نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج29

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
495 /
355

و فيها توفى الشيخ صالح أبو الحسن على، بن أبى القاسم بن عربى بن عبد اللّه، الدّمياطى، المعروف بابن قفل- فى يوم الأحد الرابع و العشرين من ذى الحجة، برباطه بالقرافة، و به دفن.

و فيها توفى شهاب الدين ابن قاضى دارا (1). و كان من النّظّار فى الدولة الكاملية، و بعدها. ولى نظر الأعمال القوصيّة. (2) و كان السلطان الملك الكامل يكتب إليه بخطّه، و يأمره و ينهاه. و يقال إنه كان من ظلمة النّظّار، يضرب بظلمه المثل. سامحه اللّه- و إيانا بكرمه.

و استهلّت سنة ثمان و أربعين و ستمائة:

ذكر هزيمة الفرنج و أسر ملكهم ريدافرنس‏

قال المؤرّخ: لما وصل السلطان الملك المعظم إلى المنصورة، كان ملك الفرنج ريدافرنس‏ (3)- بعساكره و جموعه- بالجزيرة التى قبالة المنصورة، و هى الدّقهلية. فرحل بمن معه طالبا دمياط. و ذلك فى ليلة الأربعاء، مستهل المحرم، من السنة.

____________

(1) بلدة فى لحف (قاعده) جبل بين نصيبين و ماردين، من بلاد الجزيرة.

(معجم البلدان: ج 4- ص 5)

(2) الأعمال التابعة لقوص، و هى مدينة كبيرة بالصعيد بالديار المصرية.

(3) لويس التاسع، ملك فرنسا. و سبق ذكره. و المؤلف يذكر هنا تقهقر لويس التاسع بجيشه بعد هزيمته فى موقعة المنصورة. لكن يلاحظ أنه (أى المؤلف) لم يذكر الموقعة نفسها. غير مقدمتها التى كان فيها حادث الأمير فخر الدين بن الشيخ.

356

فتبعته عساكر المسلمين إلى فارس كور (1)، و قاتلوه قتالا شديدا و أخذوه أسيرا- هو و أخوه- و استولوا على عساكر الفرنج، و قتلوا منهم زيادة عن عشرة آلاف فارس. و أسر من الخيّالة و الرّجّالة ما يناهز مائة ألف.

و جي‏ء بريدا فرنس و أخيه إلى المنصورة، فاعتقلا فى دار فخر الدين بن لقمان‏ (2) بها. و رتّب السلطان الأمير فخر الدين الطّورى‏ (3) لقتل أسرى الفرنج فكان يقتل منهم فى كل ليلة ثلاثمائة نفر، و يرميهم فى البحر.

و كتب السلطان الملك المعظم- كتابا بخطّه إلى الأمير جمال الدين موسى ابن يغمور النائب بدمشق، مضمونه بعد البسملة:

«ولده تورانشاه. الحمد للّه الذى أذهب عنا الحزن. و ما النصر إلا من عند اللّه. و يومئذ يفرح المؤمنون بنصر اللّه، ينصر من يشاء و هو العزيز الرحيم. و أما بنعمة ربك فحدّث. و ان تعدّوا نعمة اللّه لا تحصوها. يبشّر المجلس السامى الجمالى- بل يبشّر الإسلام كافّة- بما منّ اللّه به على المسلمين، من الظفر بعدوّ الدين. فإنه كان قد استفحل أمره، و استحكم شرّه، و يئس العباد من البلاد و الأهل و الأولاد. فنودوا: لا تيأسوا من روح اللّه.

____________

(1) هى البلدة المعروفة على شاطئ النيل، على الضفة الشرقية. بالقرب من دمياط.

(2) كاتب الإنشاء فى الدولة.

(3) نسبة إلى الطور، و هو حصن و جبل بجوار طبرية.

357

و لما كان فى يوم الأربعاء- مستهلّ السنة المباركة- تمّم اللّه على الإسلام بركاتها- فتحنا الخزائن، و بذلنا الأموال، و فرّقنا السّلاح، و جمعنا العربان و المطّوّعة (1)، و اجتمع خلق لا يحصيهم إلا اللّه تعالى، و جاءوا من كل فجّ عميق، و من كل مكان بعيد سحيق. و لما رأى العدوّ ذلك أرسل يطلب الصلح، على ما وقع الاتفاق بينهم و بين الملك الكامل، فأبينا. و لما كان الليل، تركوا خيامهم و أموالهم و أثقالهم، و قصدوا دمياط هاربين، و نحن فى آثارهم طالبين. و ما زال السيف يعمل فى أدبارهم، عامّة الليل.

و حلّ بهم الحرب و الويل.

فلما أصبحنا نهار الأربعاء قتلنا منهم ثلاثين ألفا، غير من ألقى نفسه فى اللّجج. و أما الأسرى فحدّث عن البحر و لا حرج. و التجأ الإفرنسيس إلى المنية (2)، و طلب الأمان فأمّنّاه، و أخذناه و أكرمناه. و تسلّمنا دمياط بعون اللّه تعالى، و قوته و جلاله و عظمته. و ذكر كلاما طويلا.

____________

(1) فى النسخة (ك): العربان المطاوعة، و فى (ع) العربان و المطاوعة. و لكنها وردت فى المراجع الأخرى مثل السلوك و النجوم الزاهرة: «العربان و المطوعة»- و هكذا أثبتناها فى المتن.

(2) هى «منية أبى عبد اللّه»، و لا تزال هذه القرية موجودة إلى اليوم، و اسمها «ميت الخولى عبد اللّه»، و تقع على الشاطئ الشرقى لفرع دمياط من النيل، و تتبع مركز فارسكور بمحافظة الدقهلية.

358

و بعث مع الكتاب غفارة (1) ريدافرنس إلى الأمير جمال الدين، فلبسها. و هى اسقلاط (2) أحمر، تحته سنجاب‏ (3)، و فيها شكل يكلة (4) ذهب. فنظم الشيخ نجم الدين محمد، بن الخضر بن إسرائيل، مقطّعات ثلاثا، ارتجالا، و هى:

إن غفارة الفرنسيس التى جا * * * ءت حباء لسيّد الأمراء

كبياض القرطاس لونا، و لكن‏ * * * صبغتها سيوفنا بالدّماء

و قال- يخاطب الأمير جمال الدين:

يا واحد العصر الذى لم يزل‏ * * * يجوز فى نيل المعالى المدى‏

لا زلت فى عزّ و فى رفعة * * * تلبس أسلاب ملوك العدا

____________

(1) الغفارة: المعطف. جمعها غفائر.

(سلوك- زيادة ج 1- ق 2- 357)

(2) هكذا فى (ع). و فى السلوك «اشكرلاط» و فى النجوم الزاهرة: «سقرلاط» و هو نوع من القماش لونه قرمزى، كان يرد من بلاد إيرلندة.

(سلوك: زيادة- ج 1- 357) و فى النجوم الزاهرة (ج 6- ص 368. حاشية 2): سقرلاط: ملابس صوفية مدفئة (عن القاموس الفرنسى الإنجليزى).

(3) فرو سنجاب.

(4) البكلة: معرب اللفظ الفرنسى و معناه: مشبك.

(سلوك- ج 1- 357)

359

و كتب عن الأمير جمال الدين مقدّمة كتاب، للسلطان:

أسيّد أملاك الزمان بأسرهم‏ * * * تنجّزت من نصر الإله و عوده‏

فلا زال مولانا يبيح حمى العدا * * * و يلبس أسلاب الملوك عبيده‏

و لما وصل هذا الكتاب بهذه البشرى، اجتمع عوامّ دمشق فى العشرين من المحرم و دخلوا كنيسة مريم بالمغانى و البشائر، و همّوا بهدمها.

و أما النصارى ببعلبك فيقال إنهم سوّدوا وجوه الصّور، التى فى كنائسهم، حزنا على هذه الحادثة. فعلم بهم متولّى البلد، فجنّاهم جناية شديدة (1)، و أمر اليهود بصفعهم و ضربهم و إهانتهم.

و فيها نفى السلطان الملك المعظم الملك السعيد مجير الدين حسن، بن الملك العزيز عثمان، بن الملك العادل- و هو ابن عم أبيه- من الديار المصرية إلى الشام. و وصل إلى دمشق، و اعتقل بعزّتا (2) ثم أفرج عنه، على ما نذكره- إن شاء اللّه تعالى.

ذكر مقتل السلطان الملك المعظم‏

كان مقتله- (رحمه الله تعالى)- فى يوم الثلاثاء، السابع و العشرين من المحرّم، سنة ثمان و أربعين و ستمائة.

____________

(1) أى: عاقبهم عقوبة شديدة.

(2) مضبوطة هكذا بالقلم فى (ع)، بشدّة على الزاى. و هى قلعة قرب دمشق.

360

و سبب ذلك أنه لما ملك شرع يبعد مماليك والده و غلمانه و ترابيه، و يقرّب غلمانه الذين وصلوا معه من بلاد الشرق و جعل خادمه الطواشى مسرور أستاد داره‏ (1)، و الطّواشى صبيح أمير جاندار (2)- و كان عبدا حبشيا فحلا- و أمر أن يصاغ عصاة من ذهب، و أنعم عليه بالأموال و الإقطاعات.

و توعد جماعة من مماليك والده، و أهانهم. و كان يسميهم بأسمائهم، من غير أن ينعت أحدا منهم.

و كان قد وعد فارس الدين أقطاى بالإمرة، فلم يف له. فاستوحش منه. و كانت والدة خليل- سرّيّة أبيه- قد توجهت إلى القلعة لمّا وصل إلى الشام، فأرسل إليها يتهدّدها، و يطلب منها الأموال و الجواهر. فيقال إنها خافته، و كتبت إلى المماليك الصالحية بسببه.

فاجتمع منهم جماعة، و اتفقوا على قتله. فلما كان يوم الاثنين- سادس أو سابع عشرين المحرم، جلس السلطان على السّماط، و اجتمع الأمراء على العادة. فلما تفرقوا، تقدم أحد مماليك والده، و ضربه بالسيف. فالتقى الضربة بيده، فانهزم الضارب فقام السلطان، و دخل إلى برج خشب كان فى خيمته، و قال: من ضربنى؟ قالوا: الحشيشيّة (3). فقال: لا و اللّه،

____________

(1) سبق شرحه غير مرة. معناه المشرف على القصور السلطانية.

(2) سبق شرحه غير مرة. معناه: الحاجب الأول أو الأمين الأول.

(3) يقصدون من طائفة الحشيشية أو «الحشّاشين» و هو الاسم الذى أطلق على طائفة الباطنية من الشيعة الإسماعيلية، الذين كانوا أتباع «الحسن بن الصباح» الذى ظهر فى أواخر القرن الخامس الهجرى، و بقى أتباعه يتوارثون مذهبه، و كانوا يبيحون اغتيال خصومهم.

361

إلّا البحريّة (1)! و اللّه لا أبقيت منهم بقيّة! و قد عرفت الضارب و استدعى الجرائحىّ‏ (2) ليخيط يده فاجتمع الجماعة الذين اتفقوا على قتله، و هجموا عليه، و بأيديهم السيوف مجذوبة. فهرب إلى أعلى البرج، و أغلق بابه. فحرقوه بالنار، فنزل من البرج، و هرب إلى البحر. فأدركوه، و ضربوه بالسيوف! فرمى نفسه فى البحر، و هو يستغيث بهم. و تعلق بذيل أقطاى، و استجار به، فما أجاره. و هو يقول: دعونى أعود إلى الحصن، فو اللّه ما أريد الملك.

