نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج31

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
460 /
255

و فيها، فى ليلة الثلاثاء حادى عشر صفر، توفى الأمير الصالح شمس الدين أبو البيان، نبا ابن الأمير نور الدين أبى الحسن على ابن الأمير شجاع الدين هاشم ابن حسن بن حسين، أمير جاندار المعروف بابن المحفدار (1)، بداره بالروضة، قبالة مصر، بعد أن صلى العشاء الآخرة، بسورة (2) (هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) فلما فرغ من الصلاة، سجد سجدة، فمات فى سجدته، و كانت عادته أن بسجد عقيب صلاته، و يدعو اللّه فى سجوده. و دفن من الغد فى القرافة بتربته، بقرب تربة الإمام الشافعى. و كان رحمه للّه تعالى، دينا حسن السيرة و الوساطة، احتوى‏ (3) على أوصاف جميلة، يثق الملوك به و يعلمون خيره، و ديانته، (رحمه الله تعالى).

و فيها، فى ليلة الأربعاء، ثانى عشر جمادى الآخرة، توفى الملك الزاهر مجير الدين داود ابن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه، ابن الملك القاهر ناصر الدين محمد ابن الملك المنصور أسد الدين شيركوه بن شادى بن مروان، ببستانه المعروف ببستان سامه‏ (4)، بالسهم، ظاهر دمشق. و صلى عليه ظهر يوم الأربعاء بالجامع المظفرى، و دفن بتربته بسفح قاسيون، (رحمه الله تعالى)(5). ذكر وفاته‏ (6) الشيخ شمس الدين الجزرى‏ (7)

____________

(1) فى الأصل المحتدار، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 164.

(2) سورة الإنسان.

(3) فى الأصل لعتوى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 164 و ابن تغرى يردى: النجوم الزاهرة ج 8، ص 18، 20.

(4) كذا أيضا فى ابن الفرات ج 8، ص 161.

(5) أشار ابن الفرات ج 8، ص 161 إلى أن الجزرى أورده فى تاريخه.

(6) فى الأصل وفاة، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 161.

(7) هذه العبارة جعلها الناسخ الأصلى عنوانا لخبر لم يورده، إذ أنها ليست إلا تكملة الخبر السابق. انظر ما سبق‏

256

و فيها، توفى القاضى محيى الدين عبد اللّه ابن الشيخ رشيد الدين عبد الظاهر، كانت وفاته بالقاهرة فى يوم الأربعاء ثالث رجب الفرد، و دفن بالقرافة، (رحمه الله تعالى). و فضائله و شهرته بالرئاسة و الآداب‏ (1)، تغنى عن شرح، و قد قدمنا من كلامه فى كتابنا هذا، ما يقف عليه فى مواضعه، و له شعر رقيق.

فمن شعره قوله:

ما غبت عنك لجفوة و ملال‏ * * * يوما و لا خطر السلّو ببالى‏

يا مانعى طيب المنام و ما نحى‏ * * * ثوب السقام و تاركى كالال‏

عن من أخذت جواز منعى ريقك ال * * * عسول يا ذا المعطف العسال‏

عن ثغرك النظام‏ (2)أم عن شعرك ال * * * - فحام أم عن جفنك الغزالى‏

فأجابنى أنا مالك شرع الهوى‏ * * * و الحسن أضحى شافعى و جمالى‏

و شقائق النعمان أينع نبتها * * * فى وجنتى و حماه رشق نبالى‏

و الصبر أحمد للمحبّ إذا ابتلا * * * ه الحب فى شرع الهوى بسؤال‏

و على أسارى الحبّ فى حكم الهوى‏ * * * بين الأنام عرفت بالقفّال‏ (3)

و تفقّه العشاق فىّ فكلّ من‏ * * * نقل‏ (4) الصحيح أجزته‏ (5) بوصالى‏ (6)

____________

(1) فى الأصل و الأذان و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 162.

(2) فى الأصل العظام، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 162.

(3) فى ابن الفرات ج 8، ص 162 بالعقال.

(4) فى ابن الفرات ج 8، ص 162، يقل.

(5) فى الأصل أحزته، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 162.

(6) الملحوظ التطابق بين النويرى و ابن الفرات، فيما اقتبساه من شعر محيى الدين بن عبد الظاهر، و فى ذلك دليل أيضا على دراستهما لمصادر مشتركة.

257

و فيها، فى يوم الحميس، سابع عشر شعبان، كانت وفاة قاضى القضاة معز (1) الدين النعمان بن الحسن بن يوسف، قاضى الحنفية بالديار المصرية، و دفن يوم الجمعة بالقرافة. و ولى قضاء الحنفية بعده، قاضى القضاة شمس الدين أحمد السروجى الحنفى.

و فيها، كانت وفاة الملك الأفضل نور الدين على ابن الملك المظفر محمود، و هو عم الملك المظفر ابن الملك المنصور صاحب حماه. و قد تقدم ذكر نسبه فى مواضع من كتابنا هذا (2). و توفى بدمشق فى يوم الاثنين، مستهل ذى الحجة.

و صلّى عليه بجامعها، فى الثالثة من النهار، و نقل لوقته إلى حماه، فدفن بها، (رحمه الله). و هو والد الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل صاحب حماه فى وقتنا هذا (3).

و فيها، كانت وفاة الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف، ابن الملك المسعود صلاح الدين أقسيس‏ (4)، ابن الملك الكامل ناصر الدين محمد، ابن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب؛ قبل العصر من يوم الخميس، خامس شهر رجب من السنة.

و مولده بالكرك، بعد العشاء الآخرة، من ليلة الأربعاء سادس عشر شوال، سنة تسع و خمسين و ستمائة، (رحمه الله تعالى).

____________

(1) فى ابن الفرات ج 8، ص 162 معين الدين، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 744.

(2) و فى ابن الفرات ج 8، ص 162، و نسبه مذكور فى عدة تراجم من أهل بيته.

(3) لم يرد هذا الخبر فى ابن الفرات.

(4) فى ابن الفرات ج 8، ص 162 أقش. و أقسيس اسم عرف به الملك المسعود. الذى كان آخر ملوك بنى أيوب باليمن، انظر القلقشندى: صبح الأعشى ج 5، ص 30. المقريزى: السلوك ج 1، ص 369.

258

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

259

و استهلت سنة ثلاث و تسعين و ستمائة [693- 1293/ 1294]

ذكر مقتل السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون (رحمهما الله تعالى)

كان مقتله (رحمه الله)، فى يوم السبت ثانى عشر المحرم، سنة ثلاث و تسعين و ستمائة. و ذلك أنه توجه إلى الصيد بجهة البحيرة. و ركب من قلعة الجبل فى ثالث المحرم، و عزم على قصد الحمامات الغربية. و توجه الصاحب شمس الدين [ابن السلعوس‏] (1) إلى ثغر الإسكندرية، لتحصيل الأموال، و تجهيز تعابى‏ (2) الأقمشة. فوجد نواب الأمير بدر الدين بيدرا بالثغر قد استولوا على المتاجر و الاستعمالات‏ (3) و غير ذلك. فكاتب السلطان بذلك، و عرفه أنه لم يجد بالثغر

____________

(1) الإضافة للتوضيح.

(2) تعابى الأقمشة، ترجمهاQuatremere :op .citl .2 .p -32 على أنها ثياب، و ترجمها.Dozy :supp .Dict .Ar على أنها قطع قماش، و لعل المقصود هنا، ما يختص به الفارس من المتاع، و يدل على ذلك ما ورد فيما بعد من الاهتمام بالاطلاقات.

(3) الاستعمالات- لعل المقصود هنا المعاملات، و هى ما يختص بالتجارة من أمور، حسبما أشار.Dozy :supp .Dict .Ar إلى أن المقصود بالمعاملة.

260

ما يكفى الإطلاقات‏ (1)، على جارى العادة. فغضب السلطان لذلك غضبا شديدا، و استدعى بيدرا بحضور الأمراء، و أغلظ له فى القول، و شتمه و توعده. فتلطف بيدرا فى الجواب حتى خرج من بين يدى السلطان، و جمع أعيان الأمراء من خوشداشيته، و هم الأمير حسام الدين لاجين، و الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوريان و غيرهما.

فاتفقوا على الوثوب به. و كان السلطان قد أعطى الأمراء الأكابر دستورا، أن يتوجهوا إلى إقطاعاتهم، و انفرد هو بخاصكيته. و فى أثناء ذلك، ركب السلطان فى نفر يسير من مماليكه للصيد بقرب الدهليز، بمنزلة تروجة (2). فانتهز بيدرا الفرصة، و ركب و صحبته لاجين و قراسنقر و بهادر، رأس نوبة، و أقسنقر الحسامى، و توغيره‏ (3)، و محمد خواجا، و طرنطاى الساقى، و الطنبغا، رأس نوبة، و من انضم إليهم.

و توجهوا نحو السلطان، و كان بينهم و بينه مخاضة، فخاضوها و قدموا عليه. فقيل إن بيدرا ضربه بالسيف، فالتقاه بيده، فلم يعمل عملا طائلا. فسبّه لاجين، و ضربه بالسيف ضربة هدلت كتفه، و أخذته السيوف حتى قتل، فى التاريخ الذى ذكرناه.

____________

(1) الإطلاقات، جمع إطلاق، و هو حسبما نقله‏Quatremere :op .citlI .2 .p :65 n .62 إما تقرير عدل لما قرره أحد الملوك السالفة، أو ابتداء فى معروف أو زيادة فى إحسان على ما كان مقررا» و من معانيه أيضا قطعة أرض تمنح و تعفى من جميع أنواع الضرائب.Dozy :supp .Dict .Ar المقريزى: السلوك ج 1، ص 788، حاشية 4.

(2) فى الأصل تزوجه، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 167.

(3) فى الأصل ترعيه، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 168.

261

و حكى عن شهاب الدين أحمد بن الأشل، أمير شكار، فى كيفية مقتل السلطان.

قال: لما رحل‏ (1) الدهايز و العسكر، جاء الخبر إلى السلطان أن بنزوجة طيرا كثيرا، فساق، و أمرنى أن أسوق فى خدمته، فسقت معه. و قال لى: عجّل بنا، حتى نسبق الخاصكية. فسقنا فرأينا طيرا كثيرا، فصرع منه بالبندق. ثم التفت إلىّ، و قال لى: أنا جيعان، فهل معك ما آكل. فقلت: و اللّه ما معى غير رغيف واحد و فروج فى صواقى‏ (2)، ادخرته لنفسى. فقال: ناولنيه، فتاولته له، فأكله جميعه.

ثم قال لى: امسك فرسى، حتى أنزل أبول. و كنت كثير البسط معه. فقلت:

ما فيها حيلة، السلطان راكب حصان، و أنا راكب حجر (3)، و ما يتفقان.

فقال لى: انزل أنت، و اركب خلفى حتى أنزل أنا.

قال: فنزلت و ناولته عنان فرسى، فامسكه. و ركبت خلفه. ثم نزل و قعد على عجزه و بال، و بقى يعبث بذكره، و يمازحنى. ثم قام، و ركب حصانه، و مسك فرسى حتى ركبت. فبينما أنا و هو نتحدث، و إذا بغيار عظيم قد ثار نحونا. فقال لى السلطان: اكشف لى خبر هذا الغيار، ما هو. قال: فسقت و إذا أنا بالأمير بدر الدين بيدرا و الأمراء معه. فسألتهم عن سبب مجيئهم.

فلم يكلمونى و لا التفتوا إلىّ، و ساقوا على حالهم، حتى قربوا من السلطان.

فابتدره الأمير بدر الدين بيدرا، و ضربه بالسيف. فقطع يده. ثم ضربه لاجين على كتفه فحله، و سقط إلى الأرض. و جاء بهادر، رأس نوبة، فوضع السيف‏

____________

(1) فى الأصل دخل، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 167.

