نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج31

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
460 /
105

تجار السلطان. و أنا لى سبع‏ (1) و عشرون قلعة، [و فيها معادن‏ (2):] جواهر و يواقيت.

و المغاص‏ (3)، و كل ما يحصل منها فهو لي. فاكرم السلطان هذا الرسول، و كتب جوابه و جهزه.

و فيها، نجزت عمارة تربة، كان السلطان قد رسم [لشاد الأمير علم الدين سنجر الشجاعى‏ (4)] بعمارتها لوالده و ولده الملك الصالح، بالقرب من مشهد السيدة نفيسة و عمرت. و نزل السلطان و ولده إليها، و تصدقا، و رتبا وقوفها. و رسم السلطان بعمل تربة و مدرسة و بيمارستان بالقاهرة.

ذكر عمارة التربة المنصورية و المدرسة و البيمارستان و مكتب السبيل‏

قال‏ (5)، و لما رأى السلطان الملك المنصور التربة الصالحية، أمر بانشاء تربة

____________

(1) فى الأصل سبعة و عشرين، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(2) الإضافة من ابن الفرات ج 7، ص 262.

(3) فى الأصل المغاضات، و ما هنا من ابن الفرات ج 7، ص 262.

(4) ما بين القوسين جرى نقله إلى هذا الموضع حتى يستقيم المعنى، و يتفق فى ذلك مع ابن الفرات ج 7، ص 277. على حين أن الرواية الأصلية مضطرية، و نصها.

«و فيها نجزت عمارة تربة، كان السلطان قد رسم بعمارتها لوالده و ولده الملك الصالح، بالقرب من مشهد السيدة نفيسة، و عمرت لشاد الأمير علم الدين سنجر الشجاعى.»

(5) العنوان و الرواية واردة فى ابن الفرات ج 7، ص 278 و لم يشر النويرى إلى مصدره، بل اكتفى بلفظة «قال» و تردد ذلك مرات عديده. و سار على نهجه ابن الفرات، و فى ذلك دليل على ما سبق الإشارة إليه من علاقة بين النويرى و ابن الفرات، و الراجح أن ابن الفرات نقل عن النويرى، أو عن مصدره.

106

[له‏ (1)]، و مدرسة و بيمارستان و مكتب سبيل. فاشتريت الدار القطبية (2)، و ما يجاورها- و هى بين القصرين- من خالص مال السلطان، و عوض مكان الدار القطبية (3) بالقصر المعروف بقصر الزمرد. و كان انتقال الدار القطبية (4) منها إلى قصر الزمرد، ثانى عشر ربيع الأول من السنة (5).

و رتب الأمير علم الدين الشجاعى مشدا على العمارة، فاظهر من الاهتمام بالعمارة و الاحتفال، ما لم يسمع بمثله. فعمرت فى أيسر مدة، و نجزت العمارة فى شهور سنة ثلاث و ثمانين و ستمائة. و إذا شاهد الرائى هذه العمارة العظيمة، و سمع أنها عمرت فى هذه المدة القريبة، ربما أنكر (6) ذلك.

و لما كملت العمارة، وقف السلطان من أملاكه القياسرو و الرباع‏ (7)، و الحوانيت و الحمامات، و الفنادق و الأحكار و غير ذلك‏ (8)، من الضياع بالشام، ما يحصل من أجر ذلك و ريعه و غلاته، فى كل شهر جملة كثيرة. و جعل أكثر ذلك على البيمارستان ثم [التربة بالقبة (9)]. و رتب وقف المدرسة، إلا أنه يقصر عن كفايتها. و رتب لمكتب السبيل، من الوقف بالشام ما يكفيه.

و لما تكامل ذلك، ركب السلطان و شاهده، و جلس بالبيمارستان و معه الأمراء، و القضاة و العلماء. فأخبرنى بعض من شهد السلطان، و شهد عليه،

____________

(1) الإضافة من ابن الفرات ج 7، ص 278.

(2) فى الأصل القبطية، و ما هنا من ابن الفرات ج 7، ص 278.

(3) فى الأصل القبطية، و ما هنا من ابن الفرات ج 7، ص 278.

(4) فى الأصل القبطية، و ما هنا من ابن الفرات ج 7، ص 278.

(5) المقصود سنة 682 ه.

(6) فى الأصل انكرت، و ما هنا به يستقيم المعنى.

(7) فى الأصل «الدباغ»، و ما هنا من ابن الفرات ج 7، ص 278.

(8) فى الأصل «و الضياع»، و ما هنا من ابن الفرات ج 7، ص 288.

(9) فى الأصل الفبة، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 9.

107

عليه، أنه استدعى قدحا من الشراب فشربه. و قال قد وقفت هذا على مثلى، فمن دونى. و أوقفه السلطان على الملك و المملوك، [و الجندى و الأمير و الوزير (1)] و الكبير و الصغير، و الحر و العبد، و الذكر و الأنثى. و جعل لمن يخرج منه، من المرضى، عند برئه كسوة. و من مات جهّزه، و كفن و دفن. و رتب فيه الحكما، الطبائعية (2) و الكحالين و الجرائحية و المجبرين، لمعالجة الرمدى و المرضى و المجرحين و المكسورين من الرجال و النساء. و رتب‏ (3) به الفراشين و الفراشات، و القومة، لخدمة المرضى، و إصلاح أماكنهم و تنظيفها، و غسل ثيابهم، و خدمتهم فى الحمام. و قرر لهم على ذلك، الجامكيات الوافرة.

و عملت التخوت و الفرش و الطراريح و الأنطاع و المخدات و اللحف و الملاوات لكل مريض فرش كامل. و أفرد لكل طائفة من المرضى أمكنة تختص بهم. فجعلت الأواوين الأربعة المتقابلة للمرضى بالحميات‏ (4) و غيرها، و جعلت قاعة للرمدى، و قاعة للجرحى، و قاعة لمن أفرط به الاصهال، و قاعة للنساء، و مكان حسن للمرورين‏ (5) من الرجال و مثله للنساء، و المياه تجرى فى أكثر هذه الأماكن. و أفردت أماكن. لطبخ الطعام، و الأشربة و الأدوية، و المعاجين و تركيب الأكحال، و الشيافات‏ (6)،

____________

(1) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 9.

(2) فى الأصل. الطبايعة. و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 9، بعد إثبات الهمزة و الطبايعية، و هم الطبائعية، و المفرد طبائعى، و هو المعروف الآن باسم طبيب الأمراض الباطنية.

(3) ابتداء من هذا الموضع، انفرد النويرى بايراد التفاصيل، لأنه تولى البيمارستان.

(4) فى الأصل «الحمايات».

(5) المقصود بالممرورين، و المفرد ممرور، من غلبت عليه المرة و هى المادة الصفراء، تفرزها الرارة (محيط المحيط).

(6) الشيافات، و الأشياف أيضا، جمع شياف، و هو دواء مسحوق، يستعمل العيون، و الشياف أيضا دواء يجعل قمعا أو تلبيسة أو فرزجة)SuPPositoire( ، لمعالجة أمراض المستقيم. انظر:Dozy :suPP .Dict .Ar .

108

و السفوفات، و عمل المراهم و الأدهان، و تركيب الترياقات‏ (1)، و أماكن لحواصل العقاقير، و غيرها من هذه الأصناف المذكورة. و مكان يفرّق منه الشراب. و غير ذلك من جميع ما يحتاج إليه. و رتب فيه مكان يجلس فيه رئيس الأطباء، لإلقاء درس طب، ينتفع به الطلبة، و لم يحصر (2) السلطان، أثابه اللّه، هذا المكان المبارك بعده فى المرضى، يقف عندها المباشر، و يمنع من عداها، بل جعله سبيلا، لكل من يصل إليه، فى سائر الأوقات، من غنى و فقير. و لم يقتصر أيضا فيه، على من يقيم به للمرضى، بل يرتب لمن يطلب، و هو فى منزله ما يحتاج إليه، من الأشربة و الأغذية و الأدوية، حتى أن هؤلاء زادوا فى وقت من الأوقات، على ما تبين، غير من هو مقيم بالبيمارستان.

و لقد باشرته‏ (3) فى شوال سنة ثلاث و سبعمائة، و إلى آخر رمضان سنة سبع و سبعمائة. فكان يصرف منه، فى بعض الأيام، من الشراب المطبوخ خاصة، ما يزيد على خمسة قناطير بالمصرى، فى اليوم الواحد، للمرتبين و الطوارى، غير السكر و المطابيخ من الأدوية و غير ذلك من الأغذية و الأدهان و الترياقات و غيرها و رتب فى البيمارستان من المباشرين و الأمناء، من يقوم بوظائفه، و اتباع ما يحتاج إليه من الأصناف، و ضبط ما يدخل إلى المكان، و ما يخرج منه خاصة، من غير أن يكون لهم تعلق فى استخراج الأموال. و إنما يبتاعون الأصناف، و يحيلون بثمنها على ديوان صندوق المستخرج، و يكتبون فى كل شهر، عمل استحقاق‏ (4)

____________

(1) فى الأصل الدرقات، و الدرياقات. و ما هنا من المجوسى، كامل الصناعة فى الطلب ج 2، ص 536- 527 (مطبعة بولاق 1294- 1877) و هو دواء مركب من عناصر مختلفة، و هو على أنواع، يستخدم كل منها فى معالجة المرض الذى ركب من أجله.

(2) فى الأصل يحضر، و ما هنا يستقيم به المعنى.

(3) ظل النويرى متوليا لهذا البيمارستان نحو أربع سنوات.

(4) عمل استحقاق، المقصود هنا إجراء سجل أو جريدة بما هو مستحق لأرباب الجامكيات و الجرايات انظر: النويرى: نهاية الأدب ج 8، ص 278.Dozy :suPPDict .Ar .

109

لسائر أرباب الجامكيات و الجرايات من سائر أرباب الوظائف و المباشرين، يكتبه‏ (1) العامل، و يكتب عليه الشهور. و يأمر الناظر بصرفه، و يخلد [فى‏ (2)] ديوان الصندوق‏ (3) و يصرف على حكمه. و هذه الطائفة من المباشرين بالبيمارستان، هم مباشر و الإدارة.

و أما مباشرو (4) الصندوق و الرباع، فإليهم يرجع تحرير جهات الأوقاف، فى الخلق و السكون و المعطل، و استخراج الأموال، و محاسبات المستأجرين و صرف الأموال، بمقضى حوالة مباشرى الإدارة، و مباشرة العمارة، و عمل الاستحقاق لا يتصرفون فى غير ذلك، كما لا يتصرف مباشر و الإدارة، فى صرف الأموال، إلا حوالة (5) بأوراقهم.

و أما العمارة، فلها مباشرون ينفردون بها، من ابتياع الأصناف، و استعمال الصناع‏ (6)، و مرمّة (7) الأوقاف، و غير ذلك مما يدخل فى وظيفتهم، كما يفعل فى الإدارة، و ينقل عليهم من الصندوق من المال، ما يصرفونه لأرباب الأجر

____________

(1) فى الأصل بكتبة، و ما هنا يستقيم به المعنى.

(2) الإضافة يقتضيها الأسلوب.

(3) صندوق المستخرج ديوان الصندوق، و هو حسبما ورد فيما بعد يختص بالنظر فى جهات الأوقاف، و ما طرأ عليها من زيادة أو ركود أو تعطيل، و فى استخراج الأموال، و محاسبات المستأجرين و صرف الأموال. انظر.Dozy :suPP .Dict .Ar .

(4) فى الأصل مباشرى، و ما هنا هو الصواب لغويا

(5) الحوالة وثيقة تجيز لحاملها أن ينال ما هو مستحق له من المرتبات، من المتحصل من جهة من الجهات المقررة له بها- انظر النويرى: نهاية الأرب ج 8، ص 219.

(6) فى الأصل «الصباغ».Dozy :suPP .Dict .Ar .

