نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج31

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
460 /
155

و احتاج بعضهم إلى أن استعطى من الناس بالأوراق‏ (1). فرسم السلطان للأمير بهاء الدين بعدى‏ (2) الدوادار، أن يكشف أمر المصادرين، و يطالع السلطان به. فخرج إليهم و سألهم، فذكروا ما هم فيه من الضرورة و الفاقة، فأعلم السلطان بخبرهم. فرسم‏ (3) للأمير حسام الدين طرنطاى بالكشف عنهم، فأفرج عن جميعهم. ثم أفرج عن الأمير علم الدين فى يوم الأربعاء، تاسع شهر ربيع الآخر من السنة.

و لما عزل السلطان الأمير علم الدين عن الوزارة، فوضها (4) السلطان للأمير بدر الدين بيدرا، فى يوم الثلاثاء سابع شهر ربيع الأول فى السنة. ثم فوضت الوزارة لقاضى القضاة، تقى الدين عبد الرحمن ابن بنت الأعز، فى يوم الخميس التاسع عشر من شهر ربيع الآخر، مضافة إلى ما بيده من قضاء القضاة، و نظر الخزائن.

و لم يترك نظر الخزانة، فربما جلس فى اليوم الواحد فى دست الوزارة، و مجلس الحكم، و ديوان الخزانة. و استمر على ذلك مدة يسيرة، و لم يوف منصب الوزارة حقه العادى، لتمسكه بظاهر الشرع الشريف. ثم توفر من الوزارة، و فوضت للأمير بدر الدين بيدرا المنصورى، و كان أمير مجلس السلطان، ثم نقل إلى الاستادارية، ثم إلى الوزارة، و استقر كذلك إلى آخر الدولة المنصورية.

____________

(1) فى الأصل بالأوراق، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 63 و المقريزى: السلوك ج 1، ص 740 و الأوراق جمع ورقة، و معناها الصك يكتبه المدين للدائن- انظر المقريزى:

السلوك ج 1، ص 740، حاشية 6.Quatremere :oP .citIl .I .P 94 .

(2) فى الأصل عدى بدون نقط، و الرسم المثبت هنا وارد فى ابن الفرات ج 8، ص 63 و المقريزى: السلوك ج 1، ص 741.

(3) فى الأصل فأمر، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 63.

(4) فى الأصل فرضها، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 63.

156

و فيها، فى ليلة يسفر (1) صباحها عن يوم الاثنين سادس عشر ربيع الأول، وقع الحريق، فى خزائن السلاح و المشهد الحسينى بالقاهرة، ثم طفئ.

و فيها، بنى السلطان الملك المنصور بابنة (2) الأمير شمس الدين سنقر التكريتى‏ (3) الظاهرى، و أفرج عن والدها من الاعتقال، و أمرّه بالشام. ثم فارقها السلطان، فقيل فى سبب فراقه لها، إن والدها زوج أختها من أحد مماليكه، فكره السلطان، و أنف منه، و فارقها بسببه. و قيل، بل تعاطت نوعا من الكبر و أقامت لها من الجوارى سلاح دارية و جمدارية و سقاة (4) و غيرهن، مما يتعلق‏ (5) بالسلطنة، ففارقها السلطان لذلك. و لما انقضت عدّتها، أمر السلطان أن تزوج لأردى أولاد الأمراء سيرة، نكاية لها. فكشف عن سير أولاد الأمراء ممن اشتهر بسوء السيرة، فوقع الاتفاق على جمال الدين يوسف بن سنقر الألفى، فزوجت منه.

و فى هذه السنة، ولى القاضى بدر الدين محمد ابن الشيخ برهان الدين إبراهيم ابن جماعة الشافعى الكنانى، قضاء القدس الشريف، و الخطابة [به‏ (6)]. و توجه من دمشق، فى رابع شوال، و وصل إلى القدس فى يوم الاثنين حادى عشر الشهر. و ولى الخطابة بالقدس، بعد وفاة الشيخ قطب الدين أبى الذكاء عبد المنعم‏

____________

(1) ما ورد هنا يطابق تماما ما جاء فى ابن الفرات ج 8، ص 65.

(2) فى الأصل بابنته، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 69.

(3) فى الأصل البكريتى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 69.

(4) فى الأصل و سعاة، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 69.

(5) فى الأصل يتعلقن، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 69.

(6) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 74.

157

ابن يحيى بن إبراهيم القرشى. و كانت وفاته، (رحمه الله تعالى)، بالقدس الشريف فى يوم الجمعة، سابع عشر شهر رمضان، من هذه السنة (1).

و ولى بعد القاضى بدر الدين، تدريس المدرسة القيمرية، القاضى علاء الدين أحمد ابن قاضى القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز. و جلس لإلقاء الدرس بها، فى يوم الأحد تاسع عشر شوال.

و فيها، فى شهر رمضان، فوضى نظر الحسبة بدمشق للصدر شمس الدين ابن السلعوس. و وصل توقيعه بذلك من الأبواب السلطانية، عوضا عن شرف الدين أحمد بن عز الدين عيسى بن الشيرجي‏ (2). و كان ابن الشيرجي قد وليها، فى جمادى الآخرة من السنة.

و فيها، فوض قضاء المالكية بدمشق، لقاضى القضاة جمال الدين الزواوى‏ (3)

ذكر توجه ناصر الدين بن المقدسى [إلى دمشق‏ (4)]، و ما فوض إليه من مناصبها، و ما اعتمده‏

فى هذه السنة، توجه ناصر الدين بن المقدسى، من الأبواب السلطانية، إلى دمشق. و قد فوض له السلطان الملك المنصور وكالته‏ (5)، و نظر الأوقاف‏

____________

(1) انظر ترجمة له فى ابن الفرات ج 8، ص 74- 75.

(2) فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 745، السيرجى.

(3) فى الأصل الزاوى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 71 و المقريزى: السلوك ج 1 ص 745

(4) الإضافة يقتضيها السياق- انظر ما يلى‏

(5) فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 741 متحدثا فى وكالة السلطان.

158

بدمشق و الشام أجمع. و من جملة ذلك، نظر الجامع الأموى، و البيمارستانات الثلاثة، و نظر الأشراف و الأسرى، و الأيتام و الصدقات، و الأسوار و الخوانق و الربط و غير ذلك. و حضر صحبته مشدان، من الأبواب السلطانية، و هما بدر الدين القشتمرى، و صارم الدين الأيدمرى. فتردد الناس إلى خدمته، و خافوا شره. و لزم أرباب السعايات و المرافعات بابه. و شرع يتتبع الناس فيما ابتاعوه من الأملاك، و قصد إثبات سفه من أباع، و أن يسلك فى ذلك، الطريق الذى سلكه فى أمر ابنة الملك الأشرف‏ (1). فامتنع القضاة بدمشق، من موافقته على ذلك، و عضدهم الأمير حسام الدين نائب السلطنة. فمنع ناصر الدين القضاة الجامكية المرتبة لهم على مصالح الجامع الأموى. فلم يردهم ذلك إلا امتناعا من موافقته على أغراضه. و شرع فى عمارة الأملاك السلطانية، و استجد حوانيتا على جسر باب الفراديس من الجانبين. و أصلح الجسر، قبل عمارة الحوانيت. ثم أصلح باب الجابية (2) الشمالى، و كان مستقلا فهدمه و عمره. و لم يكن له حسنة، غير إصلاح هذين الجسرين و الباب، و مساطب الشهود بباب الجامع‏ (3).

و فى هذه السنة، فى شهر رمضان المعظم، كبس بدر بن النفيس‏ (4) النصرانى الكاتب بدمشق، و عنده امرأة مسلمة، و هم يشربون الخمر. فطولع الأمير حسام الدين نائب السلطنة بدمشق بذلك. فأمر أن يحرق النصرانى، فبذل فى نفسه جملة من المال، و سأل مخدومه الأمير سيف الدين كجكن فى أمره،

____________

(1) انظر ما تقدم ص 147 من هذا الجزء (المصحح).

(2) فى الأصل الحانية، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 65.

(3) انظر ترجمة ضيافة له فى ابن الفرات ج 8، ص 64- 65.

(4) هذا الاسم ورد فى الأصل بهذه الصورة تدوين التعيس و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 71، و الواضح أن هذا الخطأ نجم من اهمال الناسخ.

159

فلم يجب نائب السلطنة إلى إبقائه. و أضرمت له نار بسوق الخيل، و ألقى فيها.

و أما المرأة، فقطع بعض أنفها، و شفع فيها فأطلقت.

و فى هذه السنة، فى مستهل رجب، توفيت الست‏ (1) غازية خاتون زوجة الملك السعيد، و دفنت عند والدتها، بالقبة الصالحية، بجوار مشهد السيدة نفيسة، بظاهر القاهرة.

ذكر وفاة الملك الصالح و تفويض ولاية العهد إلى الملك الأشرف‏

فى هذه السنة، فى يوم الجمعة رابع شعبان، توفى الملك الصالح علاء الدين على ابن السلطان الملك المنصور، و كانت علته‏ (2) دوسنطاريا كبدية. و صلى عليه بالقلعة، قاضى القضاة، تقى الدين ابن بنت الأعز، و صلّى خلفه والده السلطان الملك المنصور، و أخوه الملك الأشرف، و صلى عليه خارج القلعة، قاضى القضاة معز الدين الحنفى. و دفن بتربته المجاورة لمشهد السيدة نفيسة. و حصل لوالده السلطان عليه من الآلم، مالا مزيد عليه. و خلف ولدا واحدا، من زوجته منكبك ابنة الأمير سيف الدين نوكية، و هو الأمير مظفر الدين موسى، و له أخبار، ترد إن شاء اللّه تعالى‏ (3).

____________

(1) فى ابن الفرات ج 8، ص 75، حاشية 3، ورد خبر وفاتها فى حوادث سنة 687 ه.

(2) فى الأصل عليه، و ما هنا من ابن الفرات ج، ص 69.

(3) هذه الرواية تقابل ما جاء فى ابن الفرات ج 8، ص 70.

160

و لما مات الملك الصالح، فوض السلطان ولاية (1) العهد بعده، لولده الملك الأشرف صلاح الدين خليل. و ركب بشعار السلطنة، فى حادى عشر شعبان من قلعة الجبل، إلى باب النصر. و شق المدينة، و خرج من باب زويلة، و عاد إلى القلعة، و الأمراء فى خدمته. و كتب بذلك إلى الشام، و سائر البلاد، و خطب له بولاية العهد، بعد أبيه على عادة أخيه الملك الصالح. و كتب تقليده فتوقف السلطان على الكتابة عليه. و سنذكر ذلك، إن شاء اللّه تعالى، فى أخبار الملك الأشرف‏ (2).

و فى هذه السنة، توفى الأمير بدر الدين الأيدمرى الصالحى، فى ليلة يسفر صباحها عن يوم الاثنين، خامس المحرم. و توفى الأمير فخر الدين اياز (3)، المعروف بالمعزى‏ (4) الحاجب، فى ليلة يسفر صباحها، عن يوم الجمعة، العشرين من شهر ربيع الأول، و ذلك عقيب عوده من الحجاز. و كان (رحمه الله تعالى)، من حسنات الدهر. و كانت الملوك تعتمد عليه فى المهمات الجليلة. و توفى الأمير سيف الدين بلبان العلائى الصالحى النجمى، المعروف بقول اللّه كريم الدين، (رحمه الله تعالى)، فى يوم الثلاثاء سادس عشرين جمادى الآخرة منها، و دفن بتربته بالقرافة الصغرى. و هو خوشداش السلطان الملك المنصور، و سنقر الأشقر

____________

(1) فى الأصل ولد، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 70، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 745.

