نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج29

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
495 /
255

و كانت حمص بيده، منذ أعطاها إياه السلطان الملك الناصر: صلاح الدين يوسف بن أيوب- عم أبيه- بعد وفاة والده، فى سنة إحدى و ثمانين و خمسمائة. فكانت مدة ملكه بحمص سبعا و خمسين سنة، تقريبا.

و كان شجاعا شهما، مقداما، يباشر الحروب بنفسه. و حفظ بلاده من الفرنج و العرب. و بنى الأبراج على مخائض العاصى‏ (1) و رتّب فيها الرجال و الطيور. و كان الفرنج إذا خرجوا أطلق الرجال الطيور، فيركب بنفسه و عساكره، فيسبق الفرنج و يردّهم. و كذلك كان يقصد العرب من جهة البرّيّة. و كان قد منع النساء أن يخرجن من باب حمص، مدة ولايته.

و كان إذا اعتقل إنسانا أطال حبسه. و ملك بعده حمص ولده الملك المنصور إبراهيم.

ذكر وصول رسل الخليفة إلى السلطان الملك العادل بالتّشاريف‏

و فى ثامن عشر شهر رمضان- سنة سبع و ثلاثين و ستمائة- وصل الشيخ محيى الدين بن الجوزى- رسول الخليفة- و فلك الدين المسيرى، بخلع الخليفة إلى السلطان الملك العادل، و لولده. و لقّب ولده- الملك المغيث- من الدّيوان العزيز بألقاب الملك الكامل جدّه، و سمّى باسمه، ثم انتفض ذلك، و أعيد إلى ألقابه الأول، و هى الملك المغيث فتح الدين عمر.

____________

(1) هو نهر العاصى المعروف، الذى يخرج من بحيرة قدس بالقرب من حمص، و يسير شمالا إلى حماه (و لذلك يسمى أيضا نهر حماه)، ثم يستمر حتى أنطاكية.

256

و وصلت الخلع أيضا لجماعة من الأمراء، و خلعة للوزير- و لم يكن للسلطان الملك العادل وزير- فرسم بنقل خلعة الوزير إلى الخزانة العادلية.

و كانت جملة الخلع ثمانى عشرة خلعة. و سيّر للسلطان مع خلعته فرس له سرج مشغول بالذهب، و علمان، و سيفان، تقلد بهما عن اليمين و الشمال.

فلبس السلطان الخلعة بظاهر القاهرة، و شقّ البلد.

ثم اتصل بالملك العادل أن الملك الصالح قد أطلق من حبسه بالكرك، و أنه قصد نابلس، و خطب له بها. فخرج من القاهرة فى يوم السبت الخامس من شوال، و نزل على بلبيس، فأقام بها، إلى أن قبض الأمراء عليه.

ذكر القبض على السلطان الملك العادل و خلعه‏

و فى يوم الجمعة، لثمان مضين من ذى القعدة، سنة سبع و ثلاثين و ستمائة- و قيل لسبع بقين من شوال، منها- قبض الأمراء على السلطان الملك العادل، و خلعوه.

و ذلك أن الأمير عز الدين أيبك الأسمر- مقدّم الأشرفيّة- و مقدّمى‏ (1) الحلقة، و هم: الطّواشى مسرور الكاملى، و كافور الفائزى، و جوهر النّوبى، و جماعة من الحلقة- اتفقوا على خلعه، و القبض عليه، و استدعاء أخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب. فخلعوه و قبضوا عليه. فكانت مدة سلطنته سنتين، و ثلاثة أشهر، و ثمانية عشر يوما.

____________

(1) فى (ع): و مقدمين الحلقة. و مثل هذا يتكرر.

257

و لما قبض على الملك العادل، ركب جماعة من الأتراك و قصدوا أمراء الأكراد، لما كان بينهم من الذّحول‏ (1) التى أثرتها وقعة بلبيس. و كان الأكراد على غير أهبة، فنهبهم الأتراك. و وافقهم ممالك الأكراد على أستاذيهم‏ (2)، و مالوا للأتراك للجنسيّة، فاستولى الأتراك على خيامهم و أثقالهم و خيولهم. و انهزم الأكراد، كلّ منهم على فرس، و دخلوا القاهرة.

و قبض الأمراء على خواصّ الملك العادل و حرفائه.

و كان الملك العادل قد اشتغل باللهو و الهزل و اللعب. و كان لا يؤثر قيام ناموس المملكة. و وثق بكرمه و بذله الأموال، و ظن أن ذلك يغنيه عن التحفظ. و كان من أكرم الناس و أكثرهم عطاء، و دليل ذلك أنه فرّق فى مدة سلطنته ما يزيد على ستة آلاف (ألف) (3) دينار، و عشرين ألف ألف درهم، من الأموال التى خلّفها والده: السلطان الملك الكامل.

ذكر أخبار السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب بن السلطان الملك الكامل- و ما كان من أمره بعد وفاة أبيه إلى أن ملك الديار المصرية

كان السلطان الملك الصالح، لما توفّى والده السلطان الملك الكامل، مقيما بسنجار (4)- و له آمد و حرّان و الرّها، و نصيبين و الخابور، و رأس عين‏

____________

(1) الثارات.

(2) أى رؤسائهم: جمع أستاذ.

(3) الزيادة من النسخة (ع)، و ليست موجودة فى (ك). و رقم النسخة الأولى هو الصحيح.

(4) مدينة كبيرة من نواحى الجزيرة، بينها و بين كلّ من الموصل و نصيبين ثلاثة ايام.

258

و الرّقّة (1)- من سنة ثلاث و ثلاثين و ستمائة. و توفى السلطان الملك الكامل والده، و الأمر على ذلك.

ثم كان من أخباره مع الخوارزميّة، و مفارقتهم له، و محاصرة الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ له بسنجار، و استنصاره بالخوارزمية و عودهم إلى خدمته، و هرب بدر الدين لؤلؤ- ما قدّمناه.

و ملك بعد ذلك دمشق من الملك الجواد- كما تقدم. و لما ملك دمشق، راسل عمّه الملك الصالح عماد الدين إسماعيل- صاحب بعلبك- و التمس منه مساعدته على قصد الديار المصرية، و انتزاعها من أخيه الملك العادل. و شرط له أنه إذا فتح الديار المصرية تكون له، و تكون دمشق للصالح إسماعيل. فأجابه إلى ذلك، و شرع فى الاستعداد و الاستخدام و الاحتشاد.

فاتصل ذلك بالملك العادل و والدته، فكتبا إلى الملك الصالح إسماعيل، و كتب إليه بعض الأمراء المصريين، و هم يصرفون رأيه عن مساعدة الملك الصالح أيوب، و حسّنوا له أخذ دمشق. فاتفق الصالح إسماعيل، و صاحب حمص على مخالفة الملك الصالح نجم الدين.

و خرج الملك الصالح أيوب من دمشق فى شهر رمضان سنة ست و ثلاثين و ستمائة، و قصد نابلس- و هى فى جملة مملكة الملك الناصر داود، صاحب الكرك- فاستولى عليها و على بلادها- و ذلك فى شوال من السنة.

و توجه الملك الناصر داود إلى الديار المصرية- كما تقدم.

____________

(1) سبق تحديد هذه الأماكن من قبل، و كلها فى بلاد الجزيرة (أى شمال العراق).

259

و أقام الملك الصالح نجم الدين بنابلس، ينتظر وصول عمه الملك الصالح إليه بعسكره، ليتوجها إلى الديار المصرية. و كان بقلعة دمشق الأمير ناصر الدين القيمرى، ينوب عن الملك الصالح، فاتصل به خبر الملك الصالح إسماعيل و ما عزم عليه. فكتب إلى الملك الصالح أيوب، يعلمه أن عمه الصالح إسماعيل قد عزم على مخالفته، و استخدم الرجال لذلك، و حذّره منه مرّة بعد أخرى. و والى كتبه إليه، و هو لا يكترث بقوله. فلما كرر كتبه بذلك، أجابه: إن مقرعتى إذا وقعت فى فلاة لا يقدر أحد أن يمسّها بيده، و لا يتجاسر عليها! فلما وقف على جوابه كفّ عنه.

و كان الملك المسعود بن الملك الصالح إسماعيل فى خدمة الملك الصالح أيوب- هو و الأمير ناصر الدين بن يغمور- فتواترت كتب الملك الصالح إلى عمه الصالح يستحثه على اللحاق به. و هو يتقاعد عنه، و يجيبه إننى لا يمكننى إخلاء قلعة بعلبك بغير حافظ، و القصد إرسال ولدى إلىّ لأجعله بها، و أحضر إليك. فعند ذلك جهّز الملك الصالح نجم الدين أيوب الحكيم سعد الدين بن صدقة المعرّى، إلى عمه الملك الصالح، برسالة، ظاهرها استحثاثه على سرعة الوصول إليه، و أمره أن يطالعه بما يظهر له من أحوال عمه، و هل هو على الطاعة أو العصيان.

فلما وصل الحكيم إلى بعلبك، اطلع على ما اتفق عليه الصالح إسماعيل و صاحب حمص: من قصد دمشق، و انحرافهما عن الملك الصالح. فكان يكتب إليه بذلك، و يدفع البطائق إلى البرّاج ليرسلها على الحمام، فيرصده الصالح إسماعيل و يأخذها منه، و يغيّرها بخط أمين الدولة السامرى،

260

بما معناه أن الملك الصالح إسماعيل محبّ فى السلطان، و قد استخدم و احتفل، و هو على عزم القدوم إلى السلطان. فتصل هذه البطائق المزوّرة إلى الملك الصالح أيوب، فلا يشك أنها صحيحة. فعند ذلك أرسل الملك المسعود الى أبيه ببعلبك، و قد طابت نفسه و وثق [أن عمه‏] معه.

فلما حصل ولده عنده، سار من بعلبك، و سار صاحب حمص من حمص، و توافوا بجبل قاسيون. و كان جملة من استخدم الملك الصالح إسماعيل ألف فارس و أحد عشر ألف راجل. و استخدم صاحب حمص أربعة آلاف راجل. و تقرر بينهما أن يكون ثلثا دمشق و أعمالها للملك الصالح إسماعيل، و الثلث لصاحب حمص. و كان الصالح إسماعيل قد أفسد بعض أمراء الصالح أيوب. كل ذلك و الأمير ناصر الدين القيمرى يطّلع عليه، و يطالع به الملك الصالح أيوب، و هو لا يلتفت إليه، و لا يرجع إلى نصحه.

ذكر استيلاء الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب- على دمشق‏

قال: و لما تكامل للملك الصالح ما أراد من الاستخدام و الاحتشاد، و وافقه صاحب حمص- الملك المجاهد أسد الدين شيركوه- راسل الأمير ناصر الدين القيمرى النائب بقلعة دمشق، و بذل له عشرة آلاف دينار على تسليم القلعة. فوافقه على ذلك، و وقع منه بموقع، لأنه كان قد كرّر نصائحه لمخدومه الملك الصالح- نجم الدين أيوب- و حذّره، فما رجع إليه، و أجا؟؟؟

بما تقدم ذكره. فحمله ذلك على موافقة الملك الصالح عماد الدين، و تفرر

261

بينهما أن الصالح يحاصر قلعة دمشق ثلاثة أيام، و يسلّمها إليه، ففعل ذلك.

و دخل إلى دمشق فى يوم الثلاثاء، سادس أو سابع عشرين صفر، سنة سبع و ثلاثين و ستمائة.

و كان دخوله من باب الفراديس، من غير ممانعة، فإنه لم يكن عليه من يدفع عنه، و لا عن البلد. و نزل الصالح بداره بدرب الشّعّارين. و نزل صاحب حمص فى داره. و زحفوا فى يوم الأربعاء ثامن عشرين الشهر على القلعة، و نقبوها من ناحية باب الفرج، و قاتل عليها ثلاثة أيام، و تسلّمها من القيمرى- كما تقرر بينهما و كان بها الملك المغيث: جلال الدين عمر بن الملك الصالح نجم الدين أيوب، فاعتقله الملك الصالح إسماعيل عم أبيه فى برج بالقلعة.

