نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج31

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
460 /
305

فى حادى عشر رمضان. و نزلت بدار الحديث الظاهرية بدمشق.

و أرسل إليها نائب السلطنة الأمير عز الدين أيبك الحموى الظاهرى، التحف و الهدايا و الألطاف، و خدمها أتم خدمة. ثم توجهت من دمشق إلى القاهرة فى عشية الجمعة، ثامن عشر رمضان.

ذكر توجه السلطان الملك العادل و عزل نائب السلطنة بدمشق الأمير عز الدين الحموى، و تولية الأمير سيف الدين أغرلوا (1) العادلى و غير ذلك‏

و فى هذه السنة، توجه السلطان الملك العادل إلى الشام بجميع العساكر.

و كان استقلال ركابه من قلعة الجبل، فى يوم السبت سابع عشر شوال، بعد الزوال. و وصل إلى دمشق فى الساعة الخامسة من يوم السبت، خامس عشر ذى القعدة، و الأمير بدر الدين بيسرى حامل الجتر (2) على رأسه. و حضر فى خدمته نائب السلطنة، الأمير حسام الدين لاجين، و الصاحب فخر الدين بن الخليلى و نزل‏

____________

(1) هكذا فى الأصل المنسوخ المحقق، و كذا فى ابن الفرات ج 8، ص 214 (أغرلوا)، أما فى المخطوط (اعزلوا)، و فى المنهل الصافى تحقيق د. محمد محمد أمين ج 2، ص 462 (أغزلوا)، و فى زبدة الفكرة فى تاريخ الهجرة تحقيق د. زبيدة محمد عطا ج 9، ص 292 (اعزلو)، و فى السلوك تحقيق د. محمد مصطفى زيادة ج 1، ص 817، و كذا فى الدرو الكامنة ج 1، ص 390 (أعزلو) (المصحح).

(2) الجتر، لفظ فارسى معرب، يقصد به المظلة، و هى قبة من حرير أصفر مزركش بالذهب، على أعلاها طائر من فضة مطلية بالذهب، تحمل على رأس السلطان فى المواكب، و هى من رسوم الملك، و من بقايا الدولة الفاطمية- القلقشندى: صبح الأعشى ج 4، ص 7- 8.

306

الوزير بدار الملك الزاهر. و فى يوم وصوله إلى دمشق، توجه إلى زيارة قبر والده، الشيخ مجد الدين بجبل الصالحية. فلقيه القاضى تقى الدين سليمان الحنبلى، و سلّم عليه، فعرّف به. فأمر أن يركب بغلته الجنيب، فركبها، و حضر معه إلى تربة والده.

فلما فرغ من القراءة، ولّاه الصاحب قضاء القضاة على مذهبه، فقبل. و خلع عليه فى بكرة النهار، و على بقية القضاة. و كان قاضى الحنابلة قبله، القاضى شرف الدين الحسن ابن الشيخ شرف الدين عبد اللّه بن محمد بن قدامة المقدسى قد توفى، و كانت وفاته فى أول ليلة الخميس، الثانى و العشرين من شوال، و دفن ضحى يوم الخميس، (رحمه الله تعالى)(1).

و لما استقر السلطان بدمشق، خلع على الأمراء و المقدمين، و على الصاحب تقى الدين توبة، و الشيخ نجم الدين بن أبى الطيب، و ولّاه وكالة بيت المال، و على شهاب الدين الحنفى.

ثم شرع الصاحب فخر الدين فى مصادرات الولاة و المباشرين. و رسّم على الأمير شمس الدين الأعسر شاد الدواوين [بدمشق‏ (2)]، و على الأمير سيف الدين استدمر كرجى‏ (3) والى البر، و عزله عن ولاية البر. و ولّى الأمير علاء الدين ابن الجاكى عوضه، و طلب منهما الأموال، و رسّم على سائر المباشرين، و طلب من كل منهم جامكية سنة. و استخرج من شهاب الدين بن السلعوس ثمانين ألف درهم، و كان الأمير شمس الدين سنقر الأعسر باقيا على ولايته، و هو الذى تولّى‏

____________

(1) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 213.

(2) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 213.

(3) فى الأصل كجى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 213.

307

المستخرج من المصادرين، استدمر و غيره. و هو مع ذلك يحمل ما تقرر عليه من الأموال‏ (1).

و فى يوم الاثنين رابع عشر ذى القعدة، وصل الملك المظفر صاحب حماه إلى خدمة السلطان بدمشق، فتلقاه السلطان و أكرمه. ثم جرد السلطان جماعة من العسكر المصرى، و عسكر دمشق إلى جهة حلب‏ (2).

