نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج29

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
495 /
405

فحملهم حبّ ذلك على أن أجابوا الأمراء عن كتبهم: أنهم يصلون إليهم بالملك الموحد. و أخذ القصّاد (1) الكتب و رجعوا، فظفر بهم مقدّم التتار. فأرسل الكتب إلى أبغا، فأحضره، و أحضر الخادمين، و قتلهما.

و أقره بالأردوا مدة سبع سنين- هذا، و نائبه مقيم بحصن كيفا. ثم أطلقه و أعاده إلى الحصن. فكان به إلى أن توفى. و كانت وفاته- (رحمه الله)- ضحى يوم الأحد، النصف من شهر ربيع الآخر، سنة اثنتين و ثمانين و ستمائة.

و كان له من الأولاد الذكور ثلاثة عشر، و هم: الأمير سيف الدين أبو بكر شادى الكبير، و علاء الدين على الكبير، و مغلطاى- و إنما سمّى بذلك، لأنه ولد بالأردوا (2)، فأمرت قولى‏ (3) خاتون، زوجة هولاكو، أن يسمّى بذلك. و أرسلان، و يوسف، و زكرى، و عثمان، و خليل، و على الأصغر، و إبراهيم شقيقه، و أبو بكر الأصغر- و هو ابن أخت ناصر الدين يحيى، بن جلال الدين الحيتى، أحد مقدّمى التتار. و نجم الدين أيوب، و حسن. و مات من أولاده- قبل وفاته- الملك المعظم محمد- مات قبل والده بسبعة أيام. و اللّمسن- و هو شقيق أرسلان.

و لما مات الملك الموحّد، ملك حصن كيفا بعده ولده: الملك الكامل سيف الدين أبو بكر شادى- بتقرير التتار. فاستمر إلى شهر رجب، سنة تسع و تسعين و ستمائة. ثم قتله قازان، ملك التتار. و سبب ذلك أن بعض إخوته شكوه له، و ذكروا أنه قتل بعضهم.

____________

(1) الرسل الموفدون.

(2) معسكر المغول، كما مر ذكره.

(3) غير ظاهرة فى (ع).

406

و ملك بعده الملك العادل سيف الدين أبو بكر الأصغر، ملّكه قازان.

رعاية لحق أخواله. فملك أربعة أشهر، و قتل بمنزلة الميدان- بقرب إربل- قتله الأكراد، هو و أخوه أرسلان- و كانا نازلين بتلك المنزلة مع جماعة من التتار، كبسهم الأكراد الشّهريّة (1) بها.

و ملك بعده أخوه الملك المعظم، حسام الدين خليل- أربعة أشهر- فعسف و ظلم فنازعه فى المملكة ابن أخيه الملك الصالح صلاح الدين يوسف، بن الملك الكامل سيف الدين أبى بكر، بن الملك الموحّد، و شكاه إلى التتار، فسلّم إليه عمّه الملك المعظم، فخنقه.

و استقر الملك الصالح هذا فى المملكة بحصن كيفا، خمس سنين. ثم نازعه (عمّه) (2) حسن، و توجه إلى التتار فملّكوه الحصن. و لقّب الملك الظاهر بدر الدين حسن، و أرسلوا معه عسكرا، فهرب ابن أخيه أمامه.

و أقام بالحصن سنة.

و لحق الملك الصالح بالشيخ الشرف، بن الشيخ عدىّ الهكّارى، بجبل هكّار (3)، و أقام سنة. ثم جمع جمعا كثيرا من الأكراد، و عاد إلى الحصن، عند خلو البلاد من التتار، و حاصر عمّه الملك الظاهر حسن، مدة أربعة أشهر. فوافقه أهل القلعة و سلموه إليه، فقتله، و عاد إلى مملكته.

و أرسل إلى التتار و أرضاهم، فأقروه. فهو إلى وقتنا هذا.

____________

(1) أى الشهرزورية. نسبة إلى شهرزور. سبق ذكرهم.

(2) الزيادة من النسخة (ع).

(3) بلاد الهكّارية فوق الموصل، و أهلها أكراد- كما جاء فى ياقوت (معجم البلدان: ج 8- 469)

407

أخبرنى بذلك المولى الأمير علاء الدين على، بن الملك الموحّد- و هو على الأصغر، المقدّم الذكر- و هو يوم ذاك بالقاهرة المعزّيّة.

و كان قد فارق الحصن، لمّا حصل من ابن أخيه هذا: من قتل إخوته أولاد الملك الموحّد. و وصل إلى الديار المصرية، فى أوائل سنة ثلاث و سبعمائة، و استقر بها. و أقطعه السلطان الملك الناصر إقطاعا متميزا، بحلقتها. و أخبرنى أنه لم يبق من أولاد الملك الموحّد- لصلبه- سواه. و أن بقية من ذكرناهم أفناهم الموت و القتل.

و ذلك فى سنة أربع و عشرين و سبعمائة.

و أما الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر شهاب الدين غازى ابن الملك العادل: سيف الدين أبى بكر بن أيوب صاحب ميّافارقين‏

فإنه لم يزل بها، إلى أن ملك التتار البلاد. فندب هولاكو صرطق نوين، و قطغان نوين‏ (1) لمحاصرته بميّافارقين، بطائفة كثيرة من التتار.

فحاصروه مدة سنتين، حتى قلّت الأقوات عندهم، و أكلوا الكلاب و السّنانير و الميتة. ففتحها التتار بعد أن فنى من عنده من الجند من القتال- و ذلك فى سنة ثمان و خمسين و ستمائة. و أسر الملك الكامل، و تسعة نفر من مماليكه، و أحضروا بين يدى هولاكو، فقتلوا، إلا مملوكا واحدا- كما تقدم فى أخبار هولاكو

____________

(1) قائدان من قواد التتار.

408

و كان الملك الكامل هذا- (رحمه الله تعالى)- ملكا حازما كريما، كثير الزّهد و الورع. و لما قتل- (رحمه الله)- حمل التتار رأسه على رمح، و طيف به البلاد. و مرّوا به على حلب و حماه و أتوا به إلى دمشق- فى سابع عشر جمادى الأولى من السنة- و طافوا به دمشق، و أمام الرأس المغانى و الطّبول! و علّق رأسه بباب الفراديس، إلى أن دخل الملك المظفر قطز إلى دمشق- بعد هزيمة التتار- فأنزل الرأس، و دفن بمشهد الحسين داخل باب الفراديس فقال الشيخ شهاب الدين أبو شامه‏ (1) فى ذلك، من أبيات:

ابن غازى غزا و جاهد قوما * * * أثخنوا (2)فى العراق و المشرقين‏

طاهرا عاليا، و مات شهيدا * * * بعد صبر عليهم عامين‏

لم يشنه إذ طيف بالرأس منه‏ * * * و له أسوة برأس الحسين‏

ثم واروا بمشهد الرأس ذاك الرأ * * * س، فاستعجبوا من الحالتين‏

____________

(1) فى (ع) «ابن أبى شامة» و هو خطأ لأن القائل هو أبو شامه نفسه. كما صرّح بذلك فى كتابه «الذيل على الروضتين»

(2) أى أكثروا القتل‏

409

و أما الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر تقى الدين محمود، بن الملك المنصور أبى عبد اللّه محمد، بن الملك المظفر تقى الدين أبى سعيد عمر، بن شاهنشاه بن أيوب صاحب حماه‏

فإنه كان قد ملك حماه بعد وفاة والده- فى ثامن جمادى الأولى، سنة اثنتين و أربعين و ستمائة. فاستمر فى ملك حماه، و طالت مدته. و كان يتردد إلى الديار المصرية فى الأيام الظاهرية و المنصورية، و هم يعظّمونه. و هداياه و تقادمه تصل إلى الملوك. و هو يشهد معهم الحروب و الوقائع، بعسكر حماه.

و ما زال كذلك، إلى أن توفى فى شوال، سنة ثلاث و ثمانين و ستمائة.

و مولده فى الساعة الخامسة من يوم الخميس، لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول، سنة اثنتين و ثلاثين و ستمائة.

و لما توفى، رتّب السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون فى ملك حماه ولده: الملك المظفر تقىّ الدين محمود بن محمد. و كوتب من ديوان الإنشاء بما كان يكاتب به والده. و حملت إليه و إلى أهله و إلى أهل بيته الخلع و التشاريف السلطانية و استقر فى ملك حماه إلى أن توفى فى يوم الخميس، الحادى و العشرين من ذى القعدة، سنة ثمان و تسعين و ستمائة،

410

و دفن ليلة الجمعة. و كان مولده فى الساعة العاشرة من ليلة الأحد، خامس عشر المحرم، سنة سبع و خمسين و ستمائة.

و استقرت المملكة الحمويّة بعد وفاته فى يد نوّاب ملوك مصر. و كان أول من وليها من النواب: الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصورى، نقل من الصّبيبة إليها. ثم نقل منها إلى نيابة حلب، فى سنة تسع و تسعين و ستمائة، بعد وقعة قازان‏ (1). و فوّضت نيابة السلطنة بحماه إلى الملك العادل زين الدين كتبغا المنصورى- و كان قبل ذلك بصرخد- فلم يزل بها إلى أن مات، فى سنة اثنتين و سبعمائة. فوليها الأمير سيف الدين قبجاق المنصورى، فكان بها إلى أول الدولة الناصرية الثانية. و نقل منها، فى سنة تسع و سبعمائة، إلى نيابة المملكة الحلبية. و فوّضت نيابة السّلطنة بحماه للأمير سيف الدين أسندمر كرجى‏ (2) فكان بها، إلى أن فوّض السلطان- الملك الناصر- نيابة المملكة الحمويّة إلى الأمير عماد الدين إسماعيل، بن الملك الأفضل نور الدين على، ابن الملك المظفر محمود، بن الملك المنصور محمد، بن الملك المظفر تقىّ الدين عمر، بن شاهانشاه بن أيوب، فى سنة عشر و سبعمائة

____________

(1) هو إيلخان المغول فى فارس، و يقال له أيضا: غازان.

(2) ضبطه فى «النجوم الزاهرة»: ج 8- ص 157 هكذا: أسند مركرجى، و قال: «هو أسند مر بن عبد اللّه الكرجى، الأمير سيف الدين، نائب طرابلس».

411

فاستمر فى نيابة السلطنة مدة ثم كوتب بعد ذلك من ديوان الإنشاء بالمقام العالى الملكى العمادى و لم يزل كذلك، إلى أن فوّض السلطان الملك الناصر إليه سلطنة حماه، و لقبه بالملك المؤيّد. و ركب بالقاهرة المحروسة بشعار السلطنة، و ذلك فى يوم الخميس سابع عشر المحرم، سنة عشرين و سبعمائة- على ما نذكره ذلك، إن شاء اللّه تعالى، فى أخبار الدولة الناصرية. و هو باق إلى وقتنا هذا. و يصل فى كل سنة إلى الأبواب السلطانية الملكية الناصرية بالتقادم و التّحف، و يحصل له الإنعام السلطانى، و التشاريف، و غير ذلك.

