نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج29

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
495 /
205

و فيها توفى صلاح الدين أبو العباس: أحمد بن عبد السيد بن شعبان ابن محمد بن جابر، بن قحطان الإربلى- و هو من بيت كبير بإربل‏ (1).

و كان حاجبا عند الملك المعظم: مظفر الدين بن زين الدين صاحب اربل.

فتغير عليه و اعتقله مدة. فلما أفرج عنه، خرج منها إلى الشام، و اتصل بخدمة الملك المغيث: محمود بن العادل- و كان قد عرفه من إربل- فحسنت حاله عنده.

فلما توفى الملك المغيث، انتقل الصّلاح إلى الديار المصرية، و خدم الملك الكامل فعظمت منزلته عنده، و وصل منه إلى ما لم يصل إليه غيره، و اختصّ به فى خلواته. و جعله أميرا.

و كان الصلاح ذا فضيلة تامة، و مشاركة حسنة. و له نظم حسن، و دوبيت‏ (2). ثم تغيّر عليه الملك الكامل، و اعتقله، فى المحرم سنة ثمانية عشر و ستمائة، و السلطان بالمنصورة. فاستمر فى الاعتقال بقلعة الجبل، مضيّقا عليه، إلى شهر ربيع الآخر سنة ثلاث و عشرين.

فعمل الصلاح دوبيت، و أملاه على بعض المطربين، فغنّى به عند الملك الكامل. و هو:

ما أمر تجنّيك على الصّبّ خفى‏ * * * أفنيت زمانى بالبكا و الأسف‏

ما ذا غضب بقدر ذنبى، و لقد * * * بالغت و ما قصدك إلا تلفى‏

____________

(1) قلعة حصينة و مدينة كبيرة بين الزابين، من أعمال الموصل. بينهما مسيرة يومين. و أكثر أهلها أكراد.

(ياقوت: ج 1- 172)

(2) نوع من الشّعر، له وزن خاص، غير أوزان البحور العربية المأثورة.

206

فاستحسنه الملك الكامل، و سأل لمن هو؟ فقيل: للصلاح الإربلى.

فأمر بالإفراج عنه. و قيل إن الشعر غير هذا، و هو:

اصنع ما شئت، أنت أنت المحبوب‏ * * * ما لى ذنب، بلى- كما قلت- ذنوب‏

هل يسمح بالوصال فى ليلتنا * * * يجلو صدا القلب و يعفو، و أتوب‏

و لما أفرج عنه، عادت مكانته عنده إلى أحسن ما كانت عليه و لما توجه الملك الكامل إلى بلاد الروم كان فى خدمته، فمرض بالعسكر بالقرب من السّويدا، فحمل إلى الرّها فمات قبل وصوله إليها، فى خامس عشرين ذى الحجة، سنة إحدى و ثلاثين و ستمائة. و كان مولده فى شهر ربيع الآخر سنة اثنتين و خمسين و خمسمائة.

و لما مات وجد بداره بدمشق خمسة عشر ألف دينار، و بداره بالقاهرة خمسة آلاف دينار. و لما عاد السلطان الملك الكامل إلى الديار المصرية، أقطع ولده صنافير (1) بالقليوبيّة خاصا له، و جعل معه أقارب والده و مماليكه- و عدتهم سبعة عشر نفرا- و ذلك فى سنة اثنتين و ثلاثين.

و توفى الأديب الفاضل: نجم الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن أبى محمد عبد الوهاب بن الحسن بن على، المعروف بابن وهيب القوصى، بحماه.

____________

(1) هى بمركز قليوب (بمصر)، غربىّ ناحية بهادة، و شمالىّ كفر الحارث. و بالقاهرة الآن شارع يسمى شارع الصنافيرى.

(السلوك زيادة- ج 1- 250)

207

و كان قد توجّه فى خدمة الملك المظفر- صاحب حماه- و وزر له.

و كانت بينهما مودة و رعاية. ثم نقم عليه أمرا، فقتله- (رحمه الله تعالى).

و كان فاضلا، له اليد الطّولى فى الأدب و التّرسّل، و الشّعر الرائق. و قد تقدم من كلامه ما كتب به عن متولّى الأعمال القوصية، فى معنى حريق خان المكرم، ظاهر مدينة قوص.

و استهلت سنة اثنتين و ثلاثين و ستمائة:

فى هذه السنة، توجه الأمير أسد الدين جغريل أحد مماليك السلطان الملك الكامل- إلى مكة، شرفها اللّه تعالى، و صحبته سبعمائة فارس فتسلمها فى شهر رمضان. و هرب منها الأمير: راجح بن قتادة، و من كان بها من عسكر اليمن.

ذكر إنشاء جامع التّوبة بالعقيبة (1) بدمشق‏

فى هذه السنة، شرع السلطان الملك الأشرف فى هدم خان الزّنجبيلى‏ (2)، الذى كان بالعقيبة بظاهر دمشق، و كان قد جمع أنواع الفساد من الخمور و الفسق فقيل للسلطان إن مثل هذا لا يصلح أن يكون فى بلاد الإسلام، فهدمه و عمره جامعا، غرم عليه جملة كثيرة، و سماه الناس جامع التّوبة.

____________

(1) سبق ذكرها، و هى ضاحية فى دمشق.

(2) نسبة إلى زنجبيلة. و هى قرية من قرى دمشق.

208

قال القاضى شمس الدين بن خلّكان فى وفيات الأعيان: «و جرت فيه نكتة لطيفة أحببت ذكرها، و هى أنه كان بمدرسة ستّ الشام التى خارج البلد إمام، فعرف بالجمال السّتّى- أعرفه شيخا حسنا، و يقال إنه كان فى صباه يلعب بشى‏ء من الملاهى، و هى التى تسمى الجعانة. و لما أسنّ حسنت طريقته، و عاشر العلماء و أهل الصلاح، حتى عدّ فى الأخيار. فولاه الملك الأشرف خطابة الجامع، لثناء الناس عليه. فلما توفى، ولى بعده العماد الواسطى الواعظ، و كان يتّهم بالشّراب.

و كان صاحب دمشق يومئذ الملك الصالح عماد الدين إسماعيل، فكتب إليه الجمال عبد الرحيم: المعروف بابن زوينة الرّحبى:

يا مليكا أوضح الحقّ لدينا و أبانه جامع التّوبة قد قلّدنى منه أمانه قال: قل للملك الصالح- أعلى اللّه شانه:

يا عماد الدين، يا من حمد الناس زمانه كم إلى كم أنا فى ضرّ و بؤس و إهانه لى خطيب واسطى يعشق الشّرب ديانه و الذى قد كان من قبل يغنّى بالجعانه فكما نحن، و ما زلنا- و لا أبرح- حانه ردّنى للنّمط الأوّل، و استبق ضمانه‏

209

و فى هذه السنة، فى تاسع صفر، كانت وفاة الملك الزاهد:

مجير الدين أبو سليمان، داود بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيوب- صاحب قلعة البيرة (1).

و كان يحب العلماء و أهل الأدب، و يقصدونه من البلاد. و كان فاضلا أديبا شاعرا، جوادا سمحا. و مولده بالقاهرة لسبع بقين من ذى القعدة- و قيل ذى الحجة- سنة ثلاث و سبعين و خمسمائة.

و لما مات، توجه الملك العزيز، ابن أخيه الملك الظاهر، إلى قلعة البيرة، فملكها.

و فيها توفى الأمير الأجل الطواشى: شمس الدين صواب، مقدّم عسكر الملك العادل.

و كانت وفاته بحرّان، فى العشر الآخر من شهر رمضان. و كان السلطان الملك الكامل قد جعله بها، و بغيرها، من تلك البلاد- كما تقدم.

و كان أميرا كبيرا فى الدّولتين: العادلية و الكاملية. و كان خادما عاقلا، ديّنا شجاعا جوادا. و كان العدل و الكامل يعتمدان عليه.

و كان له مائة خادم، تعيّن جماعة منهم و تأمّروا بعد وفاته: منهم بدر الدين الصّوابى، و شبل الدولة: كافور الخزندار بدمشق، و شمس الدين صواب السّهيلى بالكرك، و غيرهم. و كان شمس الدين صواب العادلى-

____________

(1) ذكرنا موقعها من قبل، و هى بالقرب من سميساط، بين حلب و الثغور الرومية. و كان الملك الظاهر غازى- صاحب حلب- بن السلطان صلاح الدين هو الذى أقطع مجير الدّين هذا- و هو أخوه- هذه القلعة.

فبقيت بيده حتى وفاته هذه السنة. و هى قلعة حصينة و لها رستاق (ريف) واسع.

(ياقوت: معجم البلدان: ج 2- 330)

210

هذا- إذا حمل فى الأعداء يقول: أين أصحاب الحصى‏ (1). و كان له برّ و صدقة، و فيه إنصاف- (رحمه الله تعالى).

و فيها توفى الصاحب تاج الدين: أبو اسحاق يوسف بن الصاحب الوزير: صفى الدين أبى محمد عبد اللّه، بن القاضى المخلص أبى الحسن على، الشّيبى المالكى بمدينة حرّان، فى الحادى عشر من شهر رجب، و دفن بها و مولده بمصر فى شوال سنة إحدى و ثمانين و خمسمائة و كان فقيها مالكيا، درّس بمدرسة أبيه بالقاهرة. و ناب عن والده فى الوزارة بالديار المصرية. و ولى الوزارة بعد والده نحو شهرين. ثم صرف و استخدم فى التّوقيع. ثم ولى نظر الدواوين بالديار المصرية.

ثم عزل و اعتقل، ثم أفرج عنه فى سادس عشر شعبان، سنة خمس و عشرين و ستمائة. ثم ولى الجزيرة و ديار بكر و حرّان فى الدولة الكاملية و مات هناك- (رحمه الله تعالى).

و فيها توفى شرف الدين، أبو حفص و أبو القاسم: عمر بن على بن المرشد بن على، الحموىّ الأصل، المصرى الدار و المولد و الوفاة: المعروف بابن الفارض، الشاعر.

____________

(1) ميدان الحصى بدمشق. لعله يقصد أهل دمشق.

211

له ديوان شعر مشهور. و كانت وفاته بالجامع الأزهر بالقاهرة المعزّيّة، فى يوم الثلاثاء الثانى من جمادى الأولى، و دفن من الغد بسفح المقطم.

و مولده بالقاهرة فى الرابع و العشرين من ذى القعدة، سنة ست و سبعين و خمسمائة.

و استهلت سنة ثلاث و ثلاثين و ستمائة:

فى هذه السنة، حصل بمصر و باء عظيم، مات فيه خلق كثير. و استمر ثلاثة أشهر.

و فيها، فى المحرم، وصل الملك الناصر داود، صاحب الكرك، إلى بغداد. و اجتاز فى طريقه بالحلّة (1)، و بها الأمير شرف الدين، بن الأمير جمال الدين قشتمر، زعيم الحلّة و مقدّم الجيوش، فتلقاه و أكرمه، و أقام له الإقامات الوافرة. و عمل له دعوة عظيمة اشتملت على أنواع من المآكل.

قال ابن الساعى فى تاريخه: بلغت النفقة على تلك الدعوة اثنى عشر (2) ألف دينار.

ثم قصد بغداد، فوصل إليها فى يوم الاثنين سادس عشر المحرم، فبرز لتلقّيه الموكب، و فيه جميع الحجاب و الدعاة، و فى صدره قطب الدين:

أبو عبد اللّه بن الأقساسى،- نقيب الطالبيّين- و عن يمينه و شماله خادمان من‏

____________

(1) علم لعدة مواضع. و أشهرها حلّة بنى مزيد: مدينة كبيرة بين الكوفة و بغداد.

(معجم البلدان: ج 2- 327)

(2) فى (ع): «اثنا عشر».