و اتصل الخبر بالملك الصالح أيوب، و هو بمخيّمه بظاهر نابلس، و قيل له: إن القلعة ما أخذت فاستحلف عسكره، و خلع على عمّيه: مجير الدين و تقىّ الدين، و الرّكن و النّميس و غيرهم، و أعطاهم الأموال و استشارهم. فقالوا: نتوجه إلى دمشق قبل أخذ القلعة. فركب بهم من نابلس، فلما انتهوا إلى القصير (1) المعينى بالغور (2) أنفق فى عسكره، و جدّد

____________

(1) فى عدة مواضع. منها قصير معين الدين، و هو بالغور، من أعمال الأردن، يكثر فيه قصب السكر.

(معجم البلدان: ج 7- 115) فهذا هو القصير المعينى.

(2) يكثر ذكره فى المتن، لوقوع بلدان و مواضع كثيرة فيه.

فالغور- لغة- هو المنخفض من الأرض. و المراد به- جغرافيا- هو غور الأردن بالشام، بين البيت المقدس و دمشق. و هو منخفض عن أرض دمشق و أرض البيت المقدس و لذلك سمى الغور. طول مسيرة ثلاثة أيام و عرضه يوم. فيه نهر الأردن و بلاد و قرى كثيرة. و أشهر بلاده بيسان بعد طبرية، و من قراه أريحا. و على طرفه (فى الشمال) بحيرة طبرية، و على طرفه (الجنوبى) البحيرة المنتنة (البحر الميت).

(معجم البلدان: ج 6- ص 312)

262

عليهم الأيمان وقت صلاة المغرب. و بلغهم أن قلعة دمشق قد استولى عليها الصالح إسماعيل.

فلما كان فى نصف الليل، رحلوا عنه بأجمعهم، و تركوه و ليس معه إلا دون المائة من مماليكه. و تفرق عنه بقية مماليكه و خواصّه. فرجع يقصد نابلس، و معه جاريته أمّ ولده خليل: المدعوة شجر الدّر. و طمع فيه حتى الغوارنة (1) و العشران‏ (2) و كان مقدّمهم رجل شيخ جاهل، يقال له تبل‏ (3) من أهل بيسان، قد سفك الدماء و ركبت الجيوش بسبه مرارا، فتبعه بمن معه. و قد توجه الملك الصالح على طريق جينين يريد نابلس، و الغوارنة و العشران يتبعونه، و هو يرجع إليهم و يحمل عليهم بمماليكه فيفرّق جماعتهم.

و أخذ بعض خيولهم، و استولوا هم أيضا على بعض ثقله.

و وصل إلى سبسطية (4). و كان الوزيرىّ- نائب الملك الناصر داود- عاد إلى نابلس، بعد خروج الملك الصالح منها. فأرسل إليه الملك الصالح أيوب يقول: إنه قد مضى ما مضى، و ما زال الملوك على هذه الحال. و قد جئت الآن مستجيرا بابن عمى الملك الناصر. و نزل فى الدار بنابلس. و كان الملك الناصر داود قد عاد من الديار المصرية على غير رضا. و وصل إلى الكرك. فكتب إليه الوزيرىّ يخبره بخبر الملك الصالح نجم الدين أيوب.

____________

(1) يظهر ان المقصود بهم: اهل الغور.

(2) هكذا فى (ع). و يبدو أن المراد بهم العربان البدو، من العشائر، سكان هذه الجهة. و ورد ذكر «عشران» فى صبح الأعشى (ج 4- 99) على أنهم بدو البرية القريبة من غزة.

(3) قراءة فى النجوم الزاهرة: «مسبل».

(ج 6- ص 307)

(4) سبق ذكرها، و هى من أعمال نابلس.

263

ذكر القبض على الملك الصالح نجم الدين أيوب و اعتقاله بقلعة الكرك‏

قال: و لما وصل كتاب الوزيرىّ إلى الملك الناصر بالكرك، ندب الأمير عماد الدين بن موسك، و الظّهير بن سقر الحلبى، فى ثلاثمائة فارس إلى نابلس. فركب الملك الصالح أيوب و تلقاهم، فخدموه و قالا له: طيّب قلبك. إنما جئت إلى بيتك. فقال: لا ينظر ابن عمى إلى ما فعلت، فما زال الملوك على هذا. و قد جئت إليه، أستجير به، فقالا له: قد أجارك، و لا بأس عليك. و أقاموا أياما حول الدار.

فلما كان فى بعض الليالى، ضرب بوق النّفير، و قيل جاء الفرنج إلى الظّهر. فركب الناس و ركب مماليك الملك الصالح و وصلوا إلى سبسطية.

فجاء عماد الدين و الظّهير و العسكر إلى الدار التى بها الملك الصالح. و دخل الظّهير عليه، و قال له: تتوجه إلى الكرك، فإن ابن عمك له بك اجتماع.

و أخذ سيفه. و كانت جاريته حاملا، فأسقطت. و أخذوه، و أركبوه بغلة، بغير مهماز فى رجله، و لا مقرعة فى يده- و ذلك فى ليلة السبت، لثمان بقين من شهر ربيع الأول- و توجهوا به حتى وصلوا إلى الرّيّة (1).

قال أبو المظفر: إن الملك الصالح أخبره، قال: إلى الرّيّة فى ثلاثة أيام، و اللّه ما كلّمت أحدا منهم كلمة، و لا أكلت لهم طعاما، حتى جاء خطيب الرّيّة و معه بردة و عليها دجاجة، فأكلت منها- قال: و أقاموا بالرّيّة

____________

(1) هكذا فى كلتا النسختين (ع) و (ك). و رسمها فى النجوم الزاهرة «الموتة». و قد ورد ذكر «الرية» فى معجم البلدان فى مادة (زغر) (ج 4- 393) و قال إنها فى جنوب البحر الميت بجنوب الأردن من أعمال الكرك.

264

يومين، و ما علمت المقصود بى ما هو؟ و إذا هم يريدون أن يأخذوا طالعا نحسا، يقتضى أن لا أخرج من الكرك. ثم أدخلوني الكرك ليلا، على الطالع الذى كان سبب سعادتى. و وكّل بى الناصر مملوكا له فظّا غليظا، يقال له زريق و كان أضرّ علىّ من كلّ ما جرى.

قال: فأقمت عندهم إلى شهر رمضان، سبعة أشهر- يعنى من سنة سبع و ثلاثين. و حكى الملك الصالح له ما ناله من الضائقة و الشّدة و الإهانة شيئا كثيرا.

و لما توجهوا به إلى الكرك، جهز الوزيرىّ خزانته و نساءه، و خيله و أسبابه، إلى الصّلت‏ (1). و عاد مماليك الملك الصالح فلم يجدوه، فتفرقوا و أما عسكره الذى فارقه من منزلة القصير (2)- فانهم توجهوا إلى دمشق.

فمنعهم الصالح من الدخول إليها، و قال: هذه بلد الملك العادل فلا تدخلوها إلا بإذنه. ثم استخدم بعد ذلك جماعة منهم، و طرد طائفة و اعتقل طائفة.

و زيّنت مصر و القاهرة للقبض على الملك الصالح شهرا. و عملت والدة الملك العادل الوليمة التى ذكرناها. و أرسلت القاضى الشريف شرف الدين موسى، و العلاء بن النابلسى، إلى الملك الناصر، بقفص حديد، ليجعل فيه الملك الصالح، و يرسله معهما إلى الديار المصرية! و بذلت فيه للملك الناصر مائة ألف دينار. و كاتبه الصالح إسماعيل و صاحب حمص، فى‏

____________

(1) بلدة فى الأردن جنوب عجلون، آهلة ذات بساتين و فواكه (صبح الأعشى: ج 4- 106)

(2) سبق ذكر «القصير المعينى.

265

إرساله إلى دمشق. و بذل الصالح إسماعيل فيه للناصر ربع دمشق. فما أجاب الناصر إلى ذلك و قيل: كان السبب فى امتناع الملك الناصر من تسليمه، لمن بذل فيه ما بذل، أن الصالح أيوب كان قد أرسل جمال الدين بن مطروح- الكاتب- إلى الخوارزميّة فى الحضور إليه، لمحاصرة دمشق. فتوجه لذلك.

فلما قبض على الصالح، أرسل ابن مطروح رسولا على النّجب إلى الملك الناصر، يقول له: إن فرط فى الملك الصالح أمر، فاعلم أن الخوارزمية لا يبقون لك فى البلاد قعر قصبة، فقد حلفوا على ذلك.

و قيل إن والدة الملك الناصر اهتمّت بأمر الملك الصالح، و خدمته أتم خدمة، و تولت ذلك بنفسها، و كانت تطبخ له بيدها. و حلفت على ولدها أنه إن فعل به ما يكره، لا أقامت عنده. و قالت له: ما ملّكنا البلاد، و جعلنا فى هذا الحصن إلا والده- تعنى: الملك الكامل. فتوقف عن إرساله. و اللّه أعلم.

ذكر إطلاق الملك الصالح من الاعتقال بالكرك، و ما كان من أمره إلى أن ملك الديار المصرية

قال: و لما كان فى أواخر شهر رمضان، استشار الملك الناصر داود الأمير عماد الدين بن موسك، و ابن قليج، و الظّهير، فى أمر الملك الصالح.

فوقع الاتفاق على تحليفه و إخراجه. فاجتمع الناصر و الصالح و تحالفا، و أفرج عنه و ذلك فى أواخر شهر رمضان، سنة سبع و ثلاثين و ستمائة. و لما أخرجه الناصر من اعتقاله، ركّبه بالكرك بشعار السّلطنة، و حمل الغاشية بين يديه، و أظهر الناصر الخلاف على الملك العادل.

266

و حكى عماد الدين بن شدّاد- فى سبب خلاص الملك الصالح- أن الملك العادل كان قد حلّف الناصر، و حلف له على الاتفاق و اجتماع الكلمة على قتال الملك الصالح، و أن تكون دمشق إذا فتحت للملك الناصر.

فلما اتفق هجوم الملك الصالح إسماعيل على دمشق، و أخذها، أرسل إليه الملك العادل يصوّب رأيه، و يشكر فعله. فعظم ذلك على الملك الناصر، و كان سبب خلاص الملك الصالح.

و حكى أبو المظفر يوسف سبط ابن الجوزى، فى كتابه: «مرآة الزمان» أن الملك الصالح نجم الدين أيوب أخبره- بعد أن ملك الديار المصرية- قال: حلّفنى الناصر على أشياء، ما يقدر عليها ملوك الأرض، و هو أن آخذ له دمشق، و حمص، و حماه و حلب، و الجزيرة و الموصل و ديار بكر، و غيرها، و أن يكون له نصف الديار المصرية، و نصف ما فى الخزائن: من الأموال و الجواهر و الخيول و الثياب و غيرها. فحلفت من تحت القهر و السيف.

و قد شاهدت أنا بعض نسخة اليمين عند المولى الملك العزيز: فخر الدين عثمان، بن الملك المغيث فتح الدين عمر- صاحب الكرك- كان بالقاهرة- و فيها أشياء كثيرة من هذا النّوع، و إلزامات، يعلم المستحلف العاقل أن الحالف لا يفى بها، لكثرتها و خروجها عن حد القدرة البشرية، و أن النفوس لا تسمح بها لوالد مشفق، و لا ولد بارّ، فكيف لابن عمّ عدوّ.

267

قال المؤرّخ: و لما أطلقه الملك الناصر، ركب الملك الصالح من يومه، و سار إلى نابلس. فوصل إليها فى يوم السبت، تاسع عشرين الشهر، و خطب له بها يوم عيد. و نثر ابن موسك على الخطيب و الناس الذهب.