(7) فى الأصل برمة، و ما هنا هو الصواب، انظر وصف المدرسة الناصرية و القية التى كمل انشاء هما السلطان الناصر محمد سنة 703 (1303) نقلا من النويرى: نهاية الأرب (مخطوط) ج 30، ص 341 ب و ما يليها انظر الجزء 31 من نهاية الأرب تحقيق الأستاذ فهيم شلتوت الجارى طبعه بمركز تحقيق التراث (المصحح) و ورد هذا الوصف فى ملحق 17، فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 1040- 1050

110

خاصة. و يكتبون فى كل شهر، عمل استحقاق، بثمن الأصناف و أرباب الأجر، و يخصمونه بما أحالوا به على الصندوق، و ما وصل إليهم من المال و يسوقونه إلى فائض أو متأخر.

و ترفع كل طائفة من هؤلاء المباشرين حسباناتهم، مباومة و مشاهرة و مساناة إلى الناظر (1) و المستوفى‏ (2).

هذا ما يتعلق بالمارستان.

و أما القبة المباركة المنصورة، و هى التربة (3)، فإنه رتّب فيها خمسون مقرئا، يقرءون كتاب اللّه تعالى، ليلا و نهارا بالنوب. و جعل لكل منهم، فى كل شهر عشرون درهما. و رتب بها إمام، على مذهب الإمام أبى حنيفة، (رحمه الله تعالى)، و له فى كل شهر ثمانون درهما من أصل الوقف، و فى كل سنة فى ليلة ختم صلاة قيام رمضان، خلعة من خزانة السلطان، كاملة مسنجبة (4) مقتدرة (5) و رتّب بها ريس و مؤذنون‏ (6)، يعلنون‏ (7) الأذان، بالمأذنة الكبرى، و يقيمون‏

____________

(1) الناظر، و هو عادة رئيس ديوان الجيش، و يختص بالنظر فى أصول ما يتحصل من الأموال و ما يجرى صرفه، و الفائض منها و المتأخر، و تقدير الخراج، و الكشوف الجيشية. و يفحص ما يقوم به الموظفون من الأعمال و الحسبانات (النويرى: نهاية الأرب ج 8، ص 299)

(2) المستوفى. و يلى الناظر فى الوظيفة، و من أعماله مطالبة المستخدمين بما يجب عليهم دفعة من الحسابات فى أوقاته، و يراجع ما يرد عليه من الحساب و يستوفيه، و يضبط ايرادات الدولة و مصروفاتها.

انظر النويرى: نهاية الأرب ج 8، ص 301- 302. ابن مماتى: قوانين الدواوين ص 302، القلقشندى: صبح الأعشى ج 5، ص 466.Dozy :suPP .Dict .Ar .

(3) هذه العبارة جعلها الناسخ بخط كبير لتوضيح أهميتها، و يصح الاكتفاء هنا يجعل خط تحتها.

(4) فى الأصل مسنجية. و ما هنا هو الصواب، ذلك أنه جرى اتخاذها من فراء السنجاب انظر الدميرى: حياة الحيوان ج 2، ص 41.

(5) فى الأصل مقتدرة- و ما هنا هو الصواب، لاتخاذها من جلد القندر أو السمور. الدميرى:

حياة الحيوان ج 1، ص 263

(6) فى الأصل مؤذين‏

(7) فى الأصل يقلبون و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 10.

111

الصلاة، و يبلغون خلف الإمام. و هم سبعة نفر. الرئيس، و له فى كل شهر أربعون درهما، و المؤذنون ستة، لكل منهم فى كل شهر ستون درهما.

و رتب بها درس تفسير لكتاب اللّه تعالى، فيه مدرس‏ (1) يلقيه، رتب له فى كل شهر [مائة درهم، و ثلاثة و ثلاثون درهما و ثلث درهم، و معيد (2) له‏] فى كل شهر أربعون درهما، و طلبة عدتهم ثلاثون [نفرا (3)]، لهم فى كل شهر ثلاثمائة درهم، و درس حديث يذكر فيه حديث رسول اللّه، (صلى الله عليه و سلم)، له مدرس و معيد و طلبة، لهم فى كل شهر نظير ما لمدرس التفسير و معيده و طلبته، و زيادة على ذلك قارئ، يقرأ الحديث، بين يدى المدرس، فى أوقات الدروس، و يقرأ ميعادا (4) للعوام بين يديه أيضا، فى صبيحة كل يوم أربعاء، رتب له فى كل شهر ثلاثون درهما. و رتّب لخازن كتبها فى كل شهر أربعون درهما، و لخزانة كتبها من الخستمات الشريفة، و الربعات المنسوبة الخط، و كتب التفسير و الحديث و الفقه و اللغة، و الطب و الأدبيات، و دواوين الشعر شي‏ء كثير (5). و رتب بها [ا (6)] لخدام أزمة، يقيمون بالقبة، لحفظ حواصلها، و منع من يعبر إليها فى غير أوقات الصلوات، و هم ستة، لكل منهم فى كل شهر خمسون درهما، و غير هؤلاء من القومة و الفراشين و البوابين.

____________

(1) فى الأصل درس، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 10.

(2) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 10.

(3) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 10.

(4) ميعاد العوام، المقصود هنا درس فى الدين يجرى القاؤه على العوام. انظر

(5) فى الأصل شيئا كثير، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(6) فى الأصل، و ابن الفرات ج 8، ص 10 لخدام، و ما هنا يستقيم به المعنى.

112

و أما المدرسة المباركة المنصورية، فإنه رتب بها إماما شافعى المذهب، له فى كل شهر ثمانون درهما، و ريسا (1) و مؤذنين‏ (2)، يعلنون بالأذان بالمئذنة الكبرى المذكورة، هم و مؤذنو القبة بالنوبة (3)، و هم ريس و أربعة مؤذنين‏ (4)، لهم فى كل شهر نظير ما لمؤذنى القبة. و رتّب بها متصدر لإقراء كتاب اللّه، عز و جل، و رتب له فى كل شهر أربعون درهما. و رتب بها دروس للمذاهب الأربعة، الشافعية و المالكية و الحنفية و الحنابلة، لكل طائفة مدرس، له فى كل شهر مائتا درهم، و ثلاثة معيدين لكل منهم خمسة و سبعون درهما، و غير هؤلاء من القومة و الفراشين و بواب‏ (5).

و أما مكتب السبيل، فإنه رتّب فيه فقيهان يعلمان [ستين‏ (6)] صغيرا من أيتام المسلمين، كتاب اللّه تعالى. و رتب لهما جامكية فى كل شهر، و جراية فى كل يوم، و هى لكل منهما فى كل شهر ثلاثون درهما، و فى كل يوم من الخبز ثلاثة أرطال، و كسوة فى الشتاء، و كسوة فى الصيف. و رتّب للأيتام، لكل منهم، فى كل يوم رطلان خبزا، و كسوة فى الشتاء، و كسوة فى الصيف. و تنوّع‏

____________

(1) فى الأصل ريس، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(2) فى الأصل و فى ابن الفرات ج 8، ص 10 مؤذنون و ما هنا هو الصواب لغويا.

(3) فى الأصل بالتربة، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 10.

و ما يلفت النظر هنا أن الأخطاء اللغوية وقع فيها كل من النويرى و ابن الفرات، و هذا يؤكد صلتهما بمصدر أو مصادر اطلع كل منهما عليها.

(4) فى الأصل مؤذنون، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(5) فى ابن الفرات ج 8، ص 10 و نواب بجوامك مختصة بهم.

(6) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 10.

113

السلطان، أجزل اللّه ثوابه، فى وجوه البر و القربات. و هذه الجهات المباركة المبرورة باقية مستمرة، يزيد وقفها و ينمو، بحسن‏ (1) نية واقفها. قدّس اللّه روحه، و نور ضريحه.

و لنرجع إلى بقية حوادث سنين اثنتين و ثمانين و ستمائة.

و فيها، كانت وفاة الشيخ الإمام، عماد الدين أبو الفضل محمد ابن قاضى القضاة، شمس الدين أبى نصر محمد بن هبة اللّه الشيرازى، ببستانه‏ (2) بالمزة، فى فى يوم الاثنين، سابع عشر صفر. و صلى عليه بعد صلاة العصر، بجامع الجبل، و دفن بتربة فيها قبر أخيه علاء الدين. (رحمهما الله تعالى). و كان شيخ الكتابة، أتقن الخط المنسوب، و بلغ فيه مبلغا عظيما، حتى يقال إنه أتقن قلم‏ (3) المحقق، و كتبه أجود من شيخ الصناعة ابن البواب‏ (4).

____________

(1) فى الأصل الحسن، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 10.

(2) فى الأصل بنستانه، و ما هنا من ابن الفرات ج 7، ص 286، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 718.

(3) فى الأصل علم، و ما هنا من ابن الفرات ج 7، ص 286، أشار القلقشندى: صبح الأعشى ج 3، ص 51- 132 إلى أنواع الخطوط المستعملة فى ديوان الإنشاء، و منها الخط المنسوب، نسبة للساحة التى يخط عليها قلم الطومار، و منها قلم المحقق، الذى تجرى فى طغراوات كتب القانات.

(4) ابن البواب، و هو أبو الحسن على بن هلال، من أشهر الخطاطين ببغداد، هذب طريقة ابن مقلة فى الكتابة، و كساها رونقا و جمالا. نسخ القرآن بهذه 64 مرة، و منها نسخة بالخط الريحانى محفوظة بمكتبة لا له لى بالقسطنطينية.

ابن خلكان: وفيات الأعيان ج 1، ص 345، ابن كثير: البداية و النهاية ج 12، ص 14، الزركلى: الأعلام ج 5، ص 183.

114

و فيها، توفى الصاحب مجد الدين أبو الفدا إسماعيل بن إبراهيم بن أبى القاسم ابن أبى طالب بن كسيرات الموصلى. و كانت وفاته فى سابع عشرين شهر رمضان، بداره بجبل الصالحية. و كان (رحمه الله) كثير المروءة، واسع الصدر، كثير الهيبة و الوقار، جميل الصورة، حسن المنظر و الشكل، كثير التعصب لمن يقصده، محافظا على مودّة أصحابه و قضاء حوائجهم، كثير التفقد لهم، و أصله من الموصل، من بيت الوزارة. كان والده، وزير الملك المنصور عماد الدين زنكى ابن الملك العادل نور الدين أرسلان شاه بن عز الدين مسعود بن مودود بن زنكى بن آق‏سنقر. ثم باشر نظر الخزانة، للملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ [صاحب الموصل‏ (1)] ثم نقله إلى نظر الجزيرة العمرية (2)، لما فتحها. و وصل إلى الشام صحبة الملك المجاهد سيف الدين اسحاق، لما وصل فى الدولة الظاهرية.

و سكن دمشق، و ولى نظر البر بها (3). ثم نقل إلى نظر نابلس، ثم أعيد إلى دمشق فباشر نظر الزكاة بها. ثم انتقل إلى صحابة الديوان بالشام، إلى أن ملك سنقر الأشقر دمشق، فاستوزره كما تقدم. و تعطل‏ (4) بعد ذلك عن المباشرة، و سكن داره التى أنشأها بجبل قاسيون، جوار البيمارستان، فكان بها إلى أن مات.

____________

(1) الإضافة من ابن الفرات ج 7، ص 283، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 718- 719.

(2) المقصود جزيرة ابن عمر، و هى بلدة شمال الموصل، يحيط بها نهر دجلة إلا من جهة واحدة و اكتملت إحاطة الماء بها، بعد حفر خندق استمد ماءه من دجلة، و ينتمى إليها. و الأثير العلماء الأدباء. انظر. ياقوت: معجم البلدان.

(3) نظر البر- يتحدث متولى هذه الوظيفة فى أمر الشرطة، فى ظاهر دمشق، القلقشندى:

صبح الأعشى ج 4، ص 187.

(4) فى الأصل عطل و ما هنا من ابن الفرات ج 7، ص 283.

