود فى (ع): «سنة ثمان و خمسين و خمسمائة». و هو خطأ. و الصواب كما أثبتناه هو: «سنة ثمان و ثمانين و خمسمائة».

(2) هو الأمير حسن بن قتادة بن إدريس الحسنى. و قد تقدم ذكرهما.

126

ذكر عصيان الملك الملك المظفّر شهاب الدين غازى على أخيه الملك الأشرف و قتاله، و انتصار الملك الأشرف‏

و فى هذه السنة، عاد الملك الأشرف موسى من الديار المصرية، من عند أخيه الملك الكامل. فلما وصل إلى دمشق، تلقاه أخوه الملك المعظم عيسى، و عرض عليه النزول بالقلعة. فامتنع، و نزل بجوسق أبيه. و بدت الوحشة بين الإخوة: الكامل و المعظم و الأشرف.

و ركب الأشرف من الجوسق فى وقت السحر، فسار و نزل ضمير (1).

و لم يعلم المعظم برحيله. و سار يطوى البلاد إلى حرّان. و كان الأشرف قد استناب أخاه الملك المظفر شهاب الدين غازى، صاحب ميّافارقين، بخلاط، لما توجه إلى مصر، و جعله ولىّ عهده، و مكّنه فى جميع بلاده.

فسوّلت له نفسه العصيان، و حسّنه له أخوه الملك المعظم، و غيره، و وعدوه المساعدة و الإنجاد على أخيه الأشرف.

فسار الأشرف من حرّان إلى سنجار. و كتب إلى أخيه غازى أن يحضر إليه، فامتنع. فكتب إليه ثانيا، يحذّره عاقبة العصيان، و يلاطفه و يقول له: أنت ولىّ عهدى، و البلاد و الخزائن بحكمك، فلا تخرّب بيدك و تسمع كلام أعدائك. فأصرّ على العصيان.

____________

(1) ضمير: موضع قرب دمشق- قيل هو قرية و حصن، فى آخر حدود دمشق مما يلى السماوة (أى على حدود البرية: الصحراء) (معجم البلدان: ج 4- 441)

127

فجمع الأشرف عساكر الشرق و حلب، و تجهز و سار إليه. و جمع غازى جمعا، و خرج إليه. و التقوا، و اقتتلوا، فى سنة إحدى و عشرين و ستمائة. و قاتل غازى قتالا شديدا. و كان أهل خلاط يحبون الملك الأشرف.

فبينما غازى يقاتل من باب فتح أهل خلاط بابا آخر. و أصعدوا صناجق الأشرف منه، و نادوا بشعاره. فهرب غازى إلى القلعة، و تحصن بها يومين.

ثم نزل إلى أخيه الملك الأشرف، و اعتذر. فقبل عذره، و أعاده إلى ميّافارقين و ديار بكر. فتوجه إلى ميّافارقين، مريضا من جراحات أصابته.

و أقام الملك الأشرف بخلاط ثلاثة أيام، و سلّمها لمملوكه أيبك و الحاجب علىّ، و رجع إلى رأس عين.

و كان الملك المعظم قد خرج من دمشق، و نزل بالقطنة (1)، لإنجاد أخيه غازى على أخيه الأشرف. و بعث إليه عيسى الدّباهى سرّا. فوصل، و قد فات الأمر. و رجع المعظم إلى دمشق، و ذلك فى سنة إحدى و عشرين و ستمائة.

و فيها كانت وفاة مبارز الدين سنقر الحلبى- الصّلاحى- والد الظّهير.

و كان قبل ذلك مقيما بحلب، ثم انتقل إلى ماردين فخاف الملك الأشرف عاقبة قربه، فبعث إلى أخيه الملك المعظم يقول: ما دام المبارز فى الشرق لا آمن على نفسى! فبعث إليه الملك المعظم ولده الظّهير غازى، يلتمس منه وصوله إليه، و يعرّفه رغبته فيه، و وعده أن يقطعه نابلس، و ما اختار من بلاد الشام.

____________

(1) موضع قريب من دمشق.

128

فتوجه إليه ولده الظّهير، و أبلغه رسالة الملك المعظم إليه. و عرفه رغبته فيه. فأشار عليه صاحب ماردين أن يقيم، و لا يتوجه، و قال: هذه خديعة. و مكّنه من مملكته و خزائنه. فأبى إلّا الانحياز إلى الملك المعظم.

و توجه إلى الشام، فى سنة ثمانى عشرة (1) و ستمائة.

فخرج المعظم إليه و تلقاه، و لم ينصفه. و نزل بدار شبل الدولة الحسامى‏ (2) بقاسيون. و أعرض المعظم عنه، إلى أن تفرق عنه من كان حوله، و أنفق ما كان فى حاصله، و احتاج إلى بيع دوابه و قماشه. و لم يزل كذلك إلى أن مات غمّا، فى هذه السنة. و كان قد وصل إلى الشام، و دائرته بمائة ألف دينار، فمات و ليس له ما يكفّن فيه! فقام بتجهيزه شبل الدولة كافور الحسامى، و ابتاع له تربة بألف درهم، و دفنه بها.

و كانت للمبارز المواقف المشهودة، حتى يقال إنه لم يكن فى زمانه أشجع و لا أكرم منه. و يقال إنه كان مملوك شمس الدولة تورانشاه بن أيوب‏ (3)- (رحمهما الله تعالى).

و استهلت سنة إحدى و عشرين و ستمائة:

ذكر وصول الملك المسعود من اليمن‏

و فى هذه السنة، قدم الملك المسعود أقسيس- بن الملك الكامل- من اليمن إلى القاهرة، من جهة الحجاز. و إنما جاء طمعا فى أخذ دمشق و الشام.

____________

(1) فى (ع): «فى سنة ثمانية عشر».

(2) نسبة إلى حسام الدين لاجين، ابن أخت صلاح الدين.

(3) أى أخى صلاح الدين.

129

و كان معه من الهدايا و التحف أشياء كثيرة: من جملة ذلك ثلاثة أفيلة، الكبير منها يدعى بالملك، و عليه محفة بدرابزين، يجلس فيها على ظهره عشرة أنفس، و فيّاله راكب على رقبته، و بيده كلّاب يضربه به، و يسوقه كيف أراد! و ركب السلطان الملك الكامل للقائه. فلما دنت الفيلة منه، وضعت رءوسها إلى الأرض، خدمة للسلطان! و كان فى جملة الهدية مائتا (1) خادم، و أحمال من العود و المسك و العنبر، و تحف اليمن.

و قيل إن قدمته هذه كانت فى سنة ثلاث و عشرين. و اللّه أعلم.

و فيها، أنشأ الملك الكامل دار الحديث الكامليّة (2) التى بالقاهرة المعزّيّة بين القصرين و هى تقابل باب القصر، المعروف بباب البحر.

و فى سنة إحدى و عشرين أيضا- فى سلخ شعبان- توفى الوزير الأعز فخر الدين أبو الفوارس مقدام بن القاضى كمال الدين أبو السعادات أحمد بن شكر و مولده فى سنة إحدى و ستين و خمسمائة.