و هم لا يلتفتون إلى قوله. و قتلوه فى الماء، فمات قتيلا حريقا غريقا! و كانت مدة سلطنته واحدا و سبعين‏ (3) يوما. و انهزم أصحابه الذين وصلوا صحبته من الشّرق، و اختفوا.

و كان الذين باشروا قتل الملك المعظم، من مماليك أبيه، أربعة حكى عن سعد الدين مسعود، بن تاج الدين شيخ الشيوخ، أنه قال:

أخبرنى صادق أن السلطان الملك الصالح، لما أمر الطّواشى محسن الخادم بقتل أخيه الملك العادل- أمره أن يأخذ معه من المماليك من يخنقه، فعرض محسن ذلك على جميع المماليك، فامتنعوا بأسرهم. إلا هؤلاء الأربعة، فإنهم أجابوه و توجهوا معه، و خنقوا الملك العادل. فسلّطهم اللّه تعالى على ولده الملك المعظم؟؟؟، فقتلوه‏

____________

(1) يقصد: طائفة المماليك البحرية. و هم المماليك الذين جلبهم أبوه الملك الصالح أيوب، و أسكنهم قلعة جزيرة الروضة، فعرفوا بالبحرية، نسبة إلى بحر النيل. و هم الذين سيرثون الدولة

(2) أى الجراح الطبيب.

(3) فى النسخة (ك): «أحد و سبعون» و فى النسخة (ع) «أحد و سبعين»

362

قال أبو المظفّر يوسف سبط ابن الجوزى: و حكى لى العماد بن درباس، قال: رأى جماعة من أصحابنا الملك الصالح نجم الدين فى المنام، و هو يقول:

قتلوه شرّ قتله‏ * * * صار للعالم مثله‏

لم يراعوا فيه إلّا (1) * * * لا، و لا من كان قبله‏

ستراهم عن قليل‏ * * * لأقلّ الناس أكله‏

و الملك المعظم هذا هو آخر ملوك الدولة الأيوبية، بالديار المصرية، المستقلين بالملك. و ملكت بعده شجر الدّر.

ذكر ملك شجر الدر: والدة خليل سرية الملك الصالح نجم الدين أيوب‏

قال: و لما قتل الملك المعظم، اتفق الأمراء الصالحية و البحرية على إقامة شجر (2) الدّرّ- سرّيّة السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب- و حلفوا لها، و استحلفوا جميع العساكر الشامية و المصرية.

____________

(1) أخذا من قوله تعالى: «لا يرقبون فى مؤمن إلّا و لا ذمّة».

أى عهدا.

(2) هكذا دائما فى (ع) «شجر الدر»، و كذا فى كثير من المراجع.

363

و كانت المناشير و التّواقيع تخرج باسمها. و يكتب عليها ما صورته:

والدة خليل. و يكتب الموقّع: خرج الأمر العالى المولوى السّلطانى الخاتونى الصالحى، الجلالى العصمى الرّحيمى- زاده اللّه شرفا و نفاذا.

و قد شاهدت منشورا منها، هذه ترجمته. و تواقيعها موجودة بأيدى الناس، إلى وقتنا هذا. و خطب باسمها على المنابر. و استقرّ الأمير عز الدين أيبك- التّركمانى الصالحى- أتابك العساكر.

ذكر استعادة ثغر دمياط من الفرنج و إطلاق ريدافرنس‏

قال: ثم حصل الاتفاق بين الأمراء و ريدافرنس- ملك الفرنج- على أن يسلّم ثغر دمياط، و يحمل إليهم وظيفة (1) تقرّرت بينهم، و يطلقوه. فسلّم إليهم الثّغر فى يوم الجمعة، ثالث صفر، سنة ثمان و أربعين و ستمائة. و توجه هو- و أخوه و زوجته، و من بقى من الفرنج- إلى بلادهم.

فكانت مدة استيلائهم على الثّغر أحد عشر شهرا، و تسعة أيام.

ذكر خلع شجر الدّرّ نفسها من الملك و انقراض الدولة الأيوبية من الديار المصرية

كان سبب ذلك أن الأمراء اتفقوا على أن يتزوج الأمير عز الدين أيبك التّركمانى شجر الدر، فتزوجها، و خلعت نفسها من الملك، و سلّمت‏

____________

(1) مبلغا معينا من المال يدفع فى ميعاد مقرر.

364

السّلطنة إليه- فى التاسع و العشرين من شهر ربيع الآخر من السنة. و كانت مدة ملكها ثلاثة أشهر و قد قيل إن زواجه بها كان فى سنة تسع و أربعين و ستمائة.

و انتصب الأمير عزّ الدين فى السلطنة، و تلقّب بالملك المعزّ. و أقام معه الملك الأشرف: مظفّر الدين موسى، بن صلاح الدين يوسف، بن الملك المسعود صلح الدين أقسيس ملك اليمن، بن الملك الكامل- و كان عمره ست سنين. فأقام على ذلك زمنا، ثم حجبه الملك المعزّ، و استقلّ بالملك.

و انقرضت الدولة الأيوبية من الديار المصرية.

[الأيوبيون فى غير الديار المصرية (1)]

و بقى من ملوكها من نذكرهم: بالشام، و حصن كيفا، و نصيبين، و ميّافارقين. و هم:

الملك الناصر صلاح الدين يوسف، بن الملك العزيز غياث الدين محمد، بن الملك الظاهر غياث الدين غازى، بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادى- صاحب دمشق و حلب و حمص، و ما مع ذلك‏

____________

(1) وضعنا هذا العنوان و لم يكن موجودا فى النسخة (ع)، لأنه لا بدّ منه ليدل على المواد القادمة، و هى تكون فصلا مستقلا قائما بذاته، بعد انقراض «الدولة الأيوبية» من مصر.

365

و ليس من الذّرّيّة الصّلاحيّة من يخطب له بمملكة، سواه.

و من الذّرّيّة العادلية من نذكرهم، و هم:

الملك المغيث فتح الدين عمر، بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر، بن الملك الكامل ناصر الدين محمد، بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد، بن أيوب- صاحب الكرك و الشّوبك.

و الملك الموحّد: تقىّ الدين عبد اللّه، بن الملك المعظم غياث الدين تورانشاه، بن الملك الصالح نجم الدين أيوب- صاحب حصن كيفا و نصيبين، و أعمال ذلك.

و الملك الكامل ناصر الدين محمد، بن الملك المظفّر شهاب الدين غازى، بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب- صاحب ميّافارقين.

و من الذّرّيّة الأيوبية:

الملك المنصور ناصر الدين محمد، بن الملك المظفر تقىّ الدين محمود ابن الملك المنصور محمد، بن الملك المظفر تقى الدين أبى سعد عمر، بن شاهنشاه، بن أيوب- صاحب جاه.

هؤلاء بنو أيوب و من الذرية الأسدية: شيركوه بن شادى الملك الأشرف مظفر الدين موسى، بن الملك المنصور إبراهيم، بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه، بن الأمير ناصر الدين محمد، بن الملك‏

366

المنصور أسد الدين شيركوه، بن الأمير ناصر الدين محمد، بن الملك المنصور أسد الدين شيركوه بن شادى- صاحب تل باشر و الرّحبة.

و سنورد فى هذا الموضع نبذا من أخبارهم، تدل على ملخّص أحوالهم، إلى حين وفاة كل منهم، و من قام بعده من أولاده، إن كان- على سبيل الاختصار.

أما السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف، بن الملك العزيز، بن الملك الظاهر، ابن الملك الناصر: صلاح الدين يوسف بن أيوب- فإنه كان بيده ملك حلب و أعمالها

ملك ذلك بعد وفاة والده الملك العزيز- كما تقدم- فى سنة أربع و ثلاثين و ستمائة. ثم استولى على حمص، فى سنة ست و أربعين و ستمائة:

انتزعها من الملك الأشرف موسى، بن الملك المنصور إبراهيم، بن شيركوه، و عوّضه عنها تلّ باشر- و قد تقدم أيضا. ثم استولى على دمشق.

ذكر استيلاء الملك الناصر على دمشق‏

و فى سنة ثمان و أربعين و ستمائة- بعد مقتل الملك المعظم تورانشاه- تجهز الملك الناصر من حلب بعساكره، فوصل إلى قارا (1) فى مستهل شهر ربيع الآخر.

____________

(1) سبق ذكرها. و هى قرية كبيرة على الحدود بين أعمال حمص و دمشق و أهلها نصارى.

367

و سبب ذلك أن الأمراء القيمرية، (1) الذين بدمشق، كاتبوه و باطنوه على أخذها فإن الأمير جمال الدين موسى بن يغمور- نائب السلطنة بها- اتفق هو و الأمراء الصالحية النّجميّة، الذين كانوا بدمشق، و تظافروا، و اجتمعت كلمتهم فتغيرت بواطن الأمراء القيمريّة، فكاتبوه، فسار إلى دمشق. و لما اتصل خبر مقدمه بالأمير جمال الدين بن يغمور، أحضر الملك السعيد بن الملك العزيز عثمان، من قلعة عزّتا (2) إلى دمشق- و كان قد اعتقله بها- كما تقدم، و أنزله فى دار فرّخشاه.

و تقدم الملك الناصر بعساكره، و نزل القصر. ثم انتقلوا إلى داريّا (3)، فى يوم السبت سابع الشهر. و زحفوا على المدينة يوم الأحد ثامنه، و جاءوا إلى باب الصغير- و كان مسلّما إلى الأمير صارم الدين القيمرى، و إلى باب الجابية و كان مسلّما إلى الأمير ناصر الدين القيمرى. فلما انتهى العسكر الناصرى إلى البابين، كسرت أقفالها من داخل المدينة، و فتح البابان، و دخل العسكر الناصرى منهما.

و نهبت دار الأمير جمال الدين، بن يغمور، و سيف الدين المشدّ و نهب عسكر دمشق، و أخدب خيولهم من إسطبلاتهم. و دخل الأمير جمال الدين بن يغمور القلعة، و بها الملك المجاهد إبراهيم، ثم نودى بالأمان‏

____________

(1) ذكرنا من قبل أنهم طائفة من أمراء الجند الأكراد، ينسبون إلى جبل قيمر ببلاد الأكراد.

(2) هكذا هى مضبوطة فى (ع) بالقلم. قلعة قرب دمشق.

(3) قرية كبيرة من قرى دمشق بالغوطة. مر ذكرها.

368

و نزل الملك الناصر فى دهليز (1) ضرب له بالميدان الأخضر. و نزل الأمير شمس الدين لؤلؤ- أتابكه- فى الجوسق‏ (2) العادلى. ثم انتقل الملك الناصر بعد ذلك إلى القلعة، و استولى على ما بها من الخزائن و الذخائر.

و اعتقل الأمير جمال الدين بن يغمور، ثم أفرج عنه و أحسن إليه. و اعتقل الأمراء الصالحية، و أرسلهم إلى الحصون، و أقطع أصحابه أخبازهم‏ (3) و كان الملك الناصر داود- بن الملك المعظم- قد نزل بالعقيبة (4)، فجاءه الملك السعيد بن الملك العزيز عثمان، فبات عنده ليلة. ثم هرب إلى قلعة الصبيبة (5)- و كان بها أحد خدامه، و قد كاتبه- فوصل إليها و فتح له الباب، فدخلها و استقرّ بها.

و تسلّم الملك الناصر داود بعلبك من الحميدى، و تسلم بصرى و صرخد. ثم قبض عليه الملك الناصر يوسف بعد ذلك- فى ثانى شعبان من السنة. و ذلك أن السلطان كان قد مرض و نزل بالمزّة (6)، و نزل الناصر داود بالقصر بالقابون‏ (7)، فأرسل إليه الأمير ناصر الدين القيمرى و نظام الدين بن المولى، فأحضراه إلى المزّة، و ضربت له خيمة و اعتقل بها.