و ملوك حماه- و إن لقّبوا بألقاب الملوك، و خوطبوا و كوتبوا بما يخاطب و يكاتب به الملوك- فلا تعدّ أيامهم من جملة الدولة الأيوبية، لأنهم فى الخدمة السلطانية على رسم النّواب. و إنما أوردنا ما ذكرناه من أخبارهم، لتعلم.

412

و أما الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن الملك المنصور إبراهيم، بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه ابن الأمير ناصر الدين محمد، بن الملك المنصور أسد الدين شيركوه ابن شادى .. صاحب تلّ باشر و الرّحبة

فقد ذكرنا أنه كان بيده حمص و تدمر و الرّحبة (1)، إلى أن استولى الملك الناصر- صاحب حلب- على حمص، فى سنة ست و أربعين و ستمائة، و عوّضه عنها تلّ باشر (2). فلم يزل بها إلى أن استولى هولاكو على حلب- كما ذكرنا فى سنة ثمان و خمسين و ستمائة- فحضر إليه، فأكرمه هولاكو، و أعاد عليه حمص، و فوّض إليه نيابة السلطنة بالشام و السواحل.

فلما هزم الملك المظفر سيف الدين قطز التتار على عين جالوت، و وصل إلى دمشق- أقرّه على حمص و الرحبة و تدمر. و أقر الملك الظاهر- بعده- ذلك بيده، إلى أن توفى فى حادى عشر صفر، سنة اثنتين و ستين و ستمائة.

و لم يكن له عقب، فاستقرّ ما كان بيده فى يد نوّاب السلطنة، إلى وقتنا هذا. و لبعض من ذكرنا أخبارهم فى هذا الوضع، أخبار و وقائع مع الملوك، يأتى ذكرها فى أخبار ملوك الديار المصرية- على ما تقف على ذلك، إن شاء اللّه تعالى، فى مواضعه. و إنما ذكرناهم فى هذا الموضع، لتكون أخبارهم مجتمعة، على سبيل الاختصار.

____________

(1) تقدم ذكر هذه الأماكن. فتدمر: مدينة قديمة مشهورة فى برية الشام. و الرحبة على شاطئ الفرات الغربى جنوبى قرقيسياء (و هى رحبة مالك).

(2) سبق ذكره، و هو قلعة و كورة شمالىّ حلب.

413

[انتهاء الدولة الأيوبية] (1)

و كانت هذه الدولة الأيوبية بالديار المصرية- منذ ولى الملك المنصور أسد الدين شيركوه وزارة العاضد لدين اللّه العبيدى، و لقّبه بالملك المنصور أمير الجيوش، فى سابع عشر شهر ربيع الآخر، سنة أربع و ستين و خمسمائة، إلى أن ملك السلطان الملك المعزّ عزّ الدين أيبك التّركمانى الصالحى، فى التاسع و العشرين من شهر ربيع الآخر، سنة ثمان و أربعين و ستمائة- أربعا و ثمانين سنة، و أربعة أشهر، و اثنى عشر يوما- و إلى أن استولى هولاكو على الشام، و هرب الملك الناصر، صاحب الشام و حلب، فى النصف من صفر سنة ثمان و خمسين و ستمائة، ثلاثا و تسعين سنة، و عشرة أشهر، تقريبا.

هذا ما أمكن إيراده من أخبار هذه الدولة الأيوبية، على سبيل الاختصار. فلنذكر أخبار دولة التّرك، و هى فرع الدولة الأيوبية.

____________

(1) هذا العنوان ليس فى (ع)، فوضعناه للتوضيح.

414

ذكر أخبار دولة التّرك‏ (1) و ابتداء أمر ملوكها، و ما ملكوه من الممالك و الحصون و الأقاليم و الثغور و الأعمال، و ما افتتحوه، و غير ذلك من أخبارهم‏

كان ابتداء هذه الدولة بالديار المصرية. ثم انتشرت بالبلاد الشامية، ثم امتدت إلى الممالك الحلبية و الفراتية. ثم استولت على الثّغور و القلاع و الحصون الساحلية. و استنقذت حصون الدّعوة من أيدى الإسماعيلية (2).

و بلغت المملكة الرومية. و دانت لها الأقطار اليمانية و الحجازية.

و انتمت إليها الطوائف القرمانية (3). و رغب فى مسالمتها الملوك.

الجنكزخانيّة. و نفذت أوامرها و اتّصلت أحكامها ببلاد إفريقية و ما يليها، و التّكرور (4) و ما يدانيها. و دخل فى طاعتها و عقد ذمّتها من بإقليم النّوبة، من بلاد الدّوّ (5)، المجاور لثغر أسوان، إلى بلاد الكرسى و العريان‏ (6)، و هو آخر العمل بالقرب من مجرى نهر النيل. على ما نورد ذلك، إن شاء اللّه تعالى، و نوضّحه و نبيّنه و نشرحه.

____________

(1) هى الدولة التى تسمى الآن، فى كتب التاريخ «دولة المماليك». و لكن الأول: «دولة الترك» هو الاسم التاريخى الذى كانت تعرف به الدولة فى عصرها- كما نقرأ فى هذا المتن و فى المراجع الأخرى. و الأولى تسمية الدول بأسمائها التاريخية.

(2) و هم الشيعة «الباطنية».

(3) من الطوائف التركية.

(4) التكرور: بلاد تنسب إلى قبيل من السودان، فى أقصى جنوب المغرب.

(ياقوت: ج 2- 399) و هى- الآن- فى دولة «ما لى»

(5) فيها قلعة «الدو» بالقرب من أسوان. (انظر: سلوك- زيادة. ج 1 ق 2- 622 حاشية 6)

(6) هكذا ضبطت هذه الأسماء بالقلم فى (ع). و يظهر أن المراد بها جنوب السودان.

415

و لنبدأ بذكر أخبارهم، و سبب الاستيلاء عليهم.

ذكر أخبار الأتراك و ابتداء أمرهم و كيف كان سبب الاستيلاء عليهم، و اتصالهم بملوك الإسلام. و من استكثر منهم، و تغالى فى اتباعهم و قدّمهم على العساكر

قد ذكرنا فى أخبار الدولة العبّاسيّة من اتصل منهم بالخلفاء، و تقدم على العساكر، و علا قدره و طار اسمه. و ذكرنا أيضا فى أخبار الدولة العبيديّة- فى أيام المستنصر باللّه- ما كان من أمرهم، و قيامهم، و محاربتهم ناصر الدولة بن حمدان- تارة، و معه أخرى.

ثم ذكرنا أن الملك الناصر- صلاح الدين يوسف بن أيوب- كان ممن اهتمّ بتحصيلهم، و أخوه الملك العادل، ثم ابنه الملك الكامل. و كانوا إذ ذاك لا يجلبهم التّجّار إلا خفية، و لا يقدرون على تحصيلهم إلا سرقة، لأن حماهم كان مصونا من التّجاهر ببيعهم، أو التطرق إليهم.

و أما السبب الموجب للاستيلاء عليهم، و بيعهم فى الأمصار- فهو أنه لما ظهر جنكزخان التمرجى، ملك التتار، و استولى على البلاد الشرقية

416

و الشمالية، و بثّ عساكره فى البلاد، فانتهوا إلى بلاد القفجاق و اللّان‏ (1)، و أوقعوا بهم- على ما قدّمنا ذكره، فى أخبار الدولة الجنكزخانيّة- فبيعت ذرارى التّرك و القفجاق، و جلبها التجار إلى الأمصار.

ثم رجعت عنهم هذه الطائفة الذين ندبهم جنكزخان إليهم، فى سنة ست عشرة و ستمائة- و هم التتار المغرّبة (2)- و عادوا إلى ملكهم جنكزخان.

و استقرت طوائف الأتراك بأماكنهم من البلاد الشمالية. و هم أصحاب عمود (3)، لا يسكنون دارا، و لا يستوطنون جدارا، بل يصيّفون فى أرض و يشتّون بأخرى. و هم قبائل كثيرة فمن قبائلهم ما أورده الأمير ركن الدين بيبرس، الدّوادارى المنصورى، نائب السلطنة الشريفة كان- أحسن اللّه عقباه، و قد فعل، و عامله بألطافه فيما بقى من الأجل- فى تاريخه‏ (4):

قبيلة طقصبا. و تيبا. و برج أغلى. و البرلى، و قنغر أغلى. و أنجغلى.

و دروت. و قلابا أغلى. و جرثان. و قرا تركلّى. و كتن.

قال: و لم يزالوا مستقرين فى مواطنهم، قاطنين بأماكنهم، إلى سنة ست و عشرين و ستمائة. فاتفق أن شخصا من قبيلة دروت يسمى منغوش بن‏

____________

(1) القفجاق: القوقاز و اللّان «بلاد واسعة فى طرف أرمينية، قرب باب الأبواب. و هم مجاورون للخزر».

(معجم البلدان: 7- 316)

(2) هم الفرقة من التتار الذين ندبهم «جنكزخان» للسير إلى الغرب، أى غرب خراسان (فسموا المغربة لذلك) لمطاردة شاه خوارزم، فساروا محاربين مدمرين، حتى وصلوا إلى بلاد القفجاق.

(3) أى أصحاب خيام ينصبونها، فهم قوم رحّل.

(4) المسمى: «زبدة الفكرة فى تاريخ الهجرة». و كانت وفاة بيبرس الدّوادار فى عام 725 ه.

417

كتن خرج متصيّدا، فصادفه شخص من قبيلة طقصبا اسمه آق‏كبك- و كان بينهما منافسة قديمة- فأخذه أسيرا، ثم قتله. و أبطأ خبر منغوش عن أبيه و أهله، فأرسلوا شخصا اسمه جلنغر لكشف خبره، فعاد إليهم و أخبرهم بقتله. فجمع أبوه أهله و قبيلته و ساق إلى آق‏كبك. فلما بلغه مسيرهم نحوه، جمع أهل قبيلته و تأهب لقتالهم. فالتقوا و اقتتلوا، و كان الظفر لقبيلة دروت، و جرح آق‏كبك و تفرق جمعه.

فعند ذلك أرسل أخاه أنص إلى دوشى خان بن جنكزخان- و كان أوكدى‏ (1)، و هو الملك يومئذ بكرسى جنكزخان‏ (2)، قد ندبه إلى البلاد الشمالية- مستصرخا به، و شكا إليه ما حلّ بقومه من قبيلة دروت القبجاقيّة، و أعلمه أنه إن قصدهم لم يجد دونهم من يمانع. فسار إليهم فى عساكر، و أوقع بهم، و أتى على أكثرهم قتلا و أسرا و سبيا. فاشتراهم عند ذلك التجار، و نقلوهم إلى البلاد و الأمصار.

و أما أول من استكثر منهم و تغالى فيهم، و قدّمهم على العساكر، فهو الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل.

و قد ذكرنا فى أخبار الدولة الكاملية- فى سنة سبع و عشرين و ستمائة- أن الملك الكامل اتصل به أن ابنه الملك الصالح ابتاع ألف مملوك، و أنه توثّب على الملك، فنقم عليه و أخرجه من الديار المصرية.