و فى يوم الجمعة، ثامن عشرين ذى القعدة، حضر السلطان إلى جامع بنى أمية و صلى به الجمعة. و خلع على الخطيب قاضى القضاة بدر الدين [بن جمامة (3)]، و زار مصحف عثمان.

و فى يوم الاثنين مستهل ذى الحجة، حضر الأمير عز الدين الحموى الظاهرى، نائب السلطنة بدمشق، إلى خدمة السلطان. فأنكر عليه سوء اعتماده، و طمع نفسه، و ما بلغه عنه من بسط يده فى أخذ المصانعات‏ (4). و أخذ السلطان خيوله المسوّمة و أمواله و أقمشته، ثم عزله عن النيابة، و فوضها لمملوكه الأمير سيف الدين أغرلوا العادلى، و باشر النيابة من يومه. ثم خلع بعد ذلك على الأمير عز الدين الحموى، و أنعم عليه بإقطاع أغرلوا بالديار المصرية. و انتقل الحموى عند عزله من دار السعادة، و نزل بداره المعروفة بالجيشى التى بالقصاعين.

____________

(1) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 213.

(2) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 213.

(3) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 213.

(4) المصانعات: المقصود بها هنا أموال الرشوة و المداراة. ففى محيط المحيط صانعه رشاه و داراه و داهنه. و فى‏Dozy :supp .Dict .Ar . أمثلة عديدة الدلالة على ما يؤديه الشخص من الأموال، حتى لا يتعرض للأذى و الضرر.

308

و فيها، فى ثامن ذى الحجة، فوض السلطان وزارة الشام، لوكيله شهاب الدين الحنفى، عوضا عن تقى الدين توبة، و كان قبل ذلك يلى الحسبة بدمشق. و خلع عليه خلعة الوزارة فى يوم عيد الأضحى. ثم توجه السلطان فى ثامن [عشر] (1) ذى الحجة، إلى جهة حمص، و تصيّد فى تلك الجهة. و دخل حمص فى تاسع عشر ذى الحجة، و حضر إليه نائب السلطنة بحلب، و بقية النواب. و انسلخت السنة، و السلطان بمخيمه على جوسيه‏ (2)، و هى قرية من قرى حمص، كان قد اشتراها.

و فى هذه السنة، توفى الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحى، أمير جاندار.

و كانت وفاته بمصر، فى يوم الأربعاء، السادس و العشرين من صفر سنة خمس و تسعين و ستمائة. و دفن بتربته بالرصد و كان (رحمه الله تعالى)، كثير الخير و الإحسان إلى خلق اللّه تعالى. و عمّر المدارس و المساجد و الجوامع، و له بإسنا من عمل قوص، مدرسة موقوفة على طائفة الشافعية. و بقوص مدرسة على ساحل البحر كذلك، و بجوار المدرسة مسجد له، يجتمع فيه الفقراء الأعجام القرندلية (3) فى شهر رمضان من كل سنة، و يذبح لهم فى كل يوم رأس غنم،

____________

(1) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 214، و فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 817، ثانى عشر.

(2) كذا جرى ضبطها فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 817.

(3) القرقدلية، أو القلندرية، طائفة تنتمى إلى الصوفية، نشأت بإيران، و أمتد أثرها إلى الشام و مصر منذ زمن الأيوبيين، فكان أربابها من الأعاجم، على أنهم لم يتقيدوا بآداب المجالسات، و لم يحفلوا بالصوم و الصلاة، و استلزموا ألا يدخروا شيئا و لم يتقشفوا و لا زهدوا و لا تعبدوا. و زعموا أنهم قنعوا بطيب قلوبهم مع اللّه تعالى، و لم يتطاءوا إلى طلب مزيد، و يعتبرون طيب القلب رأس مالهم، أنظر المقريزى: المواعظ و الاعتبار ج 2، ص 432- 433.

309

و ما يحتاجون إليه من التوابل‏ (1) و الخبز. و له بمصر مدرسة، و بكرسى الجسر جامع، و بالرصد جامع، و غير ذلك من الأماكن الشريفة المبرورة. و وقف عليها الأوقاف المبرورة الوافرة، (رحمه الله تعالى).

و توفى أيضا بالديار المصرية جماعة من الأمراء، منهم الأمير بدر الدين بيليك الحسنى أبو شامة، و هو الذى كان يندب إلى الكشف بالوجه القبلى بالديار المصرية، فى الدولة المنصورية، و ما بعدها، (رحمه الله تعالى)(2).

____________

(1) فى الأصل التابل، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 215.

(2) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 216.