____________

(1) سرادق كبير.

(2) الجوسق: القصر.

(3) أى إقطاعاتهم التى يتناولون منها مرتباتهم.

(4) ضاحية بدمشق. سبق ذكرها غير مرة.

(5) هى قلعة بانياس، من أرض دمشق.

(6) قرية وسط بساتين دمشق، بينهما نصف فرسخ.

(7) موضع بينه و بين دمشق ميل واحد، وسط البساتين.

369

و اختلف فى سبب القبض عليه: فنقل أنه كان قد طلب من السلطان دستورا إلى بغداد، فأذن له و أعطاه أربعين ألف درهم، فانفقها فى الجند و عزم على قصد الديار المصرية. و قيل: إن الملك الصالح إسماعيل جاءه كتاب من الديار المصرية، فأوقف الأتابك شمس الدين لؤلؤ عليه. و أخبر القاصد أنه أحضر إلى الناصر داود كتابا، فسئل عن ذلك، فأنكره. فنقم عليه السلطان بسبب ذلك. و قيل: بل أشار عليهم الملك الصالح إسماعيل بالقبض عليه، و قال أنتم ما تعرفونه، نحن نعرفه. و أنتم على قصد الديار المصرية، و المصلحة أن لا نتركه خلفنا، و لا نستصحبه.

فقبض عليه، و اعتقل بالمزّة أياما. ثم نقل فى قلعة حمص، و اعتقل بها. و أسكن أهله و والدته و أولاده فى خانقاه الصوفية، التى بناها شبل الدولة كافور الحسامى. ثم نقل إلى البويضا- و هى قرية قبلى دمشق، كانت تكون لعمّه الملك المعزّ مجير الدين يعقوب بن العادل. و توفى بها، كما تقدم.

370

ذكر توجه رسول السلطان الملك الناصر يوسف إلى الديوان العزيز ببغداد، و ما جهزه صحبته من الهدايا و التقادم، و ما أورده الرسول فى الديوان العزيز من كلامه‏

و لما استولى الملك الناصر على دمشق، جهز الصاحب كمال الدين أنا حفص عمر بن أبى جرادة- المعروف بابن العديم‏ (1) إلى الديوان العزيز (2).

قال تاج الدين على بن أنجب- المعروف بابن السّاعى- فى تاريخه:

كان وصول كمال الدين بن أبى جرادة إلى بغداد، فى شعبان، سنة ثمان و أربعين فأكرم، و خرج إلى لقائه موكب الديوان العزيزى، مصدّرا بعارض الجيش، مجنّحا بخادمين من خدم الدار العزيزة. فالتقاه ظاهر البلد، و دخل معه. و قبّل صخرة باب النّوبى على العادة، و انكفأ إلى حيث أنزل‏

____________

(1) هو كمال الدين عمر بن أحمد بن هبة اللّه ... بن أبى جرادة عامر بن ربيعة ... العقيلى الحلبى الفقيه الحنفى، الكاتب المعروف بابن العديم. مولده بحلب سنة 586. و سمع الحديث من أبيه و عمه، و حدّث بالكثير فى بلاد متعددة. و درس و أفتى و صنف. كان إماما عللا فاضلا. و هو أحد الرؤساء المشهورين و العلماء المذكورين و جمع لحلب تاريخا كبيرا فى غاية الحسن. و تاريخ وفاته سنة 665 ه.

(النجوم الزاهرة: ج 7- 208- 209)

(2) هو ديوان الخلافة ببغداد. و الخليفة إذ ذاك كان هو «المستعصم باللّه».

371

و حضر- فى اليوم الثالث من قدومه- دار الوزير، و أدى رسالته.

و عرض ما صحبه من تحف و هدايا. و من جملة ذلك: دار خشب بديعة الصنعة، و خمسة و عشرون‏ (1) جملا، و عشرة أرؤس من الدواب: منها أربع بغلات، و بقيتها من جياد الخيل، مجلّلة بالأطلس [و زرديات‏ (2) و خوذ- عمل الفرنج- و مائة و خمسين طقشا (3)، و ثلاثمائة ترس لليد، و عشرين ثوبا سقلاط (4). و من الثياب: الأطلس‏] و الرّوسى و الخطائى‏ (5) و المموّج، و مقاصير و نقايير و خياشى مذهبة، و حريرى ألف و خمسمائة قطعة، و صناديق بها أوانى ذهب و فضة مجوهرة، و ثلاثمائة مجلّد بخطوط منسوبة، و أصول صحيحة الضّبط، و مصحف كريم بخط ابن الخازن، و كتب عليه من نظمه قوله:

«و عليكم نزل الكتاب و فيكم‏ * * * و إلى ربوعكم نحنّ و نرجع»

____________

(1) فى النسختين: «و عشرين».

(2) ما بين الحاصرتين غير موجود فى النسخة (ك)، فأثبتناه من النسخة الأخرى (ع).

(3) هكذا رسمها و ضبطها فى (ع)، و الكلمة ليست عربية، و لكنها- فيما يبدو- فارسية، معناها: الكنانة أو الجعبة التى توضع فيها السهام، أصلها تركاش أو طركاش.

(انظر الكلمة الأخيرة فى: السلوك- زيادة ج 1- ص 371 ق 2)

(4) سبق تفسيره. و هى ثياب صوفية، كانت ترد من الخارج.

(5) نسبة إلى بلاد الخطا، من بلاد الترك فى أواسط آسيا.

372

قال: و كان قد جلس له الوزير فى الشّبّاك العالى، و جلس بين يديه على الصّفّة الطويلة، ظاهر الشباك، حاجبا باب النّوبى- و ذكر جماعة.

قال: ثم أذن للرسول فى الدخول، و جلس إلى جانب حاجب باب النّوبى. و قرأ القرّاء، ثم نهض الرسول، و خطب خطبة بليغة من إنشائه قال ابن أنجب: و كنت حاضرا و من خطّه الرائق نقلتها، و هذه نسختها:

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ»* الحمد للّه الذى أسبغ علينا جزيل النّعمة. و دفع عنا وبيل النّقمة.

و منّ علينا بالخلفاء الراشدين، و الأئمة المهديّين و جعلنا باقتفاء آثارهم و الاهتداء بأنوارهم خير أمّة.

أحمده على هباته السنيّة، و صلاته الهنيّة، و مننه التى لا تحصى بحدّ و نعمه التى لا تستقصى بعدّ- حمد من لزمه الحمد و وجب. و تمسك من الطريقة المثلى بأقوى سبب. و أحلّنا اللّه دار المقامة من فضله، لا يمسّنا فيها نصب.

و أشهد أن لا إله اللّه وحده، شهادة من أزال عنه الشكّ و نفى، و خلص منه الإيمان و صفا. و تبوّأ من منازل الفوز غرفا، و اكتسب بطاعة إمامه فخرا و شرفا. و أشهد أن محمدا عبده المصطفى المجتبى، و رسوله‏

373

الذى اقتعد ذروة الشّرف و احتبى. و تبوّأ على المقامات رتبا، و فضل العالمين أصلا و نسبا- صلى اللّه عليه و على آله و أصحابه، ما هبّت شمال و صبا.

و الصلاة و السلام على قسيم النّبىّ فى النّسب، و شريكه فى مدارج الفخار و الرّتب. واحدىّ ما له من المناقب و الحسب: خليفة اللّه فى أرضه.

القائم بسننه و فرضه. المستخرج من عنصر النبوة، المخصوص بفضيلتى.

العلم و الأبوة:

إمام الزمان، المتهجّد بتلاوة القرآن. الذى هجر فى حفظ دين اللّه و سنه‏ (1). و دعا إلى سبيل ربه بالحكمة و الموعظة الحسنة. ذى الفضل المبين، و الحقّ اليقين. الإمام الأوّاه: المستعصم باللّه، أمير المؤمنين‏ (2) لا زالت جباه الملوك العظماء بثرى عتباته الشريفة موسومة. و أرزاق العباد بما جرى من أوامره اللطيفة مقسومة. و الأقضية و الأقدار جارية بما يوافق حكمه و مرسومة. و الأقذية و الأقذار بطول بقائه منفيّة محسومة:

ما ذا يقول الذى يتلو مدائحه‏ * * * و قد أتتنا بها الآيات و السّور

إن قال، فالقول يفنى دون غايتها * * * و إن أطال، ففى تطويله قصر

خليفة اللّه، لا تحصى مناقبكم‏ * * * إنّ البليغ بها فى حصرها حصر (3)

____________

(1) الوسن: النعاس، أو النوم.

(2) هو الخليفة «المستعصم»: آخر الخلفاء العباسيين ببغداد (640- 656). و كان وصول ابن العديم إلى ديوانه فى عام 648 ه.

(3) حصر: أى عيسىّ.

374

أما الشفاعة عنكم فى المعاد لنا * * * لذى الكبائر و الزّلّات تدّخر

أما النّدى من نداكم جاد صيّبه‏ (1) * * * من بعد ما ضنّ، فاستسقى به عمر (2)

فالغيث فى هذه الدنيا لنا بكم‏ * * * و الغوث نرجوه فى الأخرى و ننتظر

و بعد: فإن اللّه- و له الحمد- جعل لنا أئمّة خيرة، راشدين بررة.

يهتدى بهداهم، و يجتدى‏ (3) نداهم. دفع عنّا الشّبه و الياس، و رفع بهم النّقمة و الالتباس. و آخر نسل عمّ نبيّه العبّاس. من تمسك بهداهم اهتدى.

و من حاد عن طريقهم حادّ (4) اللّه و اعتدى. بحبّهم يدرك الأمل و السّول.

و طاعتهم مقرونة بطاعة اللّه و الرسول. تعظيمهم واجب مفترض و بموالاتهم يدرك الفوز و الغرض. أقرب الناس إلى اللّه من هو فى ولايتهم عريق، و أولاهم بالنجاة من هو فى بحر محبّتهم غريق.

و لما كان عبد الديوان العزيز: يوسف بن محمد بن غازى- المستعصمى‏ (5)- ممّن تقمّص بلباس هذه الأوصاف، و تخصص باقتباس هذه الشّيم الشّراف. و تردّى بالتمسك فى هذه الحلّة الجميلة، و تبدّى بالتّنسّك بهذه الخلّة الجليلة. و اغتدى متقلّبا فى صدقات الدّيوان. و اغتذى‏

____________

(1) الصّيّب: المطر المنهمر.

(2) يشير هنا إلى حادث تاريخى، و هو أن الخليفة عمر بن الخطاب عند ما أصاب الناس الجدب، خرج فصلى صلاة الاستسقاء، و استشفع بالعباس عم النبى- (عليه الصلاة و السلام) فأجاب اللّه دعاءهم. و العباس هو جد الخلفاء العباسيين.

(3) يطلب.

(4) شاقق.

(5) نسبة إلى الخليفة «المستعصم» علامة على الولاء.

375

من نعمه بلبان الإحسان، و ورث ولاء هذا البيت النبوى الفاخر، كابرا عن كابر، و أصبح أوّلا فى العبوديّة، و إن أمسى زمنه الآخر. و كان أحقّ العبيد بأن يقبل- لسلفه سوالف الخدم. و أولاهم بأن يسبل عليه معاطف أذيال الجود و الكرم- أحبّ أن تظهر عليه آثار هذه النّعمة، و أن يدرك بها الفضل فى الدنيا، كما يرجو فى الآخرة الرّحمة.

