نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج29

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
495 /
155

و بلغ الملك الأشرف خروج الملك الناصر الى السلطان، فركب و أسرع ليدركه و يقبض عليه، فلم يدركه. فوبخ الأشرف الكامل على إطلاقه و تمكينه من دمشق. فقال له الملك الكامل: إنه جاءنى و بكى، و قال هؤلاء حرم أخيك. ثم قال الملك الكامل: هؤلاء أولادنا، لا بدّ لهم من مكان يأوون إليه. فقال الأشرف: يكون لهم الشّوبك. فقال الكامل: ما يكفيهم إلا أن تكون الكرك معها. فسيّر إلى الناصر فى إعطائه الكرك و الشّوبك، فلم يرض بذلك. و لم يزل إلى أن يقرّر له الكرك و الشّوبك و الغورين و البلقاء، فأجاب إلى ذلك.

و خرج الناصر عن دمشق، و تسلمها الملك الكامل فى غرة شعبان.

فكان مدة المقام عليها أربعة أشهر. و مضى إلى الكرك، و تسلم ما أقطع باسمه.

و قيل إن السلطان لم يعطه الشّوبك، و سأله إياها، فقال له: يا ابن أخى أنا ليس لى حصن يحمى رأسى، و افرض أن هذا الحصن لك و قد وهبتنى إياه.

و إنه أعطاه الكرك و عجلون و نابلس و بلاد القدس. و اللّه أعلم.

ذكر تسليم دمشق للملك الأشرف‏

قال: لما تسلم الملك الكامل دمشق، سأله أخوه: الملك الأشرف موسى، أن يهبه دمشق، و يعوّضه عنها حرّا و أعمالها، و الرّها و سروج، و رأس عين و الرّقّة، و جملين. فرضى كلّ منهما بذلك. و تسلم الملك الأشرف دمشق. و وجه الملك الكامل الأمير فخر الدين بن الشيخ، فتسلم ذلك.

و تسلم الملك الأشرف دمشق. و توجه الملك الكامل إلى هذه الجهات، فرتّب أحوالها.

156

قال: و لما أقام الملك الأشرف بدمشق، دخل عليه شرف الدين بن عنين الشاعر، فلم ير منه ما كان يعهده من الملك المعظم، من الانبساط، و ما كان يقع فى مجلسه من سماع أهاجى ابن عنين، فيما كان يفعله. فنهاه الملك الأشرف، و قال: ليس مجلسى كما عهدت. يكفينى ما أنا فيه، حتى أضيف إليه ثلب المسلمين. فخرج من عنده، و قال:

و كنا نرجّى بعد عيسى‏ (1)محمدا (2) * * * لينقذنا من شدّة الضّر و البلوى‏

فأوقعنا فى تيه موسى‏ (3) كما ترى‏ * * * حيارى، بلا منّ لديه و لا سلوى!

فبلغ الأشرف ذلك، فأمر بقطع لسانه. فدخل على جماعة من الأكابر، و حلف أن الشعر ليس له. ثم هرب إلى بلاده بزرع‏ (4) و حوران.

فكف الملك الأشرف عن طلبه.

ذكر أخذ مدنية حماه و تسليمها للملك المظفر

قال: لما توجه السلطان الملك الكامل إلى بلاد الشرق، اجتاز بمدينة حماه، فأخذها من صاحبها: قليج أرسلان بن الملك المنصور (5)- و كان قد

____________

(1) يقصد بعيسى: الملك المعظم الذى كان صاحب دمشق.

(2) محمدا: يقصد به الملك الكامل.

(3) يقصد به الملك موسى الأشرف.

(4) هى بلدة من بلاد حوران. و ضبطها صاحب صبح الأعشى بضم الزاى و فتح الراء المهملة و عين مهملة.

(صبح الأعشى: ج 4- 108)

(5) أى الملك المنصور محمد، بن المظفر تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب. و المظفر هذا هو ابن أخى صلاح الدين.

157

استولى عليها لما قدم الملك المظفر (1) إلى الملك الكامل بالمنصورة. فلما استقر الملك الكامل بمصر، أرسل إلى قليج أرسلان يقبّح عليه فعله، و يلتمس منه الخروج عن حماه، و إعادتها إلى أخيه. فلم يجب إلى ذلك. فأقطع الملك الكامل المظفر إقطاعا بمصر.

فلما اجتاز الملك الكامل الآن بحماه، خرج إليه قليج أرسلان فقبض عليه، و سلّم حماه للملك المظفر، و هو أخو قليج أرسلان، فتسلمها.

و فى هذه السنة فى شهر رجب، وصل القاضى بهاء الدين بن شدّاد، قاضى حلب، فى خطبة ابنة السلطان الملك الكامل للملك العزيز بن الملك الظاهر، صاحب حلب. فزوجه السلطان بابنته.

و فيها قبض السلطان الملك الكامل على ورثة ولد القاضى الفاضل، و سائر أملاكه. و أخذت الكتب من داره و حملت إلى القلعة، فكانت عدّتها أحد عشر ألف مجلّدا.

ذكر وفاة الملك المسعود، صاحب اليمن‏

كانت وفاة الملك المسعود صلاح الدين أقسيس‏ (2) بن السلطان الملك الكامل، صاحب الحجاز و اليمن- فى ثالث جمادى الأولى سنة ست و عشرين و ستمائة. و مولده فى شهر ربيع الآخر سنة سبع و تسعين و خمسمائة.

____________

(1) هو المظفر، بن الملك المنصور محمد، بن المظفر تقى الدين عمر المذكور.

(2) سبق تفسير هذا الاسم. و هو لفظ تركى أصله: أطسز، أو أتسز

158

و كان بلغه وفاة عمه الملك المعظم بدمشق، فطمع فى الشام. و تجهز جهازا لم يسبقه أحد من الملوك إليه. و ذلك أنه نادى فى التجار ببلاد اليمن: من أراد السفر صحبة السلطان إلى الديار المصرية و الشام فليتجهز.

فتجهز معه سائر التجار الذين وصلوا من الهند، بالأموال و الأقمشة و الجواهر. فلما تكاملت المراكب، قال اكتبوا لى [ما] معكم من البضائع، لأحميها من الزكاة. فكتبوها له. فصار يكتب لكل تاجر برأس ماله على بعض بلاد اليمن، و استولى على البضائع. فاجتمعوا و استغاثوا، فلم يسمع شكواهم. فيقال إن نقله كان فى خمسمائة مركب، و معه ألف خادم، و مائة قنطار من العنبر و العود و المسك، و مائة ألف ثوب، و مائة صندوق فيها الأموال و الجواهر.

و ركب إلى مكة، فمرض فى طريقه. فما دخل مكة إلا و قد فلج و يبست يداه و رجلاه، و رأى فى نفسه العبر. فلما احتضر بعث إلى رجل مغربى بمكة و قال: و اللّه ما أرضى لنفسى، من جميع ما معى، كفنا أكفّن فيه، فتصدّق على بكفن! فبعث إليه نصف ثوب بغدادى، و مائتى درهم، فكفنوه بهما. و دفن بالمعلّى. و يقال إن الهواء ضرب المراكب فرجعت إلى زبيد، فأخذها أصحابها.

159

و حكى أن الملك الكامل- والده- سرّ بوفاته. و لما جاء خزنداره‏ (1) إليه، لم يسأله كيف مات، بل قال: كم معك من المال و التحف! و كان الملك المسعود قد استناب باليمن أستاذ داره‏ (2): عمر بن على ابن رسول. فتزوج زوجته: ابنة صاحب جوزا (3) و ملك البلاد. و كتب إلى السلطان الملك الكامل، و جهّز إليه الأموال و التحف. و استقر على حكم النيابة.

ثم استقلّ بعد ذلك بملك اليمن، و تلقب بالملك المنصور. و أرسل رسولا إلى الديوان العزيز فى سنة اثنتين و ثلاثين و ستمائة، فوصل فى سابع عشر صفر منها، فتلقاه بعض الأمراء و دخل، و قبّل العتبة بالباب النّوبى. و حضر فى اليوم الثالث من وصوله إلى دار الوزير و أدّى رسالته، و أنهى إلى الديوان العزيز استيلاء مرسله على جميع بلاد اليمن، و أنه مخلص فى طاعة الديوان.

____________

(1) أى صاحب الخزنة، و هو متولى الشئون المالية.

«دار» لفظ فارسى، بمعنى صاحب، أو المشرف على ...

قال صاحب صبح الأعشى: «الخازندارية موضوعها التحدث فى خزائن الأموال السلطانية ..».

(ج 4- ص 21)

(2) وظيفة «الاستادارية» كانت من الوظائف الرئيسية للسلطان أو نوابه أو الأمراء و قد عرفها «القلقشندى» بما يلى: «و موضوعها التحدث فى أمر بيوت السلطان كلها ... و هو الذى يمشى بطلب السلطان و يحكم فى غلمانه و باب داره .. و له حديث مطلق و تصرف تام فى استدعاء ما يحتاجه كل من فى بيت السلطان من النفقات و الكساوى و ما يجرى مجرى ذلك للمماليك و غيرهم».

فهو المتولى شئون دار السلطان أو النائب أو الأمير. و هو أشبه «بناظر الخاصة» الذى كان موجودا بمصر.

(صبح الأعشى: ج 4- ص 20)

(3) هكذا فى (ع). و فى (ك): حورا.

و لم أجد أيا منهما فى معجم البلدان. و لكن وجدت فيه:

«جوزان: قرية من مخلاف بغدان باليمن».

(ج 3- 166)

160

و هو يسأل قبول ما سيّره من التحف و الهدايا. حكاه ابن الساعى فى تاريخه.

و استمر الملك بالديار اليمانية فيه و فى أولاده من بعده، إلى وقتنا هذا.

و فيها فى جمادى الأولى، توفى ناصر الدين منكورس بن بدر الدين خمارتكين عتيق مجاهد الدين بزان صاحب صرخد. و كان ناصر الدين المذكور صاحب صهيون‏ (1). و تولى مملكة صهيون بعده ولده مظفّر الدين عثمان.

و استهلت سنة سبع و عشرين و ستمائة:

فى هذه السنة، فى ثانى عشر شهر رجب منها، قدم السلطان الملك الكامل إلى الديار المصرية.

و كان سبب عوده أنه بلغه أن ابنه الملك الصالح- نجم الدين أيوب- قد ترتب على الملك بالديار المصرية، و أنه اشترى ألف مملوك، فعاد.

و أخرج ابنه الملك الصالح إلى بلاد الشرق، و لم يعطه شيئا.

____________

(1) ذكرها النويرى فى المتن من قبل، و قال إن «صهيون ضيعة بالقدس».

و قال ياقوت: «صهيون» تطلق على عدة أماكن. فهى موضع معروف بالبيت المقدس، محلة فيها كنيسة صهيون. و صهيون- أيضا- حصن حصين من أعمال سواحل بحر الشام، و هى قلعة حصينة مكينة فى طرف جبل، خنادقها أودية واسعة عميقة و لها ثلاثة أسوار. و كانت بيد الإفرنج حتى استرجعها الملك الناصر صلاح الدين سنة 584 ه.

(معجم البلدان: ج 7- 240) (انظر أيضا صبح الأعشى: ج 4- 145)

161

و لما وصل الملك الكامل إلى قلعة الجبل، عمل له صلاح الدين الإربلى دعوة فى داره، فحضرها السلطان. فأنشده الصلاح:

لو تعلم دارنا بمن قد جمعت‏ * * * مالت طربا و صفّقت و استمعت‏

و الخمرة لو تعلم من يشربها * * * كانت شكرت لعاصريها، و دعت‏

و فيها قصّر النيل فلم يوف، و انتهى إلى ثلاثة عشر ذراعا و ثلاثة و عشرين أصبعا و قيل أنه انتهى إلى أربعة عشر ذراعا، و أصابع، و قيل بل بلغ ستة عشر ذراعا و عشرة أصابع. فارتفع سعر الغلّة. فسعّر الملك الكامل القمح بعشرين درهما ورقا (1) الإردب. و أمر مستخدمى‏ (2) الأهراء السلطانية ببيع القمح بخمسة و عشرين درهما ورقا. و منع الناس من شراء الكثير منه، إلا المئونة. و استمر السعر كذلك بقية السنة.