____________

(1) فى (ك): أو كدبه. و فى (ع): أو كديه. و هو «أوكداي» بن جنكزخان. و قد ينطق «أوغطاى».

(2) أى كان هو الملك العام على التتار. خلفا لجنكزخان.

418

فلما أفضت السلطنة إليه، استكثر منهم، و أمرهم و قدّمهم على العساكر. فكانوا فى خدمته، إلى أن مات. و ملك بعده ابنه الملك المعظم تورانشاه، فعاملهم بما يكرهونه. و بذل لسانه فيهم، و تواعدهم، فحملهم ذلك على قتله، و طلب الملك لأنفسهم. و كان ما ذكرناه من إقامة شجر الدّرّ، و خلعها.

فلنذكر ملوك دولة الترك:

419

أول من ملك من ملوك هذه الدولة: السلطان الملك المعز عز الدين أيبك التركمانى الصالحى‏

و ليس بتركمانى، و إنما هى نسبة إلى أولاد التركمانى، لأنه كان عند أحدهم، ثم ملكه الملك الصالح نجم الدين أيوب. و هو تركىّ الجنس.

ملك الديار المصرية، فى يوم السبت التاسع و العشرين من شهر ربيع الآخر، سنة ثمان و أربعين و ستمائة. و أقام معه فى السلطنة الملك الأشرف مظفر الدين موسى، بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف، بن الملك المسعود صلاح الدين يوسف، بن الملك الكامل، و أجلسه على كرسى السلطنة فى يوم الأربعاء- ثالث جمادى الأولى، سنة ثمان و أربعين. و ركب و شقّ المدينة فى يوم الخميس- و كان عمره نحو ست سنين.

و كانت المناشير و التّواقيع و المراسم تخرج عن الملكين، و ليس للأشرف معه إلا مجرد التسمية، و الأمر للملك المعزّ. و لم يزل كذلك، إلى أن قتل الأمير فارس الدين أقطاى فى سنة اثنتين و خمسين- على ما نذكره.

فاستقل حينئذ بالملك. و كان الملك الأشرف فى هذه المدة قد حجب عن الناس، و اسمه قائم دون شخصه.

420

ذكر الحرب الكائنة بين الملك المعز و الملك الناصر صاحب الشام، و انتصار المعز

و فى سنة ثمان و أربعين و ستمائة، كانت الحرب بين السلطان الملك المعزّ و بين الملك الناصر- صاحب الشام.

و سبب ذلك أن الملك الناصر، لما استولى على دمشق فى هذه السنة- كما قدّمنا فى أخباره- أشار عليه أتابكه- شمس الدين لؤلؤ- و الأمراء القيمرية، بقصد الديار المصرية. فسار من دمشق. و اتصل خبره بالملك المعز، فخرج إليه بعساكر الديار المصرية. و التقيا على منزلة الكراع، بالقرب من الخشبى‏ (1).

و اقتتل العسكران، فى يوم الخميس، العاشر من ذى القعدة من السنة.

فكانت الهزيمة على العسكر المصرى. و وصلت طائفة من العسكر المصرى إلى القاهرة. و منهم من فرّ إلى جهة الصعيد. و ثبت الملك المعز، و اختار من عسكره ثلاثمائة فارس، و حمل بهم على صناجق الملك الناصر، طمعا أن يكون بجهتها فيظفر به. و كان الملك الناصر تحيّز إلى فئة، و اعتزل المعركة خوفا على نفسه، و احتياطا لها. فلما عاين حملة الملك المعز، و شاهد إقدامه، انهزم، و رجع إلى الشام- كما تقدم.

____________

(1) سبق تحديد هذين الموضعين. و هما آخر الأرض الزراعية فى شرق محافظة الشرقية، أول الطريق إلى الشام.

421

و ساقت الأمراء العزيزيّة- مماليك والده- بأطلابهم‏ (1) إلى خدمة الملك المعزّ، و دخلوا فى طاعته، و هم: الأمير جمال الدين أيدغدى العزيزى، و الأمير شمس الدين أقش البرلى، و الأمير شمس الدين أقش الحسامى، و أمثالهم. و كان سبب انصرافهم عن سلطانهم الملك الناصر أنه أضافهم، يوم الحرب، إلى طلب‏ (2) الأمير شمس الدين لؤلؤ- أتابكه- فعزّ ذلك عليهم، و فارقوا خدمة الملك الناصر.

قال: و اجتمع الأمراء القيمريّة، و غيرهم، إلى شمس الدين لؤلؤ، و هنّوه بالنصر على زعمهم- و تفرقت جماعتهم فى طلب المكاسب. فلم يبق معهم من مماليكهم إلا نفر قليل. فصادفهم الملك المعزّ بمن معه من عسكره، فقاتلهم. فقتل شمس الدين لؤلؤ، و جماعة من الأمراء القيمرية، و هم: حسام الدين، و صارم الدين، القيمريّان، و سعد الدين الحميدى، و نور الدين الزّرزارى، و جماعة من أعيان مماليك الملك الناصر.

و قتل أيضا تاج الملوك، بن الملك المعظم تورانشاه.

و أسر جماعة، و هم: الملك الصالح بن العادل سيف الدين أبى بكر ابن أيوب. ثم قتله الملك المعز فى سنة تسع و أربعين، و دفنه بالقرافة. و أسر أيضا الملك المعظم تورانشاه، بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، و أخوه نصرة الدين، و الملك الأشرف صاحب حمص، و شهاب الدين بن حسام الدين القيمرى، و غيرهم.

____________

(1) بفرقهم و جنودهم. كما سبق شرحه.

(2) كتيبة- كما تقدم.

422

و أما بقية الأمراء الناصرية، فانهم ما علموا بشى‏ء من ذلك. بل ساقوا خلف من انهزم من العسكر، إلى أن وصلوا إلى العبّاسة (1) و خيّموا بها. ثم بلغهم الخبر فرحلوا بمكاسبهم و أثقالهم. قال: و لما انتصر الملك المعز، و قتل من قتل، و أسر من أسر، ساق إلى العبّاسة ليلتحق بعساكره.

فرأى دهليز الملك الناصر و عساكره قد خيم على العبّاسة، فعرّج عن طريقها.

و سار على طريق العلاقمة (2) إلى بلبيس فلم يجد بها من العسكر أحدا. و بلغه أن منهم من دخل إلى القاهرة، و منهم من انهزم إلى الصعيد. فنزل على بلبيس بمن كان معه، إلى أن تحقق عود من سلم من العسكر الشامى. و عاد الملك المعز إلى قلعة الجبل، مؤيدا منصورا.

قال: و لما طلع إلى القلعة، وجد جماعة من الأمراء المعتقلين بها، لمّا بلغهم وصول المنهزمين من العسكر المصرى، ظنوا أن الهزيمة تستمر، فخطبوا للملك الناصر على منبر الجامع بالقلعة، فى يوم الجمعة حادى عشر ذى القعدة من السنة. فعظم ذلك على الملك المعز، و شنق الأمير ناصر الدين إسماعيل بن يغمور الصالحى، و أمين الدولة وزير الملك الصالح، على شراريف قلعة الجبل- و كانا من جملة المعتقلين بها- و من أشار بالخطبة للملك الناصر. ثم أخرج جميع من دخل إلى القاهرة من العسكر الناصرية، و أعادهم إلى دمشق على دوابّ- و كانوا ثلاثة آلاف نفس- و لم يركب أحدا منهم فرسا، إلا نور الدين بن الشجاع الأكتع، و أربعة من مماليك الملك الناصر.

____________

(1) ذكرت. غير مرة من قبل، و هى شرقى بلبيس.

(2) بليدة دون بلبيس، فيها أسواق للعرب.

423

و استهلّت سنة تسع و أربعين و ستمائة:

فى هذه السنة، خرج الملك المعز بعساكر الديار المصرية، لقصد الملك الناصر، فنزل على أمّ البارد عند العبّاسة. و اتصل ذلك بالملك الناصر، فجهز العسكر الشامى إلى غزّة، ليكون قبالة العسكر المصرى. و أقام العسكران فى منازلهما ستين يوما. و نزل الملك الناصر على غمّتا من الغور، و خيّم عليها. و أقام بعسكره ستة أشهر.

و فيها فى شعبان، عزل قاضى القضاة: عماد الدين أبو القاسم إبراهيم ابن هبة اللّه بن إسماعيل بن نبهان بن محمد، الحموى، المعروف بابن المقنشع- عن القضاء بمصر و الوجه القبلى. و أضيف ذلك إلى قاضى القضاة: بدر الدين السّنجارى. فاجتمع له الآن قضاء القضاة بالمدينتين، و الوجهين القبلى و البحرى، و لم يجتمعا له قبل ذلك.

و فيها، قصد الأمير جمّاز بن شيحة المدينة النبوية- على ساكنها أفضل الصلاة و السلام- و قبض على أخيه عيسى، و أقام بالمدينة.

و فيها، كانت وفاة الشيخ الإمام العالم بهاء الدين على بن سلامة بن المسلم بن أحمد، بن على اللّخمى المصرى، المعروف بابن الجمّيزى.

و كان إماما فاضلا، عالما بمذهب الإمام الشافعى. و أخذ العلم عن الشيخ شهاب الدين محمد الطّوسى، و عن محمد بن يحيى، و شرف الدين بن أبى عصرون. و تفقّه بالشام، و قرأ القرآن على جماعة منهم الشاطبى‏

424

و البطائحي. و سمع الحديث الكثير، و رواه. سمع شهدة (1) ببغداد.

و الحافظ السّلفى بمصر. و أجيز بالفتيا فى سنة خمس و سبعين و خمسمائة. و هو سبط الفقيه أبى الفوارس الجمّيزى.

و كان دمث الأخلاق، كريم النفس، قل أن يدخل إليه أحد إلا و أطعمه و كان يخالط الملوك، و يعظّمونه. و لم يزل كذلك إلى أن حج فى سنة خمس و أربعين و ستمائة. فأهدى له صاحب اليمن هدية بمكة.

فقبلها. فأعرض عنه الملك الصالح نجم الدين أيوب.

و كانت وفاته بمصر فى ليلة الخميس، رابع عشر ذى الحجة. و دفن يوم الخميس بالقرافة، قريبا من روزبهان. و مولده يوم النحر سنة تسع و خمسين و خمسمائة- (رحمه الله تعالى).

و فيها توفى الفقيه الشيخ، الرّياضى، علم الدين قيصر: بن أبى القاسم بن عبد الغنى بن مسافر، الحنفى المصرى، المعروف بتعاسيف. كان إماما فى علوم الرياضة، و فى فنون كثيرة.

و كانت وفاته بدمشق، فى يوم الأحد ثالث عشر شهر رجب. و دفن خارج باب شرقى، ثم نقل إلى الباب الصغير. و مولده سنة أربع و سبعين‏

____________

(1) هى فخر النساء: شهدة بنت أبى نصر أحمد، الدينورية الأصل، البغدادية المولد و الوفاة كانت من العلماء. و كتبت الخط الجيد. و سمع عليها خلق كثير و اشتهر ذكرها و بعد صيتها كانت وفاة سنة 574 ه (ابن خلكان: وفيات الأعيان: ج 2- ص 172)

425

و خمسمائة، بأصفون من أعمال مدينة قوص، من الصّعيد الأعلى بالديار المصرية (1). و أصفون بلدة مشهورة هناك.