فارتاد من رعيّته من يقوم مقامه فى تقبيل الأرض، و يقف عنه هذا الموقف الجميل لأداء الفرض. و وجد هذا العبد المملوك- الماثل بين يدى مولانا: سلطان الوزراء و سيد الملوك- أقدمهم فى ولايات هذه الدولة النّبويّة المعظّمة أصلا، و أبلغهم فى موالاة المواقف المقدسة المكرمة نسلا، و أصلبهم، عند العجم‏ (1) فى دعوى الرّقّ و الولاء عودا. و أثبتهم فى التّعلّق بدولة الحقّ و الانتماء عمودا. فندبه إلى المسير إلى دار السلام.

و النيابة عنه فى هذا المقام. و الطّواف حول كعبة الرجاء و الاستلام. و إنهاء ما تجدّد من الأحوال بمصر و الشّام. و أن يضرع إلى عواطف الإفضال، و مشارع النّوال. و يخضع لمواقف الآمال، و شوارع الإقبال فى أن يحفظ له حقّ الآباء و الجدود.

و قد وقف العبد المملوك عنه فى هذا الموقف الجليل، و حجّ عن فرضه إلى كعبة الجود و التّأميل. و حظى باستلم حجر ركنها و فاز بالتّقبيل. و يودّ مرسله لو فاز به أو استطاع إليه سبيل. فإنه قد حصل للعبد من القبول و الثواب. ما أفاء على الأمل و زاد على الحساب. و تصدّق عليه من الديوان‏

____________

(1) عجم العود: اختبار مدى صلابته.

376

العزيز بصدقة، يبقى فخرها فى الأعقاب. و لا ينسخ حكمها مرّ السّنين و الأحقاب. و اللّه تعالى يسبغ ظلّ الديوان العزيز على كافّة أوليائه. و يمتّعهم بدوام اقتدار سلطانه و طول بقائه. و يوزعهم‏ (1) شكر مولانا سلطان الوزراء و جزيل آلائه. و يتولّى حسن مجازاته عنهم، فإنهم عاجزون. و الحمد للّه رب العالمين. و صلّى اللّه على سيدنا محمد و آله و صحبه، و سلم تسليما.

قد سيّر عبد الديوان العزيز: يوسف، إلى الخزائن المقدسة، و المواطن التى هى على التقوى مؤسّسة- خدمة على يد أقلّ مماليك الديوان و عبيده من طارف إنعام الديوان العميم و تليده، و سالف الإحسان القديم و جديده. و هو يضرع إلى العواطف الرحيمة، و يسأل من الصّدقات العميمة، أن ينعم عليه بقبولها، و التّقدّم بحملها إلى الخزائن الشريفة و وصولها، و أن يكسى بذلك فخرا لا يبلى جدّته مرّ الليالى و الأيام. و لا يذهب نضرته كرّ السّنين و الأعوام. و السلام.

فعند ذلك، أذن الوزير مؤيّد الدّين بن العلقمى فى إحضار الهدايا و المدّ، المقدّم ذكره، فأدخل شيئا فشيئا- و الرسول قائم- إلى أن أحضر جميعه، و عرف قبوله. ثم انكفأ إلى منزله، و استحسن إيراده، و استجيد إنشاده و زيد فى احترامه، و بولغ فى إكرامه‏

____________

(1) يلهمهم‏

377

[الحرب بين الملك الناصر و الملك المعز]

و فى سنة ثمان و أربعين و ستمائة- أيضا- كانت الحرب بين الملك الناصر، و الملك المعز صاحب الديار المصرية.

و ذلك أنه لما استقر له ملك دمشق، و أضافها إلى ما بيده، حسّن له أتابكه- شمس الدين لؤلؤ- و الأمراء القيمريّة، أن يقصد الديار المصرية، و ينتزعها من الملك المعزّ: عزّ الدين أيبك التّركمانى. و كان شمس الدين لؤلؤ- المذكور- يستقلّ عساكر الديار المصرية، و يقول: أنا آخذ الديار المصرية بمائتى قناع‏ (1)!.

فسار بجيوشه إليها، فخرج إليها الملك المعزّ بالعساكر المصرية. و التقوا و اقتتلوا بمنزلة الكراع‏ (2)، بالقرب من الخشبى‏ (3). فكان الظفر له أوّلا، و بلغت الهزيمة بالعسكر المصرى إلى القاهرة. و منهم من فرّ إلى جهة الصّعيد و ذلك فى يوم الخميس، العاشر من ذى القعدة من السنة. و اتصل خبر الهزيمة بمن بقلعة الجبل، فخطب للملك الناصر بها- فى يوم الجمعة الحادى عشر من الشهر.

____________

(1) يقصد: بمائتى امرأة القناع هو ما تتقنع به المرأة.

(2) حدّدها المقريزى بأنها واقعة بين العباسة و السدير.

(سلوك- ج 1. ق 2- 374)

(3) أول الجفار (المنطقة الرملية) من ناحية مصر (أى للقادم إلى مصر)، بينه و بين الفسطاط ثلاث مراحل.

فيه خان.

(معجم البلدان: ج 3- 441) و هو بين بلبيس و الصالحية، يعرف اليوم بالسعيدية.

(سلوك زيادة: ج 1. ق 2- ص 374)

378

و لما حصلت هذه الهزيمة على العسكر المصرى، ثبت الملك المعز فى نحو ثلاثمائة فارس أبطال أصحابه. و حمل بهم على الصّناجق الناصرية، رجاء أن يكون الملك الناصر تحتها، فيظفر به. و كان الملك الناصر قد احتاط لنفسه و اعتزل المعركة، و تحيّز إلى فئة. فرجع إلى الشام- و صحبه نوفل الزّبيدى، و على السّعدى. و كان من انهزام عساكره و تمزيق جيوشه، و قتل أتابكه، ما نذكره فى أخبار الملك المعز- جريا على القاعدة.

و كان الأتابك شمس الدين لؤلؤ قد أسر، فأراد الملك المعز إبقاءه، و أشار عليه بذلك الأمير حسام الدين بن أبى على، و قال: لا تقتله، فإنك تأخذ به الشام. فقال الأمير فارس الدين أقطاى: هذا الذى يقول: إنه يأخذ مصر بمائتى قناع! فضربوا عنقه!. و كان- (رحمه الله تعالى)- أرمنىّ الجنس، صالحا عابدا، يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر. و قتل و قد ناف على ستين سنة.

و لما حصلت هذه الوقعة، تأكّدت أسباب الوحشة بين الملكين:

الناصر و المعزّ، و ثارت الفتن بينهما. و تجرّدت الجيوش من كل من الطائفتين مقابلة الأخرى، إلى أن قدم الشيخ نجم الدين البادرائى رسول الخليفة، فأصلح بين الملكين. و وقع الاتفاق على أن يأخذ الملك المعز من الملك الناصر القدس و غزّة، و جميع البلاد الساحلية، فتسلّم ذلك. و حلف كلّ من الملكين للآخر. ثم استعاد الملك الناصر ذلك من الملك المعزّ، لمّا التحق بها لأمراء البحريّة عند هربهم من الديار المصرية، بعد مقتل الأمير فارس الدين أقطاى- على ما نذكر ذلك- إن شاء اللّه تعالى. فلنذكر خلاف ذلك من أخباره.

379

ذكر اتصال السلطان الملك الناصر بابنة السلطان علاء الدين كيقباذ

و فى سنة اثنتين و خمسين و ستمائة، وصلت الخاتون الكبرى، ابنة السلطان علاء الدين كيقباذ السّلجقى‏ (1)- صاحب الروم‏ (2)، و أمّها ابنة السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب- صحبة الشريف عز الدين المرتضى- و كان السلطان قد عقد نكاحها قبل ذلك، فزفّت إليه الآن. (3) و وصلت إلى دمشق، و احتفل لها احتفالا عظيما، و تلقاها القضاة و الأكابر، و قدّموا لها التّقادم‏ (4) الكثيرة، و تجمّل الملك الناصر لقدومها تجمّلا، (5) لم ير الناس مثله.

و فى هذه السنة، توفى الملك القاهر: نصرة الدين بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب- و هو عمّ والد الملك الناصر. و كانت وفاته بحلب- (رحمه الله تعالى).

____________

(1) هو علاء الدين كيقباذ، بن غياث الدين كيخسرو، بن علاء الدين كيقباذ.

(السلوك للمقريزى. ج 1- ق 2- 408) و وفاته سنة 655 ه. فهو حفيد علاء الدين كيقباذ، الذى كان معاصرا للملك الكامل، و سبقت أخباره معه فى المتن.

(2) أى الدولة السلجوقية التى كانت ببلاد الروم (أى بآسيا الصغرى).

(3) كان الملك الناصر يوسف بن العزيز قد عقد له (فى سنة 635) على ملكة خاتون أخت كيخسرو، و هى بنت السلطان علاء الدين كيقباذ (الذى كان معاصرا للملك الكامل). و أم ملكة خاتون هذه هى بنت الملك العادل أبى بكر بن أيوب، كان قد زوجها الملك المعظم عيسى بن العادل- صاحب دمشق- من السلطان كيقباذ المذكور.

(أبو الفداء: المختصر فى أخبار البشر: ج 3- ص 162)

(4) ج: تقدمه. و هى الهدية.

(5) أى أقام الزينات و المظاهر، التى تدل على بالغ الاحتفاء و الكرم.

380

و فى سنة أربع و خمسين و ستمائة:

فتحت المدرسة الناصرية، التى عمرها الملك الناصر داخل باب الفراديس‏ (1) بدمشق، و ذكر بها الدرس بحضرة السلطان.

و فيها شرع الملك الناصر فى عمارة تربته و رباطه، غربىّ قاسيون.

و فيها وصل الشيخ نجم الدين البادرائى‏ (2) رسولا من جهة الخليفة، إلى دمشق. فرتّب له فى كل يوم مائة دينار، و الإقامات الوافرة. و بنيت له المدرسة البادرائيّة بدمشق- و كانت قبل ذلك الدار المعروفة بأسامة.

و فيها- أيضا- كانت وفاة الملك المعزّ مجير الدين يعقوب، بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب. و دفن بتربة والده بالمدرسة العادلية بدمشق، و حضر السلطان جنازته و غلق البلد. و خلّف ولدين و هما: شهاب الدين غازى المعروف بالأسود، و سيف الدين أبو بكر، و ابنة- (رحمه الله).

و فيها كانت وفاة الشيخ الإمام، العالم الواعظ، شمس الدين أبى المظفّر يوسف بن قزغلى: سبط الشيخ جمال الدين أبى الفرج بن الجوزى.

كان والده قزغلى تركيّا من عتقاء الوزير عون الدين بن هبيرة (3)، زوجه أبو الفرج بن الجوزى ابنته، فولدت شمس الدين هذا، فنسب إلى جدّه، لا إلى أبيه.

____________

(1) باب من أبواب دمشق.

(2) ذكرنا من قبل أن هذه نسبة إلى «بادرايا»- بالدال- و هى قرية كبيرة بنواحى واسط بالعراق.

(3) هو الوزير عون الدين بن هبيرة الشيبانى. ولد بالعراق سنة 497 ه بقرية تعرف الآن بدور الوزير، نسبة إليه. دخل بغداد فى صباه، و اشتغل بالعلم و جالس الفقهاء و سمع الحديث، و قرأ النحو و اطلع على أيام العرب، و قرأ الأدب و لازم الكتابة و تعلم صناعة الإنشاء. و فى سنة 542 تولى كتابة ديوان الزمام، ثم ترقى إلى الوزارة سنة 544، و ذلك للخليفة المقتفى، ثم للمستنجد، و توفى سنة 560 ه.