____________

(1) الموجود فى (ع): «و كان فى جملة الهدايا مائتى»- و هذا مثل آخر من الأخطاء النحوية فى المتن.

(2) و هى دار الحديث، و ليس بمصر دار حديث غيرها، و غير دار الحديث بالشيخونية. قال المقريزى: و هى ثانى دار عملت للحديث، فإن أول من بنى دار حديث على وجه الأرض الملك العادل نور الدين محمود بن زنكى بدمشق، ثم بنى الكامل هذه الدار. بناها الملك الكامل و كملت عمارتها فى سنة إحدى و عشرين و ستمائة. و جعل شيخها أبا الخطاب عمر بن دحية ثم وليها بعده أخوه أبو عمرو عثمان بن دحية، ثم وليها الحافظ زكى الدين عبد العظيم المنذرى الخ.

(السيوطى: حسن المحاضرة: ج 2- 142)

130

و توفى الصاحب صفى الدين أبو محمد عبد اللّه، بن المخلص أبى الحسن على، بن الحسين بن عبد الخالق، بن الحسين بن الحسن بن منصور- الشّيبى القرشى المالكى، المعروف بابن شكر. و لم يكن من بنى شكر، إنما هو ابن عم كمال الدين أحمد بن شكر لأمّه، فعرف به.

و مولده بالدّميرة: بلدة من الأعمال الغربيّة بالديار المصرية- فى تاسع صفر، سنة ثمان و أربعين و خمسمائة. و قد تقدم ذكر وزارته و عزله و إعادته، و غير ذلك من أحواله. و كانت وفاته فى يوم الجمعة ثامن شعبان، و دفن برباطه الذى أنشأه بالقاهرة، بالقرب من مدرسته‏ (1).

و كان شديد البطش، عظيم الهيبة سريع البادرة، جسورا مقداما.

و قاسى الناس منه شدائد كبيرة. و انتزح جماعة من الأكابر عن أوطانهم بسببه. و كان كريما، إلا أنه لم يسمع بوزير من المتعمّمين‏ (2) كان أظلم منه.

و لما مات، استوزر السلطان الملك الكامل بعده ولده: الصاحب تاج الدين يوسف، نحو شهرين. ثم قبض عليه و اعتقله. و انتصب السلطان الملك الكامل للأمور بنفسه، و قرّر مصالح دولته، و نظر فى وجوه الأموال و مصارفها، و استصفى أموال الصاحب صفى الدين، و ذخائره و أملاكه.

و فيها، فى سلخ شوال، توفى القاضى الأسعد: أبو البركات عبد القوى، بن القاضى الجليس: مكين الدولة أبى المعالى عبد العزيز بن الحسين، بن عبد اللّه بن الحبّاب- (رحمه الله تعالى).

____________

(1) و هى المدرسة الصاحبية. عرفت بهذا الاسم نسبة إليه. أى الصاحب بن شكر. و كانت هذه المدرسة لدراسة المذهب المالكى، و هو مذهب مؤسسها.

(2) أى من الفقهاء أو العلماء، مقابل الوزراء من أمراء الجند أو غيرهم.

131

و استهلت سنة ثنتين و عشرين و ستمائة:

ذكر ابتداء المعاملة بالفلوس بالديار المصرية

فى هذه السنة فى ذى القعدة، ضربت الفلوس‏ (1) بالقاهرة و مصر، و صارت من جملة النقود. و تقررت القيمة عن كل درهم ورق‏ (2)، من معاملة الديار المصرية، ستة عشر فلسا. ثم أبطلت المعاملة بها، فى سنة ثلاثين و ستمائة. ثم عادت.

و فيها ضربت دراهم مستديرة، و أمر السلطان أن لا يتعامل بالدراهم المصرية العتق‏ (3)، و حصل للناس ضرر عظيم بسبب ذلك‏ (4)، و صار كل ما يتحصّل منها يسبك و يضرب من الجديد، و بلغ ضرب العتيق ستين درهما بدينار.

____________

(1) هى أقل وحدات النقود. و هى التى تصنع من نحاس. و صارت قيمة «الفلس»- كما ذكر فى المتن- إذ ذاك 1/ 16 من الدرهم الفضة.

(2) الدرهم الورق: هو الدرهم الخالص أى من الفضة، إلا بنسبة قليلة مما يخلط به. فهو غير الدرهم النّقرة، الذى كانت تكثر فيه نسبة النحاس، من نحو الثلث فأكثر.

(3) الدراهم العتق: أى القديمة المطبوعة من الأزمنة السابقة، و كانت قد تلفت و كسرت بمرور الزمن. و حصل للناس ضرر: لأنه أبطل التعامل بها، و كان الناس يتعاملون بها كأنها دراهم صحيحة.

(راجع القلقشندى: صبح الأعشى ج 3- ص 443 و ما بعدها) (و رسالة المقريزى «إغاثة الأمة» عن النقود)

(4) الدراهم العتق: أى القديمة المطبوعة من الأزمنة السابقة، و كانت قد تلفت و كسرت بمرور الزمن. و حصل للناس ضرر: لأنه أبطل التعامل بها، و كان الناس يتعاملون بها كأنها دراهم صحيحة.

(راجع القلقشندى: صبح الأعشى ج 3- ص 443 و ما بعدها) (و رسالة المقريزى «إغاثة الأمة» عن النقود)

132

و فيها، فى يوم الأربعاء سابع عشر شعبان، استخدم السلطان الملك الكامل القاضى سديد الدين: أبا عبد اللّه محمد بن سليم، صاحب ديوان الجيوش. ثم صرف بعد ذلك بمدة يسيرة. و هو والد الصاحب بهاء الدين على، المعروف بابن حنا: وزير الدولة الظاهرية الرّكنيّة (1)- و سيأتى ذكره- إن شاء اللّه تعالى.

و فيها صلب الملك المعظم عيسى رجلا، يقال له: ابن الكعكى، و رفيقا له.

و كان ابن الكعكى رأس حرب‏ (2)، و له جماعة أتباع و كانوا ينزلون على الناس فى البساتين، و يقتلون و ينهبون. و المعظم يوم ذاك بالكرك، و بلغه أن ابن الكعكى قال لأخيه الملك الصالح إسماعيل: أنا آخذ لك دمشق، و كان إسماعيل ببصرى. فكتب الملك المعظم إلى متولّى دمشق أن يصلب ابن الكعكى، و رفيقه، منكّسين. فصلبا، فى العشر الآخر من شهر رمضان.

فأقاما أياما لا يجسر أحد أن يطعمهما و لا يسقيهما، فماتا. و قدم الملك المعظم دمشق بعد وفاتهما، فمرض مرضا أشفى منه، ثم أبلّ. و لم يزل ينتقض عليه، حتى مات. و كان رفيق ابن الكعكى خيّاطا، شهد له أهل دمشق بالصلاح، و البراءة مما رمى به.

____________

(1) أى دولة الظاهر ركن الدين بيبرس.

(2) أى رأس عصابة مسلحة.

133

و فيها كانت وفاة الملك الأفضل، نور الدين على بن السلطان الملك الناصر: صلاح الدين يوسف بن أيوب- فجأة- فى صفر، سنة ثنتين و عشرين و ستمائة، بسميساط. و نقل إلى حلب، فدفن بها بظاهرها بتربته.