ثم أطلق السلطان سعر الغلّة، فى ثالث المحرم سنة ثمان و عشرين، و أمر أن يباع بالسعر الواقع. فأبيع القمح فى هذا الوقت بخمسين درهما ورقا الإردب، و الخبز أربعة أرطال بدرهم ورق. فنال الناس من ذلك شدّة عظيمة.

هكذا نقل مؤرخو (3) ذلك العصر. فكيف لو شاهدوا ما شاهدناه فى- سنة خمس و تسعين و ستمائة، على ما نذكره- إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) الورق: الدرهم الفضة. و المقصود به هنا الدرهم الأصلى المطبوع، الذى كانت نسبة الفضة فيه عالية، قبل أن يظهر الدرهم النقرة الذى زادت فيه نسبة النحاس. و قيمة الدرهم الأولى أعلى.

(2) فى (ك) و (ع): «و أمر مستخدمين الأهراء»!

(3) فى (ك) و (ع): «هكذا نقل مؤرخى ذلك العصر». و هو مثل آخر من الأخطاء النحوية.

162

ذكر استيلاء الملك الأشرف على بعلبك‏

و فى هذه السنة، بعث الملك الأشرف- صاحب دمشق- أخاه الملك الصالح إسماعيل إلى بعلبكّ. فحصرها و نصب عليها المجانيق‏ (1)، و رماها بأحجارها.

ثم توجه إليها الملك الأشرف. و دخل الصاحب صفى الدين- إبراهيم ابن مرزوق- بين الملك الأشرف و الملك الأمجد صاحب بعلبك، و حصل الاتفاق. فتسلمها الملك الأشرف، و انتقل الأمجد منها إلى دمشق. و أقام بداره بها، و هى الدار المعروفة بدار السعادة، التى ينزلها نوّاب السلطنة فى وقتنا هذا. و لم تطل مدة حياته، فإنه قتل فى سنة ثمان و عشرين و ستمائة.

و فيها استولى السلطان: جلال الدين خوارزم شاه‏ (2) على مدينة خلاط، بعد أن حاصرها مدة عشرة أشهر. و قد تقدم ذكر ذلك فى أخبار جلال الدين. و لما ملكها، أخذ منها مجير الدين يعقوب و تقىّ الدين عباس: ابنى‏ (3) الملك العادل، و أخذ الكرجيّة: زوجة الملك الأشرف، و دخل بها من ليلته. و قتل عز الدين أيبك الأشرفى.

____________

(1) جمع: منجنيق. آلة من آلات الحرب التى كانت تستخدم فى تلك العصور، و لا سيما فى الحصار. و هى أشبه بالمقلاع تقذف منها الحجارة الكبيرة، لتدك مواقع العدو.

(2) هو جلال الدين، منكبرتى بن محمد بن تكش. و كان هذا السلطان- «جلال الدين»- آخر سلاطين الدولة الخوارزمية (شاهات خوارزم) و كانت مدة حكمه هى: (617- 628 ه» و فى هذه السنة الأخيرة قضى التتار على دولته، و قتل هو فى أثناء فراره. و كان ظالما، نفر الملوك و الناس من حوله.

(3) فى (ع): «ابنا» الملك العادل.

163

و بلغ الملك الأشرف ذلك، و هو بدمشق، و الملك الكامل بالرّقّة (1) فتوجه من دمشق إلى الرقة. و أتته رسل السلطان علاء الدين كيقباذ- صاحب الروم‏ (2)- فى الاجتماع على حرب جلال الدين. فاستشار الملك الأشرف أخاه الملك الكامل فى ذلك، فأشار به. و قطع الملك الكامل الفرات فى سبعة آلاف فارس، و توجه إلى الديار المصرية- للسبب الذى ذكرناه.

و سار الملك الأشرف إلى حرّان فى سبعمائة فارس، فأقام بها. و كتب إلى حلب و الموصل و الجزيرة فجاءته العساكر، و توجه إلى صاحب الروم و اجتمعوا. و التقوا بالسلطان جلال الدين خوارزم شاه، فكسروه.

و قد ذكرنا خبر استيلاء جلال الدين على خلاط، فى أخباره. و ذكرنا خبر هذه الكسرة فى أخبار السلطان علاء الدين كيقباذ صاحب الروم، فى أخبار الدولة السّلجقيّة. فلنذكر الآن ما يتعلق بالملك الأشرف.

و لما انهزم جلال الدين، قال الملك الأشرف للسلطان علاء الدين كيقباذ: لا بدّ لي من خلاط. فأعطاه علاء الدين. و أنعم على أصحابه: من الأموال و الخلع. و الثياب و التّحف و الخيول، ما قيمته ألفا ألف دينار.

____________

(1) مدينة مشهورة على الشاطئ الشرقى للفرات. من بلاد الجزيرة. و بينها و بين حران ثلاثة أيام.

(ياقوت: ج 4- 272)

(2) هو علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان. و كانت مدة حكمه ما بين سنتى:

(616- 634 ه). و هو صاحب الروم: أى دولة الروم السلجوقية بآسيا الصغرى.

164

و توجه كيقباذ إلى بلاده، و جرّد فى خدمة الملك الأشرف جماعة، فتوجه بهم إلى خلاط. فوجد جلال الدين قد أخذ مجير الدين و تقىّ الدين و الكرجيّة معه. فساق الأشرف خلفه. ثم تراسلا، و اصطلحا. فأطلق جلال الدين مجير الدين و تقىّ الدين، و بعث بهما إلى الخليفة ببغداد. فأنعم الخليفة على كل منهما بخمسة آلاف دينار. و عاد الملك الأشرف إلى دمشق، فى سنة ثمان و عشرين و ستمائة. فأقام بها شهرا، و توجه إلى أخيه الملك الكامل بالديار المصرية.

و فى هذه السنة، استخدم الملك المظفّر: شهاب الدين غازى- صاحب ميّافارقين- العزّ بن الجاموس على ديوانه. و أمّره و أعطاه الكوسات‏ (1) و الأعلام، و قدّمه على جماعة و مكّنه. و دعى بالصاحب الأمير عز الدين. فظلم الناس و عسفهم، و أخذ أموالهم. فلم تمهله المقادير، و مات فى بقية سنة سبع و عشرين بميّافارقين. و استولى الملك المظفر على تركته، و ظهر له سوء فعله، فصار يصرّح بلعنه. و جاء عمه من دمشق يطلب ميراثه، فسبه المظفر، ثم أعطاه ألف درهم و عاد إلى دمشق.

____________

(1) عرفها القلقشندى بأنها: «صنوجات من نحاس شبه الترس الصغير، يدق بأحدها على الآخر بإيقاع مخصوص. و مع ذلك طبول و شبّابة. و هى من علامات السلطان أو الإمارة.

(صبح الأعشى: ج 4- ص 9)

165

و فيها، فى ثامن جمادى الآخرة، توفى بمصر الفقيه الإمام: شرف الدين أبو عبد اللّه محمد، بن الشيخ أبى حفص عمر، بن الشيخ أبى عبد اللّه محمد بن عمرو بن جعفر، الأزدى الغسّانى، المالكى- المعروف بابن اللّهيب. و مولده فى سنة إحدى و سبعين و خمسمائة. و تولى التدريس بالمدرسة الصّاحبيّة (1) بالقاهرة، إلى حين وفاته. و هو من بيت الخير و الصلاح و الفقه.

و استهلت سنة ثمان و عشرين و ستمائة:

فى يوم الاثنين، عاشر جمادى الآخرة، قدم الملك الأشرف إلى القاهرة، لخدمة السلطان الملك الكامل- و معه صاحب الجزيرة.

و فيها، فى منتصف شعبان، ابتدأ السلطان الملك الكامل بحفر البحر، من دار الوكالة إلى صناعة التّمر الفاضلية. و استعمل فيه الملوك و الأمراء، و عمل بنفسه.

و كان هذا البحر فى أوان احتراق النيل يكون طريقا سالكا إلى المقياس. و تمر المراكب ما بين الروضة و الجيزة. ثم صار على العكس من ذلك فى سنة ثلاث عشرة و سبعمائة (2)، فصار فى احتراق النيل ليس بين الروضة و بين بر الجيزة غير ماء قليل يخاض، فلا يغطّى أكثر من خلخال. ثم أخذ فى الزيادة بعد ذلك. إلى أن صار، فى سنة عشرين و سبعمائة (3)

____________

(1) نسبة إلى الصاحب «صفى الدين بن شكر» وزير العادل و الكامل، لأنه هو الذى أسسها. و كان ابن شكر مالكىّ المذهب.

(2) هكذا فى النسختين.

(3) هكذا فى النسختين.

166

و ما بعدها تسافر فيه المراكب صيفا و شتاء. و البحران الآن على ذلك. و لكن البحر فيما بين الروضة و مصر أكثر، و هو البحر الذى تسافر فيه السفن فى الاحتراق.

نعود إلى سياقة أخبار سنة ثمان و عشرين و ستمائة. و فيها بنى أسد الدين شيركوه- صاحب حمص و الرّحبة- قلعة بالقرب من سلميّة (1) و سماها شميمس، و هى على تلّ عال.

و فيها كان مقتل الملك الأمجد: بهرام شاه، بن فرّخشاه، بن شاهنشاه ابن أيوب- صاحب بعلبكّ. كان و كانت بعلبك بيده، منذ أعطاه إياها السلطان الملك الناصر صلاح الدين عند وفاة أبيه، فى سنة ثمان و سبعين و خمسمائة. فلم تزل بيده، إلى أن انتزعها الملك الأشرف منه- كما تقدم- فى السنة التى قبلها. و أعانه على ذلك صاحب حمص: أسد الدين شيركوه.

و كان سبب مقتله أن بعض مماليكه سرق له حياصة (2) و دواة- قيمة ذلك مائتا دينار- و خبّأ هما عند مملوك آخر، فلما ظهر له ذلك حبس السارق فى خزانة داره- و الخزانة خلف المكان الذى يجلس فيه الملك الأمجد- و توعّد ذلك المملوك- بقطع اليد. فلما كانت ليلة الأربعاء، ثانى عشر شوال، جلس على عادته أمام الخزانة- و عنده عباس بن أخى الشريف البهاء و هما يلعبان بالنّرد، و عنده فهيد المنجّم و بيده الاسطرلاب ليأخذ له طالع الوقت.

____________

(1) سبق ذكرها. و هى بلدة من عمل حمص، على طرف البرية. و شميمس اسم تل بجوارها.

(2) هى المنطقة أو الحزام، كانت تشد فوق القباء، و هو الكساء الخارجى. و كانت الحياصة تصنع فى الغالب من الفضة المطلية بالذهب، و ربما جعلت من الذهب.

(القلقشندى: ج 4- ص 40)

167

فقال له فهيد: يا مولانا انظر إلىّ، فهذه ساعة سعيدة، لو أردت أخذ دمشق لأخذتها. فقال له: لا تكلّمنى، فقد تعيّن لى الغلب! و كان مع المملوك الذى فى الخزانة سكّين، فعالج رزّة الخزانة برفق فقلعها، و فتح الباب. فهجم على الملك الأمجد و أخذ سيفه فجذبه و ضربه به. فصاح، فحلّت الضّربة كتفه، و نزل السيف إلى ثديه. ثم ضربه أخرى، فقطع يده و قطعته فى خاصرته. و هرب يصعد إلى السطح، فتبعوه. فألقى نفسه إلى الدار. فماتا جميعا. و جهّز الملك الأمجد و دفن فى تربة أبيه، التى على الميدان على الشّرف الشّمالى.