115

قال شمس الدين الجزرى‏ (1): قلت له يوما- و قد أضرته‏ (2) البطالة- يا مولانا لو ذكرت واحدا من أصحابك الأمراء، حتى يذكر بك السلطان، أو نائب السلطنة، فكاتب فى أمرك فإن لك خدما (3) و تفضلا (4) على الناس، فنظر إلى و أنشد:

لذّ خمولى و حلا مره‏ * * * و صاننى عن كل مخلوق‏

نفسى معشوقى و لي غيرة * * * تمنعنى عن بذل معشوقى‏ (5)

و فيها، فى يوم الخميس عاشر شهر رمضان، توفى الملك العادل سيف الدين أبو بكر ابن الملك الناصر صلاح الدين داود، ابن الملك المعظم شرف الدين عيسى ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب. و كانت وفاته بدمشق، و صلى عليه بعد صلاة الجمعة، و دفن بالتربة المعظمية. و كان (رحمه الله تعالى)، قد جمع بين الرئاسة و الفضيلة، و العقل الوافر، و الخصال الجميلة. و كان مجانب الناس، محبوب الصورة، (رحمه الله تعالى).

و فيها، فى سادس عشرين شعبان، توفى القاضى عز الدين إبراهيم ابن الصاحب الوزير الأعز، فخر الدين أبى الفوارس مقدام ابن القاضى كمال الدين أبى السعادات، أحمد بن شكر [المصرى‏ (6)]. و كان قد ولى نظر الجيوش، بالديار المصرية، فى شهر رمضان، سنة خمس و سبعين و ستمائة، كما تقدم، (رحمه الله تعالى).

____________

(1) هذا مصدر اشترك فيه النويرى و ابن الفرات.

(2) فى الأصل و أضربه البطالة، و ما هنا من ابن الفرات ج 7، ص 283.

(3) فى الأصل خدم، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(4) فى الأصل تفضل، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(5) هذه الترجمة واردة فى ابن الفرات ج 7، ص 283.

(6) الإضافة من ابن الفرات ج 7، ص 281، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 720.

116

و فيها، توفى الشيخ الإمام العلّامة، العابد الزاهد، شمس الدين أبو محمد عبد الرحمن ابن شيخ الإسلام، أبو عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر المقدسى، شيخ الحنابلة بالشام. و كان قد ولى قضاء القضاة على كره منه، فى سنة أربع و ستين كما تقدم. ثم ترك الحكم، و توفر على العبادة و التدريس، و أشغال الطلبة، و التصنيف. و يقال إنه قطب بالشام. و استدل على ذلك بحرائى‏ (1) توافقت عليها، جماعة تعرفه‏ (2)، فى سنة سبع و سبعين و ستمائة أنه قطب، و كان أوحد زمانه. و كانت وفاته فى يوم الاثنين، سلخ ربيع الآخر منها.

و دفن بقاسيون، بتربة والده، قدس اللّه روحه. و مولده فى السابع و العشرين من المحرم سنة سبع و تسعين و خمسمائة. و لما مات رثاه المولى الفاضل شهاب الدين محمود كاتب الإنشاء بقصيدة أولها.

ما للوجود و قد علاه ظلام‏ * * * أعراه‏ (3)خطب أم عداه مرام‏

أم قد أصيب بشمسه فغدا و قد * * * لبست عليه حدادها الأيام‏

جاء منها:

لكم الكرامات الجليلات التى‏ * * * لا تستطيع حجودها الأقوام‏

و هى قصيدة تزيد على ستين بيتا، و رثاه جماعة، (رحمه الله تعالى).

____________

(1) فى الأصل بمرأى، و ما هنا من ابن الفرات، ج 7، ص 286.

(2) فى الأصل يفرقة، و ما هنا من ابن الفرات، ج 7، ص 286 و المقريزى: السلوك ج 1، ص 720.

(3) فى الأصل أغراه، و ما هنا من ابن الفرات ج 7، ص 286، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 720.

117

و فيها، توفى الأمير علاء الدين كندغدى‏ (1) المشرقى الظاهرى، المعروف بأمير مجلس. كان من أعيان الأمراء بالديار المصرية. و ظهر قبل وفاته بمدة يسيرة، أنه باق على الرق. فاشتراه السلطان الملك المنصور بجملة و أعتقه، و قربه لديه. و كان شجاعا بطلا مقداما. و كانت وفاته بالقاهرة، فى يوم الجمعة مستهل صفر. و دفن بمقابر باب النصر، (رحمه الله تعالى).

و فيها، توفى الأمير شهاب الدين أحمد بن حجى بن يزيد البرمكى، أمير آل مرى‏ (2)، و كانت وفاته ببصرى. و كانت غاراته تنتهى إلى أقصى نجد و الحجاز.

و أكثرهم يؤدون‏ (3) إليه إتاوة فى كل سنة، فمن قطعها منهم أغار عليه. و كان يدعى أنه من نسل جعفر البرمكى، من العباسة أخت الرشيد. و يقول إنه تزوجها و رزق منها أولادا. و لما جرى على البرامكة ما جرى، هرب أولاده منها إلى البادية، فأحدهم جده، و اللّه أعلم. و كان يقول للقاضى شمس الدين بن خلكان [البرمكى‏ (4)]، أنت ابن عمى. و كانت بينهما مهاداة. و انتفع ابن خلكان به و باعتنائه، عند السلطان.

و فيها، فى سابع عشرين المحرم، كانت وفاة القاضى شمس الدين عيسى ابن الصاحب برهان الدين الخضر (5) السنجارى. كان ينوب عن والده فى الوزارة

____________

(1) كذا فى الأصل و فى ابن الفرات ج 7، ص 285. و فى ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة ج 7، ص 358 كشتغدى المشرق.

(2) كذا فى الأصل و فى القلقشندى: نهاية الأرب فى معرفة أنساب العرب ص 111، آل مرا.

(3) فى الأصل يودون، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(4) الإضافة من ابن الفرات ج 7، ص 282.

(5) فى الأصل الخضرى، و ما هنا من ابن الفرات ج 7، ص 285، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 721.

118

الأولى، فى سنة ثمان و سبعين و ستمائة. و ولى نظر الأحباس، و نظر خانقاه سعيد السعداء. ثم ولى بعد ذلك تدريس المدرسة الصلاحية المعروفة بزين التجار (1)، ثم قبض عليه مع والده، بعد انفصاله من الوزارة الثانية، كما تقدم.

فلما أفرج‏ (2) عنه سكن المدرسة المعزية بمصر، و كان بها إلى أن توفى. و كان حسن الصورة و الشكل، (رحمه الله تعالى).

و فيها، فى سادس عشر شوال، توفيت زوجة السلطان الملك المنصور، والدة ولده، الملك الصالح علاء الدين على، (رحمهما الله تعالى).

و فيها، فى يوم الأحد، ثانى عشر جمادى الأولى، توفى الشيخ ظهير الدين جعفر بن يحيى بن جعفر القرشى التزمنتى الشافعى، مدرس المدرسة القطبية بالقاهرة، و أحد المعيدين بمدرسة الشافعى، (رحمه الله تعالى).

و فيها، فى يوم السبت، ثانى عشرين شهر رجب، توفى الأمير علم الدين سنجر أمير جاندار، أحد الأمراء بالديار المصرية. و كانت وفاته بدمشق لما كان السلطان بها. و دفن بظاهرها، عند قباب التركمان، بميدان الحصار (3):

(رحمه الله تعالى).

____________

(1) فى الأصل البحار، و ما هنا من ابن الفرات ج 7، ص 285.

(2) فى الأصل فرج، و ما هنا من ابن الفرات ج 7، ص 285.

(3) و كذا فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 721 و فى ابن الفرات ج 7، ص 284، ميدان الحصا.

119

و استهلت سنة ثلاث و ثمانين و ستمائة [683- 1284]

ذكر توجه السلطان إلى الشام و عوده‏

فى هذه السنة، توجه السلطان الملك المنصور إلى الشام، و كان وصوله إلى دمشق، فى يوم السبت ثانى عشر جمادى الآخرة، و نزل بقلعتها. و كان جل توجهه إلى الشام، بسبب رسل السلطان أحمد، فاستحضرهم و سمع رسالتهم، كما قدمنا (1) ذكر ذلك. و أقام السلطان بدمشق، إلى أن رتب أحوالها.

و عزل الأمير علم الدين سنجر الداوادارى، من وظيفته شاد الدواوين بدمشق، و أضاف هذه الوظيفة إلى الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، و كان استاذ دار السلطنة بالشام. فاجتمع له شاد الدواوين و استاذ الدارية. و نقل أيضا الأمير ناصر الدين الحرانى، من ولاية مدينة دمشق إلى نيابة السلطنة بحمص، و أضاف ولاية مدينة دمشق، إلى الأمير سيف الدين طوغان، متولى‏ (2) البر. ثم عزم على الرحيل، و العود إلى مقر ملكه، فبرز الأمراء أثقالهم إلى ظاهر قلعة دمشق، فكانت حادثة السيل.

ذكر حادثة السيل بدمشق‏

و فى يوم الأربعاء، العشرين من شعبان، سنة ثلاث و ثمانين و ستمائة، الموافق لأول تشرين الثانى، و هو خامس هاتور، أمطرت السماء، فى أول‏

____________

(1) يطابق ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 4.

(2) انظر ما سبق ص 114 من هذا الجزء.

120

الليل، و توالى المطر و هطل و كثر، و اشتد صوت الرعد، و توالى البرق طول الليل إلى أول النهار. ثم أقبل السيل و ارتفع، حتى بلغ إلى حد السبل الذى ذكرناه فى سنة تسعة و ستين و ستمائة (1). و حمل جميع أثقال من برز ثقله من الأمراء المصريين و الجند، و حمل الخيل و الجمال و الصناديق و غير ذلك. فيقال إنه عدم للأمير بدر الدين بكتاش النجمى، ما تزيد قيمته على أربعمائة ألف درهم و خمسين درهم، و صدم السيل باب الفراديس، فكسر أقفاله، و ما خلفه من المتاريس، و دخل الماء إلى المدرسة المقدمية، و بقى كذلك حتى ارتفع النهار. ثم جف‏ (2) الماء فى يومى الأربعاء و الخميس. ثم جاء مطر شديد، و هو دون المطر الأول، فهدم عدة مساكن، فى جبل قاسيون، و بظاهر دمشق و حواضرها (3). ثم انحط الماء، و توجه السلطان بعد أن نضب الماء، إلى الديار المصرية، و استقل ركابه من دمشق، فى يوم السبت الثالث و العشرين من شعبان، و وصل إلى قلعة الجبل فى يوم الثلاثاء التاسع عشر من شهر رمضان من السنة.

ذكر وفاة الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا و شي‏ء من أخباره، و أمر ولده الأمير حسام الدين مهنا

فى هذه السنة، كانت وفاة الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا بن مانع بن حذيفة أمير العرب. و صلّى عليه بدمشق صلاة الغائب، فى يوم الجمعة تاسع عشر ربيع الأول. و قد ذكرنا ابتداء إمرته، فى ابتداء الدولة الظاهرية. و كان (رحمه الله) رجلا دينا خيرا، انتفع الإسلام به، فى مواطن كثيرة، و صلحت العربان‏

____________

(1) انظر ج 30، ص 176 من نهاية الأرب تحقيق د. محمد عبد الهادى شعيره، مركز تحقيق التراث، 1990. (المصحح).

(2) فى الأصل خف، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 7.

(3) فى الأصل، و ظواهرها، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 7.

121

فى أيامه، و قل فسادهم، بل كاد (1) يعدم، مع لينه و حسن سياسته. و كانت الإمرة قبله لابن عمه الأمير على بن حذيفة. و كان كثير السفك للدماء، و يقتل مفسدى‏ (2) العرب، بأنواع القتل، فكانت له قدر كبيرة منصوبة، لا تزال على النار مملوءة ماء، و النار توقد تحتها، فمنى وقع له مفسد من العرب ألقاه فيها حيّا، قيسقط لحمه لوقته. و قتل خلقا كثيرا بذلك و بغيره من أنواع العذاب. هذا و الفساد فى أيامه مستمر، و أمر العرب لا يزداد إلا شدة. فلما ولى الأمير شرف الدين عيسى بعد وفاته، أنزل القدر و امتنع من سفك دم إلا بحكم اللّه. فعلم اللّه صدق نيته، و أصلح له من أمر العرب ما فسد فى أيام غيره، و صلحت سيرتهم فى أيامه، و انحسمت مادة أذاهم للقفول‏ (3) و غيرها، منّا من اللّه تعالى.