(2) الصولق، جراب أو كيس من جلد، يربط على الجانب الأيمن من الحياصة، توضع به حاجات السفر من الزاد.Dozy :supp .Dict .Ar .

(3) فى ابن الفرات ج 8، ص 167: حجرة. و الحجر أنثى الخيل.

262

فى دبره، [و اتكأ عليه‏] (1) حتى أطلعه من حلقه، و اشترك من ذكرنا من الأمراء فى قتله‏ (2).

و هذه الحكاية تدل على أن السلطان، كان قد انفرد عن مماليكه، و لم يكن معه غير شهاب الدين أمير شكار، الحاكى. و بقى الملك الأشرف ملقى فى المكان، الذى قتل فيه يومين. ثم جاء [الأمير عز الدين ايدمر العجمى‏] (3) متولى تروجة و أهلها إليه، و حملوه إليها فى تابوت. و غسلوه فى الحمام و كفنوه، و جعلوه فى تابوت، و وضعوه فى بيت المال، فى دار الولاية بنزوجة، إلى أن حضر من القاهرة الأمير سيف الدين كوجبا (4) الناصرى. فنقله فى تابوته إلى تربته، التى أنشأها بظاهر القاهرة، بجوار مشهد السيدة نفيسة، و دفن بها فى سحر يوم الخميس‏ (5) الثانى و العشرين من صفر، من هذه السنة. و كانت مدة سلطنته، ثلاث سنين و شهرين و أربعة أيام.

و كان (رحمه الله تعالى)، ملكا شجاعا كريما، خفيف الركاب، مظفرا فى حروبه. و لم يخلف ولدا ذكراه و إنما مات عن بنتين، و زوجته أردكين‏ (6) أمهما

____________

(1) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 168.

(2) هذه الرواية أوردها المقريزى فى السلوك ج 1، ص 788- 791 و تاريخ سلاطين المماليك ص 27- 28.

(3) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 168» و المقريزى: السلوك ج 1، ص 790.

(4) فى الأصل كوحبا، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 168.

(5) فى ابن الفرات ج 8، ص 168 الجمعة.

(6) فى الأصل ادركين، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 169.

263

ابنة الأمير سيف الدين نوكية. و ورثه معهن‏ (1) أخواه السلطان الملك الناصر، و دار مختار الجوهرى.

ذكر خبر الأمير بدر الدين بيدرا و من معه من الأمراء الذين وافقوه، و ما كان منهم، و مقتل بيدرا.

قال: (2) و لما قتل السلطان الملك الأشرف، عاد الأمير بدر الدين بيدرا، و من معه من الأمراء إلى الوطاق. فتقرر بينهم أن السلطنة تكون لبيدرا، و لقب الملك القاهر، و قيل‏ (3) الملك الأوحد. ثم ركبوا و قبضوا على الأمير بدر الدين بيسرى، و الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، أمير جاندار، و قصدوا قتلهما. فشفع فيهما بعض الأمراء. و كان بالدهليز السلطانى من الأمراء: الأمير سيف الدين برلغى‏ (4)، و الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، و الأمير حسام الدين لاجين أستاذ الدار، و الأمير بدر الدين بكتوت العلائى، و جماعة من المماليك السلطانية. فركبوا فى آثار بيدرا و من معه. و كان الأمير زين الدين كتبغا المنصورى فى الصيد، فبلغه الخبر، فلحق بهم. وجدوا فى طلب بيدرا و من معه‏ (5)

____________

(1) فى الأصل معهم، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 169.

(2) الإشارة هنا إلى المصدر الذى استمد منه روايته. و لم ترد هذه الإشارة فى ابن الفرات.

(3) فى الأصل قتل، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 169.

(4) كذا فى الأصل، و فى ابن الفرات ج 8، ص 169، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 791 برغلى، انظر ما يلى.

(5) فى الأصل معهم: و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 169.

264

فلحقوه على الطرابة (1). فلما التقى الجمعان، أطلق بيدرا الأميرين‏ (2) اللذين‏ (3) كان قد قبض عليهما، ليكونا عونا له، فكانا عونا عليه.

و تقدم الأمراء، و حملوا على بيدرا حملة منكرة، فاتهزم هو و من معه، فأدركوه فقتل. و هرب لاجين و قراسنقر، قد خلا (4) القاهرة و اختفيا بها (5)، ثم ظهرا (6) بعد ذلك، على ما نذكره إن شاء اللّه تعالى.

و حكى الأمير سيف الدين أبو بكر بن الجمقدار (7)، نائب أمير جاندار. قال: ارسلنى السلطان أول النهار، إلى الأمير بدر الدين بيدرا، ان يتوجه فى تلك الساعة، بالعسكر، و يسوق تحت الصناجق، فأتيته فأخبرته بما أمر به السلطان، فنفر فى [وجهى‏] (8)، و قال‏

____________

(1) الطرابة: موضع، لا يزال معروفا بين البلاد المصرية: و تقع على الشاطى الغربى لفرع الدلتا الغربى (فرع رشيد): من قرى مركز كرم عادة محافظة البحيرة (ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة) ج 8، ص 16 حاشية 1 على مبارك: الخطط التوفيقية ج 13، ص 34.

(2) فى الأصل الأمراء، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 169. المقريزى السلوك ج 1، ص 792.

(3) فى الأصل الذى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 169: و المقريزى السلوك ج 1، ص 792.

(4) فى الأصل فدخلوا، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 171.

(5) فى الأصل و اختفوا، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 171.

(6) فى الأصل ظهر: و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 171.

(7) فى الأصل المحفدار، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 167، 169 و المقريزى، السلوك ج 1، ص 792.

(8) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 167.

265

السمع و الطاعة. ثم قال: لم‏ (1) يستعجلنى‏ (2)؟. و رأيت فى وجهه أثر الغيظ و الغضب، و ما لم أعهده منه. ثم تركته، و توجهت إلى الزردخاناه و حملتها، و حملت ثقلى.

و توجهت أنا و رفيقى الأمير صارم الدين [الفخرى‏] (3) و الأمير ركن الدين [بيبرس‏] (4) أمير جاندار. فبينما نحن سائرون‏ (5) عند الماء، إذ نحن بنجاب سائق، فأخبرنا بمقتل السلطان. فتحيرنا (6) فى أمرنا، و إذا بالصناجق السلطانية قد لاحت و قربت.

و الأمير بدر الدين [بيدرا] (7) تحتها، و الأمراء محدقون به. فتقدمتا و سلمتا عليه.

فقال له الأمير ركن الدين بيبرس، أمير جاندار، ياخوند، هذا الذى فعلته كان بمشورة الأمراء. فقال: نعم، أما قتلته بمشورتهم و حضورهم، و هاكلهم حاضرون. و كان من جملة من معه، الأمير حسام الدين لاجين، و الأمير شمس الدين قراسنقر، و الأمير بدر الدين بيسرى، و أكثر الأمراء سائقون معه.

ثم شرع يعدد مساوئ السلطان [الأشرف‏] (8) و مخازيه، و استهتاره بالأمراء، و مماليك أبيه، و إهماله لأمور المسلمين، و وزارته ابن السلعوس. قال:

ثم سألنا، هل رأيتم الأمير زين‏ (9) الدين كتبغا؟. قلنا: لا. فقال له بعض الأمراء:

____________

(1) فى الأصل كم: و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 167.

(2) فى الأصل يستعجلونى: و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 167.

(3) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 167.

(4) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 167.

(5) فى الأصل و كذا فى ابن الفرات ج 8، ص 169 سائرين: و ما هنا هو الصواب لغويا.

و الملحوظ أن رواية النويرى متصلة بينما وردت رواية ابن الفرات فى موضعين، ص 167، 169.

(6) فى الأصل فتجهرنا، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 169.

(7) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 170.

(8) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 170.

(9) فى الأصل ركن الدين، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 170.

266

يا خوند، هل كان عنده علم من هذا الأمر الذى وقع؟ فقال: نعم، و هو أول من أشار به. فلما كان فى اليوم الثانى، إذا نحن بالأمير زين الدين كتبغا، قد جاء فى طلب كبير (1)، فيه من المماليك السلطانية نحو ألفى فارس؛ و جماعة من العسكر و الحلقة، و الأمير حسام الدين أستاذ الدار؛ فالتقوه بالطرانة فى يوم الأحد أول النهار. ففوّق الأمير زين الدين كتبغا نحو بيدرا سهما، و قال له يا بيدرا، أين السلطان. ثم رماه به، و رمى جميع من معه. فقتل بيدرا، و تفرق جمعه. و كانت الإشارة أن أصحاب كتبغا، شدوا مناديلهم من رقابهم إلى تحت آباطهم، ليعرفوا من غيرهم. ثم حمل رأس بيدرا إلى القاهرة، و طيف به‏ (2).

هذا ما كان من خبر مقتل بيدرا.

و لما قتل السلطان، كان الأمير علم الدين سنجر الشجاعى نائب السلطنة، بقلعة الجبل، فاحترز على المعادى، و أمر أهلها أن لا يعدّوا بأحد من الجند من بر الجيزة إلى ساحل مصر (3). ثم حضر الأمراء الذين قتلوا بيدرا، و هم الأمير زين الدين كتبغا، و الأمير حسام الدين لاجين أستاذ الدار، و الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، و الأمير سيف الدين برلغى، و الأمراء الخاصكية، و هم الأمير سيف الدين طغجى، و الأمير عز الدين‏ (4) طقطاى، و الأمير سيف الدين قطبية، و غيرهم من المماليك السلطانية. فراسلوا الأمير علم الدين [سنجر] (5)

____________

(1) فى الأصل كثير، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 170.

(2) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 170، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 792.

(3) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 171، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 793.

(4) فى الأصل سيف الدين، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 171، و المقريزى:

السلوك ج 1، ص 793.

(5) الإضافة للتوضيح.

267

الشجاعى فى طلب المعادى، فأرسلها إليهم، فعدّوا بجملتهم، و طلعوا إلى القلعة.

و اجتمعوا و انفقوا كلهم مع الأمير علم الدين سنجر الشجاعى، على أن تكون السلطنة، للسلطان ناصر الدين محمد ابن السلطان الملك المنصور. فنصبوه فى السلطنة، و كان ما نذكره.

ذكر أخبار السلطان الملك الناصر، ناصر الدين محمد، ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفى الصالحى. و هو التاسع من ملوك دولة الترك بالديار المصرية.

و أمّه أشلون خاتون ابنة سكناى بن قراجين‏ (1) بن جنكاى‏ (2) نوين، ملك الديار المصرية و الممالك الشامية و الساحلية و الحلبية و الفراتية، و غير ذلك مما هو مضاف إلى هذه الممالك من القلاع و الحصون و الثغور و الأعمال.

و جلس على تخت السلطنة بالديار المصرية، بقلعة الجبل، بعد مقتل أخيه، السلطان الملك الأشرف، صلاح الدين خليل، و ذلك فى رابع عشر المحرم، سنة ثلاث و تسعين و ستمائة، و عمره يومذاك تسع سنين سواء، فإن مولده فى يوم السبت، خامس عشر المحرم، سنة أربع و ثمانين و ستمائة كما تقدم، و ذلك باتفاق الأمراء المنصورية، و من بقى من الأمراء الصالحية النجمية و غيرهم، و إجماعهم على سلطنته‏ (3)

____________

(1) فى الأصل قراحين، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 171، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 793.

(2) فى الأصل جيفان، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 172، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 794.

(3) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 172.

268

و استقر أن يكون الأمير زين الدين كتبغا المنصورى، نائب السلطنة الشريفة، و الأمير علم الدين سنجر الشجاعى وزير الدولة و مدبّرها، و الأمير ركن الدين بيبرس المنصورى الدوادار، و أعطى إمرة مائة فارس و تقدمة ألف، و جعل إليه أمر ديوان الإنشاء فى المكاتبات و الأجوبة و البريد. و حصلت النفقة فى العساكر، و استحلفوا للسلطان‏ (1) الملك الناصر، فحلفوا بأجمعهم.