و خرج الرّكن الهيجاوى إلى الديار المصرية، فأرسل إليه الملك العادل يأمره بالإقامة على بلبيس، إلى أن تصل إليه العساكر. ثم خرج الملك العادل بعساكره- فى خامس شوال- لقتال أخيه الصالح، فقبض الأمراء عليه- كما قدّمنا.

ذكر سلطنة الملك الصالح نجم الدين أيوب بالديار المصرية و هو السلطان الثامن من ملوك الدولة الأيوبية بالديار المصرية

قال المؤرّخ: لما قبض الأمراء الذين قدمنا ذكرهم على الملك العادل، كتبوا إلى الملك الصالح يستدعونه، فسار لوقته.

و كان وصوله- و الملك الناصر داود- إلى بركة الجبّ‏ (1)، فى يوم الخميس الحادى و العشرين من ذى القعدة، سنة سبع و ثلاثين و ستمائة.

فنزل فى خيمة الملك العادل- و الملك العادل معتقل فى خركاه‏ (2)

____________

(1) سبق ذكرها، و هى على مرحلة من القاهرة شرقيّها، و هى المعروفة ببركة الحاج (تابعة الآن لمحافظة القليوبية).

(2) لفظ فارسى. خيمة أو مظلة من نوع خاص، تتكون من قطع من الخشب معقود بينها على شكل قبة، و تغطيها قطع من اللبد.

268

و استدعى الملك الصالح معين الدين بن شيخ الشيوخ، و استوزره، و رد إليه النظر فى الدواوين. و أقام ببركة الجبّ إلى يوم الأحد، لستّ بقين من الشهر. فركب و صعد إلى القلعة فى الثالثة من النهار- و ذلك باتفاق المنجّمين.

و اعتقل أخاه الملك العادل فى بعض آدر القلعة. و بقى ابنه الملك المغيث- فتح الدين عمر- فى خدمة عمه السلطان الملك الصالح مدة، ثم رأى منه نجابة فحجبه فى الدار القطبيّة، عند عمته ابنة السلطان الملك العادل، أخت الملك الكامل. فلم يزل الملك المغيث بها، إلى أن مات عمه الملك الصالح و ملك ابنه الملك المعظم، فنقله إلى الشّوبك و اعتقله بها.

و كان من أمره ما نذكره- إن شاء اللّه تعالى.

و فى الثامن و العشرين من ذى القعدة، من السنة- تقدم أمر السلطان بتجريد جماعة من الأمراء و العساكر إلى الأعمال القوصيّة، لإصلاح العربان بالوجه القبلى. و جعل المقدّم عليهم الأمير زين الدين بن أبى زكرى.

ذكر عود الملك الناصر داود إلى الكرك‏

كان عوده إلى الكرك فى ذى الحجة، من السنة.

و سبب ذلك أنه اجتمع هو و السلطان الملك الصالح، بقلعة الجبل على شراب، فلما جنّهم الليل و أخذ منهم الشراب، قال الملك الناصر للسلطان:

أفرج عن أخيك الملك العادل فى هذه الساعة. فلاطفه الملك الصالح، و هو يكرر عليه القول! و كان آخر كلام الملك الناصر أن قال للسلطان: لو غسلت رجلىّ و شربت ماءهما، ما أدّيت حقّى! فأمر السلطان مماليكه بإخراجه.

269

فأخرجوه و ركّبوه إلى الوزارة. فلما أصبح، سأل عما كان منه، فأخبر به. فقال: ما بقى لنا مقام فى هذه الديار. و أحضر النّجب، و عمل عليها الأخراج- و فيها ما كان معه من الأموال- و همّ أن يركبها. فبينما هو يتهيأ للركوب، إذ حضر إليه الأمير: عز الدين أيدمر الجمدار (1) الصالحى، و معه عشرة آلاف دينار، و عشرة أفراس و خلع، و قال له: يقول لك السلطان: هذه ضيافة، خذها و امض إلى بلادك. فأخذها، و ركب من وقته، و سلك طريق البرّيّة. ثم ندم السلطان على إطلاقه، و كونه ما قبض عليه ليأمن شره.

و قيل: إن السبب عوده أن الملك الصالح إسماعيل راسل الفرنج، فى قصد بلاد الناصر. فتوجهوا إلى نابلس، فقاتلهم أهلها و هزموهم، فرجعوا إلى بلادهم. فعاد بسبب ذلك. هذا ما حكاه ابن جلب راغب، فى تاريخه، فى سبب عود الملك الناصر.

و حكى أبو المظفر يوسف، فى «مرآة الزمان»، عما أخبره به الملك الصالح نجم الدين- من لفظه- عند ما حضر إليه فى سنة تسع و ثلاثين و ستمائة، عن وقائع اتفقت له، بين خروجه من اعتقال الملك الناصر إلى أن ملك و رجع الناصر.

____________

(1) يتكون هذا اللفظ من كلمتين فارسيتين: جاما، و معناها الثياب، و دار و معناها صاحب. فمعنى اللقب.

صاحب الثياب، فوظيفة حامل هذا اللقب فى الأصل: الإشراف على خزانة الأثواب أو الملابس السلطانية، و ما يتعلق بذلك.

(صبح الأعشى: ج 5- 459)

270

منها أنه قال: و اللّه لم أحضر الملك الناصر معى إلى الديار المصرية، إلا خشية أن يكون قد عمل علىّ. و منذ فارقنا غزّة، تغيّر علىّ و لا شك أن بعض أعدائى أطمعه فى الملك. فذكر لى جماعة من مماليكى أنه تحدث معهم فى قتلى. قال: و منها أنه لما أخرجنى ندم، و عزم على حبسى، فرميت روحى على ابن قليج، فقال: ما كان قصده إلا أن نتوجه إلى دمشق أولا، فإذا أخذناها عدنا إلى مصر.

و منها أنه لما وصلنا إلى بلبيس، شرب و شطح إلى العادل، فخرج العادل من الخركاه‏ (1) و قبّل الأرض بين يديه، فقال له: كيف رأيت ما أشرت به عليك، و لم تقبل منّى؟! فقال: يا خوند (2)، التّوبة. فقال طيّب قلبك، الساعة أطلقك. قال الصالح: و جاء فدخل علينا الخيمة، و وقف. فقلت له: باسم اللّه اجلس. فقال: ما أجلس حتى تطلق العادل.

فقلت: اجلس- و هو يكرر هذا القول. ثم سكت. و لو أطلقته ضربت رقابنا كلّها ثم نام و ما صدّقت بنومه. و قمت فى بقية الليل، و أخذت العادل فى محفّة، و دخلت به إلى القاهرة. قال: و لما دخلنا القاهرة، بعثت إليه بعشرين ألف دينار، فعادت لى مع مماليكى. و منها أنه قال فى بعض الأوقات: قبّل قدمىّ و رجلىّ- إلى غير ذلك، مما لا تصبر عليه النّفوس.

____________

(1) سبق شرحها نوع من الخباء أو المظلات‏

(2) سبق شرحها و هى بمعنى سيد أو أمير

271

ذكر عدة حوادث وقعت فى سنة سبع و ثلاثين و ستمائة- خلاف ما قدّمناه‏

فى هذه السنة- فى شهر ربيع الأول- أخرج الملك الكامل من مدفنه بقلعة دمشق، إلى تربته شمالىّ حائط الجامع الأموى، و فتح فى الحائط ثلاث شبابيك الى الجامع: أحدها باب يتوصّل منه إلى الجامع.

و فيها فوّض السلطان الملك الصالح إسماعيل- صاحب دمشق- الخطابة بالجامع الأموى لشيخ الإسلام: عزّ الدين عبد العزيز بن عبد السلام- و ذلك فى شهر ربيع الآخر.

و فيها أمر الملك الصالح- المذكور- الخطباء بدمشق و الشام، بالخطبة لصاحب الروم.

و فيها فوّض الصالح- أيضا- قضاء الشام للقاضى: رفيع الدين أبى حامد، عبد العزيز بن عبد الواحد، بن إسماعيل بن عبد الهادى بن عبد اللّه الجيلى‏ (1) الشافعى- و كان قبل ذلك قاضى بعلبك. و ظهر منه من سوء السّيرة و العسف و الظلم، و مصادرات أرباب الأموال، ما لا يصدر مثله من ظلمة الولاة. و كانت عاقبة ذلك ما نذكره- إن شاء اللّه تعالى- من قتله.

و فيها، فى ليلة الثلاثاء خامس عشر ذى القعدة، سقط كوكب عظيم قبل طلوع الفجر بمنزلة، و كان مستديرا على هيئة و مقدار، فأضاءت منه‏

____________

(1) نسبة إلى بلاد الجيل، و هى على الساحل الجنوبى الغربى لبحر قزوين بجوار بلاد الديلم.

272

الدنيا، و صارت الأرض أشدّ نورا من ليلة التّمام. و شاهده من كان ببلبيس عابرا عليها آخذا من المشرق إلى نحو القبلة، و شاهده من كان بظاهر القاهرة، عابرا من جهة باب النّصر إلى صوب قلعة الجبل. ثم قطع البحر إلى ناحية الجزيرة، و كانت له ذؤابة طويلة خضراء، مبتورة قدر رمحين. و اعتقبه رعد شديد، و تقطّع منه قطع. و أقام، من حين إدراك النّظر له حين انطفائه، بقدر ما يقرأ الانسان سورة الإخلاص ثلاثين مرة- هكذا قدّره من شاهده- على ما نقل إلينا.

و فيها فى شعبان- كانت وفاة قاضى القضاء، شمس الدين أحمد، ابن الخليل بن سعادة بن جعفر بن عيسى، الخوئيّ‏ (1) الشافعى، بالمدرسة العادلية، بدمشق، و دفن بقاسيون. و مولده فى سنة اثنتين و ثمانين و خمسمائة. و كان- (رحمه الله تعالى)- حسن الأخلاق، لطيفا كثير الإنصاف، عالما فاضلا فى علوم متعددة، عفيفا متواضعا- (رحمه الله تعالى).

و كان وروده إلى دمشق، فى أيام الملك المعظم شرف الدين عيسى، ابن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب. و حكى أنه لما ورد إلى دمشق، كان مع فضيلته و علومه يلعب بالقانون، و يغنّى عليه، و قد أتقن صناعته. فأنهى إلى الملك المعظم أمره، فاستحضره إلى مجلس أنسه، و لعب بين يديه بالقانون، و غنّى عليه، و نادمه فأعجبه. و أمره بملازمته فى أوقات خلواته و مجالس شرابه. هذا سبب اجتماعه بالملك المعظم.

____________

(1) نسبة إلى «خوى» و هى بلدة قديمة بآذربيجان، مشهورة بالثياب التى تنتسب إليها سبق ذكرها

273

و أما سبب ولايته القضاء بدمشق، فإنه كان قد بلغ الملك المعظم عن القاضى جمال الدين المصرى- قاضى قضاة دمشق- أنه يتعاطى الشراب.

فأراد تحقيق ذلك عيانا، فاستدعاه، و هو فى مجلس الشراب، فحضر إليه.

فلما رآه قام إليه، و ناوله هنّابا (1) مملوءا خمرا. فولى القاضى جمال الدين المصرى و رجع، فغاب هنيهة، ثم عاد و قد خلع ثياب القضاء: الطّرحة (2) و البقيار (3) و الفوقانيّة (4)، و لبس قباء (5)، و تعمّم بتخفيفه و حمل منديلا.

و دخل على الملك المعظم فى زى النّدماء. و قبّل الأرض، و تناول الهنّاب من يده و شرب ما فيه. و نادم المعظم فأحسن منادمته فأعجبه. و اعتذر من قراره أنه ما كان يمكنه تعاطى ذلك، و هو فى زىّ القضاة. فاغتبط الملك المعظم به.

____________

(1) الهنّاب: قدح للشراب. و هذا اللفظ يوجد فى اللغات الأوربية أيضا.