و لما مات (رحمه الله تعالى)، فوض السلطان إمرة العرب بعده، لولده الأمير حسام الدين مهنا. و زاده السلطان إقطاعا، و بسط يده، فسلك سبيل والده فى الخير و الإحسان. و أطاعه العرب كافة، و عظم شأنه عند الملوك و غيرهم.

و هو على ذلك إلى وقتا هذا، الذى وضعنا فيه هذا الكتاب‏ (4).

ذكر وفاة الملك المنصور صاحب حماه و ولاية ولده الملك المظفر

فى حادى عشر شوال من هذه السنة، توفى الملك المنصور ناصر الدين أبو المعالى محمد ابن الملك المظفر، تقى الدين محمود ابن الملك المنصور محمد ابن الملك‏

____________

(1) فى الأصل كان، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 13.

(2) فى الأصل مفسدين و ما هنا هو الصواب لغويا.

(3) فى الأصل للفقول، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 13 و القفل اسم الجمع و القافلة الرفقة (القاموس المحيط).

(4) فى هذا إشارة إلى تحديد زمن تأليف كتاب نهاية الأرب.

122

المظفر تقى الدين عمر ابن شاهانشاه بن أيوب، صاحب حماه، (رحمه الله تعالى).

و مولده فى الساعة الخامسة، من يوم الخميس لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول، سنة اثنتين و ثلاثين و ستمائة. فتكون مده حياته، إحدى و خمسين سنة، و ستة أشهر، و أربعة عشر يوما. و ملك حماه يوم السبت ثامن جمادى الأولى، سنة اثنتين و أربعين و ستمائة، و هو اليوم الذى توفى فيه والده، فتكون مدة مملكته بحماه، إحدى و أربعين سنة و خمسة أشهر و أربعة أيام.

و لما ورد الحبر بوفاته، رسم السلطان الملك المنصور، بتفويض ملك حماه، لولده الملك المظفر تقى الدين محمود، و أجراه مجرى والده فى التشاريف و المكاتبات.

و جهّز إليه التشريف و التقليد، صحبة الأمير جمال الدين أقوش الموصلى الحاجب، و جهّز معه عدة تشاريف لعمه الملك الأفضل، و ابن عمه الأمير عماد الدين، و جماعة من أهل بيته و أمرائه.

و فيها، فى نصف ذى الحجة، توجه السلطان إلى الشام.

و فيها، فى ثالث شهر رمضان، توفى الملك السعيد فتح الدين عبد الملك، ابن الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب، (رحمه الله تعالى). و دفن بتربة جدته، والدة السلطان الملك الصالح، داخل دمشق.

و فيها، توفى قاضى القضاة نجم الدين أبو محمد عبد الرحيم ابن قاضى القضاة شمس الدين أبو الظاهر إبراهيم بن هبة اللّه بن المسلم بن هبة اللّه بن حسان بن محمد بن منصور بن أحمد البارزى، الجهنى الشافعى، الحموى، قاضى حماه.

و كانت وفاته ليلة الخميس عاشر ذى القعدة، سنة ثلاث و ثمانين و ستمائة. و مولده‏

123

يوم الأربعاء، السادس و العشرين، من المحرم سنة ثمان و ستمائة بحماه. و توفى بطريق الحجاز، و حمله أولاده إلى مدينة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فدفن بالبقيع. و كان (رحمه الله تعالى)، ممن صنّف التصانيف المفيدة، و سمع و حدّث، و ولى قضاء حماه، بعد أبيه مدة طويلة. ثم عزل مدة يسيرة. و له نظم حسن و مشاركة فى العلوم الكلامية و الحكمية، (رحمه الله تعالى).

و فيها، توفى قاضى القضاة جمال الدين أبو يعقوب يوسف بن أبى محمد عبد اللّه بن عمر الزواوى، قاضى المالكية بدمشق. و كانت وفاته بطريق الحجاز، قبل الحج بالقرب من تبوك، (رحمه الله تعالى).

و فيها، توفى القاضى ناصر الدين أبو العباس أحمد بن أبى المعالى، محمد ابن منصور بن أبى بكر قاسم بن مختار الجذامى‏ (1) الجروى‏ (2) المالكى الإسكندرى المعروف بابن المنير. و كانت وفاته بالإسكندرية، فى ليلة الخميس، مستهل شهر ربيع الأول. و دفن بتربة والده، عند الجامع الغربى. و مولده بالإسكندرية، فى ثالث ذى القعدة، سنة عشرين و ستمائة. و كان فاضلا عالما، و له اليد الطولى فى علم العربية و الأدب، جيد النظم. باشر بالثغر عدة جهات. ثم ولى القضاء بالثغر، و ولى الخطابة مدة يسيرة. ثم نكب فى سنة ثمانين و ستمائة.

و هجم داره، و يقال إن الذين هجموا الدار، أدخلوا معهم قنانى خمر، تحت ثيابهم، و ادعوا أنها وجدت عنده، فعزل عن مناصبه. ثم توجه إلى باب‏

____________

(1) فى الأصل الجدامى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 12.

(2) فى الأصل الحروى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 12، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 727.

124

السلطان. و سعى فيمن سعى به، فنال بعضهم. و أعيدت إليه مناصبه، (رحمه الله تعالى).

و فيها، توفى الأمير شمس الدين محمد ابن الأمير بدر الدين أبى المفاخر باخل ابن عبد اللّه بن أحمد الهكارى، متولى ثغر الإسكندرية. و كانت وفاته بالثغر، فى يوم السبت حادى عشر شهر رجب. و دفن يوم الأحد، عند رباطه خارج باب رشيد، (رحمه الله تعالى)(1).

و فيها، فى ليلة الجمعة، ثالث عشرين ذى الحجة، توفى الشيخ الصالح العارف القدوة، أبو القاسم، و ينعت وقار الدين، بن أحمد بن الرحمن المراغى. و المراغة التى ينسب إليها، [بلدة (2)] معروفة باقليم‏ (3) إخميم، من البر (4) الغربى.

و دفن بالقرافة، بزاويته المشهورة، فى يوم الجمعة، بعد الصلاة، (رحمه الله) و إيّانا.

____________

(1) انظر ترجمته فى ابن الفرات ج 8، ص 15- 16.

(2) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 14.

(3) فى الأصل ببلد، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 14.

(4) فى الأصل من البلد، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 14.

125

و استهلت سنة أربع و ثمانين و ستمائة [684- 1285]

و السلطان الملك المنصور متوجه إلى الشام. فوصل إلى دمشق فى يوم السبت، ثانى عشر المحرم. و توجه إلى المرقب، و أفتتح الحصن على ما تقدم ذكره.

ذكر مولد السلطان الملك الناصر

كان مولده المبارك الميمون، بقلعة الجبل، فى يوم السبت الخامس عشر من شهر المحرم، سنة أربع و ثمانين و ستمائة، الموافق للثامن و العشرين من برمهات من شهور القبط. و طالع الوقت السرطان. فوردت البشائر على والده‏ (1) السلطان بمولده، و هو بمنزلة (2) خربة اللصوص، قبل وصوله إلى دمشق. فاستبشر السلطان بمولده، و تيمن به، و بلغ مقصوده، من فتح المرقب.

و فيها، بعد عود السلطان من فتح المرقب، دخل إلى الخزانة بدمشق، فى يوم الخميس سابع جمادى الأولى. و ولى القاضى محيى الدين بن النحاس الوزارة بدمشق، عوضا عن الصاحب تقى الدين [توبة التكريتى‏ (3)]. و كان‏

____________

(1) فى الأصل والدة، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 17 و المقريزى: السلوك ج 1، ص 722.

(2) خربة اللصوص، موضع يقع على الطريق بين دمشق و بهسان. انظر المقريزى: السلوك ج 1، ص 181 حاشية 1، أبو شامة: كتاب الروضتين ص 162 فى‏Rec .Hist .Or .v .

(3) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 22 و المقريزى: السلوك ج 1، ص 729.

126

محيى الدين إذ ذاك، ناظر الخزانة. فخلع عليه خلعة الوزارة، و كانت الخلعة جبة عتابى‏ (1) حمراء، و فوقها فرجية زرقاء، مسنجبة (2) مقتدرة و طرحة (3). و عزل الأمير سيف الدين طوفان، عن ولاية مدينة دمشق، و أقره على ولاية (4) البر خاصة.

و ولى مدينة دمشق الأمير عز الدين محمد بن أبى الهيجا، فى يوم الجمعة، خامس عشر جمادى الأولى. ثم توجه إلى الديار المصرية، فى بكرة نهار الاثنين، ثامن عشر الشهر. و وصل إلى قلعة الجبل، فى يوم الثلاثاء تاسع عشرين شعبان.

و كان قد أقام مدة بتل العجول.

و فيها، وصلت رسل ملوك الفرنج، و أحضروا بين يدى السلطان، فى يوم الثلاثاء سابع شهر رمضان. و قدّموا ما معهم من التقادم، و هى: ما هو من جهة الأنبرور (5)، ما حمله اثنان و ثلاثون جملا (6)، سنجاب و سمور أربعة عشر، [و] سقلاط خمسة، [و] أطلس و بندقى ثلاثة عشر. و ما هو من جهة الجنوية، سار سينا (7) حملان‏ (8)، [و] سناقر ستة، [و] كلب أبلق، ذكر أنه‏

____________

(1) فى الأصل عنابى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 22.

(2) فى الأصل منسجبة، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 22.

(3) فى ابن الفرات ج 8، ص 22 طراحة. و هى قطعة من الملابس التى تميز زى الطبقة الرفيعة من رجال الدين الموظفين. و هى عبارة من وشاح يلبس فوق العمامة و يلتفت حول الرقبة و يسترسل على الكنفين. الملابس المملوكية ص 93 تأليف ل 10. ماير ترجمة صالح الشيتى، الهيئة المصرية الكتاب، 1972 (المصحح).

(4) البر: المقصود هنا حسبما أورده القلقشندى: صبح الأعشى ج 4، ص 97، ضواحى دمشق التى تؤلف وحده إدارية مستقلة.

(5) فى الأصل الأنبروز، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 22، و المقريزى السلوك ج 1، ص 729 و كان امپراطور الدولة الغربية تلك السنة هو دودلف هبسبرح (1273- 1291)Rec .Hist .Crois .Hist .Or .T .I .P .843

(6) فى الأصل حمالا، و ما هنا هو الصواب.

(7) كذا فى الأصل، و فى ابن الفرات ج 8، ص 22.

(8) فى الأصل حملين، و ما هنا هو الصواب لغويا.

127

أكبر من الأسد. و ما هو من جهة الأشكرى‏ (1)، حمل أطلس، و أربعة أحمال بسط. فقبلت تقادمهم، و أجروا على عاداتهم فى الإحسان و الصلة.

و فيها، وصل رسول صاحب اليمن، و صحبته الهدايا و التقادم، و أحضر إلى بين يدى السلطان، فى يوم السبت مستهل ذى القعدة، و أحضر من الهدية على ما نقل، ما هو (2): خدام‏ (3) أزمة ثلاثة عشر، خيل فحول عشرة، فيل واحد، كركدن واحد، نعاج يمنية ثمانية، طيور ببغاء ثمانية (4)، قطع عود كبار ثلاثة، حملت كل قطعة منها على رجلين، رماح قنا أربعون حمل جمل. و من أصناف البهار ما حمل على سبعين جملا، و من القماش ما حمل على مائة قفص، و من تحف اليمن ما حمل على مائة طبق نحاس، فقبل ذلك [منه‏ (5)]، و أنعم على رسله و عليه على العادة.

و فيها، فى سادس ذى الحجة، وقع الحريق بقلعة الجبل المحروسة، فاحترقت الخزانة السلطانية و القاعة الصالحية.

____________

(1) و الأشكرى، هو امبراطور الدولة البيزنطية، و كان وقتذاك اندرو نيكوس الثانى بالبولوغش‏)3821 -2331 (.Andrmicus Il Paleoloyus . و هو الذى أورده العينى: عقد الجمان ج 56 حوادث 682، على أنه اندرونيكوس، الذى تتوج و لقب الدوقس الأنجالوس، الثارلوفس.

(2) فى الأصل و هو، و ما هنا به يستقيم المعنى.