212

خدم الديوان العزيز (1). و حين وافى باب النّوبى‏ (2) نزل و قبّل العتبة.

و حضر دار الوزارة، فأكرم و خلع عليه قباء (3) أطلس، و شربوش‏ (4)، و أعطى فرسا بمركب ذهب. و أسكن محلّة المقتدى، بالدار المنسوبة إلى أبى تميم الموسوى، و أقيمت له الإقامات الوافرة من المخزن المعمور (5) فى كل يوم.

و أنهى للديوان العزيز ما اعتمده معه عمّاه من إخراجه من دمشق- و هى مملكة أبيه- و نقله إلى الكرك.

و أقام ببغداد إلى خامس عشرين شعبان. ثم أحضر إلى دار الوزارة، و خلع عليه قباء أطلس أسود، و فرجيّة (6) مموّج، و عمامة قصب كحلية مذهّبة. و أنعم عليه بفرس عربى بمركب ذهب، و كنبوش‏ (7) و مشدّة إبريسم‏ (8). و أعطى العلم و الجفتاوات‏ (9) و الكراع‏ (10). و الخيام و المفارش‏

____________

(1) أى ديوان الخلافة. و كان الخليفة إذ ذاك ببغداد: «المستنصر باللّه».

(623- 640)

(2) الباب الذى كان ينزل عنده القادمون على الخليفة، و يقدمون شعائر الولاء.

(3) الثوب أو الكساء الخارجى.

(4) غطاء للرأس أشبه بالطربوش.

(5) أى خزانة ديوان الخلافة.

(6) كساء واسع يلبس فوق الثياب يصنع من الجوخ، له أكمام واسعة طويلة تحت اليد.

(7) البرذعة تجعل تحت سرج الفرس، و هو غاشية الفرس.

(8) حرير.

(9) أقبية صفر من حرير مزركش و ملابس خاصة.

(10) الخيل.

213

و الآلات، و خمسة و عشرين ألف دينار، و عدّة من الخيل و جوز من الثياب الفاخرة. و شرّف من معه من أصحابه و أتباعه و مماليكه.

و أذن له فى التوجه إلى بلده- و ذلك بعد الصلح بينه و بين عميه:

الكامل و الأشرف. و خرج من بغداد فى ثالث شهر رمضان- و صحبته الأمير: سعد الدين حسن بن على- إلى الملك الكامل، يأمره عن الديوان العزيز بإجابة سؤاله. ذكر ذلك ابن الساعى فى تاريخه.

و فيها، توفى الحافظ: أبو الخطاب عمر بن الحسن بن محمد بن دحية الأندلسى البلنسى‏ (1)، المعروف بذى النّسبين.

طلب الحديث فى أكثر بلاد الأندلس الإسلامية، و لقى علماءها و مشايخها. ثم رحل الى بر العدوة (2) و دخل مراكش و اجتمع بفضلائها. ثم ارتحل إلى إفريقية، و منها إلى الديار المصرية، ثم إلى الشام و الشرق و العراق.

و دخل إلى عراق العجم و خراسان، و ما والاها، و مازندران‏ (3)، فى طلب الحديث و الاهتمام بأئمته، و الأخذ عنهم. و هو فى ذلك يؤخذ عنه، و يستفاد منه.

____________

(1) نسبة إلى «بلنسية»: «هى مدينة و كورة مشهورة بالأندلس، شرق قرطبة، و بينها و بين البحر فرسخ.

(معجم البلدان: ج 2- 279)

(2) أى: البر المقابل للأندلس، و هو الذى فيه المغرب الأقصى.

(3) اسم لولاية طبرستان.

(ياقوت: ج 7- 363)

214

و قدم مدينة إربل، فى سنة أربع و ستمائة، عند توجهه إلى خراسان.

و اجتمع بصاحبها: الملك المعظم بن زين الدين. و كان المعظم عظيم الاحتفال بمولد النبى (صلى اللّه عليه و سلّم)، فألف له كتابا سماه: التّنوير فى مولد السّراج المنير، و قرأه عليه فأعطاه ألف دينار. و له عدة تصانيف.

و لما عاد إلى الديار المصرية، ولّاه الملك الكامل دار الحديث الكاملية (1) بالقاهرة. ثم عزله منها قبل وفاته، و ولى أخاه محيى الدين أبا عمرو.

و توفى أبو عمرو بالقاهرة، فى يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الأولى، سنة أربع و ثلاثين و ستمائة. و كان حافظا للغة العرب. و كانت وفاة أبى الخطاب بالقاهرة فى الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ثلاث و ثلاثين و ستمائة، و دفن بسفح المقطم. و مولده فى مستهل ذى القعدة سنة ست و أربعين و خمسمائة.

و فيها، فى سلخ شهر ربيع الآخر- توفى الأمير أبو التّقى صالح بن الأمير المكرم أبى الطاهر (2) إسماعيل بن أحمد بن الحسن بن اللّمطي، بمنية بنى‏

____________

(1) سبق الحديث عنها. و هي أول دار للحديث بمصر. تمت عمارتها فى سنة 621 ه و جعل شيخها أبو الخطاب عمر بن دحية، ثم وليها بعده أخوه: أبو عمرو عثمان بن دحية، ثم وليها الحافظ المنذرى (السيوطى: حسن المحاضرة: ج 2- 142)

(2) الأمير المكرم اللمطى كان نائب السلطان بمدينة قوص زمن العادل.

215

خصيب‏ (1) من صعيد مصر. و صلّى عليه على ساحل البحر، و حمل فى مركب و أحدر إلى مصر، فوصل بعد صلاة العصر مستهل جمادى الأولى، و دفن بسفح المقطم، بتربة كان أنشأها لنفسه قبل وفاته بيسير- و قد قارب الستين. سمع ببغداد جماعة كبيرة و بنيسابور و بمرو و هراة و همدان و دنيسر و دمشق. و جال فى البلاد كثيرا، و دخل ما وراء النهر. و لم يحصّل من مسموعاته إلا اليسير- (رحمه الله تعالى).

و فيها فى شهر ربيع الأول، توفى الأمير فخر الدين أياز البانياسى بخرتبرت من ديار الجزيرة. و حمل إلى القاهرة، و دفن بتربته التى أنشأها بالقرافة الصغرى، و أنشأ بجانبها حوض سبيل. و كان قد ولى مصر مدة، و له غزوات و تقدّم فى الدولتين العادلية و الكاملية. و كان مشهورا فى شبيبته بالقوة. و كان محبا لأهل الخير متفقدا لهم- (رحمه الله تعالى).

و فيها، توفى خطيب مصر الشيخ الفقيه: أبو الطاهر محمد بن الحسين ابن عبد الرحمن الجابرى- من ولد جابر بن عبد اللّه الأنصارى- (رضى اللّه عنه). و هو المشهور بالمحلّى، و هو من أصحاب الشيخين: الشاطبى و القرشى.

____________

(1) سماها «ياقوت»: منية أبى الخصيب، و قال عنها إنها «مدينة كبيرة حسنة كثيرة الأهل و السكن، على شاطئ النيل فى الصعيد الأدنى».

(المعجم: ج 8- 188) و فى حاشية «النجوم الزاهرة»: «منية ابن خصيب ..»، سميت كذلك نسبة إلى «الخصيب ابن عبد الحميد» صاحب خراج مصر فى عهد الخليفة هارون الرشيد العباسى. و فى الخطط للمقريزى منية الخصيب. و قد اختصر اسمها و اشتهرت باسم «المنية» ثم «المنيا» و هو الاسم الحالى.

(النجوم الزاهرة: ج 5- 309 حاشية (1))

216

و استهلّت سنة أربع و ثلاثين و ستمائة:

ذكر وقوع الوحشة بين السلطان الملك الكامل و أخيه الملك الأشرف‏

كان وقوع الوحشة بين الملكين الأخوين فى هذه السنة.

و سبب ذلك أن الملك الأشرف طلب من أخيه الملك الكامل الرّقّة، و قال إن الشّرق قد صار للسلطان، و أنا فى كل يوم فى خدمته، فتكون هذه برسم عليق دوابّى. و جعل الفلك المسيرى واسطة بينه و بين السلطان.

فكتب الفلك إلى الملك الكامل بذلك، فأجابه الملك الكامل بكتاب أغلظ له فيه.

و كان الملك الكامل، لما عاد من بلاد الشرق فى سنة ثلاث و ثلاثين، بلغه اتفاق الملوك عليه، فعجّل السير إلى الديار المصرية.

فكتب إليه الملك الأشرف يقول: إنك أخذت منى الشرق. و قد افتقرت لهذه البواكير، و دمشق بستان ليس لى فيها شي‏ء. فبعث إليه عشرة آلاف دينار، فردّها عليه، و قال: أنا أدفع هذه لأميرين.

فغضب الملك الكامل، و قال: الملك الأشرف يكفيه عن الملك عشرته للمغانى و تعلّمه لصناعتهم! فاتصل ذلك بالملك الأشرف، فتنمّر له و قال: و اللّه لأعرّفنّه قدره. و راسل الملوك: بحلب و حماه و بلاد الشرق، و صاحب الروم، و قال: قد عرفتم بخل الكامل و طمعه فى البلاد.

217

فحلفوا كلهم و اتفقوا، و سيروا رسلهم إلى الملك الكامل يقولون: انهم معه صلحا، ما أقام بالديار المصرية و لم يخرج إلى الشام لفتح شي‏ء من البلاد.

ذكر وفاة الملك العزيز صاحب حلب و قيام ولده الملك الناصر

و فى سنة أربع و ثلاثين و ستمائة، كانت وفاة الملك العزيز غياث الدين محمد، بن الملك الظاهر غازى، بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب- صاحب حلب، بها. و مولده فى ذى الحجة سنة تسع أو عشر و ستمائة. و ملك بعده ولده الملك الناصر صلاح الدن يوسف. و كان عمره يوم ذاك ست سنين. فقام بتدبير المملكة والدة أبيه، و هى ابنة الملك العادل.

و جعلت الأمير شمس الدين لؤلؤ أتابكه. ثم زوّجه السلطان الملك الكامل ابنته عاشورا شقيقة الملك العادل، فى تاسع عشر ذى الحجة من السنة.

218

و استهلّت سنة خمس و ثلاثين و ستمائة:

ذكر وفاة الملك الأشرف و شي‏ء من أخباره و قيام أخيه الملك الصالح إسماعيل و إخراجه من الملك‏

فى يوم الخميس رابع المحرم، سنة خمس و ثلاثين و ستمائة، توفى الملك الأشرف: مظفر الدين موسى، بن الملك العادل: سيف الدين أبى بكر محمد ابن أيوب- صاحب دمشق- بها. و دفن بقلعتها، ثم نقل إلى تربته بالكلّاسة (1)، بجوار الجامع الأموى.

و مولده بالقاهرة- و قيل بقلعة الكرك- فى سنة ست و سبعين و خمسمائة. و قيل إنه قبل أخيه الملك المعظم بليلة واحدة. و كان- (رحمه الله تعالى)- عفيفا عن المحارم، ما خلا بامرأة قط إلا أن تكون زوجته أو جاريته.

و حكى أبو المظفر يوسف بن قزوغلى سبط ابن الجوزى عنه، فى كتابه: «مرآة الزمان»، من الأوصاف الجميلة، و المروءة الغريرة، و الكفّ عن المحارم، و العفة عنها مع التمكن منها، ما يرجى له به الخير عند اللّه تعالى.

و كان مما حكاه عنه قال: جلست يوما عنده فى منظرة بقلعة خلاط، يعتب على أخيه الملك المعظم فى قضية بلغته عنه، ثم قال: و اللّه ما مددت عينى إلى حريم أحد: لا ذكر و لا أنثى.

____________

(1) تقع شمالى جامع دمشق.