و فيها، توفى الصاحب الوزير: جمال الدين أبو الحسين يحيى، بن عيسى بن إبراهيم بن الحسين بن على بن حمزة بن إبراهيم، بن الحسين- بن مطروح.

من أهل صعيد مصر، و نشأ هناك. و أقام بمدينة قوص مدة. و تنقلت به الأحوال فى الخدم و الولايات. ثم اتصل بخدمة السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، فى نيابته عن أبيه السلطان الملك الكامل بالديار المصرية.

و انتقل فى خدمته عند توجهه إلى بلاد الشرق، فى سنة تسع و عشرين و ستمائة. و لم يزل هناك إلى أن ملك الملك الصالح الديار المصرية، فوصل إلى خدمته، فى أوائل سنة تسع و ثلاثين و ستمائة. فرتّبه ناظر الخزانة.

ثم نقله إلى دمشق، لما ملكها ثانيا، من عمه الملك الصالح إسماعيل، و جعله وزيرا و أميرا. و استمر إلى أن وصل السلطان الملك الصالح إلى دمشق فى شعبان سنة ست و أربعين و ستمائة، فعزله عن الوزارة و سيّره مع العسكر لحصار حمص. ثم عاد فى خدمة السلطان الى الديار المصرية، و أقام معه بالمنصورة- و قد تغيّر عليه لأسباب اتصلت به عنه- و مع ذلك فلم يزل يلازم الخدمة. إلى أن مات السلطان الملك الصالح بالمنصورة. فجاء إلى مصر، و أقام بداره إلى أن مات.

____________

(1) قرية- الصعيد الأعلى على شاطئ عربى النيل- تحت شي‏ء و هى على تل عال مشرف.

(ياقوت: معجم البلدان: ج 1- 277)

426

و كان حسن الأخلاق. و له ديوان شعر و كانت وفاته بمصر فى ليلة الأربعاء، مستهلّ شعبان، سنة تسع و أربعين و ستمائة. و دفن بسفح المقطم.

و مولده بمدينة سيوط من صعيد مصر، فى يوم الاثنين ثامن شهر رجب، سنة اثنتين و تسعون و خمسمائة- (رحمه الله تعالى).

و استهلّت سنة خمسين و ستمائة:

و الاختلاف بين الملكين: الناصر- صاحب دمشق و الشام- و المعزّ صاحب الديار المصرية- على حاله، و العساكر من الطائفتين مجرّدة، كل طائفة معتدّة للأخرى. و لم يكن فيها من الأخبار ما نذكره.

و استهلّت سنة إحدى و خمسين و ستمائة: ذكر الصلح بين الملكين: المعز و الناصر

قال: و لم تزل الفتنة بين الملكين: المعز و الناصر قائمة، إلى أن وصل الشيخ نجم الدين البادرائى رسول الخليفة، فسعى فى الصلح بينهما.

فوقع الاتفاق: على أن يأخذ الملك المعز من الملك الناصر القدس و غزة، و جميع البلاد الساحلية- إلى حدود نابلس. و استحلف الشيخ نجم الدين الملكين على ذلك. فتم الصلح بينهما و انتظم.

427

و أفرج الملك المعز عن الملك المعظم صلاح الدين يوسف بن أيوب، و الملك الأشرف صاحب حمص، و أولاد الملك الصالح عماد الدين إسماعيل، و غيرهم. من الأمراء الذين كانوا قد أسروا فى المصافّ، الكائن فى سنة ثمان و أربعين و ستمائة، و ذلك فى المحرم من هذه السنة.

و فى هذه السنة، لثلاث خلون من شعبان، قتل أبو سعد: الحسن بن على بن قتادة- صاحب مكة- شرّفها اللّه تعالى.

و استهلّت سنة اثنتين و خمسين و ستمائة:

ذكر خبر عربان الصعيد، و توجه الأمير فارس الدين أقطاى إليهم و إبادتهم‏

كان من خبر العربان بالصعيد، أنه لما اشتغل الملك الصالح نجم الدين أيوب و عساكره بقتال الفرنج بالمنصورة، و حصل ما قدّمنا ذكره: من وفاته، و مقتل ولده الملك المعظّم، و اشتغال الملك المعز بحرب الملك الناصر، و تجريد الجيوش إلى جهته، و عدم الالتفات إلى غير ذلك- تمكن العربان بهذه الأسباب من البلاد، و كثر شرّهم، و زاد طغيانهم و بغيهم.

و حصل لأهل البلاد منهم، من أنواع الأذى و نهب الأموال و التعرض إلى الحريم، و أمثال ذلك، ما لا حصل من الفرنج أكثر منه.

428

و اجتمعوا على الشريف حصن الدين بن ثعلب الجعفرى‏ (1) و أطاعوه ظاهرا، و انقادوا له. إلا أنه لا يستطيع دفعهم عن كل ما يقصدونه من أذى. و أخذ أموالهم، و كثرت جموعهم معه، حتى زادوا على اثنى عشر ألف فارس، و ستين ألف راجل، بالسلاح و العدد.

فلما تم الصلح بين الملكين، و تفرغ وجه السلطان الملك المعز من جهة الشام، صرف فكرته إلى جهتهم، و انتدب لحربهم الأمير فارس الدين أقطاى. و استشار الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحى فى عدّة العسكر الذى يقوم بحربهم، فأشار بانتخاب ألفى فارس من العسكر، و التزم أنه يفرّق بهذه العدة جموعهم، و يبيدهم بها.

فانتخب الأمير فارس الدين هذه العدّة من العسكر، و توجه بهم- و صحبته الأمير عز الدين المذكور- و توجه إلى جهة الصعيد، و قصد العربان. و كانوا قد اجتمعوا بمكان يسمى الصّلعا (2) بمنشاة إخميم، فى البر الغربى- و هى أرض وسيعة، تسع عدّتهم. فساق الأمير فارس الدين و من معه من العسكر، من جهة الحاجز بالبر الغربى، سوقا عظيما، ما سمع الناس بمثله، و انتهى إليهم فى ثلاث علائق- و هذه المسافة لا يستطيع البريد أن يصل إليها فى مثال هذه المدة، إلا إن أجهد نفسه.

____________

(1) ينتهى نسبه إلى «جعفر بن أبى طالب»، و كان من الأشراف الأغنياء بالصعيد، و مقره مدينة ديروط أو دهروط، و لذلك تسمى: ديروط الشريف.

(انظر السلوك للمقريزى ج 1- ص 386- 87 و الخطط للمقريزى: ج 1- 71 و الخطط التوفيقية: ج 11- ص 3- 6)

(2) قرية بمصر بالصعيد الأعلى، تتبع الآن مركز «سوهاج».

429

و طلع عليهم فى صبح اليوم الرابع، و دهمهم بغتة بهذا المكان. فلما شاهد كثرتهم، كاد يقف عن ملاقاتهم، و أنكر على الأمير عز الدين، و قال: لقد غششتنا، فإن هذه العدّة التى معنا لا تقوم بهذه الجموع الكثيرة.

فقوّى نفسه، و قال: أنا أعرف هؤلاء، و هذه بلاد ولايتى. و حمل عليهم، و رمتهم العسكر بالنّشّاب، فما كان السّهم يقع إلا فى أحدهم. فما كان بأسرع من أن انهزموا أقبح هزيمة، و أخذهم السيف. و تفرقت تلك الجموع، و اختفوا، و غيّروا لباسهم. و قتل منهم فى المعركة و الطّلب خلق كثير.

و لما عاين الشريف حصن الدين انهزام أصحابه، بادر بالهزيمة.

و حمل معه ألف دينار، و استصحب حظيّة له، و توجه إلى الوجه القبلى. ثم قبض عليه بعد ذلك- على ما نذكره، إن شاء اللّه تعالى. و عاد الأمير فارس الدين إلى القاهرة بعسكره، و معه جماعة من العربان، من جملتهم: ابن عم الشريف حصن الدين بن ثعلب، فشنق تحت قلعة الجبل. ثم قتل الأمير فارس الدين أقطاى، فى هذه السنة.

ذكر خبر الأمير فارس الدين أقطاى، و ما كان من أمره إلى أن قتل‏

كان الأمير فارس الدين أقطاى، الجمدار (1) الصالحى، قد استفحل أمره فى الدولة المعزّيّة بالديار المصرية، و قويت شوكته فى سنة إحدى و خمسين و ستمائة.

____________

(1) سبق تفسير هذا اللقب. و هو فارسى مركب من لفظين: جاما، و هى الثياب، و دار و معناها صاحب. فهو صاحب الثياب، أى المشرف على خزائن الملابس السلطانية و ما يتعلق بها.

430

و انضم إليه الأمراء البحريّة و اعتضد بهم. و تطاول، إلى أن خطب ابنة الملك المظفّر صاحب حماه. و كان الرسول فى ذلك الصاحب فخر الدين محمد، بن الصاحب بهاء الدين على- قبل وزارة والده- فأجيب إلى ذلك.

و عقد النكاح، و حملت إليه، فوصلت إلى دمشق. و قتل، قبل وصولها إليه. و لما تزوج بها زادت نفسه قوة، و عظّمه الأمراء، و خفّضوا من جانب الملك المعز، و ألان الملك المعزّ جانبه له، و لهم.

و استمر الأمر على ذلك إلى سنة اثنتين و خمسين و ستمائة. فامتدت أطماعه إلى صلب ثغر الإسكندرية، إقطاعا، فلم يمكن الملك المعز مخالفته، لقوة شوكته. و تطاول البحريّة، و اشتطوا فى طلب الإقطاعات و الزيادات.

و اتصل بالملك المعز أنهم يدبّرون عليه، و أنهم قد عزموا على الوثوب، فبادر عند ذلك بالتدبير و الاحتياط.

و لما كان فى يوم الاثنين- حادى عشر شعبان، من هذه السنة، استدعاه السلطان على العادة، و كمن له عدّة من مماليكه، بقاعة الأعمدة.

و قرر معهم أنه إذا عبر إليه يغتالوه. فحضر فى نفر يسير، ثقة منه و استرسالا، و اطّراحا لجانب السلطان، و أنه لا يجسر أن يقدم عليه، و لم يشعر به خوشداشيّته‏ (1). فلما قرب، منع مماليكه من الدخول معه، و وثب عليه المماليك المعزّية فقتلوه‏

____________

(1) الخشداش: الزميل. و هذا اللقب كان شائع الاستعمال بين المماليك. فالمماليك الذين كانوا يتبعون سيدا واحدا كانت بينهم رابطة «الخوشداشية»: أى الزمالة القديمة و التماثل فى التبعية. و هذا اللقب نجده مستعملا حتى أواخر عصر المماليك.