(3) فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 729، ثلاثة عشر طواشيا، و تقابل خدام أزمة.

(4) فى الأصل ثلاثة، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 28، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 729.

(5) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 29 و المقريزى: السلوك ج 1، ص 729.

128

و فيها، فى سلخ شهر رمضان، كانت وفاة الأمير سيف الدين أيتمش‏ (1) السعدى فى محبسه.

و فيها، كانت وفاة الأمير علاء الدين أيدكين البندقدارى الصالحى، بالقاهرة، و دفن بتربته بالشارع الأعظم.

و فيها، فى يوم الأربعاء، سابع عشر صفر، توفى الصاحب المشير عز الدين محمد بن على بن إبراهيم بن شداد الأنصارى الحلبى، بالقاهرة، و دفن بسفح المقطم. و كان فاضلا دينا، رئيسا مؤرخا، معظّما عند الأمراء الأكابر محبوبا إليهم. و لازم الصاحب بهاء الدين مدة حياته. و كان الأمراء الأكابر يحملون إليه فى كل سنة دراهم و غلة و كسوة و غير ذلك، (رحمه الله تعالى)(2).

و فيها، فى منتصف شعبان توفى الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير افتخار الدين أباز (3) بن عبد اللّه الحرانى، بمدينة حمص، و هو يومئذ نائب السلطنة بها، و حمل إلى دمشق، و دفن بقاسيون، فى يوم الخميس سابع عشر الشهر (4).

و فيها، فى يوم الأربعاء، سلخ شعبان، توفى الطواشى شبل‏ (5) الدولة كافور الصفوى الخزندار بقلعة دمشق. و دفن يوم الخميس مستهل شهر رمضان، بتربته بسفح قاسيون. كان رجلا صالحا، كثير الصدقة و المعروف و الإحسان، (رحمه الله تعالى)، و الحمد للّه وحده‏ (6)

____________

(1) فى الأصل ايباش، و فى ابن الفرات ج 8، ص 23 ايتامش، و هذا هو الرسم الذى يرد كثيرا فى هذا الكتاب و سائر المصادر العربية المعاصرة.

(2) انظر ترجمته فى ابن الفرات ج 8، ص 33- 34.

(3) فى الأصل ابان، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 34.

(4) انظر ترجمته فى ابن الفرات ج 8، ص 34.

(5) فى الأصل سبل، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 33.

(6) بطابق ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 33.

129

و استهلت سنة خمس و ثمانين و ستمائة [685- 1286]

فى هذه السنة، أعيد الأمير علم الدين سنجر الدوادارى، إلى شد الشام، عوضا عن الأمير شمس الدين سنقر الأعسر. و باشر الديوان فى بكرة يوم الاثنين خامس عشر المحرم.

و فيها، فى سلخ ربيع الآخر، وصل تقى الدين توبة التكريتى من الديار المصرية إلى دمشق. و قد أعيد إلى الوزارة بالشام، عوضا عن الصاحب محيى الدين بن النحاس.

ذكر حادثة غريبة اتفقت بحمص‏

و فى هذه السنة، فى سابع عشر صفر، ورد إلى الأمير حسام الدين لاجين المنصورى، نائب السلطنة بالشام، كتاب من الأمير بدر الدين بكتوت العلائى و كان مجردا بحمص، و صحبته من عسكر دمشق ألفا (1) فارس، من مستهل هذه السنة، مضمونه بعد البسملة:

يقبل الأرض و ينهى أنه لما كان فى يوم الخميس رابع عشر صفر، وقت العصر، حصل بالغسولة (2) إلى جهة عيون القصب، غمامة سوداء إلى الغاية،

____________

(1) فى الأصل ألفى، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(2) الغسولة، منزل للقوافل بين حمص وقارا بالشام ياقوت: معجم البلدان ج 3، ص 802- 803.

130

و أرعدت رعدا كثيرا زائدا. و ظهر من الغمامة شبه دخان أسود، من السماء متصل بالأرض، و صور من الدخان، صورة أصلة (1) هائلة، مقدار العمود الكبير، الذى لا يحضنه جماعة من الرجال، و هى متصلة بعنان السماء، تلعب بذنبها فيتصل بالأرض، شبه الزوبعة الهائلة. و صارت تحمل الحجارة الكبار المقادير، و ترفعها فى الهواء، كرمية سهم نشاب و أكثر. و صار وقعها (2)، و تلاطم الحجارة بعضها ببعض‏ (3)، يسمع له صوت هائل، من المكان البعيد. و ما برح ذلك مستمرا فى قوته، و اتصل بأطراف العسكر المنصور. و ما صادف شيئا إلا رفعه فى الهواء، كرمية نشاب و أكثر. و ما صادف شيئا من الأشياء، من السروج و الجواشن‏ (4)، و العدد و السيوف، و التراكيش‏ (5) و القسى، و القماش و الشاشات‏ (6).

و الكلوتات‏ (7)، و النحاس، و الأسطال، إلا صار طائرا فى الهواء كشبه الطيور.

____________

(1) الأصلة حية قصيرة، و تساور الإنسان و تنفخ، فلا تصيب شيئا بنفختها إلا أهلكته (لسان العرب).

(2) فى الأصل وقفها، و ما هنا من ابن الفرات ج، ص 37.

(3) فى الأصل بعضها بعض، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 37.

(4) الجواشن، و مفردها جوشن، و هو الدرع (محيط المحيط).

(5) التراكيش، و المفرد تركاش، لفظ فارسى الأصل، و معناه الكنانة أو الجعبة التى توضع فيها النشاب. انظر.Dozy :suPP .Dict .Ar .

(6) فى الأصل الشابشات، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 37.

(7) الكلوتات و المفرد كلوتة، و هى غطاء للرأس تلبس وحدها أو بعمامة، و استحدث الأيوبيون ليس الكلوتة بمصر، و كانت من الجوخ الأصفر. و منذر بن السلطان المنصور قلاون، أضاف إليها الشاشات- المقريزى: المواعظ و الاعتبار ج 2، ص 98، القلقشندى: صبح الأعشى ج 4، ص 5- 6. انظر الملابس المملوكية- المرجع السابق- ص 51 و ما بعدها (المصحح).

131

و من جملة ذلك، أنه كان فى اسطبل المملوك، خرج آدم ملآن تطابيق‏ (1) بيطارية حمله فى الهوا و الجو، كرمية نشاب. و دفع من جملة ما دفعه، عدة من الجمال بأحمالها، قدر رمح و أكثر. و حمل جماعة من الجند و الغلمان، و أهلك شيئا كثيرا من السروج، التى صدفها (2)، و الرماح، و طحن ذلك، إلى أن بقى لا ينتفع به. و أتلف شيئا كثيرا مما صادفه فى طريقه، و أضاع‏ (3) أشياء كثيرة من العدد و القماش، لمقدار مائتى نفر من الجند و أصحاب الأمراء، إلى أن صاروا بغير عدة، و لا قماش‏ (4). و غابت تلك الحية عن العين، فى عنان السماء، فتوجهت فى البرية، صوب الشرق. و الذى عدم من قماش الجند، منه ما راح فى الغمامة السوداء، و منه ما أخذه بعض الجند، مع أن المملوك ركب بنفسه، و دار فى المعسكر المنصور، و استعاد (5) كثيرا مما عدم، و بعد هذا، عدم ما تقدم ذكره. و هذه الوقعة ما سمع بمثلها أبدا، ثم وقع بعد (6) هذا يسير من مطر. ثم إن اللواحيق‏ (7) الكبار، حملها الهواء و هى منصوبة، و صارت مرتفعة فى الجو، و حسبنا اللّه و نعم الوكيل.

____________

(1) تطابيق و المفرد تطبيقة، صفيحة من الحديد ينعل بها حافر الدابة لوقايته. انظر القاموس المحيط.Dozy :suPP .Dict .Ar .

(2) كذا أيضا فى ابن الفرات ج 8، ص 38، و المقصود صادفها.

(3) فى الأصل وضاع، و ما هنا به يستقيم المعنى.

(4) فى الأصل قناش، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 38.

(5) فى الأصل و استعار، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 38.

(6) فى الأصل بعدها، و ما هنا يستقيم به المعنى.

(7) فى الأصل اللواجيق، و ما هنا هو الصواب، و المفرد لحوقى و هو الإناء الذى يجرى فيه تسوية الطعام.Dozy :suPP .Dict .Ar .

132

و فى هذه السنة، فى جمادى الأولى، أفرج السلطان عن الأمير شمس الدين قطلبجا أخى الرومى.

و فيها، رسم السلطان بهدم القبة الظاهرية، التى بقلعة الجبل بالرحبة.

فحصل الشروع فى هدمها، فى يوم الأحد، عاشر شهر رجب. و أمر ببناء قبة فى مكانها، فعمرت، و كان الفراغ منها فى شوال [من هذه السنة (1)].

ذكر توجه السلطان إلى الكرك و ما رتبه من أمر النيابة و عوده‏

فى هذه السنة، فى يوم الخميس، سابع شهر رجب، توجه السلطان إلى غزة، ثم توجه من بعدها جريدة (2) إلى الكرك، فوصل إليها فى شعبان، و صعد إلى قلعتها، و رتب أحوالها. و رسم بتنظيف البركة التى فيها من الطين، فنظفت.

و عمل فيها جميع من كان فى خدمة السلطان، من المماليك و الحاشية مدة سبعة أيام. و استناب بها الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار المنصورى. و نقل الأمير عز الدين الموصلى منها إلى نيابة السلطنة بغزة، و تقدمة العسكر بها. و لم يطل مقامه بها، فإنه نقل منها إلى نيابة قلعة صفد.

و عاد السلطان من الكرك، و نزل بغابة أرسوف، فأقام بها إلى أن وقع الشتاء، و أمن حركة العدو، و عاد إلى الديار المصرية. و كان وصوله إلى قلعة الجبل، فى يوم الاثنين رابع عشر شوال منها.

____________

(1) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 38.

(2) جريدة- المقصود هنا أنه سار دون أن يصحب معه متاعه و غلمانه و حشمه (انظر ما ورد من المعانى المختلفة لهذا اللفظ فى‏Dozy :suPP .Dict .Ar .

133

و فيها، فى شوال، أفرج عن الأمير بدر الدين بكتوت الشمسى، و الامير جمال الدين أقوش الفارسى.

ذكر وفاة قاضى القضاة وجيه الدين، و تفويض القضاء بمصر و الوجه القبلى، لقاضى القضاة، تقى الدين ابن بنت الأعز

فى هذه السنة، فى يوم الأربعاء، مستهل جمادى الأولى‏ (1)، كانت وفاة قاضى القضاة وجيه الدين عبد الوهاب ابن القاضى سديد الدين الحسين المهلبى، المعروف بالبهنسى، قاضى القضاة بمصر و الوجه القبلى. و ولى بعده، قاضى القضاة، تقى الدين بن عبد الرحمن ابن بنت الأعز، فى يوم الأربعاء خامس عشر الشهر.

و كان قاضى القضاة بالقاهرة و الوجه البحرى القاضى شهاب الدين الخويى‏ (2).

ذكر وفاة قاضى القضاة تقى الدين بن شاس المالكى و تفويض القضاء لقاضى القضاة زين الدين على بن مخلوف المالكى‏

و فى هذه السنة، فى ذى القعدة، كانت وفاة قاضى القضاة تقى الدين الحسين ابن الفقيه شرف الدين أبى الفضل عبد الرحيم ابن الفقيه الإمام مفتى الفرق جلال الدين أبى محمد عبد اللّه بن شاس الجذامى السعدى المالكى، قاضى قضاة المالكية بالديار المصرية. و فوض السلطان القضاء بعده، على مذهب الإمام مالك بن أنس، لقاضى القضاة زين الدين أبى الحسن على ابن الشيخ‏

____________

(1) فى الأصل الأول، و ما هنا هو الصواب. وقع الناسخ أو المؤلف فى أخطاء لغوية عديدة من هذا القبيل، و جرى تصويبها دون التنبيه إلى ذلك.

(2) فى الأصل الخوبى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 39، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 732.