219

و لقد كنت يوما قاعدا فى هذه الطّيّارة، فدخل الخادم فقال: على الباب امرأة عجوز، تذكر أنها من عند بنت شاه أرمن- صاحب خلاط.

فأذنت لها، فدخلت، و معها ورقة من عند بنت صاحب خلاط، تذكر أن الحاجب «علىّ» (1) قد أخذ ضيعتها و قصد هلاكها، و ما تتجاسر أن تظهر، خوفا منه. فكتبت على الورقة بإطلاق القرية، و نهيت الحاجب عنها.

فقالت العجوز: هى تسأل الحضور بين يديك، فعندها سرّ ما يمكن ذكره إلا للسلطان! فأذنت لها. فتوجّهت و عادت بعد ساعة، و معها امرأة ما رأيت فى الدنيا أحسن من قدّها، و لا أظرف من شكلها، كأن الشمس تحت نقابها! فخدمت و وقفت. فقمت لها و قلت: و أنت فى هذا البلد، و ما علمت بك؟! فسفرت عن وجهها فأضاءت منه المنظرة! فقلت: غطّ وجهك، و أخبرينى بحالك.

فقالت: أنا بنت شاه أرمن، صاحب هذه البلاد. مات أبى، و استولى بكتمر على الممالك، و تغيرت الدّول، و كانت لى ضيعة أعيش منها، أخذها الحاجب «علىّ» و ما أعيش إلا من عمل النّقش، و أنا ساكنة فى دار بالأجرة! قال: فبكيت، و أمرت الخادم أن يكتب لها توقيعا بالضّيعة و بالوصيّة، و أمرت لها بقماش من الخزانة، و أمرت لها بدار تصلح لسكنها، و قلت باسم اللّه، امضى فى حفظ اللّه و دعته.

____________

(1) هو الحاجب على بن حماد الموصلى، الملقب بالأمير حسام الدين. كان نائب الملك الأشرف بخلاط.

(ابن خلكان: ج 4- ص 417)

220

فقالت العجوز: يا خوند (1)، ما جاءت إلى خدمتك إلا حتى تحظى بك الليلة! قال: فلما سمعت كلامها، وقّع اللّه فى قلبى تغيّر الزمان، و أن يملك خلاط غيرى، و تحتاج بنتى إلى أن تقعد مثل هذه القعدة بين يديه:

فقلت: يا عجوز، معاذ اللّه! و اللّه ما هو من شيمتى، و لا خلوت بغير محارمى، فخذيها و انصرفى، و هى العزيزة الكريمة! و مهما كان لها من الحوائج تنفّذ إلى هذا الخادم. فقامت، و هى تبكى، و تقول- بالأرمنية:

صان اللّه عاقبتك، كما صنتنى. قال: فلما خرجت، أفتتنى نفسى، و قالت: ففى الحلال مندوحة عن الحرام، تزوّجها. فقلت: يا نفسا خبيثة، فأين الحيا و الكرم و المروءة! و اللّه لا فعلته أبدا.

و مما حكاه أبو المظفر- أيضا- قال: كنت عنده بخلاط، فقدم النظّام بن أبى الحديد، و معه نعل النبى (صلى اللّه عليه و سلّم). فأخبرته بقدومه، فأذن بحضوره. فلما جاء، و معه النعل، قام و نزل من الإيوان، و أخذ النعل فقبّله، و وضعه على عينيه، و بكى! و خلع على النظّام و أعطاه نفقة، و أجرى عليه جراية، و قال يكون فى الصّحبة نتبرك به.

ثم عزم على أخذ قطعة من النعل تكون عنده. قال بعد ذلك: فلما عزمت على ذلك بتّ مفكرا، و قلت: إن فعلت هذا فعل غيرى مثله، فيتسلسل الحال و يؤدى إلى استئصاله. فرجعت عن هذا الخاطر. و تركته للّه، و قلت: من ترك شيئا للّه عوّضه اللّه خيرا منه. ثم أقام النظّام عندى شهورا و مرض، و أوصى لى بالنعل، و مات و أخذته بأسره.

____________

(1) يا سيد، أو يا أمير. كلمة فارسية أو تركية.

221

و لما اشترى دار قايماز النّجمي، و جعلها دار حديث، ترك النعل فيها، و نقل إليها الكتب الثمينة، و أوقف عليها الأوقاف. و عمر غيرها من الأماكن الشريفة: منها مسجد أبى الدّرداء بقلعة دمشق- بناه و زخرفه- و كان غالب إقامته به. و المسجد الذى عند باب النصر، و جامع العقيبة و مسجدا خارج باب الصغير و مسجد القصب خارج باب السلامة، و جامع بيت الآبار. و وقف على ذلك الأوقاف الكثيرة. و زاد وقف دار الحديث النّوريّة.

هذا و تربته بالكلّاسة بدمشق، و تربة والدته بالقرافة بمصر. و بنى أيضا ببلاد الشرق و خلاط خانات السبيل.

و كان- (رحمه الله تعالى)- حسن الظن بالفقراء، يحسن إليهم و يزورهم و يتفقدهم بالمال و الأطعمة. و كان فى ليالى شهر رمضان لا يغلق باب قلعة دمشق، و يرسل فى الليل جفان الحلو إلى الجامع و الزوايا و الرّبط، ما قرب منه و ما بعد.

و كان ابتداء مرضه فى شهر رجب، سنة أربع و ثلاثين و ستمائة، مرضين مختلفين فى الأعالى و الأسافل. و كان الحرائحى يخرج العظام من رأسه، و هو يسبّح اللّه و يحمده ثم اشتد به الذّرب، فلما يئس من نفسه قال لوزيره- جمال الدين بن جرير-: فى أى شي‏ء تكفننى؟ فقال: حاشاك! فقال دعنى من هذا، فما بقى فى قوّة يحملنى أكثر من نهار غد، و توارونى. فقال فى الخزانة تصافى. فقال: حاش للّه أن أكفن من هذه الخزانة.

222

و قال: لعماد الدين بن موسك أحضر لى الوديعة. فقام، و عاد و على رأسه مئزر صوف أبيض تلوح منه الأنوار، ففتحه و إذا فيه خرق الفقراء و طواقى الأولياء، و فيه إزار عتيق ما يساوى خمسة قراطيس. فقال يكون هذا على جسدى أتقى به حرّ الوطيس، فان صاحبه كان من الأبدال و كان حبشيّا، أقام بحبل الرّها يزرع قطعة زعفران يتقوت بها، و كنت أصعد إليه و أزوره، و أعرض عليه المال فلا يقبله، فسألته شيئا من أثره أجعله فى كفنى، فأعطانى هذا الإزار، و قال قد أحرمت فيه عشرين حجّة. و كان آخر كلامه: لا إله إلا اللّه. ثم مات فى التاريخ المذكور.

قال أبو المظفر: و لما أحسّ بوفاته فى آخر سنة أربع و ثلاثين، قلت له:

استعد للقاء اللّه فما يضيرك، قال: لا و اللّه بل ينفعنى. ففرّق البلاد، و أعتق مائتى مملوك و جارية. و وقف دار فرّخشاه، التى يقال لها دار السعادة، و بستان النّيرب‏ (1) على ابنته. و أوصى لها بجميع الجواهر.

قال أبو المظفر: و حكى لى الفقيه محمد اليونانى‏ (2)، قال: حكى لى فقير صالح من جبل لبنان.، قال: لما مات الأشرف رايته فى المنام و عليه ثياب خضر، و هو يطير بين السماء و الأرض، مع جماعة من الأولياء. فقلت له يا موسى، إيش تعمل مع هؤلاء، و انت كنت تفعل فى الدنيا و تصنع؟

فالتفت إلى و تبسم، و قال: الجسد الذى كان يفعل تلك الأفاعيل تركناه عندكم، و الروح التى كانت تحب هؤلاء قد صارت معهم- (رحمه الله تعالى).

____________

(1) قرية مشهورة بدمشق، على نصف فرسخ منها فى وسط البساتين قال ياقوت عنها: هى أنزه موقع رأيته.

(معجم البلدان: ج 8- 355)

(2) نسبة إلى يونان: قرية من بعلبك. تقدم ذكرها.

223

ذكر ملك الملك الصالح عماد الدين إسماعيل- ابن الملك العادل- دمشق، و وصول الملك الكامل إليها و حصار دمشق و أخذها و تعويض الصالح عنها

لما مات الملك الأشرف: مظفر الدين موسى- (رحمه الله تعالى)- ملك دمشق بعده- بوصية منه- أخوه الملك الصالح: عماد الدين إسماعيل، الملقب بأبى الخيش! و إنما لقّب بذلك، لأنه- فيما حكى عنه- كان يملأ خيشة تبنا و يبيّتها فى الماء، ثم يطعنها برمحه فيرفعها عليه. فلقب بذلك.

و لما انفصلت أيام عزاء الملك الأشرف، ركب الملك الصالح إسماعيل بشعار السلطنة، و ترجّل الناس فى ركابه، و أسد الدين شيركوه صاحب حمص إلى جانبه، و حمل الأمير عز الدين أيبك- صاحب صرخد- الغاشية (1) بين يديه. ثم عاد كل منهما إلى مملكته، و استقر هو بدمشق.

و صادر جماعة من أهلها، اتهمهم بمكاتبة الملك الكامل: منهم العلم تعاسيف‏ (2) و أولاد مزهر و ابن عريف البدرى، و استصفى أموالهم. و أفرج‏

____________

(1) هى من رسوم الملك. وصفها «القلقشندى» بأنها «هى غاشية سرج من أديم مخروزة بالذهب، يخالها الناظر جميعها مصنوعة من الذهب، تحمل بين يديه (السلطان) عند الركوب فى المواكب الحفلة كالميادين و الأعياد و نحوها، يحملها الركاب دارية، رافعا لها على يديه يلفتها يمينا و شمالا». فهى من شعار السلطنة.

(صبح الأعشى: ج. 4- ص 7)

(2) هو قيصر بن أبى القاسم، ينعت بالعلم، و يعرف: بتعاسيف، الأصفونى. كان عالما بالرياضيات و أنواع الحكة. ولد بأصفون من الصعيد سنة 564.

(حسن المحاضرة: ج. 1- ص 233) ستأتى ترجمة له بالمتن عند سنة وفاته: 649 ه.

224

عن الشيخ على الحريرى من الاعتقال بقلعة عزّتا- و كان الملك الأشرف قد اعتقله بها فى سنة ثمان و عشرين و ستمائة- فأفرج عنه الآن، و منعه من الدخول إلى دمشق.

و أما الملك الكامل فإنه لما بلغه وفاة أخيه الملك الأشرف، سر بذلك سرورا عظيما، لما كان قد وقع بينهما من الوحشة التى تأكدت أسبابها- و قد تقدم ذكرها. فتجهز بعساكر الديار المصرية و توجه من قلعة الجبل، لقصد دمشق، فى ثالث عشرين صفر. و لما اتصل خبره بالملك الصالح حصّن دمشق، و قسم الأبراج على الأمراء، و غلّق أبواب المدينة. و جاء الأمير عز الدين أيبك من صرخد، و أمر بفتح الأبواب ففتحت.

و وصل الملك الكامل بعساكره، و نزل عند مسجد القدم. و نزل الملك الناصر داود بالمزّة (1)، و نزل مجير الدين و تقىّ الدين ابنا الملك العادل بالقابون‏ (2)، و هم فى طاعة الملك الكامل. و أحدقت العساكر بدمشق،

____________

(1) قربة كبيرة غناء فى وسط بساتين دمشق، بينها و بين دمشق نصف فرسخ.

(معجم البلدان: ج. 8- 47).

(2) موضع بينه و بين دمشق ميل واحد، فى طريق القاصد إلى العراق، وسط البساتين.

(معجم البلدان: ج. 7- ص 4).