و كان مولده بالقاهرة فى سنة خمس و ستين و خمسمائة، يوم عيد الفطر. و كان فاضلا شاعرا حسن الخط قليل الحظّ، تقلّبت به الأحوال.

و قد تقدم ذكر ملكه دمشق و مصر، و غير ذلك. ثم استقر آخرا بسميساط.

و مما يعزى إليه من الشعر أنه كتب الى الخليفة الناصر- لما أخرج من دمشق‏ (1)، و اتفق عليه أخوه الملك العزيز عثمان و عمه الملك العادل أبو بكر:

مولاى، إن ابا بكر (2)، و صاحبه‏ * * * عثمان‏ (3)، قد غضبا بالسيف حقّ على‏ (4)

فانظر إلى حظ هذا الاسم، كيف لقى‏ * * * من الأواخر، ما لاقى من الأول‏

فأتاه الجواب من الإمام الناصر، و فى أول الكتاب:

وافى كتابك يا ابن يوسف معلنا * * * بالود، يخبر أن أصلك طاهر

غصبوا عليّا حقّه إذ لم يكن‏ * * * بعد النبى له بيثرب ناصر

فابشر، فإن غدا عليه حسابهم‏ * * * و اصبر، فناصرك الامام الناصر

____________

(1) كان ذلك سنة (593)، أى بعد وفاة والده السلطان صلاح الدين بثلاث سنوات.

(2) يقصد بأبى بكر: العادل، عمه. و بعثمان: العزيز، أخاه. و «على» هو نفسه: الأفضل.

(3) يقصد بأبى بكر: العادل، عمه. و بعثمان: العزيز، أخاه. و «على» هو نفسه: الأفضل.

(4) يقصد بأبى بكر: العادل، عمه. و بعثمان: العزيز، أخاه. و «على» هو نفسه: الأفضل.

134

و قيل أن الخليفة جرّد لنصرته سبعين ألف فارس، فبلغه فوات الأمر فأعاد العسكر إلى بغداد.

و فيها، فى يوم الخميس سادس عشر ذى الحجة- و قيل سابع عشر ذى القعدة- توفى الإمام فخر الدين أبو عبد اللّه: محمد بن إبراهيم بن أحمد ابن طاهر، بن أبى الفوارس الخبرى الفارسى الشّيرازى الفيروزآبادى، الشافعى الصوفى، من أجلّ مشايخ الطريقة، كبير الشأن. و كانت وفاته بمعبده: معبد ذى النّون بالقرافة الصغرى، على شفير الخندق من غربيّه.

و دفن بتربته، و قبره من المزارات المباركة المشهورة. و كان من علماء مشايخ وقته، شديد الهيبة فى قلوب الناس. و له تصانيف كثيرة فى الطريق، و شعر.

قدم دمشق فى شهر رجب، سنة ست و ستين و خمسمائة، و دخل مصر فى نصف شعبان من السنة: و رحل الى الإسكندرية، و سمع بها من الحافظ السّلفى‏ (1)، و حدّث بالكثير عنه. و توفى، و له من العمر ثلاث و تسعون سنة. و جاور بمكة، و حدّث بها. و قال: نحن من خبر سروشين، و هو إقليم من عمل شيراز، مشربهم من جبل الدينار. و لهم خبر آخر يقال له: خبر سمكان، من عمل شيراز أيضا. و خبر ثالث، يقال له: خبر فيروزآباد- خبر بإسكان الباء الموحّدة.

____________

(1) هو الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد ... بن إبراهيم سلفه، الأصبهانى الإسكندرى. قدم إلى الإسكندرية سنة 511 ه فأقام بها، و بنى له ابن السلار وزير الظافر مدرسة فوضها إليه، و بقى حتى وفاته سنة 576 ه قال السيوطى: «كان إماما حافظا متقنا ناقدا و كان أوحد زمانه فى علم الحديث».

(وفيات الأعيان: ج 1- 87) (و حسن المحاضرة: ج 1- 148- 149)

135

و استهلت سنة ثلاث و عشرين و ستمائة:

ذكر وصول رسول الخليفة إلى الملوك أولاد السلطان الملك العادل، و طلب الصلح بينهم و الاتفاق‏

فى هذه السنة، قدم الشيخ جمال الدين أبو محمد يوسف بن الجوزى‏ (1)، رسولا من الخليفة الظاهر بأمر اللّه‏ (2)- إلى السلطان الملك الكامل و إخوته، و صحبته الخلع للملك الكامل، و التقليد بالولاية.

و الخلع لولديه: الملك المسعود، و الملك الصالح. و خلعة لوزيره الصاحب صفى الدين- و كان قد مات- فأمر السلطان الفخر سليمان، كاتب الإنشاء، أن يلبس خلعة الصاحب، فلبسها.

و لبس السلطان و ولداه الخلع، و عبروا من باب النصر، و خرجوا من باب زويلة (3) بالقاهرة، و طلعوا إلى القلعة. و كان يوما مشهودا.

و وصل أيضا- صحبته- الخلع للملك المعظم شرف الدين عيسى، و للملك الأشرف: مظفر الدين موسى.

____________

(1) هو أبو المحاسن يوسف، بن أبى الفرج (ابن الجوزى) البغدادى الحنبلى. ولد سنة 580 ه و توفى سنة 656. وزر للظاهر، و صار أستاذ دار المستعصم آخر خلفاء بغداد.

(النجوم الزاهرة: ج 6- 263- 264)

(2) هو الخليفة «الظاهر بأمر اللّه» بن الناصر. تولى الخلافة عقب وفاة والده. (سنة 622). لكن خلافة الظاهر لم تكمل السنة. فقد توفى سنة 623.

(3) نسبة إلى (زويلة) بالضم ثم الفتح ثم السكون-: قبيلة من قبائل البربر، الواصلين مع جوهر (الصقلى) من المغرب.

(صبح الأعشى: ج 3- 352- 353)

136

و تضمنت رسالته إلى الملك المعظم رجوعه عن السلطان جلال الدين خوارزم شاه‏ (1)، و الصلح مع إخوته: الملك الكامل و الملك الأشرف.

و كان الملك المعظم قد راسل السلطان جلال الدين- كما تقدم. ثم بعث إليه مملوكه الركين، فرحّله من تفليس، و أنزله على خلاط. و الأشرف يومئذ بحرّان.

فقال الملك المعظم للشيخ جمال الدين: الرسول: «إذا رجعت عن السلطان جلال الدين، و قصدنى، إخوتى ينجدوننى؟ قال: نعم. فقال:

ليس لكم عادة تنجدون أحدا! هذه كتب الخليفة الناصر عندنا و نحن على دمياط، و نحن نكتب إليه نستصرخ به، و نقول انجدونا. فيجي‏ء الجواب:

إنا قد كتبنا إلى ملوك الجزيرة، و لم يفعلوا. ثم ضرب له مثلا و حكى عليه حكاية. و قال: إن إخوتى قد اتفقوا علىّ، و قد أنزلت السلطان جلال الدين خوارزم شاه على خلاط. فإن قصدنى الأشرف منعه، و إن قصدنى الكامل قدرت على ملاقاته و دفعه.