(وفيات الأعيان: ج 5- 274)

381

و كانت وفاته بدمشق فى ليلة الثلاثاء، حادى عشر ذى الحجة، بمنزله بقاسيون، و دفن هناك. و مولده فى سنة إحدى و ثمانين و خمسمائة ببغداد.

و شهد السلطان جنازته. و كان كريما على الملوك الأيوبية، تقدّم من أخباره ما يدلّ على ذلك. و له مصنّفات منها: «مرآة الزّمان»- (رحمه الله تعالى).

و فى سنة ست و خمسين و ستمائة:

كانت وفاة الأمير سيف الدين: على بن عمر بن قزل التّركمانى، الياروقى، المصرى المولد و المنشأ، الدّمشقى الوفاة، المعروف بالمشدّ (1).

و دفن بقاسيون. و مولده فى شوال سنة اثنتين و ستمائة. و كان فاضلا أديبا. و له ديوان شعر مشهور- (رحمه الله تعالى).

و فيها توفى الشيخ محيى الدين: محمد بن على بن محمد بن أحمد، الطائى الحاتمى، المعروف بابن العربى، بدمشق- فى ثانى جمادى الآخرة، و دفن بقاسيون. و مولده فى سابع عشر رمضان، سنة ثمان عشرة و ستمائة.

ذكر سياقة أخبار الملك الناصر و مراسلته هولاكو، و غير ذلك من أحواله- إلى أن قتل- (رحمه الله)

قالوا: و لما اتّصل بالملك الناصر صلاح الدين ما ذكرناه، من أخبار هولاكو (2)، و استيلائه على الممالك، و تقدّم جيوشه، ارتاع لذلك و سقط

____________

(1) ذكرنا من قبل أن وظيفة المشد معناها: مراقب حسابات الدواوين.

(2) قائد التتر المشهور، و هو حفيد «جنكزخان» مؤسس دولتهم. فهو هولاكو بن تولى بن جنكزخان. و هو الذى زحف على فارس و العراق.

382

فى يده. و كان قبل ذلك قد تغافل عن مراسلة هولاكو منذ وصل إلى العراق، فاستدرك الفارط، و جهّز ولده الملك العزيز إلى خدمته، و بعث معه كتابا إلى بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، و التمس منه أن يحسن السّفارة بينه و بين هولاكو، و يعتذر عنه. و كتب علاء الدين بن يعيش- كاتب الملك الناصر- كتابا إلى صاحب الموصل، يذكر أنه سيّر ولده إلى خدمة هولاكو، و استشهد فيه بقول الشاعر:

و الجود بالنفس أقصى غاية الجود ..

فقال الملك الناصر: لو استشهدت ببيتى أبى فراس كان أنسب.

فقال: و ما هما؟ قال: قوله:

فدى نفسه بابن عليه كنفسه‏ * * * و فى الشّدّة الصّمّاء تفنى الذّخائر

و قد يقطع العضو النّفيس لغيره‏ * * * و يدفع بالأمر الكبير الكبائر

فأصلح الكاتب الكتاب.

و توجه الملك العزيز بالهدايا النفيسة و التّحف، و؟؟؟ الملك الناصر زين الدين الحافظى و الأمير سيف الدين الجاكى، و جماعة من الحجّاب- و ذلك فى سنة خمس و خمسين و ستمائة.

فلما وصلوا إلى هولاكو و قدّموا التقادم، سأل عن سبب تأخر الملك الناصر عن خدمته. فاعتذروا أن الفرنج بجوار بلاده، و أنه خشى إن فارقها أن يستولى عدوّه عليها، و أنه سيّر ولده ينوب عنه. فأظهر هولاكو قبول العذر- و باطنه بخلاف ذلك- و أعادهم. و كان وصولهم إلى الملك الناصر فى سنة سبع و خمسين و ستمائة.

383

فعرّف الزين الحافظى الملك الناصر أن هولاكو أقبل عليهم، و أحسن إليهم. فقال بعض الأمراء، الذين كانوا فى صحبة الملك العزيز: ليس الأمر كذلك، و إنما الزّين الحافظىّ كان يتردد إلى هولاكو و يجتمع به سرا، و أطمعه فى البلاد. و كان الأمر كذلك.

و فى خلال ذلك، وصل الأمراء الشّهرزوريّة (1) إلى الشام، عند انهزامهم من هولاكو- و كانوا نحو ثلاثة آلاف فارس. فأشار الأمراء القيمرية باستخدامهم، ليكثر بهم جمعه و يستظهر بهم على أعدائه. فاستخدمهم، و أنعم عليهم و أحسن إليهم، و وصلهم بالأموال، و هم لا يزدادون إلا طلبا.

ثم بلغه عنهم أنهم مالوا إلى الملك المغيث صاحب الكرك، فزاد فى الإحسان إليهم، فلم يفد ذلك فيهم. ثم فارقوه، و قصدوا الملك المغيث و اتصلوا به. فاجتمع عنده البحريّة و الشّهرزوريّة، فقويت نفسه و طمع فى أخذ دمشق، و كاتب جماعة من الأمراء الناصرية و كاتبوه.

فاتصل ذلك بالملك الناصر، فأنعم على أمرائه و طيّب خواطرهم، و جدّد عليهم الأيمان. فامتنع جماعة من الأمراء العزيزية- مماليك والده- من الحلف، فزادهم و بالغ فى الإحسان إليهم، و لم يكلّفهم اليمين.

____________

(1) نسبة إلى شهرزور. و هى كورة واسعة فى الجبال، بين إربل و همذان، فيها مدن و قرى إحداها- و هى مدينة كبيرة- هى قصبتها. و أهل هذه النواحى أكراد.

(معجم البلدان: ج 5- 312) فهؤلاء الأمراء الشهرزورية الذين هجروا بلادهم و انتقلوا إلى الشام، هربا من هولاكو- كانوا إذن من الأكراد.

384

ثم بلغه أن الملك المغيث خرج من الكرك لقصد دمشق. فخرج بعساكره فى أوائل سنة سبع و خمسين، و نزل ببركة زيزا (1)، و خيّم بها نحوا من ستة أشهر. ثم وقع الصلح بين الملكين. و حصل الاتفاق على أن يسلم الملك المغيث إليه البحريّة، فسلّم إليه من نذكره منهم.

و عاد إلى دمشق. فلما استقر بها، بلغه أن هولاكو وصل إلى حرّان، و نازلها بعساكره. فاستشار الأمراء فيما يفعله. فأشاروا عليه أن يخرج بالعسكر الشامى إلى ظاهر دمشق، و صمموا على قتال هولاكو. فخرج بعسكره و خيموا بظاهر برزة (2). فصار نجم الدين الحاجب و الزّين الحافظى- و جماعة معهما- يذكرون شدة عزم هولاكو، و يعظّمون أمره، و يقولون: من الذى يلتقى مائتى ألف فارس؟! فضعفت نفسه عن ملاقاته.

ثم بلغه أن هولاكو ملك قلعة حرّان، و أنه عزم على عبور الفرات إلى جهة الشام، و منازلة حلب. فازداد ضعفا إلى ضعفه. فاجتمعت آراء الأمراء و العساكر أن يسيّروا نساءهم و أولادهم إلى الديار المصرية، و يقيمون ثم فى خدمة الملك الناصر جرائد، ففعلوا ذلك. و بعث الملك الناصر زوجته: ابنة السلطان علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو السّلجقى صاحب الروم- و كان قد تزوج بها فى سنة تسع و أربعين و ستمائة- إلى الديار المصرية، و بعث معها ولده و أمواله و ذخائره. و كذلك فعل جميع أمرائه و أجناده،

____________

(1) زبزاء. قرية كبيرة من البلقاء، ينزل عليها الحجاج و يقام لهم سوق. و فيها بركة عظيمة (و أصل اللفظ فى اللغة المكان المرتفع).

(معجم البلدان: ج 4- 424)

(2) فى غوطة؟؟؟ سبق ذكرها مرارا

385

و صار الجند يتوجهون بنسائهم على أنهم يوصلونهم و يرجعون، فمنهم من يعود، و منهم من لا يعود. فتفلّلت العساكر و تفرقت الجنود، و ضعفت النفوس. و لم يبق مع الملك الناصر إلا جماعة من أمرائه جرائد (1).

و نازل هولاكو مدينة حلب فى المحرم، سنة ثمان و خمسين و ستمائة.

و فتحها عنوة. و سفك فيها من الدماء ما لم يسفك مثله، ببلاد العجم! و أسر التتار من النساء و الصبيان ما يزيد على مائة ألف.

ثم فتح قلعة حلب، فى حادى عشر ربيع الأول من السنة، و أخذ جميع ما فيها. و أسر أولاد الملك الناصر و أمهاتهم. و خرج إليه الملك المعظم تورانشاه بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب- و كان شيخا كبيرا- فلم يتعرض هولاكو إليه، و أمّنه على نفسه. و مات الملك المعظم بعد أيام يسيرة. و استمرّ هولاكو بالوزير (2) المؤيد بن القفطى، على حاله.

فورد الخبر على الملك الناصر بأخذ حلب، و هو نازل على برزة.

فاستشار الأمراء، فأشاروا عليه أن يتأخر إلى غزّة، و أن يكاتب الملك المظفر قطز و يستدعيه بعساكر الديار المصرية، ليجتمع الكل على لقاء هولاكو، و دفعه عن البلاد.

____________

(1) أى فئات قليلة من الخيّالة. بغير عدة ثقيلة. ج جريدة

(2) هذا تعبير مألوف فى ذلك العصر، أى أبقى الوزير فى منصبه و أقره عليه‏

386

فعمل برأيهم. و رحلوا يوم الجمعة بعد الصلاة، منتصف صفر، سنة ثمان و خمسين و ستمائة. فانقضت مملكة الملك الناصر فى ذلك اليوم.

و كانت مدة ملكه بحلب ثلاثا و عشرين سنة، و سبعة أشهر، و مدة ملكه منها بدمشق عشر سنين، إلا خمسين يوما. و نزل الملك الناصر بمن معه على غزة، و أقام بها.

و لما توجه الملك الناصر، دخل الزّين الحافظى‏ (1) إلى دمشق و جمع أكابرها، و اتفقوا على تسليم دمشق لنوّاب هولاكو، و أن يحقنوا دماء أهلها.

فتسلمها فخر الدين المردغاوى و ابن صاحب أرزن و الشريف على- و كان هؤلاء رسل هولاكو إلى الملك الناصر- و كانوا عنده بظاهر دمشق: فلما دخلوا إليها و تسلموا قلعتها، كتبوا بذلك إلى هولاكو. فسير إليها المان التترى و علاء الدين الكازى العجمى، نوّابا، و أمرهما هولاكو أن لا يخرجا عن إشارة الزّين الحافظى. و أوصاهما بالإحسان إلى أهل دمشق.

ثم بلغ هولاكو وفاة أخيه منكوقان‏ (2)، فعاد من حلب- كما قدمناه فى أخباره.

____________

(1) اسمه «سليمان بن على بن عامر العقربانى، المعروف بالزين الحافظى. كان أبوه خطيب عقر، من قرى دمشق. اشتغل بالطب حتى مهر فيه، و خدم به أرسلان شاه بن العادل صاحب جعبر، ثم انتقل إلى خدمة الناصر يوسف بحلب، فصارت له عنده يد و رفعة، و صار مكينا فى الدولة، و كان يرسل عنه إلى هولاكو، فاتصل بالتتار و أطمعهم فى البلاد، و عاد فهوّل الأمر على الناصر حتى هرب، فقام بأمر دمشق للتتار.