(2) يطابق ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 70، و الواضح أن ابن الفرات أفاد من النويرى أو من المصدر الذى رجع إليه.

(3) فى الأصل أيار و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 74.

(4) فى الأصل المقرى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 74.

161

و غيرهما، كانوا كلهم مماليك الأمير علاء الدين أقسنقر الساقى العادلى. و كان السلطان يرعى له حق الخوشداشية و يكرمه. و يزوره إذا مرض فى منزله، (رحمه الله تعالى)(1).

و فيها، توفى القاضى الخطيب، فخر الدين عبد العزيز ابن قاضى القضاة عماد الدين عبد الرحمن بن السكرى. و كانت وفاته بالمدرسة المعروفة بمنازل العز بمصر، فى رابع عشرين شوال. و مولده فى سنة أربع و ستمائة؛ رحمه‏ (2) اللّه تعالى.

____________

(1) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 74.

(2) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 75.

162

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

163

و استهلت سنة ثمان و ثمانين و ستمائة [688- 1289]

فى هذه السنة، فى المحرم، توجه السلطان إلى الشام، و افتتح طرابلس، و قد ذكرنا ذلك فى الفتوحات.

و لما افتتح السلطان طرابلس، جهّز الأمير حسام الدين طرنطاى، إلى المملكة الحلبية، بطائفة من العسكر. و كان قد وصل إلى‏ (1) [السلطان‏ (2)]، و هو بطرابلس، رسل صاحب سيس، يسألون مراحم‏ (3) السلطان، و يطلبون مراضيه.

فطلب منهم السلطان تسليم مرعش، و بهسنا و القيام بالقطيعة (4) على العادة، و خلع عليهم و أعادهم. و رحل عن طرابلس و نزل على حمص، و أقام بها أيّاما.

فعادت رسل سيس بهدية كثيرة، و اعتذارات عن تسليم مرعش و بهسنا، و بذل جملة كثيرة من المال فى كل سنة. فرحل السلطان عن حمص، و دخل إلى دمشق، فى يوم الاثنين خامس جمادى الأولى.

ذكر ما اتفق بدمشق من المصادرات‏

كان السلطان قد استصحب [معه‏ (5)] فى هذه السفرة، الأمير علم الدين‏

____________

(1) فى الأصل إليه، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 81.

(2) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 81.

(3) فى الأصل تراحم، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 81.

(4) القطيعة، ما يفرضه السلطان على ولاية أو ناحية من المال سنويا، أو ما يقرره فى أحوال غير عادة كالغرامة الحربية. انظر.:Quatremere :oP .cit .I .P .14 .note 85 .

(5) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 81.

164

سنجر الشجاعى، بعد عزله من الوزارة. فلما عاد إلى دمشق من طرابلس، أمره أن يتحدث فى تحصيل الأموال بدمشق، و مكّنه من ذلك، فأوقع الحوطة، على الصاحب تقى الدين توبة. فوجد له أخشابا (1) كثيرة و بضائع و سكّرا، فطرح ذلك على أهل دمشق، بأضعاف قيمته. فكان يحفظ لمن يطرح عليه منه الربع فما دونه. فحصل من ذلك تقدير خمسمائة ألف درهم. و كان غرضه بذلك، أن يطلع السلطان، على أن تقى الدين توبة قد حصل الأموال الكثيرة، لعداوة كانت بينهما. ثم شرع فى مصادرات الناس، فهرب أكثر الدماشقة إلى القرى و الضياع، و اختفوا منه. و طلب نجم الدين عباس الجوهرى، بسبب ضيعة كان قد اشتراها من ابنة الملك الأشرف، بالبقاع العزيز، فطولب بما أخذه من ريعها، فكان خمسمائة ألف درهم، فحمل جوهرا، قوّم له، بثمانين ألف درهم. فشدّد عليه الطلب، فجاء إلى مدرسته التى أنشأها بدمشق، و حفر فى دهليزها، و أخرج خونجاه‏ (2) ذهب، مرصعة بالجوهر، و عليها فرقة (3) مرصعة، فقوم ذلك بأربعمائة ألف درهم، و سبك الذهب، و كان سبعة آلاف دينار، و نقل الجوهر إلى الخزانة.

و أظهر السلطان للأمراء، أن إقامته بدمشق، لانتظار الأمير حسام الدين طرنطاى، فوصل فى سابع عشر شهر رجب. و تلقاه السلطان بالعساكر، و أقام بدمشق، إلى يوم الخميس ثانى شعبان. فتوجه فى هذا اليوم إلى الديار المصرية،

____________

(1) فى الأصل احسانا، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 82.

(2) خوياه، و خونجا، أو خونجه، لفظ فارسى معناه مائدة صغيرة.

Dozy :suPP .Dict .Ar .

(3) لعل المقصود هنا القرق و هو الخف.Dozy :suPP .Dict .Ar .

165

بعد أن حصل الإجحاف بأهل دمشق، و استصحب تقى الدين توبة مقيّدا.

فلما وصل إلى حمراء بيسان‏ (1)، مرّ عليه الأمير حسام الدين طرنطاى، و الأمير زين الدين كتبغا، و هو بالزردخاناه، فسبهما أقبح سب، و كانت هذه عادته، و ذكر ما فعل به، و هما يضحكان من سبه لهما. فتوجها إلى السلطان، و سألاه فى أمره، و ضمناه فأفرج عنه. و أخذاه عندهما. فتألم الأمير علم الدين الشجاعى لذلك ألما شديدا. و كان قد كتب إلى نابلس و القدس و بلد الخليل و البلاد الساحلية، يطلب الولاة و المباشرين، و أن يجهزوا إلى غزة. فلما حصل الإفراج عن تقى الدين توبة، غضب الشجاعى و أظهر حردا. و امتنع من الحديث [فى المصادرين‏ (2)]، فكان ذلك من الألطاف بمن طلب. و وصل السلطان إلى قلعة الجبل فى يوم الثلاثاء.

و فى هذه السنة، فى يوم الثلاثاء [ثا (3)] من عشرى‏ (4) شعبان، وقت الظهر توفى بدمشق الملك المنصور شهاب الدين محمود ابن الملك الصالح إسماعيل ابن الملك العادل.

و فيها، كانت وفاة الأمير علاء الدين الكبكى بالقدس الشريف، فى شهر رمضان، (رحمه الله تعالى).

____________

(1) فى الأصل حمرا بيسان، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 686.

(2) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 82.

(3) فى الأصل من، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 85.

(4) فى الأصل عشر، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 85.

166

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

167

و استهلت سنة تسع و ثمانين و ستمائة [689- 1290]

فى هذه السنة، فى أولها توجه الأمير حسام الدين طرنطاى، و معه جماعة من الأمراء و العساكر، إلى الوجه القبلى. فوصل إلى منزلة طوخ دمنوا (1)، قبالة مدينة قوص. و تصيّد فى هذه السفرة، و مهد البلاد، و قتل جمامة من العربان، و حرق بعضهم بالنار، و أخذ خيولهم و سلاحهم و رهائن أكابرهم، و عاد إلى قلعة الجبل.

و فيها، فى شهر ربيع الأول، استدعى السلطان الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، من دمشق، على خيل البريد. فلما وصل إلى بابه أكرمه، و قال له: اعلم أننى ما اشتريتك، و أمرتك، و وليتك شاد الدواوين بالشام، إلّا ظنا منى، أنك تنصحنى و تحصل أموالى، و تنهض فى مصالح دولتى، فالتزم بتحصيل الأموال. فخلع عليه، و فوّض له، مضافا إلى شدّ الشام، الحصون بسائر الممالك الشامية و الساحل، و ديوان الجيش. فعاد إلى الشام، و كان وصوله‏

____________

(1) يتفق مع ابن الفرات ج 8، ص 90، و ابن مماتى: قوانين الدواوين ص 164: و فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 751 (طوخ)، و فى قاموس جغرافى للقطر المصرى طبعة بولاق 1899 ص 440، ما يشير إلى أن طوخ من نواحى مركز قوص مديرية قنا، و فى ص 286، دمنو من نواحى مركز سوهاج مديرية جرجا. و فى الخطط التوفيقية ج 13، ص 61 طوخ البلاص، من نواحى مركز قوص، على الشط الغربى للنبل، بين البلاص و فقادة.

و الراجح أنه جرت نسبتها إلى ناحية مجاورة، تمييزا لها عن سائر النواحى المعروفة بهذا الاسم.

(محمد رمزى: القاموس الجغرافى القسم الثانى ج 4، ص 187).

168

إلى دمشق، فى يوم الأربعاء العشرين من شهر ربيع الآخر، و تعاظم فى نفسه و كثر تجبره‏ (1).

و فيها، أمر السلطان بالقبض على الأمير سيف الدين جرمك‏ (2) الناصرى، و ذلك فى جمادى الأولى.

و فيها، جهز السلطان الأمير سيف الدين التقوى، إلى طرابلس، و استخدم معه ستمائة فارس بطرابلس. و هو أول جيش استخدم بها. و كان الجيش قبل ذلك بالحصون.

ذكر ايقاع الحوطة على ناصر الدين المقدسى و شنقه‏

و فى هذه السنة، فى جمادى الآخرة، برز أمر السلطان بالكشف على ناصر الدين بن المقدسى وكيله بالشام. فورد المرسوم إلى دمشق، فى ثانى عشرين الشهر، فكشف عليه، فظهرت له مخازى كثيرة. و سر الناس بذلك، فرسم عليه، و طولع السلطان بما ظهر عليه. فورد الجواب، فى يوم الجمعة، تاسع عشر شهر رجب، أن يستخرج منه، ما التمسه، فطولب بذلك، و ضرب بالمقارع، فى يوم ورود المرسوم. و شرع فى بيع موجوده، و حمل ثمنه، و استمر كذلك، و هو بالمدرسة العذراوية فى الترسيم، إلى يوم الخميس ثانى شعبان. فورد المرسوم السلطانى، يطلبه إلى الأبواب السلطانية. فلما اجتمع الناس، بكرة نهار الجمعة،

____________

(1) فى الأصل تحيره، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 90، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 751.

(2) فى الأصل حرمك، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 91 و المقريزى: السلوك ج 1، ص 751.

169

دخلوا عليه، فوجدوه قد شنق. فحضر أولياء الأمر و القضاة و الشهود، و شاهده على تلك الصورة، و كتبوا محضرا بذلك. و دفن، و استراح الناس من شره.

و فى هذه السنة، رسم السلطان لنائب السلطنة (1) بالشام، و الأمير شمس الدين الأعسر، لعمل مجانيق، و تجهيز زردخاناه، لحصار عكا. فتوجه الأمير شمس الدين الأعسر، إلى وادى مريين‏ (2)، و هو بين جبال عكار و بعلبك، و فيه من الأخشاب و أعواد المجانيق، أشياء كثيرة (3) لا يمكن أن يوجد مثلها فى غيره. و أخبرنى‏ (4) جماعة أثق بأخبارهم، فى سنة إحدى عشرة و سبعمائة، و أنا يوم ذاك، بالقرب من هذا الوادى، أن به عودا قائما طوله أحد و عشرون ذراعا، بذراع العمل، و دوره كذلك، و أنهم حققوا ذلك، بأن صعد رجل إلى أعلاه، و دلّى حبلا إلى الأرض، من أعلاه، و أداروا الحبل عليه، فجاء سواء، لا يزيد و لا ينقص.