و فى هذه السنة، عاد الملك المسعود إلى اليمن. و كان عوده فى ذى القعدة. و قد تقدم ذكر وصوله إلى خدمة أبيه بالهدايا، فى سنة إحدى و عشرين و ستمائة. و ذكر ابن جلب راغب: أن قدومه و عوده كان فى هذه السنة. و اللّه أعلم.

____________

(1) لأنه كان هناك عداء بين الخلفاء العباسيين و شاهات الدولة الخوارزمية.

137

و فيها وصل الملك الأشرف إلى أخيه الملك المعظم بدمشق، و أعطاه رسالة، و تضرع إليه و اعترف له بسابق فضله و سالف إحسانه، و سأله أن يرسل إلى السلطان جلال الدين خوارزم شاه يرحّله عن خلاط. فبعث إليه فرحّله عنها، و كان قد أقام عليها أربعين يوما. و سقط عليه و على أصحابه بها ثلج عظيم.

و أقام الملك الأشرف عند أخيه الملك المعظم بدمشق. و كان المعظم يلبس خلعة خوارزم شاه، و يرحّله عن خلاط. فبعث إليه فرحّله عنها، و كان قد أقام عليها أربعين يوما. و سقط عليه و على أصحابه بها ثلج عظيم.

و أقام الملك الأشرف عند أخيه الملك المعظم بدمشق. و كان المعظم يلبس خلعة خوارزم شاه، و يركب فرسه، و إذا جلسوا على الشراب يحلف برأس خوارزم شاه، و الأشرف يتألم لذلك أشدّ الألم، و لا يستطيع أن يتكلم. ثم توجه الملك الأشرف إلى ضيافة أخيه الملك الكامل بالديار المصرية.

و فيها، عقد السلطان الملك الكامل نكاح ابنته على ابن صاحب الروم‏ (1).

و فيها توفى شبل الدولة: كافور بن عبد اللّه الحسامى‏ (2)، خادم ست الشام.

و كان عاقلا أديبا فاضلا، له حرمة وافرة فى الدولة، و منزلة عالية عند الملوك.

و بنى مدرسة على نهر ثورا (3) و تربة، و وقف عليها الأوقاف، و نقل إليها الكتب الكثيرة. و بنى الخانقاه للصوفية، إلى جانب مدرسته. و فتح‏

____________

(1) أى صاحب دولة الروم السلجوقية، و كان هو فى ذلك الوقت السلطان «علاء الدين كيقباذ».

(2) نسبة إلى حسام الدين، محمد بن عمر بن لاجين بن ست الشام، أى ابن أخت صلاح الدين.

(3) من أنهار دمشق، و يتصل بنهر بردى من الجهة الشمالية.

(معجم البلدان: ج 2- 118- 119).

138

طريقا للناس من الجبل إلى دمشق، قريبة عند القفارات، على طريق عين الكرش. و بنى المصنع الذى على رأس الزّقاق، و مصنعا آخر عند المدرسة.

و كان كثير الإحسان إلى الفقراء، و صدقاته دارّة إلى الآن. و سمع الحديث و رواه. و كانت وفاته فى شهر رجب الفرد، و دفن بترتبه إلى جانب مدرسته‏ (1)- (رحمه الله تعالى).

و فيها فى نصف شهر رجب، توفى قاضى القضاة جمال الدين: أبو محمد و أبو الفضل و أبو الوليد و أبو الفرج: يونس بن بدران بن فيروز، بن صاعد بن على بن محمد بن على، القرشى الشّيبى، الحجازى الأصل، المليجى المولد (2) المصرى الدار، الدّمشقى الوفاة، المعروف بالمصرى.

مولده تقريبا سنة خمسين و خمسمائة. و بلده التى ولد بها مليج: من الأعمال المنوفية، بالديار المصرية. تفقه بمصر، و سمع بالإسكندرية و القاهرة.

و ترسّل لبغداد. و تولى وكالة بيت المال بدمشق، ثم ولى القضاء بها- كما تقدم- فى سنة ثمان عشرة و ستمائة. (رحمه الله تعالى).

و فيها كانت وفاة الشريف حسن بن قتادة، بن إدريس الحسنى:

أمير مكة- شرفها اللّه تعالى.

و كان قد ولى الإمارة بعد أبيه كما تقدم- مغالبة- و كان سيئ السّيرة، ظلوما مقداما. و قتل أقباش‏ (3) أمير الحاج العراقى، فى سنة سبع عشرة. و أحدث بمكة أمورا منكرة. و لما وصل الملك المسعود إلى مكة،

____________

(1) التى عرفت باسم (المدرسة الحسامية)

(2) هو الجمال المصرى، الذى تقدم كثير من أخباره.

(3) هو «أقباش» بن عبد الله الناصرى: مملوك للخليفة الناصر، اشتراه و ربّاه و قربه إليه. و رقاه حتى ولاه إمارة الحج. و كان سبب مقتله أنه تدخل فى نزاع بين حسن بن قتادة أمير مكة و أخيه راجح، فقتله جند حسن (ابن الأثير: ج 12- 165)

139

و أخذها منها، هرب. فتوجه إلى بغداد مريضا، فمات بالجانب الغربى على دكة. فلما علم به، غسّل و كفّن و صلّى عليه و حمل إلى مشهد موسى، و دفن هناك.

و استهلت سنة أربع و عشرين و ستمائة:

فى هذه السنة، عاد الملك الأشرف موسى إلى بلاده.

و فيها قدم رسول الأنبرور (1) إلى الملك الكامل، بطلب الفتوح‏ (2).

و توجه إلى الملك المعظم بدمشق، فأغلظ له. و قال: قل لصاحبك ما أنا مثل الغير، ليس عندى إلا السيف! و فيها كان ختان الملك العادل بن الملك الكامل، و عمل سماط (3) عظيم بالميدان الأسود، تحت قلعة الجبل.

ذكر هدم مدينة تنّيس‏ (4)

و فى شوال، سنة أربع و عشرين و ستمائة، أمر السلطان الملك الكامل‏

____________

(1) أى الإمبراطور فردريك الثانى: امبراطور ألمانيا.

(2) يقصد بها فتوح صلاح الدين: أى البلاد التى فتحها صلاح الدين فى فلسطين.

(3) المائدة الملكية.

(4) تنّيس: ضبطها ياقوت (بكسرتين و تشديد النون و سين مهملة) و قال القلقشندى: و الجارى على الألسنة فتح التاء. (ج 3- 387)-: جزيرة فى بحر مصر قريبة من البر، ما بين الفرما و دمياط.

(معجم البلدان: ج 2- 419) و هى أيضا:- بلدة تلك الجزيرة، و كانت ثغرا من الثغور المصرية. و موقع مكانها الآن شمال شرقى بحيرة المنزلة قرب بورسعيد.

140

بهدم مدينة تنّيس. و سيّر إليها النّقّابين و الحجّارين، فهدّمت بكمالها فى هذا الشهر، و أخليت و لم يبق بها ساكن. و كانت من المدن الجليلة: كدمياط و الإسكندرية.