هذا ما كان بالديار المصرية و مقر السلطنة.

و أما الشام، فإنه كتب عن السلطان الملك الأشرف كتاب إلى نائب السلطنة بدمشق، و جهز مع الأمير سيف الدين ساطلمش، و سيف الدين بهادر التتارى. فوصلا به إلى دمشق، فى يوم الجمعة رابع عشرين المحرم من هذه السنة.

و مضمونه: أنا قد استنبنا أخانا (2)، الملك الناصر، ناصر الدين محمدا، و جعلناه ولى عهدنا، حتى إذا توجهنا إلى لقاء عدوّ، يكون لنا من يخلفنا. و رسم فيه، أن يحلف الناس له، و يقرن اسمه باسم السلطان فى الخطبة. فجمع نائب السلطنة الأمير عز الدين أيبك الحموى الظاهرى الأمراء و المقدمين و القضاة و الأعيان، و حلفوا على‏ (3) ذلك. و خطب له فى يوم الجمعة هذا بولاية العهد، بعد الملك الأشرف.

و كان ذلك بتدبير الأمير علم الدين الشجاعى. و استمر الحال على ذلك، و الخطبة للملك الأشرف، [ثم‏] (4) من بعده لأخيه الملك الناصر، بولاية العهد، إلى حادى عشر

____________

(1) فى الأصل السلطان، و ما هنا هو الصواب، و يتفق مع السياق انظر ابن الفرات ج 8، ص 172.

(2) فى الأصل و كذا فى ابن الفرات ج 8، ص 172 أخينا، و ما هنا هو الصواب.

(3) فى الأصل» بعد، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 173.

(4) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 173.

269

شهر ربيع الأول فورد المثال السلطانى الناصرى بالخطبة له استقلالا بالسلطنة.

فخطب له فى دمشق، فى يوم الجمعة، الحادى عشر، من الشهر المذكور. و ورد البريد إلى الشام، بإيقاع الحوطة على موجود الأمير حسام الدين لاجين، و الأمير شمس الدين قراسنقر، و الأمير بدر الدين بيدرا و غيرهم من الأمراء [أصحاب بيدرا] (1) فى اليوم الثامن من ورود المرسوم الأول بالخطبة للسلطان بولاية العهد، فوقعت الحوطة على موجودهم و حواصلهم.

ذكر خبر الأمراء الذين وافقوا بيدرا على قتل السلطان الملك الأشرف‏

لما استقر الحال فى سلطنة السلطان الملك الناصر، أمر بطلب الأمراء الذين وافقوا بيدرا على قتل أخيه الملك الأشرف. فأول من وجد منهم، الأمير سيف الدين بهادر رأس نوبة، و الأمير جمال الدين آقش الموصلى الحاجب، فضربت رقبتاهما (2) و أحرقت جثتاهما بالمجاير (3). ثم حصل الظفر بعد هما بسبعة من الأمراء و هم: طرنطاى الساقى، و [سيف الدين‏] (4) الناق [الساقى‏] (5) الحسامى [و يقال له عناق‏ (6)] السلاح دار، و [سيف الدين‏ (7)] اروس [الحسامى‏] (8) السلاح دار،

____________

(1) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 173.

(2) فى الأصل رقابهما، و ما هنا هو الصواب، انظر ما يلى.

(3) فى الأصل بالمجابر، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 173 و المجابر جمع جيارة، و هى الفرن التى تحرق فيها الجبرDozy :supp .Dict .Ar .

(4) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 173.

(5) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 173، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 795.

(6) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 173.

(7) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 173، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 795.

(8) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 173، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 795.

270

و [شمس الدين‏ (1)] أقسنقر الحسامى، و [علاء الدين‏ (2)] الطنبغا الجمدار، [و ناصر الدين‏ (3)] محمد خواجا، فاعتقلوا بخزانة البنود (4). و كان الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، يتوجه إليهم و يعاقبهم، و يقررهم على من باطنهم. و استمر ذلك إلى يوم الاثنين خامس صفر. ثم قطعت أيديهم و أرجلهم، و سمروا على الجمال، و طيف بهم، و أيديهم فى أعناقهم، و ماتوا شر ميتة. ثم وجدوا بعد قجقر الساقى، فشنق فى سوق الخيل. و أما الأمير حسام الدين لاجين، و الأمير شمس الدين قراسنقر، فإنهما هربا و اختفيا. و كان من أمرهما، ما نذكره إن شاء اللّه تعالى. هذا ما كان من أمر هؤلاء.

ذكر أخبار الصاحب شمس الدين محمد بن السلعوس الوزير و ما كان من امره، منذ فارق السلطان الملك الأشرف إلى أن مات‏

كان الصاحب شمس الدين المذكور، قد توجه إلى تغر الإسكندرية كما ذكرنا، و طالع السلطان فى حق الأمير بدر الدين بيدرا، بما أوجب هذه الفتنة العظيمة. و لما وصل الصاحب‏ (5) إلى الإسكندرية، ضيق على أهل الثغر، و شدّد

____________

(1) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 173.

(2) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 173.

(3) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 173.

(4) خزانة البنود من منشئات الخلافة الفاطمية بالقاهرة، بين قصر الشوك و باب العبد، لخزن أنواع البنود من الرايات و الأعلام، و أنواع السلاح و الآلات الحربية. ثم احترقت سنة 461 ه.

ثم صارت بعد ذلك حبسا للأمراء و الوزراء و الأعيان إلى أن زالت الدولة الفاطمية. و ظلت زمن الأيوبيين تستخدم سجنا للأمراء و المماليك، ثم جرى اتخاذها منازل للأسرى من الفرنج، و استمرت على هذا النحو زمن المماليك. (انظر المقريزى: المواعظ و الاعتبار ج 1، ص 423).

(5) فى الأصل السلطان، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 174.

271

عليهم الطلب. و عزم على مصادرة أعيانهم، و ذوى الأموال منهم. و أمر بإيجاد مقارع لعقوبة أهل الثغر. فبقى الناس من ذلك فى شدة عظيمة، لا يرجون خلاصا إلا ببذل الأموال و الأبشار؛ و أهان متولى الثغر.

فبينما الناس على مثل ذلك، إذ وقعت يطاقه لمتولى الثغر، فى عشية النهار، تنضمن خبر مقتل السلطان. فكتمها المتولى عن الصاحب و غيره، و صبر إلى أن دخل الليل، و جاء إلى باب الصاحب، و استأذن عليه، فأذن له. فوقف بين يديه على عادته. فقال له الصاحب: ما الذى جاء بك فى هذا الوقت، هل ظهرت لك مصلحة يعود نفعها؟ فقال: يا مولانا، لم يخف عن علمك أن أهل هذا الثغر غزاة مرابطون، و ما قصد أحد أذاهم، فتم له مقصوده، و الذى يراه المملوك، أن يحسن مولانا إليهم، و يطيب خواطرهم، و يفرج عنهم- هذا اللفظ أو معناه‏ (1)- فسبه الصاحب أقبح سب. و هم أن يوقع به، و الوالى لا يزيده أن يقول: مولانا يروض نفسه، فلا فائدة فى هذا الحرج. و الصاحب يزيد فى سبه، و الإغلاظ له، و يتعجب من إقدامه على مخاطبته بمثل هذه الألفاظ.

فلما أفرط [الصاحب‏] (2) فى سبه، و زاد به الحرج، تقدم إليه بالبطاقة. و قال يقف مولانا على هذه. فلما قرأها، سقط فى يده، و خاطبه بياخوند. فقال له المتولى: ما الذى تختار. فقال: الخروج من هذه الساعة. فلم يؤاخذه المتولى، بما صدر منه فى حقه و فتح له باب المدينة، و أخرجه و عرض عليه أن يجهز معه من يوصله القاهرة فامتنع. و خرج من الثغر فى ليلته. و لو أصبح به لقتله أهله.

____________

(1) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 175.

(2) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 175.

272

و استمر به السير إلى أن وصل إلى القاهرة ليلا. فبات بزاوية (1) الشيخ جمال الدين ابن الظاهرى، و لم ينم فى معظم الليل. و ركب بكرة النهار من الزاوية، و جاء إلى داره، و هو على حاله و هيئته. و حضر للسلام عليه القضاة و أعيان الدولة و نظارها. فعاملهم بما كان يعاملهم به من الكبر، و عدم القيام لأكابرهم. ثم استشار بعض الناس فيما يفعل. فأشار بعضهم عليه، بالاختفاء إلى أن تسكن هذه الفتنة، و تستقر القاعدة، فقال هذا لا نفعله و لا نرضاه لعامل من عمالنا.

فكيف نختاره لأنفسنا. و استمر على ذلك خمسة أيام.

و كانت رسالة دور السلطان الملك الأشرف قد خرجت إلى الأمير زين الدين كتبغا، مضمونها الشفاعة فى أمره، و أنه لا يؤذى. و ذكروه بمحبة السلطان له. و أنهم إنما قاموا فى طلب ثأر السلطان، و قتل أعدائه. و [أما] (2) هذا فهو أخلص أولياء السلطان بخدمته، و أدومهم على طاعته- هذا اللفظ أو معناه-.

فسكن أمره فى هذه الأيام الخمسة الماضية. فغضب الأمير علم الدين الشجاعى، و اجتمع بالأمير زين الدين كتبغا نائب السلطنة و غيره من أكابر الأمراء.

و قال: هذا الصاحب هو الذى أوقع بين السلطان و مماليكه و أمرائه و نائبه. و إنما قتل السلطان بسبب هذا، فاتبّع رأيه فيه.

____________

(1) هذه الزاوية خارج باب البحر، على الخليج النصرى. كانت أول الأمر تقع على النبل، فلما انحسر عن ساحل المقس، صارت تشرف على الخليج الناصرى. و هذه الزاوية تنتمى إلى أحد ابن محمد بن عبد اللّه أبى العباس جمال الدين الظاهرى. و كان أبوه عتيق الملك الظاهر شهاب الدين غازى. مات سنة 696 ه بالقاهرة. المقريزى: المواعظ و الاعتبار ج 2، ص 431. السلوك ج 1، ص 796 حاشية 6.

(2) الإضافة يتطلبها استقامة المعنى.

273

فلما كان فى اليوم السادس، و هو اليوم الثانى و العشرين من المحرم، طلع [الصاحب شمس الدين بن السلعوس‏ (1)] إلى قلعة الجبل، فحضر إلى الأمير زين الدين كتبغا نائب السلطنة، فسلّمه للأمير علم الدين الشجاعى، فسلّمه الشجاعى للأمير بهاء الدين قراقوش الظاهرى، و كان من أعدائه، ليطالبه بالأموال فضربه ضربا شديدا. فأنكر عليه الأمير علم الدين. ثم سيّره إلى الأمير بدر الدين المسعودى، شاد الدواوين، و هو نشو ابن السلعوس، فإنه كان قد طلب من دمشق للمصادرة، لما قتل مخدومه الأمير حسام الدين طرنطاى، و كان يتولى ديوانه بالشام. فأحسن الصاحب إليه، و أفرج عنه، و ولاه شد الدواوين بالديار المصرية. فلما سلّم إليه، عاقبه و استصفى أمواله. و كان يجلس لمصادرته و عقوبته فى المدرسة الصاحبية (2) التى بسويقة الصاحب بالقاهرة. و لم يزل يعاقبه إلى أن مات تحت الضرب، و قيل إنه ضرب بعد موته، ثلاثة عشر مقرعة، و لم يعلم أنه مات. و كانت وفاته فى يوم السبت عاشر صفر سنة ثلاث و تسعين و ستمائة، و دفن بالقرافة (3).

ذكر الخلف الواقع بين الأميرين علم الدين سنجر الشجاعى و زين الدين كتبغا، و مقتل الشجاعى.