134

رضى الدين أبى القاسم مخلوف ابن الشيخ تاج الدين أبى المعالى ناهض النويرى المالكى، و هو يومئذ ناظر الخزانة السلطانية. و كان فى ابتداء ترقيه بلى أمانة الحكم العزيز بالقاهرة. فاتفق أن السلطان الملك المنصور، فى حال إمرته، ابتاع منه، من تركة بعض الأمراء، عدة بجملة، كانت الغبطة فيها للأيتام.

فطالبه القاضى زين الدين بالمال، فتوقف عن أدائه، و قصد ردما ابتاعه.

و تحدث فى ذلك مع القاضى زين الدين فامتنع عن رده. و اقتضى الحال ان شكاه للملك الظاهر، و الزم بالقيام بالثمن. فبقى ذلك فى خاطر السلطان. فلما ملك، انتفع بذلك عنده غاية النفع، و رتبه فى الخزانة، و وثق به، و تمكن عنده تمكنا عظيما. ثم فوض إليه القضاء، و أقره‏ (1) معه على الخزانة. و استمر فى القضاء إلى أن توفى، على ما نذكره، إن شاء اللّه تعالى، فى أخبار الدولة الناصرية.

ذكر وفاة قاضى القضاة بهاء الدين بن الزكى و شي‏ء من أخباره‏

و فى هذه السنة، فى يوم الاثنين، حادى عشر ذى الحجة، توفى بدمشق قاضى القضاة بهاء الدين أبو الفضل يوسف، ابن قاضى القضاة محيى الدين أبى الفضل يحيى، ابن قاضى القضاة محيى الدين أبى المعالى محمد، ابن قاضى القضاة، ركن الدين أبى الحسن على ابن قاضى القضاة، مجد الدين أبى المعالى محمد ابن قاضى القضاة ركن الدين أبى الفضل يحيى بن على بن عبد العزيز العثمانى الأموى القرشى، المعروف بابن الزكى، قاضى قضاة الشافعية بدمشق. اجتمع فيه و له ما لم يجتمع فى غيره، و لا له. كان من أحسن الناس صورة،

____________

(1) فى الأصل و أقبره: و ما هنا به يستقيم المعنى.

135

و أكملهم قواما، و هيئة و هيبة. و كان من العلماء الفضلاء فى المذهب و علم الأصولين‏ (1) و العربية، و المنطق، و علم الكلام، و الحساب، و الفرائض، و النظم، و علم البيان، و حل‏ (2) المترجم، و الكتابة الجيدة الحسنة، مع الذكاء المفرط. و كان له دنيا عريضة من المال و العقار. و كانت داره بباب البريد، من أحسن الدور بدمشق و بستانه بالسهم الأعلى من أصح الغوطة و أطيبها هواء. و ضيعته الملك قرية الميدانية، من غوطة دمشق. [و كانت‏ (3)] زوجته من أحسن النساء صورة و [كان‏ (4)] أولاده تامّين الصورة. و جمع له من المدارس بدمشق أجلها، و هى العزيزية و التقوية و الفلكية و العادلية و المجاهدية و الكلامسة و غيرها. و أنظار أوقاف كثيرة، و قضاء قضاة دمشق و سائر أوقافها. فلما كمل له ذلك. أتاه الموت الذى لا حيلة فيه و لا دافع له، (رحمه الله تعالى).

و فيها، توفى الأديب الفاضل، الشاعر المجيد، شهاب الدين أبو عبد اللّه محمد بن عبد المنعم بن يوسف بن أحمد الأنصارى اليمنى المحتد (5) المصرى الدار و المولد، الشافعى الصوفى، المعروف بابن الخيمى، الشاعر المشهور، المبرز على نظرائه. و كانت وفاته بالقاهرة المعزية، بمشهد الحسين، فى التاسع و العشرين من شهر رجب الفرد، سنة خمس و ثمانين و ستمائة. و مولده تخمينا (6) فى سنة اثنتين‏

____________

(1) فى الأصل الأصوليين و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 47.

(2) كذا أيضا فى ابن الفرات ج 8، ص 47.

(3) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 48.

(4) الإضافة للتوضيح.

(5) فى الأصل المحتدى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 24.

(6) فى الأصل نجينا، و فى ابن الفرات ج 8، ص 46 بخمينا، و المثبت هنا هو الصواب.

136

و ستمائة. روى عن ابن باقا، و سمع من ابن البنا و غيره، و حدّث. و كان يعانى الخدم الديوانية، و له نظم كثير جيد. فمنه قصيدته المشهورة البائية، التى ادعاها الشيخ نجم الدين بن اسرائيل. و قد رأينا أن نذكر هذه القصيدة، و ما وقع فى أمرها، و ما قيل فى وزنها و رويها، و كيف حكم بها للمذكور. و أول‏ (1) القصيدة:

يا مطلبا ليس لى فى غيره أرب‏ * * * إليك آل التقصى و انتهى الطلب‏

و ما طمحت لمرأى‏ (2)أو لمستمع‏ * * * إلا لمعنى إلى علياك ينتسب‏

و ما أرانى‏ (3) أهلا أن تواصلنى‏ * * * حسبى علوا، بأنى فيك مكتئب‏

لكن ينازع شوقى تارة أدبى‏ * * * فأطلب الوصل، لما يضعف الأدب‏

و لست أبرح فى الحالين ذا قلق‏ * * * باد و شوق له فى أضلعى لهب‏

و ناظر كلما كفكفت أدمعه‏ * * * صونا لحبك يعصينى و ينسكب‏

و يدعى فى الهوى دمعى مقاسمتى‏ * * * و جدى و حزنى و نجوى و هو مختضب‏ (4)

كالطرف يزعم توحيد الحبيب و لا * * * يزال‏ (5) فى ليله للنجم يرتقب‏

يا صاحبى قد عدمت المسعدين فما * * * عدنى على وصبى لا مسّك الوصب‏

____________

(1) هذه التفاصيل واردة فى ترجمة كاملة للشاعر، فى ابن الفرات ج 8، ص 42- 46.

(2) فى الأصل لمرأ، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 42.

(3) فى الأصل رآنى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 42 و ابن شاكر الكتبى: فوات الوفيات ج 2، ص 231.

(4) فى ابن الفرات ج 8، ص 42 متخضب.

(5) فى الأصل يراك و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 42.

137

باللّه إن جزت‏ (1)كثبانا بذى سلم‏ * * * قف بى عليها، و قل لى هذه الكتب‏

ليقضى الخد فى أجراعها و طرا * * * من تربها و أؤدى بعض ما يجب‏

و مل إلى البان من شرقى كاظمة * * * فلى إلى البان من شرقيها طرب‏

و خذ يمينا لمغنى‏ (2) تهتدى بشذا * * * نسيمه‏ (3) الرطب إن ضلت بك النجب‏

حيث الهضاب‏ (4) و بطحاها يروضها * * * دمع المحبين لا الأنداء و السحب‏

اكرم به منزلا تحميه هيئته‏ * * * عنى و أنواره لا السمر و القضب‏

دعنى أعلل نفسا عزّ مطلبها في * * * ه، و قلبا لعذر (5) ليس ينقلب‏

ففيه عاهدت قدما حب من حسنت‏ * * * به الملاحة و اعتزت به الرتب‏

دان و أدنى و عز الحسن يحجبه‏ * * * عنى و ذلى و الإجلال و الرهب‏

أحيا إذا مت من شوق لرؤيته‏ * * * لأننى لهواه فيه منتسب‏

و لست أعجب من حبى‏ (6) و صحته‏ * * * من صحتى إنما سقمى هو العجب‏

يا لهف نفسى‏ (7) لو يحدى تلهفها * * * عونا و وا حربا (8)، لو ينفع الحرب‏

____________

(1) فى الأصل، و ابن الفرات ج، ص 42 جئت، و ما هنا من ابن شاكر الكتبى: فوات الوفيات ج 2، ص 231.

(2) فى الأصل لمعنى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 43.

(3) فى الأصل بشيمة، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 43.

(4) فى الأصل الرضاب و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 43.

(5) فى ابن الفرات ج 8، ص 43 لغدر.

(6) فى ابن شاكر: فوات الوفيات ج 2، ص 231 جسمى.

(7) فى الأصل لم، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 43.

(8) فى الأصل حزنا، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 43.

138

يمضى الزمان و أشواقى مضاعفة * * * يا للرجال و لا وصل و لا سبب‏

هبت لنا نسمات من ديارهم‏ * * * لم يبق فى الركب من لا هزه الطرب‏

كدنا نطير سرورا من تذكرهم‏ * * * حتى لقد رقصت من تحتنا النجب‏

يا بارقا بأعالى‏ (1)الرقمتين بدا * * * لقد حكيت و لكن فانك الشنب‏ (2)

أما خفوق‏ (3) فؤادى فهو عن سبب‏ * * * و عن خفوقك‏ (4) قل لى ما هو السبب‏

و يا نسيما سرى من جو كاظمة * * * باللّه قل لى كيف البان و العذب‏

و كيف جيرة ذاك الحى هل حفظوا * * * عهدا أراعيه إن شطوا و إن قربوا

أم ضيعوا و مرادى منك ذكرهم‏ * * * هم الأحبة إن أعطوا و إن سلبوا

إن كان يرضيهم ابعاد عبدهم‏ * * * فالعبد منهم بذاك البعد مقترب‏

و الهجر إن كان يرضيهم بلا سبب‏ * * * فإنه من قبيل الوصل محتسب‏

و لما بلغت هذه القصيدة نجم الدين محمد بن إسرائيل، ادعاها لنفسه.

فاجتمع هو و ابن الخيمى بعد ذلك بحضرة جماعة من الأدباء، و جرى الحديث فى ذلك، فأصر ابن إسرائيل على أنهاله. فتحا كما إلى الشيخ شرف الدين عمر ابن الفارض، (رحمه الله)، و كان يومئذ هو المشار إليه فى معرفة الأدب و نقد الشعر. فأشار أن ينظم كل واحد منهما أبياتا على الوزن و الروى فنظم ابن الخيمى:

____________

(1) فى الأصل بأعلى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 43، و من ابن شاكر الكتبى:

فوات الوفيات ج 2، ص 231.

(2) فى الأصل الشبب و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 43 و ابن شاكر الكتبى: فوات الوفيات ج 2، ص 231.

(3) فى الأصل حقوق و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 43.

(4) فى الأصل حقوقك، و ما هنا من الفرات ج 8، ص 43.

139

للّه قوم بجرعاء الحمى غيب‏ * * * جنوا علىّ، و لما أن جنوا عتبوا

يا قوم‏ (1)هم أخذوا قلبى فلم سخطوا * * * و انهم غصبوا عيشى هام غضبوا

هم العريب بنجد مذ عرفتهم‏ * * * لم يبق لى معهم مال و لا نسب‏

شاكون للحرب لكن من قدودهم‏ * * * و فاترات اللحاظ السمر و القضب‏

فما ألموا بحى‏ (2) أو ألم‏ (3) بهم‏ * * * إلا أغاروا على الأبيات و انتهبوا

عهدت فى دمن‏ (4) البطحاء عهد هوى‏ * * * إليهم و تمادت‏ (5) بيننا حقب‏

فما أضاعوا قديم العهد بل حفظوا * * * لكن لغيرى ذاك العهد قد نسبوا

من منصفى من لطيف فيهم غنج‏ * * * لدن القوام لاسرائيل ينتسب‏ (6)

مبدل القول ظلما لا يفى بموا * * * عيد الوصال و منه الذنب و الغضب‏

فى لثغة الراء منه صدق نسبته‏ * * * و المن منه برور الوعد و الكذب‏

موحد فيرى كل الوجود له‏ * * * ملكا و يبطل ما يقضى به النسب‏

فعن عجائبه حدث و لا حرج‏ * * * ما ينتهى فى المليح المطلق العجب‏

بدر و لكن هلالا لاح إذ هو * * * بالوردىّ‏ (7) من شفق الخدين منتقب‏

فى كاس مبسمه من حلو ريقته‏ * * * خمر و در ثناياه بها حبب‏

____________

(1) فى ابن شاكر الكتبى: فوات الوفيات ج 2، ص 232 يا رب.

(2) فى الأصل بحبى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 44.

(3) فى الأصل إذ، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 44.

(4) فى الأصل زمن، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 44.