(أنظر سلوك- زيادة ج 1 ص 607 حاشية 3)

(2) كانت من ملابس القضاة. قال فى «صبح الأعشى»: «و يتميز قضاة القضاة الشافعى و الحنفى بلبس طرحة تستر عمامته و تنسدل على ظهره».

(ج 4- 42)

(3) عمامة كبيرة من زى القضاة. جاء فى نفس المصدر السابق: «فالقضاة و العلماء يلبسون العمائم من الشاشات الكبار للغاية».

(ج 41- 42) و هى كلمة فارسية، فسرها دوزى بما تقدم (سلوك- ج 1- 55)

(4) كانت من زى القضاة أيضا، يلبسونها فى الشتاء. جاء فى المصدر السابق: «و إن كان شتاء، كان الفوقانى من ملبوسهم (أى القضاة) من الصوف الأبيض الملطى. و لا يلبسون الملون إلا فى بيوتهم» (صبح الأعشى: ج 4- 42)

(5) المراد أنه لبس ثياب الجند، أو غير رجال الدين.

274

و لما انقضى مجلس الشراب، و رجع المعظم إلى حسّه، علم أنه لا يجوز له أن يقرّه على ولاية القضاء- و قد شاهد من أمره ما شاهد. ففوّض القضاء للقاضى شمس الدين الخوئيّ، و خلع عليه. و جلس للحكم بين الناس، و أحسن السّيرة. و انقطع عن مجلس الملك المعظم و حضوره، إلا فى أوقات المواكب، على عادة القضاة.

و استمر على ذلك مدة. ثم ذكره الملك المعظم و اشتاق إلى منادمته، و سماع قانونه. فاستدعاه و تحدث معه، و استوحش منه. ثم كلمه فى الحضور إلى مجلس الأنس معه، فى بعض الأوقات، و أنه لا يخليه منه جملة، و تلطف به فى ذلك. فأجابه عن ذلك، بأن قال: إذا أمر السلطان- أعزّه اللّه بهذا- امتثلت أمره، و فعلت. و لكن يكون هذا بعد عزلى عن منصب القضاء و الحكم بين الناس، و تولية قاض غيرى. فإننى لا أجمع بين منصب القضاء و ما يضادّه أبدا، لما يترتب على ذلك من فساد عقود أنكحة المسلمين، و يتعلق ذلك بذمة السلطان. فإن أحبّ السلطان ذلك، فليولّ قاض غيرى.

فأعجب الملك المعظم ذلك منه، و سرّبه، و قال: بل نرجّح مصلحة المسلمين على غرضنا. و استقر على القضاء. و ما سمع عنه بعد ولائه القضاء ما يشينه فى دينه و لا يغضّ من منصبه- (رحمه الله تعالى).

و استهلّت سنة ثمان و ثلاثين و ستمائة:

فى هذه السنة فى شهر ربيع الآخر، رتّب السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب دار العدل. و جعل افتخار الدين ياقوت الجمالى نائبا عنه بها. و نصب معه شاهدان من العدول، و جماعة من الفقهاء، منهم:

275

الشريف شمس الدين الأرموى‏ (1) نقيب الأشراف، و القاضى فخر الدين بن السّكّرى، و الفقيه عز الدين. فصار الناس يأتون إليها، و يتظلمون و تكشف ظلاماتهم. و إنما فعل السلطان ذلك، لأنه كان غليظ الحجاب، فاستغنى بذلك عن مواجهة الناس.

و فيها، فى رابع المحرم، حصل الشروع فى بناء القنطرة على الخليج الحاكمى- و هى المعروفة فى وقتنا هذا بقنطرة السّدّ.

و فيها فى تاسع شهر ربيع الأول، رسم السلطان بتجهيز زردخاناه‏ (2) و شوانى‏ (3) و حراريق‏ (4) إلى القلزم‏ (5) لقصد اليمن. و جرّد جماعة من الأمراء و الجند بسبب ذلك، فى سادس عشر الشهر.

ثم عاد العسكر فى خامس شهر رمضان، بسبب حادثة الأشرفية التى نذكرها. لأنهم بلغهم أن الأشرفية و من شايعهم عزموا على نهب العسكر المذكور- و كان ببركة الجبّ. و بطل التّجريد (6) إلى اليمن.

____________

(1) نسبة إلى أرمية «مدينة قديمة بأذربيجان»، سبقت الإشارة إليها.

(2) معناها: بيت السلاح. و قد يقال: السلاح‏خاناه. و تشتمل على أنواع السلاح: من السيوف و القسىّ العربية و النشاب و الرماح و الدروع المتخذة من الزرد المانع، و غير ذلك.

(صبح الأعشى: ج 4- 11)

(3) ج: شينى. و هى سفينة حربية كبيرة. سبق ذكرها.

(4) ج حرّاقة. و هى نوع من السفن التى كانت تستعمل فى الحرب أو فى السلم.

(5) هو البحر الأحمر. و هذا اسمه القديم، نسبة إلى مدينة القلزم التى كانت تقع على رأس خليج السويس، قرب السويس الحالية.

(6) أى إرسال جرائد، أى فرق خفيفة من الجند، إلى اليمن.

276

ثم توجه من جملة العسكر ثلاثمائة إلى مكة، فى أواخر شهر رمضان.

فدخلوا مكة سلما (1)، فى ذى القعدة، و هرب من كان بها من العسكر اليمنى.

و فى شهر ربيع الأول من السنة، قبض السلطان على الأمير عز الدين أيبك الأسمر، و الخدام الذين وافقوه على القبض على أخيه الملك العادل، و هم: جوهر النّوبى، و شمس الخواص سرور، و كافور الفائزى، و على جماعة من الأتراك و الحلقة (2)، و نفى جماعة من الأتراك، و سيّرهم مخشّبين فى المراكب نحو الصعيد و بلاد المغرب، و أخذ أموالهم و قتل بعضهم. و انهزم بعض الأشرفية، و اختفى بعضهم. و أمّر السلطان مماليكه، و أعطاهم الإقطاعات.

و فيها فى يوم السبت- تاسع شهر ربيع الآخر- و قيل فى خامس عشرة- ولد للسلطان الملك الصالح ولد ذكر، من سرّيّته: شجر الدّرّ، و سمّاه خليلا. ثم مات بعد مدة يسيرة.

و فيها، فى تاسع شهر ربيع الأول، صرف الأمير سيف الدين بن عدلان، عن ولاية الصناعة بمصر. و وليها أسد الدين، بن الأمير شجاع الدين جلدك.

____________

(1) بدون قتال.

(2) سبق شرح هذا اللفظ، و هم الجنود الثابتون الذين يتقاضون مرتباتهم من ديون الجيش.

277

و فيها، فى سابع عشرين شهر ربيع الآخر، نقل الأمير بدر الدين باخل من ولاية مصر إلى ولاية ثغر الإسكندرية. و فيها، فى سابع شهر ربيع الآخر، صرف عن شدّ (1) الدواوين علم الدين كرجى، و ولّى الأمير حسام الدين لؤلؤ.

و فى يوم الاثنين خامس شعبان، أمر السلطان بالشروع فى عمارة قلعة البحر، التى بالروضة. فابتدئ فى حفر أساسها فى هذا اليوم، و بنى فيها فى آخر الساعة الثالثة من يوم الجمعة، سادس عشر الشهر. و هدمت الدّور التى كانت بالجزيرة و تحوّل الناس إلى مصر.

ذكر مسير الملك الصالح إسماعيل، صاحب دمشق، منها لقصد الديار المصرية، و قتاله الملك الناصر صاحب الكرك، و عوده إلى دمشق‏

قال المؤرخ: لما اتصل بالملك الصالح إسماعيل- صاحب دمشق- ما وقع بمصر من الفتن، و القبض على الأمراء الأشرفية و الخدّام و غيرهم، عزم على قصد الديار المصرية، و أطمعته آماله فى الاستيلاء عليها. فتجهز بعساكره، و معه الملك المنصور صاحب حمص، و نجدة من حلب، و قصد الديار المصرية.

____________

(1) بينا عمل هذه الوظيفة من قبل، و موضوعها مراقبة حسابات الدواوين.

278

فبلغه أن الملك الناصر صاحب الكرك على حسبان‏ (1) من بلد البلقاء، فقصده بمن معه. و التقوا و اقتتلوا، فانكسر صاحب الكرك. و استولى الصالح إسماعيل على أثقاله، و أسر جماعة من أصحابه. ثم رحل و نزل على نهر العوجان‏ (2)، و طلب الملك الجواد- و كان عند الفرنج- فحضر إليه.

و استنصر بالفرنج، فكتب الجواد إليهم يحذرهم منه. فوقع كتابه للصالح، فقبض عليه و اعتقله- كما ذكرنا- و عاد إلى دمشق، و تفرقت العساكر التى كان قد جمعها.

ذكر تسليم صفد و غيرها للفرنج و ما فعله الشيخ عز الدين بن عبد السلام- بسبب ذلك- و ما اتفق له مع الملك الصالح‏

و فى هذه السنة، خاف الملك الصالح عماد الدين إسماعيل على نفسه من الملك الصالح نجم الدين أيوب، فكاتب الفرنج و استنصر بهم، و اتفق معهم على معاضدته. و أعطاهم قلعة صفد و بلادها، و قلعة الشّقيف‏ (3) و بلادها، و مناصفة صيدا، و طبرية و أعمالها، و جبل عامله، و جميع بلاد الساحل. و مكّنهم من دخول دمشق لابتياع السلاح.

____________

(1) هى مدينة البلقاء بالشام (ضبطها القلقشندى بضم الحاء و إسكان السين) و هى بلدة صغيرة، و لها واد و أشجار و أرحية و بساتين و زروع.

(صبح الأعشى: ج 4- 106)

(2) نهر بين أرسوف و الرملة من أرض فلسطين، من السواحل.

(معجم البلدان: ج 6- 239)

(3) هى قلعة «شقيف أرنون»، التى مر ذكرها فى أول الكتاب.

و هى قلعة حصينة قرب بانياس من أرض دمشق، بينها و بين الساحل.

(المعجم: ج 5- 284)

279

فشقّ ذلك على المسلمين. و استفتى المتديّنون، ممن يبيع السلاح، الشّيخ عزّ الدين: عبد العزيز بن عبد السلام، فى مبايعة الفرنج السلاح.

فأفتاهم أنه يحرم عليهم بيعه للفرنج. و توقّف عن الدعاء للملك الصالح إسماعيل على منبر الجامع بدمشق، و جدّد دعاء يدعو به على المنبر، بعد الخطبة الثانية قبل نزوله، و هو: «اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشيدا، يعزّ فيه وليّك و يذلّ فيه عدوّك، و يعمل فيه بطاعتك، و ينهى فيه عن معصيتك».

و الناس يصيحون بالتّامين، و الدعاء للمسلمين.

فكوتب الصالح إسماعيل بذلك، فورد كتابه بعزله و اعتقاله. و اعتقل الشيخ أبو عمرو بن الحاجب أيضا، لموافقته الشيخ على الإنكار. ثم وصل الصالح بعد ذلك إلى دمشق، فأفرج عنهما، و اشترط على الشيخ عز الدين أنه لا يفتى، و يلزم بيته، و لا يجتمع بأحد. فسأله الشيخ أن يفسح له فى صلاة الجمعة، و الاجتماع بطبيب أو مزيّن، إن دعت حاجته إليهما، و فى دخول الحمّام، فأذن له فى ذلك. ثم انتزح الشيخان: عز الدين و أبو عمرو، عن دمشق إلى الديار المصرية- على ما نذكره، إن شاء اللّه تعالى.