و كان فاضلا شاعرا، و له ديوان شعر بأيدى الناس- (رحمه الله تعالى).

قال أبو المظفر: و رآه بعض أصحابه فى المنام بعد موته، فقال له: ما فعل اللّه بك؟ قال:

كنت من ذنبى على وجل‏ * * * زال عنى ذلك الوجل‏

أمنت نفسى بوائقها (1) * * * عشت لما متّ يا رجل‏

قال أبو المظفر: و كان الأمجد قد قتل ابنا له جميلا، كان واطأ عليه الملك العزيز عثمان‏ (2)، و كتب إليه يقول: قد يسّرت باب السّرّ (3) فسر إلينا

____________

(1) البوائق: المهلكات.

(2) كان هو صاحب قلعة بانياس. و هو ابن الملك العادل.

(3) هو الباب، فى القلعة أو القصر، الذى يختصّ بالدخول و الخروج منه أكابر الأمراء و خواص الدولة.

و يكون هذا الباب عادة مغلقا.

(صبح الأعشى: ج 3- 374)

168

وقت السّحر. و كان الملك العزيز بالصّبيبة (1)، فسار منها فى أول الليل- و المسافة بعيدة- فوصل إلى بعلبك و قد طلعت الشمس ففاته الغرض. و اطلع الأمجد على ما فعله ابنه فقتله. و قيل بنى عليه بيتا، فمات.

و فيها توفى المهذّب الدّخوار، الطبيب‏ (2): رئيس الأطباء بدمشق.

و كان طبيبا حاذقا، و ما كان يرى أن فى الدنيا مثله. و كان يقرأ عليه الطّب.

و كانت له دار بدمشق و بستان، فوقف الدار مدرسة يقرأ فيها الطب، و وقف بستانه عليها. و المدرسة باقية بدمشق، تعرف بالدّخوارية، رأيتها فى سنة ثلاث و سبعمائة.

و فيها، فى ثامن عشر شعبان، توفى الأمير شجاع الدين أبو المنصور:

جلدك بن عبد اللّه المظفرى التّقوى‏ (3)، بالقاهرة. سمع من الحافظ السّلفى. و كان مكرّما لأهل العلم و الفضلاء، مساعدا لهم بماله و جاهه.

و حضر مواقف كثيرة فى قتال العدو بالساحل. و تولى ثغر دمياط و الإسكندرية، و قوص، و شدّ الدواوين‏ (4)، و غير ذلك. و كان يكتب فى‏

____________

(1) اسم لقلعة بانياس. و قد سبق الكلام عن هذه القلعة، و هى بالقرب من دمشق، من جهة الغرب بميل إلى الجنوب.

(2) هو عبد الرحيم بن على الدّخوار. ولد بدمشق و نشأ بها. كان فاضلا حاذقا بعلم الطب، أستاذ عصره.

و وقف داره و كتبه على الأطباء.

(النجوم الزاهرة: ج 6- 277)

(3) نسبة إلى المظفر تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب: ابن أخى صلاح الدين.

(4) عد صاحب «صبح الأعشى» هذه الوظيفة من بين الوظائف السلطانية الخاصة بأرباب السيوف (أمراء الجند) و قال عنها: «و موضوعها: أن يكون صاحبها رفيقا للوزير، متحدثا فى استخلاص الأموال و ما فى معنى ذلك».

(ج 4- ص 22)

169

كل بلد يتولاه ختمة. فحكى عنه أنه قال: كتبت بخطى أربعا و عشرين ختمة. و كان قد قارب ثمانين سنة- و قيل مات فى عشر التسعين. و اللّه أعلم.

و استهلت سنة تسع و عشرين و ستمائة:

فى هذه السنة توجه السلطان الملك الكامل إلى بلاد الشرق، بسبب فتح آمد. و سنذكر ذلك.

و فيها- فى جمادى- عزل قاضى القضاة: شمس الدين بن سنىّ الدولة الخوئيّ، و قاضى القضاة شمس الدين بن سنىّ الدولة- جميعا- عن قضاء القضاة بدمشق، و فوّض ذلك إلى قاضى القضاة: عماد الدين عبد الكريم، بن قاضى القضاة جمال الدين الحرستانى.

و فيها توفى الأمير فخر الدين عثمان بن قزل الكاملى بحرّان، فى الثامن و العشرين من ذى الحجة، و دفن بظاهرها. و مولده بحلب فى سنة إحدى و ستين و خمسمائة.

و كان أحد الأمراء الأكابر فى الدولة الكاملية. و كان راغبا فى فعل الخير، مبسوط اليد بالصدقة و الإسعاف، يتفقّد أرباب البيوت و غيرهم.

و أنشأ المدرسة المعروفة بالقاهرة المعزّيّة، و المسجد المقابل لها، و كتّاب السبيل و الرّباط بالقرافة بسفح المقطّم. و أوصى بوصيّة ذكر فيها كثيرا من أنواع البر- (رحمه الله تعالى).

170

و استهلت سنة ثلاثين و ستمائة:

ذكر استيلاء السلطان الملك الكامل على آمد و حصن كيفا (1)

كان الاستيلاء على ذلك فى سنة ثلاثين و ستمائة. و كان السلطان قد توجّه فى سنة تسع و عشرين و ستمائة، و استقلّ ركابه من مقرّ ملكه، بقلعة الجبل المحروسة بظاهر القاهرة المعزّيّة، فى ثامن جمادى الآخرة، و استصحب عساكر الديار المصرية. و وصل إلى دمشق و استصحب أخاه الملك الأشرف، و ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب.

و كان سبب قصده هذه الجهة أن أخاه الملك الأشرف، بما حضر إلى الديار المصرية، عرّف السلطان أن الملك المسعود مودود بن الملك الصالح بن أرتق، صاحب آمد و بلادها و حصن كيفا- قد اشتغل عن مملكته باللهو و الشرب و الطرب، و أنها خالية من العساكر. فتجهّز إليها.

و لما بلغ الملك المسعود أن السلطان قصد بلاده، بادر بإرسال وزيره شرف العلا إلى السلطان يستعطفه، و يسأل مراحمه فى إبقاء ما بيده و الكفّ عن طلبه. فوصل إلى السلطان، و كان إلبا (2) على صاحبه، و عرّف السلطان إقباله على اللهو و الطرب، و أن مملكته خالية من العساكر، فأطمعه فى أخذ البلاد.

____________

(1) هى بلدة و قلعة عظيمة مشرفة على دجلة، بين آمد و جزيرة ابن عمر، من ديار بكر». و قد يقال لها: كيبا.

و هى لصاحب آمد.

(معجم البلدان: ج 3- ص 286)

(2) أى مؤلّبا على صاحبه: ألب عليه: أى حرّض عليه العدو.

171

فسار إليها، و نازلها فى يوم الأربعاء الخامس و العشرين من ذى الحجة و نصب عليها المجانيق. و أنذر صاحبها الملك المسعود و وعده بالإقطاعات الكبيرة، فلم يصغ إلى ذلك. ثم شاهد الغلبة، فخرج إلى السلطان و فى عنقه منديل. فوكّل به، و تسلّم آمد فى مستهل المحرم، سنة ثلاثين و ستمائة.

و استولى على أمواله و ذخائره، و طلب منه تسليم القلاع فسلّمها بجملتها.

و دخل الملك الكامل إلى آمد. فترجّل فى خدمته جميع الملوك الأيوبية، و سائر ملوك الشرق- إلا صاحب الروم السلطان: علاء الدين كيقباذ السّلجقى، و صاحب الجزيرة (1) الملك المعظّم: محمد بن سنجر شاه، فإنهما أرادا أن يترجّلا فلم يمكّنهما الملك الكامل من ذلك، و دخلا راكبين لركوب السلطان، و نزلوا جميعا فى القلعة.

و بقى حصن كيفا بيد نائبه، لم يسلّمه. فكتب الملك المسعود إلى نائبه أن يسلمه، فامتنع من ذلك. فبعث السلطان الملك الكامل أخاه الملك الأشرف إلى الحصن، و معه الملك المسعود، فتوجه به و عاقبه تحت الحصن، و كان يبغضه، فأصر النائب على الامتناع من تسليمه. و كان بينهما إشارة، فلما آلمته العقوبة جاء إلى تحت الحصن، و قبض على شعر نفسه و قطعه بمقصّ، فعند ذلك سلّم النائب الحصن- و كانت هذه إشارة بينهما. و كان تسليم الحصن فى صفر من السنة.

____________

(1) المقصود بها «جزيرة ابن عمر»، و هى بلدة فوق الموصل قريبة منها.

172

و كان الملك المسعود، لما حاصر السلطان آمد، قد كتب إلى نائبه بحصن كيفا يقول له: من مرّ عليك من أهل الجزيرة فاعتقله، لأن صاحب الجزيرة كان قد توجه إلى خدمة السلطان الملك الكامل. و كان المتولى يرصد القفول إذا مرّت بالحصن، فمن كان منهم من أهل الجزيرة قبض عليه و اعتقله. و اجتمع فى حبسه خلق كثير منهم. فلما فتح الحصن أفرج السلطان عنهم.

و أنعم الملك الكامل على ولده، الملك الصالح نجم الدين أيوب، بحصن كيفا و أعماله- و كان، منذ أخرجه من الديار المصرية، بغير ولاية.

و جعل شهاب الدين غازى- بن شمس الملوك- نائب السلطنة بآمد. و معين الدين بن الشيخ الوزير، و الطّواشى شمس الدين صواب العادلى متولى تدبير تلك الممالك. قال أبو المظفر: قال لى الملك الأشرف: وجدنا فى قصر الملك المسعود خمسمائة حرّة من بنات الناس للفراش.

و عاد السلطان إلى الديار المصرية فى سنة ثلاثين و ستمائة، و استصحب أكابر أهل آمد و أعيانها، صحبته، إلى الديار المصرية- و كان منهم بدر الدين، و موفق الدين، و ابن أخيهما شمس الدين، و جماعة كبيرة. فأما هؤلاء الثلاثة فإنهم باشروا و ترقوا فى المناصب بالديار المصرية، و الشام. و من عداهم من أهل آمد نالتهم فاقة شديدة و ضرورة، حتى استعطوا بالأوراق.

و أما الملك المسعود فإن السلطان أنعم عليه بالإقطاعات بالديار المصرية.

173

ذكر توجه رسول السلطان الملك الكامل إلى بغداد، و عوده هو و رسول الخليفة بالتقليد (1)

فى هذه السنة توجّه القاضى الأشرف: بهاء الدين أبو العباس، أحمد ابن القاضى محيى الدين عبد الرحيم البيسانى- رسولا من جهة السلطان الملك الكامل إلى الدّيوان العزيز. فعاد فى صحبة رسول الخليفة (2)، و هو الشيخ جمال الدين أبو محمد يوسف بن الجوزى، و معهما جماعة من الأجناد. و أعطى ابن الجوزى محفّة تمييزا له.

و نفّذ معهما تقليد، من إنشاء الوزير أبى الأزهر: أحمد بن النّاقد (3)، بخطّ العدل ناصر بن رشيد الحربوى‏ (4). و فى أعلاه بخط الوزير ما مثاله: للآراء المقدسة- زادها اللّه تعالى جلالا و تعظيما- مزيد فى شرفها فى تتويجه. و العلامة المستنصرية عليه، تحت البسملة: «اللّه القاهر فوق عباده».

____________

(1) مما ينبغى التنبيه إليه أن هذا التقليد الذى سيورد المؤلف نصه فيما يلى نشره محقق «مفرج الكروب» بين ملاحق هذا الكتاب (ج 3- 361- رقم 28) على أنه «العهد المكتوب به من ديوان الخلافة ببغداد إلى السلطان الملك العادل أبى بكر بن أيوب». و صحته كما هو ثابت فى المتن و كما تدل عليه نصوص الوثيقة أن العهد هو للسلطان الكامل بن السلطان العادل.