فتوجه الأمير شمس الدين إلى هذا الوادى، و قرر على ضياع المرج‏ (5) و الغوطة بدمشق مال، من ألفى درهم إلى خمسمائة درهم، كلّ ضيعة بحسب متحصلها، لأجرة جر أعواد المجانيق، و كذلك ضياع بعلبك و البقاع. و جى‏ (6) المال، و نال أهل بعلبك و البقاع شدة عظيمة، بسبب ذلك. و بينا الأمير شمس الدين بالوادى‏

____________

(1) المقصودية الأمير حسام الدين لاجين. ابن الفرات ج 8، ص 93.

(2) فى الأصل مربين و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 93.

(3) فى الأصل، شياء كثيرا، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(4) أورد ابن الفرات ج 8، ص 93 هذه الرواية بصيغة الغائب، و فى ذلك دليل على الإفادة من النويرى الذى تحدث بصيغة المتكلم، كما هو وارد فى المتن.

(5) فى الأصل المرخ، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 93.

(6) فى الأصل و جنى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 93.

170

المذكور، و هو مهتم فى قطع الأعواد و جرها، سقط عليه ثلج عظيم، فركب خيله، و خرج منه. و أعجله كثرة الثلج و ترادفه، عن نقل أثقاله و خيامه، فتركها و نجا (1) بنفسه، و لم يلو على شي‏ء. و لو تأخر بسببها، و اشتغل بحملها هلك هو و من معه، و ارتدمت أثقاله بالثلوج، و بقيت تحتها إلى فصل الصيف، و تلف أكثرها (2).

و فى هذه السنة أيضا، فوض السلطان تقدمة العسكر بغزة و الأعمال الساحلية، إلى الأمير عز الدين أيبك الموصلى، عوضا عن الأمير شمس الدين أقسنقر كرتيه.

فتوجه إليها من دمشق، فى رابع شهر رجب.

و فيها، فى شعبان، اشتد الحر بحماه، حتى شوى اللحم على بلاط الجامع، على ما حكاه الشيخ شمس الدين الجزرى‏ (3) فى تاريخه. و وقعت نار فى دار صاحب حماه فاحترقت، و أرسل اللّه ريحا و اشتدت، فقويت النار و استمرت يومين و بعض الثالث، و ما قدر أحد أن يتقدم إليها، فاحترقت الدار بما فيها، و كان صاحب حماه فى الصيد.

____________

(1) فى الأصل تجى، و سوف يجرى تصويب ما يقع من أخطاء إملائية دون الإشارة إلى ذلك.

(2) الرواية واردة بالنص فى ابن الفرات ج 8، ص 93- 94. و جاءت مختصرة فى المقريزى:

السلوك ج 1، ص 754، و الملحوظ أن ما أورده هنا ابن الفرات ج 8، ص 93، عن تعرض التجار المسلمين الذين قدموا إلى عكا، بمقتضى الهدنة القائمة، للهجوم من الفرنج، و اعتبار ذلك انتهاكا للهدنة، و من الأسباب التى أوجبت فتح عكا، أورده النويرى بعد ذكر أحداث أخرى.

انظر ما يلى.

(3) هذا المصدر الذى رجع إليه النويرى، أورده أيضا ابن الفرات ج 8، ص 93، و فى ذلك دليل على العلاقة الوثيقة بين النويرى و ابن الفرات فى رواياتهما.

171

و فيها، فى شعبان، خرج مرسوم السلطان إلى الشام، أن لا يستخدم أحد من أهل الذمة، اليهود و النصارى، فى المباشرات الديوانية (1)، فصرفوا منها.

و ورد مثال‏ (2) بالإفراج عن المعتقلين.

و فيها، ثار (3) جماعة من الفرنج بعكا، فقتلوا جماعة من تجار المسلمين بها، كانوا قدموا للمتجر، تمسكا بالهدنة، و ذلك فى شعبان. فادعى أهل عكا، أن ذلك إنما فعله الفرنج الغرب، و أنه ليس برضاهم. فكان ذلك من أكبر الأسباب التى أوجبت أخذ عكا، على ما نذكره إن شاء اللّه تعالى‏ (4).

ذكر وفاة قاضى القضاة نجم الدين المقدسى الحنبلى و تفويض القضاء بدمشق بعده للشيخ شرف الدين المقدسى‏

و فى هذه السنة، فى يوم الثلاثاء، ثانى عشر جمادى الأولى، توفى قاضى القضاة نجم الدين أبو العباس أحمد ابن قاضى القضاة شمس الدين أبى محمد عبد الرحمن المقدسى، قاضى الحنابلة بدمشق. فعين [الأمير حسام الدين لاجين‏ (5)] نائب السلطنة ثلاثة، و كتب فى حقهم إلى السلطان، و هم الشيخ زين‏

____________

(1) المباشرات الديوانية، المقصود ممارسة الأعمال الحكوميةDozy :suPP .Dict .Ar .

(2) المثال، وثيقة رسمية، يرد فيها مقدار الاقطاع الذى يختص به الفارس المملوكى- القلقشندى: صبح الأعشى ج 13 ص 153، ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة ج 8، ص 91 حاشية 2.

(3) فى الأصل سار، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 92.

(4) انظر ما سبق ص 170 حاشية 2.

(5) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 91.

172

الدين بن المنجا (1)، و الشيخ تقى الدين سليمان، و الشيخ شرف الدين الحسن.

فورد المثال السلطانى، فى غرة جمادى الآخرة، لنائب السلطنة، أن يفوض القضاء بدمشق للقاضى شرف الدين الحسن ابن الخطيب شرف الدين أبى العباس أحمد بن أبى عمر بن قدامه المقدسى. ففوض إليه نائب السلطنة القضاء، حسب الأمر السلطانى. و كتب تقليده عن نائب السلطنة، و خلع عليه فى يوم الاثنين تاسع الشهر. و جلس بجامع دمشق، و حكم بين الناس، على عادة القضاة قبله.

و فيها، توفى الشيخ الإمام العالم، رشيد الدين أبو حفص عمر بن إسماعيل ابن مسعود الفارقى الشافعى. و كانت وفاته بالمدرسة الظاهرية بدمشق، فى يوم الأربعاء، رابع شهر المحرم، و دفن بمقابر الصوفية. و يقال إنه وجد مخنوقا (2)، و كان من العلم و الفضيلة بالمكان المشهور، و شهرته بذلك تغنى عن‏ (3) وصف محاسنه، (رحمه الله تعالى).

و فيها، فى ليلة الأحد الثامن و العشرين من شهر ربيع الآخر، توفى الطواشى شرف الدين مختص‏ (4) الظاهرى، مقدم المماليك السلطانية، فى الدولة الظاهرية و السعيدية و المنصورية، و دفن من الغد بالقرافة. و كان مهيبا سلطا على المماليك السلطانية، مبسوط اليد فيهم، ذا حرمة وافرة، (رحمه الله تعالى).

____________

(1) فى ابن الفرات ج 8، ص 91 ابن منجا.

(2) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 104- 105.

(3) فى الأصل عمن، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 105.

(4) و فى ابن الفرات ج 8، ص 105، شرف الدين مختص بن عبد اللّه الظاهرى.

173

ذكر وفاة السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاون، (رحمه الله)

كانت وفاته، (رحمه الله تعالى)، بمنزلة مسجد تبر (1)، و هى المنزلة الأولى، و ذلك فى العشر الأخير من شوال، فعلمت به علته إلى أن مات، (رحمه الله تعالى)، و حمل إلى قلعة الجبل ليلا، و استمر بها إلى آخر يوم الخميس غرة المحرم سنة تسعين و ستمائة (2). ففى هذا اليوم [قال‏] (3): أرسل السلطان الملك الأشرف، إلى التربة المنصورية بالقاهرة جملة يصدق بها. فلما كان فى ليلة الجمعة المسفرة عن ثانى المحرم، نقل (رحمه الله تعالى)، من القلعة إلى تربته التى أنشأها بالقاهرة و أدخل من باب البرقية، و صلّى عليه بالجامع الازهر، ثم حمل منه إلى التربة.

و نزل قبره الأمير بدر الدين بيدرا، و الأمير علم الدين سنجر الشجاعى. و فرق فى صبيحة ذلك اليوم، جملة من الذهب على القراء. و كانت مدة سلطنته إحدى عشرة سنه و شهرين و أربعة عشر يوما.

____________

(1) فى الأصل التين، و فى ابن الفرات ج 8، ص 97 التبن، و ما هنا من المقريزى:

السلوك ج 1، ص 755. و هذا المسجد، حسبما أورده المقريزى فى المواعظ و الاعتبار ج 2، ص 412، يقع خارج القاهرة مما يلى الخندق و تسميه العامة التين، و هو خطأ، و هو قريب من المطرية. و تبر أحد كبار الأمراء فى أيام كافور الإخشيديّ. انظر أيضا، المقريزى. السلوك ج 1، ص 684 حاشية 3.

(2) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 96- 97.

(3) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 97، و يرتبط هذا اللفظ بالمصدر الذى أفاد منه كل من النويرى و ابن الفرات.

174

و خلّف من الورثة؛ أولاده الخمسة، و هم السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل، و هو الذى ملك بعده، و السلطان الملك الناصر ناصر الدين محمد، و هو سلطان هذا العصر (1)، و الأمير أحمد- مات فى سلطنة أخيه الملك الأشرف- و ابنتان، و هما دار مختار الجوهرى، و اسمها التطمش، و دار عنبر الكمالى، و زوجته والدة السلطان الملك الناصر.

ذكر تسمية نواب السلطان الملك المنصور و وزرائه‏

ناب عن السلطان الملك المنصور، (رحمه الله تعالى)، بأبوابه الشريفة فى أول سلطنته، الأمير عز الدين ايبك الأفرم الصالحى، ثم استعفى كما تقدم. و استقر فى نيابة السلطنة، الأمير حسام الدين طرنطاى المنصورى، و استمر إلى أن كانت وفاة السلطان. و ناب عن السلطان بدمشق، بعد استعادتها من الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، الأمير حسام الدين لاجين السلحدار المنصورى، المعروف بالصغير. و ناب عن السلطنة بالمملكة الحلبية فى ابتداء الدولة، الأمير جمال الدين أقش الشمسى، إلى أن مات، ثم الأمير علم الدين سنجر الباشقردى إلى أن عزل، و ولى الأمير شمس الدين قراسنقر الجو (2) كان دار المنصورى إلى آخر الدولة. و ناب عن السلطنة بحصن الأكراد، الأمير سيف الدين بلبان الطباخى المنصورى، و بالكرك الأمير عز الدين أيبك‏

____________

(1) حرص ابن الفرات، فيما يورده من الأحداث، على أن يخفى فى أحوال كثيرة المصدر الذى يستمد منه رواياته. ففى الرواية التى تطابق ما أورده هنا النويرى عن أسرة المنصور قلاون، تجنب الإشارة إلى عبارة سلطان هذا العصر، نظرا لأنه متأخر فى الزمن عن النويرى (ابن الفرات ج 8، ص 97).

(2) هذا الاسم سوف يرد بهذه الصورة، أو بصورة أخرى، الجوكندار.

175

الموصلى، ثم الأمير ركن الدين بيبرس الداوادارى‏ (1) المنصورى. و ناب عن السلطنة بالمملكة الصفدية فى ابتداء الدولة، الأمير علاء الدين الكبكى و غيره، و تقدم ذكرهم. و ناب عن السلطنة بغزة و حمص، جماعة قد تقدم ذكرهم.