ذكر الوحشة الواقعة بين السلطان الملك الكامل و بين اخيه المعظم‏

و فى هذه السنة، تأكدت الوحشة بين السلطان الملك الكامل و بين أخيه الملك المعظم: صاحب دمشق. فكتب الملك الكامل إلى الأنبرور- ملك الألمان- أن يحضر إلى الشام و الساحل، و يعطيه البيت المقدس، و جميع الفتوحات الصّلاحيّة بالساحل.

و كتب الملك المعظم إلى السلطان: جلال الدين خوارزم شاه، يسأله أن ينجده و يعينه على أخيه الملك الكامل. و يكون من جملة المنتمين إليه، و يخطب له على منابر بلاده، و يضرب باسمه الدينار و الدرهم، فأجابه إلى ذلك. و سيّر إليه خلعة فلبسها، و شقّ بها مدينة دمشق. و غرم على رسل السلطان جلال الدين، فى مدة تسعة أشهر، تسعمائة ألف درهم. و قطع خطبة الملك الكامل.

141

فتجهز الملك الكامل و خرج لقصد دمشق. فكتب إليه الملك المعظم يقول: إننى قد نذرت للّه تعالى أن كل مرحلة رحلت منها لقصدى أتصدق بألف دينار، فإن جميع عسكرك معى و كتبهم عندى، و أنا آخذك بعسكرك. هذا ما كتب له فى الباطن. و كتب إليه فى الظاهر يقول: أنا مملوكك، و ما خرجت عن محبتك و طاعتك، و أنا أول من حضر لخدمتك قبل ملوك جميع الشام و الشرق. فأظهر السلطان هذا الكتاب للأمراء، و عاد إلى القاهرة، و قبض على جماعة من الأمراء الذين توهّم فيهم أنهم كاتبوا الملك المعظم: من جملتهم الأمير فخر الدين الطّنبا الحبيشى‏ (1)، و فخر الدين الطّنبا الفيّومى أمير جاندار، و عشرة من الأمراء البحرية العادلية، و أخذ جميع أموالهم.

و فيها، فى يوم الأربعاء، سابع عشر شهر ربيع الأول، توفى القاضى ناصر الدولة أبو الحجاج يوسف، بن الأمير فخر الدين شاهان شاه، بن الأمير عز الدين أبى الفضل غسّان، بن الأمير العظم جلال الدين أبى عبد اللّه: محمد بن جلب راغب الآمرى‏ (2)، و قد تجاوز سبعين سنة.

و هو من أولاد الأمراء المصريين، لم يزالوا أمراء من الدولة الآمريّة إلى أيام شاور الوزير، فأبادهم و قتل بعضهم. و لما جاء أسد الدين شيركوه إلى الديار المصرية تزيّا القاضى ناصر الدين بزىّ القضاة، و خدم فى الخدم الديوانية، و عند الأمراء. و ناصر الدولة هذا هو جد تاج الدين محمد بن‏

____________

(1) كذا رسمها فى (ع) و أثبتها محقق السلوك كذلك أما فى (ك) فرسمت: الجيشى.

(2) نسبة إلى الخليفة الفاطمى «الآمر»: (495- 524 ه).

142

على، المعروف بابن ميسّر (1)، صاحب التاريخ- (رحمه الله تعالى).

و فيها فى يوم الأحد تاسع عشر شوال، كانت وفاة قاضى القضاة:

عماد الدين عبد الرحمن، بن عفيف الدين أبى محمد عبد العلى بن على، السّكّرى. تفقّه على الفقيه شهاب الدين الطّوسى‏ (2)، و على الفقيه أبو المنصور ظافر بن الحسين‏ (3). و سمع الحديث و حدّث به. و ولى القضاء- كما تقدم. و ولى الخطابة بالجامع الحاكمى بالقاهرة، و التدريس بمدرسة منازل العزّ بمصر (4). ثم صرف عن القضاء و الخطابة كما تقدم. و كان هيوبا.

و صحب جماعة من المشايخ، و له معهم أحوال و مكاشفات. و مولده بمصر فى سنة ثلاث و خمسين و خمسمائة. (رحمه الله تعالى).

____________

(1) هو الذى أشار إليه المؤلف (النويرى) كثيرا بقوله: ابن؟؟؟ راغب، و اقتبس منه غير مرة.

(2) الشهاب الطوسى: أبو الفتح محمد. قال النووى فى طبقاته: كان صدر العلماء فى عصره. و عليه مدار الفتوى فى المذهب الشافعى. ولد سنة 522. و توفى بمصر سنة 596 ه.

(حسن المحاضرة: ج 1- 170- 171)

(3) ذكره السيوطى بين الفقهاء المالكية، و قال عنه أنه «ظافر بن الحسين» أبو منصور الأزدى المصرى، شيخ المالكية. انتفع به بشر كثير. مات بمصر سنة 597 ه.

(المصدر السابق: ج 1- ص 193)

(4) بنتها السيدة «تغريد» أم العزيز باللّه الفاطمى، و لم يكن بمصر أحسن منها، و ما زال الخلفاء يتداولونها، حتى كانت سنة 566 فاشتراها الملك المظفر تقى الدين عمر، بن شاهنشاه بن أيوب (ابن أخى صلاح الدين) و جعلها مدرسة للشافعية و وقف عليها وقوفا جليلة.

(المقريزى: الخطط: ج 4- 194) (و ابن واصل: مفرج الكروب ج 1- 199)

143

ذكر وفاة الملك المعظم عيسى و شي‏ء من أخباره و سيرته، و قيام ولده الملك الناصر داود

و فى هذه السنة، فى يوم الجمعة مستهلّ ذى الحجة، كانت وفاة الملك المعظّم شرف الدين عيسى، بن السلطان الملك العادل: سيف الدين أبى بكر محمد، بن أيوب بن شادى- صاحب دمشق، و كانت مدة ملكه، بعد وفاة والده الملك العادل، تسع سنين و ستة أشهر، إلا ثمانية أيام. و مولده بالقاهرة فى سنة ست و سبعين و خمسمائة.

و كان- (رحمه الله)- قد جهّز العساكر إلى نابلس، خوفا من اتفاق أخيه الملك الكامل مع الأنبرور، فمرض فى منتصف شوال و اشتد به مرضه، و أصابه ذرب مفرط حتى رمى قطعة من كبده. و قيل أنه سمّ، و مات و غسّله كريم الدين الخلاطى، و النّجم يصب عليه الماء. و كان قد أوصى أن لا يدفن بقلعة دمشق، و أن يخرج إلى الميدان فيصلّى عليه و يحمل إلى قاسيون، فيدفن على تربة والدته تحت الشجرة. فلم تنفّذ وصيته، و دفن بالقلعة. ثم أخرج منها بعد مدة، لما ملك الملك الأشرف، على حالة غير مناسبة لمثله، و بين يديه نصف شمعة و معه العزيز خليل، و دفن مع والدته فى القبّة- و فيها أخوه الملك المغيث.