(2) الخليفة المقصود هو «المستنصر باللّه» بن الخليفة «الظاهر». و كان مدة خلافة المستنصر من 623 إلى 640 ه.

(3) هو شهاب الدين أحمد بن محمد. بن الناقد. نشأ و تنقل فى المناصب حتى ولى الوزارة للخليفة «المستنصر» (623- 640). و كان رجلا فاضلا ديّنا. سار فى وزارته أحسن سيرة. و كانت وفاته فى سنة 642.

(النجوم الزاهرة- ص 350)

(4) فى النسخة (ك) هكذا: الحربوى، و فى النسخة (ع): الحزبوى.

174

و نسخة التقليد

بسم اللّه الرحمن الرحيم. الحمد للّه الذى اطمأنّت القلوب بذكره، و وجب على الخلائق جزيل حمده و شكره، و وسعت كلّ شي‏ء رحمته، و ظهرت فى كلّ أمر حكمته. و دلّ على وحدانيته بعجائب ما أحكمه صنعا و تدبيرا، و خلق كلّ شي‏ء فقدّره تقديرا- ممدّ الشاكرين بنعمائه التى لا تحصى عددا. و عالم الغيب الذى لا يظهر على غيبه أحدا. لا معقّب لحكمه فى الإبرام و النّقض، و لا يئوده حفظ السموات و الأرض. تعالى أن يحيط به الضّمير، و جلّ أن يبلغ وصفه البيان و التفسير، ليس كمثله شي‏ء و هو السميع البصير.

و أحمد اللّه الذى أرسل محمدا- (صلى اللّه عليه و سلّم)- بالحق، بشيرا و نذيرا. و داعيا إلى اللّه بإذنه، و سراجا منيرا. و ابتعثه هاديا للخلق، و أوضح به مناهج الرّشد و سبل الحق. و اصطفاه من أشرف الأنساب و أعزّ القبائل.

و اجتباه لإيضاح البراهين و الدلائل، و جعله لديه أعظم الشّفعاء و أقرب الوسائل. فقذف- صلى اللّه عليه- بالحقّ على الباطل. و حمل الناس بشريعته الهادية على المحجّة (1) البيضاء و السّنن العادل، حتى استقام اعوجاج كل زائغ، و رجع إلى الحق كلّ حائد عنه و مائل. و سجد للّه كلّ شي‏ء يتفيّأ ظلاله عن اليمين و الشمائل. صلى اللّه عليه و على آله و صحبه الكرام‏

____________

(1) الطريق الممهد.

175

الأفاضل، صلاة مستمرّة بالغدوات و الأصائل- خصوصا على عمّه و صنو (1) أبيه: العباس بن عبد المطلب، الذى اشتهرت مناقبه فى المجامع و المحافل. و درّت ببركة الاستسقاء به أخلاف‏ (2) السّحب الهواطل، و فاز من تنصيص الرسول- (صلى اللّه عليه و سلّم)- على عقبه. فى الخلافة المعظّمة، بما لم يفز به أحد من الأوائل.

و الحمد اللّه الذى حاز شريف مواريث النبوة و الإمامة، و وفّر جزيل الأقسام من الفضل و الكرامة، لعبده و خليفته، و وارث نبيه و محيى شريعته: الذى أحلّه اللّه عز و جلّ من معارج‏ (3) الشرف و الجلال فى أرفع ذروة، و أعلقه من حسن التوفيق الإلهى بأمتن عصمة و أوثق عروة، و استخرجه من أشرف نجار (4) و عنصر، و اختصه بأزكى منحة و أعظم مفخر، و نصبه للمؤمنين علما، و اختاره للمسلمين إماما و حكما، و ناط به أمر دينه الحنيف، و جعله قائما بالعدل و الإنصاف بين القوىّ و الضعيف: إمام المسلمين، و خليفة رب العالمين: أبى جعفر المنصور، المستنصر باللّه، أمير المؤمنين، ابن الإمام السعيد التقىّ أبى نصر محمد: الظاهر بأمر اللّه، [ابن الإمام السعيد الوفىّ أبى العباس أحمد: الناصر لدين اللّه‏] (5)، ابن الإمام السعيد الزكى: أبى محمد الحسن المستضي‏ء بأمر اللّه، أمير المؤمنين-

____________

(1) الصّنو. بالكسر: الأخ الشقيق. و صنوان: النخلتان فما زاد فى الأصل الواحد: كل واحد منهما صنو-.

أو عام فى جميع الشجر. و هما صنوان.

(2) جمع: خلف- بالكسر: الضّرع، أو هو للناقة كالضرع للشاة.

(3) عرج عروجا: ارتقى. و المعراج و المعرج: السّلّم و المصعد.

فامعارج: المراقى.

(4) النّجار: الأصل.

(5) ما بين الحاصرتين مفقود من النسخة (ك). و موجود فى النسخة الأخرى، و فى بقية المراجع.

176

(صلوات الله عليهم اجمعين)، و على آبائه الطاهرين، الأئمة المهديّين، الذين قضوا بالحق و به كانوا يعدلون. و لقوا اللّه تعالى و هو عنهم راض، و هم عنه راضون.

و بعد: فبحسب ما أفاضه اللّه تعالى على أمير المؤمنين- (صلوات الله عليه) و سلامه- من خلافته فى الأرض، و فوّضه إلى نظره المقدّس فى الأمور من الإبرام و النقض، و استخلصه له من حياطة بلاده و عباده، و وكله إلى شريف نظره و مقدّس اجتهاده- لا يزال (صلوات الله عليه)- يكلأ العباد (1) بعين الرّعاية، و يسلك بهم فى المصالح العامة و الخاصة مذاهب الرّشد و سبل الهداية، و ينشر عليهم جناحى عدله و إحسانه، و ينعم لهم النظر فى ارتياد (2) الأمناء الصّلحاء، من خلصاء أكفائه و أعوانه- متخيّرا للاسترعاء من استحمد إليه بمشكور المساعى و تعرّف إليه فى سياسة الرعايا بجميل الأسباب و الدّواعى، و سلك فى مفروض الطاعة الواجبة على الخلائق قصد السبيل.

و علم منه حسن الاضطلاع فى مصالح المسلمين بالعب ء الثقيل. و اللّه عز و جل يؤيّد آراء أمير المؤمنين- (صلوات الله عليه)- بالتأييد و التسديد. و يمدّه أبدا من أقسام التوفيق الإلهى بالموفور و المزيد، و يقرن عزائمه الشريفة باليمن و النجاح و يسنّى له فيما يأتى و يذر أسباب الخير و الصلاح. و ما توفيق أمير المؤمنين إلا باللّه- عليه يتوكّل و إليه ينيب.

____________

(1) كلّاه: كمنعه: حرسه. و كلأ بصره فى الشى‏ء: ردّده.

(2) الرّود: الطّلب، كالرّياد و الارتياد، و الذهاب و المجي‏ء. و الرائد: المرسل فى طلب الكلأ.

177

و لما وفّق اللّه تعالى نصير الدين: محمد (1)، بن سيف الدين أبى بكر، بن أيوب- من الطاعة المشهورة، و الخدم المشكورة، و الخطوة فى جهاد أعداء الدين بالمساعى الصالحة، و الفوز من المراضى الشريفة الإمامية- أجلّها اللّه تعالى- بالمغانم الجزيلة و الصّفقة الرابحة- لما وصل فيه سالف شريف الاختصاص بآنفه. و شفع تالده‏ (2) فى تحصيل مأثور الاستخلاص بطارفه‏ (3). و استوجب بسلوكه فى الطاعة المفروضة مزيد الإكرام و التفضيل، و ضرع فى الإنعام عليه بمنشور شريف إمامى يسلك فى اتّباعه هداه. و العمل بمراشده سواء الصراط و قصد السبيل- اقتضت الآراء الشريفة المقدسة- زادها اللّه تعالى جلالا متألّق الأنوار، و قدسا يتساوى فى تعظيمه من هو مستخف بالليل و سارب بالنهار- الإيعاز بإجابته إلى ما وجّه أمله إلى الإنافة (4) فيه به إليه. و الجذب بضبعه‏ (5) إلى ذروة الاجتباء الذى تظهر أشعّة أنواره الباهرة عليه.

فقلّده- على خيرة اللّه تعالى- الزّعامة و الصّلاة، و أعمال الحرب، و المعاون‏ (6) و الأحداث‏ (7)، و الخراج و الضّياع، و الصّدقات و الجوالى‏ (8)، و سائر وجوه الجبايات، و الفرض و العطاء (9) و النفقة فى‏

____________

(1) نصير الدين محمد: هو الملك الكامل.

(2) التالد: القديم، و الطارف: الجديد.

(3) التالد: القديم، و الطارف: الجديد.

(4) ناف و أناف على الشى‏ء: أشرف. و المنيف: جبل و حصن. و أناف عليه: زاد.

(5) الضّبع: العضد.

(6) أموال تجبى من المدن، غير الخراج.

(7) الغرامات التى تؤخذ من مرتكبى الأحداث.

(8) ما يؤخذ من أهل الذمة: أى الجزى. الجوالى جمع جالية.

(9) الفرض: تقدير الرواتب. و العطاء: صرف الرواتب المقررة.

178

الأولياء، و المظالم و الحسبة فى‏ (1) بلاده، و ما يفتتحه و يستولى عليه من بلاد الفرنج الملاعين، و بلاد من تبرز إليه الأوامر الشريفة بقصده، من المارقين عن الإجماع المنعقد بين المسلمين، و من يتعدّى حدود اللّه تعالى، بمخالفة من جعلت الأعمال الصالحات بولائه المفروض على الخلائق مقبولة، و طاعته- ضاعف اللّه جلاله- بطاعته و طاعة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) موصولة، حيث قال- عزّ من قائل: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا اللّه و أطيعوا الرسول و أولى الأمر منكم.

و اعتمد- (صلوات الله عليه) و سلامه- فى ذلك على حسن نظره، و مدد رعايته. و ألقى مقاليد التفويض فيه إلى وفور اجتهاده، و كمال سياسته.

و خصّه من هذا الإنعام الجزيل بما يبقى له على تعاقب الدهر و استمراره، و يخلّد له على ممرّ الزمان حسن ذكره و جزيل فخاره. و حباه بتقليد يوطّد له قواعد الممالك، و يفتح بإقليده‏ (2) رتاج‏ (3) الأبواب و المسالك، و يفيد قاعدته فى بلاده زيادة تقرير و تمهيد، و يطير به صيته فى كل قريب و بعيد.

____________

(1) وظيفة دينية هامة، و هى الإشراف على تنفيذ قوانين الشرع، و لا سيما ما يتعلق بالآداب العامة، و مصالح الجمهور: مثل منع الغش فى البيع و الشراء.

(2): المفتاح.

(3) الرّتاج: الباب العظيم، و هو الباب المغلق. و رتج الباب أغلقه.

فالمقصود هنا مغلق الأبواب. أو ما يغلق به الباب.

179

و وسمه بالملك الأجلّ: السيد الكامل، المجاهد المرابط، نصير الدين، ركن الإسلام، جمال الأنام، جلال الدولة فخر الملة. عزّ الأمة.

سند الخلافة. تاج الملوك و السلاطين.، قامع الكفرة و المشركين، قاهر الخوارج و المتمردين، إلب غازى بك، محمد، بن أبى بكر بن أيوب، معين أمير المؤمنين- رعاية لسوابق خدمه، و خدم آبائه و أسلافه، و إبانة عن وفور احتبائه‏ (1)، و كمال ازدلافه‏ (2). و إنافة به‏ (3) من ذروة القرب إلى محلّ كريم، و اختصاصا له بالإحسان الذى لا تلقّاه إلا من هو- كما قال اللّه تعالى- ذو حظّ عظيم- وثوقا بصحة ديانته التى يسلك فيها سواء سبيله، و استنامة إلى أمانته فى الخدمة التى ينصح فيها للّه تعالى و لرسوله. و ركونا إلى [كون‏] الإنعام عليه موضوعا بحمد اللّه تعالى فى أحسن موضع، واقعا به لديه فى خير مستقرّ و مستودع.