و أما الوزراء، فوزر للسلطان، (رحمه الله تعالى)، سنة [نفر (2)]، أربعة من [أرباب‏ (3)] الأقلام، و هم الصاحب برهان الدين الخضر (4) السنجارى مرة بعد أخرى، و الصاحب فخر الدين إبراهيم بن لقمان، و الصاحب نجم الدين‏ (5) حمزة بن محمد الأصفونى، و قاضى القضاة تقى الدين عبد الرحمن ابن قاضى القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز، و قد تقدم ذكر ولايتهم فى أثناء أخبار الدولة. و من الأمراء [اثنان‏ (6)] الأمير علم الدين سنجرى الشجاعى، كان يتولى شد الدولة المنصورية و تدبيرها. فإذ شغرت‏ (7) الوزارة من متعمم، جلس مكان الوزير، و كتب على عادة الوزراء، و ولّى و عزل، و استخدم و صرف. ثم استقل بالوزارة، بعد وفاة الصاحب نجم الدين حمزة بن الأصفونى‏ (8). و كان فى وزارته و شده، كثير العسف و المصادرات، محصلا للأموال من وجوهها و غير وجوهها

____________

(1) فى ابن الفرات ج 8، ص 96، و المقريزى: السلوك، ج 1، ص 755، الداودار.

(2) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 96.

(3) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 96.

(4) فى الأصل خضر، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 96.

(5) فى الأصل برهان الدين نجم، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 96، و المقريزى:

السلوك ج 1، ص 775، انظر ما يلى.

(6) الإضافة للتوضيح.

(7) فى الأصل سفرت، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 96.

(8) فى الأصل الأصونى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 96.

176

شديدا على المباشرين. قد أوقع الرعب فى قلوبهم، حتى كرهه الخاص و العام، و تمنوا زوالى الدولة بسببه، و استمر فى الوزارة إلى أن عزل كما تقدم. و ولى الأمير بدر الدين بيدرا المنصورى إلى آخر الدولة.

و ولى القضاء فى الأيام المنصورية، بالديار المصرية و الشامية، جماعة قد تقدم ذكرهم‏ (1).

و ملك السلطان الملك المنصور، من المماليك الأتراك و المغل و غيرهم، ما لم يملكه ملك بالديار المصرية فى الإسلام قبله. فيقال إن عدتهم بلغت اثنى عشر ألفا، و تأمّر منهم فى الأيام المنصورية جماعة كثيرة. و منهم من ناب عن السلطنة الشريفة فى الممالك الشامية و الديار المصرية. و منهم من استقل بالسلطنة و خطب له على المنابر، و ضربت السكة باسمه، على ما نذكر ذلك فى مواضعه إن شاء اللّه تعالى. و بقايا المماليك المنصورية إلى الآن، هم أعيان الأمراء فى وقتنا هذا (2).

و لما مات الملك المنصور، ملك بعده ولده الملك الأشرف.

____________

(1) يطابق ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 96.

(2) يشير ابن الفرات ج 8، ص 98، إلى أنهم أعيان الأمراء فى دولة الناصر محمد بن قلاون و أورد المقريزى: السلوك ج 1، ص 756 أن المنصور قلاون أفرد من مماليكه ثلاثة آلاف و سبعمائة من الأصل و الجركس، جعلهم فى أبراج القلعة، و سماهم البرجية و كان جميل الصورة، مهيبا عريض المنكبين، قصير العنق، فصيحا بلغة الترك و القبجاق، قليل المعرفة بالعربية.

177

ذكر أخبار السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاون الصالحى و هو الثامن من ملوك دولة الترك بالديار المصرية.

ملك الديار المصرية و البلاد الشامية، و ما أضيف إلى ذلك من الممالك الإسلامية و الأقطار الحجازية، بعد وفاة والده السلطان الملك المنصور (رحمه الله تعالى).

و كان جلوسه على تخت السلطنة بقلعة الجبل المحروسة. فى يوم الأحد المبارك السابع من ذى القعدة، سنة تسع و ثمانين و ستمائة، و لم يختلف عليه اثنان. لأن الأمراء، أرباب الحل و العقد، و نواب السلطنة بسائر الممالك، مصرا و شاما، مماليك والده، و من عداهم من الأمراء الصالحية، لم يظهر منهم إلا الموافقة و الطاعة و الانقياد، و المبادرة إلى الحلف. و قد تقدم‏ (1) أن السلطان الملك المنصور كان قد جعل له ولاية العهد من بعده، بعد وفاة أخيه الملك الصالح علاء الدين على، و ركّبه بشعار السلطنة، و تأخرت كتابة تقليده، و طلب ذلك مرة أخرى، و السلطان يتوقف فى الإذن بكتابة التقليد. ثم تحدث مع السلطان الملك المنصور فرسم بكتابته، فكتب- و قد شرحنا مضمونه فى الجزء الثامن من كتابنا هذا (2)- فلما قدم إلى السلطان، ليكتب عليه، توقف و أعاده‏ (3) إلى القاضى فتح الدين ابن عبد الظاهر، صاحب ديوان الإنشاء، و لم يكتب عليه.

فأرسل الملك الأشرف إلى القاضى فتح الدين، يطلب التقليد، فاعتذر أنه‏

____________

(1) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 98.

(2) انظر الجزء الثامن، صفحة 111، طبعة دار الكتب المصرية، سنة 1931 (المصحح).

(3) فى الأصل و أعاد، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 98.

178

لم يقدمه للعلامة. و قدّمه ثانيا إلى السلطان، فردّه. و قال يا فتح الدين: أنا ما أولى خليلا على المسلمين. ثم أرسل الملك الأشرف يطلبه، فخشى [فتح الدين‏ (1)] أن يقول إن السلطان امتنع من الكتابة عليه؛ و اعتذر أيضا. و خاطب السلطان فى معناه، و قدمه إليه، فرماه به. و قال: قد قلت لك أننى ما أولى خليلا على المسلمين. فأخذ التقليد بغير علامة، و خرج. و اتفق فى خلال ذلك، خروج السلطان و وفاته.

فلما تسلطن الملك الأشرف، طلب فتح الدين بن عبد الظاهر، و قال له:

أين تقليدى. فأقام و أحضره إليه، و هو بغير علامة السلطان، و اعتذر أن السلطان الملك المنصور، شغلته الحركة و الفكرة فى أمر العدو عن الكتابة عليه.

فقال له السلطان الملك الأشرف: يا فتح الدين، إن السلطان امتنع أن يعطينى، فأعطانى اللّه. و رمى له التقليد، فكان عنده بغير علامة. ثم عند ابنه المرحوم علاء الدين، إلى أن مات (رحمه الله تعالى)(2).

قال بعض الشعراء يمدحه:

فداك‏ (3)يا عادل يا منصف‏ * * * أرجى من الغيث الذى يوصف‏

أغنى عباد اللّه عن نيلهم‏ * * * فجودك البحر الذى يعرف‏

أطاعك الناس اختيارا و ما * * * أذلهم رمح و لا مرهف‏

____________

(1) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 98.

(2) يقابل ابن الفرات ج 8، ص 98- 99.

(3) فى الأصل بذاك، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 99.

179

كم ملكت مصر ملوك و كم‏ * * * جادوا و ما جادوا و لا أسرفوا (1)

حتى أتى المنصور أنسى الورى‏ * * * بفعله سائر ما أسلفوا

ما قدموا مثل تقاه‏ (2) و لا * * * مثل الذى خلفه خلفوا

فته‏ (3) على الأملاك فخرا بما * * * نلت فأنت الملك الأشرف‏

قال‏ (4)، و خلع الملك الأشرف على سائر الأمراء و أرباب المناصب. ثم ركب بشعار السلطنة، فى يوم الجمعة بعد الصلاة، الثانى عشر من الشهر. و سيّر بالميدان الأسود؛ و الأمراء و العساكر فى خدمته. و طلع إلى قلعة الجبل، قبل أذان العصر. و يقال إن الأمير حسام الدين طرنطاى، كان قد قصد اغتيال الملك الأشرف، فى يوم ركوبه، و أنه عزم على قتله عند ابتداء التسيير، إذا قرب من باب الإصطبل، و أن السلطان شعر بذلك. فلما سيّر السلطان أربعة ميادين‏ (5)، و الأمير حسام الدين و من وافقه عند باب سارية. فلما انتهى السلطان إلى رأس الميدان، و قرب من باب الإصطبل، و فى ظن الناس أنه يعطف إلى جهة باب سارية. ليكمل التسيير على العادة، عطف إلى جهة القلعة، و أسرع و عبر من‏

____________

(1) فى الأصل: جاء البيت على هذا النحو:

كم ملكت مصر ملوكا ملوك‏ * * * و كم جادوا و ما جادوا و لا أسرفوا

و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 99.

(2) فى الأصل بقاه، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 99.

(3) فى الأصل فيه، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 99.

(4) و فى هذا إشارة إلى المصدر عند النويرى و ابن الفرات.

(5) الميادين، من التداريب العسكرية التى كان يمارسها الفرسان المماليك حتى يكتسبوا المهارة و البراعة فى طرق الكر و الفر فى القتال: انظر كتاب الجهاد و الفروسية ص 11 ب، 12 أ (مخطوطة بدار الكتب المصرية برقم 3 م).

180

باب الإسطبل‏ (1). و لما عطف، ساق الأمير حسام الدين و من معه. مل‏ء (2) الفروج، ليدركه‏ (3). فما وصل إلى باب الإسطبل. إلا و السلطان قد دخل منه، و حف به مماليكه و خواصه، فبطل على طرنطاى ما دبره. و بادر السلطان بالقبض عليه.

ذكر القبص على الأمير حسام الدين طرنطاى و قتله و على الأمير زين الدين كتبغا و اعتقاله‏

لما استقل السلطان الملك الأشرف فى السلطنة، وقف الأمير حسام الدين طرنطاى؛ بين يديه فى نيابة السلطنة، على عادته مع السلطان الملك المنصور أبيه‏ (4). و كان الملك الأشرف يكره الأمير حسام الدين طرنطاى أشد الكراهية لأمور:

منها ما كان يعامله به من الاطراح لجانبه، و الغض منه، و اهنة (5) نوابه، و أذى من ينسب إليه. و منها ترجيح جانب أخيه، الملك الصالح على جانبه، و الميل إليه. و لما مات الملك الصالح، و انتقلت ولاية العهد بعده، إلى الملك الأشرف مال إليه من كان يميل عنه، و تقرب إلى خاطره من كان يجفوه‏ (6). و لم يزد ذلك‏

____________

(1) وردت كتابة الاسطبل، بالرسم اصطبل أيضا.

(2) فى الأصل الفروح، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 100.

(3) فى ابن الفرات ج 8، ص 100 ليدركره.

(4) فى الأصل ابنه، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 100.

(5) كذا فى الأصل، و ابن الفرات ج 8، ص 99، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 757 إهنة، و الواضح أن المقصود إهانة.

(6) فى ابن الفرات ج 8، ص 99 يحقره.

181

الأمير حسام الدين إلا تماديا فى الإعراض عنه، و جريا على عادته، فى أذى من ينتسب إليه. و أغرى السلطان الملك المنصور، بناظر الديوان الأشرفى، شمس الدين محمد بن للسلعوس، حتى ضربه و صرفه على ما نذكر ذلك، و عامله بمثل هذه المعاملة، و الملك الأشرف لا يستطيع دفع ذلك، لتمكن الأمير حسام الدين، من السلطان الملك المنصور، و يكتم ما عنده منه، و يصبر (1) من ذلك، على ما لا يصبر (2) مثله على مثله.