144

و كان الملك المعظم- (رحمه الله تعالى)- فقيها فاضلا، نحويّا، قرأ القرآن و تفقه على مذهب أبى حنيفة على الشيخ فخر الدين الرّازى، و حفظ المسعودى، و اعتنى بالجامع الكبير. و اشتغل بالأدب على تاج الدين الكندى‏ (1)، فأخذ عنه كتاب سيبويه، و شرحه للسّيرافي، و الحجّة فى القراءات لأبى على الفارسى، و الحماسة. و قرأ الإيضاح لأبى على، حفظا.

و سمع مسند أحمد بن حنبل بدمشق على ابن طبرزد (2)، و أشياء من مسموعاته. و سمع السّيرة لابن هشام، و غير ذلك. و له ديوان شعر. و صنّف فى العروض، و كان مع ذلك لا يقيم وزن الشعر فى بعض الأوقات.

و كان شجاعا مقداما كثير الحيا متواضعا، حسن الصّوت ضحوكا غيورا، جوادا حسن العشرة، محافظا على الصّحبة و المودة و كان إذا خرج إلى الغزاة لا ينام إلا على حبل طرح، و زرديّته مخدّته. و لا يقطع الاشتغال بالقرآن و الجامع الكبير و سيبويه. و كان يركب فى كل يوم غالبا، فإذا نزل مدّ السّماط، فإذا أكل الناس انتصب لقضاء الحوائج إلى الظهر.

____________

(1) هو زيد بن الحسن .. الكندى، الملقب تاج الدين. البغدادى المولد و المنشأ، الدمشقى الدار و الوفاة.

المقرئ النحوىّ الأديب. كان أوحد عصره فى فنون الآداب، و علوّ السماع (فى الحديث و القراءات).

رحل عن بغداد إلى حلب، ثم انتقل إلى دمشق، و سافر إلى مصر و اقتنى من كتب خزائنها كل نفيس، و عاد إلى دمشق و استوطنها، و قصده الناس و أخذوا عنه. كان مولده سنة 520، و توفى سنة 613 بدمشق.

(وفيات الأعيان: ج 2- 87)

(2) هو أبو حفص، عمر بن أبى بكر- المعروف بابن طبرزد-: المحدث المشهور، البغدادى الملقب:

موفق الدين. كان عالى الإسناد فى سماع الحديث، طاف البلاد، و أفاد أهلها. و كان فيه صلاح و خير. ولد سنة 516 ه و توفى سنة 607 ببغداد.

و طبرزد: اسم لنوع من السكر.

(وفيات الأعيان: ج 3- 124)

145

و كان فى أيام الفتح مع الفرنج يرتب النيران على الجبال، من باب نابلس إلى عكّا. و له جماعة على جبل الكرمل- المقابل لعكا- عليه المنورون، و بينهم و بين الجواسيس علامات. و له فى عكا أصحاب أخبار- و أكثرهم نساء الخيّالة- و كانت طاقات بيوتهم مقابلة الكرمل- فإذا عزم الفرنج على الإغارة فتحت المرأة طاقتها. فإن كان يخرج مائة فارس، أوقدت شمعة واحدة. و إن كانوا مائتين، أوقدت شمعتين. و تشير بالنار إلى الجهة التى يقصد الفرنج الإغارة عليها. و كان الفرنج لا يقصدون جهة، إلا يجدون عسكر المعظم قد سبقهم إليها. و كان يعطى النساء الجواسيس فى كل فتح جملة كثيرة.

قال الشيخ أبو المظفر، يوسف سبط ابن الجوزى: قلت للملك المعظم فى بعض الأيام: هذا إسراف فى بيوت الأموال. فقال: أنا أستفتيك:

لما أن عزم الأنبرور على الخروج إلى الشام، أراد أن يخرج من عكا بغتة، و يسير إلى باب دمشق، فبعث فارسا عظيما، و قال له: أخف أمرنا و مجيئنا إلى البلاد لنغير بغتة. و كان بعكا امرأة مستحسنة، فكتبت إلىّ تخبرنى الخبر. فبعثت إليها ثيابا ملوّنة، و مقانع‏ (1) و عنبرا، فلبست ذلك، و اجتمعت بذلك الفارس. فدهش، و قال: من أين لك هذا؟ فقالت: من عند

____________

(1) (ج) مقنع أو مقنعة: قال فى القاموس: و المقنع و المقنعة: ما تقنّع به المرأة رأسها.

146

صديق لى من المسلمين. فقال: من هو؟ فقالت: الكريدى. فصلّب‏ (1) على وجهه، و قام فخرج من عندها. فما زالت تلك المرأة تتلطف به، حتى تسحب المودة بينى و بينه. فصرت أهاديه، حتى كان يبعث إلىّ كتب الأنبرور التى يبعثها إليه، مختومة. و أرسل إليه، فيكتب ما أقول. فأنا أدارى عن المسلمين بهذا القدر اليسير، و أفدى به الخطير، فإن الأنبرور لو جاء بغتة، أسر من أهل الشام، و ساق من مواشيهم و أموالهم ما لا يحصى قيمته.

و كان الملك المعظم- (رحمه الله)- قد أمر الفقهاء أن يجرّدوا (2) له مذهب أبى حنيفة، دون صاحبيه. فجرّدوا له المذهب فى عشر مجلّدات، و سماه التّذكرة. فكان لا يفارقه سفرا و لا حضرا، و يديم مطالعته. و يكتب على كل مجلّد: أنهاه- حفظا- عيسى بن أبى بكر بن أيوب. قال أبو المظفر:

فقلت له: ربما تؤخذ عليك، لأن أكبر مدرس فى الشام يحفظ القدورى‏ (3) مع تفرّغه، و أنت مشغول بتدبير الملك. فقال: ليس الاعتبار بالألفاظ، و إنما الاعتبار بالمعانى. باسم اللّه، سلونى عن جميع مسائلها

____________

(1) أى رسم على وجهه إشارة الصليب.

(2) أى بجردوا آراء أبى حنيفة وحده، دون آراء صاحبيه: محمد و أبى يوسف، و غيرهما. أى يجمعوها وحدها فى مؤلف.

(3) اسم كتاب مشهور من موجزات الفقه. على المذهب الحنفى.

147

و كان (رحمه الله تعالى)- حسن التدبير للملك. و كان وزيره شرف الدين بن عنين، الشاعر الهجّاء المشهور. و استعفى من الوزارة، و كتب إلى الملك المعظم:

أقلنى عثارى، و اتّخذها وسيلة * * * تكون برحماها إلى اللّه راقيا

كفى حزنى أن لست ترضى، و لا أرى‏ * * * فتى راضيا عنى، و لا اللّه راضيا

أخوض الأفاعى طول دهرى دائبا * * * و كم يتوفّى من يخوض الأفاعيا

فأعفاه. و لابن عنين أخبار نذكرها، إن شاء اللّه تعالى- عند وفاته.

و لما مات الملك المعظم، ملك بعده دمشق ولده: الملك الناصر صلاح الدين داود. فأساء السّيرة، و اشتغل عن مصالح دولته بالشرب و اللهو و الطرب. فاقتضى ذلك ما نذكره، من إخراجه من دمشق.