و أمير المؤمنين- (صلوات الله عليه)- لا زالت الخيرة موصولة بآرائه، و التأييد الإلهى مقرونا بإنفاذه و إمضائه- يستمدّ من اللّه عز و جل حسن الإعانة فى اصطفائه، الذى اقتضاه نظره الشريف و اعتماده، و أدى إليه ارتياده المقدّس الإمامى و اجتهاده. و حسب أمير المؤمنين اللّه و نعم الوكيل-.

أمره بتقوى اللّه تعالى، التى هى الجنّة الواقية، و النّعمة الباقية، و الملجأ المنيع و العماد الرفيع، و الذّخيرة النافعة فى السّر و النّجوى، و الجذوة

____________

(1) اصطفائه.

(2) قربه و تقدمه.

(3) إعلاء له و رفعا.

180

المقتبسة من قوله سبحانه: و تزوّدوا فإنّ خير الزّاد التّقوى. و أن يدّرع شعارها فى جميع الأقوال و الأفعال، و يهتدى بأنوارها فى مشكلات الأمور و الأحوال. و أن يعمل بها سرّا و جهرا، و يشرح للقيام بحدودها الواجهة صدرا. قال اللّه تعالى: و من يتّق اللّه يكفّر عنه سيئاته و يعظم له أجرا.

و أمره بتلاوة كتاب اللّه متدبّرا غوامض عجائبه، سالكا سبيل الرّشاد و الهداية فى العمل به. و أن يجعله مثالا يتّبعه و يقتفيه، و دليلا يهتدى بمراشده الواضحة فى أوامره و نواهيه. فإنه الثّقل الأعظم، و سبب اللّه المحكم، و الدليل الذى يهدى للّتى هى أقوم. ضرب اللّه تعالى فيه لعباده جوامع الأمثال، و بيّن لهم بهداه الرّشد و الضلال. و فرّق بدلائله الواضحة و براهينه الصادعة بين الحرام و الحلال. فقال- عزّ من قائل-: هذا بيان للناس و هدى و موعظة للمتّقين. و قال تعالى: كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبّروا آياته و ليتذكر أولو الألباب.

و أمره بالمحافظة على مفروض الصّلوات، و الدخول فيها على أكمل هيئة من قوانين الخشوع و الإخبات. و أن يكون نظره فى موضع نجواه من الأرض، و أن يمثّل لنفسه فى ذلك موقفه بين يدى اللّه تعالى يوم العرض.

قال اللّه تعالى: قد أفلح المؤمنون الذين هم فى صلاتهم خاشعون. و قال سبحانه: إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا. و أن لا يشتغل بشاغل عن أداء فروضها الواجبة، و لا يلهو بسبب عن اقامة سننها الراتبة، فانها عماد الدّين الذى سمت أعاليه، و مهاد الشّرع الذى رست قواعده و مبانيه. قال اللّه تعالى: حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى، و قوموا للّه قانتين. و قال سبحانه: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر.

181

و أمره أن يسعى إلى صلوات الجمع و الأعياد. و يقوم فى ذلك بما فرض اللّه تعالى عليه و على العباد. و أن يتوجه إلى المساجد و الجوامع متواضعا، و يبرز إلى المصلّيات الضاحية فى الأعياد خاشعا. و أن يحافظ فى تشييد قواعد الإسلام على الواجب و المندوب. و يعظّم باعتماد ذلك شعائر اللّه التى هى من تقوى القلوب. و أن يشمل بوافر اهتمامه و اعتنائه، و كمال نظره و إرعائه، بيوت اللّه التى هى محالّ البركات و مواطن العبادات، و المساجد التى تأكّد فى تعظيمها و إجلالها حكمه و البيوت التى أذن اللّه أن ترفع و يذكر فيها اسمه. و أن يرتّب لها من الخدم من يتبتّل‏ (1) لإزالة أدناسها. و يتصدّى لإذكاء مصابيحها فى الظلام و إيناسها. و يقوم لها بما تحتاج إليه من أسباب الصلاح و العمارات. و يحضر إليها ما يليق من الفرش و الكسوات.

و أمره باتّباع سنّة النبى- (صلى اللّه عليه و سلّم)- التى أوضح جددها (2) و ثقّف- (عليه السلام)- أودها (3). و أن يعتمد فيها على الأسانيد التى نقلها الثّقات. و الأحاديث التى صحّت بالطّرق السليمة و الروايات. و أن يقتدى بما جاءت به من مكارم الأخلاق، التى ندب- (صلى اللّه عليه و سلّم)- إلى التمسك بسببها، و رغّب أمته فى الأخذ بها و العمل بأدبها. قال اللّه تعالى:

«وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا». و قال سبحانه و تعالى:

«مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ».

____________

(1) أى من ينقطع و يخصص جهده لخدمتها.

(2) الجدد: ما استرق من الرمل. و الأرض الغليظة المستوية. جددها: أى طريقها المستوى.

(3) أى: سوّى عوجها: الأود: العوج. و المراد: يسّر صعابها.

182

و أمره بمجالسة أهل العلم و الدين، و أولى الإخلاص فى طاعة اللّه تعالى و اليقين. و الاستشارة بهم فى عوارض الشك و الالتباس. و العمل بآرائهم فى التمثيل و القياس. فإن فى الاستشارة بهم عين الهداية، و أمنا من الضّلال و الغواية. و بها يلقح عقم الأفهام و الألباب، و يقتدح زناد الرّشد و الصواب. قال اللّه تعالى فى الإرشاد إلى فضلها، و الأمر فى التمسك بحبلها: «و شاورهم فى الأمر».

و أمره بمراعاة أحوال الجند و العسكر فى ثغوره، و أن يشملهم بحسن نظره و جميل تدبيره. مستصلحا نيّاتهم بإدامة التلطف و التعهد، مستوضحا أحوالهم بمواصلة التّفحّص عنها و التّفقّد. و أن يسوسهم سياسة تبعثهم على سلوك المنهج السليم. و تهديهم فى انتظامها و اتّساقها إلى الصراط المستقيم.

و تحملهم على القيام بشرائط الخدم، و التّلزّم بها بأقوى الأسباب و أمتن العصم. و يدعوهم إلى مصلحة التواصل و الائتلاف. و يصدهم عن موجبات التخاذل و الاختلاف. و أن يعتمد فيهم شرائط الحزم فى الإعطاء و المنع. و ما تقتضيه مصلحة أحوالهم من أسباب الخفض و الرّفع. و أن يثيب المحسن منهم على إحسانه، و يسبل على المسي‏ء- ما وسعه العفو و احتمل الأمر- صفحه و امتنانه. و أن يأخذ برأى ذوى التجارب منهم و الحنكة، و يجتنى بمشاورتهم فى الأمر ثمر الشّركة. إذ فى ذلك أمن من خطأ الإفراد، و تزحزح عن مقام الزّيغ و الاستبداد.

183

و أمره بالتّبتّل‏ (1) لما يليه من البلاد و يتّصل بنواحيه من ثغور أولى الشرك و العناد. و أن يصرف مجامع الالتفات إليها. و يخصّها بوفور الاهتمام بها و التطلع عليها. و أن يشمل ما ببلاده من الحصون و المعاقل بالإحكام و الإتقان، و ينتهى فى أسباب مصالحها إلى غاية الوسع و نهاية الإمكان، و أن يشحنها بالميرة (2) الكثيرة و الذخائر، و يمدها من الأسلحة و الآلات بالعدد المستصلح الوافر، و أن يتخير لحراستها من يختاره من الأمناء التّقاة.

و يسدها بمن ينتخبه من الشجعان الكماة (3). و أن يتأكد عليهم فى أسباب الحيطة و الاستظهار، و يوقظهم للاحتراس من غوائل الغفلة و الاغترار. و أن يكون المشار إليهم ممن تربّوا فى ممارسة الحروب على مكافحة الشدائد و تدربوا فى نصب الحبائل للمشركين و الأخذ عليهم بالمراصد و أن يعتمد هذا القبيل بمواصلة المدد و كثرة العدد، و التوسعة فى النفقة و العطاء.

و العمل معهم بما يقتضيه حالهم و تفاوتهم فى التقصير و الغناء. إذ فى ذلك حسم لمادّة الأطماع فى بلاد الإسلام، و رد لكيد المعاندين من عبدة الأصنام.

فمعلوم أن هذا الغرض أولى ما وجّهت إليه العنايات و صرفت، و أحقّ ما قصرت عليه الهمم و وقفت. فإن اللّه تعالى جعله من أهم الفروض التى ألزم فيها القيام بحقه، و أكبر الواجبات التى كتب العمل بها على خلقه. فقال سبحانه و تعالى- هاديا فى ذلك إلى سبيل الرشاد، و محرضا لعباده على‏

____________

(1) الانقطاع و وفور العناية.

(2) المؤن و الأقوات.

(3) جمع كمى: و هو الشجاع، أو لابس السلاح.

184

قيامهم له بفروض الجهاد: «ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ و لا نصب و لا مخمصة (1) فى سبيل اللّه و لا يطئون موطئا يغيظ الكفّار، و لا ينالون من عدوّ نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح، إن اللّه لا يضيع أجر المحسنين.

و لا ينفقون نفقة صغيرة و لا كبيرة، و لا يقطعون واديا- إلا كتب لهم، ليجزيهم اللّه أحسن ما كانوا يعملون». و قال تعالى: «وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ»* (2). و قال النبى (صلى اللّه عليه و سلّم): من نزل منزلا يخيف فيه المشركين و يخيفونه، كان له كأجر ساجد لا يرفع رأسه إلى يوم القيامة، و أجر قائم لا يقعد إلى يوم القيامة، و أجر صائم لا يفطر. و قال (عليه السلام):

غدوة فى سبيل اللّه أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس. هذا قوله- (صلى اللّه عليه و سلّم)- فى حق من سمع هذه المقالة فوقف لديها. فكيف بمن كان كما قال (عليه السلام): أ لا أخبركم بخير الناس: ممسك بعنان فرسه فى سبيل اللّه، كلّما سمع هيعة (3) طار إليها.

و أمره باقتفاء أوامر اللّه تعالى فى رعاياه، و الاهتداء إلى رعاية العدل و الإنصاف و الإحسان بمراشده الواضحة و وصاياه، و أن يسلك فى السياسة بهم سبل الصلاح، و يشملهم بلين الكنف و خفض الجناح. و يمدّ ظلّ رعايته على مسلمهم و معاهدهم، و يزحزح الأقذاء و الشّوائب عن مناهلهم فى العدل و مواردهم. و ينظر فى مصالحهم نظرا يساوى بين الضعيف و القوى، و يقوم بأودهم قياما يهتدى به و يهديهم فيه إلى الصّراط السّوىّ.

____________

(1) مجاعة.

(2) حيث أدركتموهم، أو وجدتموهم.

(3) الهيعة: الصوت تفزع منه و تخافه من عدوّ. أى: صوت فزع، إيذانا ببدء قتال.

185

قال اللّه تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏ وَ يَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ».

و أمره باعتماد أسباب الاستظهار و الأمنة، و استقصاء الطاقة المستطاعة و القدرة الممكنة، فى المساعدة على قضاء تفث‏ (1) حجّاج بيت اللّه الحرام و زوّار نبيّه- عليه أفضل الصلاة و السلام. و أن يمدّهم بالإعانة فى ذلك على تحقيق الرجاء و بلوغ المرام، و يحرسهم من التّخطّف و الأذى فى حالتى الظّعن و المقام. فإن الحجّ أحد أركان الدين المشيّدة و فروضه الواجبة المؤكّدة. قال اللّه تعالى: و للّه على الناس حجّ البيت.