225

و قطع الملك الكامل عنها المياه. و ردّ ماء بردى‏ (1) إلى ثورا (2). و شدد الحصار، فغلت الأسعار. وسد الصالح أبواب دمشق، إلا بابى الفرج و النصر. و تقدم الملك الناصر داود إلى باب توما، و عمل النّقوب فيه. و لم يبق إلا فتح البلد.

فأرسل الملك الكامل إليه فخر الدين بن الشيخ، فرده عنها، و رحّله إلى أرض برزة. (3) و أحرق الصالح إسماعيل قصر حجّاج و الشّاغور، و أخرب ظاهر دمشق خرابا لم يعهد مثله. و احترق جماعة من سكان هذه الجهات فى دورهم، و من سلم منهم لم يبق له ما يرجع إليه إلا الكدية و سؤال الناس.

و حكى أن الصالح- أو ابنه- وقف على العقيبة (4)، و قال للزّرّاقين‏ (5) أحرقوها، فضربوها بالناس. و كان لرجل من سكانها عشر بنات، فقال لهن: اخرجن، فقلن لا و اللّه، النار و لا العار، ما نفتضح بين الناس! فاحترقت الدار و هم فيها، فاحترقوا. و جرى من الخراب بظاهر دمشق ما لم يحر مثله قبل ذلك.

____________

(1) حدد ياقوت مجرى نهر بردى وصلته بثورا، فقال: «بردى: أعظم أنهار دمشق، يخرج من قرية قنوا على خمسة فراسخ من دمشق، مما يلى بعلبك، و يمر بالغوطة، ثم بمدينة دمشق، فيشق ما بينها و بين العقيبة، حتى يصب فى بحيرة المرج فى شرقى دمشق. و يساوقه من الجهة الشمالية نهر «ثورا» و يتصل به فى بعض أجزائه. و فى شمال ثورا نهر يزيد.

(معجم البلدان: ج 2- 118- 119)

(2) حدد ياقوت مجرى نهر بردى وصلته بثورا، فقال: «بردى: أعظم أنهار دمشق، يخرج من قرية قنوا على خمسة فراسخ من دمشق، مما يلى بعلبك، و يمر بالغوطة، ثم بمدينة دمشق، فيشق ما بينها و بين العقيبة، حتى يصب فى بحيرة المرج فى شرقى دمشق. و يساوقه من الجهة الشمالية نهر «ثورا» و يتصل به فى بعض أجزائه. و فى شمال ثورا نهر يزيد.

(معجم البلدان: ج 2- 118- 119)

(3) قرية من غوطة دمشق.

(المعجم: ج 2- 124)

(4) ضاحية بدمشق. ورد ذكرها قبل.

(5) الذين يرمون بالنّفط. و الزّرّاقة: أنبوبة يزرق (يقذف) بها النّفط فى الحرب.

226

ثم راسل الملك الصالح أخاه الملك الكامل يقول: بلغنى أنك تعطى دمشق للملك الناصر داود و أنت أحق بها، و ان أنت لم تعطنى ما أريد، و إلا ضربت قوارير النّفط فى أربع جوانب دمشق و أحرقتها، و أحرقت قلعتها، و أخرّبها خرابا لا تعمر بعده أبدا. فعلم الملك الكامل من جرأته أنه يفعل، فأعطاه ما طلب.

و دخل بينهما الشيخ محيى الدين بن الجوزى- رسول الخليفة- و كان بدمشق- فوقع الاتفاق و الصلح على أن الملك الكامل أقرّ بيد أخيه الملك الصالح بصرى‏ (1) و السّواد (2)، و أعطاه بعلبك و أعمالها. و لو طلب أكبر من ذلك أعطاه، خوفا من أن يحرق دمشق.

و تسلم الملك الكامل دمشق، و دخلها فى عاشر جمادى الأولى- و قيل فى أواخر الشهر المذكور. و أفرج عن الفلك المسيرى، و كان الملك الأشرف قد اعتقله فى حبس الحيّات. و لما دخل الملك الكامل إلى دار رضوان بقلعة دمشق، رأى قبر أخيه الأشرف فرفسه برجله و سبّه، و قال انقلوه الساعة.

فنقلوه إلى الكلّاسة.

و لما ملك الملك الكامل دمشق، عزم على قصد حمص، لاتفاق صاحبها الملك المجاهد شيركوه، فيما مضى، مع الأشرف. فصالحه الملك المجاهد على أن يحمل إلى خزانته ألف درهم، و دخل عليه بالنساء، فأجاب الملك إلى ذلك. و مات الكامل قبل حمل المال.

____________

(1) هى قصبة كورة حوران. من أعمال دمشق. سبق ذكرها.

(2) المراد بالسواد: الأرض الزراعية أو القرى حواليها.

227

ذكر وفاة السلطان الملك الكامل‏

كانت وفاته فى يوم الأربعاء، و قيل ليلة الأربعاء- الحادى و العشرين من شهر رجب، سنة خمس و ثلاثين و ستمائة، بقلعة دمشق بقاعة الفضّة.

و مولده بالقاهرة فى ذى الحجة، سنة خمس و سبعين و خمسمائة.

و كان أسنّ أولاد الملك العادل. و كانت مدة عمره تسعا و خمسين سنة و سبعة أشهر- تقريبا. و مدة ملكه- بعد وفاة والده الملك العادل عشرين سنة، و شهرين و ستة عشر يوما. و ملك دمشق واحدا (1) و سبعين يوما. و منذ خطب له بولاية العهد، ثمانيا و ثلاثين سنة و تسعة أشهر، و ستة عشر يوما.

و دفن بالقلعة. ثم نقل إلى تربته بجوار الجامع الأموى بدمشق. و كان مدة مرضه نيفا و عشرين يوما، بالإسهال و السّعال و نزلة فى حلقه، و نقرس فى رجله. و أظهروا موته يوم الجمعة. و لم يظهروا الحزن عليه بدمشق. حكى عن خادمه الذى كان يعلّله فى مرضه، قال: طلب منى الملك الكامل الطّشت‏ (2) لسقيا، فأحضرته له. و كان الناصر داود على الباب يطلب الإذن. فقلت له: داود على الباب. فقال: ينتظر موتى! و انزعج.

فخرجت إليه، و قلت له: ليس هذا وقت عبورك، فإن السلطان منزعج.

فتوجه إلى دار أسامة (3)- و كان قد نزل بها. و دخلت إلى السلطان، فوجدته قد قضى، و الطّشت بين يديه، و هو مكبوب على المخدة.

____________

(1) فى (ع): إحدى.

(2) غلب استعمال هذا اللفظ بالشين المعجمة. و صوابه بالسين المهملة مع فتح الطاء. و أصله «طسّ» بسين مشددة، و لذا فجمعه طساس و طسوس.

(القلقشندى: ج 4- 10)

(3) هو أسامة أو سامه الجبلى، الذى مر ذكره فى أول الكتاب. و كان من الأمراء الصلاحيّة.

228

و كان ملكا حازما، ضابطا لأموره. متطلعا لجمع المال، يباشر الحمول التى تصل إليه بنفسه و يكتبها بخطه فى دفتر له، و يحاقق المستخدمين فيما يطلع عليه. و جمع مالا عظيما، حتى يقال إنه خلف ألف إردب ذهب.

و هذا ما لم يسمع بمثله. و أراه- و اللّه أعلم- من التغالى.

و كان يجلس فى مجلس خاص فى كل ليلة جمعة، يجتمع فيه الفقهاء و الأدباء و الشعراء و غيرهم. و له فى بقية الجمعة ليال، يختلى فيها مع ندمائه على الشراب و سماع القيان‏ (1). و كان حسن الاعتقاد فى السّنّة. و كان جهورىّ الصوت، و له هيبة عظيمة فى قلوب الرّعايا و الخواصّ. و عمّر قاعة بقلعة الجبل، يجلس فيها مع الفقهاء و الصالحين فى شهر رمضان، سماها قاعة رمضان. و هى الآن من جملة الخزائن السلطانية.

ذكر ما اتفق بدمشق بعد وفاة السلطان الملك الكامل فى هذه السنة

لما توفى الملك الكامل اجتمع الأمراء، و هم: سيف الدين على بن قليج، و عز الدين أيبك، و ركن الدين الهيجاوى، و عماد الدين، و فخر الدين: ابنا شيخ الشّيوخ‏ (2)، و تشاوروا فى أمر دمشق، و انفصلوا

____________

(1) الجوارى المغنيات.

(2) هو صدر الدين بن حمويه، الملقب بشيخ الشيوخ لأنه كان شيخ الصوفية، و كان من كبار فقهاء الشافعية.

و قد سبقت ترجمته.

229

عن غير شي‏ء. و كان الملك الناصر داود بدار أسامة، فأتاه الرّكن الهيجاوى ليلا، و بيّن له وجه الصواب. و أرسل إليه أيبك المعظّمى يقول له: أخرج المال، و فرّقه فى مماليك أبيك و العوامّ، فهم معك، و تملك البلد، و يبقى هؤلاء بالقلعة محصورين. فلم يتّفق ذلك.

ثم اجتمع هؤلاء الأمراء بالقلعة فى يوم الجمعة، و ذكروا الملك الناصر داود، و الملك الجواد مظفر الدين: يونس بن مودود بن الملك العادل.

و كان فخر الدين بن الشيخ يميل إلى الملك الناصر، و عماد الدين يكرهه فأشار عماد الدين بالملك الجواد، و وافقه الأمراء، و قالوا لفخر الدين بن الشيخ: ما تقول فيه؟ فقد اتفق الأمراء عليه. فقال: المصلحة أن نولّى بعض الخدام نائبا عن الملك العادل: ابن أستاذنا الملك الكامل، فمتى شاء عزله [و إن رضى أبقاه، و لا تولوا من بيت الملك فيتعذر عزله‏] (1) و يستقل بالملك.

و بلغ ذلك الملك الجواد فجاء إليه، و تحدث معه، و ذكر له سالف صحبة و مودة، و ترفق له و وعده أن يعطيه إقطاع مائة و خمسين فارسا، و عشرة آلاف دينار. فقال: و اللّه لا وافقت إلا على ما فيه مصلحة لابن أستاذى. فلما يئس منه، فرّق ضياع الشام على الأمراء و خلع عليهم، و أعطاهم ما فى الخزائن- و كان بها تسعمائة ألف دينار. و توجه فخر الدين بن الشيخ إلى الديار المصرية، و معه جماعة من الأمراء، بعد أن تردّد إلى الملك الناصر مرارا، و هو بالقابون.

____________

(1) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ك)، فأكملناه من (ع).

230

و استقر أمر الملك الجواد فى يوم الجمعة. و أرسل الأمراء الأمير ركن الدين الهيجاوى إلى الملك الناصر داود- و هو فى دار أسامة- فأمره بالخروج إلى مملكته بالكرك. فقام و ركب، و قد اجتمع الناس من باب داره إلى القلعة. و هم لا يشكّون أنه يطلع إلى القلعة. فتوجه. و خرج من باب الفرج، و صاحت العامّة و استغاثوا. محبة له و رغبة فيه. و توجه إلى القابون.

و أما الملك الجواد فانه فرّق الأموال و خلع الخلع. فيقال إنه خلع خمسة آلاف خلعة، غير الأموال. و أبطل الخمور و المكوس، و نفى الخواطى‏ (1). و أقام الملك الناصر بالقابون أياما، و عزموا على القبض عليه، فرحل، و بات بقصر عفرا. و ركب خلفه أيبك الأشرفى ليمسكه.

فبعث إليه عماد الدين بن موسك فى السّر فعرفه. فسار فى الليل إلى عجلون‏ (2) و عاد أيبك إلى دمشق.