(5) فى ابن الفرات ج 8، ص 44 و عادت.

(6) فى الأصل تنتسب و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 44.

(7) فى الأصل بالدودى و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 44.

140

فلفظه أبدا سكران‏ (1)يسمعنا * * * من معرب اللحن ما ينسى له الأدب‏

تجنى‏ (2) لواحظه فينا و منطقه‏ * * * جناية يجتنى من مرّها الضرب‏

قد أظهر السحر (3) فى أجفانه سقما * * * البرء منه إذا ما شاء و العطب‏

حلو الأحاديث و ألفاظ ساحرها * * * تلقى‏ (4) إذا نطق الألواح و الكتب‏

لم يبق منطقه قولا يروق لنا * * * لقد شكت ظلمه الأشعار و الخطب‏

فداؤه‏ (5) ما جرى فى الدمع من مهج‏ (6) * * * و ما جرى فى سبيل الحب محتسب‏

ويح المتيم شام بارق من أضم‏ * * * فهزه كاهتزاز البارق الحرب‏

و اسكن البرق من وجد و من كلف‏ * * * فى قلبه فهو فى أحشائه لهب‏

فكلما لاح منه بارق بعثت‏ * * * قطر المدامع من أجفانه سحب‏

و ما أعادت نسيمات الغوير له‏ * * * أخبار ذى الأثل إلا هزّه الطرب‏

واها له أعرض الأحباب عنه و ما * * * أجدت و سائله الحسنى و لا القرب‏

و نظم الشيخ نجم الدين محمد بن اسرائيل [(رحمه الله تعالى)(7)].

لم يقض من حبكم بعض الذى يجب‏ * * * قلب متى ما جرى تذكاركم يجب‏

____________

(1) فى الأصل سلوان، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 44، و ابن شاكر الكتبى: فوات الوفيات ج 2، ص 233.

(2) فى الأصل يحيى و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 44.

(3) فى الأصل من، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 44.

(4) فى الأصل يلقى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 44.

(5) فى ابن الفرات ج 8، ص 44 مداد.

(6) فى الأصل ملج و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 44، و ابن شاكر الكتبى فوات الوفيات ج 2، ص 233.

(7) الإضافة من ابن الفرات ج 2، ص 44.

141

ولى، وفىّ لرسم الدار بعدكم‏ * * * دمع متى جاد ضنت‏ (1)بالحيا السحب‏

أحبابنا و المنى تدنى مزاركم‏ (2) * * * و ربما حال من دون المنى الأدب‏ (3)

ما رابكم من حياتى بعد بعدكم‏ * * * و ليس لى فى حياة بعدكم أدب‏

قاطعتمونى فأحزانى مواصلة * * * و حلتم‏ (4) فحلالى فيكم التعب‏

[رحتم بقلبى و ما كادت لتسلبه‏ * * * لو لا قدودكم الخطّية السلب‏ (5)]

يا بارقا ببراق‏ (6) الحزن لاح لنا * * * أ أنت أم أسلمت أقمارها النقب‏

و يا نسيما سرى و العطر يصحبه‏ * * * أجزت‏ (7) حين مشين الخرد (8) العرب‏

أقسمت بالمقسمات الزّهر يحجبها (9) * * * سمر العوالى و الهندية القضب‏

لكدت تشبه يرقا من ثغورهم‏ * * * مادر (10) دمعى لو لا الظلم و الشنب‏

و جيرة جار فينا حكم معتدل‏ * * * منهم و لم يعتبوا لكنهم عتبوا

____________

(1) فى الأصل صلت، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 45.

(2) فى الأصل مرازتكم، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 45.

(3) فى ابن الفرات ج 8، ص 46 الأرب.

(4) كذا أيضا فى ابن الفرات ج 8، ص 45.

(5) الإضافة من ابن شاكر. فوات الوفيات ج 3، ص 223.

(6) فى ابن شاكر الكتبى: فوات الوفيات ج 2، ص 233. ببريق.

(7) فى الأصل احرت، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 45.

(8) فى الأصل الحرد و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 45.

(9) فى ابن الفرات ج 8، ص 45 تحجبها.

(10) كذا فى الأصل و ابن الفرات ج 8، ص 45 أما فى ابن شاكر الكتبى: فوات الوفيات ج 2، ص 232 يادر.

142

ما حيلتى قربونى من محبتهم‏ * * * وحال دونهم التقريب و الخبب‏ (1)

و عرضتا على الشيخ شرف الدين بن الفارض. فأنشد مخاطبا لابن اسرائيل عجز بيت من أبيات ابن الخيمى:

لقد حكيت و لكن فاتك الشنب‏

و حكم بالقصيدة لابن الخيمى. و استحسن بعض من حضر المجلس من الأدباء أبيات ابن اسرائيل، و قال: من ينظم مثل هذه الأبيات، ما الحامل له على ادعاء ما ليس له؟. فقال ابن الخيمى: هذه سرقة عادة، لا سرقة حاجة.

و انفصل المجلس. و فارق الشيخ نجم الدين بن إسرائيل من وقته الديار المصرية، و توجه إلى الشام. و لما بلغت هذه الواقعة القاضى شمس الدين أحمد بن خلكان و هو إذ ذاك يتولى نيابة الحكم بالقاهرة، خلافة عن قاضى القضاة بدر الدين السنجارى، (رحمهما الله تعالى)، أرسل إلى الشيخ شهاب الدين ابن الخيمى، يطلب منه الأبيات التى نظمها، و ادعاها ابن اسرائيل، فذيلها بأبيات و هى:

إن كان يرضيهم إبعاد عبدهم‏ * * * فالعبد منهم بذاك البعد مقترب‏

و الهجر إن كان يرضيهم بلا صبب‏ * * * فإنه من لذيذ الوصل محتسب‏

و إن هم احتجبوا عنى فإن لهم‏ * * * فى القلب مشهور حسن ليس يحتجب‏

____________

(1) فى الأصل و الحثب و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 45.

التقريب و الخنب: التقريب نوع من العدو، بأن يرفع الفرس يديه معا، و يضعهما معا، أما الخبب، فهو الاسراع فى المشى، بأن ينقل الفرس أيامنه جميعا و أياصره جميعا، (القاموس المحيط).

143

قد نزه‏ (1)اللطف و الإشراق بهجته‏ * * * عن أن تمنعها (2) الأستار و الحجب‏

لا ينتهى نظرى منهم إلى رتب‏ * * * فى الحسن إلا و لاحت فوقها رتب‏

و كلما لاح معنى من جمالهم‏ * * * لبّاه شوق إلى معناه منتسب‏

أظل‏ (3) دهرى و لي من حبهم طرب‏ * * * و من أليم اشتياقى نحوهم حرب‏

فالقلب يا صاح منى بين ذاك و ذا * * * قلب لمعروف شمس الدين منتهب‏

إن الحديث شجون فاستمع عجبا * * * حديث ذا الحبر (4) حسنا كله عجب‏

و شرع فى مدحه و ذكر أوصافه. إلى نهاية سبعة و ثلاثين بيتا، تركنا ايراد بقيتها اختصارا (5). و شعره، (رحمه الله تعالى)، كثير جيد مشهور. فلنرجع إلى سياق أخبار الدولة المنصورية.

____________

(1) فى الأصل نوه، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 45.

(2) فى الأصل يمنعها، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 45.

(3) فى الأصل أطل، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 45.

(4) و كذا أيضا فى ابن الفرات ج 8، ص 45.

(5) هذه العبارة بنصها، أوردها ابن الفرات ج 8، ص 46، و هذا دليل آخر على اقتباسه من النويرى أو من مصدر للنويرى.

144

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

145

و استهلت سنة ست و ثمانين و ستمائة [686- 1287]

فى هذه السنة، تسلم الأمير حسام الدين طرنطاى صهيون، و عاود الأمير شمس الدين سنقر الأشقر الطاعة (1). و قد تقدم ذكر ذلك.

و فيها، كانت غزوة النوبة الأولى. و قد تقدم ذكرها.

ذكر تفويض قضاء القاهرة و الوجه البحرى للقاضى برهان الدين السنجارى، و نقلة القاضى شهاب الدين الخويى إلى الشام و وفاة السنجارى، و إضافة قضاء القاهرة للقاضى تقى الدين ابن بنت الأعز

كان سبب هذه الولايات ما قدمناه، من وفاة قاضى القضاة بدمشق، بهاء الدين بن الزكى، فى حادى عشر ذى الحجة، سنة خمس و ثمانين. فلما اتصل خبر وفاته بالسلطان، رسم بتعيين قاض للشام. فعين قاضى القضاة شهاب الدين الخويى‏ (2) لذلك، فيما بلغنى، القاضى شرف الدين إبراهيم‏ (3) بن عتيق، و كان إذ

____________

(1) أورد المقريزى فى السلوك ج 1، ص 734- 735 الرواية بالتفصيل، و هى تلخيص واضح لما ورد فى النويرى، انظر أيضا بيبرس الداوادار المنصورى: زبدة الفكرة ج 9، ص 162 و ما بعدها.

(2) فى الأصل الحربى، و ما هنا من ابن الفرات، ج 8، ص 48، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 234.

(3) فى ابن الفرات ج 8، ص 48 شرف الدين محمد.

146

ذاك ينوب عنه، و أحضره لذلك. و سعى قاضى القضاة تقى الدين ابن بنت الأعز، أن ينقل القاضى شهاب الدين الخويى إلى الشام، و يستقل هو بقضاء المدينتين و العملين، فنتج سعيه الآن فى أخذ الطرفين. و ذلك أن القاضى شهاب الدين الخويى، طلع فى يوم الأحد، خامس عشر المحرم، من هذه السنة، إلى قلعة الجبل، و صحبته القاضى شرف الدين بن عتيق، الذى عينه لقضاء الشام.

و حضر قاضى القضاة تقى الدين ابن بنت الأعز المجلس، و طلب [السلطان‏] (1) قاضى القضاة برهان الدين الخضر السنجارى، فخلع عليه، و قوض له قضاء القاهرة و الوجه البحرى و نقل القاضى شهاب الدين الخويى إلى قضاء الشام، فتوجه إلى دمشق، فى ثالث عشر صفر، و وصل إليها فى يوم الاثنين ثالث عشر شهر ربيع الأول. و أما القاضى برهان الدين، فإنه جلس للحكم بالقاهرة بالمدرسة المنصورية. و تقدم فى الجلوس بدار العدل، على قاضى القضاة تقى الدين ابن بنت الأعز، فتألم لذلك، و ندم على سعيه فى نقلة القاضى شهاب الدين الخويى إلى الشام، و سعى أن يتوفر من حضور دار العدل.

فبينما هو فى ذلك، توفى قاضى القضاة برهان الدين السنجارى. و كانت وفاته فى تاسع صفر من السنة، بالمدرسة المعزّية بمصر، و دفن بتربة أخيه بدر الدين بالقرافة. فكانت مدة ولايته أربعة و عشرين يوما، و مولده فى سنة ست عشرة و ستمائة. و لما مات، فوض السلطان قضاء القاهرة و الوجه البحرى لقاضى القضاة، تقى الدين عبد الرحمن ابن قاضى القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز.

و خلع عليه، و جمع له القضاء بالمدينتين و العملين. و بلغنى أنه صلى على القاضى برهان الدين، و عليه خلعة القضاء (2).

____________

(1) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 48.

(2) هذه الرواية تطابق ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 49، 58 و فى ذلك دليل على ما بين المصدرين من الانفاق.

147

ذكر خبر واقعة ناصر الدين بن المقدسى و اعيان دمشق، و مصادرة أكابر دمشق، و توكيل ناصر الدين بن المقدسى عن السلطان‏

و فى هذه السنة، وصل ناصر الدين محمد ابن الشيخ عبد الرحمن المقدسى، إلى الأبواب السلطانية. و كان قد حضر، ليرفع‏ (1) على قاضى القضاة بهاء الدين ابن الزكى أمورا. فاتفقت وفاة قاضى القضاة كما تقدم، فبطل عليه ما دبره من أمره، فعدل عن ذلك إلى غيره. و اجتمع بالأمير علم الدين [سنجر (2)] الشجاعى، وزير الدولة، و تحدث معه فى أمر بنت‏ (3) الملك الأشرف موسى ابن السلطان الملك العادل، و أنها أباعت أملاكها بدمشق، و أنه ثبت أنّها حالة البيع كانت سفيهة، و قد حجر عليها عمها الملك الصالح، عماد الدين إسماعيل، و يستعيد الاملاك ممن ابتاعها، و يرجع عليهم بما تسلموه من الريع، فى المدة الماضية، و يشترى هذه الأملاك للخاص‏ (4) السلطانى، فأجابه إلى ذلك.