و أمره بتقوية أيدى العاملين بحكم الشرع فى الرّعايا، و تنفيذ ما يصدر عنهم من الأحكام و القضايا، و العمل بأقوالهم فيما يثبت لذوى الاستحقاق، و الشّدّ على أيديهم فيما يرونه من المنع و الإطلاق. و أنه متى تأخر أحد الخصمين عن إجابة داعى الحكم، أو تقاعس فى ذلك لما يلزم من الأداء و الغرم- جذبه بعنان القسر إلى مجلس الشّرع، و اضطره بقوة الإنصاف إلى الأداء بعد المنع. و أن يتوخّى عمّال الوقوف التى تقرّب المتقرّبون بها، و استمسكوا فى ظل ثواب اللّه بمتين سببها. و أن يمدهم بجميل المعاونة و المساعدة و حسن الموازرة و المعاضدة، فى الأسباب التى تؤذن بالعمار و الاستنماء، و تعود عليها بالمصلحة و الاستخلاص و الاستيفاء. قال اللّه تعالى: و تعاونوا على البرّ و التقوى.

____________

(1) أى مناسك الحج، و ما يجب فيه.

186

و أمره أن يتخيّر من أولى الكفاية و النزاهة من يستخلصه للخدم و الأعمال، و القيام بالواجب من أداء الأمانة و الحراسة و التّتمير، لبيت المال و أن يكونوا من ذوى الاضطلاع بشرائط الخدم المعيّنة و أمورها، و المهتدين إلى مسالك صلاحها و تدبيرها. و أن يتقدّم إليهم بأخذ الحقوق من وجوهها المتيقّنة، و جبايتها فى أوقاتها المعيّنة. إذ ذاك من لوازم مصالح الجند و وفور الاستظهار، و موجبات قوّة الشّوكة بكثير الأعوان و الأنصار، و أسباب الحيطة التى يحمى بها البلاد و الأمصار. و يأمرهم بالجرى فى الطّسوق‏ (1) و الشّروط على النّمط المعتاد، و القيام فى مصالح الأعمال أقدام الجدّ و الاجتهاد. و إلى العاملين على الصّدقات بأخذ الزّكوات على مشروع السّنن المهيع‏ (2)، و قصد الصّراط المتّبع، من غير عدول فى ذلك عن المنهاج الشرعى، أو تساهل فى تبديل حكمها المفروض و قانونها المرعى فإذا أخذت من أربابها الذين يطّهّرون و يزكّون بها سعى فى العمل فى صرفها إلى مستحقّيها بحكم الشريعة النبوية و موجبها. و إلى جباة الجزية من أهل الذّمّة بالمطالبة بأدائها فى أول السّنة، و استيفائها منهم على حسب أحوالهم بحكم العادة فى الثّروة و المسكنة. إجراء فى ذلك على حكم الاستمرار و الانتظام، و محافظة على عظيم شعائر الإسلام.

و أمره أن يتطلّع على أحوال كل من يستعمله فى أمر من الأمور، و يصرّفه فى مصلحة من مصالح الجمهور، تطلّعا يقتضى الوقوف على حقائق أماناتهم،

____________

(1) ج طسق: و هو مكيال، أو ما يوضع من الخراج على الجربان (الأفدنة) أو شبه ضريبة معلومة.

(2) طريق مهيع: أى بيّن.

187

و يوجب تهديتهم فى حركاتهم و سكناتهم، ذهابا مع النّصح للّه تعالى فى بريّته، و عملا بقول النبى (صلى اللّه عليه و سلّم): كلّكم راع و كلّكم مسئول عن رعيّته.

و أمره أن يستصلح من ذوى الاضطلاع و الغناء، من يرتّب للفرض و العطاء، و النّفقة فى الأولياء و أن يكونوا من المشهورين بالحزم و البصيرة، و الموسومين فى المناصحة بإخلاص الطّويّة و إصفاء السّريرة، حالين من الأمانة و الصّون بما يزين. ناكبين عن مظانّ الشّبه و الطمع الذى بصم و يشين. و أن يأمرهم باتّباع عادات أمثالهم فى ضبط أسماء الرجال، و تحلية الأشخاص و الأشكال و اعتبار شيات‏ (1) الخيول و إثبات أعدادها، و تحريض الجند على تخيّرها و اقتناء جيادها. و بذل الجهد فى قيامهم من الكراع‏ (2) و البرك‏ (3) و السّلاح بما يلزمهم، و العمل بقول اللّه تعالى:

«وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ، تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَ عَدُوَّكُمْ، وَ آخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ». فإذا نطقت جرائد (4) الجند المذكورين بما أثبت لديهم، و حقّق الاعتبار و العيان قيامهم بما وجب عليهم، أطلقت لهم المعايش و الأرزاق بحسب إقراراتهم، و أوصلت إليهم بمقتضى واجباتهم و استحقاقاتهم. فإن هذه الحال أصل حراسة البلاد و العباد، و قوام الأمر فيما أوجبه اللّه تعالى من أمر الاستعداد

____________

(1) أوصاف، أو علامات.

(2) اسم جمع. معناه: الخيل.

(3) البرك: المتاع و الحاجات.

(4) كشوف الحساب فى الديوان.

188

بفرض الجهاد. قال اللّه تعالى: «وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا، وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ».

و أمره بتفويض أمر الحسبة إلى من يكون بأمرها مضطلعا، و للسنة النبوية فى إقامة حدودها متّبعا. فيعتمد فى الكشف عن أحوال العامّة فى تصرفاتها الواجب. و يسلك فى التطلع على معاملاتهم السّبيل الواضح و السّنن اللاحب‏ (1). و يأتيهم فى الأسواق لاعتبار المكاييل و الموازين، و يعتمد فى مؤاخذة المطفّفين‏ (2) و تأديبهم بما تقتضيه شريعة الدين. و يحذّرهم فى تعدّى حدود الإنصاف شدّة نكاله، و يقابل المستحقّ للمؤاخذة بما يرتدع به الجمع الكثير من أمثاله. قال اللّه تعالى: «أَوْفُوا الْكَيْلَ وَ لا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ. وَ زِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ. وَ لا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ». و قال سبحانه: «وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَ إِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ. أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ. يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ».

فليتولّ الملك الأجلّ، السيد الكامل المجاهد المرابط، نصير الدين ركن الإسلام أثير الإمام، جمال الأنام، جلال الدولة، فخر الملة عزّ الأمة، سند الخلافة، تاج الملوك و السلاطين، قامع الكفرة و المشركين، قاهر الخوارج و المتمردين، أمير المجاهدين: ألب غازى بك، معين أمير المؤمنين- ما قلّده عبد اللّه و خليفته فى أرضه، القائم له بحقّه الواجب‏

____________

(1) أى: الطريق الواضح.

(2) طفّف: زاد أو نقص المكيال عن القدر الحلال.

189

و فرضه: أبو جعفر المنصور «المستنصر باللّه» أمير المؤمنين- بقلب مطمئن بالإيمان، و نصح للّه تعالى و لخليفته- (صلوات الله عليه)- فى السر و الإعلان و ليشرح بما فوّض إليه من هذه الأمور صدرا، و ليقم بالواجب عليه من شكر هذا الإنعام الجزيل سرّا و جهرا. و ليعمل بهذه الوصايا الشريفة الإمامية، و ليقتف آثار مراشدها المقدّسة النبوية. و ليظهر من أثر الجدّ فى هذا الأمر و الاجتهاد، و تحقيق الظن الجميل فيه و الإرشاد- ما يكون دليلا على تأيد الرأى الأشرف المقدس- أجلّه اللّه تعالى- فى اصطناعه و استكفائه، و إصابة مواقع النّجح و الرّشد فى التفويض إلى حسن قيامه و كمال غنائه و ليقدر النّعمة عليه فى هذه الحال حقّ قدرها. و ليمتر- (1) بأداء الواجب عليه من جزيل الشكر- غزير درّها، و ليطالع مع الأوقات بما يشكل عليه من الأمور الغوامض. و لينه إلى العلوم الشريفة المقدسة- أجلّها اللّه تعالى- ما يلتبس عليه من الشكوك و العوارض. ليرد عليه من الأمثلة ما يوضّح له وجه الصّواب فى الأمور، و يمدّ من المراشد الشريفة التى هى شفاء لما فى الصدور، بما يكون وروده عليه. و تتابعه إليه، نورا على نور- إن شاء اللّه تعالى.

و كتب فى شهر رجب من سنة ثلاثين و ستمائة (2). و الحمد رب العالمين.

و صلواته على سيدنا محمد النبى الأمّى، و آله الطاهرين.

و فى هذه السنة، فتحت دار الحديث الأشرفية (3) المجاورة لقلعة دمشق المحروسة، ليلة النصف من شعبان. و أملى بها الشيخ الإمام العلامة: تقى‏

____________

(1) مار عياله، و امتار لهم: أى جلب لهم الطعام.

(2) هذا نص على تاريخ بمثابة هذا العهد. و هو يثبت أن العهد كان للملك الكامل لا أبيه.

(3) مدرسة بناها الأشرف موسى بن العادل.

190

الدين بن الصّلاح الشافعى‏ (1). و وقف عليها الملك الأشرف أوقافا جليلة.

ذكر ركوب الملك العادل بشعار السّلطنة

و فى الساعة التاسعة من يوم الثلاثاء، ثامن عشر شهر رمضان، من هذه السنة- سلطن السلطان الملك الكامل ولده الملك العادل سيف الدين أبا بكر، و ركّبه فى هذه الساعة بشعار السّلطنة. و شقّ القاهرة، و فى خدمته جميع الأمراء و القضاة و أصحاب الدواوين و الأماثل و غيرهم.

و فيها- فى صفر- تسلم راجح بن قتادة مكة- شرّفها اللّه تعالى- و كان قد قصدها فى سنة تسع و عشرين، و صحبته عسكر صاحب اليمن: الملك المنصور عمر بن علىّ بن رسول. و كان الأمير فخر الدين بن الشيخ بمكة، ففارقها.

و فيها كانت وفاة الملك العزيز: فخر الدين عثمان بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب. و هو شقيق الملك المعظم. و كان صاحب بانياس و تبنين و هونين و الحصون. و هو الذى بنى قلعة الصّبيبة و كان عاقلا قليل الكلام، مطيعا لأخيه الملك المعظم، و إنما أخرجه عن موالاة ولده- الملك الناصر داود- أنه كان قصد بعلبك فى سنة خمس و عشرين و ستمائة، بمواطأة من ابن الملك الأمجد صاحبها- كما تقدم- فلما

____________

(1) هو أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن، الكردى الشّهرزورى، المعروف بابن الصلاح. كان أحد فضلاء عصره فى التفسير و الحديث و الفقه. درّس بالمدرسة الناصرية بالقدس. ثم لما بنى الملك الأشرف دار الحديث بدمشق، فوّض تدريسها إليه. ولد سنة 577. و توفى فى سنة 643 ه.

(وفيات الأعيان: ج 2- 408)

191

فاته وقت الميعاد، الذى اتفقا عليه، نزل على بعلبك، و أخذ فى حصارها.

فأرسل الملك الأمجد إلى الملك الناصر يقول له: أنت تعلم ما كان بينى و بين والدك الملك المعظم من المودة، و أننى كنت صديق من صادقه و عدوّ من عاداه، فرحّل عنى الملك العزيز.

فأنفذ الملك الناصر داود الغرس خليلا إلى الملك العزيز، و أمره بالرحيل. و قال له: متى لم يرحل، ارم خيمته على رأسه! فرحل العزيز إلى بانياس و أوجبت هذه الحادثة غضبه، إلى أن التحق بالملك الكامل، و جاء معه إلى دمشق- كما تقدم.