و فيها كانت الوقعة بين عسكر حلب و الخوارزميّة (1). و كان الملك الجواد و الملك المنصور- صاحب حمص- مع الخوارزميّة. فقصدوا حلبا، و نزلوا على باب بزاعة (2) فى خمسة آلاف فارس. و خرج إليهم عسكر حلب‏

____________

(1) تحدثنا عنهم من قبل، و هم الجنود الذين سلموا من جيش الدولة الخوارزمية، بعد أن قضى عليها التتار فى سنة 628 ه. و جاءوا إلى الشام حيث استخدمهم بعض الملوك.

(2) و أصلها: بزاعا. و هى بلدة من أعمال حلب، فى وادى بطنان: بين منبج و حلب بينها و بين كل منهما مرحلة. و فيها عيون جارية و أسواق حسنة.

(معجم البلدان: ج 2- 162)

280

فى ألف و خمسمائة، فكسروهم، و أسروا من أمرائهم و نهبوا من أثقالهم.

فتوجه الخوارزمية حيلان‏ (1) و قطعوا الماء عن حلب، و ضايقوهم. ثم عادوا إلى منبج‏ (2)، فنهبوها، و قتلوا أهلها و فضحوا النساء، ثم عادوا الى حرّان‏ (3). و كان الملك المنصور إبراهيم- صاحب حمص- قد نزل على شيزر (4)، فاستدعاه الحلبيون، فجاء إلى حلب، و نزل بظاهرها- و معه عسكر حمص.

و فيها سلّم الملك الحافظ قلعة جعبر (5) إلى صاحب حلب، و عوضه عنها أعزاز. و كان سبب ذلك أنه حصل له فالج، فتوجه ولده إلى الخوارزميّة يستنجدهم على أبيه، و طلب منهم عسكرا لمحاصرته، فخشى من ذلك، فسلّمها لصاحب حلب.

و فيها تسلم عسكر صاحب الروم آمد، بعد حصار شديد. و يقال إنهم اشتروها بثلاثين ألف دينار.

____________

(1) (بالفتح ثم السكون): من قرى حلب. تخرج منها عين فوارة كثيرة الماء تسبح إلى حلب، و تدخل إليها فى قناة و تتفرق إلى الجامع، و إلى جميع مدينة حلب.

(المصدر السابق: ج 3- 382)

(2) هى بلدة من جند قنّسرين، شرقىّ حلب، على نحو مرحلتين منها. و هى كثيرة القنىّ و البساتين.

(صبح الأعشى: ج 4- 127)

(3) سبق ذكرها. و هى قصبة ديار مضر، بينها و بين الرقة يومان، و بينها و بين الرها يوم.

(المعجم: 3- 242)

(4) قلعة و كورة قديمة بالشام قرب المعرة. بينها و بين حماه يوم.

(المعجم: ج 5- 324)

(5) قلعة على الفرات، بين بالس و الرقة، قرب صفين.

(المعجم: ج 3- 108)

281

و فيها، فى ليلة الجمعة ثانى عشر شهر ربيع الآخر، توفى الشيخ محيى الدين: أبو عبد اللّه محمد بن على بن محمد، المغربى الحاتمى الطائى، المعروف بابن العربى، و هو من أهل الأندلس. و مولده فى ليلة الاثنين، سابع عشر شهر رمضان، سنة ستين و خمسمائة، بمرسية من بلاد الأندلس.

و نشأ بها، و انتقل إلى إشبيليّة (1)، فى سنة ثمان و تسعين. ثم رحل إلى بلاد الشرق، و دخل بلاد الروم. و طاف البلاد و حج. و صحب الصوفية.

و صنف كتبا كثيرة فى علوم القوم. و كانت وفاته بدمشق، و دفن بقاسيون.

و استهلّت سنة تسع و ثلاثين و ستمائة:

و فى هذه السنة، حصل الشروع فى عمارة المدرستين الصّالحيّتين، بالقاهرة المعزّيّة، بين القصرين- و المكان التى عمرتا فيه من جملة القصر.

و كان الشروع فى الهدم و الإنشاء فى ذى الحجة. و لما كملتا، أوقفهما على طوائف الفقهاء: الشافعية و المالكية و الحنفية و الحنابلة، و أوقف عليهم الأوقاف. و يقال انه لما فرغ من عمارتها ندم، لكونه لم يبن مكانهما جامعا، و يرتّب فيه الدروس التى رتبها فيهما.

____________

(1) مدينة كبيرة عظيمة بالأندلس (أسبانيا) كانت مقر دولة بنى عباد، على شاطئ نهر كبير، يقال له وادى الكبير.

(المعجم: ج 1)

282

ذكر صرف قاضى القضاة شرف الدين ابن عين الدولة عن القضاء بمصر و الوجه القبلى، و تفويض ذلك لقاضى القضاة بدر الدين السّنجارى‏

و فى يوم الجمعة عاشر شهر ربيع الآخر، من هذه السنة، كتب السلطان الملك الصالح إلى قاضى القضاة شرف الدين بن عين الدولة كتابا، من جملته: أن القاهرة المحروسة لما كانت دار المملكة، و أمراء الدولة و أجنادها مقيمون بها، و حاكمها مختص بحضور دار العدل- تقدّمنا أن يتوفّر القاضى على القاهرة و عملها، لا غير. و فوّض السلطان قضاء القضاة، بمصر و الوجه القبلى، للقاضى بدر الدين أبى المحاسن: يوسف السّنجارى قاضى سنجار. ثم مرض القاضى شرف الدين المذكور، إثر ذلك، و مات فى هذه السنة.

ذكر وفاة قاضى القضاة شرف الدين ابن عين الدولة، و شي‏ء من أخباره‏

و فى ليلة الخميس، التاسع عشر من ذى القعدة، سنة تسع و ثلاثين و ستمائة- كانت وفاة قاضى القضاة شرف الدين أبو المكارم: محمد بن عبد اللّه ابن الحسن بن على، بن عين الدولة: أبى القاسم صدقة بن حفص الصّفراوى الإسكندرانى.

و كان قد ولى القضاء فى أيام السلطان الملك العادل: سيف الدين- جدّ السلطان- كما تقدّم، و استمرّ بعده.

283

و لما مات- (رحمه الله)- صلّى عليه بمصلّى بنى أميّة، و شهد جنازته خلق كثير، و دفن بعد صلاة الظهر بالقرافة، و أمّ الناس عليه ولده محيى الدين: أبو الصلاح عبد اللّه. و مولده- (رحمه الله تعالى)- بثغر الإسكندرية فى يوم السبت، مستهلّ جمادى الآخرة، سنة إحدى و خمسين و خمسمائة.

و كانت مدة عمره ثمانيا و ثمانين سنة، و خمسة أشهر و ثمانية عشر يوما. و مدة ولاية القضاء- استقلالا- ستا و عشرين سنة، و تسعة أشهر، و سبعة عشر يوما. و ناب عن القضاء قبل ذلك ثمانيا و عشرين سنة. و شهرين و أياما.

و كان (رحمه الله تعالى)- ذا رئاسة قديمة، و والده وجده من كبراء أهل الثّغر. و جدّ أبيه- القاضى الجليل- من رؤسائه. و بلغ من محلّه فى الدولة العبيديّة (1) أن لقّب بعين الدولة، و لقّب ولده بثقة الدولة، و ولد ولده بعين الدولة. فسأل تخصيصا مانعا، لاشتباه الولد بالجدّ، فميّز الولد (2) بعين الدولة و مكينها، و والده بثقة الدولة و أمينها- بتقليد من الخلفاء العبيديّين. و عمّر القاضى الجليل مائة سنة و أربع سنين. و مات عن عدة أولاد ذكور، ما منهم إلا من عدّل‏ (3) بالديار المصرية، و تولى الأحكام الشرعية.

و كان القاضى شرف الدين- (رحمه الله تعالى)- مالكىّ المذهب، ثم انتقل إلى مذهب الإمام الشافعى‏

____________

(1) أى: الدولة الفاطمية.

(2) أى: الحفيد.

(3) أى شهد له بالعدالة: أى استيفاء الشروط الشرعية للشهادة أمام القضاء، و تولى أعماله.

284

و سبب ذلك أنه قدم من ثغر الإسكندرية إلى مصر و سكن بها، فى شهر ربيع الآخر سنة ثلاث و سبعين و خمسمائة. و اتصل بالقاضى المرتضى ابن القسطلانى، ثم اتصل بقاضى القضاة: صدر الدين عبد الملك بن عيسى ابن درباس الهذبانى‏ (1)، فعدّله و استكتبه، فى ذى القعدة سنة ثلاث و سبعين و خمسمائة. فلما عزل ابن الجاموس‏ (2) من خطابة الجامع بالقاهرة، أمره القاضى صدر الدين أن يخطب، فخطب و أجاد و أبلغ فى الموعظة، و نزل فصلّى و جهر بالبسملة.

فلما فرغ من الصلاة، و جلس بين يدى القاضى صدر الدين، شكره و أثنى عليه- و المجلس غاصّ بالفقهاء و الصّدور و أرباب المناصب- فقال بعض الأكابر: يا شرف الدين جهرت بالبسملة، و خالفت مذهبك. فأنشد قول المتنبّى فى كافور:

فراق، و من فارقت غير مذمّم‏ * * * و أمّ، و من يممّت خير ميمّم‏

____________

(1) سبقت الإشارة إليه فى أول هذا الجزء، و كان قاضى القضاة فى عهد صلاح الدين.

(2) هو شهاب الدين محمد بن إبراهيم الحموى. كان من كبار الشافعية. تفقه بحماه، و قدم الديار المصرية، فولى خطابة الجامع العتيق (جامع عمرو) و تدريس المشهد الحسنى. مات فى ربيع الأول سنة 615 ه.

(حسن المحاضرة: ج 1- 172).

285

فاستحسن ذلك القاضى و الجماعة. و صار شافعيّا من ذلك اليوم. و اشتغل بمذهب الشافعى على القاضى: ضياء الدين أبى عمرو عثمان بن درباس‏ (1)، مصنّف الاستقصاء، و على الفقيه: أبى إسحاق إبراهيم بن منصور العراقى‏ (2) و استنابه القاضى صدر الدين عنه فى الحكم بمصر، فى يوم الاثنين و الخميس، فى العشر الأوسط من ذى القعدة، سنة أربع و ثمانين و خمسمائة. فحضر إليه يستعفى من ذلك. و كان جمال الدولة: أبو طالب شراتكين- سلف القاضى صدر الدين- حاضرا، هو من الأجناد- فأسرّ إليه، و قال له: لا تستعفى، فأنت، و اللّه، بعد اثنتين و ثلاثين سنة، قاضى القضاة. فأرّخها فلم تزد و لم تنقص.

و وقّع للقاضى زين الدين على بن يوسف الدّمشقى‏ (3)، أيام ولايته.

ثم عاد القاضى صدر الدين إلى الحكم، فعاد إليه. و ولّى القاضى محيى الدين: أبو حامد محمد بن القاضى شرف الدين بن أبى عصرون، فوقّع له.

____________

(1) هو أخو صدر الدين بن درباس قاضى القضاة، المتقدم ذكره. كان من أعلم الفقهاء فى وقته بالمذهب الشافعى. و صنف كتاب «الاستقصاء» فى شرح المهذب. و ناب عن أخيه فى الحكم. توفى سنة 622 ه.

(المصدر السابق: ص 171)

(2) هو أبو إسحاق إبراهيم بن منصور بن المسلم المصرى. و إنما قيل له العراقى لأنه سافر إلى بغداد و أقام مدة للدراسة. ولد بمصر سنة 510 ه. ثم سافر إلى بغداد لطلب العلم، ثم عاد إلى مصر، و تولى خطابة الجامع العتيق بها. و شرح «المهذب» شرحا حسنا. مات سنة 596 ه.

(المصدر السابق: ص 171)

(3) هو الذى تولى قضاء مصر فى عهد الملك العزيز و الأفضل، ثم عزله الملك العادل فى أول عهده سنة 596 ه، و أعاد مكانه صدر الدين بن درباس- كما تقدم ذكره فى أول الجزء.