و استهلت سنة خمس و عشرين و ستمائة:

فى هذه السنة، وصل إلى دمشق الأمير عماد الدين بن الشيخ‏ (1)، من جهة السلطان الملك الكامل، إلى ابن أخيه الملك الناصر، و معه جلدك بالخلع و التغيير للملك الناصر. و أقام عماد الدين بدمشق.

____________

(1) هو أحد أبناء صدر الدين شيخ الشيوخ، الذى تقدمت ترجمته و أخباره، فكل من أبنائه صار يدعى:

ابن الشيخ. و كانوا إخوة الملك الكامل من الرضاع، لأن أمهم- و هى بنت الشيخ شرف الدين بن أبى عصرون الفقيه الكبير- أرضعته.

148

و فيها عزم. الملك الكامل على المسير إلى الشام، و برز بخيامه ظاهر القاهرة. و لما عزم على ذلك سلطن‏ (1) ولده نجم الدين أيوب، و نعته بالملك الصالح، و ركب بشعار السّلطنة (2) فى سلخ شعبان، و والده الملك الكامل مبرّز بظاهر القاهرة.

و رتّب السلطان مع الملك الصالح- فى النيابة- الأمير فخر الدين:

يوسف بن الشيخ‏ (3). فأساء الملك الصالح السيرة بعد توجه والده، و اشترى بستان الخشّاب‏ (4)، و عمّر فيه مناظر. ففارقه الأمير فخر الدين بن الشيخ، فى العشرين من شوال، و لحق بالسلطان الملك الكامل.

و فيها فى سادس عشر شعبان، أفرج السلطان الملك الكامل عن تاج الدين: يوسف، بن الصاحب صفىّ الدين بن شكر- و كان قد استوزره بعد وفاة والده، ثم اعتقله بعد شهرين- كما تقدم. فأفرج عنه الآن، و أنعم عليه بمائة و خمسين دينارا، و استخدمه موقّعا (5)

____________

(1) أى لقّبه و أعلنه: سلطانا.

(2) هو كل رسوم الملك و أدواته و مظاهره، التى كان يسير بها السلطان فى الموكب فى مناسبة توليه و غيرها.

(انظر: (صبح الأعشى: ج 4- ص 6 و ما بعدها)

(3) هو أخو عماد الدين بن الشيخ الذى تقدم ذكره، و ابن آخر لصدر الدين شيخ الشيوخ. و سيكون لفخر الدين هذا شأن فى عهد الملك الصالح و موقعة المنصورة.

(4) كان موقع هذا البستان فى المنطقة التى يحدها- اليوم- شارع المبتديان من الشمال، و قصر العينى فى الجنوب، و نهر النيل فى الغرب، و الخليج المصرى من الشرق.

(ملحق النجوم الزاهرة: ج 7- ص 388)

(5) يطلق لفظ الموقّعين على كتاب الدّست: أى الذين يكتبون عن السلطان أو نائبه، مباشرة.

(انظر القلقشندى: ج 1- ص 137)

149

و فيها كانت الوقعة على صور (1). و ذلك أن الملك العزيز عثمان، و صارم الدين التّبنينى، كمنا للفرنج قريبا من صور. فلما تعالى النّهار.

خرج أهل صور (2): فارسهم و راجلهم بمواشيهم، فخرجا عليهم فيمن معهما من الكمين، فقتلوا و أسروا سبعين فارسا، و استاقوا الأغنام و الجواميس. و لم يسلم ممن خرج من الفرنج، غير ثلاثة.

و فيها توفى شرف الدين أبو المعالى: شكر بن القاضى كمال الدين أبى السعادات، أحمد بن شكر. و هو أخو الوزير الأعز فخر الدّين مقدام. و كان قد ولى نظر ثغر الإسكندرية و غيرها- (رحمه الله تعالى).

و فيها توفى أبو الفتح: نصر بن صغير بن داغر، أبو خالد القيسرانى الحلبى كان شيخا أديبا، له نظم حسن. (رحمه الله تعالى).

و استهلت سنة ست و عشرين و ستمائة:

ذكر تسليم البيت المقدس و ما جاوره للفرنج‏

كان تسليم البيت المقدّس و ما جاوره للفرنج فى العشر الآخر، من شهر ربيع الأول، من هذه السنة.

____________

(1) مدينة كبيرة معروفة على ساحل الشام. احتلها الفرنج مدة طويلة أيام الحروب الصليبية.

(2) المقصود بهم الفرنج، فقد كانوا محتليها فى ذلك الوقت.

150

و سبب ذلك أن السلطان الملك الكامل، لما اتصلت به أفعال ابن أخيه الملك الناصر داود، خرج من القاهرة فى الثالث و العشرين من شعبان سنة خمس و عشرين، و استناب ولده الملك الصالح كما تقدم، و بقى إلى العشر الأوسط من شهر رمضان، و سار إلى البيت المقدس. ثم عاد و نزل بتلّ العجول‏ (1). فأرسل الملك الناصر داود الفخر بن بصاقة (2) إلى عمه الملك الأشرف ليستنجده، و يعرفه قصد الملك الكامل بلاده. فجاء الأشرف إلى دمشق، و نزل ببستانه بالنّبرب‏ (3). و لما شاهد حركات ابن أخيه المذمومة، أطمعته نفسه فى أخذ دمشق لنفسه.

و وصل الملك الكامل إلى نابلس، و رتّب الولاة و النّوّاب فى البلاد الساحلية. فبلغه أن الأنبرور فرديك‏ (4) قد وصل إلى يافا فى ميعاده. فعاد إلى تل العجول، و تردّدت الرسائل بينه و بين الأنبرور. و كان السفير بينهما الأمير فخر الدين يوسف بن الشيخ، و الصّلاح الإربلىّ. فتقرر الصلح على: أن السلطان يعطى الأنبرور البيت المقدس، و القرايا التى على طريقه من يافا إلى‏

____________

(1) موضع بالقرب من غزة.

(مفرج الكروب: ج 3- 74)

(2) هو كاتب الإنشاء فخر القضاة، نصر اللّه بن هبة اللّه بن عبد الباقى الغفارى. كان أكتب أهل زمانه بلا مدافعة، و أطولهم باعا فى الأدب. و له ديوان شعر. ولد بقوص سنة 577. و مات بدمشق سنة 646 ه.

(حسن المحاضرة: ج 1- 243)

(3) قرية مشهورة بدمشق، على نصف فرسخ منها. فى وسط البساتين. قال عنها ياقوت: أنزه موقع رأيته.

(معجم البلدان: ج 8- 355)

(4) أى الأمبراطور فردريك.

151

القدس، و مدينة لدّ (1) و تبنين‏ (2) و أعمالها. و وقّعت الهدنة مدة عشر سنين.

و تسلم الأنبرور البيت المقدس، و هذه الأماكن. فحضر الأئمة و المؤذنون، الذين كانوا بالصخرة و المسجد الأقصى، إلى باب الدّهليز الكاملى، و أذّنوا فى غير وقت الأذان. فأمر الملك الكامل أن يؤخذ منهم ما معهم من السّتور و القناديل و الآلات، و أن يتوجهوا إلى حال سبيلهم.