كان الأمير علم الدين الشجاعى قد استمر فى الوزارة و تدبير الدولة، و أحكم‏

____________

(1) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 176.

(2) تنسب هذه المدرسة إلى الصاحب صفى الدين عبد اللّه بن على بن شكر، وزير السلطان العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب، المقريزى: المواعظ و الاعتبار ج 2، ص 104، 371 و ما بعدها.

(3) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 178، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 796، 797.

274

أمرها، و هابه الناس. فلما كان فى يوم الخميس، ثانى عشرين صفر، من هذه السنة، اجتمع الأمراء بمساطب باب القلعة على العادة، ينتظرون فتح باب القلعة، ليركبوا فى خدمة الأمير زين الدين كتبغا، نائب السلطنة. فلم يشعروا إلا و قد خرجت رسالة على لسان الأمير جاندار، يطلب جماعة من الأمراء، و هم سيف الدين قبجاق، و بدر الدين عبد اللّه السلاح دار، و سيف الدين قبلاى‏ (1)، و ركن الدين عمر [السلاح دار] (2) أخو تمر، و سيف الدين كرجى، و سيف الدين طرقجى، فدخلوا إلى الخدمة السلطانية. و قام الأمراء للركوب، فبينما هم يسيرون تحت القلعة، بالميدان الأسود، جاء اثنان من ألزام الأمير علم الدين الشجاعى، و هما الأمير سيف الدين قنغر (3)، و ولده حاروشى‏ (4). فأخبرا الأمير زين الدين كتبغا أن الأمراء الذين استدعوا اعتقلوا، و أن الشجاعى قد دبّر الحيلة عليك و على الأمراء، إذا طلعتم إلى القلعة، و دخلتم إلى الخوان أن يقبض عليكم. فعرّف كتبغا الأمراء الذين معه فى المواكب الصورة. فتوقفوا عن الطلوع إلى القلعة، و توهموا أن الشجاعى اتفق مع الأمراء المنصورية و الأمراء البرجية، و المماليك السلطانية. و كان بالموكب الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار، و الأمير سيف الدين برلغى، أمير مجلس، فأمسكوهما فى الموكب، و أرسلوهما إلى ثغر الإسكندرية.

____________

(1) فى الأصل، قباى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 179.

(2) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 179.

(3) فى الأصل قبعر، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 180.

(4) كذا فى الأصل، و فى ابن الفرات ج 8، ص 180، و المقريزى: السلوك ج 2، ص 799 جاورجى، و اللفظ الأقرب للنطق التترى حاورشى. انظر ابن أبى الفضائل: الهج السديد ص 413.

275

و أخبرنى الأمير ركن الدين‏ (1) بيبرس، فى ليلة الثامن من شوال سنة سبع و سبعمائة، أنه ضرب على رأسه بدبوس، و أرانى‏ (2) أثر الضربة.

و كان قد ذكر لى ذلك، فى أثناء ذكره لسالف خدمة السلطان، و ما لقيه و قاساه.

و لما مسكا، حصلت مفاوضة بين الأمير علم الدين سنجر البندقدارى، و بين الأمير زين الدين كتبغا. فقال البندقدارى له: أين لاجين، أحضره.

فقال: ما هو عندى. فقال: بل هو عندك. فجرد البندقدارى سيفه ليضرب به كتبغا، فضربه بدر الدين بكتوت الأزرق، مملوك كتبغا بسيفه، حل كتفه ثم ألقوه عن فرسه، و ذبح يسوق الخيل.

و توجه الأمير زين الدين كتبغا و من معه من الأمراء، إلى الباب المحروق و خرجوا منه و نزلوا بظاهر السور، و أمروا مماليكهم و ألزامهم و أجنادهم أن يلبسوا عددهم. و أرسل الأمير زين الدين كتبغا نقباء (3) الحلقة، و طلب المقدمين فحضروا إليه، و راسل السلطان [الملك‏ (4) الناصر]، فى طلب الأمير علم الدين الشجاعى. و قال إن هذا قد انفرد برأيه فى القبض على الأمراء. و بلغنا عنه ما أنكرناه، و نختار حضوره ليحاقق عما نقل عنه. فامتنع عن الحضور. ثم‏

____________

(1) المقصود هنا هو بيبرس الدارادار صاحب كتاب زبدة الفكرة نظرا لما تعرض له من الأذى من قبل السلطان خليل بن قلاوون.

و الواضح هنا أن ابن الفرات ينقل عن النويرى، لمطابقة روايته عبارة النويرى. ابن الفرات ج 8، ص 180. و كل ما فعله ابن الفرات أنه عدل فى العبارة إلى صيغة الغائب، بدلا من صيغة المتكلم.

(2) فى ابن الفرات ج 8، ص 180، و لم يزل أثر الضربة فى رأسه، و لجسأ إلى ذلك ليتفق مع سياق العبارة.

(3) فى الأصل بنقباء، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 180.

(4) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 181.

276

طلع السلطان على البرج الأحمر، و تراءى للأمراء، فنزلوا و قيلوا الأرض من مواقفهم‏ (1). و قالوا نحن مماليك السلطان، و لم نخلع يدا عن طاعة، و ليس قصدنا إلا حفظ نظام الدولة، و اتفاق الكلمة، و إزالة أسباب المضار و الفساد عن المملكة. و استمر الحصار سبعة أيام، و كان الشجاعى ينزل إليهم، و يناوشهم القتال، و معه طائفة من الأمراء و هم: الأمير سيف الدين بكتمر، السلاح دار، و سيف الدين طفجى‏ (2)، و جماعة من المماليك السلطانية. ثم فارقة الأمراء و المماليك، فكانوا يتسللون عشرة عشرة. فلما رأى حاله انتهت إلى هذه الغاية، قال إن كنت أنا الغريم، فأنا أتوجه إلى الحبس طوعا منى، و أبرأ إلى الأمراء مما نقل إليهم عنى. و حضر إلى باب الستارة السلطانية، و حلّ سيفه بيده، و ذهب نحو البرج. و توجه معه الأمير سيف الدين الأقوش، و الأمير سيف الدين صمغار، ليحبساه بالبرج الجوانى، فوثب عليه مملوك الأقوش، فقتله و حز رأسه. و أنزلوه إلى الأمير زين الدين كتبغا، و قد لفّ فى بقجة. فأمر بأن يطاف برأسه القاهرة و مصر، و ظواهرهما. فطاف به المشاعلية على رمح، و اشهروا (3) قتله. ثم طلع الأمير زين الدين كتبغا و الأمراء إلى القلعة، فى يوم الثلاثاء سابع عشرين صفر، و أفرج عن الأمراء الذين اعتقلوا. و جددت الأيمان، و أنزل من كان بالأبراج و الطباق، من المماليك السلطانية، الذين اتهموا بهذه الفتنة. فأسكنت طائفة

____________

(1) فى الأصل موافقتهم: و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 181.

(2) فى الأصل طقجى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 181، المقريزى: السلوك ج 1، ص 800، يرد هذا اللفظ بالرسمين فى المخطوط. و سوف يجرى تصويبه على هذا الرسم، دون الاشارة إلى ذلك فى الحواشى.

(3) فى الأصل و اشهروا، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 183، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 801.

277

منهم فى مناظر الكبش، و طائفة فى دار الوزارة، و طائفة فى الميدان الصالحى و الميدان الظاهرى. و اعتقل منهم جماعة. و كان من خبرهم، بعد ذلك، ما نذكره فى سنة أربع و تسعين و ستمائة.

ذكر عدة حوادث كانت فى سنة ثلاث و تسعين و ستمائة خلاف ما قدمناه، من ولاية و عزل و غير ذلك، و الوفيات‏

فى هذه السنة، فى تاسع عشر صفر، عزل قاضى القضاة بدر الدين محمد ابن جماعة الشافعى عن القضاء بالديار المصرية. و أعيد قاضى القضاة تقى الدين عبد الرحمن ابن بنت الأعز إلى القضاء. و استقر قاضى القضاة بدر الدين فى تدريس مدرسة الشافعى و مشهد الحسين. فلم يزل كذلك، إلى أن توفى قاضى القضاة، شهاب الدين محمد بن أحمد بن الخليل بن سعادة بن جعفر الخويى‏ (1) قاضى القضاة الشافعى بدمشق. و كانت وفاته بدمشق فى يوم الخميس، خامس عشر، شهر رمضان من هذه السنة. و مولده فى رابع عشرين شوال، سنة ست و عشرين و ستمائة، و قيل فى رجب من السنة. ففوض [الملك الناصر محمد بن‏ (2) قلاوون‏]، القضاء بعد وفاته لقاضى القضاة، بدر الدين بن جماعة، فتوجه إلى الشام. و كان وصوله إلى دمشق فى رابع عشر ذى الحجة من السنة.

و فيها، فى تاسع عشرين صفر فوضت الوزارة للصاحب الوزير تاج الدين محمد ابن الصاحب فخر الدين محمد ابن الصاحب الوزير بهاء الدين على، المعروف‏

____________

(1) فى الأصل الخويى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 189 و فى المقريزى: السلوك ج 1 ص 801 الشهير بابن الخويى:

(2) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 185.

278

بابن حنا. و فوضت وزارة الصحبة، لابن عمه الصاحب عز الدين ابن الصاحب محيى الدين ابن الصاحب بهاء الدين، و كانا يجلسان جميعا فى شباك الوزارة، و يوقع الصاحب تاج الدين‏ (1).

و فيها، فى سلخ صفر. أفرج عن الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحى.

و كان الملك الأشرف قد اعتقله، فى يوم السبت ثانى شوال، سنة اثنتين و تسعين و ستمائة.

و فيها، فى يوم عيد الفطر، ظهر الأمير حسام الدين لاجين، و الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوريان، من الاستتار (2)، و كانا عند هربهما، أطلعا الأمير سيف الدين بتخاص الزينى، مملوك كتبغا على حالهما. فأعلم أستاذه بهما، و نلطف فى أمرهما. فتحدث الأمير زين الدين كتبغا مع السلطان، فعفا عنهما، و أمّرهما كما كانا أول مرة. و تلطّف كتبغا فى إظهار لاجين تلطفّا حسنا.

و هو أنه تحدث مع الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى، أمير سلاح فى إحضاره.

فركب معه، و وقف تحت قلعة الجبل، و لم يزل إلى أن أذن له، و أصلح بينه و بين الأمراء و المماليك السلطانية، و زال ما بينهم من الوحشة. و كان كتبغا فى أمر لاجين، كالباحث عن حتفه‏ (3) بظفه‏ (4). فإنه فعل معه، ما نذكره إن شاء اللّه تعالى‏ (5).

____________

(1) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 183.

(2) انظر ما سبق ص 264، 270 من هذا الجزء (المصحح).

(3) فى الأصل حقه، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 184 و المقريزى: السلوك ج 1، ص 803.

(4) فى الأصل مطلقة، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 184، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 803.

(5) يطابق ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 184.

279

و فى هذه السنة، قصر النيل فلم يوف، و انتهت زيادته إلى خمسة عشر ذراعا، و ثلث ذراع. فارتفعت بسبب ذلك الأسعار. و كان من الغلاء ما نذكره بعد (1).

و فى هذه السنة، فى رابع عشرين ربيع الأول، كانت وفاة الملك شهاب الدين‏ (2) غازى ابن الملك المعز مجير الدين يعقوب ابن السلطان الملك العادل سيف الدين ابى بكر محمد بن أيوب، بداره بالخور بدمشق، و دفن بتربتهم بقاسيون، (رحمهم الله تعالى).