و سنرى مصيره فيما بعد، فى عهد السلطان قطز، حيث سيقتل هو و أولاده (السلوك للمقريزى ج 1- ق 2- 423)

(2) كان هو ملك التتر. و هو ابن تولوى بن جنكزخان. توّج و أعلن خانا أعظم، سنة 649 ه. فى مجمع رؤساء التتر. و فى ذلك المجمع قر الرأى على إرسال حملتين حربيتين: إحداهما إلى الصين بقيادة قوبيلاى، و الأخرى إلى بلاد فارس و ما وراءها بقيادة هولاكو. و كلاهما أخ لمنكوقان.

(السلوك- زيادة ج 1 ق 2- 383- حاشية 2)

387

و بعث كتبغانوين‏ (1) فى جيش كثيف إلى الشام فوصل كتبغا إلى دمشق، و أقام بها أياما، و رحل عنها إلى مرج برغوث‏ (2). ثم وصل الملك الأشرف صاحب حمص من عند هولاكو- و كان قد توجه إلى خدمته و هو بحلب- فعاد، و بيده مرسومة، أن يكون نائب المملكة بدمشق و حلب، و جميع البلاد الشامية.

فاجتمع بكتبغا فى مرج برغوث. فبعث إلى الزّين الحافظى و نواب دمشق بالاتفاق مع الملك الأشرف، على مصالح البلاد. ثم عصى بعد ذلك محمد بن قرمجاه، و جمال الدين بن الصّيرفى- نقيب قلعة دمشق- و أغلقوا أبواب القلعة. فحصرها كتبغا و من معه و قاتل قتالا شديدا، ثم تسلمها بالأمان. فكتب الزين الحافظى بذلك إلى هولاكو، فعاد جوابه بقتل محمد ابن قرمجاه و جمال الدين بن الصّيرفى. فقال كتبغا للزين الحافظى: أنت كتبت إلى هولاكو بسببهم، فاقتلهم أنت. فقتلهما الزين الحافظى صبرا، بيده و سيفه، بمرج برغوث.

و بعث كتبغا نوين جيشا إلى نابلس، و قدم عليهم كشلوخان، فمضى إليها، و بها فخر الدين إبراهيم بن أبى ذكرى، نائب السلطنة بها. فركب‏

____________

(1) كتبغا اسم القائد. أما نوين (و يضبط بكسر الواو، أو فتحها- و هو لفظ أعجمى فارسى على كل حال، و معناه: مقدم ألف- فهو يقرن بأسماء القواد، و يكثر وروده هكذا. و مرتبة صاحبه تقابل مرتبة نائب السلطنة أو الوزير.

(سلوك- ج 1- ق 2- 424) (و صبح الأعشى ج 6- ص 33)

(2) على مسافة يوم من دمشق.

(سلوك ج 1- 425- نقلا عن أبى شامة: الروضتين 384 و 495)

388

و معه الأمير على بن الشجاع الأكتع، و فخر الدين درباس المصرى و جماعة، فصادفهم كشلوخان فى زيتون نابلس، فقتلهم بأجمعهم.

قال: و لما اتصل بالملك الناصر و من معه من الأمراء وصول كشلوخان إلى نابلس و ما فعله، حملهم الخوف على دخول الرّمل‏ (1) فبلغ الملك المظفّر دخولهم، فتوهم أن ذلك مكيدة لتملك الديار المصرية. فكتب إلى الأمراء الناصرية و الشّهرزوريّة، يعدهم بالإكرام و الإحسان إن وصلوا إليه. ففارقوا الملك الناصر و مضوا إلى المظفر، أوّلا فأوّلا. و لم يبق مع الملك الناصر إلا الملك الصالح نور الدين إسماعيل بن صاحب حمص، و الأمير ناصر الدين القيمرى، و أخوه شهاب الدين، و ابن عمه شهاب الدين يوسف بن حسام الدين. فوصلوا إلى قطيا (2).

ثم خشى عاقبة دخوله إلى الديار المصرية، فعطف من قطيا، و سلك البرّيّة إلى الشّوبك بهم. فوصلوا إليها، و لم يبق لكل واحد منهم الا الفرس الذى تحته، و كل منهم فى نفرين أو ثلاثة، و قد نهبت خزائنهم و أموالهم و ذخائرهم و بيوتات الملك الناصر.

ثم توجه الملك الناصر بمن معه إلى الكرك. و أرسل إليه الملك المغيث ما يحتاج إليه من الخيل و الأقمشة و البيوتات و غير ذلك، و عرض عليه المقام عنده، و الانفراد بالشّوبك. و قصد مكافاته عن سالف إحسانه، فإنه كان‏

____________

(1) سبق تفسيره، و بينا أن هذا الاسم كان يطلق على المنطقة الرملية بين جدود الشام جنوبا و مصر، أى من العريش إلى العباسة أو الصالحية.

(2) أو «قطبة»: قرية فى الطريق بين مصر و جنوب الشام فى وسط الرمل قرب «الفرما» بيوت أهلها من جريد النخل، و عندهم سمك كثير لقربهم من البحر.

(ياقوت ج 7- 131)

389

قد أحسن إلى ولده الملك العزيز فخر الدين عثمان، لما توجه إليه إلى دمشق- على ما نذكره. فلم يجب الملك الناصر إلى ذلك، و مضى إلى البلقاء و أقام بأطراف البلاد.

و سير حسين الكردى الطّبردار إلى كتبغا نوين، يلتمس أمانه. و قيل:

بل حسين الكردى، لما شعر بالملك الناصر، توجه إلى كتبغا و أعلمه بمكانه.

فركب كتبغا بنفسه فى جيش كثيف إلى الملك الناصر و قبض عليه، و على من معه. فاعتقل الأمراء القيمرية بدمشق. و كان الملك الظاهر- أخو الناصر- نازلا على قلعة صرخد بحربها، بأمر هولاكو. فأمر كتبغا بطلبه، و قبض عليه. و جاء إلى قلعة عجلون و حاصرها- و الملك الناصر معه- و قدّمه إلى القلعة، فأمر من بها أن يسلّموها، فسلموها بعد امتناع.

ثم جهز الملك الناصر و أخاه الملك الظاهر، و الملك الصالح بن الملك الأشرف، صاحب حمص، إلى هولاكو- و صحبتهم الملك العزيز فخر الدين عثمان، بن الملك المغيث صاحب الكرك. فأخبرنى المولى الملك العزيز المشار إليه- مدّ اللّه فى عمره- أنهم توجهوا جميعا إلى هولاكو، و اجتمعوا به بتوريز (1). فأما الملك العزيز فأعاده بعد يومين أو ثلاثة، فوصل إلى دمشق- على ما نذكره. و أما الملك الناصر و ابنه الملك العزيز، و الملك الظاهر، و ابن صاحب حمص- فإن هولاكو أخّرهم عنده.

____________

(1) هى نفسها «تبريز»، و هذا نطق شائع لها و عرف ياقوت تبريز بقوله «هى أشهر مدن أذربيجان، و هى مدينة عامرة حسنة ذات أسوار محكمة، و فى وسطها عدة أنهار جارية. و البساتين محيطة بها. و كان بها كرسى بيت هولاكو من التتار.

(معجم البلدان: ج 2- 362)

390

قال: و بلغنى أنه سأله عن أحوال الديار المصرية و عساكرها، فهوّن أمرها عنده، و التزم له بفتحها، و حمل أموالها و أموال الشام إليه. و لم يزل يتلطف إلى أن أمر بعوده.

فلما رجع من عنده، لقيه من سلم من الجيش الذين كانوا مع كتبغا نوين، لمّا كسرهم الملك المظفر قطز. فقبضوا عليه و أعادوه معهم إلى هولاكو. و قالوا له: ما كان على عسكرك أضرّ من مماليك هذا، و مماليك أبيه. و هم الذين قاتلونا و قتلوا كتبغا نوين، و هزموا عساكرك. فأمر بضرب عنقه، و عنق ولده الملك العزيز، و أخيه الملك الظاهر، و ابن صاحب حمص- و ذلك فى سنة ثمان و خمسين و ستمائة.

و اجتمع الناس لعزائه بجامع دمشق فى سابع جمادى الأولى، سنة تسع و خمسين و ستمائة. و مولده بقلعة حلب فى يوم الأربعاء تاسع شهر رمضان، سنة سبع و عشرين و ستمائة.

و كان- (رحمه الله تعالى)- ملكا حليما كريما، لم يكن لأحد من الملوك قبله- فيما سمعنا- ما كان له من التّجمّل. فإنه كان يذبح فى مطبخه فى كل يوم، أربعمائة رأس من الغنم الكبار- خارجا عن الخراف الرّضّع و الأجدية و الدّجاج و الحمام. و كان الغلمان يبيعون فضلات الطعام بظاهر قلعة دمشق، بأبخس الأثمان، حتى استغنى أهل دمشق فى أيامه عن الطبخ فى بيوتهم.

حتى حكى عن علاء الدين على بن نصر اللّه، قال: جاء السلطان إلى دارى بغتة، و معه جماعة من أصحابه. فمددت له فى الوقت سماطا، فيه من‏

391

الأطعمة الفاخرة و الدجاج المحشو بالسكر و الحلويات شيئا كثيرا. فعجب من ذلك، و قال: فى أى وقت تهيّا لك هذا كلّه؟ فقلت: و اللّه هذا كله من نعمتك و سماطك، ما صنعت منه شيئا، و إنما اشتريته من عند باب القلعة.

و حكى مباشرو البيوت بدمشق أن نفقة مطابخه كانت فى كل يوم تزيد على عشرين ألف درهم. و كان إذا مات أحد من أرباب الوظائف فى دولته، و له ولد فيه أهليّة، فوّض ما كان بيده من المناصب لولده. فإن كان صغيرا استناب عنه إلى أن يصلح. و من مات من أرباب الرواتب و الصدقات، أقرّ ما كان باسمه باسم أولاده- (رحمه الله تعالى).

و كان له شعر رقيق جيد. فمن شعره قوله، يتشوق إلى حلب:

سقى حلب الشهباء فى كل لزبة (1) * * * سحابة غيث نوؤها ليس يقلع‏

فتلك ربوعى، لا العقييق و لا الغضا * * * و تلك ديارى، لا زرود و لعلع‏ (2)

إلا أنه كان ضعيف الرأى، شغلته الملاذّ و الشّعر و الغزل و تلحين الأقوال عن النظر فى أمر دولته. فآل أمره إلى ما ذكرناه.

هذا ما كان من أمر الملك الناصر- على سبيل الاختصار.

و بقى بعد مقتله عند التتار صغار أولاده، الذين أسروا من حلب، زمنا طويلا بعد أن هلك هولاكو. و مات بعضهم هناك. و بقى منهم ولده الصغير

____________

(1) هكذا فى (ع) و فى النجوم الزاهرة. و فى «القاموس»: اللّزبة: الشدة.

(2) هذه كلها أسماء مواضع فى جزيرة العرب، ترد فى الشعر الجاهلى، أو القديم.

392

نجم الدين أيوب، فحضر إلى الشام، ثم إلى الديار المصرية، و رتّب له راتب من جهة الملوك- أسوة أولاد الملوك الأيوبية. و هو باق إلى وقتنا هذا، مقيم بالقاهرة المعزّيّة- حماها اللّه تعالى.