431

و حكى عن عز الدين أيبك الفارسى- أحد مماليكه- فى خبر مقتله، قال: كان قد ركب إلى قلعة الجبل فى يوم مقتله، و اجتمع بالسلطان، و طلب منه أن ينعم على بعض البحرية بمال. فاعتذر الملك المعز أن الخزائن قد خلت من الأموال، و قال له: توجّه بنا إلى الخزانة لنشاهدها، و نتحقق حالتها. فتوجها جميعا إلى الخزانة من جهة الدّور. و إنما فعل المعز ذلك، لأن الوصول إلى الخزانة من جهة الدور حرج‏ (1) المسلك، و يمرّ المارّ على بعض قاعات الحريم، فلا يمكن استصحاب الكثير من المماليك. و كان الملك المعز قد كمن فى عطفة من عطفات الدهاليز مملوكه الأمير سيف الدين قطز- و معه عشرة من المماليك المعزّيّة، من ذوى القوة و الإقدام. فلما وصلوا إلى ذلك المكان، تأخر السلطان: و استرسل الأمير فارس الدين على ما هو عليه، و تقدم إلى المكان. فوثبوا عليه، و قتلوه. قال: و أمر الملك المعز بغلق قلعة الجبل، فغلقت.

و ركب مماليكه و حاشيته- و كانوا نحو سبعمائة فارس- و جماعة من البحرية، و قصدوا قلعة الجبل، و ظنوا أنه قد قبض عليه، ليطلقوه. فلما صاروا تحت القلعة، أمر السلطان بإلقاء رأسه إليهم، من أعلى السور فعلموا

____________

(1) المكان الحرج: الضيق «القاموس».

432

فوات الأمر فيه، فتفرقوا. و كانت هذه الواقعة شبيهة بواقعة عمرو بن سعيد الأشدق مع عبد الملك بن مروان‏ (1). و تفرّق شمل البحريّة لمقتله، و انتشر نظامهم. و كان من خبره ما نذكره.

و لما قتل الأمير فارس الدين أقطاى، و هرب البحرية و مماليكه، ركب السلطان الملك المعزّ بشعار السّلطنة بالقاهرة. و ذلك فى يوم الأحد، سابع عشرين شعبان المذكور. و جهّز الملك الأشرف، الذى كان قد شركه معه فى الملك إلى دمشق- فى هذا الشهر. و استقلّ بالسلطنة. و انفرد بالأمر، بعد مقتل الأمير فارس الدين أقطاى.

و من المؤرخين من جعل هذا التاريخ ابتداء سلطنة الملك المعز، و جعله فيما مضى أتابكا للملك الأشرف مظفر الدين موسى. إلا أن الأمر منذ خلعت شجر الدر نفسها، كان للملك المعز، مع تمكّن الأمير فارس الدين أقطاى من الدولة و تحكّمه.

و فى هذه السنة، أقطع الأمير جمال الدين أيد غدى العزيزى دمياط- زيادة على إقطاعه- و كان متحصّلها يومئذ ثلاثين ألف دينار.

____________

(1) فى النسخة (ك): مع مروان بن الحكم. و هذا خطأ- تاريخيا. و لكن فى (ع) كتب التصحيح على الهامش.

و هذا هو الصواب. فواقعة عمرو بن سعيد كانت مع عبد الملك بن مروان، لا مع أبيه. و هذه الواقعة هى أن عمرو بن سعيد بن العاص (و هو أموى) حاول أن ينتزع الخلافة من عبد الملك، فقبض عليه و قتل فى القصر.

راجع تفاصيل الواقعة فى الريس: عبد الملك بن مروان، ص 202- 205

433

و فيها، عزل قاضى القضاة: بدر الدين السّنجارى، عن تدريس المدرسة الصالحية، بالقاهرة المعزّيّة. و فوض ذلك لشيخ الاسلام عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام. و توجه قاضى القضاة بدر الدين السّنجارى الى الحجاز الشريف، من جهة البحر، و عاد فى البر.

و فى هذه السنة، وصلت الأخبار من مكة- شرفها اللّه تعالى- أن النار ظهرت من بعض جبال عدن، و أن شررها يطير فى الليل و يقع فى البحر، و يصعد منها دخان عظيم فى النهار. فظن الناس أنها النار التى أخبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) أنها تظهر فى آخر الزمان، و هى من أشراط (1) الساعة.

فتاب الناس، و أقلعوا عما كانوا عليه من الظلم و الفساد، و شرعوا فى أفعال الخير و الصّدقات.

ذكر أخبار الأمراء البحرية، و ما اتفق لهم بعد مقتل الأمير فارس الدين أقطاى‏

قد رأينا أن نذكر أخبار الأمراء البحريّة فى هذا الموضع- متتابعة- من حين هربهم، و لانقطعها بالسنين، لتكون أخبارهم سياقة يتلو بعضها بعضا.

كان من خبرهم، أنه لما شاع الخبر بمقتل الأمير فارس الدين أقطاى، و اتصل ذلك بالأمراء خوشداشيّته- و فيهم الأمير ركن الدين البندقدارى،

____________

(1) أى: علامات.

434

و الأمير سيف الدين قلاوون الألفى، و الأمير شمس الدين سنقر الأشفر.

و الأمير سيف الدين بلبان الرّشيدى، و الأمير بدر الدين بيسرى الشّمسى، و الأمير سيف الدين سكر، و الأمير عز الدين أزدمر السّيفى، و الأمير سيف الدين سنقر الرّومى، و الأمير سيف الدين بلبان المستعربى، و الأمير سيف الدين برامق، و غيرهم من الأمراء، و من انضم إليهم من خوشداشيهم- خرجوا من القاهرة ليلا، و أحرقوا باب القراطين، و توجهوا إلى الشام.

و اعتقل السلطان- الملك المعزّ- من بقى منهم بالقاهرة.

و توجه الذين خرجوا من القاهرة حتى نزلوا غزّة، و كاتبوا السلطان الملك الناصر صاحب الشام، و سألوه أن يأذن لهم فى الوصول إليه، فأجابهم إلى ذلك. و وصلوا إليه، فأنعم عليهم بالأموال و الخلع، و أقطعهم الإقطاعات. و أقاموا عنده يحرّضونه على قصد الديار المصرية، فما وثق بهم. و كان الملك المعز قد كتب إليه و خيّله منهم، و أوهمه: فطلب الملك الناصر من الملك المعز القدس و جميع البلاد الساحلية- التى كان قد أخذها منه عند وقوع الصلح- بحكم أنها كانت جارية فى إقطاع البحرية، و أنهم انتقلوا إلى مملكته، و استقروا فى خدمته، فأعادها الملك المعزّ إليه. فأمّر الملك الناصر كل من له إقطاع فى هذه البلاد على إقطاعه، و كتب مناشير بذلك. و أقاموا فى خدمته إلى سنة خمس و خمسين و ستمائة.

ثم فارقوه، لما رأوه من ضعف رأيه، و توجهوا إلى نابلس. و قصدوا الملك المغيث صاحب الكرك، فوصلوا إلى خدمته- فى عاشر شوال- فقبلهم و أكرمهم فالتمسوا منه المساعدة على قصد الديار المصرية، و أوهموه أن الأمراء بالديار المصرية كانبوهم، و راسلوهم فى ذلك. فجمع الملك‏

435

المغيث من قدر عليه، و سار بهم و بسائر البحرية- و ذلك فى سلطنة الملك المنصور نور الدين، بن الملك المعز. فخرج إليهم الأمير سيف الدين قطز المعزّى بالعساكر المصرية، و التقوا و اقتتلوا- فى يوم السبت الخامس و العشرين، من ذى القعدة، سنة خمس و خمسين و ستمائة. فانكسر الملك المغيث، و من معه من البحرية. و استولى العسكر المصرى على أثقالهم.

و قتل: الأمير عز الدين الرّومى الصالحى، و سيف الدين الكافورى، و بدر الدين إيغان الأشرفى. و أسر الأمير سيف الدين قلاوون الألفى، و الأمير سيف الدين بلبان الرّشيدى.

و لما أسر الأمير سيف الدين قلاوون، ضمنه الأمير سيف الدين قيزان المعزّى أستاذ الدار السلطانية، فما تعرض إليه أحد. و أقام بالقاهرة برهة يسيرة. ثم تسحب و اختفى بالحسينيّة، عند الأمير سيف الدين قطليجا الرومى. و قصد اللحاق بخوشداشيّته، فزوّده و جهّزه، فتوجه إلى الكرك.

ثم فارق البحريّة الملك المغيث، و توجهوا نحو الغور (1). فصادفهم الأمراء الشّهرزوريّة (2)، عند ما جفلوا من بلاد الشّرق. فاجتمع البحرية بهم، و تزوج الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى- و هو الملك الظاهر- منهم. فبلغ الملك الناصر ذلك، فجهز جيشا لقتالهم، فالتقوا بالغور،

____________

(1) أى غور الأردن.

(2) و هم الأمراء الأكراد الذين قدموا من بلاد شهرزور خوفا من التتر، كما سبق ذكر ذلك.

436

و اقتتلوا. فانهزم العسكر الناصرى. فغضب الملك الناصر لذلك، و خرج بنفسه إليهم. فعلموا عجزهم عن مقابلته، فتوجهوا إلى الملك المغيث بالكرك، و توجه الشّهرزوريّة إلى الديار المصرية.

و اتّفق للأمير ركن الدين البندقدارى مع الملك المغيث حكاية عجيبة. و هو أنه كان فى يده نتوء فى اللحم شبه خرزة، فجلس فى بعض الأيام بين يدى الملك المغيث- و قد أتى بلوز أخضر و عسل، فجعل يفرك اللّوز على العسل- فنظر الملك المغيث إلى النتوء الذى فى يده، فقال:

ما هذا يا ركن؟ قال: هذه خرزة الملك! فتغير وجه الملك المغيث، و علم جرأته. و قصد قتله، ثم تركه. أخبرنى بذلك المولى شرف الدين أبو الروح، عيسى بن الملك المغيث، عمن حضر هذه الواقعة و سمع ذلك من لفظهما.

قال المؤرخ: و لما بلغ الملك الناصر عود البحرية إلى خدمة الملك المغيث، كتب إليه يطلب منه تسليمهم، و يهدده إن لم يفعل. فدافع عنهم.

فسار الملك الناصر بنفسه، و نزل ببركة زيزا (1)، و عزم منازلة الكرك- إن أصر الملك المغيث على الامتناع من تسليمهم إليه.

و كان الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى قد تخيّل‏ (2) من الملك المغيث، للحكاية التى قدمناها. فأرسل إلى السلطان الملك الناصر الأمير بهاء الدين أمير أخور ليلا (3)، يطلب منه الإذن فى حضوره إلى خدمته، و مفارقة

____________

(1) تقدم ذكرها، و هى فى البلقاء.

(2) أى توهم أو تخوف.

(3) وظيفة صاحب هذا اللقب أنه هو المتولى شئون الإسطبلات السلطانية، من الخيول و الإبل، و ما يتعلق بذلك. و «آخور» معناها: المعلف.

(انظر القلقشندى: ج 5- 460)

437

الملك المغيث، و أن يستحلفه له و لجماعة معه أن لا يغدر بهم، و أن يكون السفير فى ذلك الأمير عماد الدين بن المجير. فأجاب الملك الناصر إلى ذلك.