و فيها، كانت وفاة الصاحب فخر الدين إبراهيم بن لقمان الأسعردى. و قد قدمنا ذكر وزارته مرة بعد أخرى. و كان إذ عزل عن الوزارة، أخذ دواته و عاد إلى ديوان الإنشاء، و كتب من جملة الكتاب. و أصله من المعدن‏ (3)، من أعمال أسعرد (4). فلما فتح الملك الكامل آمد، كان ابن لقمان يكتب على عرصة الغلة، و ينوب عن ناظر البيوت بها. و كان بهاء الدين زهير، صاحب ديوان الإنشاء للملك الكامل، و بعده للملك الصالح، و هو يومئذ وزير الصحبة. فكانوا يستدعون من صاحب أسعرد أصنافا، فتأتى الرسائل بالأصناف بخط ابن لقمان،

____________

(1) فى ابن الفرات ج 8، ص 185 ما ستذكره إن شاء اللّه.

(2) فى الأصل يسبق، شهاب الدين بياض، و لم يرد فى ابن الفرات ج 8، ص 189 ما يدل على سقوط لقب أو كنية لهذا الاسم، و لعل ذلك راجع إلى غفلة الناسخ.

(3) فى الأصل المعدر، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 186 و المعدن بلد بارمينية قرب منبع نهر دجلة، و سميت بهذا الاسم لما كان مناجم النحاس و الحديد بقربها.

Quatremere :op -citiliP ,33 Nore 30

(4) فى الأصل سعرد، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 186، و وردت فى صور عديدة، سعرت، أو اسعرت، و هى مدينة تقع على نهر الرزم الذى ينبع من بحيرة و ان بارميقية، و يلتقى بنهر دجلة عند تل فافان انظر ليسترانج: بلدان الخلافة الشرقية ص 145- 146.

280

فتعرض على بهاء الدين زهير، فيعجبه خطه و عبارته. فطلبه فحضر إلى خدمته، و تحدث معه، فأعجبه كلامه، و سأله عن جامكيته. فقال دون دينارين فى الجهتين، فعرض عليه أن يسافر صحبته [إلى الديار المصرية (1)]، فأجاب إلى ذلك.

و سربه، فاستصحبه معه، و ناب عنه بديوان الإنشاء إلى الأيام الصالحية.

ثم استقل بعد ذلك بصحابة ديوان الإنشاء، و وزر كما تقدم. و لما انفصل من الوزارة [قال‏] (2): جاءت فما كثّرت، و راحت فما أثّرت. و له نظم حسن، و قد قدمنا ذكر شي‏ء من كلامه، (رحمه الله تعالى)(3).

و فيها، فى يوم الخميس، منتصف جمادى الآخرة، توفى الأمير بدر الدين بكتوت العلائى، و كانت وفاته بالقاهرة. و قد عظم شأنه، و سمت همته، حتى تعرض لطلب بعض الأكابر الأمراء الخاصكية الأشرفية، مقدمى‏ (4) الألوف. فيقال أنه سقى سما فمات، سامحه اللّه تعالى.

و فيها، فى يوم الخميس، خامس شعبان، توفى الملك الحافظ غياث الدين أبو عبد اللّه محمد ابن الملك السعيد معين الدين بن شاهانشاه ابن الملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه بن فروخ شاه بن شاهانشاه بن أيوب، و صلّى عليه بعد صلاة الجمعة بجامع دمشق، و دفن بتربة ابن المقدم، بمقبرة باب الفراديس، (رحمه الله)(5).

____________

(1) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 186.

(2) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 186.

(3) هذه الترجمة تطابق ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 186.

(4) فى الأصل مقدمين، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(5) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 189.

281

و استهلت سنة أربع و تسعين و ستمائة [694- 1294/ 1295]

ذكر الفتنة التى قصد المماليك السلطانية إثارتها

لما كان فى ليلة العاشر من المحرم، من هذه السنة، تجمعت المماليك السلطانية، الذين فى الكبش، و مناظر الموادين‏ (1)، و حرقوا باب السعادة، و دخلوا منه إلى المدينة. و طلبوا خوشداشيتهم المعتقلين [بها] (2)، الذين بدار الوزارة، للركوب معهم، فما أجابوهم لذلك. فكسروا خزانة البنود، و أخرجوا من كان بها من خوشداشيتهم، و نهبوا الإسطبلات التى تحت القلعة. و ركبوا الخيول، و داروا عليها تحت القلعة، من جهة سوق الخيل، طول الليل. فلما كان من الغد، ركب الأمراء الذين فى القلعة و قصدوهم، و تصافّوا و اقتتلوا يسيرا. ثم جاء الأمير سيف الدين الحاج بهادر، السلاح دار، الحلبى، و هو يومئذ أمير حاجب، فهزمهم فتفرّقوا فى ضواحى القاهرة و شوارعها، فأخذوا و جي‏ء بهم. و جلس الأمير زين‏ (3) الدين كتبغا بباب القلعة، و ضربت رقاب بعضهم بين يديه، و فرق بعضهم على الأمراء، و غرّق بعضهم سرا. و كانت هذه الحادثة سببا لحركة الأمير زين الدين و ركوبه فى السلطنة.

____________

(1) فى الأصل الموازين، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 189.

(2) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 191.

(3) فى الأصل ركن الدين، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 192.

282

ذكر سلطنة السلطان الملك العادل زين الدين كتبغا المنصورى، و هو العاشر من ملوك دولة الترك بالديار المصرية.

كان جلوسه على تخت السلطنة فى يوم الأربعاء (1)، حادى عشر المحرم سنة أربع و تسعين و ستمائة. و كان سبب ذلك، أنه لما ملك السلطان الملك الناصر، و استقر هو فى نيابة السلطنة كما تقدم، شرع يمهد القواعد لنفسه فى مدة نيابته، و يقرر (2) الأحوال، و يستميل الأمراء. فلما كان فى أول هذه السنة، انقطع فى دار النيابة، بقلعة الجبل، و ادّعى الضعف. و إنما كان انقطاعه لتقرير أمر السلطنة له. و ركب السلطان الملك الناصر، رجاء إلى دار النيابة للسلام عليه و عيادته فلما اتفقت فتنة المماليك المتقدمة، جلس [الأمير زين الدين كتبغا (3)] فى اليوم الثانى منها، بدار النيابة. و جمع الأمراء، و ذكر لهم أن ناموس السلطنة، و حرمة المملكة، لا يتم لصغر سن السلطان الملك الناصر. فاجتمعت آراء الأمراء على إقامة الأمير زين الدين كتبغا فى السلطنة. و حلفوا له، و قدم له فرس النوبة بالرقبة الملوكية، و عليها ألقابه. و ركب من دار النيابة، قبل أذان العصر، من هذا اليوم. و دخل من باب القلعة (4) إلى الأدر السلطانية، و الأمراء مشاة فى خدمته. و دخل على تخت السلطنة، و نلقب بالملك العادل. و حجب السلطان الملك الناصر، و جعله فى بعض القاعات هو و أمه. و عامله بما لا يليق أن يعامله‏

____________

(1) فى ابن الفرات ج 8، ص 192 يوم الثلاثاء.

(2) فى الأصل و تقرر، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 193.

(3) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 193.

(4) فى الأصل القلعة، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 193، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 809.

283

به. فكانت مدة سلطنة السلطان الملك الناصر هذه- و هى السلطنة الأولى- سنة واحدة إلا ثلاثة أيام. و لم يكن له فى هذه المدة من الأمر شي‏ء. و إنما جرى عليه أمر السلطنة، و خطب باسمه على المنابر، و ضربت السكة باسمه. و أما غير ذلك من الأمر و النهى، و الولاية و العزل، و الإطلاق و المنع، و التأمير و إعطاء الإقطاعات، و غير ذلك من الأوامر، فللأمير زين الدين كتبغا النائب، الملقب الآن بالملك العادل‏ (1).

و فى يوم الخميس ثانى عشر المحرم، مد [الملك العادل زين الدين كتبغا (2)] سماطا عظيما، و جلس على عادة الملوك. و دخل الأمراء إليه، و قبلوا يده، و هنوه بالسلطنة و خلع على الأمير حسام الدين لاجين المنصورى، و فوض إليه نيابة السلطنة، و جعل الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحى، أمير جاندار، و الأمير سيف الدين الحاج بهادر الحلبى، أمير حاجب. و أمر أن تجهّز الخلع لسائر الأمراء و المقدمين، و للوزيرين الصاحب تاج الدين و ابن عمه عز الدين، و قضاة القضاة و أرباب المناصب، و من جرت عادتهم بالخلع، و المماليك السلطانية الذين كانوا بدار الوزارة، كونهم لم يوافقوا خوشداشيتهم، على إقامة الفتنة.

و ركب الناس بالتشاريف، فى يوم الخميس، تاسع عشر المحرم. و لما جلس على تخت السلطنة، كتب إلى نائب السلطنة بدمشق، و سائر النواب بالممالك‏

____________

(1) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 192.

(2) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 192.

284

الشامية و الأعمال، يخبرهم بخبر سلطنته، و يطلب منهم بذل اليمين. و كل أجاب بالسمع و الطاعة، و بادر إلى الحلف، و ما اختلف عليه اثنان.

و من غريب ما حكى فى أمر الملك العادل هذا، أن هولاكو لما استولى على حلب، و ملك الشام أجمع، كما تقدم، و عزم على تجريد العساكر إلى الديار المصرية، أحضر نصير الدين‏ (1) الطوسى، و قال له: تكتب أسماء مقدمى عساكرى، و تنظر أيهم يملك مصر، و يجلس على تخت السلطنة بها. فكتب أسماءهم، و حسب و دقق النظر، فما ظهر له، أنه يملك الديار المصرية إلا كتبغا، فذكر ذلك لهولاكو. و كان كتبغا نوين صهر هولاكو، فقدّمه على العساكر و سيّره، فقتل فى وقعة عين جالوت، كما تقدم. و كان كتبغا هذا، فى عسكر كتبغا نوين، فسبى و هو شاب. و لعله كان فى سن بلوغ الحلم أو نحوه. و أخّر اللّه السلطنة بالديار المصرية لهذا الاسم. و كان بين الحادثين ست و ثلاثون‏ (2) سنة.

و لما ملك [كتبغا] (3)، شرع فى تأمير مماليكه و تقدمتهم. فكان أول من أمر

____________

(1) هذه الرواية أوردها ابن تغرى بردى فى النجوم الزاهرة ج 8، ص 55- 56، نقلا عن المؤرخ الشيخ شمس الدين الجزرى، الذى يعتبر المصدر الذى استمد منه النويرى و ابن الفرات روايات عديدة. و نصير الدين الطوسى، من البارزين فى شتى العلوم فى عصره، لا سيما الفلك: ولد بطوس 597 (120 م)، اقام عند الإسماعيلية فى الموت مدة، و هو الذى أغرى رئيس الإسماعيلية بالتسليم إلى هولاكو، و قد دخل نصير الدين فى خدمة هولاكو، و هو الذى اقنعه بقتل الخليفة المستعصم العباسى (المقريزى: السلوك ج 1، ص 42 حاشية 5).

(2) فى الأصل سنة و ثلاثين، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(3) الإضافة للتوضيح.

285

منهم أربعة، و هم سيف الدين بتخاص‏ (1)، و جعله أستاذ الدار، و سيف الدين أغرلو (2) و بدر الدين بكتوت الأزرق، و سيف الدين فطلوبك‏ (3). و ركب هؤلاء بالإمرة فى يوم واحد. و ركب هو بشعار السلطنة على عادة الملوك فى يوم الأربعاء، مستهل شهر ربيع الأول. و أقر نواب السلطنة على حالهم فى الأيام الناصرية و فوّض الوزارة بدمشق للصاحب تقى الدين توبة التكريتى على عادته، فى الأيام المنصورية. و كان وصوله إلى دمشق، لمباشرة هذه الوظيفة، فى سادس عشر صفر. و كتب السلطان له توقيعا، برد ما أخذ منه، فى‏ (4) الدولة الأشرفية.