ذكر ما وقع بين الملكين: الناصر و الجواد و هرب الناصر إلى الكرك‏

قال: و لما توجه الملك الناصر إلى عجلون، سار منها إلى غزّة. و استولى على الساحل بموافقة عسكره، و مقدمهم. الأمير مجد الدين عمر- أخو الفقيه عيسى الهكّارى‏ (3)- و وصلت غاراته إلى الورّادة (4) و خرّب برج الحمام‏

____________

(1) البغايا.

(2) فى إقليم الأردن مشرفة على الغور. و بها قلعة حصينة جدا، بناها أسامة الجبلى.

(3) هو الفقيه ضياء الدين عيسى الهكارى، و كان من كبار رجال دولة صلاح الدين.

(4) منزل فى طريق مصر للقادم من الشام، فى وسط الرمل و الماء و الملح، من أعمال الجفار. فيها سوق و منازل و مسجد و مبرجة للحمام، يكتب و يعلق على أجنحتها و يرسل إلى مصر بالوارد و الصادر.

(معجم البلدان: ج 8- ص 412)

231

بها. فخرج إليه الملك الجواد فى عسكر مصر و الشام، و أمر الأمراء الأشرفية بمكاتبة الناصر و إطماعه فى الملك، ففعلوا ذلك. فاغتر بكتبهم و اطمأن إليهم، و ركب من غزة فى سبعمائة فارس، و قصد نابلس باثقاله و خزائنه و أمواله- و كانت على سبعمائة جمل- و ضرب دهليزه على سبسطيه‏ (1)، و ترك عساكره مقطّعة خلفه.

و الملك الجواد على جينين‏ (2) فركب بعسكره و أحاط به. فركب الناصر فى نفر يسير، و ساق نحو نابلس، و استمرت به الهزيمة إلى قلعة الكرك لا يلوى على شي‏ء. و استولى الملك الجواد على خزائنه و ذخائره، و خيوله و خيامه و أثقاله- و كان فيها ما لا يحصى قيمته. و كانت هذه الواقعة فى رابع عشرين ذى الحجة من السنة.

قال أبو المظفر: و بلغنى أن عماد الدين بن الشيخ وقع بسفط صغير، فيه اثنا عشر قطعة من الجوهر، و فصوص ليس لها قيمة، فدخل على الجواد و طلبه منه، فأعطاه إياه. قال: و هذه الأموال- التى كانت على جمال الملك الناصر- هى التى جهّز بها الملك المعظم ابنته دار مرشد، لما زوجها بالسلطان: جلال الدين خوارزم شاه- أخذها الناصر منها ظنا منه أنه يعوضها إذا فتح البلاد، فكان الأمر بخلاف ما ظنّ.

____________

(1) بلدة من نواحى فلسطين. بينها و بين البيت المقدس يومان. و هى من أعمال نابلس. يقال أن بها قبر زكرياء و يحيى بن زكرياء- (عليه السلام)- و جماعة من الأنبياء و الصالحين.

(ياقوت: ج 5- 29)

(2) بليدة حسنة بين نابلس و بيسان، من أرض الأردن. بها عيون و مياه.

(معجم البلدان: ج 3- 195)

232

و كان نصحاؤه أشاروا عليه- و هو بغزّة أنه يبعث بالأموال و الأثقال إلى الكرك، على عقبة الزّوبرة (1)، و يجمع عسكره و يتوجه إليهم جريدة (2).

فاغتر بمكاتبة الأشرفيّة. و جهز الملك الجواد الطلعات و الصّناجق‏ (3) إلى الديار المصرية، فوصلت فى سادس و عشرين الشهر. و عاد إلى دمشق بالظفر و الغنيمة.

هذا ما كان بدمشق، فلنذكر أخبار الملك الصالح نجم الدين أيوب، ببلاد الشرق.

ذكر أخبار الملك الصالح نجم الدين أيوب ببلاد الشرق فى هذه السنة

كان الملك الصالح نجم الدين قد استخدم الخوارزميّة، الذين سلموا من أصحاب السلطان جلال الدين خوارزم شاه‏ (4)، فى سنة أربع و ثلاثين‏

____________

(1) لا توجد فى «معجم البلدان»، و لكن ورد فى حاشية رقم 3 بالنجوم الزاهرة: ج 7- ص 12 أن هناك جهة تعرف اليوم باسم «عقرة الزول»، و هى على بعد عشرة كيلومترات غربى العريش، كانت قديما أحد مراكز البريد فى الطريق بين مصر و غزة. فيبدو أن عقرة الزول ليست إلا تحريفا لعقبة الزوبرة، لأن موقعها ينطبق على ما فى السياق.

(2) فرقة من الجيش، تخف سريعة على ظهور الخيول لأداء مهمة حربية.

(3) الألوية، أو القواد حاملوها، و قد سبق شرحها فى أول الكتاب.

(4) السلطان «جلال الدين» كان آخر شاهات الدولة الخوارزمية. ولى سنة 617 ه. و فى سنة 628 طارده التتار بعد أن هزموه، ففر شريدا، و قتل فى أثناء فراره فى ذلك العام. ففى ذلك العام (628) انتهت الدولة الخوارزمية، التى كان مقرها خوارزم، و التى اتسعت حتى نافست الدولة السلجوقية، و حلت محلها.

فبعد انقضاء الدولة، تفرق جنود الخوارزمية و دخلوا فى خدمة الملوك. و كان الملك الصالح أيوب ممن استخدمهم، و ذلك فى سنة 634- على ما ذكر فى المتن. و سيكون لهؤلاء الخوارزمية شأن كبير فى تطور الحوادث فى الشام و مصر و الجزيرة منذ ذلك الوقت، و سيفتحون بيت المقدس مرة أخرى، كما سيتبين من الأحداث التالية التى سيرد ذكرها فى المتن.

233

و ستمائة. و كانوا- قبل ذلك- خدموا صاحب الروم السلطان: علاء الدين.

كيقباذ، ففارقوه. و استخدمهم الملك الصالح، و استعان بهم، فخالفوا عليه فى سنة خمس و ثلاثين. و أرادوا القبض عليه- و كان على الفرات- فهرب إلى سنجار، و كان قد ملكها و استولى عليها بعد وفاة عمه الملك الأشرف. و ترك خزانته و أثقاله، فنبهوا ذلك بجملته. و لما صار بسنجار، و علم الملك الرحيم: بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل- مخالفة الخوارزميّة، قصده و حصره بسنجار، فى ذى القعدة. فأرسل الملك الصالح إليه يسأله الصلح. فقال: لا بدّ من حمله إلى بغداد فى قفص! و كان بدر الدين لؤلؤ و ملوك الشرق يكرهون مجاورة الملك الصالح، و ينسبونه إلى الكبر و الظلم.

فبعث الملك الصالح القاضى بدر الدين- أبا المحاسن يوسف- قاضى سنجار إلى الخوارزميّة، فتحيّل فى الخروج من سنجار، بأن حلق لحيته و تدلّى من السّور بحبل، و توجه إليهم. و شرط لهم كل ما أرادوا. فساقوا جرائد (1) من حرّان، و كبسوا بدر الدين لؤلؤ و عسكر الموصل بسنجار. فهرب منهم على فرس، و ترك خزائنه و أثقاله و خيوله. فنهبت الخوارزمية جميع ذلك، و اقتسموه. فصلحت به أحوالهم و استغنوا.

هذا ما كان من أخبار دمشق و الشام، و أخبار الملك الصالح بالشرك بعد وفاة والده: الملك الكامل، فى سنة خمس و ثلاثين. فلنذكر أخبار الملك العادل.

____________

(1) أى: حملات سريعة خفيفة.

234

ذكر أخبار السلطان الملك العادل‏

هو سيف الدين: أبو بكر، بن السلطان الملك الكامل: ناصر الدين أبى المعالى محمد، بن السلطان الملك العادل: سيف الدين أبى بكر محمد، ابن أيوب. و هو السابع من ملوك الدولة الأيوبية، بالديار المصرية.

استقر فى الملك بعد وفاة والده: السلطان الملك الكامل. و ذلك أنه لما مات والده بدمشق، كان هو ينوب عنه بالديار المصرية. فاجتمع الأمراء الذين كانوا بدمشق، فى خدمة السلطان الملك الكامل، الأمير سيف الدين على بن قليج، و الأمير عماد الدين، و فخر الدين: ابنا الشيخ، و غيرهم من أكابر الأمراء، فى قاعة المسرّة بقلعة دمشق، و حلفوا للملك العادل هذا، و استحلفوا له جميع العساكر المصرية و الشامية. و ذلك فى يوم الخميس الثانى و العشرين من شهر رجب، سنة خمس و ثلاثين و ستمائة.

و رتّبوا الملك الجواد: مظفر الدين يونس بن مودود- ابن عمه- فى نيابة السلطنة بدمشق، كما تقدم. و طالعوا السلطان الملك العادل بالخبر.

فخطب للملك العادل بالديار المصرية، فى سابع شعبان من السنة، و أعلن بوفاة الملك الكامل. فقال القاضى برهان الدين بن الفقيه نصر:

235

قل للذى خاف من مصر، و قد أمنت‏ * * * ما ذا تألّمه منها و خيفته‏

إن كان قد مات عن مصر محمّدها * * * فقد أقيم أبو بكر خليفته‏ (1)

قال: و لما استقر فى الملك، وضع المكوس‏ (2)، و زاد الأجناد (3)، و وسّع على الناس فى أرزاقهم. و رضى ما قرره الأمراء من استنابة الملك الجواد بدمشق، و أرسل إليه الخلع و الصّنجق. فركب بذلك فى يوم الأحد تاسع عشرين شهر رمضان من السنة.

و وصلت العساكر المصرية التى كانت مع الملك الكامل بالشام- و كان ابتداء وصولهم فى ثانى عشر شعبان، و كملوا فى مستهل شهر رمضان من السنة- و تأخر منهم من جرّد مع الملك الجواد. فأكرمهم الملك العادل و خلع عليهم، و زاد فى أرزاقهم. ثم عاد من تأخر منهم إلى الديار المصرية، بعد هرب الملك الناصر داود من سبسطية- كما تقدم. و كان وصولهم فى ثامن المحرم سنة ست و ثلاثين و ستمائة.

و فى سابع عشرين شوال، من سنة خمس و ثلاثين، وصل الشيخ محيى الدين يوسف بن أبى الفرج الجوزى، برسالة الخليفة بالتّعزية للملك العادل بأبيه، و التهنئة له بالملك. و استحلفه للخليفة. فى ثانى ذى القعدة منها.

____________

(1) الموجود فى (ع): «فقد قام أبو خليفته». و لكن البيت ينكسر. فإما أن يكون: فقد أقام. أو فقد أقيم.

و الثانى أولى. و لذا نرجحه.

(2) الضرائب غير الشرعية، التى استحدثت زيادة على الخراج.

(3) أى زادهم فى عطاءاتهم: مرتباتهم.

236

ذكر ما وقع فى هذه السنة من الحوادث- خلاف ما تقدم-

فى هذه السنة، فى ليلة الاثنين سادس جمادى الآخرة، أمر السلطان الملك الكامل أن لا يصلّى بالمسجد الجامع بدمشق صلاة المغرب إلا خلف إمام واحد: و هو خطيب الجامع الشافعى. و أبطل من عداه من الأئمة المالكية و الحنفية و الحنابلة، فى صلاة المغرب خاصة، لانحصارها فى وقت واحد، و اشتباه الحال على المأمومين و فيها قصد الملك المنصور: عمر بن على بن رسول- متملك اليمن- مكة. فلما بلغ الأمير أسد الدين جغريل الخبر، خرج من مكة بمن معه من العسكر إلى الديار المصرية، فى سابع شهر رجب، و وصلوا إلى القاهرة متفرقين، فى العشر الأوسط من شعبان. و دخل صاحب اليمن مكة فى تاسع شهر رجب.