و كانت وفاة الملك العزيز فى يوم الاثنين، عاشر شهر رمضان، سنة ثلاثين و ستمائة، ببستانه فى النّاعمة، ببيت لهيا (1) من غوطة دمشق. و دفن بقاسيون فى تربة الملك المعظّم، عند والدته- (رحمه الله تعالى).

و فيها، فى يوم الاثنين، سابع عشرين شهر ربيع الأول، توفى بالقاهرة الشيخ جلال الدين أبو العزائم: همّام بن راجى اللّه سرايا، بن أبى الفتوح ناصر. بن داود الشافعى: إمام جامع الصالح، بظاهر باب زويلة (2) رحل إلى بغداد و اشتغل بها مدة، و سمع الحديث، و اشتغل بالأدب بمصر على ابن برّى‏ (3) و لقى جماعة من الأدباء، و صنّف كتبا كثيرة فى‏

____________

(1) (بكسر اللام): قرية مشهورة بغوطة دمشق.

(ياقوت: ج 2- 324)

(2) هو الباب الجنوبى لمدينة القاهرة القديمة. و قد ذكرناه من قبل.

(3) هو أبو محمد عبد اللّه ابن برّى (بفتح الباء) المقدسىّ الأصل، المصرى. الإمام المشهور فى علم النحو و اللغة. اطلع على أكثر كلام العرب، و له حاشية على الصّحاح. ولد سنة 499 ه. و توفى سنة 582 ه.

(وفيات الأعيان: ج 2- ص 292)

192

الأصول و الفروع و الخلاف، مختصرة و مطولة. و له شعر. و مولده بونا من صعيد مصر، فى ذى القعدة أو ذى الحجّة سنة تسع و خمسين و خمسمائة.

(رحمه الله). و لما مات، ولى الإمامة بالجامع الصالحى بعده ولده:

نور الدين على.

و فيها كانت وفاة الشيخ شهاب الدين أبى حفص: عمر بن محمد بن عبد اللّه السّهروردى. و هو ينتسب إلى أبى بكر الصّدّيق- (رضى اللّه عنه)- فيما قيل. و ذكر ابن خلّكان أن وفاته كانت فى مستهلّ ذى الحجة، سنة اثنتين و ثلاثين و ستمائة. و مولده بسهرورد، فى سنة تسع و ثلاثين و خمسمائة. و قد تقدم ذكر تردّده فى الرّسالة، من جهة الخليفة إلى الملك العادل، و غيره.

و كان رجلا صالحا عابدا، زاهدا ورعا. و صنّف كتابا للصوفية، سماه عوارف المعارف.

حكى أنه جلس يوما ببغداد على منبر وعظه، فذكر أحوال القوم، و أنشد:

ما فى الصّحاب أخو وجد نطارحه‏ * * * حديث نجد، و لا صبّ نجاريه‏

و جعل يردّد البيت و يطرب! فصاح به شاب من طرف المجلس- عليه قباء و كلّوتة (1)- و قال: يا شيخ، كم تشطح و تنتقص القوم! و اللّه إن‏

____________

(1) غطاء للرأس، اشبه بالطاقية، كان يلبسه الأمراء الكبراء من غير رجال الدين (شرحناه من قبل).

193

فيهم من لا يرضى أن يجاريك، و لا يصل فهمك إلى ما تقول! هلا أنشدت:

ما فى الصحاب، و قد سارت حمولهم‏ * * * إلا محب له فى الركب محبوب‏

كأنما يوسف فى كل راحلة * * * و الحىّ فى كل بيت منه يعقوب‏

فصاح الشيخ، و نزل عن المنبر و قصد الشاب، ليعتذر إليه. فلم يجده. و وجد فى موضعه حفرة فيها دم، مما فحص برجله عند إنشاد الشيخ البيت!.

و فيها توفى الشيخ الفاضل: عز الدين أبو الحسن على، بن أبى الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم، بن عبد الواحد الشّيبانى- المعروف بابن الأثير الجزرى‏ (1). و كانت وفاته فى هذه السنة من شعبان. و مولده فى رابع جمادى الأولى سنة خمس و خمسين و خمسمائة، بجزيرة ابن عمر (2).

و كان رجلا فاضلا، صنّف فى التاريخ كتاب «الكامل» من أول الزمان إلى آخر سنة ثمان و عشرين و ستمائة. و هو من أجود التواريخ التى رأيناها. و اختصر كتاب «الأنساب» لأبى سعيد عبد الكريم بن السّمعانى،

____________

(1) هو المؤرخ المشهور: ابن الأثير.

(2) ورد ذكرها من قبل، و هى بلدة فوق الموصل‏

194

و استدرك عليه فى مواضع. و نبّه على أغاليط، و زاد أشياء. و هو كتاب مفيد فى ثلاث مجلّدات و أصله فى ثمانية، و هو عزيز الوجود. و فضائله و آدابه مشهورة- (رحمه الله تعالى).

و فيها كانت وفاة شرف الدين أبى المحاسن: محمد بن نصر بن مكارم، ابن الحسن بن على بن محمد، بن غالب الأنصارى، المعروف بابن عنين- الكوفى الأصل، الدّمشقى المولد. و قيل بل هو من زرع من إقليم حوران.

نشأ فى دمشق، و سافر عنها، و طوّف البلاد شرقا و غربا. و دخل بلاد الجزيرة و الروم و العراق و بغداد و خراسان و ما وراء النهر، و بلاد الهند و اليمن و الحجاز و مصر. و مدح ملوك هذه الأماكن و أعيانها.

و كان ظريفا حسن الأخلاق جميل العشرة. غزير المادّة فى الشّعر، مولعا فى الهجاء و ثلب أعراض الناس- خصوصا الأكابر. و له قصيدة طويلة جمع فيها خلقا كثيرا من رؤساء الشام و أهل دمشق، سماها: «مقراض الأعراض»، يقال إنها خمسمائة بيت.

و كان السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف قد نفاه من دمشق، بسبب وقوعه فى الناس. و لما نفى كتب من الهند إلى دمشق:

فعلام أبعدتم أخا ثقة * * * لم يجترم ذنبا و لا سرقا

انفوا المؤذّن من بلادكم‏ * * * إن كان ينفى كلّ من صدقا

195

و لما مات الملك الناصر صلاح الدين، و ملك الملك العادل دمشق، سار متوجها إلى الشام. و كتب إلى الملك العادل قصيدته الرّائيّة، و استأذنه فى الدخول إلى دمشق. و وصفها وصف ما قاسى فى الغربة، و لما فرغ من وصف دمشق و أنهارها و بساتينها و مستنزهاتها، قال فى قصيدته:

فارقتها لا عن رضى، و هجرتها * * * لا عن قلى، و رحلت لا متخيّرا

أسعى لرزق فى البلاد مشتّت‏ * * * و من العجائب أن يكون مقتّرا

و أصون وجه مدائحى متقنّعا * * * و أكفّ ذيل مطامعى متستّرا

جاء منها فى شكوى الغربة، و ما قاساه منها:

أشكو إليك نوى، تمادى عمرها * * * حتى حسبت اليوم منها أشهرا

لا عيشتى تصفو و لا رسم الهوى‏ * * * يعفو، و لا جفنى يصافحه الكرى‏

أضحى عن الأخوى المريع محلّا (1) * * * و أبيت عن ورد النّمير (2) منفّرا

و من العجائب أن تفيّأ ظلّكم‏ * * * كلّ الورى، و نبذت وحدى بالعرا

فلما وقف العادل على هذه القصيدة، أذن له فى الدخول إلى دمشق، فدخلها.

____________

(1) حلاه عن الماء: طرده و منعه. «القاموس».

و الأحوى: الأرض المخضرّة أو المرعى. فالمعنى: أنه يضحى عن المرعى الخصيب مطرودا.

(2) النمير: الغدير الصافى.

196

و قال:

هجوت الأكابر فى جلّق‏ (1) * * * و رعت الوضيع بسبّ الرّفيع‏

و أخرجت منها، و لكننى‏ * * * رجعت على رغم أنف الجميع‏

و كانت وفاته فى عشية يوم الاثنين، العشرين من شهر ربيع الأول، سنة ثلاثين و ستمائة. و مولده فى يوم الاثنين، تاسع شعبان، سنة تسع و أربعين و خمسمائة- حكاه ابن خلّكان و ابن السّاعى.

و قال أبو المظفّر فى مرآة الزمان: إن وفاته كانت فى سنة ثلاث و ثلاثين.

قال: و كان خبيث اللسان هجّاء. فاسقا متهتّكا. قال: و لما عاد إلى دمشق، استوزره الملك المعظم. و كانت مجالسه معمورة بقبائحه.

قال: و حضر مجلس الإمام فخر الدين الرّازى بن خطيب الرّىّ، و هو يعظ، فجاءت حمامة و خلفها جارح، فألقت نفسها على الإمام فخر الدين، فغطّاها بكمّه. فقال ابن عنين، بديها:

يا ابن الكرام، المطعمين إذا شتوا * * * فى كل مسغبة (2)و ثلج خاسف‏

العاصمين إذا النفوس تطايرت‏ * * * بين المخارم و الوتين‏ (3) الرّاعف‏

____________

(1) من أسماء «دمشق».

(2) فى كل وقت للجوع، أو مجاعة. و فى (ك): مسبغة، و هو خطأ. و السّغب: الجوع الشديد.

(3) الموجود فى النسختين: و الوسيح. و هو غير معروف فى اللغة. فرجحت قراءتها: و الوتين، و هو عرق فى العنق. و به يستقيم المعنى فى البيت.

197

من أنبا الورقاء (1)أنّ بحلّكم‏ * * * حرما، و أنّك ملجأ للخائف‏

وفدت عليك، و قد تدانى حتفها * * * فحبوتها ببقائها المستانف‏

و لو انّها تحيى بمال، لانثنت‏ * * * من راحتيك بنائل متضاعف‏

جاءت سليمان الزّمان بشكرها * * * و الموت يلمع من جناحى خاطف‏

قرم‏ (2) لواه الفوت حتى ظلّه‏ * * * بإزائه يجرى بقلب خائف‏

قال: فرمى عليه الإمام فخر الدين جميع ما كان عليه، و فعل الحاضرون كذلك. فبلغ قيمة ذلك أربعة آلاف دينار! و كتب معه كتابا إلى الملك الناصر، و كتابا إلى الملك العادل، يشفع فيه. فقبل الملك شفاعته.

و لما عاد هجا العادل، فقال:

إن سلطاننا الذى نرتجيه‏ * * * واسع المال ضيّق الإنفاق‏

هو سيف كما يقال، و لكن‏ * * * قاطع للرسوم و الأرزاق‏

و هجا أيضا أولاد شيخ الشيوخ الأربعة، فقال:

أولاد شيخ الشيوخ قالوا * * * ألقابنا كلّها محال‏

لا فخر فينا و لا عماد * * * و لا معين، و لا كمال‏

و أهاجيه فى الأكابر و الأعيان كثيرة- سامحه اللّه تعالى و إيانا:

____________

(1) الحمامة.

(2) القرم: الفحل، أو السّيّد.

198

و استهلت سنة إحدى و ثلاثين و ستمائة:

ذكر مسير السلطان الملك الكامل إلى بلاد الروم‏

و فى هذه السنة، وصل الملك الأشرف، صاحب دمشق، إلى السلطان بالديار المصرية، و حرّضه على قصد بلاد الروم. فخرج بالعساكر من القاهرة فى ليلة السبت، لخمس خلون من شعبان، و استناب بالديار المصرية ولده الملك العادل: سيف الدين أبا بكر.

و سار حتى وصل إلى دمشق، و جمع سائر الملوك. و سار من دمشق، فنزل بظاهر البيرة (1). و اجتمعت الملوك، فكانوا ثلاثة عشر ملكا: كلهم من بنى أيوب. و عرض العساكر أطلابا، فكبرت نفسه و تعاظم. ثم دخل بهم الدّربندات‏ (2)، و أشرف على أرض الروم، و ما شكّ فى أخذها.