ذكر تفويض الوزارة للصاحب فخر الدين عمر بن الخليلى‏

و فى يوم الثلاثاء، خامس عشرين جمادى الأولى‏ (5) من هذه السنة، عزل السلطان الصاحب تاج الدين، و فوض الوزارة للصاحب فخر الدين عمر ابن الشيخ مجد الدين عبد العزيز بن الخليلى. و كان هذا الصاحب فخر الدين قد ولى نظر ديوان الملك الصالح علاء الدين على ابن السلطان الملك المنصور. فلما مرض‏

____________

(1) فى الأصل ينجاص، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 195، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 808.

(2) هذا الاسم برد عادة بالرسمين، اغرلو، و اغرلوا، و يكتفى بالرسم الوارد بالمتن، و هو المعروف فى معظم المصادر العربية.

(3) فى الأصل قطلبك و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 808 و سائر المصادر العربية.

(4) فى الأصل من، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 195، المقريزى: السلوك ج 1 ص 808.

(5) فى الأصل الأول، و ما هنا هو الصواب لغويا.

286

و اشتد به الوجع، دخل الصاحب فخر الدين عليه و بكى، و أظهر الألم الشديد و قال أخشى إن قدر اللّه تعالى أمرا محتوما، و العياذ باللّه، أن أوذى، و يتمكن منى الأمير علم الدين الشجاعى. و طلب الملك الصالح والده السلطان الملك المنصور و أوصاه أن لا يتعرض إليه. و لا إلى أحد من ديوانه بأذية (1)، و أن لا يمكن الأمير علم الدين الشجاعى منهم. فلما مات الملك‏ (2) الصالح، أحسن السلطان [المنصور] (3) إليه، و ولاه نظر النظار بالديار المصرية، و نظر الصحبة، ثم عزل فى الدولة الأشرفية. و باشر نظر ديوان الملك العادل، فى مدة نيابته عن السلطنة، و فوض إليه نظر الدواوين، ثم الوزارة (4).

و فى هذه السنة، قصر النيل و لم يوف، فحصل الغلاء و اشتد البلاء بالديار المصرية. و توقف الغيث بالشام، فاستسقى الناس، مرة بعد أخرى. و أجدبت برقة و أعمالها، و بلاد المغرب و نواحيها. و عمّ الغلاء أكثر البلاد و الممالك، شرقا و غربا و حجازا. و اختصت مصر من ذلك البلاء العظيم. و بلغ سعر القمح عن كل أردب مائة درهم و خمسين درهما، و الشعير مائة درهم. و استمر إلى سنة خمس و تسعين و ستمائة (5).

____________

(1) فى الأصل بأذنه، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 196.

(2) فى الأصل السلطان الملك، و الواضح أن لفظة سلطان زائدة، لأن الملك الصالح لم يكن سلطانا.

(3) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 196.

(4) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 196، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 808.

(5) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 199، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 810.

287

و فيها، فوض السلطان قضاء العساكر بالشام، للقاضى نجم الدين محمد بن صصرى و كان بالديار المصرية. فعاد إلى دمشق متوليا هذه الوظيفة، و كان وصوله إليها فى يوم الثلاثاء سادس عشرين‏ (1) شهر رمضان.

و فيها، فوض السلطان الملك العادل، الخطابة و الإمامة، بالجامع الأموى بدمشق، لقاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة، مضافا إلى ما بيده من القضاء و التدريس. فصلّى بالناس صلاة الظهر، من يوم الخميس الخامس من شوال، و خطب يوم الجمعة السادس من الشهر، و اجتمع له القضاء و الخطابة، و لم يجتمع ذلك لقاضى قبله بدمشق، فيما عرفناه. و نقل إلينا (2).

ذكر القبض على الأمير عز الدين ايبك الخزندار نائب السلطنة بالفتوحات، و ولاية الأمير عز الدين أيبك الموصلى المنصورى‏

و فى هذه السنة، رسم السلطان الملك العادل، بالقبض على خوشداشه، الأمير عز الدين أيبك الخزندار المنصورى، نائب السلطنة، بالفتوحات الطرابلسية.

و ندب لذلك أمير بن، فتوجها إلى دمشق على خيل البريد، فوصلا إليها، فى تاسع عشرين شوال. و جرد من دمشق الأمير عز الدين أيبك كرجى، و الأمير سيف الدين استدمر كرجى‏ (3) بسبب ذلك. فلما توجهوا إليه، لم يمتنع عليهم، و قال: قد كنت عزمت على مفارقة هذه المملكة. و التوجه إلى باب‏ (4)

____________

(1) فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 809 سادس عشرى رمضان.

(2) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 198، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 809.

(3) فى الاصل كجى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 199.

(4) فى الأصل نائب، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 199.

288

السلطان، فقبض عليه. و كان وصوله إلى الأبواب السلطانية، فى يوم الخميس حادى عشرين ذى القعدة من السنة، فاعتقل. و استمر فى الاعتقال، إلى يوم الخميس رابع عشرين صفر سنة خمس و تسعين و ستمائة. و لما قبض عليه، فوضت نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية و الفتوحات، للامير عز الدين أيبك الموصلى المنصورى‏ (1).

و فيها أيضا، رسم بالحوطة على القاضى مجد الدين يوسف بن القباقبى ناظر المملكة الطرابلسية. و ندب الأمير شمس الدين الأعسر لذلك. فتوجه إلى طرابلس، فى العشر الأوسط، من شوال، و أوقع الحوطة على موجوده. فيقال إنه وجد فى جشاره‏ (2)، ما ينيف على سبعين رأس بغالا و اكاديش جياد. و جهز إلى الديار المصرية، فتكمل حمله، فيما ادعاه ألف ألف درهم. ثم أعيد بعد ذلك إلى نظر المملكة الطرابلسية، و كأنه لم يصادر. فبلغنى‏ (3) أنه جلس ليلة، و هو يضحك مع أصحابه بطرابلس. فقال له بعضهم: أخذ منك ألف ألف درهم، و أنت تضحك. فقال: و اللّه أقدر أنفق فى جيش مصر- و أرى أن هذا الكلام‏ (4)، إن كان قاله، فهو من التغالى فى القول- و اللّه أعلم.

____________

(1) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 199.

(2) فى ابن الفرات ج 8، ص 198 إشارة، و الجشار هنا، و جمعة جشارات و جشير، و يقال الدشار أيضا، الخيل و الأبقار التى تساق الى المراعى، و تبقى بها عادة دون أن تعود ليلا إلى حظائرها.Dozy :supp .Dict .Ar .

(3) فى الأصل يصادره، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 198.

(4) أورد ابن الفرات ج 8، ص 198 عبارة قربية من هذه الرواية، و رفضها «و هذا الكلام إن كان قاله حقيقة، فهو من التفالى فى القول».

289

ذكر وفاة الملك المظفر يوسف بن عمر صاحب اليمن‏

و فى هذه السنة، كانت وفاة الملك المظفر شمس الدين أبى المظفر يوسف ابن الملك المنصور نور الدين عمر بن على بن رسول، صاحب اليمن، فى شهر رمضان، بقلعة تعز. و كان جوادا شهما، عفيفا عن أموال الرعايا، قليل التطلع إلى ما بأيديهم، حسن السيرة فيهم، يمنع أصحابه من التطرق إلى ظلم أحد.

و كانت مدة ملكه، بالبلاد اليمانية، نحو (1) خمس و أربعين سنة.

و كان للملك المظفر من الأولاد خمسة، و هم الملك الأشرف ممهد الدين عمر، و الملك المؤيد هزبر الدين داود، و الواثق إبراهيم، و الملك المسعود تاج الدين حسن، و الملك المنصور زين الدين أيوب. و للملك المسعود هذا ولد اسمه أسد الإسلام محمد. و للملك المنصور ولد اسمه مأمور (2) الدين عيسى. و لما مات الملك المظفر هذا، ملك بعده ولده الملك الأشرف ممهد الدين عمر، و هو ولى عهده.

فلما ملك نازعه أخوه الملك المؤيد هزير الدين داود فى الملك. و كان المؤيد يوم ذاك ببلاد الشحر، فجمع جمعا من الجحافل، و توجه إلى ثغر عدن، و حاصر الثغر ثلاثة عشر يوما. و كان متوليه الأمير سيف الدين بن برطاس، فملك المؤيد الثغر، و استولى على ما به. فاقترض أموال التجار و أموال الأيتام التى بمودع الحكم.

و توجه من ثغر عدن نحو تعز. فجرد الملك الأشرف لقتاله الشريف على بن عبد اللّه، بجماعة من الجيش، و ولده جلال الدين بن الأشرف. فتوجهوا و التقوا، فيما بين تعز و عدن، بمكان يسمى الدعيس. و اقتتلوا فخذل الجحافل المؤيد، و تفرقوا عنه، و بقى فى نفر يسير. فتقدم إليه جلال الدين ابن أخيه، و أشار عليه بالدخول‏

____________

(1) فى الأصل خمسة، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(2) فى الأصل تأمور، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 197.

290

فى الطاعة، و حذر عاقبة المخالفة. و قال له: الملك الأشرف أخوك، و لا يقتلك، و أنت بينك و بين الأشراف حرب قبل هذا الوقت، فإن ظفروا بك قتلوك.

و أشار عليه بعض أصحابه بمثل ذلك، فرجع إلى قولهم، و رجع إلى الطاعة.

فأراد جلال الدين أن يتوجه به إلى والده [الملك الأشرف‏ (1)] على حاله. فامتنع عليه الشريف على بن عبد اللّه، و قال: إن أمر هذا الجيش إلىّ. و قيّد المؤيد، و حمله إلى قلعة تعز، فاعتقله بها إلى أن مات الملك الأشرف. و كانت وفاته فى سنة ست و تسعين و ستمائة. فأخرج من الاعتقال ليلا، قبل دفن أخيه، فأمر بدفنه. و أصبح الحراس بالقلعة، فدعوا للملك المؤيد، و ترحّموا على الملك الأشرف و كان ملك المؤيد باتفاق عمته الشمسية، و قيامها فى أمره. و استمر فى الملك إلى أن مات، فى سنة إحدى و عشرين و سبعمائة، على ما نذكر ذلك إن شاء اللّه تعالى. فى موضعه.

و فيها، فى يوم السبت، رابع شهر ربيع الأول، توفى الأمير بدر الدين بكتوت الأفرعى بدمشق، و دفن بمقابر باب الصغير.

و فيها، كانت وفاة الصاحب عز الدين ابن الصاحب محيى الدين أحمد ابن الصاحب الوزير بهاء الدين على بن محمد، (رحمهم الله تعالى).

و فيها، فى شهر رجب توفى بالقاهرة، الأمير بدر الدين بكتوت الفارسى الأتابكى، (رحمه الله تعالى).

____________

(1) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 198.

291

و فيها، فى وقت السحر، من يوم السبت عاشر شعبان، توفيت ملكة خاتون، ابنة الملك الأشرف موسى ابن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب. و هى زوجة الملك المنصور ابن الملك الصالح إسماعيل و أم ولديه. و هى التى كان ناصر الدين بن المقدسى أثبت سفهها فى الدولة المنصورية، و استعاد أملاكها من سيف الدين المسامرى و غيره، كما تقدم ذكر ذلك، (رحمهما الله تعالى).