و أما الملك المغيث فتح الدين عمر ابن السلطان الملك العادل، بن السلطان الملك الكامل، بن السلطان الملك العادل بن أيوب- صاحب الكرك و الشّوبك‏

فإنه لما قبض الأمراء على والده- كما قدّمنا ذكر ذلك- و ملك عمّه الملك الصالح نجم الدين أيوب الديار المصرية، مشى فى خدمته مدة. ثم رأى منه نجابة و نبلا و شهامة، فأمر باعتقاله فى الدار القطبيّة (1) عند عمّة السلطان و عمة والد الملك المغيث- و هى ابنة السلطان الملك العادل، أخت الملك الكامل- (رحمهم الله تعالى). فلم يزل عندها، إلى أن مات الملك الصالح و ملك ولده الملك المعظم تورانشاه. فأمر بإرساله إلى قلعة الشّوبك، و اعتقاله بها. و ندب لذلك الأمير عز الدين الحلّى، و الأمير سيف الدين بلبان النّجاحى، فتوجها به إلى الشّوبك، و اعتقلاه بها، و عادا إلى الديار المصرية.

____________

(1) نسبة إلى: قطب الدين أحمد بن الملك العادل، و هو أخو الكامل.

393

فما كان بأسرع من أن قتل الملك المعظم تورانشاه- كما ذكرنا- فلما اتصل خير مقتله بابن رسول، و شهاب الدين عمر بن صعلوك- و كانا متولّيى‏ (1) أمر الشّوبك- نهضا و أخرجا الملك المغيث من الاعتقال، و ملّكاه و حلفا له، و حلّفا من عندهما- و كانوا نحو عشرة- و حلّفاه بالوفاء لهم.

فأرسل إليهما بدر الدين بدر الصّوابى الخادم- النائب بقلعة الكرك- و أنكر عليهما إقدامهما على هذا الأمر بغير إذنه. فأرسلا إليه يقولان: بك فعلنا ذلك. فأعاد عليهما الجواب: إذا كان كذلك، فانقلاه إلى عندى فحلف للملك المغيث و حلف الملك المغيث له، و توثّق كلّ منهما من صاحبه بأكيد الأيمان. فانتقل الملك المغيث من الشّوبك إلى الكرك- فى سنة تسع و أربعين و ستمائة. و تسلّم ما بها من الخزائن، التى بقيت مما نقل إليها الملك الصالح نجم الدين أيوب- بعد ما أخذه الملك المعظّم منها فوجد بها تسعمائة ألف و تسعين ألف دينار عينا. و استمرّ بالكرك و الشّوبك، و رزق بها أولاده.

و راسل الملك الناصر صلاح الدين يوسف- صاحب دمشق و حلب- و أرسل إليه والده الملك العزيز: فخر الدين أبا المظفر عثمان، برسالة.

فأكرمه الملك الناصر و أبرّه و قرّبه، و أجلسه فى مجلسه بالقرب منه و رتّب له فى كل يوم ألف درهم، و أربعمائة جراية و أربعمائة عليقة، و غير ذلك، و نقّله فى مستنزهات دمشق، و أقام عنده نحو ثلاثة شهور. ثم ركّبه الملك الناصر بشعار السّلطنة، و أعاده إلى أبيه. و قد عامله بنهاية البر و غاية الإكرام.

____________

(1) فى (ع) و كانا متوب‏

394

و كان للملك المغيث أخبار، يأتى ذكرها فى أثناء دولة الترك.

و بعث الملك المغيث ولده العزيز الى هولاكو، يلتمس له أمانا. و جهز معه شهاب الدين بن صعلوك و النجيب خزاعة- و هما أعيان أصحابه.

فأخبرنى الملك العزيز أنه اجتمع بهولاكو بتوريز، فأمره بالجلوس، مع صغر سنه فى ذلك الوقت. فنظرت اليه الخاتون- زوجة هولاكو- و سألته بترجمان عن أمّه، و هل هى باقية أم لا؟ فقال: هى باقية عند أبى. فقالت للترجمان: قال له: تحبّ أن أردّك الى أبيك و أمك، أو تقيم عندى؟

قال: فأعدت عليها: أنه لا أمر لى فى هذا، و إنما أبى أرسلنى إلى القان‏ (1) يسأله الأمان لنفسه و لمن عنده، و أنا تحت أوامره. فنهضت قائمة و كلّمت هولاكو، و شفعت. فأشار إليها، فقالت: قد أعطاك القان أمانا لأبيك، و دستورا (2) بالعود!.

قال: فضربت له جوكا، و رجعت من عنده. و أرسل معى من التتار من يوصلنى إلى الكرك، و يكون بها شحنه‏ (3). قال: فلما وصلت إلى دمشق نزلت بدار العقيقى، و نزل التتار بمدرسة العادلية. و كان كتبغا نوين قد توجه للقاء العساكر المصرية. فكانت الكسرة على التتار- على ما نذكره.

قال: فاتصل الخبر بنا، فتحصّنا بدار العقيقى‏ (4). فلما كان فى نصف الليل رجع التتار هاربين. فقصدوا أخذى معهم، فمانع عنى من‏

____________

(1) هو نفسه لفظ (الخان).

(2) أى إذنا، أو تصريحا.

(3) كان يراد بها فى ذلك العصر: حامية المدينة.

(4) الشريف العفيفى، و هو أحد العلويين، توفى فى القرن الرابع. و مر ذكره. فالدار منسوبة إليه.

395

معى، و أعجلهم الهرب عن حصار الدار، فتركونى. قال: و لما جاء الأمير جمال الدين المحمّدى إلى دمشق- قبل وصول الملك المظفر قطز إليها- خرجت إليه و تلقيته، و سلمت عليه. فسأل عنى، فأخبر أننى ابن الملك المغيث، فعوّقنى إلى أن قدم السلطان الملك المظفر قطز. فأمر بإرسالى إلى قلعة الجبل.

فنقل إليها. فكان بها معوّقا فى برج، عند الأمير سيف الدين بلبان النّجاحى. إلى أن أعاده الملك الظاهر بيبرس إلى أبيه الملك المغيث- على ما نذكره إن شاء اللّه تعالى، فى أخباره.

و لم يزل الملك المغيث بالكرك و الشّوبك، إلى أن استولى الملك الظاهر على الشّوبك، لأربع بقين من ذى الحجة، سنة تسع و خمسين، عند ما جرّد إليها الأمير بدر الدين الأيدمرى. و بقى بيد الملك المغيث الكرك و أعمالها.

ثم حصل الاتفاق بين السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس و الملك المغيث، و حلف السلطان الملك الظاهر له يمينا مستوفاة، و أشهد عليه بما تضمنه مكتوب الحلف.

و قد شاهدت المكتوب. و هو بخط القاضى فخر الدين: إبراهيم بن لقمان- صاحب ديوان الإنشاء. و ما فيه من اسم السلطان بخطّ السلطان، و مثاله: «بيبرس».

و نسخة هذه اليمين- على ما شاهدته و نقلت منه:

396

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ»* أقول و أنا بيبرس. و اللّه و اللّه و اللّه، و تا للّه و تاللّه و تاللّه، و باللّه و باللّه و باللّه، العظيم الرحمن الرحيم، الطالب الغالب الضار النافع، عالم الغيب و الشهادة و السّر و العلانية، القائم على كل نفس بما كسبت، و المجازى لها بما احتسبت. و جلال اللّه و عظمة اللّه و كبرياء اللّه، و سائر أسماء اللّه الحسنى و صفاته العليا- إننى من وقتى هذا و ساعتى هذه، و ما مدّ اللّه فى عمرى، قد أخلصت نيّتى و أصفيت سريرتى، و أجملت طويّتى، فى موافقة المولى: الملك المغيث فتح الدين عمر، بن السلطان الشهيد الملك العادل سيف الدين أبى بكر، بن محمد، بن أبى بكر بن أيوب، و مصافاته و مودّته.

لا أضمر له سوءا و لا غدرا، و لا خديعة و لا مكرا لا فى نفسه و لا فى ماله، و لا فى أولاده، و لا فى مملكته و لا فى قلعته، و لا فى بلاده، و لا فى أمرائه، و لا فى أجناده، و لا فى غلمانه، و لا فى مماليكه، و لا فى ألزامه و لا فى عربانه، و لا فى رعيّته، و لا فيما يتعلّق به و ينسب إليه، من قليل و كثير.

397

و إننى و اللّه لا أعارضه و لا أشاققه، و لا آمر من يعارضه فى بلاده الجارية فى مملكته، و هى: قلعة الكرك المحروسة، و ربضها و سائر عملها، و الغور المعروف بغور زغر (1)- بكماله، و حدّ ذلك من القبلة الحسا، و من الشمال حد الموجب نصف القنطرة و المسيل، و من الشرق الثنيتين، و من الغرب السبخة المعروفة بأبى ضابط، و منتهى حد الغور المذكور من القبلة الكثيب الرمل المعروف بالدبة، و من الشمال الماء النازل من الموجب إلى البحيرة.

و إننى و اللّه لا آمر و لا أشير، و لا أكتب، و لا آذن بصريح و لا بكناية، و لا بقول لأحد، فى التعرض لبلاده المذكورة، و لا السعى فيها بفساد. و إننى و اللّه متى حضر المولى الملك المغيث فتح الدين عمر المذكور إلى خدمتى، عند حلولى بالشام المحروس، لمنازلة عدوّ يطرق بلادى، أو لعدو يطرق بلاده، لا أتعرض إليه بأذيّة، و لا أقصده بسوء فى نفسه و لا فى ماله و لا فى بلاده، و لا فى أمرائه و لا فى أجناده، و لا فى عربانه و لا فى مماليكه، و لا فى رعيته، و لا فيمن يصل صحبته من أصحابه.

____________

(1) ضبطها ياقوت بوزن زفر، و قال: «قرية بمشارف الشام. حدثنى الثقة أن زغر هذه فى طرف البحيرة المنتنة (البحر الميت) فى واد هناك، بينها و بين البيت المقدس ثلاثة أيام. و هى من ناحية الحجاز.

(معجم البلدان: ج 4- ص 393) و ذكر القلقشندى «عمل زغر» من أعمال الكرك، و قال: «و هى مدينة قديمة متصلة بالبادية، سميت بزغر بنت لوط (عليه السلام) (صبح الأعشى ج 4- 157) و تحدث عن «بحيرة زغر» فقال: «و تعرف ببحيرة سدوم و بحيرة لوط. و هى بحيرة منتنة (يقصد بها البحر الميت) ليس بها سمك، و لا يأوى إليها طير، و فيها مصب نهر الأردن المسمى بالشريعة، عند نهايته. و هى فى آخر الغور من جهة الجنوب.

(صبح الأعشى: ج 4- 83)

398

و إننى و اللّه لا أطالبه، و لا أطالب أحدا من أمرائه و أجناده، و أصحابه و مماليكه و لا من غلمانه، و لا من رعيته و لا من عربانه، و لا أحدا من سائر أصحابه، بسبب متقدّم إلى تاريخ هذه اليمين المباركة. و لا أمكّن أحدا من أمراء دولتى، و لا من جندها، و لا من سائر مماليكى، و أصحابى من الجماعة البحريّة و غيرهم، من مطالبته و لا مطالبة أحد من أمرائه و أجناده و مماليكه و رعيته، و سائر أصحابه، أهل الكرك و غيرهم، بسبب متقدّم عن تاريخ هذه اليمين المباركة- صامت كان أو غير صامت- من قماش و أثاث، و غير ذلك.

و إننى و اللّه، لا أستخدم أحدا من أمراء المولى الملك المغيث: فتح الدين عمر المذكور، و لا من أجناده و لا من أجناد أمرائه، و لا من مماليكه و لا من مماليك أمرائه، و لا من عربانه و لا من غلمانه، الا من انفصل عنه بدستور. و متى تسحّب أحد من أمرائه أو أجناده، أو أجناد أمرائه أو مماليكه، أو مماليك أمرائه أو غلمانه أو عربه، أو غير ذلك من أصحابه و فلاحى بلاده، و حضر إلى بلادى أو الى مملكة من ممالكى، و التمس عوده اليه- تقدّمت باعادته اليه، بجهدى و طاقتى.