فبعث إليه الأمير ركن الدين الشيخ يحيى، برسالة، مضمونها: أن يحلف له و لعشرين من أصحابه، و أن يقطعه خبز مائة فارس، و شرط أن تكون قصبة نابلس و جينين‏ (1) و زرعين‏ (2) مما يقطعه له. فأجاب إلى نابلس لا غير، و حلف له.

فقدم الأمير ركن الدين إلى الملك الناصر، فى العشر الأول من شهر رجب- و صحبته الجماعة الذين حلف لهم، و هم: الأمير بدر الدين بيسرى الشّمسى، و الأمير سيف الدين أتامش المسعودى، و الأمير علاء الدين طيبرس الوزيرى، و جمال الدين أقش الرّومى، و سيف الدين بلبان الدّاودار، و علاء الدين كشتغدى الشّمسى، و حسام الدين لاجين الدّوادار، المعروف بالدّرفيل، و علاء الدين أيدغمش الحكيمى، و علاء الدين كستغدى المشرفى، و عز الدين أيبك الشيخ، و ركن الدين بيبرس خاص ترك الصغير، و سيف الدين بلبان المهرانى، و علم الدين سنجر الأسعدى، و علم الدين سنجر الهمامى، و شمس الدين أباز الناصرى، و شمس الدين طمان، و عز الدين أيبك العلائى، و حسام الدين لاجين‏

____________

(1) بليدة بين نابلس و بيسان، من أرض الأردن.

(معجم البلدان: ج 3- 195)

(2) تقع بين قريتى الفولة و الناصرة، و هما بلدتان بفلسطين.

(النجوم الزاهرة: ج 7- 97- حاشية 4)

438

الشّقيرى، و سيف الدين بلبان الأقسيسى، و علم الدين سلطان الإلدكزى- فأكرمهم الملك الناصر، و وفى لهم، و خلع عليهم و أحسن إليهم، و أقطعهم.

ثم أمسك الملك المغيث من بقى عنده من البحرية، و سيّرهم إلى الملك الناصر، و هم: الأمير سيف الدين سنقر الأشقر، و الأمير سيف الدين سكز، و الأمير سيف الدين برامق- فأرسلهم الملك الناصر إلى قلعة حلب، و اعتقلهم بها. حتى استولى هولاكو على حلب، فأفرج عنهم و أضافهم إلى عسكره.

و بقى الأمير ركن الدين البندقدارى، و الأمير سيف الدين قلاوون، و غيرهما، ممن لم يمسك من خوشداشيّتهما، فى خدمة الملك الناصر، إلى أثناء سنة ثمان و خمسين و ستمائة. ففارقوه، لما ملك التتار حلب، و علموا عجزه عن ملاقاتهم، ففارقوه و توجهوا إلى غزّة.

و كان للبحرية فى بعض هذه المدة أحوال يطول شرحها، حتى أعوزهم القوت فى بعض الأوقات. ثم اجتمعوا بعد مفارقة الملك الناصر، و توجهوا إلى خدمة الملك المظفر سيف الدين قطز، و شهدوا معه حرب التتار- على ما نذكره، إن شاء اللّه تعالى، فى موضعه.

فلنرجع إلى سياقة أخبار الملك المعز.

439

و استهلّت سنة ثلاث و خمسين و ستمائة:

ذكر مخالفة الأمير عز الدين أيبك الأفرم و خروجه عن الطاعة، و تجريد العسكر إليه و إلى من وافقه، و انتقاض أمره‏

كان الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحى أقام فى البلاد، بعد أن هزم الأمير فارس الدين أقطاى الصالحى العرب- كما تقدم- و تأخر هو لتمهيد البلاد.

فلما قتل الأمير فارس الدين أقطاى، تظاهر بالعصيان، و استولى على الأعمال القوصيّة- بموافقة متولّيها الأمير ركن الدين الصّيرمى. و استولى أيضا على الأعمال الإخميميّة و الأسيوطيّة، و قطع الحمول عن بيت المال بقلعة الجبل من هذه الأعمال، و اقتطع الأموال لنفسه. و وافقه الشريف حصن الدين بن ثعلب.

فندب السلطان العساكر لذلك، و قدّم عليها الصاحب شرف الدين هبة اللّه بن صاعد الفائزى. فتوجه إلى جهة الصعيد، و ظفر بالشريف حصن الدين بن ثعلب. فأحضره إلى السلطان، فاعتقله بقلعة الجبل، ثم نقله إلى ثغر الإسكندرية، و اعتقله هناك. فلم يزل فى الاعتقال، إلى أن شنقه السلطان الملك الظاهر ركن الدين- على ما نذكره‏

440

و أما الأمير عز الدين الأفرم، فإنه [] (1) و أما الأمير ركن الدين الصّيرمى- متولّى الأعمال القوصية- فإنه كان قد ظن أنه يستبدّ بالأمر، و يستولى على البلاد و يستمر له ذلك، و تخيّل ذلك بذهنه. فلما انتقض عليه هذا الأمر، تحيّل فى الهرب، و توجه إلى دمشق. و التحق بخدمة السلطان الملك الناصر.

و كان وصوله إلى دمشق فى جمادى الآخرة، سنة أربع و خمسين و ستمائة- بعد أن نهبت أمواله، و قتلت رجاله. و لما وصل، أنزل بالمدرسة العزيزيّة (2) على الشّرف الأعلى، فقال للفقهاء: اعذرونى، فأنتم اخلوا لى الجوسق الذى على الميدان، و ما أنتقل إليه إلا بطالع. و أحضر المنجم، و أخذ له الطالع، و انتقل إلى الجوسق. فاستقل الناس عقله.! فإنه وصل من النهب و الهرب، و الشّتات و قتل الرجال، و هو يتمسك بالطوالع و أقوال المنجّمين.

____________

(1) بياض بالنسختين: (ك) و (ع) نحو سطر

(2) هكذا فى (ك) و لكن فى (ع): العزية و الأول هو الصواب.

فالمدرسة العزيزيّة- و قد سبق ذكرها- كانت من كبرى المدارس بدمشق.

و هى تنسب إلى العزيز عثمان بن السلطان صلاح الدين‏

441

و استهلّت سنة أربع و خمسين و ستمائة:

ذكر تفويض قضاء القضاة بالديار المصرية للقاضى: تاج الدين عبد الوهاب بن القاضى الأعز خلف‏

فى هذه السنة، فوّض السلطان- الملك المعز- قضاء القضاة بمصر و الوجه القبلى، لقاضى القضاة: تاج الدين عبد الوهاب، بن القاضى الأعزّ خلف، بن محمود بن بدر العلامى‏ (1)- و هو المعروف بابن بنت الأعزّ.

و كتب له تقليد شريف معزّى، تاريخه تاسع شهر رمضان. و كان ذلك جاريا (2) فى ولاية قاضى القضاة: بدر الدين يوسف السّنجارى.

فاستقر القاضى بدر الدين- قاضى القضاة- بالقاهرة و الوجه البحرى.

ثم فوّض ذلك، فى بقية هذا الشهر، لقاضى القضاة تاج الدين- المشار إليه- بتقليد تاريخه لثمان بقين من شهر رمضان من السنة. فكمل له بهذه الولاية قضاء القضاة بالمدينتين، و العملين القبلى و البحرى، و سائر أعمال الديار المصرية. و عزل قاضى القضاة: بدر الدين السّنجارى عن القضاء.

____________

(1) هو تاج الدين عبد الوهاب بن خلف، بن محمود بن بدر العلامى (نسبة إلى بنى علامة، و هم بطن من لحم) المعروف بابن بنت الأعز. و الأعز كان وزيرا للملك الكامل (و هو الأعز مقدام بن القاضى أبى السعادات أحمد بن شكر، الذى تقدمت أخباره فى المتن) و كان عبد الوهاب ينسب إلى جده لأمه هذا و القاضى تاج الدين كان «إماما عالما فاضلا» «صالحا نزها» ولى المناصب الجليلة كنظر الدواوين و الوزارة و قضاء القضاة، و درّس بالشافعى و الصالحية. كان مولده فى سنة 614، و توفى سنة 665 ه (النجوم الزاهرة: ج 7- 222. و حسن المحاضرة: ج 1- 174) و والده كان يلقّب «بالقاضى الأعز» أيضا: خلف- كما سيرد فى المتن.

(2) فى (ع): «جار».

442

و قد شاهدت تقليدى قاضى القضاة تاج الدين. و نسخة التقليد الأول- بعد البسملة، و مثال العلامة المعزية:- «حسبى اللّه. الحمد للّه مقيم منار الشريعة الهادية، و ناشر أعلامها.

و رافع محلّها على الشرائع و معلى مقامها. و هادى الخليقة إلى اتباع أقضيتها و أحكامها. و ناصر دينه باتّساقها و انتظامها. و مشيد أركانها بصالحى أئمّتها و حكامها، و جاعلهم أئمة يهدون بأمره فى نقض الأمور و إبرامها. و صلّى اللّه على سيدنا محمد، خاتم الرسل و إمامها. و منير الملّة بعد إظلامها. و على آله و أصحابه، نجوم سماء المعارف و بدور تمامها- صلاة لا تنقطع مادة دوامها، و لا يأتى النّفاد على لياليها و أيامها.

أما بعد. فإنا لما فوّض اللّه إلينا من أمور بريّته، و استحفظنا إياه من تدبير خليقته، و آتانا بقدرته من اليد الباسطة، و جعلنا بينه و بين عقد خلقه الواسطة، و منحناه من السلطان و التّمكين، و خصّنا به من الفضل المبين- لا نزال من حسن التدبير فى تصعيد و تصويب، و من مصالح الإسلام فى تمهيد و ترتيب، و من الرأى الأصيل فى خبب و تقريب‏ (1)، عالمين بأن اللّه تعالى يسأل كلّ راع عما استرعاه، و كلّ ساع عما سعاه، و يحاسبه عليه يوم رجعاه، و يجد عمله مكتوبا مسطّرا، و تجد كلّ نفس ما عملت من خير محضرا- و كان أولى الأمور بالنظر، و أحقّها أن يصان صفوها عن الكدر،

____________

(1) قال فى «القاموس» و الخبب: ضرب من العدو». و التقريب كذلك.

443

منصب الشريعة، الذى هو ملاك الدين و قوامه، و انتظام الإسلام و التئامه، و الطريق التى فرض اللّه اتباعها على خلقه، و السبيل التى من فارقها فقد خلع ربقة (1) الإسلام من عنقه-.

ارتدنا لهذا المنصب الشريف من يرعاه و يصونه، و تجرى على يده حياطته و تحصينه. و نظرنا فيمن يقع عليه سهم الاختيار، و يظهر جوهره الابتلاء و الاختبار. فكان المجلس السامى القاضى الأجلّ، الإمام الصدر، الفقيه الكبير العالم العامل الفاضل، الأعزّ المرتضى، الورع الكامل المجتبى، الأشرف السعيد، تاج الدين جلال الإسلام، مفتى الأنام، شمس الشريعة، صدر العلماء، قاضى القضاة، سيد الحكام، خالصة أمير المؤمنين: عبد الوهاب بن القاضى الأجل، الفقيه العالم الأعز، أبى القاسم خلف- أدام اللّه تأييده و تمكينه، و رفعته و تمهيده، و قرن بالنّجح قصوده- طلبتنا المنشودة، و إرادتنا المقصودة. لما جمع اللّه فيه من الخلال الفاخرة، و الديانة الجامعة لخير الدنيا و الآخرة، و العلم الذى أمسى به للهداة علما، و على أئمة وقته مقدّما. و أصبح كل مانع إليه مسلّما. و راح بقداح الفضائل فائزا، و لكنوز العلوم الشريفة حائزا. فهو فقيه مصره، لا،

____________

(1) الربق: حبل فيه عدة عرى، يشدّ به، كل عروة: ربقة.