286

ثم عاد صدر الدين، فعاد إليه، و لم يزل كاتبه إلى أن توفى. و كان كثير الرّكون إليه، و الاعتماد عليه. حتى إن شرف الدين مرض، فسأل عنه القاضى صدر الدين، فأخبر بشدة مرضه، فقال: و اللّه لئن قضى عليه بمحتوم، لأعزلنّ نفسى، لأننى لا أجد من أثق به سواه.

و لما ولّى القاضى عماد الدين: عبد الرحمن بن عبد العلىّ السّكّرى القضاء، كتب له، إلى أن عزل القاضى عماد الدين فى شهر المحرم، سنة ثلاث عشرة و ستمائة، فقسّم السلطان الملك العادل القضاء شطرين: فولّى القاضى شرف الدين هذا القاهرة و الوجه البحرى، فى الشهر المذكور- و قيل فى يوم السبت ثانى صفر- و ولّى القاضى تاج الدين بن الخرّاط مصر و الوجه القبلى، كما تقدم. ثم أضاف السلطان الملك الكامل إليه قضاء مصر و الوجه القبلى، فى العشر الآخر من شعبان- أو فى شهر رمضان- سنة سبع عشرة و ستمائة، كما تقدم ذكر ذلك و كان السلطان الملك الكامل كثير التّنويه بذكره، و الافتخار بولايته، و الابتهاج بما يراه من أحكامه، و ما يبلغه من سيرته، و ما يتحققه من حسن طويّته، و جميل سريرته. و كان إذا نظر إليه يقول: و اللّه لنتعبنّ بعد هذا، إذا فقدناه، و لا نجد بعده من يقوم مقامه‏

287

و كان إذا كتب إلى السلطان، يستأذنه فى عزل نائب من نوابه بالأعمال، أو فى أمر يقصد فعله، يجيبه عن كتابه بخطّه على ظهر كتابه، أو بين سطوره. و كان يقترح ذلك على السلطان، فى بعض الأحيان. و كان الرّسم فى المكاتبات و الأجوبة جاريا (1) على غير ما هو عليه، فى عصرنا هذا.

و قد رأينا أن نثبت من مكاتبات قاضى القضاة إلى السلطان، و أجوبته له، فى هذا الموضع، ما يعلم منه كيف كان الرّسم جاريا (2). فمن ذلك ما كتب به إلى السلطان الملك الكامل:

«اللهم إنى أسألك حسن الفاتحة، و الخاتمة فى عافية. المملوك يخدم المقام المولوىّ السّلطانى المالكىّ، الكاملى- بلّغه اللّه تعالى كلّ مراد و أمل، و وفّقه لطاعة ربه فى كل قول و عمل- و ينهى: أن النائب فى الحكم بإطفيح‏ (3) قد كثر من القول فيه ما تقتضى المصلحة الاستبدال به و هو ابن أخت الأجلّ مجد الدين، أخى الفقيه الأجل عيسى‏ (4)- و قد كان المتظلمون، من مدة، حضروا شاكين لأمره، و طالع المملوك مولانا بحاله، و كان مولانا فى بعض متوجّهاته الميمونة. فورد الجواب، بأن مولانا ينظر فى ذلك. و قد كثر القول. و المملوك يستأذن على ما يفعله فى أمره، من صرف أو إبقاء.

____________

(1) فى (ع): و كان الرسم ... جار.

(2) فى (ع): و كان الرسم ... جار.

(3) مدينة بمصر، «و هى مدينة لطيفة فى البر الشرقى (أى: الضفة الشرقية للنيل) جنوب الفسطاط. و عملها ما بين المقطم و النيل».

(صبح الأعشى: ج 3- 397)

(4) أى الفقيه: ضياء الدين عيسى الهكارى الذى كان من كبار الفقهاء و الأمراء أيام صلاح الدين، و من أقرب أصدقائه.

288

المملوك يخدم، و ينهى أن النائب فى الحكم بالمحلّة قد ظهر من أحواله، و تحائفه على من يحقد عليه، و يقصد مضادّته لما فى نفسه- ما يقتضى كفّ يده و هو يستند إلى متولّى الحرب بالمحلة، و يعوّل على ثنائه عليه و ميله إليه- على ما ذكر للمملوك. و هو يستأذن على أمره.

المملوك يسأل الإجراء- على عادة الفضل و الكرم- فى أنه، إن حسن التشريف عن هذين الفضلين بالجواب، أن يكون تشريف الخطّ الكريم- لا زال عاليا- ليكون سببا لستر القضية، إلى أن يعتمد فيها ما يرسم من توقّف أو إمضاء و اللّه تعالى يمنّ على المملوك بدوام جميل آراء مولانا و عضده له، و تقوية يده فى نيابته عن مولانا فيما فوّضه إليه.

المملوك ينهى أن من اعتمد فى أمره من الشهود و النوّاب- الأمر الذى أرشد مولانا المملوك فيه إلى الصواب- لكلّ منهم جهة (1) ربما شقّ عليها ما جرى، و حصل منها فى حقّ المملوك ما يقضى بتغيير خاطر و تقسيم فكر.

و اللّه ما يبالى المملوك- بعد رضى اللّه تعالى- [إلا] برضى مولانا بمن أحب أو أبغض، أو أعان أو تعصب.

و لو كان كلّ الناس عنى بجانب‏ * * * لما ضرّنى، إذ كنت منك بجانب‏

المملوك ينهى أن مولانا، لما شرّف المملوك فى الخدمة، كان فى التقليد أنه لا يستنيب إلا من كان على مذهب الإمام الشافعى- قدّس اللّه روحه.

و لما كان بعد ذلك، ورد مكتوب من مولانا فى زمن إقامة ركابه بالمنصورة،

____________

(1) يظهر أن المعنى أن وراء كل منهم سندا يستند إليه، أى شخصية ذات نفوذ تؤيدها، و أنها قد تغضب لما يحدث و تتقدم بإيذاء صاحب الخطاب و هو «القاضى».

289

يتضمن أن أمر الاستنابة إلى المملوك. و فى النواب اليوم شخصان على مذهب مالك- (رحمه الله تعالى). فيحيط العلوم أنه ما خالف إلا بعد ما ورد ما ذكره. و كان ممن تقدّم المملوك فى الحكم من استناب الشافعية و الحنفية و المالكية بمصر نفسها، و بالأعمال. أنهى ذلك، و الرأى أعلى فى التشريف بالجواب- إن شاء اللّه ربّ العالمين.

فأجابه على ظهر كتابه- بخطّه- ما مثاله: «اخترتك دون غيرك، لبراءة ذمّتنا و ذمّتك. افعل ما يخلّصك عند اللّه، من خير معنا تفعله، و مع نفسك- إن شاء اللّه تعالى» و ختمه. و كتب على الختم القاضى شرف الدين قاضى القضاة.

و أضاف السلطان إليه الحكم فى الينبع، فى بعض شهور سنة ست و عشرين و ستمائة، فاستناب فيه. ثم أضاف إليه الحكم بغزّة و الخليل و الأردنّ و طبريّة و بانياس، فى سنة إحدى و ثلاثين، فاستناب عنه فيها نوّابا.

ثم تقدم إليه أن يستنيب عنه خطيبا و حاكما بثغر دمياط، فى شعبان سنة أربع و ثلاثين و ستمائة، فاستناب فى ذلك.

و كتب إلى السلطان- قبل أن يستنيب- يستأذنه فى النيابة، و يستوضح عن أمر البلاد الشامية، فأجابه:

«ورد كتاب الحضرة- أعاد اللّه علينا من بركاتها، و نفعنا بمتقبّل دعواتها، و أسعد آراءها، و وفّق قصودها و أنحاءها، و لا زالت تصرفاتها فى الشريعة أبدا ميمونة، و أحكامها بإصابة الحق مقرونة- و فضضنا ختمها و وقفنا عليها، و أحاط علمنا بما اشتملت عليه، و ما أومأت الحضرة إليه‏

290

و شكرنا اجتهادها المفوّف البرود، و تحرّزها فى الأمور الشرعية الجليلة العقود. و أتينا على ديانتها التى رقّتها عندنا إلى المقام المحمود.

فأما إشارتها إلى أنها تستنيب فى غزّة و ما معها، عنا أو عن نفسها، فنحن أضفنا ذلك إليها، و هى تستنيب عن نفسها من يكون أهلا لذلك.

و أما استفهامها أن المواضع المذكورة: هل لها جامكيّات‏ (1) مقرّرة أم لا؟

نعم لها جامكيّات مقررة، و الديوان شاهد بها. و أما استيضاحها: هل لهذه المواضع أصل، حتى يقال: الموضع الفلانى و عمله، فيولّى فيه شخصا واحدا، أو كلّ موضع، و إن قلّ، مفتقر إلى نائب مفرد- فلتعلم الحضرة أن مرادنا أن نستنيب شخصين: أحدهما لغزّة و طبريّة و الأردن و جبل الخليل، و الآخر لبانياس و عملها.

ثم ذكر غير ذلك فى جوابه، و قال: و كتب لسبع خلون من شوال سنة إحدى و ثلاثين و ستمائة، بمنزلة تقابل البيرة بشاطئ الفرات، من برّ الشام المحروس- شفاها.

و كتب إلى السلطان أيضا يستأذنه فى صرف بعض النوّاب، فأجابه:

«وردت مكاتبة الحضرة- أيّدها اللّه بتوفيقه فى جميع حالاتها، و لا أخلى من صالح دعواتها فى شريف أوقاتها، و أجراها من السّداد و التّحرّز على مختار عاداتها- و وقفنا عليها جميعا، و أحاطت علومنا بما أشارت إليه، و ما نبّهت فيها عليه.

____________

(1) أى مرتبات ثابتة.

291

فأما إشاراتها إلى صرف قاضى الفيّوم و الاستبدال به بخطيب البلد و صرف قاضى قوص، و تعريضها بأنها لا يجوز لها إعادته. و عزمها على صرف قاضى إخميم، و ما عرّضت به من انتمائه إلى كريم الدين الخلاطى.

و إصرارها على صرف قاضى منية زفتى، و تصريحها بأنه ذاكر أنّا نعرفه.

و قد خلعنا عليه- فجوابنا عن جميع ذلك: أنا قلّدناها هذا الأمر العظيم.

و ذمّمناها هذا الخطب الجسيم، و نهجنا بها السّلوك فى طريقه المستقيم، و فوّضنا ذلك إليها، و جعلنا أزمّة نقضه و إبرامه بيديها، و صيّرنا ركائب آمال طالبى التّولية مناخة لديها- نرجو بذلك براءة الذّمّة عند اللّه تعالى، و أن لا تقوم الحجّة علينا و لا عليها.

فمن استصلحته و رضيته من النّواب، فلتقرّه على حاله. و من ظهر لها اعوجاجه و سخطته، فلتصرفه، و لا تعرّج على أساطير أقواله. فالإرهابات و التّمويهات لا مدخل لها فى أمور الدين، و الشّرع الشريف منزّه عن شفاعة الشافعين. فلتعلم الحضرة ذلك، و لتواصل بالمتجدّدات‏ (1)، موفّقة فى ذلك- إن شاء اللّه تعالى. سطّرت لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذى الحجة، سنة إحدى و ثلاثين و ستمائة، بظاهر السّويدا- مشافهة.

هذا كان الرّسم فى المكاتبات و الأجوبة. و فيه دليل على أن قاضى القضاة بالديار المصرية، فى ذلك الوقت، كان لا يستقلّ بعزل نائب من نوّابه بالأعمال- و إن صغرت جهة ولايته- إلا بعد مراجعة السلطان،

____________

(1) الأخبار و الأحداث التى تجدّ.

292

و استئذانه. و ما زال الأمر جاريا على ذلك، إلى أن ملك السلطان الملك الصالح نجم الدين، فغلظ حجابه، و تعذّر خطابه و جوابه، و تعاظم أن يشاور فى الجزئيات، و أن يشافه إلا فى الأمور المعضلات. فاستقلّ حينئذ القضاة و غيرهم، و استبدّوا بالولايات و العزل.