و فيها ولى الشريف: شمس الدين الأرموى‏ (1) الشافعى- قاضى العسكر- نقابة الأشراف بالديار المصرية- و ذلك فى يوم الأربعاء سلخ ذى القعدة. و قرئ تقليده بجامع مصر، و حضر قراءته الأمير جمال الدين بن يغمور، و فلك الدين المسيرى، و ابن النجيلى.

____________

(1) نسبة إلى «أرمية» (بالضم ثم السكون): اسم مدينة عظيمة قديمة بأذربيجان. و هى، فيما يزعمون، مدينة زرادشت: مدينة حسنة كثيرة الخيرات.

(معجم البلدان: ج 1)

237

و فيها فى شعبان، ولى الشيخ كمال الدين: عمر بن أحمد بن عبد اللّه ابن طلحة النّصيبى‏ (1)- الخطابة، بعد وفاة عمه الدّولعى‏ (2)- و كانت وفاته فى رابع عشر جمادى الأولى، و دفن بالمدرسة التى أنشأها بجيرون‏ (3).

و كان له أخ جاهل فولى الخطابة، ثم عزل. فوليها الشيخ كمال الدين.

و فيها كانت وفاة قاضى القضاة: شمس الدين أبو البركات- يحيى بن هبة اللّه- بن الحسن، المعروف بابن سنىّ الدولة، فى يوم الأحد سادس ذى القعدة، و دفن بقاسيون. و كان فقيها إماما فاضلا عفيفا- (رحمه الله تعالى).

و ولى القضاء بعده قاضى القضاة: شمس الدين أحمد بن الخليل الخوئيّ فى ذى القعدة، استقلالا و عدّل جماعة كبيرة من أهل دمشق و هو أول قاض رتّب مراكز الشهود بدمشق و كان قبل ذلك مورقون يورقون المكتوب، و يتوجه أربابه إلى بيوت العدول فيشهّدونهم.

و فيها توفى الأمير صارم الدين خطلبا التّبنينى، فى يوم الاثنين ثالث شعبان، و دفن بتربته التى أنشأها بقاسيون. و كان ديّنا صالحا عاقلا. أقام فى الثّغور مدة سنين، يجاهد العدوّ. و كان كثير الصدقة دائم المعروف، طاهر اللسان، (رحمه الله تعالى).

____________

(1) نسبة إلى نصيبين. و هى من بلاد الجزيرة على طريق القوافل بين الموصل و الشام.

(2) نسبة إلى الدولعية، و هى قرية من قرى الموصل.

(3) اسم دمشق أو موضع فيها.

238

و استهلّت سنة ست و ثلاثين و ستمائة:

ذكر القبض على الصاحب صفى الدين مرزوق و مصادرته و اعتقاله‏

فى هذه السنة- فى أولها- قبض الملك الجواد على الصاحب صفى الدين بن مرزوق، و صادره، و أخذ منه أربعمائة ألف دينار.

و كان سبب ذلك أنه كان بينه و بين الملك المجاهد- أسد الدين صاحب حمص- عداوة مستحكمة، لما استوزره الملك الأشرف. و كان الملك الجواد لا يخرج عن رأى الملك المجاهد، فحسّن الملك المجاهد للملك الجواد القبض عليه. و كان ابن مرزوق قد استشعر ذلك، فعمد إلى تابوت وضع فيه جواهر و لآلئ، و أظهر أن إحدى سراريه قد ماتت و هى عزيزة عنده. و أنه يريد دفنها فى داره المجاورة للمدرسة النّوريّة، بالقرب من الخوّاصين- و هى التى تعرف الآن بالنّجيبيّة الشافعية- و عمل فى القبّة أزجا، ثم أخرج التابوت على أعناق غلمانه و خدامه إلى الجامع، و حضر الناس للصلاة على الميّتة، بزعمهم، و عمل العزاء و تردّد القرّاء إلى التربة أياما.

ثم قبض على مرزوق بعد أيام قلائل، و أخذ جميع موجوده، و حبس بقلعة دمشق. فاتفق أن خادمه الكبير ضرب خادما صغيرا، فجاء الخادم، و سأل الاجتماع بالملك الجواد. و اجتمع به و أخبره بالواقعة. فأرسل القاضى و الشهود و أمير جاندار و أستاذ الدار، فتوجهوا و فتحوا التربة، و أحضروا التابوت بحاله. و كشف بين يدى الجواد و صاحب حمص، فوجد فيه من‏

239

الجواهر ما قوّم بمائتى ألف دينار و ستين ألف دينار (1). و كانوا- قبل ذلك بأيام- قد طولب ابن مرزوق بمال يحمله، فحلف برأس الملك الجواد أنه لا يملك شيئا. فلما وجد هذا التابوت، سلّمه الجواد للملك المجاهد. فاعتقله بقلعة حمص. فأقام سنين لا يرى الضّوء. و قيل أنه حبس اثنتى عشرة سنة.

و أظهر أسد الدين موته، و كتب بينه و بينه مبارأة (2).

ذكر خروج دمشق عن الملك العادل و تسليمها لأخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب‏

كان سبب ذلك أن السلطان الملك العادل- لما حضر الأمير عماد الدين عمر بن شيخ الشيوخ من الشام إلى الديار المصرية- أنكر عليه، و لامه و تهدده (لكونه) (3) سلم دمشق للملك الجواد. فقال: أنا أتوجه إلى دمشق و أنزل بالقلعة، و أبعث الملك الجواد إلى السلطان. و ان امتنع، أقمت نائبا عن السلطان عوضه.

و توجه من القاهرة فى شهر ربيع الأول، و قرر أن يقطع الملك الجواد ثغر الإسكندرية. و لما عزم على المسير، أشار عليه أخوه فخر الدين أن لا يتوجه إلى دمشق، و قال أخاف عليك من ابن ممدود- يعنى الجواد.

____________

(1) فى (ك): بمائة ألف دينار، و أصلحناه- كما أثبتناه فى المتن- من النسخة الأخرى (ع).

(2) مخالصة.

(3) فى (ع): كونه.

240

فقال أنا ملّكته دمشق، و لا يخالفنى فقال: أنت فارقته و هو أمير، و تعود إليه و قد صار سلطانا، فتطلب منه تسليم دمشق، و تعوضه الإسكندرية، و يقيم عندكم، فكيف يطيب له هذا؟ أو تسمح نفسه بمفارقة الملك؟ فأما إذا أبيت إلا التوجه، فانزل على طبريّة و كاتبه. فإن أجاب، و إلا تقيم مكانك و تكتب إلى الملك العادل.

فلم يرجع إلى رأيه، و توجه إلى دمشق. و خرج الجواد إليه، و تلقاه بالمصلّى، و أنزله بالقلعة فى قاعة المسرّة. و أرسل إليه الملك الجواد الخلع و الأموال و الأقمشة و الخيل، ففرق عماد الدين الخلع على أصحاب. و جاء الملك المجاهد أسد الدين- صاحب حمص- إلى دمشق.

قال: و لما قال الأمير عماد الدين للملك الجواد أن يتوجه إلى الديار المصرية، و يأخذ ثغر الإسكندرية- غضب، و رسم عليه فى الدار (1)، و منعه من الركوب.

ثم جاء إليه و قال: إذا أخذتم دمشق منى، و أعطيتمونى الإسكندرية، لا بد لك من نائب بدمشق، فاجعلونى ذلك النائب. و متى لم تفعلوا هذا، فقد كاتبت الملك الصالح نجم الدين أيوب، فأسلّم إليه دمشق، و أتعوض عنها سنجار. فقال له ابن الشيخ: إذا فعلت هذا، اصطلح السلطان الملك العادل و الملك الصالح، و لا تحصل أنت على شي‏ء ألبتّة

____________

(1) هذا التعبير مقابل ما نقول اليوم من أن شخصا «حددت إقامته»

241

ففارقه الجود و خرج مغضبا، و حكى ما جرى بينه و بين ابن الشيخ للملك المجاهد. فقال: و اللّه إن اتّفق الصالح و العادل لا تركا بيد أحد منا شيئا، و سلبانا ملكنا و ما بأيدينا، حتى نحتاج إلى الكدية (1) فى المخالى. ثم جاء صاحب حمص إلى ابن الشيخ، و قال له: المصلحة أن تكتب إلى الملك العادل، و تشير عليه بالرجوع عن هذا الرأى: يعنى إخراج الملك بالرجوع عن هذا الرأى. يعنى إخراج الملك الجواد من دمشق. فقال: حتى أتوجه إلى برزة (2)، و أصلّى صلاة الاستخارة. فقال له أسد الدين: كأنك تريد أن تتوجه إلى برزة، و تهرب منها إلى بعلبك. فغضب عماد الدين و انفصلا على هذه الحال و اتفق الجواد و صاحب حمص على قتل عماد الدين و توجه أسد الدين إلى حمص. و كان عماد الدين قد مرض، و أبل‏ (3).

فلما كان فى يوم الثلاثاء، السادس و العشرين من جمادى الأولى، بعث الجواد إلى الأمير عماد الدين يقول له: إن شئت أن تركب و تتنزه فاركب إلى ظاهر البلد. فظن أن ذلك بوادر الرضا. و لبس فرجيّة كان الجواد قد بعث بها إليه، و قدموا له حصانا كان سيّره إليه أيضا، فلما خرج من باب الدار إذا

____________

(1) أى الشحاذة.

(2) قرية فى بساتين غوطة دمشق، كما مرّ.

(3) شفى. أو تماثل للشفاء.

242

هو بنصرانى من نصارى قارا (1) قد وقف و بيده قصبة و هو يستغيث، فأراد الحاجب أن يأخذ القصبة منه، فقال: لى مع الصاحب شغل. فقال عماد الدين: دعوه.

فتقدم إليه، و ناوله القصبة. فلما تناولها، ضربه النصرانى بسكّين فى خاصرته! و جاء آخر و ضربه بسكين على ظهره، فمات و أعيد إلى الدار ميّتا و احتاط الجواد على جميع موجوده، و كتب محضرا أنه ما مالأ على قتله.

و قصد استخدام مماليكه، فامتنعوا و قالوا له: أنت تدّعى أنك ما قتلته، و هذا له إخوة و ورثة، فبأى طريق تأخذ ماله؟ فاعتقلهم. و جهّز عماد الدين، و دفن بقاسيون فى زاوية الشيخ سعد الدين. و كان مولده فى يوم الاثنين سادس عشر شعبان، سنة إحدى و ثمانين و خمسمائة- (رحمه الله تعالى).

و لما قتل عماد الدين، علم الجواد أنه إن دخل الديار المصرية و سلم من القتل، صار ضميمة (2). و اتفق وصول رسول الملك الصالح نجم الدين أيوب إلى الملك الجواد، و هو يبذل له أن يكون له سنجار و الخابور و نصيبين و الرّقّة، و يسلّم دمشق للملك الصالح. فأذعن إلى ذلك، لعلمه أن دمشق لا تبقى له. و قيل إن الملك الجواد هو الذى كتب إلى الملك الصالح، و التمس منه ذلك، فأجاب الملك الصالح إليه.

____________

(1) اسم قرية كبيرة على قارعة الطريق، و هى المنزل الأول من حمص، للقاصد إليها من دمشق. كانت آخر حدود حمص، و ما عداها من أعمال دمشق. بها عيون جارية يزرع عليها. و أهلها كلهم نصارى.

و اسمها الأصلى: قارة (و القارة أصغر من الجبل) لأنها على رأس قارة. ثم قيل: قارا.

(معجم البلدان: ج 7- ص 11)

(2) أى رهينة، كالأسير.