(القاموس المحيط)

444

بل فقيه عصره. و بكّار (1) زمانه علما و ورعا، و سوّار (2) وقته تقمّصا بالتقوى و تدرّعا.

قدّمنا خيرة اللّه تعالى، و ولّيناه قضاء القضاة و حكم الحكام، بمصر المحروسة، و جميع الوجه القبلى: من البرّين الشرقى و الغربى، إلى منتهى ثغر عيذاب‏ (3)، و ما يجاوره- من حدود مملكتنا، و بلاد دعوتنا، و جميع ما فى هذه الولاية من المدارس و أوقافها، و كلّ ما كان فى نظر القاضى الفقيه شرف الدين بن عين الدولة- (رحمه الله)- من ذلك، و ما استجدّ بعده، و استقرّ فى نظر الحكام. و فوّضنا إليه ذلك التفويض التام. و بسطنا يده فى الولاية و العزل. و حكّمناه فى العقد و الحلّ. فليستخر اللّه فى تقلّد ما قلّدناه، و قبول ما فوّضناه إليه و رددناه. و ليحكم بين الناس بما أراد اللّه. فإن قبول ذلك يجب عليه وجوبا، لما يتحقق أن اللّه يجريه فى أحكامه، و يقدّره فى أيامه، من حياطة الدين و مصالح المسلمين.

____________

(1) يشير إلى القاضى «بكّار» بن قتيبة. من كبار قضاة مصر، تولى قضاءها سنة 246 ه من قبل المتوكل، ثم كان القاضى فى أيام أحمد بن طولون و كانت له معه وقائع. و كان فاضلا نزها تقيا ورعا.

توفى فى السجن، و ذلك فى سنة 270.

(وفيات الأعيان: ج 1- ص 252)

(2) يقصد به «سوّار بن عبد اللّه» العنبرى التّميمى. كان من كبار الفقهاء و المحدّثين. و تولى القضاء ببغداد بالجانب الشرقى بالرصافة. شهد له العلماء بأنه كان ثقة صالحا. و سئل أحمد بن حنبل عنه، فقال: ما بلغنى عنه إلا خير. و كانت وفاته ببغداد فى سنة 245 ه.

(تاريخ بغداد: الخطيب البغدادى: ج 9- 210)

(3) بليدة على ضفة بحر القلزم (البحر الأحمر)، هى مرسى المراكب التى تقدم من عدن إلى الصعيد. و هى تقع على الشاطئ المصرى- تقابل جدّه على شاطئ الحجاز.

(معجم البلدان: ج 6- 246)

445

و إذا احتاج الحكّام و ولاة الأمور إلى وصايا يطال فيها و يطنب، و يبالغ فى توكيدها و يسهب- وجدناه غنيّا عن ذلك، بما سنّاه اللّه له و يسّره، و خلقه من كماله و قدّره، و مثله لا يوصّى، و لا يستوعب له القول و لا يستقصى. و اللّه تعالى يرقّيه إلى درجات الكرامة، و يجعل فيما فوّض صلاح الخاصّة و العامّة و الاعتماد فيه على العلامة الشريفة، السلطانية الملكية المعزّيّة- زاد اللّه علاها و شرفها، إن شاء اللّه عز و جل. كتب فى التاسع من شهر رمضان، سنة أربع و خمسين و ستمائة. الحمد للّه رب العالمين. و صلى اللّه على سيدنا محمد و آله الطيّبين الطّاهرين، و سلم تسليما كثيرا. و حسبنا اللّه و نعم الوكيل».

و نسخة التقليد الثانى:

«الحمد للّه، كافل المزيد لمن شكره، و رافع الدرجات لمن أطاعه فيما نهاه و أمره، و هادى أمّة الحق إلى السبيل الذى يسّره، و شرعه الذى ارتضاه لدينه و تخيّره. و جاعل العلماء ورثة أنبيائه، فيما أباحه من الأحكام و حظّره.

أحمده حمدا لا يحصى عدده. و أشكره شكرا يتجدّد كلما طال أمده. و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده، لا شريك له، شهادة تستنفد الإمكان. و يشهد بالإخلاص فيها الملكان-. و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، الذى اصطفاه و انتخبه. و فرض اتباعه على خلقه و أوجبه. و بعثه رسولا فى الأميّين. و أرسله رحمة للعالمين.

446

و نصب شريعته سبيلا منجّيا. و طريقا إلى الرسل مؤدّيا. و شرف رتبتها و عظّمها. و أعلى قدر من رقى ذروتها و تسنّمها- صلى اللّه عليه- ما تعاقب شمس و قمر. و ذكر مبتدأ و خبر و جرى بالكائنات مشيئة و قدر.

و على الأنبياء الذين أخلصهم بخالصة ذكرى الدار، و جعلهم من المصطفين الأخيار. و على آله أولى الأيدى و الأبصار. و أصحابه المهاجرين و الأنصار. صلاة دائمة الاستمرار. باقية على تعاقب الليل و النهار.

أما بعد، فإن اللّه. تعالى- جعل شريعة نبيّه صراطا متّبعا و طريقا مهيعا (1) و محلّا مرتفعا. و أنزل بتعظيمها قرآنا، و جعلها بين الحق و الباطل فرقانا. فقال مخاطبا لنبيّه- تنبيها و تعليما، و تبجيلا لقدرته و تعظيما: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحقّ، لتحكم بين الناس بما أراك اللّه و لا تكن للخائنين خصيما. و عظّم قدر العلماء فى آياته المحكمات، و كلماته البيّنات، فقال عزّ و جل: يرفع اللّه الذين آمنوا منكم، و الذين أوتوا العلم درجات.

فتعيّن بذلك على ولاة الأمور، من الاجتهاد المأثور، أن يتخيّروا لهذا المنصب الشريف، من الولاة: من هو أجلّهم علما. و أعدلهم حكما، و أنفذهم فى الحقّ سهما. و أضواهم حسّا، و أشرفهم نفسا، و أصلحهم يوما و أمسا. و أطهرهم و أورعهم. و أجداهم للإسلام و أنفعهم.

و كنا قد مثلنا كنانة (2) العلماء بمصرنا، فعجمنا عيدانها. و اختبرنا أعيانها. فوجدنا المجلس العالى: القاضى الأجلّ، الصدر الكبير، الإمام‏

____________

(1) واضحا متسعا.

(2) الكنانة: وعاء السهام.

447

العالم العامل. الزاهد العابد، الكامل الأوحد، المجتبى المؤيد الأعز الأسعد، تاج الدين جلال الإسلام، ضياء الأنام، بهاء الملّة، شمس الشريعة سيد الحكام، قدوة العلماء: يمين الملوك و السلاطين، قاضى قضاة المسلمين، خالصة أمير المؤمنين: عبد الوهاب، بن القاضى الفقيه، الأجلّ الأعز، أبى القاسم خلف- أدام اللّه تأييده و بسطته، و تمكينه و رفعته- قد زادت صفاته على هذه الصفات، و أوفت عليها أتمّ الموافاة.

و اختبرنا منه رجلا، لو عرضت عليه الدنيا لم يردها. و لو صوّر نفسه لم يزدها. و وقع على سيادته إجماع الحاضرين و البادين، و المسودين و السّائدين. و شهدوا بها، و نحن على ذلك من الشاهدين.

ففوّضنا إليه ما فوّضناه: من قضاء القضاة بمصر المحروسة، و الأقاليم القبلية، و ما معها. و الأوقاف و المدارس و ما جمعها- الجارية فى نظر الحكم العزيز. ثم تجدّد لنا نظر يعمّ المسلمين شانه، و منظر يرمقهم بالمصالح إنسانه. و علمنا أن هذه الولاية بعض استحقاقه، و أنها قليلة فى جنب نصحه للمسلمين و إشفاقه. و أن صدره الرحيب لا يضيق بأمثالها ذرعا، و لا يعجز- بحمد اللّه- أن يرعيها بصرا من إيالته و سمعا. إذ كان قد.

أحيا بها السّنّة السّلفيّة، و أظهر أسرار العدل الخفيّة. و زاد الحقّ بنظره وضوحا، و المعروف دنوّا و المنكر نزوحا- رأينا أن نجمع إليه قضاء القضاة بالقاهرة المعزية و الوجه البحرى، و ما كان يتولاه من قبله، من أوقاف البلاد و مدارسها، و ربطها و محارسها، و منابت العلوم و مغارسها.

و قد أكملنا له بذلك قضاء القضاة بجميع الديار المصرية: أرجاء و أكنافا، و مداين و أريافا، و أوساطا و أطرافا. و جعلناه الحاكم فى أقضيتها،

448

و المتصرف فى أعمالها و مدانيها. و أقاصى بلادها و أدانيها. و أطلقنا يده فى أحكامها، و ما يراه من تولية و عزل لحكّامها. و النظر فيما كان الحكّام قبله يتولونه من الوقوف. و هو غنىّ أن يوصّى بنهى عن منكر أو أمر بمعروف. لما فيه من صفات الكمال، و شريف الخلال. و لم نستوف وصية فى عهدنا إليه و لم نستقصها، و استغنينا عن مبسوط الأقوال بملخّصها- تحقّقا أنه صاحب قياس الشريعة و نصّها.

فليحكم بما فوّضناه إليه، و بسطنا فيه يديه: من الجرح و التّعديل‏ (1)، و الإقرار و التّبديل. و اللّه يوفّقه فيما تولاه قائلا و فاعلا، و يرشده لمراضيه مسئولا و سائلا، و يجعل الصلاح للكافّة به شاملا. و يقرن التقوى بلسانه و قلبه، و يلبسه من السعادة ملبسا لا تتخطّى الخطوب إلى سلبه. و يجعله داعيا إلى اللّه على بصيرة من ربه. إن شاء اللّه عز و جل.

«كتب لثمان بقين من شهر رمضان المعظم، من سنة أربع و خمسين و ستمائة. بالإشارة العالية الصاحبية، الوزيريّة المولويّة الشّرفيّة، ضاعف اللّه علاها. الحمد للّه رب العالمين. و صلى اللّه على سيدنا محمد نبيه و آله، و سلّم.

حسبنا اللّه و نعم الوكيل».

و كتب الوزير الصاحب شرف الدين الفائزى- على كلّ من هذين التقليدين، تحت خط السلطان فى بيت العلامة، ما مثاله: «تمثيل الأمر العالى- أعلاه اللّه و شرّفه».

____________

(1) أى الحكم بعدالة الأشخاص، أو نفيها عنهم.