و لنرجع إلى أحوال قاضى القضاة: شرف الدين، و سيرته.

و كان- (رحمه الله تعالى)- جوادا كريما، زاهدا لا يدّخر شيئا:

و لا يملك إلا سجّادة خضراء من الصوف، و سجّادة من أدم و مشطا و سبحه، و مقراضا، و عودا من أراك‏ (1). و ليس له إلا بدلة واحدة، فإذا تغيّرت، غسلت له ليلا. و بغلة واحدة. فإذا كان زمن الربيع، استأجر بغلة فى كل يوم بثلاثة دراهم، و يقوم بعلفها من عنده، ما ملك عقارا، و لا وجبت عليه زكاة فى عمره.

و كان مضبوط المجلس، لا يسارّ أحدا فى مجلسه و لا يضحك فيه.

و كان كثير العبادة، يسرد الصّوم، و لا يفطر إلا الأيام التى لا يجوز صومها، كثير التلاوة للقرآن، و الذّكر و الأدعية. و كان. لا يكلّف أحدا قضاء حاجة، إلا و يعطيه فوق أجرته. حتى كان يدفع مل‏ء إبريق ماء حارا فى الشتاء من الحمّام، عند كل صلاة، نصف درهم للحمّامى، و ربع درهم لحامل ذلك إليه. و كان يدفع لبارى أقلامه أجرة، من درهمين إلى ثلاثة.

____________

(1) أى: السّواك. لأن شجر الأراك هو الذى يتّخذ منه السّواك.

293

و كان له شعر حسن، قد وقفت منه على قصائد، يمدح بها السلطان الملك الكامل- تركنا إيرادها اختصارا. فمن شعره، بديهة:

وليت القضاء، و ليت القضا * * * ء لم يك شيئا تولّيته‏

و قد قادنى للقضاء القضا * * * و ما كنت قدما تمنّيته‏

و كان حسن النّثر. و كانت علامته: الحمد للّه متولّى السرائر.

و يكتب تحت خط الشهود: أقام شهادته عندى بذلك، و شخص المذكور. و اللّه على كل شي‏ء شهيد. و أخباره- (رحمه الله تعالى)- و أوصافه الحسنة كثيرة، و قد أتينا منها بما فيه الكفاية.

و لما مات قاضى القضاة شرف الدين فى التاريخ المذكور، خرج الأمر السلطانى بالإذن للعقّاد و النواب عنه بالقاهرة- فى يوم الأحد الثانى و العشرين من ذى القعدة من السنة- بالاستمرار، إلى أن يقع الاختيار على قاض، و لم يؤذن لنائبه: القاضى محيى الدين عثمان بن يوسف القليوبى- بشى‏ء- و هو الذى كان خليفة القاضى شرف الدين بن عين الدولة فى الحكم- إلى أن مات. و استمر ذلك إلى يوم الأربعاء، الخامس و العشرين من الشهر.

ففوّض السلطان قضاء القاهرة و الوجه البحرى لقاضى القضاة: بدر الدين السّنجارى- و صرف عن الحكم بمصر و الوجه القبلى. و كان قد

294

استناب بمصر ابن عمه: القاضى شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم ابن خلّكان‏ (1)، و فوّض إليه عقود الأنكحة و قضاء الجيزة، و استناب شمس الدين عنه فى قضاء الجيزة أخاه: بهاء الدين محمد بن محمد. فلما ولى القاضى بدر الدين القاهرة، استناب القاضى شمس الدين- المذكور- بها فجلس فى يوم الخميس- السادس و العشرين من ذى القعدة- بجامع الأزهر، و أمر الشهود بالانتقال إلى حرم الجامع. ثم شرك بينه و بين القاضى محيى الدين، فى النيابة بالقاهرة. و ولّى قضاء مصر الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام.

ذكر وصول شيخ الإسلام‏ (2) عبد العزيز بن عبد السلام- إلى الديار المصرية، و ما اتفق له بعد خروجه من الشام إلى أن وصل، و تفويض القضاء بمصر و الخطابة بها- و غير ذلك- إليه، و ما فعله و عزله نفسه‏

كان وصوله إلى الديار المصرية فى سنة تسع و ثلاثين و ستمائة و ذلك أنه لما وقع له مع الملك الصالح إسماعيل بدمشق ما وقع، و عزله و ألزمه داره- كما تقدم- فارق دمشق، و قصد البيت المقدس.

____________

(1) هو المؤرخ المشهور صاحب «وفيات الأعيان».

(2) ذكره السّيوطى بين «من كان بمصر من الأئمة المجتهدين»، و قال عنه: «و هو عز الدين بن عبد السلام بن أبى القاسم بن حسن .. السلمى، شيخ الإسلام، سلطان العلماء. ولد سنة (577) أو (578 ه) و تفقه على الفخر بن عساكر، و أخذ الأصول عن السيف الآمدى، و سمع الحديث من عمر بن طبرزد و غيره. و برع فى الفقه و الأصول العربية. قال الذهبى فى العبر: «انتهت إليه معرفة المذهب مع الزهد و الورع. و بلغ رتبة الاجتهاد. و قدم مصر فأقام بها أكثر من عشرين سنة، ناشرا للعلم، امرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، يغلظ على الملوك فمن دونهم. و ألقى التفسير بمصر و ألف كتبا عديدة. و كانت وفاته سنة 660 ه.

(حسن المحاضرة: ج 1- 126- 127)

295

فوافاه الملك الناصر داود صاحب الكرك بالغور (1)، فأكرمه و نقله إلى الكرك. و قال له: تقيم عندى بهذا الحصن و أنا لا أخرج عن أمرك. فأقام عنده مدة يسيرة. ثم استأذنه فى الخروج، فسأله عن موجب خروجه و كراهة مقامه. فقيل إنه قال له: هذا بلد صغير، و أنا أحبّ الانتقال إلى بلد أنشر به ما عندى من العلم.

فأذن له، و توجه الشيخ إلى القدس، و أقام به. فجاء الملك الصالح إسماعيل بعساكره إلى القدس- و صحبته الفرنج- فأرسل إلى الشيخ بعض خواصّه بمنديله، و قال له: ادفع إليه منديلى و تلطّف به و استنزله، و عده بعوده إلى مناصبه. فإن أجاب، فائتنى به. و إن خاشنك فاعتقله فى خيمة إلى جانب خيمتى.

فأتاه الرسول و لاطفه، ثم قال له: بينك و بين أن تعود إلى مناصبك، و تعود إلى ما كنت عليه و زيادة، أن تقبّل يد السلطان. فقال له: «و اللّه ما أرضاه أن يقبّل يدى، فضلا أن أقبّل يده»!! فقال: إنه قد رسم أن أعتقلك إذا لم توافق. فقال افعلوا ما بدا لكم! فاعتقله فى خيمة إلى جانب خيمة السلطان.

و كان يقرأ القرآن و السلطان يسمعه. فقال يوما لملوك الفرنج: تسمعون هذا الذى يقرأ؟ قالوا نعم: قال هذا أكبر قسوس المسلمين، و قد حبسته لإنكاره علىّ تسليمى لكم حصون المسلمين، و عزلته من الخطابة بدمشق و عن مناصبه، ثم أخرجته عن دمشق فجاء إلى القدس. و قد جددت اعتقاله‏

____________

(1) أى غور الأردن. و قد تقدم ذكره.

296

لأجلكم. فقالوا له: لو كان هذا قسّيسنا، لغسلنا رجليه، و شربنا مرقتها!. ثم فارق الصالح القدس.

و قدم الشيخ إلى الديار المصرية. فأقبل عليه السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، و أكرمه، و فوّض إليه الخطابة و الإمامة بجامع عمرو بن العاص بمصر، فى يوم الجمعة العاشر من شهر ربيع الآخر، سنة تسع و ثلاثين و ستمائة، عوضا عن أبى المجد الإخميمى- و كان أبو المجد قد ولى الخطابة بعد وفاة أبى طاهر المحلّى، و كان ينوب عنه فى حال حياته. و خطب الشيخ عز الدين فى هذا اليوم. و أذّن الأذان الثانى على الدّكّة يومئذ، مؤذّن واحد- خلاف العادة.

ثم فوّض إليه القضاء بمصر و الوجه القبلى- فى يوم الثلاثاء التاسع من ذى الحجة، من السنة- بعد انتقال قاضى القضاة بدر الدين السّنجارى منها إلى القاهرة و الوجه البحرى. و شغرت‏ (1) مصر عن حاكم، فيما بين نقل القاضى بدر الدين و تولية الشيخ، أربعة عشر يوما و وليها الشيخ مضافة إلى الخطابة.

و جلس فى هذا اليوم، و حكم بين الناس. و استناب الشيخ عنه، فى الحكم، القاضى صدر الدين موهوب: قاضى جزيرة ابن عمر. و فى يوم جلوس الشيخ للحكم، أسقط عدلين من العدول المتقدّمة.

____________

(1) شغرت الأرض: لم يبق بها أحد يحميها أو يضبطها، فهى شاغرة. و قد شغر البلد: بعد من الناصر و السلطان.

«القاموس المحيط»

297

و سبب ذلك أنه وجد مسطورا (1)، فيه شهادتهما، و هو غير مؤرّخ، و فى خطّ كلّ منهما: كتبه فلان فى تاريخه. و سأل أحدهما عن فرائض الصلاة، فلم يجبه جوابا مرضيا. ثم أسقط، بعد ذلك بأيام، القاضى فخر الدين بن قاضى القضاة عماد الدين بن السّكّرى- مدرّس منازل العزّ- لأنه وجد شرط الواقف بالمدرسة أن يكون المدرّس بها عارفا بالأصولين‏ (2)، و هو عار عن معرفتهما. فأسقطه لذلك.

و أسقط أيضا جماعة من عدول‏ (3) القاضى شرف الدين بن عين الدولة. ثم أسقط ولده محيى الدين أبا الصلاح. و طلبه فخرج مستخفيا إلى ثغر الإسكندرية. و استند فى إسقاط كلّ منهم إلى موجب ظاهر. ثم عزل نفسه. فتلطف السلطان فى إعادته، فعاد.

ثم أسقط الصاحب معين الدين بن شيخ الشيوخ: وزير السلطان الملك الصالح و نائبه، و مقدّم جيوشه. و عزل نفسه عن القضاء ثانيا.

و سبب ذلك: أن الصاحب معين الدين كان قد بنى فراشخاناه‏ (4) على ظهر مسجد، بجوار داره. و كان السلطان قد فوّض إلى الشيخ أيضا

____________

(1) أى مكتوبا، أى ورقة مكتوبة.

(2) أصول الدين، و أصول الفقه.

(3) إسقاط العدول- المتردد هنا ذكره- معناه: الحكم بانتفاء العدالة عن الشخص: أى عدم الأهلية للشهادة أمام القضاء، و مباشرة الأعمال الدينية التى تشترط فيها العدالة. و العدالة فى الفقه الإسلامى معناها- بإجمال- أن يكون المرء جامعا للفضائل الدينية، لم يخالف أحكام الدين فى شي‏ء.

(4) خاناه: معناها بيت أو مخزن.

فراشخاناه: مخزن للفراش.

298

النظر فى عمارة المساجد، بمصر و القاهرة. فأرسل إليه يأمره بهدم ما استجدّه على ظهر المسجد و إزالته، و إعادة المسجد الى ما كان عليه. فلم يجب إلى ذلك. ثم عاوده فلم يفعل.

فلما طال ذلك على الشيخ، أمر الفقهاء طلبته أن يأتوه فى غد- و مع كل واحد منهم معول- ففعلوا ذلك. فلما رآهم العوامّ اجتمع منهم خلق كثير بالمساحى. و ركب الشيخ إلى دار الصاحب معين الدين، و هو فى خدمة السلطان، و أمر بإخراج ما فى ذلك المكان، فأخرج، ثم أمر بهدمه فهدم.