292

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

293

و استهلت سنة خمس و تسعين و ستمائة [695- 1295/ 1296]

فى هذه السنة، اشتد الغلاء بالديار المصرية، و كثر الوباء و انتهى سعر القمح إلى مائة درهم و سبعة و ستين درهما، عن كل أردب، و قيل إنه بلغ مائة و ثمانين. و أعقب ذلك و باء عظيم. و غلت الأسعار فى سائر الأصناف. و بلغ ثمن الفروج عشرين درهما. و سمعت أن بعض الناس اشترى فراريج لمريض عنده، فوزن لحمها، فكان بوزن‏ (1) الدراهم التى اشتراها بها. فتقوّم عليه لحمم الفراريج، الدرهم بدرهم فضة. و بيعت البطيخة، الرطل بأربعة دراهم نقرة. و بيعت السفر جلة، بثلاثين درهما، هذا بالقاهرة و مصر. و أما الصعيد الأعلى، و هو عمل فوص و ما يجاوره، فإن القمح لم يزد ثمنه، على خمسة و تسعين درهما الأردب. و أعقب هذا الغلاء بالقاهرة فناء عظيم. كان يحصر من يخرج من باب المدينة من الأموات فى اليوم الواحد، فيزيد على سبعمائة أو نحوها، هذا من داخل المدينة، من أحد الأبواب. و القاهرة بالنسبة إلى ظواهرها، كالشارع‏ (2) الأعظم، و الحسينية و الأحكار، جزء لطيف. و عجز الناس عن دفن الأموات أفرادا، فكانوا يحفرون الحفرة الكبيرة، و يرص‏ (3) فيها الأموات، من الرجال و النساء، و يجعل الأطفال بين أرجلهم، و يردم عليهم. و بعض الأموات‏

____________

(1) فى الأصل يوزن، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 208.

(2) فى الأصل الشارع، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 208.

(3) فى الأصل يرض، و فى ابن الفرات ج 8، ص 210، و ما هنا يستقيم به المعنى.

294

لم يجدوا من يواريهم فى قبورهم، فأكلتهم الكلاب، و أكل الأحياء الكلاب.

و كان الفناء أيضا بالأعمال البرانية [عن القاهرة و مصر (1)]، حتى خلت بعض القرى و أطراف المدينة، لفناء أهلها بالموت.

ثم انحطت الأسعار بالديار المصرية فى شهر رجب، و نزل سعر القمح إلى خمسة و ثلاثين درهما الأردب، و الشعير بخمسة و عشرين [درهما الأردب‏ (2)] و كان أكبر أسباب هذا الغلاء و تزايده بالديار المصرية، خلو الأهراء (3) السلطانية من الغلال، و ذلك أن السلطان الملك الأشرف، كان قد فرّق الغلال، و أخلى الأهراء منها بالإطلاقات للأمراء و غيرهم، حتى نفد ما فى الأهراء. و قصر النيل بعد ذلك، فاحتاج وزير الدولة إلى مشترى الغلال للمئونة و العليق، فتزايدت الأسعار بسبب ذلك.

و فيها أيضا، قلّ المطر بدمشق و بلاد حوران، و جفّ الماء حتى شق ذلك على المسافرين. فكان المسافر يسقى دابته بدرهم، و يشرب بربع درهم. فلما اشتد ذلك على الناس، أشار قاضى القضاة، بدر الدين محمد بن جماعة، بقراءة صحيح البخارى بدمشق. و تقرر الاجتماع لسماعه بالجامع الأموى، تحت النسر فى سابع‏ (4) صفر. و طلب الشيخ شرف الدين الفزارى لقراءته. فأنزل اللّه تعالى‏

____________

(1) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 21.

(2) الإضافة للتوضيح.

(3) الأهراء السلطانية: الشون التى يرد إليها الغلال و الأنبات الخاصة بالسلطان و منها يصرف ما تحتاجه الإصطبلات الشريفة و المناخات السلطانية.

القلقشندى: صبح الأعشى ج 4، ص 33، المقريزى: المواعظ و الاعتبار ج 1، ص 464.

(4) فى ابن الفرات ج 8، ص 211، تاسع‏

295

الغيث فى تلك الليلة قبل الشروع فى القراءة. ثم قرئ الصحيح، و وقع المطر في آخر يوم من كانون الأول، و استمر يومين و بعض ليلة، فاستبشر الناس بذلك و ترادف نحو جمعه. ثم جاء بعد ذلك ثلج كثير، فى مستهل شهر ربيع الأول.

ثم ارتفع السعر، و بلغ [سعر] (1) القمح، عن كل غرارة مائة درهم، و خمسة و ستين درهما. [و اشتد الغلاء بالحجاز (2)] أيضا فأبيعت غرارة الشعير بالمدينة، بسبعمائة درهم، و غرارة القمح بألف [درهم‏] (3). و أبيعت بمكة، شرفها اللّه تعالى، بألف درهم و مائة درهم. ثم جاء المطر بدمشق فى ثانى جمادى الآخرة.

ذكر حادثة عجيبة بالشام‏

و فى هذه السنة، فى العشر الأول من المحرم، استفاض بدمشق و شاع، و كثر الحديث عن قاضى جبة أعسال‏ (4)، من قرى دمشق، أنه تكلم ثور بقرية من قرى جبة أعسال. و هو أن الثور خرج ليشرب من ماء هناك، و معه صبى فلما فرغ من شربه، حمد اللّه، فتعجب الصبى. و حكى ذلك لمالك الثور، فشك فى قوله. و خرج فى اليوم الثانى بنفسه، فلما شرب الثور، حمد اللّه. و حضر فى اليوم الثالث جماعة، و سمعوه يحمد اللّه، بعد شربه. فكلّمه بعضهم، فقال الثور: إن اللّه كان قد كتب على الأمة سبع سنين جدباء و لكن بشفاعة النبى، (صلى الله عليه و سلم)، أبدلها اللّه بالخصب. و ذكر أن النبى (صلى الله عليه و سلم)،

____________

(1) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 211.

(2) الإضافة من المقريزى: السلوك ج 1، ص 815.

(3) الإضافة للتوضيح.

(4) فى الأصل حبة، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 211، و المقريزى: السلوك ج 1 ص 811. انظر ما يلى.

296

أمره بتبليغ ذلك، و أنه قال له يا رسول اللّه، ما علامة صدقى عندهم. قال:

«إنك تموت عقيب الأخبار».- قال الحاكى لذلك- ثم تقدم الثور إلى مكان مرتفع فسقط ميتا. فأخذ أهل القرية من شعره للتبرك، و كفن و دفن. حكى هذه الحادثة، شمس الدين محمد بن إبراهيم الجزرى فى تاريخه حوادث الزمان‏ (1)، و اللّه علم.

و فيها، فى العشر الأوسط، من شهر ربيع الآخر، قتل بدمشق جماعة بالليل فى الدروب. و معظم من قتل، من حراس الدروب، و استمر ذلك عدة ليال.

و فى كل يوم يوجد قتيل و اثنان. و لم يعدم لأحد شي‏ء (2)، مع ذلك، و لا سرق منزل.

فاحترز متولى المدينة فى ذلك. و بقى يركب طول الليل، فى جماعة كثيرة، و يطوف البلد، و الأمر يتزايد. فلما كان فى العشر الأوسط، من جمادى الأولى، مسك فقير مولّه، فاعترف أنه هو الذى قتل الحراس، فسمر و بقى يومين، ثم خنق فى اليوم الثالث.

ذكر وفود الأويرانية من بلاد التتار

فى هذه السنة، وردت طائفة من التتار، تسمى الأويرانية، و مقدمهم‏

____________

(1) التطابق تام بين النويرى و ابن الفرات ج 8، ص 203. و من إشارة النويرى و ابن الفرات للصدر، تبين أن أحدهما أو كليهما رجع إليه. و هذا المصدر هو تاريخ الجزرى، المعروف «التاريخ المسمى بحوادث الزمان و أنبائه»، و مؤلفه محمد بن إبراهيم بن أبى بكر الجزرى الدمشقى المتوفى سنة 739 ه (1338) م. انظر ابن حجر العسقلانى الدرر الكامنة فى أعيان المائة الثامنة ج 3، ص 301، و الزركلى: الأعلام ج 6، ص 189brockelman :gesch .Ar .Litter .Supp .llP .45 .

(2) فى الأصل شيئا، و ما هنا هو الصواب لغويا.

297

طرغاى، و وصلوا إلى الشام. و كانوا على ما قيل، ثمانية عشر ألف بيت‏ (1).

و كان السبب فى هربهم‏ (2) من بلادهم، أن طرغاى، هذا المذكور، كان متفقا مع بيدو ابن طرغاى على قتل كيختو. فلما صار الملك إلى غازان، خافه طرغاى على نفسه، أن يقتله بعمه كيخنو. و كان مقيما بتمانه‏ (3) [بين بغداد و الموصل‏ (4)].

و كان اشتبغا مقيما بتمانه بديار بكر. فأرسل غازان بولاى و معه تمان‏ (5) إلى ديار بكر، عوضا عن اشتبغا، و أوصاه بحفظ الطرقات على طرغاى، و أن يساعد من يندب لقتله، ثم جهز غازان أميرا يسمى قطغوا فى ثمانين فارسا للقبض على طرغاى و من معه، من أكابر قبيلة أويرات. فاتفق طرغاى، و من معه من الأمراء، و هم ألوص و ككباى‏ (6)، و قتلوا قطغوا و من معه. و غيروا الفرات‏ (7) إلى جهة الشام، فتبعهم بولاى يتمانه، فقاتلوه و هزموه، و قتلوا أكثر من معه.

و لما وردت مطالعات نواب الشام إلى السلطان الملك العادل بوصولهم، اهتم بأمرهم. و كتب إلى [نائب السلطنة بدمشق‏ (8)]، أن يتوجه الأمير علم الدين‏

____________

(1) فى الأصل بينا و ما هنا هو الصواب لغويا.

(2) فى الأصل هزيمتهم، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 204.

(3) فى الأصل بثمانه، و ما هنا هو الصواب، و التمان و التومان فرقة من الجيش، و يرد أيضا برسم طومان، و هو الفرقة التى يبلغ عددها عشرة ألاف مقاتل أنظرQuatremere :op .Cit .Il 2 .p .152 ..

(4) فى الأصل من بغداد، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 204.

(5) فى الأصل تمانا، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(6) فى الأصل ككناى و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 204 انظر ما يلى.

(7) فى الأصل الفراة، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 204.

(8) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 204.

298

سنجر الدوادارى، بجماعة إلى الرحبة لتلقبهم‏ (1). فتوجه من دمشق فى غرة شهر ربيع الأول. ثم توجه بعده، الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، شاد الدواوين بالشام، ليلقاهم أيضا. و جهّز السلطان أيضا، الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى، من الديار المصرية إلى دمشق، بسبب ذلك، فوصل إليها فى ثانى عشرين شهر ربيع الأول. ثم أردفه بالأمير سيف الدين بهادر الحاج الحلبى الحاجب، فأقاما بدمشق، إلى أن وصل أعيان الأويرانية إلى دمشق، صحبة الأمير شمس الدين الأعسر. و كان وصولهم فى يوم الاثنين، ثالث عشرين شهر ربيع الأول، و عدتهم مائة و ثلاثة عشر نفرا، و المقدم عليهم طرغاى، و من أكابرهم الوص و ككباى. فتلقاهم نائب السلطنة و الأمراء، و احتفل بقدومهم‏ (2) احتفالا كبيرا. ثم توجه بهم الأمير شمس الدين قراسنقر، إلى الديار المصرية فى يوم الاثنين سابع عشر ربيع الأول. و توجه بعده الأمير سيف الدين الحاج بهادر الحاجب، على خيل البريد إلى الأبواب السلطانية، فى حادى عشر الشهر. و لما وصلوا إلى باب السلطان بالغ فى إكرامهم، و أحسن إليهم، و خلع عليهم، و أمّرهم بالطبلخاناة. و هم على دين الكفرة، و يأكلون فى شهر رمضان، و لا يذبحون الخيل ذبيحة و لا نحرا، بل يربطون الفرس، و يضربونه على وجهه حتى يموت، فيأكلونه بعد ذلك. و كانوا يجلسون مع الأمراء بباب القلة، فأنفت نفوس الأمراء من ذلك و كرهوه، حتى أوجب ذلك خلع السلطان، على ما نذكره إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) فى الأصل ليلقيهم و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 204.

(2) فى الأصل لقدومهم، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 204.