243

و رتّب ولده: الملك المعظم غياث الدين تورانشاه فى بلاد الشرق، و جعل مقامه بحصن كيفا. و رتب النّواب بآمد، و أقطع الخوارزميّة حرّان و الرّها و الرّقّة و بلاد الجزيرة و سار إلى دمشق، فوصل إليها يوم الأحد مستهل جمادى الآخرة، سنة ست و ثلاثين و ستمائة.

و حمل الجواد الغاشية (1) بين يديه من تحت القلعة، و حملها الملك المظفر صاحب حماه- من باب الحديد. و تسلم الملك الصالح القلعة، و خرج الجواد منها فى تاسع الشهر، و ترك دار فرّخشاه. و استوزر الملك الصالح جمال الدين بن جرير. ثم توجه الملك الصالح فى شهر رمضان إلى نابلس، و كان ما نذكره.

ذكر أخبار الملك الجواد، و ما كان من أمره بعد تسليم دمشق‏

قال المؤرّخ: لما قدم الملك الصالح نجم الدين أيوب إلى دمشق، رتّب له الملك الجواد الضّيافات كل يوم، فى قاعة من قاعات دمشق، و رتّب فى كل قاعة ما تحتاج إليه من الفرش و الآلات و أوانى الفضة، و غير ذلك. و كان إذا حضر إلى قاعة سلمها إليه بجميع ما فيها، ثم ينتقل إلى قاعة أخرى، و كان آخر الضيافة فى قاعة المسرّة. ثم خرج الملك الجواد، و ركب و العسكر فى خدمته، فقال لهم: سلطانكم الملك الصالح. فحلّف الصالح العساكر فى تلك الساعة، إلا الأمير سيف الدين على ابن قليج، فإن الصالح قبض عليه.

____________

(1) سبق وصفها، و هى صرح أو أديم مخروز بالذهب، و يحمل بين يدى السلطان فى الموكب عند توليه الملك.

و هى من شعارات السلطنة.

244

فعظم ذلك على النّوّاب، و لامه أصحابه على ما فعل من تسليم السلطنة للملك الصالح. فأراد نقض ما أبرمه، و القبض على الملك الصالح. فاستدعى المقدّمين و الجند و استحلفهم، و جمع الصالح أصحابه عنده فى القلعة، و أراد أن يحرق دار فرّخشاه. فدخل جمال الدين بن جرير بينهما، و أصلح الأمر.

و خرج الجواد إلى النّيرب‏ (1)، و اجتمع الناس على باب القصر يدعون عليه و يسبّونه فى وجهه- و كان قد أساء السّيرة فيهم، و سلط عليهم خادما لبنت كرجى يقال له الناصح، فأخذ أموالهم و صادرهم، و علقهم و ضربهم، فيقال إنه أخذ منهم ستمائة ألف درهم. و أرسل الملك الصالح إلى الجواد يأمره أن يعطى الناس أموالهم، فلم يصغ إلى قوله، و لا أجابه عن ذلك بجواب. و توجه إلى بلاد الشرق.

فلما وصل إلى ضمير (2) رأى بدويّا فاستراب منه، فقبض عليه، فوجد معه كتبا من الملك الصالح إلى الخوارزميّة- و كانوا على حمص- يحسّن لهم القبض على الملك الجواد، و أخذ ما معه، و أن يسيّروه إليه. فعند

____________

(1) قرية كبيرة فى بساتين دمشق- كما سبق ذكره.

(2) هو قرية و حصن فى آخر حدود أعمال دمشق، مما يلى السّماوة (الصحراء).

(معجم البلدان: ج 4- 441)

245

ذلك أخذ على طريق السّماوة (1) و عرج عن حمص، و سار إلى عانة، (2) فدخلها و أقام بها.

فبلغه أن صاحب الموصل يحاصر سنجار- و بها أيدمر مملوك الجواد- فسار إليه فى مائتى فارس. و لما قرب منها رسم أن يضرب فى كل ناحية طبل باز و فرّق من معه فرقا، و جعل كل فرقة طبلخاناه‏ (3) و مشاعل، و أمرهم أن يضربوا طبلخاناتهم جملة واحدة و سار إلى سنجار ليلا على هذه الصّفة، فظن صاحب الموصل أن معه عسكرا، فارتحل عن سنجار فى ليلته، و دخلها الملك الجواد بكرة النهار، و أقام بها سنة.

و حاصره الخوارزميّة، و عادوا عنه و ترددت الرسائل بينه و بين صاحب الموصل فى المصاهرة بينهما. و قصد الجواد أن يتصل بابنة صاحب الموصل، ليكون عضدا له. فعقد عقد النكاح بالموصل، و كان وكيل الجواد زريق مملوكة.

____________

(1) بادية السماوة هى التى بين الشام و الكوفة. و هى فقراء.

سميت كذلك لأن بها مادة تسمى السماوة، أو لأن السماوة هى الأرض المستوية التى لا حجر فيها.

(المعجم: ج 5- 120)

(2) بلد مشهور بين الرقة و هيت. بعد فى أعمال الجزيرة. و هى مشرفة على الفرات. و بها قلعة حصينة.

(المعجم: ج 6- 102)

(3) هى طبول متعددة، معها أبواق و زمر، تختلف أصواتها على إيقاع مخصوص، تدق كل ليلة فى القلعة، و تكون صحبة الطلب فى الأسفار و الحروب، و هى من الآلات العامة لجميع الملوك.

(صبح الأعشى: ج 4- 8)

246

ثم سأله صاحب الموصل الاجتماع، و سير ولده رهينة. فوافق الجواد على ذلك و توجه إلى عانة. هذا، و صاحب الموصل قد أفسد أهل سنجار.

و لما سار الجواد من سنجار، جاء صاحب الموصل إليها فدخلها من غير ممانع- و ذلك فى سنة سبع و ثلاثين و ستمائة.

فسار الجواد إلى بغداد، و استنصر بالخليفة. و أقام ببغداد ستة أشهر.

فوصله الخليفة بأربعة آلاف دينار، و أمره بالخروج عن بغداد. فسار إلى عانة و أقامها، ثم اشتراها الخليفة منه بمائة و عشرين ألف درهم. فقبض الجواد المال و سلّمها- و هى جزيرة فى وسط الفرات. و سار الجواد بعد تسليمها إلى حرّان، و هى بيد الخوارزمية، فأقام عندهم سنة. و سار إلى حلب معهم و قاتل أهلها، ثم عاد معهم الى حرّان.

فاستدعاه الملك الصالح نجم الدين- بعد أن ملك الديار المصرية- فسار و مر على قرقيسيا (1)، و اجتاز بالرّحبة بالبريّة، و أقام عند ابن صدقه‏ (2) أياما. و سار فى البرّيّة إلى الشّوبك، و سير مملوكه زريق إلى الصالح فى البرية.

فعظم ذلك على الصالح، و أنكر كونه حضر من البرية. و وصل الجواد إلى العبّاسة (3)، فأرسل إليه الملك الصالح الطّواشى دينارا و أمره برده. و أن يعود إلى الشّوبك‏ (4)، و لا يدخل مصر. فسار على طريق الرّمل يريد الساحل، و وصل إلى رفح.

____________

(1) بلد على نهر الخابور (بالجزيرة) قرب الرحبة (رحبة مالك بن طوق) على بعد ستة فراسخ. و عندها يصب نهر الخابور. فى مثلّث بين الخابور و الفرات (معجم البلدان: ج 7- 60)

(2) من رؤساء العرب هناك. و سيرد ذكره فيما بعد.

(3) مر ذكرها، و هى أول منزلة من مصر للقادم من الشام على الطريق إلى بلبيس.

(4) قلعة فى جنوب الكرك شمالى أيلة. سبق ذكرها.

247

فندب الملك الصالح كمال الدين بن الشيخ للقبض عليه. فعلم بذلك فتوجه إلى الملك الناصر داود- و كان إذ ذاك بالقدس- و تحالفا على قتال الصالح، و ذلك فى سنة تسع و ثلاثين و ستمائة. فاستبشر الناصر بقدومه، و جرّد العساكر معه. و جاء كمال الدين بن الشيخ، و التقوا على مكان يقال له بيت قوريك- و هى قرية من قرى نابلس- بالقرب منها، فيما بينها و بين الغور من جهة أريحا، فكسره الجواد و أسره. و أحضره إلى عند الملك الناصر داود، فوبخ الناصر كمال الدين.

و أقام الجواد عند الناصر فتخيّل منه و قبض عليه بعد أيام، و أراد قتله، لما كان بينهما من الذّحول‏ (1) القديمة. ثم سيّره إلى بغداد فى البرّية تحت الاحتياط، فنزل قريبا من الأزرق، فعرفه جماعة من العرب فأطلقوه.

فتوجه إلى عمه الملك الصالح إسماعيل- صاحب دمشق- فلم يمكّنه من الدخول إليها، و بعث إليه بالنفقات. و جرّد معه خمسمائة فارس، و كتب إليه بالمسير إلى الساحل و الاجتماع بملوك الفرنج و مقدّم الدّيويّة (2).

فتوجه إليهم و اجتمع بهم بقيساريّة (3)- و كانت أمه فرنجية- فمالوا إليه.

فبلغ ذلك الملك الصالح نجم الدين، فكتب إليه يعده بمواعيد جميلة، و طلب منه أن يستميل الفرنج إلى طاعته، و يعدهم عنه بجميع ما يختارونه. ففعل الجواد ذلك، و استمالهم، و كتب إليه أن يسير رسوله إليهم.

____________

(1) الثارات.

(2) سبق شرح هذه الكلمة. و هو الاسم الذى أطلق على فرقة من الرهبان الصليبيين المتعصبين، الذين نذروا أنفسهم لحرب المسلمين، و هم جماعة فرسان المعبد.

(3) بلدة على ساحل الشام. مرّ ذكرها.

248

ففعل الملك الصالح ذلك، و أرسل رسوله إلى الفرنج، و استحلف الملك الجواد و مقدّم الدّيويّة و أكابر الفرنج. فلما وثق الصالح بذلك، سير الأمير ركن الدين الهيجاوى. إلى غزّة بعسكر، و كتب إلى الجواد أن يرحل و ينزل عند الهيجاوى، و يتفق معه على الصلح. ففعل الجواد ذلك.

ثم كتب الملك الصالح إلى الهيجاوى يأمره بالقبض على الملك الجواد، و إرساله إليه. فأخبره الهيجاوى بذلك. فاتفقا على مفارقة الملك الصالح أيوب. فتوجه الجواد إلى عكّا، و التجأ إلى الفرنج. و توجه الركن الهيجاوى إلى دمشق، و التحق بصاحبها الملك الصالح إسماعيل و أقام عنده. و لم يخدمه، بل كان يتردد إليه فيكرمه و يستشيره فى أموره.

ثم كتب الملك الصالح إسماعيل إلى الملك الجواد يعنّفه. على لحاقه بالفرنج و طلبه إليه ثم أرسل إلى الفرنج و طلب منهم المعاضدة على صاحب مصر. و وعدهم أنه إذا ملك مصر أعطاهم البلاد الساحلية. و جميع فتوح الملك الناصر صلاح الدين يوسف. فاستشاروا الجواد فى ذلك، فكتب إليهم يحذرهم من الملك الصالح إسماعيل، و ينهاهم عن موافقته. فوقع بخطه للملك الصالح إسماعيل، فقبض عليه بمنزلة العوجاء (1)، و سيّره إلى دمشق، و اعتقله بعربا. فمات فى شوال سنة إحدى و أربعين و ستمائة. و طلبه الفرنج و شددوا فى طلبه، فأظهر أنه مات. و أهله يقولون إنه خنقه. و اللّه أعلم. و لما مات دفن بقاسيون فى تربة الملك المعظم- (رحمهما الله تعالى).

هذا ما كان من أمر الملك الجواد. فلنرجع إلى بقية أخبار الملك العادل صاحب مصر.