فلما ملك السلطان الملك الأشرف، تحقق الأمير حسام الدين أنه يحقد عليه أفعاله، و أن خاطره لا يصفو له. فشرع فى إفساد نظامه سرّا، و إخراج الأمر عنه. و تحقق السلطان ذلك، و وشى به بعض من باطنه. فلما نزل السلطان من الركوب فى يوم الجمعة، الثانى عشر من ذى القعدة، استدعاه فدخل عليه، و هو يظن أن أحدا لا يجسر أن يقدم عليه، لمهابته فى القلوب، و مكانته من الدولة، و ظن أن السلطان لا يبادره بالقبض عليه. و لما استدعاه [السلطان‏ (3)]، نهاه الأمير زين الدين كتبغا المنصورى، عن الدخول على السلطان و حذّره، و قال له: و اللّه أخاف عليك منه، فلا تدخل عليه، إلا فى عصبة و جماعة، تعلم أنهم يمانعون عنك أن لو وقع أمر. و قال له:- فيما حكى لى‏ (4)- و اللّه لو كنت نائما، ما جسر (5) خليل ينبهنى. و قام و دخل على السلطان، فحمل زين الدين كتبغا

____________

(1) فى الأصل يصير. و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 100.

(2) فى الأصل يصير. و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 100.

(3) الإضافة يتطلبها السياق.

(4) فى ابن الفرات ج 8، ص 100، فيما حكى له. و الرواية بتفاصيلها، وردت مع تغيير يسير فى ترتيبها فى ابن الفرات، و الملحوظ أن ابن الفرات حرص على أن يغير ما يورده النويرى بصيغة المتكلم، إلى صيغة الغائب.

(5) فى الأصل جلس، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 100.

182

الإشفاق عليه، أن دخل معه. فلما صار طرنطاى بين يدى السلطان، و كان قد قرر مع الأمراء الخاصكية (1) القبض عليه، فبادروا إلى ذلك، و قبضوا على يديه، و أخذوا سيفه. فصرخ كتبغا، و جعل يقول: «إيش عمل، إيش عمل»، يكرر ذلك. فأمر السلطان بالقبض على كتبغا، فقبض عليه و اعتقل، ثم أفرج عنه بعد ذلك.

و أما طرنطاى، فإنه لما قبض عليه، أمر بقتله، فقتل. و قيل إنه عوقب بين يدى السلطان حتى مات. و قيل كانت وفاته فى ثامن عشر ذى القعدة، و بقى ثمانية أيام، بعد وفاته. ثم أخرج من القلعة، ليلة الجمعة سادس عشرين الشهر، و قد لفّ فى حصير، و حمل على جنوية (2)، إلى زاوية الشيخ أبى السعود.

فغسله الشيخ عمر السعودى، و كفنه و دفنه، خارج الزاوية. و بقى كذلك، إلى أن ملك الملك العادل زين الدين كتبغا المنصورى، فأمر بنقله إلى تربته التى أنشأها بالقاهرة، بمدرسته التى بجوار داره بخط المسطاح‏ (3).

____________

(1) الخاصكية: قسم من المماليك السلطانية، يختارهم السلطان من الأجلاب الذين دخلوا خدمته صغارا، و يجعلهم حرسه الخاص. و لما لهم من الحظوة عند السلطان، سبقوا غيرهم فى الظفر بالامرة و الوظائف الهامة، و من الدليل على ثقة السلطان فيهم، أنهم يدخلون عليه فى خلوته بغير إذن، و يتوجهون فى المهمات الشريفة، و يتأنقون فى مركوبهم و ملبوسهم.

انظرDemanliynes :oP .cit ,P .Pxxxiii ,Lxclx ابن شاهين: زبدة كشف الممالك ص‏Quatremere ;oP .cit .I .2 .P .158 N .3 .115

(2) جنوية، و هى النقالة، التى تحمل الجرحى و الموق.

انظر.Dozy :suPP .Dict .Ar .

(3) يشير ابن الفرات ج 8، ص 101، إلى أن داره، بجوار مدرسته الحسامية الآن (زمن ابن الفرات)، تجاه سوق الجوارى داخل القاهرة المحروسة. و جعلها المقريزى، المواعظ و الاعتبار ج 1، ص 386، فى هذا الموضع، قريبا من حارة الوزيرية، و باب الخوخة.

183

و لما قبض السلطان عليه، ندب الأمير علم الدين سنجر الشجاعى لإيقاع الحوطة على‏ (1) موجوده، و استصفاء أمواله، لما كان بينهما من العداوة. فنزل الشجاعى إلى دار طرنطاى التى بالقاهرة، و حمل ما فى خزانته و ذخائره. و طلب ودائعه، و نبش مواضع من داره، و شعثها. و حمل من أمواله إلى الخزائن و بيت المال جملة عظيمة، يقال إن جملة ما حمل من ماله، ستمائة ألف دينار عينا، و من الدراهم سبعة عشر ألف رطل و مائة رطل بالمصرى، و من العدد و الأقمشة و الخيول و المماليك ما لا يحصر قيمته كثرة. و يقال إنه كان قد جمع ذلك و ادّخره، لطلب السلطنة لنفسه، فلم ينل ما تمناه‏ (2).

و وقف الأمير علم الدين الشجاعى، بعد القبض على طرنطاى، أياما قلائل، من غير أن يخلع عليه خلع النواب، و لا كتب تقليده، و لم يشتهر ذلك.

ثم فوضت النيابة، للأمير بدر الدين بيدرا.

ذكر تفويض نيابة السلطنة الشريفة للأمير بدر الدين بيدرا المنصورى‏

لما قبض على الأمير حسام الدين طرنطاى كما تقدم، قام الأمير علم الدين سنجر الشجاعى، بوظيفة النيابة أياما قلائل، كما ذكرناه. ثم فوض السلطان النيابة عن السلطنة، للأمير بدر الدين بيدرا المنصورى. و خلع عليه، على عادة نواب السلطنة، و أجرى عليه، ما كان جاريا على الأمير حسام الدين طرنطاى، من الإقطاعات و غيرها.

____________

(1) فى الأصل مع، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 101.

(2) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 101.

184

و فى هذه السنة، رسم السلطان بطلب الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، شاد الدواوين بالشام، فوصل البريد إلى دمشق يطلبه، فى رابع ذى الحجة منها، فتوجه إلى الأبواب السلطانية، فى ثامن الشهر. و لما وصل إلى بين يدى السلطان، ضربه مرة بعد أخرى، و بقى فى الترسيم، إلى أن حضر الصاحب شمس الدين [بن السلعوس‏ (1)] فسلّمه إليه. و ولّى شاد الدواوين بدمشق، الأمير سيف الدين طوغان المنصورى. و أعاد السلطان الصاحب تقى الدين توبة التكريتى إلى وزارة الشام، فوصل إلى دمشق، فى خامس المحرم، سنة تسعين و ستمائة. و أوقع الحوطة على موجود الأمير شمس الدين سنقر الأعسر.

حسب المرسوم السلطانى.

و فيها، رسم السلطان الملك الأشرف، باحضار الأمير بدر الدين بكتوت العلائى، من حمص إلى الباب السلطانى، فى ذى الحجة، فحضر.

و فيها، فى ذى الحجة، رسم السلطان بتجديد تقليد الأمير حسام الدين لاجين المنصورى، نائب السلطنة بالشام، فكتب. و زاده السلطان على إقطاعه المستقر، إلى آخر الأيام المنصورية، خرستا (2)، و جهز ذلك على يد مملوكه شمس الدين أقسنقر الحسامى. و أعطى أقسنقر إمرة عشرة طواشية (3). فوصل إلى دمشق فى ثامن عشر ذى الحجة من السنة.

____________

(1) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 102.

(2) فى الأصل حرسا دون نقط: و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 103 و هى قرية كبيرة فى وسط باتين دمشق على طريق حمص، بينها و بين دمشق ما يزيد على فرسخ. ياقوت: معجم البلدان.

(3) الطواشية، الفرسان الذين يحوزهم الأمير فى أقطاعه.

185

و فيها، فى الخامس و العشرين من ذى الحجة، كان وفاة الأمير الحاج علاء الدين طيبرس الوزيرى. و كان ديّنا كثير الصدقة و المعروف، قليل الأذى، و خلّف أموالا عريضة، فأوصى بثلاثمائة ألف درهم من ماله، تنفق فى العساكر و أوقف مدرسة بمصر، على طائفة الشافعية و المالكية. و أوقف خانا بظاهر دمشق، على الصدقات، ريعه فى كل شهر تقدير خمسمائة درهم، و له أثار حسنة، (رحمه الله تعالى)(1).

____________

(1) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 103.

186

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

187

و استهلت سنة تسعين [و ستمائة (1)] [690- 1391]

فى هذه السنة، فى سادس المحرم، أفرج السلطان عن الملك فخر الدين عثمان ابن الملك‏ (2) المغيث فتح الدين عمر ابن الملك العادل، سيف الدين أبى بكر، ابن الملك الكامل ابن الملك العادل صاحب الكرك والده. و كان قد اعتقل فى الدولة الظاهرية، فى رابع عشر، شهر ربيع الأول، سنه تسع و ستين و ستمائة، كما قدمنا ذكر ذلك‏ (3). و كانت مدة اعتقاله عشرين سنة، و تسعه أشهر، و اثنين و عشرين يوما. و لما أفرج السلطان عنه، رتّب له راتبا جيدا. و لزم داره، و اشتغل بالمطالعة و النسخ، و انقطع عن السعى، إلا للجمعة أو الحمام، أو ضرورة لا بدّ منها (4).

ذكر تفويض الوزارة للصاحب شمس الدين ابن السلعوس و شي‏ء من أخباره‏

كان الصاحب شمس الدين محمد بن فخر الدين عثمان بن أبى الرجا، بن‏

____________

(1) الإضافة للتوضيح.

(2) الاسم: حسبما ورد فى النص: فخر الدين عثمان ابن الملك فتح الدين المغيث فخر الدين عمر و ما هنا من ابن الفرات ج 2، ص 106: و المقريزى: السلوك ج 1، ص 760.

(3) انظر نهاية الأرب ج 30، ص 173 و ما بعدها. تحقيق د. محمد عبد الهادى شميرة مركز.

تحقيق التراث، 1990 (المصحح).

(4) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 106.

188

السلعوس قد توجه إلى الحجاز الشريف، قبيل وفاة السلطان الملك المنصور.

فاتفقت وفاة السلطان و سلطنة الملك الأشرف فى غيبته. فكتب السلطان إليه كتابا يعلمه أنه قد ملك، و يستحثه على سرعة الوصول إليه. فوصل إليه كتاب السلطان، و هو فى أثناء الطريق، و قد عاد من الحجاز الشريف. فاجتمع من كان بالركب، من الأعيان و الكتاب، و انضموا إليه، و ركبوا فى خدمته، و سايروه و عاملوه من الآداب بما يعامل به الوزراء و عظموه، فكان كذلك، إلى أن وصل إلى باب السلطان. و كان وصوله، فى يوم الثلاثاء، العشرين من المحرم سنة تسعين و ستمائة. فاجتمع بالسلطان، ففوض إليه السلطان الوزارة، فى يوم الخميس، الثانى و العشرين من الشهر، و خلع عليه. و كان الأمير علم الدين سنجر الشجاعى يتحدث فى الوزارة فى هذه المدة، قبل وصوله، من غير تقليد و لا تشريف.