فاجتمع الملوك إلى الملك الأشرف، قالوا: متى فتح الملك الكامل بلاد الروم، استولى على ممالكنا، و عوّضنا عنها من بلاد الروم. فاتفقوا على خذلانه، و مكاتبة صاحب الروم: علاء الدين كيقباد، بن كيخسرو

____________

(1) اسم لعدة مواضع. منها بلد قرب سميساط، بين حلب و الثغور الرومية. و هى قلعة حصينة، و لها رستاق واسع (قرى حولها).

(معجم البلدان: ج 2- 330)

(2) الطرق الضيقة بين الجبال فى مداخل بلاد الروم، شمالى البيرة.

(انظر السلوك: ج 1- 248)

199

السّلجقى، فكاتبوه. فوقعت الكتب إلى الملك الكامل، فرحل عن الدّربندات لوقته، و عاد إلى السّويداء (1) و خيّم بها.

و كان عند نزوله على الدّربندات، أرسل الملك المظفّر صاحب حماه، و الطّواشى شمس الدين صواب، و جماعة من الأمراء، إلى خرت برت‏ (2).

و كان بها عسكر كثيف من عساكر الروم، فكسروهم، و أسروا بعض الأمراء الكاملية، و طلع الملك المظفر، و الطواشى صواب، و البانياسى و جماعة من الأمراء، إلى القلعة، فأقاموا بها سبعة عشر يوما، و طلبوا الأمان من صاحب الروم. فأمّنهم على تسليم القلعة، و لا يأخذوا منها شيئا.

ففعلوا ذلك، و نزلوا إليه. فخلع عليهم و أعادهم إلى الملك الكامل.

و لم يسلم من خيلهم فى هذه الوقعة إلّا سبعة أو ثمانية: كلّ أمير على فرس.

فسيّر السلطان الملك الكامل إليهم الخيول، فركبوها و وصلوا إلى السلطان إلى السّويدا، فأحسن إليهم. ثم عاد إلى الديار المصرية، و قد حصلت الوحشة بينه و بين سائر الملوك. و كان وصوله فى جمادى الأولى، سنة اثنتين و ثلاثين.

____________

(1) بلدة مشهورة فى ديار مضر، قرب حران. بينها و بين بلاد الروم. فيها خيرات كثيرة. و أكثر أهلها أرمن.

(معجم البلدان: ج 5- 180)

(2) اسم أرمنى. و هو الحصن المعروف بحصن زياد، فى أقصى ديار بكر من بلاد الروم. بينه و بين ملطية مسيرة يومين، و بينهما الفرات.

(معجم البلدان: ج 3- 415)

200

و لما رجع، جهّز صاحب الروم جيشا كثيفا إلى حرّان و الرّها و آمد، و السّويدا و قطينا (1)، فاستولى على ذلك، و رتّب فيهم من يحفظهم. و كانت هذه الجهات تحت يد شهاب الدين غازى- أخى السلطان- و الملك الصالح نجم الدين أيوب: ولده.

فلما اتصل ذلك بالملك الكامل، تجهز بعساكره و خرج من القاهرة، فى ثالث عشرين ذى القعدة من السنة: و كان قد أوصى ولده الملك الصالح نجم الدين و أخاه شهاب الدين غازى- أن صاحب الروم إذا قصد البلاد يتركونها، و يحضرون، و قال له: إذا أخذ البلاد استعدتها منه، و إذا أخذكم لا أقدر على استعادتكم منه. فلما وصل عسكر صاحب الروم إلى البلاد، تركاها، و سارا بعسكرهما إلى سلميّة.

و لما قدم السلطان إلى دمشق، كان بها ولدا (2) ولده الملك الصالح، و هما: جلال الدين، و تورانشاه، فخرجا يسلّمان على جدّهما، فانتهرهما، فخرجا من عنده. و اتصل ذلك بأبيهما، فعلم أن الغضب انما هو عليه، لا على ولديه. فأرسل إليهما و أخذهما من دمشق، و لم يشعر بذلك جدّهما.

و سار عن سلميّة، و معه شهاب الدين غازى، فوصل إلى حصن كيفا، و وصل شهاب الدين إلى ميّافارقين. فعظم ذلك على السلطان، و ذكر ما فعله الصالح لبعض الأمراء. فتلطف فى الاعتذار عنه، و قال: الملك الصالح معذور، لا السلطان سلّم له البلاد و جعله تحت الحجر. ثم فعل‏

____________

(1) سبق التعريف بهذه المواطن، ما عدا الأخيرة.

قطينا: بلدة على نهر الزاب الأعلى، شمالىّ الموصل.

(2) فى (ع): «كان بها ولدى ولده»!

201

السلطان بأولاده ما فعل. فأرسل إليه و طيّب قلبه، و أمره أن يمضى هو و شهاب الدين غازى لمحاصرة السّويداء، فتوجّها إليهما.

و وصل السلطان إليها أيضا. ثم مضى إلى آمد، فهرب العسكر الرّومىّ منها. و وصل السلطان إلى حرّان، و فتحها عنوة فى ثالث جمادى الأولى سنة ثلاث و ثلاثين. و فتح قلعة الرّها عنوة. و تسلّم السّويداء عنوة، فى جمادى الآخرة. و هدم قلعة الرّها. و أسر من كان فى هذه القلاع من الروم. و أخذ قطينا فى شهر رجب عنوة، و نزل على دنيسر (1) فأخربها، إلا الجامع.

و سيّر جميع. الأمراء إلى الديار المصرية فى الجوالق، و كانوا أكثر من ثلاثة آلاف. و رتب ولده الملك الصالح بآمد. و أضاف إليه حرّان و الرّها و نصيبين، و الخابور (2) و رأس عين و الرّقّة، و جعله سلطانا مستقلا. و عاد إلى الديار المصرية. فوصل إلى القاهرة فى شعبان، سنة ثلاث و ثلاثين و ستمائة.

____________

(1) سبق التعريف بها، و هى بلدة عظيمة مشهورة من نواحى الجزيرة، قرب ماردين: بينهما فرسخان.

(ياقوت: ج 4- 94)

(2) سبق التعريف بهذه الأماكن. أما الخابور فهو أولا اسم لنهر كبير بين رأس عين و الفرات، من أرض الجزيرة.

ثم أطلق اسمه على ولاية واسعة و بلدان فى تلك الجهة.

(معجم البلدان: ج 3- 383)

202

نعود إلى تتمة حوادث سنة إحدى و ثلاثين و ستمائة.

فيها ولى الأمير جمال الدين يغمور (1) شدّ الدواوين بالديار المصرية و فيها عمّر الملك الأشرف مسجد جرّاح خارج باب الصّغير بدمشق، و رتّب فيه خطبة للجمعة، يصلى فيه سكان الشّاغور و غيرهم.

و فيها قدم رسول الأنبرور ملك الفرنج بالهدايا و التّحف، و فى جملة ذلك دب أبيض، شعره مثل شعر السّبع، ينزل إلى البحر فيصيد السمك و يأكله، و طاوس أبيض، و غير ذلك.

و فيها عزل قاضى القضاة عماد الدين بن الحرستانى عن قضاء الشام، و وليه قاضى القضاة شمس الدين بن سنىّ الدّولة.

و فيها، توفى الأتابك: شهاب الدين طغرل الخادم، عتيق السلطان الملك الظاهر، صاحب حلب- و كان أرمنىّ الجنس، حسن السّيرة محمود الطريقة، صالحا عفيفا، زاهدا كثير الصدقة و الإحسان، يقسّم الليل أثلاثا: فالثّلث الأول يجرى حكايات الصالحين و أحوال الناس و محاسنهم، و ينام الثلث الأوسط، و يحيى الثّلث الآخر قراءة و صلاة و بكاء. و كان حسن الوساطة عند الملك الظاهر

____________

(1) فى (ع): شاد. و هذا وصف صاحب الوظيفة. و لكن المراد المصدر. و قد تكلمنا على شد الدواوين فيما تقدم. و هذه الوظيفة هى الكشف عن حسابات الدواوين و مراقبتها، و التحدث فى ذلك إلى الوزير.

203

و لما توفى الظاهر، قام بأمر ولده العزيز أحسن قيام. و استمال الملك الأشرف، حتى حفظ على الملك العزيز البلاد- و لما استعاد الملك الأشرف تلّ باشر (1)، دفعها لهذا الخادم، و قال هذه تكون لصدقاتك و ما يلزمك، فإنك تكره أن تتصرف فى أموال الصغير، فنقل إليها من الأموال و الذخائر كلّ نفيس. و كان قد طهّر حلب من الفسق و الفجور و المكوس. و كان الملك الأشرف يقول: إن كان للّه تعالى فى الأرض ولىّ، فهو هذا الخادم، الذى فعل ما عجز عنه الفحول.

فلما ترعرع الملك العزيز بن الملك الظاهر، فى سنة تسع و عشرين و ستمائة- قال له بعض خواصّه: قد رضيت لنفسك أن تكون تحت حجر هذا الخادم! فأخذ منه تلّ باشر، و نزع يده منه. و بقى الأتابك لا ينفّذ له أمر ثم مرض و توفى بحلب، فى ليلة الحادى عشر من المحرم، من هذه السنة.

و دفن بمدرسة الحنفية خارج باب الأربعين- (رحمه الله تعالى).

و فيها توفى الشيخ أبو عبد اللّه: الحسين بن محمد بن يحيى، بن مسلم الزّبيدى. سمع أبا الوقت عبد الأوّل‏ (2) بن عيسى، و غيره.

____________

(1) قلعة حصينة و كورة واسعة فى شمالى حلب: بينها و بين حلب يومان. و لها ربض (ريف حولها) و أسواق.

و هى عامرة آهلة (ياقوت: ج 2- 402)

(2) هو: أبو الوقت عبد الأوّل: بن أبى عبد اللّه عيسى بن شعيب السّجزى (نسبة إلى سجستان) كان من كبار المحدّثين، درّس فى المدرسة النّظاميّة ببغداد. و أخذ عنه العلماء. ولد سنة 458، و توفى ببغداد سنة 553 ه.

(وفيات الأعيان: ج 2- ص 392)

204

و هو من ساكنى باب البصرة، و حضر إلى الشام و حدّث بدمشق بصحيح البخارى عن أبى الوقت غير مرّة. و هو شيخ شيوخنا. و لما وصل إلى دمشق، أكرمه الملك الأشرف، و حصل له دنيا صالحة بعد فقر و ضرورة.

ثم عاد إلى بغداد، فمرض قبل وصوله إليها، و توفى بعد أن دخلها بأيام.

كانت وفاته يوم الاثنين، الثالث أو الرابع و العشرين من صفر، سنة إحدى و ثلاثين و ستمائة. و سئل عن مولده، فقال: سنة ست، أو سبع، و أربعين و خمسمائة- الشّكّ منه- و دفن بمقبرة جامع المنصور.

و فيها توفى ركن الدين منكرس الفلكى: مملوك فلك الدين- أخى الملك العادل لأمّه- كان من أكابر الأمراء. ولّاه العادل مصر و الشام نيابة عنه. و كان صالحا ديّنا، عفيفا عادلا، كثير الصدقات. و له بقاسيون مدرسة و تربة أوقف عليها أشياء كثيرة. و كانت وفاته. بجرود (1): قرية من قرى دمشق، و حمل منها فدفن بتربته بقاسيون- (رحمه الله تعالى).

و فيها توفى الأمير كريم الدين الخلاطى. و كان كثير المروءة حسن الملتقى، يتعصّب فى الخير. خدم الملك الكامل و المعظم و الأشرف. و تقدّم فى زمن الملك العادل. و كانت وفاته بدمشق، و دفن بقاسيون- (رحمه الله تعالى).

____________

(1) من أعمال غوطة دمشق.

(ياقوت: ج 3- 90)