قال: و لما وصلت الأخبار بتسليم بيت المقدس للفرنج، عملت الأعزية فى جميع بلاد الإسلام، بسبب ذلك. و أشار الملك الناصر داود- صاحب دمشق- إلى الشيخ شمس الدين أبى المظفّر: يوسف سبط ابن الجوزى، أن يذكر ما جرى على القدس فى مجلس وعظه بجامع دمشق، ليكون ذلك زيادة فى الشناعة على عمه الملك الكامل.

فجلس و وعظ، و قال: انقطعت عن بيت المقدس و فود الزائرين! يا وحشة للمجاورين! كم كانت لهم فى تلك الأماكن ركعة! كم جرت لهم فى تلك المساكن من دمعة. باللّه لو صارت عيونهم عيونا لما وفت. و لو انقطعت قلوبهم أسفا لما اشتفت. أحسن اللّه عزاء المسلمين. يا محلّة ملوك المسلمين. لهذه الحادثة تسكب العبرات، و لمثلها تنقطع القلوب من الزفرات، لمثلها تعظم الحسرات.

____________

(1) قرية صغيرة معروفة قرب بيت المقدس.

(2) هذه الكلمة غير ظاهرة فى (ع)، و بغير نقط، و لكنها تبدو فى صورة (تبنين). و تبنين المشهورة، التى مر ذكرها، هى بالقرب من بانياس و دمشق. و يظهر أن هناك تبنين أخرى صغيرة فى هذا الموضع، فقد ورد ذكرها فى (ابن الأثير: ج 11- ص 222) قريبة من بيت لحم و الخليل.

152

ثم أنشد قوله:

أ عينيّ لا ترقى‏ (1)من العبرات‏ * * * صلى بالبكا الآصال بالبكرات‏

و هى أبيات ذكر فيها البيت المقدّس و فضله، و زوّاره، و ما حل به من هذه الحادثة- تركنا ذكرها اختصارا.

و كان الملك الأشرف قد قال للملك الناصر داود: أنا أتوجّه إلى عمك الملك الكامل، و أصلح حالك معه. و توجه إلى السلطان فوجده قد سلّم البيت المقدس للفرنج، فشق ذلك عليه و لامه. فقال الملك الكامل:

ما أحوجنى إلى هذا إلا المعظّم- يشير إلى أن المعظم أعطى الأنبرور من الأردنّ إلى البحر، و أعطاه الضّياع التى من باب القدس إلى يافا، و غيرها.

و لما اجتمع الملك الأشرف بالملك الكامل اتفقا على حصار دمشق.

و قبض الملك الناصر على فخر الدين بن بصاقة (2)، و ابن عمه المكرّم، و اعتقلهما فى الجبّ‏ (3)، و استأصل أموالهما. و كان قد اتهم الفخر أنه حسّن للأشرف الاستيلاء على دمشق.

____________

(1) رقأ الدمع، كجعل: جفّ. (القاموس).

فمعنى (لا ترقى) فى البيت: لا تجفّى من العبرات: الدموع.

(2) سبقت ترجمته.

(3) أى فى الجبّ بالقلعة.

153

و فى هذه السنة فى آخر صفر، فوّض الملك الناصر داود القضاء بدمشق للقاضى: محيى الدين أبى الفضائل، يحيى بن محمد بن على بن محمد بن يحيى، القرشى: المعروف بابن الزّكى- شريكا لقاضى القضاة: شمس الدين أحمد الخويى‏ (1). و عزل القاضى نجم الدين: أحمد بن محمد بن خلف المقدسى- و كان ينوب عن القاضى شمس الدين الخوئىّ فى القضاء.

و صار الخوئىّ و ابن الزّكى فى القضاء جميعا.

ذكر توجه السلطان إلى دمشق و حصارها، و أخذها من ابن أخيه: الملك الناصر داود، و استقرار الملك الناصر بالكرك و ما معها

قال: لما سلم السلطان الملك الكامل البيت المقدس و ما جاوره إلى الأنبرور، سار إلى دمشق، و صحبه الملك الأشرف. و وصل إليه الملك العزيز عثمان، صاحب بانياس، و معه ولده الملك الظاهر، فأعطاه خمسين ألف دينار، و أعطى ولده عشرة آلاف، و أنعم عليهما بقماش و خلع، و ذلك بمنزلة سكّاء (2)

____________

(1) هذا ضبطها. فهى نسبة إلى (خويّ) بضم الخاء و فتح الواو ثم الياء المشددة. و هى: «بلد مشهور من أعمال اذربيجان، كثير الخير و الفواكه».

(معجم البلدان: ج 3- 494)

(2) كانت مكتوبة فى الأصل، فى النسختين: منزلة سكريير (هكذا) و لم نجد فى المعاجم هذا الاسم. و إنما وجدنا «سكاء»- بفتح أوله و تشديد ثانيه و المد-: اسم قرية بينها و بين دمشق أربعة أيام، فى الغوطة.

(معجم البلدان: ج 5- 96)

154

ثم قدم عليه الأمير عز الدين أيدمر المعظّمى- و كان الملك الناصر بن سيده قد أساء إليه- فأنعم عليه السلطان بعشرين ألف دينار من الخزانة، و كتب له توقيعا بعشرين أردب غلة، على الأعمال القوصيّة، و أعطاه أملاك الصاحب صفى الدين بن شكر. و كان قد عزم على العود إلى الديار المصرية، فلما جاءه الأمير عز الدين قال: قد جاءنى مفتاح الشام، و سار إلى أن وصل إلى دمشق و حاصرها. و كان نزوله عليها فى شهر ربيع الآخر.

و شدد الحصار، و ضيّق على من بالبلد. فخرج إليه الملك الناصر داود سرّا، و وقف على باب الدّهليز (1) و أرسل مملوكه خلف أحد الحجّاب، فلما جاء إليه الحاجب، قال له: قل لمولانا السلطان: مملوكك داود ابن أخيك بالباب، فأعلم الحاجب السلطان فخرج إليه و تلقاه و اعتنقه، فقبّل الناصر رجله و قال: يا عم قد جئتك بذنوبى و هؤلاء حرم أخيك. فبكى الملك الكامل، و قال: و اللّه يا ولدى، لو كان وصولك إلىّ قبل استنجادك بعمك الأشرف، و حضوره من بلاده- أبقيت دمشق عليك. و لكن إذ جاء الملك الأشرف إلى عندى، أنا أعطيك الكرك و الشّوبك‏ (2) و الساحل‏ (3) و الغور (4). و إذا سيّرت إليك فلا توافق حتى يكمل لك ألف و خمسمائة فارس. عد إلى مكانك. فعاد الناصر، و هو طيب النفس.

____________

(1) خيمة الملك أو السلطان. أو الخيمة الكبيرة.

(2) سبق التعريف بهذه المواضع و الكرك و الشوبك قلعتان شهيرتان. فى جنوب البحر الميت، بين الجبال.

(3) سبق التعريف بهذه المواضع و الساحل ساحل فلسطين.

(4) سبق التعريف بهذه المواضع فالغور: وادى بالأردن،