____________

(1) العوجاء: فى عدة مواضع. و أيضا نهر بين أرسوف و الرملة، من أرض فلسطين من السواحل.

(معجم البلدان: ج 6- 239)

249

ذكر مخالفة الأتراك على السلطان الملك العادل، و توجههم إلى أخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب بدمشق‏

و فى سنة ست و ثلاثين و ستمائة، ندب السلطان الملك العادل العساكر إلى الساحل، و قدّم عليهم الأمير ركن الدين الهيجاوى، و أنفق فيه الأموال- و ذلك فى جمادى الآخرة. فأقاموا ببلبيس إلى العشرين من شهر رمضان.

و أظهر جماعة من الأتراك و المضافين إليهم الخروج عن طاعة الملك العادل، و شيّعوا أنه يقصد القبض عليهم، و عزموا على قصد الملك الصالح أيوب. فأرسل الملك العادل إليهم الأمير فخر الدين بن الشيخ، و بهاء الدين ابن ملكشو، و طيّب قلوبهم و استمالهم، فلم يجيبوا و لما كان فى الحادى و العشرين من شهر رمضان، خرج جماعة من الحلقة (1) من القاهرة، من باب النصر و غيره، تقدير ألف فارس من الأتراك- و أظهروا أن السلطان عزم على القبض عليهم، و قصدوا اللحاق بمن كان على بلبيس من الأمراء فبطق‏ (2) الملك العادل إلى الأمراء الأكراد

____________

(1) كانت الجنود فى زمن الدولة الأيوبية و المماليك تتكون من نوعين، أو كما قال «القلقشندى»: «كانت الأجناد على طبقتين: الطبقة الأولى: المماليك السلطانية و هم أعظم الأجناد شأنا و أرفعهم قدرا، و أوفرهم إقطاعا. و منهم تؤمر الأمراء رتبة بعد رتبة. الطبقة الثانية: أجناد الحلقة: و هم عدد جمّ و خلق كثير، و ربما دخل فيهم من ليس بصفة الجند من المتعممين و غيرهم، بواسطة النزول عن الإقطاعات.

(صبح الأعشى: ج 4- 15 و 16، و انظر: «السلوك- زيادة: ج 6- 122 حاشية رقم 2»).

(2) أى أرسل بطاقة.

250

ببلبيس، بمناجزة الأتراك و قتالهم، فقاتلهم الأكراد قبل وصول الحلقة إليهم. فانهزم الأتراك إلى جهة الشام و انضم أكثرهم إلى الأكراد. و لما انهزموا تبعهم الأكراد، ثم رجعوا خوفا على أثقالهم من الحلقة فوجدوا الحلقة قد وصلوا إلى بلبيس، فلم تتعرض إحدى الطائفتين إلى الأخرى بقتال، لدخول الليل. و توجه الأتراك للّحاق بأصحابهم الذين انهزموا، و ساروا إلى دمشق و اتصلوا بخدمة الملك الصالح أيوب.

ذكر وصول الملك الناصر داود- صاحب الكرك- إلى السلطان الملك العادل‏

و فى خامس شوال، سنة ست و ثلاثين و ستمائة، وصل نجّاب‏ (1) من الملك الناصر داود- صاحب الكرك- إلى السلطان، يخبره بوصوله. فخرج السلطان للقائه فى سابع الشهر، و زيّنت القاهرة و مصر زينة لم يشاهد مثلها، و عاد السلطان و الملك الناصر معه فى ثامن الشهر، و استبشر بقدومه و حلف كلّ منهما لصاحبه.

و فى العشرين من شوال، وردت الأخبار بوصول عسكر الملك الصالح نجم الدين أيوب- صحبة ولده الملك المغيث جلال الدين عمر- إلى جينين فجمع الملك العادل و الناصر الأمراء، و تحالفوا على قتاله. و خرج الملك الناصر داود فى يوم الأحد تاسع ذى القعدة، لقصد الشام. و ندب الملك العادل جماعة من الأمراء فى خدمته، لقتال الملك الصالح نجم الدين أيوب. و جهّز صحبته خزانة مال و سلاح‏خاناه، و خرج لوداعه إلى بركة

____________

(1) أى: رسول على ظهر فرس نجيب: سريع.

251

الجبّ، و عاد إلى القلعة. ثم خرج الملك العادل فى يوم الثلاثاء- سلخ ذى الحجة- لقصد الشام، لقتال أخيه الملك الصالح، فنزل على بلبيس و فى هذه السنة، فى يوم الأحد ثامن صفر، كانت وفاة الشيخ الإمام جمال الدين أبى المحامد، محمود بن أحمد الحصيرى الحنفى، بدمشق.

و أصله من بخارى، من قرية يقال لها حصيره. تفقه فى بلده، و سمع الحديث الكثير. و قدم الشام، و درّس بالنّوريّة. و انتهت إليه رئاسة أصحاب أبى حنيفة. و قرأ عليه الملك المعظم الجامع الكبير، و غيره. و صنّف الكتب الحسان، و شرح الجامع الكبير. و كان كثير الصدقة غزير الدّمعة نزها عفيفا.

و كان إذا أتى قلعة دمشق لا ينزل عن حماره إلا على الإيوان السلطانى، و الملوك تعظّمه و تجلّه. و دفن بمقابر الصوفية عند المنيبع‏ (1)، على الجادّة (رحمه الله تعالى).

و فيها توفى الوزير جمال الدين بن جرير، وزير الملك الأشرف. ثم وزر للملك الصالح نجم الدين أيوب بدمشق دون الشهر، و مات. و أصله من الرّقّة. و كانت وفاته فى يوم الجمعة- السابع و العشرين من جمادى الآخرة- بعلة الخوانيق. و دفن بمقابر الصّوفية عند المنيبع- (رحمه الله تعالى).

و فيها فى شعبان، توفى الأمير علاء الدين أبو الحسن على، بن الأمير شجاع الدين أبو المنصور جلدك، بن عبد اللّه المظفّرى التّقوى، بثغر دمياط- و كان واليا به- (رحمه الله تعالى).

____________

(1) محلة بدمشق.

(النجوم الزاهرة: ج 6- 179)

252

ذكر عود السلطان الملك العادل من بلبيس إلى قلعة الجبل‏

قد ذكرنا أن السلطان كان قد خرج من قلعة الجبل فى سلخ ذى الحجة سنة ست و ثلاثين، لقصد الشام. و نزل على بلبيس و أقام بها، إلى سادس عشر المحرم من هذه السنة، ثم رجع.

و كان سبب رجوعه أن الأمراء قصدوا القبض عليه، و تحيّلوا على ذلك، فسألوه أن يعمل كلّ منهم دعوة و يحضرها للسلطان، ففسح لهم فى ذلك. و حضر عند بعضهم فأكل، ثم قدّم الشراب فشرب، و رأى ما أنكره فقام، و دخل إلى خربشت‏ (1) لقضاء الحاجة، فخرج من ظهر خربشت، و ركب فرسا و ساق إلى القلعة. فلما طال على الأمراء انتظاره، دخلوا فلم يجدوه فتفرقوا، و علموا أنه شعر بما أرادوه من اغتياله.

فسيّروا إليه يطلبونه، فأظهر أنه ما دخل إلى القاهرة إلا ليخلّق‏ (2) المقياس و يكسر الخليج‏ (3)، و يعود إليهم. ثم ألجأته الضرورة إلى الخروج،

____________

(1) لفظ فارسى. معناه الخيمة.

(سلوك: ج 1- 284)

(2) تخليق المقياس كان احتفالا عظيما يقام فى كل عام، احتفاء بوفاء النيل. و قد وصف القلقشندى موكب ركوب السلطان فى ذلك الحفل، وصفا تفصيليا (ج 4- ص 516)، و ذكر أنه عند ما يصل السلطان إلى المقياس يؤتى بالزعفران و المسك، فيمزجه فى إناء بيده بآلة معه، ثم يتناوله صاحب بيت المال فيعطيه ليتولى المقياس، فيلقى هذا نفسه فى الفسقية بثيابه، فيتعلق فى عمود المقياس برجليه و يده اليسرى، و يخلّقه (أى يضمّخه بالعطر) بيده اليمنى. فمن ثمّ سمّى هذا الحفل بالتخليق.

(صبح الأعشى: ج 4- 516- 517)

(3) و هو خليج القاهرة. كان يكسر سده عند بدء الفيضان.

253

فخرج إلى العبّاسة فى يوم الخميس الرابع و العشرين من الشهر، و قبض على الأمير فخر الدين بن الشيخ، و زين الدين غازى، و فتح الدين بن الرّكن، و وصل بهم إلى قلعة الجبل بكرة نهار الأحد السابع و العشرين من الشهر. و فى خامس عشرين صفر، توجه الملك الناصر داود من العبّاسة إلى الكرك، و صحبته ابن قليج و جماعة من أمراء مصر.

و فى يوم الخميس، الحادى و العشرين من جمادى الآخرة، عملت والدة الملك العادل وليمة عظيمة فى الميدان تحت قلعة الجبل، لجميع الناس: الخواصّ و العوامّ، ذبحت فيها ألف رأس من الغنم، و جملة من الخيل و البقر و الجاموس و الإبل، و حلت ما يزيد على مائة قنطار من السّكّر، فى ثلاث فساقى كانت على جانب الميدان مما يلى القلعة، و تفرق الناس ذلك بالأوانى. و كان ذلك فرحا باعتقال الملك الصالح أيوب، فإنه كان قد اعتقل بالكرك- على ما نذكره، إن شاء اللّه تعالى فى أخباره.

ذكر قتال الفرنج و فتح القدس‏

و فى يوم الخميس- ثامن عشر شهر ربيع الأول، من السنة- وردت الأخبار، إلى السلطان الملك العادل، أن الفرنج قصدوا الأمير ركن الدين الهيجاوى و من معه من العسكر، و التقوا و اقتتلوا، فى يوم الأحد رابع عشر الشهر، عند سطر الجمّيز بالقرب من غزّة.

و كانت الهزيمة على الفرنج. و أسر ملكهم، و ثلاثة من جنودهم، و ما يزيد على ثمانين فارسا، و مائتين و خمسين راجلا. و قتل منهم ألف و ثمانمائة إنسان. و لم يقتل من المسلمين فى هذه الوقعة إلا دون العشرة،

254

منهم: الأمير سيف الدين محمد بن الأمير أبى عمر، و عثمان بن الأمير علكان ابن أبى على الكردى الهيجاوى- و كان شابا صالحا- و عمره ثلاثون سنة- (رحمه الله تعالى). فخذلت هذه الكسرة الفرنج.

ثم فتح الملك الناصر داود صاحب الكرك- و من معه من العسكر المصرى- البيت المقدّس، فى يوم الاثنين تاسع جمادى الأولى. فقال جمال الدين بن مطروح:

المسجد الأقصى له عادة * * * سارت، فصارت مثلا سائرا

إذا غدا للشّرك مستوطنا * * * أن يبعث اللّه له ناصرا

فناصر (1)طهّره أوّلا * * * و ناصر (2) طهّره آخرا

قال: و لما فتح البيت المقدّس، تحصن جماعة من الخيّالة و الرّجّالة، ببرج داود و الأبراج و البدنات، فنصب عليها المجانيق و هدمها. فسألوا الأمان على أنفسهم خاصة، فأمّنهم.

ذكر وفاة الملك المجاهد صاحب حمص‏

و فى ثامن عشر شهر رجب، من السنة- و قيل فى يوم الثلاثاء العشرين منه- توفى الملك المجاهد أسد الدين شيركوه، بن ناصر الدين محمد، بن الملك المنصور أسد الدين شيركوه، بن شادى- صاحب حمص- بها، و دفن بها.

____________

(1) يقصد: السلطان صلاح الدين.

(2) يقصد: الناصر داود صاحب الكرك بن الملك المعظم عيسى.