و كان شمس الدين [بن السلعوس‏ (1)] هذا، تاجرا من أهل دمشق، و لم يكن من التجار المياسير. و لكنه كان يأخذ نفسه بالحشمة و الرئاسة، حتى كان التجار فيما بينهم ينعتونه بالصاحب‏ (2) استهزاء به. ثم تعلق بالخدم، و انتمى‏ (3) إلى تقى الدين توبة التكريتى وزير دمشق، فى الدولة المنصورية، فاستخدمه فى بعض الجهات. و تنقل إلى أن ولى نظر الحسبة بدمشق، فى شهر رمضان، سنة سبع و ثمانين و ستمائة كما تقدم‏ (4). ثم ولى نظر ديوان الملك الأشرف بالشام.

____________

(1) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 156.

(2) فى الأصل الصاحب: و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 106.

(3) فى الأصل و انتمى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 106.

(4) فى ابن الفرات ج 8، ص 106 «كما قدمنا» و فى ذلك دليل على التطابق بين روايته و رواية النويرى.

189

فأظهر الاجتهاد، و استأجر للملك الأشرف ضياعا بالشام، و عمل له متجرا، و حصل من ذلك أموالا، فتقدم عند الملك الأشرف، و مال إليه.

و حضر إلى باب الملك‏ (1) الأشرف، فى صفر، سنة ثمان و ثمانين و ستمائة.

و استناب عنه فى نظر الحسبة [بدمشق‏ (2)] و الديوان الأشرفى، القاضى تاج الدين أحمد ابن القاضى عماد الدين محمد بن الشيرازى. و لما حضر إلى باب الملك الأشرف‏ (3)، نقله إلى نظر ديوانه نيابة، عوضا عن تاج الدين بن الأعمى. و خلع عليه خلع الوزارة. و استمر فى نظر ديوان الملك الأشرف و وكالته، إلى جمادى الأولى سنة تسع و ثمانين و ستمائة. فاتفق أن الملك الأشرف، خلع عليه خلعة سنية تشبه خلع الوزراء. فرآه السلطان الملك المنصور، و عليه تلك الخلعة، فأنكر هيئته، و سأل الأمير حسام الدين طرنطاى عنه. فقال هذا وزير الملك الأشرف، و ذكر مساوئه‏ (4) للسلطان.

فغضب السلطان الملك المنصور لذلك‏ (5)، و أنكره. و أمر باحضاره، فأحضر بين يديه، فأنكر عليه كونه خدم ولده، بغير أمره، و لا أمر نائبه، و لا وزيره.

و أمر السلطان بنزع الخلعة، التى ألبسها، فنزعت. و سلمه إلى شاد الدواوين [يومئذ (6)]، و هو الأمير زين الدين أحمد الصوابى، و أمر بمصادرته، و الإخراق‏

____________

(1) فى الأصل السلطان الملك، و قد جرى حذف لفظة السلطان لأن الأشرف لم يكن وقتذاك سلطانا، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 107. و لم يلبث النويرى، أن استدرك هذا الخطأ بعد سطرين. انظر ما يلى.

(2) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 107.

(3) فى الأصل السلطان الملك، و قد جرى حذف لفظة السلطان لأن الأشرف لم يكن وقتذاك سلطانا، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 107. و لم يلبث النويرى، أن استدرك هذا الخطأ بعد سطرين. انظر ما يلى.

(4) فى الأصل مساويه، و جرى تصويب الأخطاء الإملائية دون الإشارة إلى ذلك.

(5) فى الأصل لذكره، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 107.

(6) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 107.

190

به، و ضربه. و أرسل إليه الأمير حسام الدين طرنطاى، أن يوقع به الأهنة و الإخراق، و يبادر بضربه. و أرسل إليه الملك الأشرف، إلى‏ (1) [مشد الدواوين‏ (2)]، يستوقفه عند (3) ذلك، و يتوعده إن ناله منه سوء (4). فخاف للشد المذكور غائلة الملك‏ (5) الأشرف، و توقف عن الإخراق به. و رسم عليه فى قاعة، كان المشد يجلس فيها، فى وقت استراحته. ثم تلطف الملك الأشرف فى أمره، مع الأمير حسام الدين طرنطاى، و راسله‏ (6) بسببه. و تكررت رسائله إليه، و إلى غيره فى معناه، حتى حصلت الشفاعة [فيه‏ (7)] عند السلطان، فأطلقه. و أمر السلطان بصرفه، فصرف، و لزم داره. و كانت هذه الواقعة من أضر شي‏ء على الأمير حسام الدين طرنطاى، و من أكبر أسباب القبض عليه و قتله.

و استمر الصاحب شمس الدين بداره إلى زمن الحج، فتوجه إلى الحجاز الشريف. و اتفقت وفاة السلطان الملك المنصور، و سلطنة الملك الأشرف، كما تقدم، فكتب إليه يعلمه بذلك. و يقال إن السلطان كتب بخطه إليه، بين سطور الكتاب، يا شقير، يا وجه الخير، عجل بالسير، فقد ملكنا.

و يقال إنه لما حملت إلى السلطان الملك الأشرف، أموال طرنطاى، و وضعت بين يديه، جعل يقلبها و يقول:

____________

(1) فى الأصل إليه، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 107.

(2) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 107.

(3) فى ابن الفرات ج 8، ص 107 عن.

(4) فى الأصل سوءا، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 107.

(5) انظر ما تقدم ص 189، هامش 1.

(6) فى الأصل و أرسله، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 107.

(7) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 107.

191

من عاش بعد عدوه‏ * * * يوما فقد بلغ المنى‏

ثم يقول أين أنت يا ابن السلعوس.

فلما وصل [ابن السلعوس‏] (1) إلى السلطان، فوض إليه الوزارة، و مكّنه من الدولة تمكينا عظيما، ما تمكن وزير قبله مثله فى دولة الترك. و جرّد فى خدمته جماعة من المماليك السلطانية، يركبون فى خدمته، و يترجلون فى ركابه، و يقفون بين يديه، و يمتثلون أوامره. فعظم بذلك شأنه، و تعاظم فى نفسه و استخف بالناس. و تعدى أطوار الوزراء، حتى كان أكابر الأمراء يدخلون إلى مجلسه، فلا يستكمل‏ (2) لهم القيام. و منهم من لا يلتفت إليه. و كان فى بعض الأوقات يستدعى أمير جاندار (3) و أستاذ الدار، على كبر مناصبهما. فكان إذا استدعى أحدا منها (4)، يقول اطلبوا فلانا أمير جاندار، و فلانا (5) أستاذ للدار، يسمى كل واحد منهما باسمه، دون نعته. ثم ترفّع عن هذه الرتبة إلى الاستخفاف بنائب السلطنة [الأمير بيدرا (6)]، و عدم الالتفات إلى جهته و مشاركته فى بعض وظيفته، و الاستبداد عنه، و معارضته فيما يقصد فعله، و تعطيل ما يؤثره. هذا، و الأمير بدر الدين بيدرا يصبر على جفاه، و لا يمكنه. مفاجأته لما يشاهده من ميل‏

____________

(1) الإضافة للتوضيح.

(2) فى الأصل يستكل، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 109. و المقريزى: السلوك ج 1، ص 761.

(3) فى الأصل خازندار، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 109.

(4) فى الأصل منهم، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(5) فى الأصل فلان، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(6) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 109، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 762.

192

السلطان إليه. حتى أخبرنى‏ (1) شهاب الدين بن عبادة: قال: رأيت الصاحب شمس الدين فى بعض أيام المواكب، قد قام من مجلس الوزارة، يقصد الدخول إلى الخزانة، فصادف ذلك خروج الأمراء من الخدمة، هم و نائب السلطنة.

فكان الأمراء الأكابر يبادرون إلى خدمته و منهم من يقبل يديه، و كلهم يخلى له الطريق، و يومئ بالرجوع بين يديه، فيشير إليه بالانصراف. فلما وطئ عتبة (2) باب القلة برجله، توافى‏ (3) هناك، هو و الأمير بدر الدين، نائب السلطنة. فسلّم كل منهما على الآخر، و أومأ له بالخدمة، إلا أن النائب خدم الوزير، أكثر من خدمة الوزير له. قال: لقد رأيته، و قد رجع مع الصاحب، و لم يسامته فى مشيه، بل كان النائب يتقدمه يسيرا، و يميل بوجهه إلى جهة الصاحب و يحدثه. فكانا كذلك إلى أن وصلا إلى المصطبة، التى يجلس عليها أستاذ الدار و ناظر البيوت، و هى من داخل الباب الثانى، من باب القلة لجهة الخزانة، على باب الفراش‏خاناه قديما. و هذا الموضع‏ (4) الآن‏ (5)، هو أحد أبواب‏ (6) الجامع الذى عمر فى أيام السلطان الملك الناصر. و سنذكر إن شاء اللّه تعالى، خبر هذا الجامع فى‏

____________

(1) حرص ابن الفرات ج 8، ص 109 على تغيير صيغة المتكلم إلى صيغة النائب، بأن أورد عبارة: حتى حكى عن شهاب الدين، و فى ذلك دليل على الاقتباس من النويرى أو عن مصدر نقل عنه النويرى.

(2) فى الأصل عنه، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 109.

(3) فى الأصل توفى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 109.

(4) فى الأصل و هو. و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 109.

(5) هذه الرواية تطابق نص ابن الفرات ج 8، ص 109.

(6) فى الأصل إيوان و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 109.

193

الأيام الناصرية. قال‏ (1): فلما انتهيا إلى ذلك المكان، مسك الصاحب بدر الدين بيدرا، نائب السلطنة، و أشار إليه بالرجوع. قال: و سمعت الصاحب يقول له:

«بسم اللّه يا أمير بدر الدين»، لم يزده على ذلك، و هذا أمر لم يسمع بمثله‏ (2).

و الذى شاهدته أنا، غير مرة و لا مرّتين، أن الصاحب كان إذا أراد الركوب إلى القلعة، اجتمع ببابه‏ (3) نظار النظار و شاد الدواوين و والى القاهرة و والى مصر، و مستوفى‏ (4) الدولة، و نظار الجهات، و مشدى‏ (5) المعاملات؛ و غير هؤلاء من الأعيان.

ثم يحضر قضاة القضاء الأربعة و من يتبعهم. فإذا اجتمع هؤلاء كلهم ببابه، عرّفه حجّابه أن الموكب قد كمل. و كان كمال الموكب عندهم، حضور قضاة القضاة الأربعة، فيخرج عند ذلك، و يركب و يسوق الناس بين يديه على طبقاتهم.

فيكون أقرب الناس إليه، قاضى القضاة الشافعية، و قاضى القضاة المالكية (6)، يكونان أمامه. و أمامهما قاضيا القضاة الحنفية و الحنبلية (7)؛ ثم نظار النظار و الأعيان، و مستوفى‏ (8) الدولة، و نظار الجهات على قدر مراتبهم. و يستمر القضاة معه، إلى أن يستقر فى المجلس. فينصرفون ثم يعودون عشية النهار إلى القلعة، و يركبون فى موكبه بين يديه إلى أن يصل إلى داره؛ حتى إنه تأخر ليلة بالقلعة إلى قرب‏

____________

(1) يشير إلى رواية ابن عبادة، الواردة أيضا فى ابن الفرات ج 8، ص 109.

(2) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 109.

(3) فى الأصل نيابه، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 109.

(4) فى الأصل مستوفين، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(5) فى الأصل مشدين، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(6) فى الأصل المالكى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 109.

(7) فى الأصل الحنفى و الحنبلى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 109.

(8) فى الأصل مستوفين و ما هنا هو الصواب.