و كتب يطلب سيف الدين أحمد السامرى من دمشق، و كان قد ابتاع منها

____________

(1) فى ابن الفرات ج 8، ص 50، ليرافع قاضى القضاة.

(2) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 50.

(3) فى الأصل بيت، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 50 و المقصود هنا، حسبما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 735، حاشية 2 ملكة خاتون، و أوصى لها أبوها بجميع جواهره، و وقف دار السعادة و بستان النيرب، و تزوجها الجواد يونس، ثم طلقها، فتزوجها المنصور محمد ابن الصالح إسماعيل، فولدت له ولدين. و توفيت سنة 694.

(4) فى الأصل الخاص، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 50، و المقريزى. السلوك ج 1، ص 735.

148

حرزما (1). فحضر فى شهر رمضان، و السلطان إذ ذاك بغزة، فسيره إلى الديار المصرية. فطلب منه ابتياع حرزما، فادعى أنه وقفها من مدة. فعند ذلك، سطر محضر، يتضمن ابنة الملك الأشرف، كانت فى مدة كذا و كذا سفيهة، و ذلك فى زمن البيع. و لم تزل مستمرة السفه، إلى تاريخ كذا و كذا. ثم صلحت و استحقت رفع الحجر عنها من مدة كذا و كذا. و لفّق بينة شهدت بذلك، و ثبت على أخذ قضاء القضاة بالديار المصرية، و قد شاهدت‏ (2) أنا هذا المحضر.

و لما ثبت ذلك فى وجه سيف الدين السامرى، بطل البيع من أصله. ثم طولب‏ (3) بما تحصل‏ (4) له من الريع، لمدة عشرين سنة، و كان مائتى ألف درهم و عشرة آلاف درهم، بعد الاعتداد له، بنظير الثمن الذى دفعه. فاشترى منه سبعة عشر مهما، من قرية الزنبقية، بسبعين ألف درهم، و حمل مائة ألف و أربعين ألف درهم. و فوض السلطان وكالته، لناصر الدين المقدسى المذكور، فشرع فى أذى أهل دمشق و أعيانها، فطلب جماعة منهم، فى سنة سبع و ثمانين، و هم الصدر عز الدين حمزة بن القلانسى، و الصدر نصير الدين بن سويد، و شمس الدين ولد جمال الدين بن يمن، و جمال الدين بن صصرى. و طلب أيضا قاضى القضاة حسام الدين الحنفى، و الصاحب تقى الدين توبة، و شمس الدين ابن غانم، فصودر هؤلاء. فأخذ من الصدر عز الدين بن القلانسى، فيما قيل،

____________

(1) حرزم، اسم بليدة تقع بين ماردين و دنيسر، من أعمال الجزيرة (ياقوت: معجم البلدان ج 1، ص 239).

(2) لم ترد هذه العبارة فى ابن الفرات ج 8، ص 51، على الرغم من اتفاق روايته مع النص الوارد فى النويرى، و الواضح أن النويرى وقف على المحضر الذى جرى تحريره.

(3) فى الأصل طولب له، و ما هنا به يستقيم المعنى.

(4) فى الأصل يحصل، و ما هنا به يستقيم المعنى.

149

مائة ألف درهم و خمسون ألف درهم، و من جمال الدين بن صصرى، ثلاثمائة ألف درهم، قيمة ملك و دراهم. و حمل [من‏ (1)] نصير الدين ثلاثون ألف درهم، و من ابن يمن، عن قيمة أملاك، مائة ألف درهم و تسعون‏ (2) ألف درهم، و من شمس الدين بن غانم خمسة آلاف درهم؛ و من قاضى القضاة حسام الدين ثلاثة آلاف درهم. و اعتذر أكابر الدماشقة، أنهم حضروا على خيل البريد، و أن أموالهم و موجودهم بدمشق، و سألوا أن يقرر عليهم ما يحملونه. فطلب الأمير علم الدين [سنجر الشجاعى وزير الديار المصرية (3)]، جماعة من تجار الكارم‏ (4)، و أمرهم أن يقرضوا الدماشقة مالا يحملونه، ففعلوا ذلك. و كتب عليهم الحجج، و أعيدوا إلى دمشق، و قاموا بالمبلغ لأربابه. و إنما فعل الأمير علم الدين الشجاعى ذلك، خشية أنهم إذا توجهوا إلى دمشق، استشفعوا فيسامحوا.

فأراد أن يكون ذلك فى ذمتهم، لغير بيت المال. ثم عاد الدماشقة إلى دمشق، و ولى جمال الدين بن صصرى نظر الدواوين بدمشق، و ذلك فى سنة سبع و ثمانين و ستمائة.

____________

(1) الإضافة يتطلبها السياق.

(2) فى الأصل تسعين، و ما هنا به يستقيم المعنى.

(3) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 62.

(4) الكارم، و يقال أيضا الكارمية و الأكارمية، فئة التجار الذين كانت بيدهم تجارة البهار الواردة إلى مصر من الهند عن طريق ثقود اليمن. و كان معظمهم فى الأصل من أهل بلاد الكانم الإسلامية، الواقعة بين بحر الغزال و بحيرة تشاد بالسودان الغربى، فنسبوا إلى موطنهم بعد تحريف الفظ إلى الكارم. ثم صار هذا الاسم يطلق على الذين يمارسون هذه التجارة بمصر. انظرDozy :suPP .Dict .Ar , القلقشندى: صبح الأعشى ج 3، ص 461، 468، 469، ج 4 ص 32، ج 5 ص 280- 281.Heyd .oP .citIl .P .59

150

و فى سنة ست و ثمانين و ستمائة أيضا، توجه السلطان إلى جهة الشام، و استقل ركابه من قلعة الجبل، فى يوم الخميس سابع عشرين شهر رجب، و وصل إلى غزة، و أقام بتل العجول، ثم عاد إلى قلعة الجبل. و كان وصوله إليها، فى يوم الاثنين ثالث عشرين، شوال من السنة.

و فيها، فى تاسع عشر محرم، كانت وفاة علاء الدين ابن الملك الناصر، صاحب الشام، الذى كان فى الاعتقال. و كان قد اعتقل، فى أوائل الدولة المنصورية، فى سابع عشر رمضان، سنة ثمان و سبعين و ستمائة. و كان قد حصل له مرض المالخوليا. فلما اشتد به، قتل نفسه. و مولده فى سنة ثلاث و خمسين و ستمائة.

و فيها، فى ليلة السبت، الثامن و العشرين، من شهر المحرم، توفى الشيخ الإمام، قطب الدين أبو بكر، محمد بن أحمد بن على بن الحسين بن عبد اللّه ابن أحمد بن ميمون القيسى الشاطبى، المعروف بابن القسطلانى، بالمدرسة الكاملية، دار الحديث بالقاهرة، و هو مدرسها، و دفن من الغد، بالقرافة الصغرى. و كانت جنازته مشهورة، (رحمه الله تعالى)(1).

و فيها، كانت وفاة الأمير سيف الدين قجقار (2) المنصورى، نائب السلطنة بالمملكة الصفدية. و كان السلطان قد رباه فى صغره، كالولد، (رحمه الله تعالى).

____________

(1) وردت له ترجمة مسهبة فى ابن الفرات ج 8، ص 51- 61.

(2) فى الأصل فخفار، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 59.

151

و فيها، كانت وفاة الأمير علم الدين سنجر الباشقردى الصالحى بالقاهرة، فى ليلة الثلاثاء، تاسع عشر، شهر رمضان، و دفن بالقرافة. و كان من أكابر الأمراء المقدمين بالديار المصرية. و تولى نيابة السلطنة بحلب‏ (1) كما تقدم، و عزل بالأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى.

____________

(1) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 63.

152

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

153

و استهلت سنة سبع و ثمانين و ستمائة [687- 1288]

ذكر عزل الأمير علم الدين سنجر الشجاعى عن الوزارة و مصادرته، و تفويض الوزارة لقاضى القضاة، تقى الدين ثم إلى الأمير بدر الدين بيدرا

و فى هذه السنة، فى يوم الخميس، ثانى عشر شهر ربيع الأول، عزل السلطان الأمير علم الدين سنجر الشجاعى، عن الوزارة، و صادره و أخذ أمواله. و كان سبب ذلك، أن النجيب المعروف بكاتب بكجرى، أحد مستوفى‏ (1) الدولة، برز له، و انتدب لمرافعته، بموافقة تقى الدين بن الجوجرى، ناظر (2) الدواوين و مباطنته‏ (3) له، و حاققه‏ (4) بين يدى السلطان. و كان من جملة ما حاققه‏ (5) عليه، و أغرى السلطان به، أنه قال للسلطان بحضوره، إنه أباع جملة من الرماح و السلاح، الذى كان فى الذخائر السلطانية للفرنج. فاعترف الأمير علم الدين بذلك. و قال نعم أنا بعته بالغبطة (6) الوافرة، و المصلحة الظاهرة. فالغبطة أنى‏

____________

(1) فى الأصل مستوفين، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 739.

(2) فى الأصل ناضر، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 63.

(3) فى الأصل و مناطسه، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 63.

(4) فى الأصل و خانقه: و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 63، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 739.

(5) فى الأصل و خانقه: و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 63، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 739.

(6) الغبطة، المقصود هنا الربح و المكسب.Dozy :suPP .Dict .Ar .

154

أبعتهم من الرماح و السلاح، ما عتق و فسد، و قلّ الانتفاع به، و بعته بأضعاف قيمته. و المصلحة، ليعلم الفرنج أنا نبيعهم السلاح هوانا بهم، و استحقارا لأمرهم، و عدم مبالاة بهم. فكاد السلطان يصغى إلى ذلك. فأجابه النجيب عن ذلك، بأن قال له يا مكثل‏ (1)، الذى خفى عنك أعظم مما لمحت هذا الكلام، الذى صورته أنت بخاطرك، و أعددته جوابا. و إنما الفرنج و الأعداء لا يحملون بيع السلاح لهم، على ما ظننت أنت و زعمت. و إنما الذى يشيعونه بينهم و ينقله الأعداء إلى أمثالهم، أن يقولوا، قد احتاج صاحب مصر، حتى باع سلاحه لأعدائه، أو ما هذا معناه من الكلام. فعند ذلك احتد السلطان عليه، غاية الاحتداد، و أشتد غضبه، و أمر بمصادرة الأمير علم الدين، على جملة كثيرة من الذهب، و الزمه أن لا يبيع فيما طلب منه، شيئا من خيله و سلاحه و لا [من‏ (2)] عدة الإمرة و رختها (3)، و أنه لا يحمل المطلوب منه إلا، ففعل ذلك. و بلغ السلطان، أن الأمير علم الدين، قد ظلم الناس و صادرهم، و أن فى اعتقاله جماعة كثيرة، قد مرّ عليهم شهور و سنون، و باعوا موجودهم، و صرفوه فى أجرة المترسمين‏ (4) عليهم.

____________

(1) فى الأصل يا متكل، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 63، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 740. و الملحوظ أن عبارة السلوك هنا أيضا مشابهة فى ترتيبها و ألفاظها لما يقابلها فى نهاية الأرب. و المكثل: السلة و القفة.Dozy :suPP .Dict .Ar

(2) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 63.

(3) الرخت، لفظ فارسى معناه المتاع، و هو المقصود هنا فى هذا الموضع. انظر ما ورد من المعانى الأخرى‏Dozy :suPP .Dict .Ar و المقريزى: السلوك ج 1، ص 190.

(4) الترسيم، الأمر الذى يصدر من الجهة المختصة بالتحفظ على شخص، فى موضع و منعه من الفرار، و هو من العقوبات العسكرية.Dozy :suPP .Dict .Ar