و إننى و اللّه متى قصد بلاد المولى الملك المغيث فتح الدين عمر المذكور عدوّ- مسلما كان أو كافرا- أعنته على دفعه و زجره و ردعه، جهدى و طاقتى. و إننى و اللّه، متى تعرض أحد من عرب بلادى الى بلاد المولى الملك المغيث فتح الدين عمر المذكور، أو الى جهة من جهات مملكته، أو الى أحد من رعيته أو أحد من سائر أصحابه، أو سعى بفساد فيما يتعلق بمملكته، و اطّلعت عليه- تقدّمت بزجره و ردعه عن ذلك. و فعلت فى أمره ما تقتضيه السّياسة.

399

و إننى و اللّه- أ فى للمولى الملك المغيث: فتح الدين عمر، بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر، بن الملك الكامل محمد، بن أبى بكر بن أيوب- بهذه اليمين من أولها إلى آخرها، ما دام وافيا لى باليمين التى يحلّفه بها نائبى، لا أنقضها و لا شيئا منها، و لا أستثنى فيها و لا فى شي‏ء منها، و لا أستفتى فيها و لا فى شي‏ء منها، طلبا لنقضها أو نقض شي‏ء منها.

و متى نقضتها أو نقضتها فيها أو فى شي‏ء منها، طلبا لنقضها أو نقض شي‏ء منها، فكلّ ما أملكه من صامت و ناطق- صدقة على الفقراء و المساكين من المسلمين. و كلّ مملوك أو أمة فى ملكى، أو أتملكهما فيما بقى من عمرى، حرّ من أحرار المسلمين. و علىّ أن أفكّ عشرة آلاف رقبة مؤمنة من أيدى الكفار، إن خالفت هذه اليمين أو شيئا منها.

و هذه اليمين يمينى، و أنا بيبرس. و النّيّة فيها بأسرها نيّة المولى الملك المغيث فتح الدين عمر، بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر، بن الملك الكامل ناصر الدين محمد، بن أبى بكر، بن أيوب، و نيّة مستحلفى له بها- أشهد اللّه علىّ بذلك، و كفى به شهيدا. فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، و من أوفى بما عاهد عليه اللّه فسيؤتيه أجرا عظيما.

و شهد على السلطان الملك الظاهر، بهذه اليمين، من نذكرهم و هم:

الأتابك فارس الدين أقطاى، و أقوش النّجيبى، و قلاوون الألفى، و عز الدين أزدمر (1)، و أيدمر الحلّى، و بيسوى الشّمسى، و بيليك‏

____________

(1) فى (ع): و أولاد مر.

400

الطرندار، و أيبك الأفرم، و كاتب اليمين إبراهيم بن لقمان بن أحمد. و هى مؤرّخة فى الثالث و العشرين من المحرم، سنة ستين و ستمائة. و شهد على السلطان اثنان ممن حضر من الكرك، و هما: أمجد الكركى- و هو كاتب الملك المغيث- و كان قد أمّره، و آخر لم أحقّق اسمه عند قراءته.

و بآخر رسم خط الشهود خط المستحلف. و صورته:

أحلفت مولانا السلطان الكبير، العالم المجاهد، المرابط المؤيّد المنصور، الملك الظاهر أبا الفتح بيبرس بن عبد اللّه، الصالحى، أعزّ اللّه سلطانه- بهذه اليمين المباركة من أولها إلى آخرها، على الوجه المشروح فيها، تاريخ الثالث و العشرين من المحرم، سنة ستين و ستمائة- أحسن اللّه تقضّيها. و كتبه خزاعة بن عبد الرّزّاق بن على- حامدا للّه تعالى و مصلّيا.

و جهز السلطان الملك الظاهر للملك المغيث ولده الملك العزيز فخر الدين عثمان- و كان معتقلا بالقلعة من الأيام المظفّريّة، كما قدمنا- فأطلقه السلطان الآن، و أقطعه ذبيان‏ (1) بمنشور، ثم سيّر إليه السلطان بعد ذلك صنجقا و شعار السلطنة. فقبّل الملك المغيث عقب الصّنجق، و ركب بشعار السلطنة.

و ظن الملك المغيث أن الصلح قد انتظم بمقتضى هذه اليمين، فركن إلى ذلك. ثم جهّز والدته فى سنة إحدى و ستين و ستمائة إلى الملك الظاهر.

فوجدها السلطان بغزّة، فأنعم عليها إنعاما كبيرا، و على من معها. و أجرى معها الحديث فى وصول الملك المغيث إليه، لينتظم الصلح شفاها، و تتأكد

____________

(1) (بكسر أوله و سكون ثانية): بلد بالأردن مما يلى البلقاء.

(معجم البلدان: ج 4- 191)

401

أسبابه. و أعاد عليها العطاء ثانيا، و جهّزها إلى الكرك. و جهز فى خدمتها الأمير شرف الدين الجاكى المهمندار (1)، لتجهيز الإقامات للملك المغيث.

فاغترّ الملك المغيث بذلك. و استخلف ابنه الملك العزيز فخر الدين بالكرك، و استحلف له من تركه بقلعة الكرك، و ترك عنده بقية أولاده- إخوة الملك العزيز- و كان له سبعة أولاد ذكور، أسنّهم الملك العزيز فخر الدين عثمان. و ولد له بعد قبضه ابنان. و كان الملك العزيز، يوم ذاك، صغير السن، فإن مولده- كما أخبرنى به- فى الأول من يوم الاثنين ثالث شوال، سنة اثنتين و خمسين و ستمائة.

و فارق الملك المغيث الكرك، و توجه إلى السلطان الملك الظاهر، و هو بمنزلة الطّور. فلما بلغ السلطان وصول الملك المغيث إلى بيسان، ركب إليه و تلقاه، و ساقا جميعا إلى منزلة السلطان. فلما وصل الملك المغيث إلى باب الدّهليز، ترجّل و دخل إلى الخيمة. فأدخل على خركاه‏ (2)، و قبض عليه و على من معه- و ذلك فى يوم السبت السابع و العشرين من جمادى الأولى، سنة إحدى و ستين و ستمائة. و أظهر السلطان لقبضه سببا، نذكره فى أخبار السلطان الملك الظاهر- إن شاء اللّه تعالى- تقف عليه بعد هذا.

____________

(1) كانت وظيفة المهمندار تلقى الضيوف و الإشراف على إجراءات الاحتفاء بهم.

(2) لفظ فارسى معناه: الخيمة- كما ذكرنا من قبل.

402

و لمّا قبض عليه، جهّزه فى تلك الليلة إلى قلعة الجبل- صحبة الأمير شمس الدين آق‏سنقر الفارقانى. و لما وصل إلى قلعة الجبل، أدخل البرج الذى كان به ولده الملك العزيز فخر الدين عثمان، فقال للأمير سيف الدين بلبان النّجاحى- متولّى قلعة الجبل-: فى هذا البرج كان ولدى عثمان؟

قال: نعم.

و لم يستقرّ بذلك البرج، بل نقل منه فى يومه، و أدخل إلى قاعة من قاعات الدور السلطانية، فقتل من يومه. و كان آخر العهد به.

و تولى ذلك الأمير عز الدين أيدمر الحلّى- نائب السلطنة- بالغيبة.

و استدلّ على قتله أن بعض الخدام حكى، فقال: لما أدخل الملك المغيث إلى القاعة، طلب له طعام من الآدر (1) السلطانية- قال الخادم: فتوجهت لإحضار الطعام، فأتيت به على رأس خادم آخر، فوجدت الأمير عز الدين قد خرج من القاعة، و أغلق الباب! فقلت: قد حضر الطعام. فقال: بعد أن أغلقنا الباب لا نفتحه فى هذه الليلة. فرجعت بالطعام. و لم يفتح ذلك الباب، إلى ثلاثة أشهر أو نحوها.

و كان مولد الملك المغيث- (رحمه الله تعالى)- بمنزلة العبّاسة (2) فى شهر ربيع الأول، سنة أربع و ثلاثين و ستمائة.

____________

(1) جمع «دار». هو أحد جموعها. كما جاء فى القاموس المحيط، مادة «دار». و يظهر أن أصل الجمع «أدور» ثم حصل قلب «صارت «أأدر» ثم «آدر».

(2) سبق تحديد موضعها، و كانت أول منزلة يلقاها القادم إلى مصر من الشام، إلى الشرق من بلبيس.

403

و لما قبض عليهم، جهز الملك الظاهر، إلى الكرك، الأمير بدر الدين بيسرى، و الأمير أيدمر الظاهرى، و كتب إلى من بها يعدهم الإحسان. ثم توجه بنفسه إليها، و تسلّمها على ما نذكره، إن شاء اللّه تعالى، فى أخباره.

و أنعم على ولده: الملك العزيز فخر الدين عثمان بإمرة مائة فارس. و رتّب لإخوته و أهله الرواتب. ثم قبض عليه، بعد ذلك، و اعتقله- على ما نذكره إن شاء اللّه تعالى.

و أما الملك الموحّد تقىّ الدين عبد اللّه ابن الملك المعظم تورانشاه، بن الملك الصالح نجم الدين أيوب، ابن الملك الكامل ناصر الدين محمد، بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب- صاحب حصن كيفا و نصيبين و أعمالها

فإن والده الملك المعظم كان قد تركه بحصن كيفا، عند قدومه إلى الديار المصرية، و هو دون البلوغ. فاستمر بالحصن بعد مقتل والده، و دبّر.

أمر دولته خادما أبيه: افتخار الدين ياقوت، و جمال الدين طقز. فلم تزل هذه المملكة بيده، إلى أن استولى هولاكو على البلاد.

404

فلما قارب بلاد الملك الموحد خرج إليه بأمان و تلقاه، و قدم له أشياء مما كان عنده من التّحف و نفائس الذخائر، فأقرّه على عمله. و لم يتعرض لحصن كيفا، و لا هراق به دما. و قرر عليه قطيعة فى كل سنة أحد عشر ألف دينار ثمنها (1) ستة و ستين ألف درهم. ثم خرجت نصيبين عنه. و ذلك أن صاحب ماردين: الملك المظفر، بن الملك السعيد بن أرتق- ضمنهما من التتار، و أضافها إلى مملكته.

ثم نقل أبغا بن هولاكو- فى أول دولته- الملك الموحّد إلى الأردوا (2)، أخلى قلعة حصن كيفا، و خرّبها.

و سبب ذلك أن الملك الظاهر ركن الدين بيبرس، لما ملك الديار المصرية و ما معها، خشى عاقبة الملك الموحد، و أنه من البيت الأيوبى، و ملك الديار المصرية لأبيه وجده، و جدّ أبيه و جد جده. فأمر بمكاتبته و مكاتبة خادميه- عن جماعة من الأمراء الصالحية- يستدعون الملك الموحّد إليهم، ليملّكوه ملك آبائه. و وصلت الكتب بذلك إليهم، فمالت نفوس الخدّام إلى ذلك و رغبوا فيه، و لم يخشوا عاقبة المكايد.

____________

(1) تبدو فى (ع) كأنها: «عنها»، و لكن المعنى لا يستقيم، فرجحنا قراءتها «ثمنها» أى قيمة تحويل العملة.

فيمكن أن يدفعوا بالدينار أو بالدرهم.

(2) لفظ مغولى معناه المعسكر. و قد استعمل فى المراجع العربية أو الفارسية فى هذا العصر، للدلالة على معسكر إيلخان الدولة المغولية بفارس.

(سلوك- زيادة- ج 1. ق 2- ص 569)