194

العشاء الآخرة، و غلق باب القلعة. و انقلب موكب الصاحب، إلى جهة باب السلطان، و جاء القضاة و وقفوا على بغالهم، بظاهر باب الإسطبل السلطانى، و لم ينصرفوا حتى خرج و ركب، و ساقوا فى خدمته، إلى داره على عادتهم، لم يخلوا بها. و كان لا ينتصب قائما ليعض أكابرهم، و لم ينتظم هذا لوزير قبله.

و لما عظم موكبه، و بقى الأكابر، يزدحمون فى شوارع القاهرة، و يضيق بهم لكثرة من معه، و يزدحم الغلمان، انتقل إلى القرافة، و سكنها بسبب ذلك‏ (1). ثم كان من أمره ما نذكره، إن شاء اللّه تعالى فى موضعه.

ذكر القبض و الإفراج على من نذكر من الأمراء، و عنه‏ (2)

و فى يوم الجمعة، سابع صفر، أمر السلطان بالقبض على الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، و الأمير سيف الدين جرمك الناصرى، و عدّد لهما ذنوبا كثيرة.

و كان مما عدّه على الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، أن قال هذا ما أحسن إليه أحد، إحسان طرنطاى، فإنه ما زال يدافع عنه السلطان [المنصور (3)] و يمنعه من القبض عليه، إذا أراده. و يقول له، و اللّه لا يقبض عليه، حتى يقبض على قبله. و وفى له طرنطاى بما عاهده عليه، بصهيون، لما استنزله منها. و لم يرع له حق هذا الإحسان العظيم و الذب عنه. و كان [هو (4)] أكبر أسباب القبض عليه، فإنه أفشى سره.

____________

(1) يقابل ابن الفرات ج 8، ص 108.

(2) كذا فى الأصل. و لعل المقصود الإشارة إلى المصدر الذى نقل عنه.

(3) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 110.

(4) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 110، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 767- 763.

195

و أفرج السلطان فى هذا اليوم، عن الأمير زين الدين كتبغا المنصورى، و أعاد عليه إمرته، و أنعم عليه إنعاما كثيرا. و كان قد قبض عليه، كما تقدم لما همّ بالمدافعة عن طرنطاى.

ذكر فتوح عكا و صور و صيدا و حيفا

قد ذكرنا أن السلطان الملك المنصور، والد السلطان، كان قد أهمه أمر عكا و تجهز لغزوها. و خرج لذلك، و عاجلته المنية، دون الأمنية. فلما استقر أمر السلطان الملك الأشرف، و خلا وجهه، ممن كان يقصد مناوأته، صرف اهتمامه إلى عكا و غزوها. و ندب العساكر من الديار المصرية، و سائر الممالك و الحصون. و أمر نواب السلطنة بالممالك الشامية و الساحلية، و نواب القلاع و الحصون، بتجهيز الزردخانات و أعواد المجانيق و الحجارين و غيرهم. و ندب الأمير عز الدين أيبك الأفرم، أمير جاندار لذلك. فتوجه من الباب السلطانى، و وصل إلى دمشق، فى سلخ صفر. فجهزت أعواد المجانيق من دمشق، و برزت إلى ظاهرها فى مستهل شهر ربيع الأول، و تكامل ذلك، فى يوم الخميس ثانى عشر الشهر. و توجه بها الأمير علم الدين سنجر الدوادارى، أحد الأمراء بالشام، ثم فرقت على الأمراء مقدمى‏ (1) الألوف، فتوجه كل أمير و مضافوه‏ (2) منها، بما أمر بنقله. ثم توجه الأمير حسام الدين لاجين، نائب السلطنة بالشام، فى آخر الجيش‏ (3)، ببقية العسكر، فى يوم الجمعة، العشرين من شهر ربيع الأول. و ندب‏

____________

(1) فى الأصل مقدمين، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 111.

(2) فى الأصل مضافيه، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(3) فى الأصل الخميس، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 111.

196

السلطان أيضا، الأمير سيف الدين طغريل الايقانى‏ (1) إلى الحصون و الممالك يستنجدهم‏ (2) على سرعة تجهيز المجانيق و الآلات، فبادر النواب إلى ذلك.

و وصل الملك المظفر صاحب حماه إلى دمشق، فى ثالث عشرين شهر ربيع الأول، بعسكر حماه، و صحبته مجانيق و زردخانات‏ (3)، و وصل الأمير سيف الدين‏

____________

(1) فى الأصل الابغانى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 111، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 763.

(2) فى ابن الفرات ج 8، ص 111 يستحثهم.

(3) رافق المؤرخ أبو الفدا، قريبه المظفر صاحب حماه، فى هذه الجملة. و أثبت فى مؤلفه (المختصر فى أخبار البشر ج 5، ص 94- 98) ما قام به و ما شاهده من وقعة عكا، و هو يوضح بذلك أساليب الحرب فى تلك العصور. و نصه «فتوجه الملك المظفر صاحب حماه» و عمه الملك الأفضل، و سائر عسكر حماه صحبته إلى حصن الأكراد. و تسلمنا منه منجنيقا عظيما يسمى المنصورى حمل مائة عجلة، ففرقت فى العسكر الحموى، و كان المسلم إلى منه عجلة واحدة، لأنى كنت إذ ذاك أمير عشرة. و كان سيرنا بالعجل فى أواخر فصل الشتاء، و اتفق وقوع الأمطار و الثلوج علينا، بين حصن الأكراد و دمشق. فقاسينا من ذلك، بسبب جر العجل: و ضعف البقر و موتها بسبب البرد، شدة عظيمة. و سرنا بسبب العجل، من حصن الأكراد إلى عكا شهرا، و ذلك سير نحو ثمانية أيام للخيل على العادة و كذلك أمر السلطان بجر المجانيق و آلات الحصار من جميع الحصون إليها.

فاجتمع على عكا من المجانيق الكبار و الصغار، ما لم يجتمع على غيرها.

و كان نزول العساكر الإسلامية عليها، فى أوائل جمادى الأولى، من هذه السنة. و اشتد عليها القتال، و لم يغلق الفرنج غالب أبوابها، بل كانت مفتحه، و هم يقاتلون فيها. و كانت منزلة الحموبين برأس الميمنة على عادتهم. فكنا على جانب البحر، و البحر عن يميتنا إذا واجهنا عكا. و كان يحضر إلينا مراكب مقبية بالخشب، الملبسين جلود الجواميس، و كانوا يرموننا منها بالنشاب و الجروخ.

و كان القتال من قدامنا من جهة المدينة، و من جهة يميتنا من البحر. و أحضروا بطسة، و فيها منجنيق يرمى علينا و على خيمتنا من جهة البحر. فكنا منه فى شدة عظيمة، حتى اتفق فى بعض الليالى هبوب رياح قوية، فارتفع المركب و انحط بسبب الموج، و انكسر المنجنيق الذى فيه، حجبت أنه انحطم و لم ينصب بعد ذلك. و خرج الفرنج فى أثناء هذا الحصار بالليل، و كبسوا العسكر، و هزموا اليزكية، و اتصلوا إلى الخيام، و تعلقوا بالأطناب. و دفع منهم فارس فى حوبة مستراح بعض الأمراء فقتل هناك، و تكاثرت عليهم العساكر. فولى الفرنج منهزمين إلى البلد. و قتل عسكر حماه عدة منهم.

فلما أصبح الصبح، علق الملك المظفر صاحب حماه عدة رموس الفرنج فى رقاب خيلهم التى كسبها العسكر منهم، و أحضر ذلك إلى السلطان الملك الأشرف. و اشتدت مضايقة العسكر لعكا، حتى فتحها اللّه تعالى لهم، فى يوم الجمعة السابع عشرين جمادى الآخرة بالسيف.

197

بلبان الطباخى، نائب السلطنة بالفتوحات، بعساكر الحصون و طرابلس و ما معها، بالمجانيق و الزردخانات، فى رابع عشرين الشهر. و وصل سائر النواب، و توجهوا إلى عكا. هذا ما كان من أمر نواب الممالك الشامية و عساكرها (1).

و أما السلطان الملك الأشرف، فإنه لما عزم على التوجه إلى عكا، أمر بجمع‏ (2) القراء و العلماء و القضاة و الأعيان، بتربة والده السلطان الملك المنصور. فاجتمعوا فى ليلة الجمعة، الثامن و العشرين من صفر، و بانوا بالقبة المنصورية، يقرءون القرآن. و حضر السلطان إلى التربة فى بكرة النهار، و تصدق بجملة من المال و الكساوى، ثم عاد إلى قلعة الجبل. و استقل ركابه منها، فى ثالث شهر ربيع الأول. و جهز السلطان آدره العالية (3) إلى دمشق، فوصلوا إلى قلعتها، فى يوم الاثنين، سابع شهر ربيع الآخر. و وصل السلطان إلى المنزلة بعكا، فى يوم الخميس، ثالث شهر ربيع الآخر. و وصلت المجانيق إلى عكا فى اليوم الثانى،

____________

(1) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 111، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 763- 764.

(2) فى الأصل بجميع، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 111، و المقريزى السلوك ج 1، ص 765.

(3) فى الأصل اردة العالمية، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 111، و فى المقريزى:

السلوك، ج 1، ص 764، سير حريمه، و هو المقصود من هذه العبارة.

198

من وصلوه، و هى اثنان و تسعون منجنيقا، [ما بين افرنجى و قرابغا و شيطانى‏ (1)]، فنصبت و تكامل نصبها فى أربعة أيام، و أقيمت الستائر.

و كان الفرنج، لما بلغهم اهتمام السلطان و عزمه، كاتبوا ملوك البحر، و سألوهم إنجادهم، فأتوهم من كل مكان. و اجتمع بعكا منهم جموع كثيرة، فقويت نفوسهم، و لم يغلقوا أبواب البلد. و استمر الحصار و عملت النقوب، إلى السادس عشر من جمادى الأولى‏ (2).

فلما كان فى يوم الجمعة السابع عشر من الشهر، أمر السلطان أن تضرب الكوسات جملة واحدة، و كانت [على‏ (3)] ثلاثمائة جمل. فلما ضربت، هال أهل عكا ما سمعوه منها. و زحف السلطان بالعساكر، قبل طلوع الشمس من هذا اليوم. فما ارتفعت الشمس: إلا و الصناجق السلطانية على أسوارها.

و لما أشرف المسلمون على فتح عكا، و تحقق من بها ذلك، خرجت طائفة منهم، نحو عشرة آلاف رجل مستأمنين، فرّقهم السلطان على الأمراء، فقتلوا عن آخرهم. و أرسل السلطان جماعة من الأسرى، إلى الحصون الإسلامية.

____________

(1) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 112.

(2) أشار ابن الفرات صراحة إلى المصدر الذى نقل عنه، و هو تاريخ الجزرى، و تطابق روانيه (ج 8، ص 112) ما ورد فى النويرى. و لما كان النويرى و الجزرى متعاصرين، فيجوز انهما افادا من مصدر واحد. و الجزرى هو محمد بن إبراهيم بن أبى بكر المتوفى 739 (1338)، و من كتبه فى التاريخ كتاب كبير اسمه جواهر السلوك فى الخلفاء و المملوك، و هو مخلوط بدار الكتب المصرية، ثلاثة مجلدات يبتدئ أولها سنة 726، و ينتهى آخرها سنة وفاة المؤلف، انظر: المقريزى:

السلوك ج 2، ص 471، ابن حجر العسقلانى: الدرر الكامتة فى أعيان المائة الثامنة ج 3، ص 301 ابن شاكر الكتبى: فوات الوفيات ج 2، ص 274، الزركلى: الأعلام ج 6، ص 189.