299

و أما بقية الأويرانية، فإن السلطان كتب إلى الأمير علم الدين سنجر الدوادارى أن يتوجه بهم إلى الساحل فينزلهم به، فتوجه بهم. و لما مرّوا بدمشق، أنزلهم بالمرج، و لم يمكّن أحدا منهم من دخول المدينة. و رسم بإخراج الأسواق إليهم للبيع و الشراء بالمرج، إلى الكسوة و الصنمين‏ (1). و فعل ذلك فى كل منزلة إلى أن وصل بهم إلى أراضى عثليث، و امتدوا (2) فى بلاد الساحل.

و رسم‏ (3) السلطان باقامة الأمير علم الدين [سنجر] (4) الدوادارى معهم، إلى أن يحضر السلطان إلى الشام، و مات منهم خلق كثير. و أخذ الأمراء أولادهم الشباب للخدمة، و كانوا من أجمل الناس، و تزوج الجند و غيرهم من بناتهم. ثم انغمس من بقى منهم فى العساكر، و تفرقوا فى الممالك الإسلامية، و دخلوا فى دين الإسلام.

و بقاياهم فى الخدمة إلى وقتنا هذا (5).

ذكر وفاة قاضى القضاة تقى الدين عبد الرحمن بن بنت الأعز و تفويض القضاء للشيخ ابن دقيق العيد.

و فى هذه السنة، فى يوم الخميس، سادس عشر جمادى الأولى، توفى‏

____________

(1) فى الأصل و الصنفين، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 205 و المقريزى: السلوك ج 1، ص 812.

و الصنمين قرية من أعمال دمشق، فى أوائل حوران، بينما و بين دمشق مرحلتان، ياقوت:

معجم البلدان ج 3، ص 429.

(2) فى الأصل و اشتدوا، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 205.

(3) فى الأصل رسم، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 205.

(4) الإضافة من المقريزى: السلوك ج 1، ص 813.

(5) يطابق ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 205.

300

قاضى القضاة، تقى الدين أبو القاسم عبد الرحمن ابن قاضى القضاة تاج الدين أبى محمد عبد الوهاب بن بنت الأعز، قاضى القضاة الشافعى، بالديار المصرية، و دفن بالقرافة، فى تربة والده، (رحمهما الله). و فى يوم وفاته، توفى كاتبه نور الدين بن السوسى، و كان خصيصا به. و حملت جنازتاهما (1) معا.

و قد قدمنا من ذكر أخبار قاضى القضاة تقى الدين هذا و ولاياته القضاء و الوزارة و نظر الخزائن، ما نستغنى الآن عن إعادته، (رحمه الله تعالى). و لما مات، فوّض السلطان قضاء القضاة بالديار المصرية، لشيخنا (2) الإمام العلامة، تقى الدين بقية المجتهدين أبى الفتح محمد ابن شيخ الإسلام مجد الدين على بن وهب بن مطيع القشيرى، المعروف بابن دقيق العيد. و كانت ولايته فى يوم السبت ثامن عشر الشهر المذكور. و لما ولى القضاء كان كثير التطلع إلى أخبار نوابه بالأعمال‏ (3) البرانية. و كان يذكرهم بكتبه المشتملة على المواعظ و التحذيرات، من عواقب الغفلة و الإهمال. فكان مما كتب به، إلى بعض نوابه، فى سنة سبع و تسعين.

و قيل إنه كتب إلى جميع النواب مثل ذلك. و كان مضمون كتابه الذى نقلت‏ (4) نسخته هذه:

بسم اللّه الرحمن الرحيم، الفقير إلى اللّه تعالى، محمد بن على.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ

____________

(1) فى الأصل جنازتيهما: و ما هنا هو الصواب لغويا.

(2) فى ابن الفرات ج 8، ص 205 الشيخ الإمام.

(3) الأعمال البرانية، المقصود بها الأقاليم الخارجة عن مصر و القاهرة و ضواحيها.

(4) التطابق تام بين ابن الفرات ج 8، ص 206 و النويرى و كلاهما أورد كتاب ابن دقيق العبد.

301

عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ) (1).

هذه المكاتبة إلى، فلان، وفقه اللّه لقبول النصيحة، و أتاه لما يقربه قصدا صالحا، و نية صحيحة. أصدرناها إليه، بعد حمد اللّه الذى‏ (يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَ ما تُخْفِي الصُّدُورُ) (2)، و يمهل حتى يلتبس الإمهال بالإهمال على المغرور، تذكّره بأيام اللّه، (وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) (3). و تحذره‏ (4) صفقة من باع الآخرة بالدنيا، فما أحد سواه مغبون. عسى أن يرشده بهذا التذكار و ينفعه و تأخذ هذه النصائح بحجزته عن النار، فإنى أخاف أن يتردى، فيجز من ولاه، و العياذ باللّه، معه.

و المقتضى لإصدارها ما لمحناه‏ (5) من الغفلة المستحكمة على القلوب، و من تقاعد الهمم عن القيام بما يحب الرب على المربوب، و من أنسهم بهذه الدار و هم يزعجون عنها، و من علمهم بما بين أيديهم من عقبة كئود، و هم لا يتحققون‏ (6) منها، و لا سيما القضاة الذين يحملون عب‏ء (7) الأمانة، على كواهل ضعيفة، و ظهروا بصور كبار، و همم‏ (8) نحيفة. و اللّه إن الأمر العظيم، و إن الخطب لجسيم، و لا

____________

(1) سورة التحريم آية 6.

(2) سورة غافر، آية 19.

(3) سورة الحج، آية 47.

(4) فى الأصل بحذره، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 207.

(5) فى الأصل لمحباه، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 207.

(6) فى ابن الفرات ج 8، ص 207 يتخففون.

(7) فى ابن الفرات ج 8، ص 207 هنا.

(8) فى الأصل و هم، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 207.

302

أرى مع ذلك أمنا و لا قرارا، و لا راحة، اللهم [إلا] (1) رجلا (2) نبذ الآخرة و راءه، و اتخذ إلهه هواه، و قصر همّه و همته على حظ نفسه من دنياه، فغاية مطلبه‏ (3) الحياة و المنزلة فى قلوب الناس و تحسين الزى‏ (4) و الملبس، و الركبة و المجلس، غير مستشعر (5) خيبة حاله، و لا ركاكة مقصده، فهذا لا كلام معه، فإنك لا تسمع الموتى، و ما أنت بمسمع من فى القبور. فاتق اللّه الذى يراك حين تقوم؛ و اقصر أملك عليه، فالمحروم من أمله غير مرحوم. و ما أنا و أنتم أيها النفر، إلا كما قال حبيب العجمى، و قد قال له قائل: ليتنا لم نخلق فقال قد وقعتم فاحتالوا. و إن خفى عليك بعض هذا الخطر، و شغلتك الدنيا، أن تقضى من معرفته الوطر. فتأمل [من‏] (6) كلام النبوة القضاة ثلاثة، و قوله (صلى الله عليه و سلم) لمن خاطبه مشفقا عليه: لا تأمرن على اثنين، و لا تليّن مال اليتيم، و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلى العظيم‏ (7).

و ما أنا و السير فى متلف‏ * * * يبرح بالذّكر الضابط

هيهات جف القلم، و نفذ أمر اللّه، و لا راد لما حكم. و من هناك شمّ الناس فى الصّديق (رضى الله عنه)، رائحة الكبد المشوى. و قال الفاروق: ليت أم عمر

____________

(1) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 207.

(2) فى الأصل أرجل، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(3) فى الأصل مطلب، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 207.

(4) فى الأصل الرأى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 207.

(5) فى ابن الفرات ج 8، ص 307 خمسة.

(6) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 207.

(7) ما حدث من الاضطراب فى ترتيب لوحات المخطوطة الأصلية، أدى إلى بتر الروايات و اضطرابها، و بفضل ابن الفرات ثم تقويم النصوص و العبارات. انظر ما سبق الإشارة إليه ص 225 من هذا الجزء.

303

لم تلده. و استسلم عثمان و قال من أغمد سيفه، فهو حر. و قال علىّ:- و الخزائن بين يديه مملوءة- من يشترى منى سيفى هذا، و لو وجدت ما اشترى به رداء ما بعته. و قطع الخوف نياط قلب عمر بن عبد العزيز، فمات من خشية العرض.

و علق بعض السلف فى بيته سوطا، مؤدب به نفسه إذا فتر. أ فترى ذلك سدى؟

أو وضح إنا نحن المقربون و هم البعداء؟ و هذه أحوال لا توجد فى كتاب السلم و لا الإجارة (1) و لا الجنايات. نعم إنما تنال بالخضوع و الخشوع، و بأن تظمأ و تجوع، و تحمى عينك الهجوع. و مما يعينك على الأمر الذى دعوت إليه، و يزوّدك فى سيرك إلى الغرض‏ (2) عليه، أن تجعل لك وقتا تعمره بالفكر و التدبير، و أناة تجعلها معدة لجلاء قلبك. فإنه [إن‏] (3) استحكم صدأه، صعب تلا فيه‏ (4).

و اعرض عنه من هو أعلم بما فيه، و اجعل أكثر همومك لاستعداد المعاد، و التأهب لجواب الملك الجواد. فإنه يقول‏ (فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ) (5).

____________

(1) فى الأصل الاجادة، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 207، و كتاب السلم و الإجارة من موضوعات الفقه الإسلامى. فالسلم هو بيع شي‏ء غير موجود بالذات، بثمن مقبوض فى الحال، على أن يوجد الشى‏ء و يسلم المشترى فى أجل معلوم.

انظر عبد الرزاق السنبورى: الوسيط فى شرح القانون المدنى، 1960، ج 4، ص 220، أما الاجارة فالمقصود بها ما يؤدى عن كراء الأرض من ثمر أو زرع أو مال متفق عليه.

انظر ابن حجر العسقلانى، كتاب بلوغ المرام من أدلة الأحكام، القاهرة 133 ه. ص 159.

(2) فى الأصل العرض، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 207.

(3) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 207.

(4) فى الأصل يلاقيه، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 207.

(5) سورة الحجر، آية 92، 93.

304

و مهما وجدت من همتك قصورا، و استشعرت من نفسك عما بدا إليها نفورا، فاجار إليه وقف ببابه و اطلب منه، فإنه لا يعرض عمن صدق، و لا تعزب‏ (1) عن علمه‏ (2) خفايا الضمائر، أ لا يعلم من خلق و هذه نصيحتى إليك، و حجتى بين‏ (3) يدى اللّه، إن فرّطت، عليك، اسأل اللّه لى و لك، قلبا واعيا، و لسانا ذاكرا، و نفسا مطمئنة، بمنّه و كرمه.

و فى هذه السنة، عزل القاضى جمال الدين بن الشريشى نفسه من نيابة الحكم بدمشق، عن قاضى القضاة بدر الدين [بن جماعة (4)]، و ذلك فى الجمعة، رابع عشرين شهر رجب. فوقع اختيار قاضى القضاة، بدر الدين [بن جماعة (5)] فى النيابة عنه، على القاضى جمال الدين سليمان بن عمر بن سالم الأذرعى‏ (6)، المعروف بالزرعى قاضى زرع‏ (7). فاحضره منها و استنابه بدمشق، و ذلك فى يوم الاثنين تاسع عشر شوال من السنة.

و فيها، قدمت والدة الملك العادل بدر الدين سلامش ابن السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس من بلاد الأشكرى‏ (8)، إلى دمشق. و كان وصولها

____________

(1) فى الأصل يعزب، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 208.

(2) فى الأصل عمله، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 208.

(3) فى الأصل من، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 208.

(4) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 212.

(5) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 212.

(6) فى الأصل الأدرعى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 212.

(7) زرع، من بلاد حوران و الغور، جنوبى دمشق، و هى وحدة إدارية (عمل) مستقلة.

القلقشندى، صبح الأعشى ج 4، ص 108.

(8) الأشكرى، و هو امبراطور الدولة البزنطية بالقسطنطينية، و كان وقتذاك اندرو نيكوص الثانى باليولوغس 1283- 1334، الذى تقدمت الإشارة اليه.

انظر المقريزى: السلوك ج 1، ص 714 حاشية 7.