فتألم الصاحب معين الدين لذلك، و لم يمكنه أن يحدث فيه شيئا.

فلما كان بعد مدة يسيرة، جلس الشيخ بجامع مصر لتعديل من شهد بعدالته، منهم: فخر الدين محمد بن الصاحب بهاء الدين على بن محمد. و اجتمع لذلك جمع كثير من العلماء و الفقهاء و الأكابر و القرّاء- و كانت العادة كذلك فى إنشاء العدالة. فاتصل الخبر بالصاحب معين الدين، فأمر والى مصر أن يدخل إلى المجلس، و يفرّق ذلك الجمع، و يقول للشيخ عز الدين: يقول لك الصاحب: بلد السلطان لا يجتمع فيه الجموع. ففعل الوالى ذلك.

فصرخ الشيخ فى المجلس بإسقاط عدالة الصاحب معين الدين! ثم عزل نفسه عقيب ذلك. و كثر اللّغط، و ارتفعت الأصوات. و لما اتصل خبر هذا الإسقاط بالسلطان، منع الصاحب معين الدين من الدخول إليه ثلاثة أيام، حتى لفّق صيغة شهدت أن الشيخ إنما أسقطه بعد أن عزل نفسه، و أن إسقاطه لم يصادف محلّا، و أنه باق على عدالته.

299

و أثّر هذا الإسقاط فى الصاحب معين الدين أثرا مؤلما. و هو أنه حكى أن السلطان أرسل رسولا إلى الدّيوان العزيز (1) ببغداد، و كان المشافه للرسول عن السلطان الصاحب معين الدين. فلما أبلغ الرسالة قال له الوزير:

أيوب شافهك بهذه الرسالة؟ قال: لا، إنما شافهنى بها عنه الصاحب معين الدين. فقال له الوزير: معين الدين أسقط الشيخ عزّ الدين عدالته، فلا يرجع إلى مشافهته.

و لما عزل الشيخ نفسه، أراده السلطان على العود إلى القضاء، فامتنع من ذلك. ففوّض السلطان الملك الصالح القضاء بعده، بمصر و الوجه القبلى، إلى نائبه: القاضى صدر الدين أبى منصور موهوب، بن عمر بن موهوب، بن إبراهيم، الجزرى‏ (2) الشافعى- و ذلك فى سنة أربعين و ستمائة. فأعاد بعض من أسقطهم الشيخ عز الدين إلى العدالة. و لم تطل ولايته، فإنه استمر فى القضاء نحو سنة. و عزل، و لم يل القضاء بعدها.

و فى سنة تسع و ثلاثين و ستمائة- أيضا- توجه السلطان الملك المنصور- صاحب حمص- و عسكر حلب، إلى حرّان، و التقوا مع الخوارزميّة، و مزّقوهم كلّ ممزّق، فكسروا الخوارزمية.

____________

(1) أى ديوان الخليفة.

(2) هو صدر الدين موهوب الجزرى. ولد بالجزيرة (جزيرة ابن عمر) فى جمادى الآخرة سنة 590، و أخذ عن العلم السّخاوى و الشيخ عز الدين بن عبد السلام، و تفقه و برع فى المذهب و الأصول و النحو، و تخرجت به الطلبة و جمعت عنه الفتاوى المشهورة، ولى القضاء بمصر. مات سنة 665 ه.

(حسن المحاضرة: ج 1- 174)

300

و استهلّت سنة أربعين و ستمائة:

فى هذه السنة، عزم السلطان الملك الصالح نجم الدين على التوجه إلى الشام، فبلغه أن العساكر مختلفة، و البلاد مختلّة، فأقام.

و فيها كانت وقعة عظيمة بين عسكر حلب و الخوارزمية. و كان الملك المظفّر شهاب الدين غازى- صاحب ميّافارقين‏ (1)- مع الخوارزميّة، و كانوا قد حلفوا له و حلف لهم. و أخربوا بلاد الموصل و ماردين، فاضطر صاحب ماردين إلى موافقتهم. و جمع غازى الخانات الخوارزمية، و أشار عليهم بقصد بلاد الموصل فقالوا: لا بد من لقاء العسكر الحلبى، فألجأته الضرورة إلى موافقتهم.

و ركبوا فى ثامن عشرين المحرم، من جبل ماردين إلى الخابور (2)، و ساقوا إلى المجدل‏ (3). و وقف الخانات ميمنة و ميسرة، و وقف الملك المظفر غازى فى القلب، و التقوا. فصدمهم العسكر الحلبى صدمة رجل واحد.

فانهزموا لا يلوون على شي‏ء، و معهم الحلبيون يقتلون و يأسرون.

و أخذوا أثقال غازى و أغنام التركمان، و خيلهم و نساءهم، و كانوا خلقا

____________

(1) أشهر مدينة بدياربكر (بالجزيرة) (ياقوت: 8- 214)

(2) بلد بالقرب من قرقيسياء بالجزيرة، على نهر الخابور الذى يصب فى أعالى الفرات. و نسبت إلى النهر.

(المعجم. سبق ذكره)

(3) المجدل (بكسر الميم و سكون الجيم و فتح الدال- كما ضبطه ياقوت): اسم لبلد طيب بالخابور، إلى جانبه تل عليه قصر، و فيه أسواق كثيرة.

المجدل- لغة- معناها: القصر المشرف.

(معجم البلدان: ج 7- 387)

301

كثيرا. فبيع الفرس بخمسة دراهم، و رأس الغنم بدرهم. و نهبت نصيبين، و سبى نساؤها- و كانت قد نهبت مرارا فى سنة تسع و ثلاثين- يقال نهبت سبع عشرة مرة، من المواصلة و الخوارزمية و عسكر ميّافارقين و ماردين- و عاد الملك المظفر غازى إلى ميّافارقين.

و تفرقت الخوارزمية، ثم اجتمعوا على نصيبين. ثم رحلوا فنزلوا رأس عين، فقتلوا أهلها، و نهبوا الأموال و سبوا النساء. و فعلوا بالخابور كذلك، و نهبوا أغنام التّركمان.

و فيها وصل إلى الملك المظفّر- شهاب الدين غازى- منشور بخلاط و أعمالها، مع شمس الدين النائب بالروم، فتسلّمها و ما فيها.

و فيها توفيت ضيفة خاتون، ابنة الملك العادل: سيف الدين أبى بكر ابن أيوب.

و هى والدة الملك العزيز: بن الملك الظاهر صاحب حلب- والد الملك الناصر. و كانت هى التى دبّرت الدولة، و حفظ الملك بسببها على ابنها و ابنه، بعد وفاة الملك الظاهر، و لما توفيت، قام بتدبير الدولة الحلبية الأمير الأتابك: شمس الدين لؤلؤ، أتابك الملك الناصر صاحب حلب.

302

ذكر الاتفاق و الاختلاف بين الملكين الصالحين: نجم الدين أيوب صاحب مصر، و عماد الدين إسماعيل صاحب دمشق‏

فى هذه السنة ترددت الرّسل بين الملكين الصالحين: نجم الدين أيوب صاحب الديار المصرية، و عمّه عماد الدين إسماعيل صاحب الشام، و توجه شرف الدين بن التّينى و الأصيل الإسعردى‏ (1) الخطيب، إلى دمشق. فأطلق الملك الصالح إسماعيل الملك المغيث جلال الدين- ولد السلطان الملك الصالح نجم الدين- من الاعتقال. و ركب و خطب لابن أخيه الملك الصالح أيوب بدمشق. و رضى الملك الصالح أيوب بإقرار دمشق بيد عمّه الصالح إسماعيل، بعد أن يسلّم إليه ولده.

و حصل الاتفاق على ذلك، و لم يبق إلا أن يتوجه الملك المغيث إلى أبيه. فصرف أمين الدولة السّامرى- وزير الملك الصالح إسماعيل- رأيه عن ذلك و قال: هذا خاتم سليمان، لا تخرجه من يدك يعدم الملك.

فتوقّف، و لم ينتظم الحال. و قطع خطبة ابن أخيه، و أعاد الملك المغيث إلى الاعتقال بالبرج، و استمر به إلى أن مات. و كانت وفاته يوم الجمعة ثانى عشر شهر ربيع الآخر، سنة اثنتين و أربعين و ستمائة. و حمل إلى تربة جده الملك الكامل فدفن بها. و كان عاقلا، ما حفظت عنه كلمة فحش- (رحمه الله تعالى).

____________

(1) نسبة إلى «اسعرد»: بلد بين دجلة و ميافارقين (سلوك: 1- 314).

303

و لما رجع الصالح إسماعيل عن الصلح، كتب الملك الصالح أيوب إلى الخوارزمية فى الحضور إلى الشام. فعبروا إلى الفرات و انقسموا قسمين: قسم جاءوا على البقاع البعلبكّى، و قسم على غوطة دمشق. و نهبوا و سبوا و قتلوا.

و سد الصالح إسماعيل أبواب دمشق. و توجه الخوارزمية إلى غزّة. و كان من خبرهم ما نذكره- إن شاء اللّه تعالى.

و فيها عزل قاضى القضاة: صدر الدين موهوب الجزرى عن القضاء بمصر و الوجه القبلى، و فوّض السلطان الملك الصالح ذلك إلى القاضى:

أفضل الدين أبى عبد اللّه، محمد بن ناماور، بن عبد الملك، بن زنجلين، الخونجى‏ (1)، و كانت ولايته فى يوم عيد النّحر من هذه السنة. و استمر فى القضاء إلى أن مات.

و فيها فى يوم الجمعة بعد الصلاة، ثانى العيد الأضحى، أمر الملك الصالح إسماعيل بالقبض على أعوان القاضى رفيع الدين الجيلى- و كانوا ظلمة آذوا الناس. و كان كبيرهم الموفق حسين بن عمر بن عبد الجبّار- المعروف بابن الواسطى. ثم قبض على القاضى الرفيع بعد أيام. و أمر بمصادرتهم فصودروا، و عوقبوا و عذبوا بأنواع العذاب- و كانوا لذلك أهلا.

ثم قتل الرفيع فى سنة اثنتين و أربعين و ستمائة، ببعلبك: جهّزه أمين الدولة السّامرى إليها، فقتل هناك.

____________

(1) نسبة إلى «خونج»: و هى بلد من أعمال أذربيجان، بين مراغة و زنجان. و بينها و بين زنجان يومان. و يقال لها أيضا: «خونا».

(معجم البلدان: 3- 491- 92).

304

و كان القاضى الرفيع هذا قد صادر أهل دمشق، و فعل ما لا يفعله ظلمة الولاة. و كتب إلى السلطان يقول: إننى قد حملت إلى خزانتك ألف ألف دينار، من أموال الناس. فقال السامرى: و لا ألف ألف درهم. و كان السامرىّ قد تمكن من الملك الصالح تمكّنا عظيما، لا يخالفه فى شي‏ء ألبتّة.

فقال الملك الصالح: أنا أحاققه، فإنه قد أكل الأموال، و أقام علينا الشّناعة، و المصلحة تقتضى عزله و مؤاخذته، ليعلم الناس أنك لم تأمره بأذاهم. فعزله عن القضاء. ثم تسبب فى قتله.

و لما عزل، فوّض القضاء بعده لقاضى القضاة محيى الدين يحيى، بن قاضى القضاة محيى الدين محمد، بن على بن محمد بن يحيى، القرشى.

و قرئ تقليده بالجامع بدمشق، فى خامس عشرين ذى الحجة. و حكم بإسقاط عدالة أصحاب الرّفيع، و هم: المعزّ بن القطّان، و الزّين الحموى، و الجمال بن سيده، و الموفّق الواسطى، و سالم المقدسى، و ابنه محمد- لما فعلوه بالمسلمين من أنواع الأذى، و قطع المصانعات.