(3) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 112، و المقريزى. السلوك ج 1، ص 765.

199

و كانت مدة الحصار على عكاء منذ حل ركاب السلطان، إلى أن فتحت، أربعة و أربعين يوما. و استشهد من الأمراء على حصارها، الأمير علاء الدين كشتغدى‏ (1) الشمسى، و نقل إلى جلجولية (2) و دفن بها، و الأمير عز الدين أيبك المعزى‏ (3)، نقيب‏ (4) العساكر، و الأمير جمال الدين آقش الغتمى‏ (5)، و الأمير بدر الدين بيليك المسعودى، و الأمير شرف الدين قيران السكرى، و أربعة من مقدمى‏ (6) الحلقة، و جماعة يسيرة من العسكر.

و كانت عكا بيد الفرنج، منذ استرجعوها من السلطان، الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، فى سنة سبع و ثمانين و خمسمائة، و إلى هذا التاريخ، مائة سنة و ثلاث سنين، و أمر السلطان الآن بإخرابها، فخربت‏ (7).

و فتح اللّه تعالى على يد السلطان، فى بقية الشهر، من المدن المشهورة الساحلية، صور، و صيدا، و حيفا، و عثليث، بغير قتال. و ذلك أن اللّه تعالى،

____________

(1) فى الأصل كشغدى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 112 و المقريزى: السلوك ج 1، ص 765.

(2) فى الأصل حلجولية، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 112 و المقريزى: السلوك ج 1، ص 765.

(3) فى الأصل العزى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 112.

(4) فى الأصل تنقيب، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 112 و المقريزى: السلوك ج 1، ص 765.

(5) فى الأصل العيمى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 112 و المقريزى: السلوك ج 1 ص 765.

(6) فى الأصل مقدمين، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(7) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 112 و المقريزى: السلوك ج 1، ص 765.

200

أوقع فى قلوب أهلها الرعب، لما فتحت عكا، و علموا أنهم لا يقدرون على حفظها، ففارقوها و نجوا بأنفسهم. فملكها السلطان، فأمر بهدمها جميعها فهدمت. ثم فتحت صيدا و بيروت، على يد الأمير علم الدين الشجاعى، على ما نذكره‏ (1) إن شاء اللّه تعالى.

و أكثر الشعراء ذكر هذا الفتح. فكان ممن‏ (2) امتدح السلطان، و ذكر هذا الفتح من الشعراء، الشيخ الفاضل بدر الدين محمد بن أحمد بن عمر المنيجى‏ (3) التاجر المقيم بالقاهرة، فقال:

بلغت فى الملك أقصى غاية الأمل‏ * * * و فتّ شأو ملوك الأعصر الأول‏

و حزت رق العلى بالجد مجتهدا * * * و جزت غاياتها سيقا على مهل‏

و نلت بالحول دون الناس منفردا * * * ما لم ينله ملوك الأرض بالحيل‏

فطل بدولتك الميمون طائرها * * * فإنها غرة فى أوجه الدول‏

و اسعد بهمتك العليا التى وصلت‏ * * * لك السعود بحبل غير منفصل‏

فأنت للدين و الدنيا صلاحهما * * * و فيهما حمل ضيم غير محتمل‏

فكم بلغت مرادا بت‏ (4)تأمله‏ * * * بعزمك الباتر العارى من الفلل‏

____________

(1) يطابق ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 113.

(2) فى الأصل من، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 114.

(3) فى الأصل المسيحى، و ما هنا من بيبرس الداوادار: زبدة الفكرة ج 9، ص 17 ب- 171، حيث وردت القصيدة منسوبة إلى بدر الدين محمد بن أحمد بن عمر المنيجى البزار بالقاهرة انظر أيضا المقريزى: السلوك ج 1، ص 767 حاشية 2.

(4) فى الأصل أنت، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 114.

201

و كم فتحت حصونا طالما رجعت‏ * * * لليأس‏ (1)عنها الملوك الصيد فى خجل‏ (2)

حررت‏ (3) من عكة الغراء ما عجزت‏ * * * عنه الملوك بعزم غير منتثل‏

عقيلة المدن أمست من حصانتها * * * و صونها من ليالى الدهر فى عقل‏

و قد دعتها ملوك الأرض راغبة * * * و عطفها عنهم بالتيه فى شغل‏

صدت عن الصيد لا تلوى فلم تطل‏ * * * الأوهام منها إلى وصل و لم تصل‏

أم لهم‏ (4) برّة كم رام خطبتها * * * بعل‏ (5) سواك، فلم تذعن و لم تنل‏

حتى أمرك فأمست و هى طائعة * * * بعد الإباء لأمر منك ممتثل‏

ما زال غيرك فيها طامعا و على‏ * * * يديك، قد كان هذا الفتح فى الأزل‏

فتحا (6) تطاول عن نثر (7) يحوط به‏ * * * و صفا، و عن نظم شعر محمد الطّول‏

قصدتها فأصيبت بعد ما فجعت‏ * * * فى أهلها من أسود الغيل بالغيل‏

فى جحفل لجب‏ (8) كالليل انجمه‏ * * * تبدو لرائيه من قضب و من أسل‏

تمم المهامة من وعر (9) و من أكم‏ * * * و طبّق الأرض من سهل و من جبل‏

____________

(1) فى الأصل الناس، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 114.

(2) فى الأصل فى محل، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 114.

(3) فى الأصل حرزت، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 114.

(4) فى الأصل مره و ما هنا من بيبرس الداوادار، زبدة الفكرة ج 9، ص 87.

(5) فى الأصل يل، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 114.

(6) فى ابن الفرات ج 8، ص 114، فتح (المصحح).

(7) فى الأصل سر، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 114.

(8) فى الأصل لحت، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 114.

(9) فى الأصل وهد، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 114.

202

تخالهم و جياد الخيل تحتهم‏ * * * لليأس‏ (1)فى الروع آسادا على قلل‏ (2)

لا تنظر العين منهم إن هم لبسوا * * * لا مات حربهم يوما، سوى المقل‏

صدمتها بجيوش لو صدمت بها * * * صم الجبال، أزالتها و لم تزل‏

فأصبحت بعد عز الملك خاضعة * * * من ذلة الملك طول الدهر فى سمل‏

أمست خرابا و أضحى أهلها و مما * * * و سطرتها يد الأيام فى المثل‏

فسلب‏ (3) بزتها (4) عنها و قد عطلت‏ * * * ألذ للطرف من حلى و من حلل‏

و محو أثارها منها و قد خربت‏ * * * أشهى إلى النفس من روض الربى‏ (5) الخضل‏

بالأشرف السيد السلطان‏ (6) زال عنا * * * التثليث و ابتهج التوحيد بالجدل‏

تدبير (7) ذى حكم‏ (8) فى عز منتقم‏ * * * و عمر مقتبل فى رأى مكتهل‏

راحت و قد سلبت أرواحهم بشبا * * * الهندى أموالهم من‏ (9) جملة النفل‏

هدمت ما شيدوا، فرقت ما جمعوا * * * نقضت ما ابرموه غير محتفل‏

و عند ما أصبحت قفرا بلادهم‏ * * * من السواحل بعد الأهل فى العطل‏ (10)

____________

(1) فى الأصل الناس، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 114.

(2) فى الأصل تلل: و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 114.

(3) فى الأصل سلبت: و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 114.

(4) فى الأصل برتها: و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 114.

(5) فى الأصل الرى: و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 114.

(6) فى الأصل راد: و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 115.

(7) فى الأصل تدمير: و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 115.

(8) فى ابن الفرات ج 8، ص 115، ذى حلم.

(9) فى الأصل فى: و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 115.

(10) فى ابن الفرات ج 8، ص 115 عطل (المصحح).

203

رحلت عنها، و لكن كم أقمت بها * * * من خوف بأسك جيشا غير مرتحل‏

لا زلت ذا رتب فى المجد سامية * * * و سؤدد بنواصى الشهب متصل‏

و قال المولى شهاب الدين أبو الثنا محمود الحلبى كاتب الانشاء، لما عاين النيران فى جوانب عكا. و قد تساقطت أركانها، و تهدمت جدرانها.

مررت بعكا بعد تخريب سورها * * * و زند أوار النار فى وسطها وار (1)

و عاينتها بعد التنصر قد غدت‏ * * * مجوسية الأبراج تسجد للنار

و قال أيضا:

الحمد للّه زالت دولة الصّلب‏ * * * و عزبا لترك دين المصطفى العربى‏

هذا الذى كانت الآمال لو طلبت‏ * * * رؤياه فى النوم لاستحيت من الطلب‏

ما بعد عكا و قد هدت قواعدها * * * فى البحر للشرك عتد البر من أرب‏

عقيلة ذهبت أيدى الخطوب بها * * * دهرا و شدت عليها كف مغتصب‏

لم يبق من بعدها للكفر إذ خربت‏ * * * فى البر و البحر ما ينجى سوى الهرب‏

كانت تخيلها آمالنا فترى‏ * * * إن التفكر فيها أعجب العجب‏

أم الحروب فكم [قد (2)] أنشأت فتنا * * * شاب الوليد بها هولا و لم تشب‏

سوران بر و بحر حول ساحتها * * * دارا، و أدناهما أتأى‏ (3) من القطب‏

خرقاء (4) أمنع سوريها و أحصنه‏ * * * غلب الكماة، و أقواه على النوب‏

____________

(1) فى الأصل وارى: و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 115.

(2) الإضافة يتطلبها وزن الشعر.

(3) فى الأصل أنا، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 116.

(4) فى الأصل خرق، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 116.

204

مصفح مصفاح، حولها شرف‏ * * * من الرماح و أبراج من اليلب‏ (1)

مثل الغمامة (2) تهدى من صواعقها * * * بالنبل أضعاف ما تهدى‏ (3) من السحب‏

كأنما كل برج حوله فلك‏ * * * من المجانيق يرمى الأرض بالشهب‏

ففاجأتها جنود اللّه يقدمها * * * غضبان‏ (4) للّه لا للملك و النشب‏

ليث أبى أنيرد الوجه عن أمم‏ * * * يدعون رب الورى سبحانه بأب‏

كم رامها و رماها قبله ملك‏ * * * جم الجيوش فلم يظفر و لم يصب‏

لم يلهه ملكه، بل فى أوائله‏ * * * قال الذى لم ينله الناس فى الحقب‏

لم ترض همته إلا التى قعدت‏ * * * للعجز عنها ملوك العجم و العرب‏

فأصبحت و هى فى بحرين مائلة * * * ما بين مضطرم نارا (5) و مضطرب‏

جيش من الترك ترك الحرب عندهم‏ * * * عار، و راحتهم ضرب من الوصب‏

خاضوا إليها الردى و البحر فاشتبه ال * * * أمران و اختلفا فى الحال و السبب‏

تسنموها فلم يترك‏ (6) ثباتهم‏ (7) * * * فى ذلك الأفق برجا غير منقلب‏

تسلموها فلم تخل الرقاب بها * * * من فتك منتقم أو كف منتهب‏

____________

(1) اليلب، هنا الفولاذ من الحديد، و من معانى اليلب البيض التى تصنع من الجلود، تتخذ و تنسج و توضع على الرموس خاصة (تاج العروس).

(2) فى ابن الفرات ج 8، ص 116 الغمائم.

(3) فى الأصل يهدى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 116.

(4) فى الأصل عصبان، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 116.

(5) فى الأصل نار، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 116.

(6) فى الأصل تنزل، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 116.

(7) فى الأصل نيابهم، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 116.