449

و قد نقلت ذلك من التقليدين، كما شاهدته. و لم يتعرض الموقّع فيهما إلى ذكر جامكيّة (1) و لا جراية. و اللّه أعلم.

و لم تطل مدة هذه الولاية. فإنه صرف فى السنة التى تليها، سنة خمس و خمسين- فى ثالث شهر ربيع الأول، و قيل بعد ذلك بقليل. و اللّه أعلم.

ذكر ما حدث بالمدينة النبوية- على صاحبها أفضل الصلاة و السلام- من الزلازل، و النار التى ظهرت بظاهرها

و فى سنة أربع و خمسين و ستمائة، وردت كتب من المدينة النبوية- على ساكنها أفضل الصلاة و السلام- بخبر هذه الحادثة. من جملتها، كتاب القاضى شمس الدين سنان، بن عبد الوهاب بن نميلة الحسينى- قاضى المدينة- و إلى بعض أصحابه بدمشق، مضمونه:

«لما كانت ليلة الأربعاء. ثالث جمادى الآخرة- حدث بالمدينة فى الثّلث الأخير من الليل، زلزلة عظيمة، أشفقنا منها، و دامت بقيّة تلك الليلة. تزلزل كل يوم و ليلة قدر عشر نوبات. و اللّه، لقد زلزلت مرة، و نحن حول حجرة النبى- (صلى اللّه عليه و سلّم)- حتى اضطرب لها المنبر، و سمعنا منه صوت الحديد الذى فيه! و اضطربت قناديل الحرم الشريف! و دامت‏

____________

(1) الجامكية: المرتب‏

450

الزلزلة إلى يوم الجمعة ضحى، و لها دوىّ مثل دوىّ الرعد القاصف! ثم طلع، يوم الجمعة، فى طريق الحرّة (1) فى رأس قريظة، على طريق السّوارقيّة (2) بالمقاعد، مسيرة من الصبح إلى الظهر- نار عظيمة مثل المدينة العظيمة! و ما ظهرت لنا إلا ليلة السبت. و أشفقنا منها و خفنا خوفا عظيما.

و طلعت إلى الأمير و كلّمته، فقلت له: قد أحاط بنا العذاب، ارجع إلى اللّه تعالى. فأعتق مماليكه، و ردّ على جماعة أموالهم. فلما فعل هذا، قلت له: اهبط الساعة معنا إلى النبى (صلى اللّه عليه و سلّم). فهبط، و بتنا ليلة السبت، و الناس جميعا و النسوان و أولادهم، و ما بقى أحد، لا فى النخيل و لا فى المدينة- إلا عند النبى (صلى اللّه عليه و سلّم).

و أشفقنا منها، و ظهر لها لسان- حتى رؤيت من مكة، و من الفلاة جميعها. ثم سال منها نهر من نار، و أخذ فى وادى أحيلين‏ (3)، و سدّ الطريق. ثم طلع إلى بحرة الحاج، و هو نهر نار يجرى- و فوقه جمر تسير إلى أن قطعت الوادى- وادى الشّظاة (4). و ما عاد يجي‏ء فى الوادى سيل قط،

____________

(1) موضع معروف فى ظاهر المدينة المنورة، أرضه كالصخر المحروق، كانت به موقعة الحرّة.

(2) قرية أبى بكر بين مكة و المدينة، و هى نجدية و كانت لبنى سليم.

(معجم البلدان: ج 5- 164)

(3) هكذا ضبطه فى «النجوم الزاهرة: ج 6- 18». و هو واد قريب من المدينة.

(4) واد يأتى من شرقى المدينة من أماكن بعيدة عنها، حتى يصل إلى الحرة.

(المصدر السابق ج 7- 17)

451

لأنها حرّة، تجى قامتين و ثلاثا علوّها. و تمت تسير، إلى أن سدّت بعض طرق الحاج، و بعض البحرة، بحرة الحاج. و جاء فى الوادى إلينا منها قتير (1) و خفنا أنه يجيئنا. و اجتمع الناس، و دخلوا على النبى (صلى اللّه عليه و سلّم)، و يأتوا عنده جميعهم ليلة الجمعة. فطفئ قتيرها الذى يلينا، بقدرة اللّه سبحانه.

و هى الى الآن و ما نقصت، الّا ترى مثل الجمال حجارة من نار. لها دوىّ، ما يدعنا نرقد و لا نأكل و لا نشرب. و ما أقدر أصف لك عظمها، و ما فيها من الأهوال. و أبصرها أهل التّنعيم‏ (2)، و ندبوا قاضيهم ابن أسعد.

و جاء و عدّى اليها، و ما قدر يصفها من عظمها. قال: و كتبت الكتاب، يوم خامس رجب، و هى على حالها، و الناس منها خائفون. و الشمس و القمر، من يوم طلعت، ما يطلعان إلا كاسفين. نسأل اللّه العافية.

قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: بان عندنا بدمشق أثر الكسوف من ضعف نورها على الحيطان. و كنا حيارى من ذلك، لا ندرى ما هو؟ إلى أن اتضح، و جاء هذا الخبر عن هذه النار.

____________

(1) دخان فيه نار، و رائحة الشى‏ء المحترق.

(2) موضع بمكة فى الحلّ (خارج الحرم) و هو بين مكة و سرف، على فرسخين من مكة- و قيل على أربعة- منه يحرم المكيّون بالعمرة.

(ياقوت: معجم البلدان: ج 2- 416)

452

و جاء كتاب آخر من بعض بنى القاشانى بالمدينة، يذكر فيه خبر هذه الحادثة، نحو ما تقدم، و يقول:

«و من قبل ذلك بيومين، سمع الناس صوتا مثل صوت الرعد- ساعة بعد ساعة- و ما فى السماء غيم، حتى يظنّ أنه منه. ثم زلزلت الأرض فى يوم الأربعاء المذكور آنفا، فرجفت بنا رجفة لها صوت كدوى الرعد. ففزع الناس إلى المسجد، و ضجّوا بالاستغفار و الصلاة. و دامت ترجف بالناس، ساعة بعد ساعة، من ليلة الأربعاء إلى صبح يوم الجمعة. فارتجت الأرض رجة قوية، إلى أن اضطرب بنا المسجد، و سمع لسقف المسجد صرير عظيم! و سكتت الزلزلة بعد صبح يوم الجمعة، إلى قبل الظهر.

ثم ظهرت نار من الحرّة تتفجر من الأرض، فارتاع الناس لها روعة عظيمة. ثم ظهر لها دخان عظيم فى السماء، ينعقد، حتى بقى كالسحاب الأبيض، يتصل إلى قبيل مغيب الشمس من يوم الجمعة. ثم ظهر للنار ألسن تصعد إلى السماء حمر، و عظمت حتى غطّت حمرة النار السماء كلّها. و بقى الناس فى مثل ضوء القمر. و أيقن الناس بالهلاك و العذاب. و ذكر من توبة الناس، و فعل الأمير بالمدينة و عتقه مماليكه، و وضعه المكوس، نحو ما تقدم.

قال: و بقيت النار تلتهب التهابا، و هى كالجبل العظيم، و لها حسّ كالرعد. فدامت كذلك. فدامت كذلك أياما. ثم سالت فى وادى أحيلين‏ (1)، فتحدرت فى الوادى إلى الشّظاة، حتى لحق سيلانها بالبحرة

____________

(1) سبقت الإشارة إليه‏

453

بحرة الحاج، و الحجارة معها تتحدر و تسير، حتى كادت تقارب حرّة العريض. ثم سكنت و وقفت أياما. ثم عاد يخرج من النار حجارة أمامها و خلفها، حتى بنت جبلين أمامها و خلفها، و ما بقى يخرج منها من بين الجبلين لسان لها أياما. ثم انها عظمت الآن، و سناها إلى الآن، و هى تتّقد كأعظم ما يكون. و لها صوت عظيم من آخر الليل إلى صحوة فى كل يوم. و لها عجائب ما أقدر أصفها، و لا أشرحها لك على الكمال. و إنما هذا منها طرف. قال: و كتبت هذا الكتاب، و لها شهر و هى فى مكانها، ما تتقدم و لا تتأخر.

و قال بعض أهل المدينة فى ذلك شعرا، و هو:

يا كاشف الضّرّ: صفحا عن جرائمنا * * * لقد أحاطت بنا يا ربّ بأساء

نشكو إليك خطوبا لا نطيق لها * * * حملا، و نحن بها، حقا أحقّاء

زلازلا تخشع الصّمّ الصّلاب لها * * * و كيف يقوى على الزلزال شمّاء

أقام سبعا يرجّ الأرض، فانصدعت‏ * * * عن منظر، منه عين الشمس عشواء

بحر من النار، تجرى فوقه سفن‏ * * * من الهضاب، لها فى الأرض إرساء

كأنما فوقه الأجبال، طافية * * * موج علاه لفرط الهيج غثّاء (1)

يرى لها شرر كالقصر طائشة * * * كأنّها ديمة تنصبّ هطلاء

تنشقّ منها قلوب الصّخر، إن زفرت‏ * * * رعبا، و يرعد مثل السّعف رضواء

منها تكاثف فى الجوّ الدّخان إلى‏ * * * أن عادت الشمس منه و هى دهماء

____________

(1) الغثّاء (بتشديد الثاء المفتوحة أو بدون ذلك) الهالك من ورق الشجر المختلط مع زيد السيل.

«القاموس المحيط»

454

قد أثّرت سفعة فى البدر لفحتها * * * قليلة التّمّ بعد النور ليلاء

تحدّث النّيرات السّبع ألسنها * * * بما يلاقى بها تحت الثّرى الماء

و قد أحاط لظاها بالبروج، إلى‏ * * * أن كاد يلحقها بالأرض إهواء

فيا لها آية (1)من معجزات رسول‏ * * * اللّه يعقلها القوم الألبّاء

فباسمك الأعظم المكنون إن عظمت‏ * * * منا الذّنوب، و ساء القلب أسواء (2)

فاسمح و هب و تفضّل و امح و اعف و جد * * * و اصفح‏ (3)، فكل لفرط الجهل خطّاء

فقوم يونس لما آمنوا أمنوا * * * كشف العذاب، و عمّ القوم نعماء

و نحن أمة هذا المصطفى، و لنا * * * منه إلى عفوك المرجوّ دعّاء

هذا الرسول الذى لولاه ما سلكت‏ * * * محجّة فى سبيل اللّه بيضاء

فارحم و صلّ على المختار، ما خطبت‏ * * * على علا منبر الأوراق ورقاء

ذكر خبر احتراق مسجد المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة و السلام‏

و فى هذه السنة- فى ليلة الجمعة أول شهر رمضان- احترق مسجد المدينة النبوية- على ساكنها أفضل الصلاة و السلام.

____________

(1) بقية البيت كانت ناقصة من (ك)، فأكمل من النسخة الثانية (ع).

(2) الأبيات التالية لا تبدو فى مستوى الأبيات التى سبقت فى القصيدة، فربما تكون إضافة من ناظم آخر.

(3) هذا الشطر مفقود من النسخة (ك) فأكمل البيت من (ع).