310

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

311

و استهلت سنة ست و تسعين و ستمائة [696- 1296/ 1297]

و السلطان الملك العادل بمخيمه على جوسيه. ثم رحل منها و عاد إلى دمشق، فدخلها فى يوم الأربعاء ثانى المحرم. و فى يوم الجمعة، حضر السلطان إلى الجامع، و صلى بالمقصورة، و أخذ من الناس قصصهم. و رأى شخصا بيده قصة، فتقدم إليه بنفسه خطوات، و أخذ القصة منه‏ (1).

و فيها، أمّر السلطان الملك العادل، الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك السعيد ابن الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ابن الملك العادل سيف الدين بن أبى بكر محمد بن أيوب، و جعله من أمراء الطبلخاناه بدمشق، و ذلك فى يوم الخميس سابع عشر المحرم.

و فيها، فى يوم الاثنين، حادى عشرين المحرم، قبض على الأمير سيف الدين استدمر كرجى‏ (2)، و اعتقل بالقلعة، و عزل الأمير سيف الدين سنقر الأعسر، عن وظيفة الشد، و ولى عوضه الأمير فتح الدين بن صبره.

ذكر عود السلطان الملك العادل إلى الديار المصرية و خلعه من السلطنة و رجوعه إلى دمشق‏

و فى بكرة نهار الثلاثاء، الثانى و العشرين من المحرم، توجه السلطان بعساكره‏

____________

(1) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 220، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 818.

(2) فى الأصل كجى، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 818 انظر ما سبق ص 306 حاشية 3.

312

نحو الديار المصرية، و قد أجمع أكابر الأمراء على خلعه. فلما انتهوا إلى منزلة (1) العوجا، جلس السلطان فى الدهليز، و حضر الأمراء إلى الخدمة، و طلب الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى طلبا مزعجا. و كان قد توجه إلى الزيارة، فلما حضر، لم يقم له على عادته. و يقال إنه كلمة بكلام غليظ، و نسبه إلى أنه كاتب التنار، و حصل بينهما مفاوضة، ثم نهض السلطان من المجلس.

و قام الأمراء، و اجتمعوا فى خيمة الأمير حسام الدين لاجين، نائب السلطنة، و تكلموا فيما وقع. فسأل الأمير بدر الدين بيسرى، الأمير حسام الدين عن موجب إغلاظ السلطان له. فقال: إن مماليكه قد كتبوا عنك كتبا إلى التتار، و أحضروها إليه، و نسبوك إلى أنك كتبتها، و نيته إذا وصل إلى قلعة الجبل، أن يقبض على و عليك، و على أكابر الأمراء، و يقدم مماليكه. فأجمعوا عند ذلك على‏ (2) خلعه.

و ركب الأمير حسام الدين لاجين، و الأمير بدر الدين بيسرى، و الأمير شمس الدين قراسنقر، و الأمير سيف الدين قبجاق، و الأمير سيف الدين الحاج بهادر الحلبى الحاجب و من انضم إليهم. و استصحبوا معهم حمل نقّارات‏ (3)، و ساقوا إلى باب الدهليز. و حركت النقارات حربيا، و ذلك فى يوم الاثنين الثامن و العشرين من المحرم، سنة ست و تسعين و ستمائة. فلما مروا بخيمة بكتوت الأزرق العادلى‏

____________

(1) فى الأصل مجلس، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 221، و يشير المقريزى: السلوك ج 1، ص 819 إلى أن هذا الموضع قريب من الرملة.

(2) فى الأصل إلى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 221.

(3) كانت النقارات، و واحدتها نقارة، من الآلات الملكية المختصة بالمواكب العظيمة بمصر، منذ أيام الفاطميين. و كانت تحمل على عشرين بغلا، على كل بغل ثلاث. (القلقشندى: صبح الأعشى ج 3، ص 475). و كانت النقارات تحمل فى ركاب السلاطين إلى الحرب، فستخدم فى إصدار الأوامر، و فى الإيذان بيده القتال، كما هو واضح بالمتن.

313

قتلوه. و ركب بتخاص‏ (1) العادلى، و توجه إلى باب الدهليز فقتلوه أيضا. و لما شاهد الملك العادل ذلك، خرج من ظهر الدهليز، و ركب فرس النوبة، و عبر على القنطرة التى على ماء العوجاء، و ساق ركضا، و أدركه خمسة أو ستة من مماليكه.

و استقر به السير إلى دمشق. و دخل قلعتها، فكان من أمره ما نذكره إن شاء اللّه تعالى‏ (2).

ذكر سلطنة السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصورى و هو السلطان الحادى عشر من ملوك الترك، بالديار المصرية.

و هو من مماليك السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون. اشتراه فى زمن إمرته‏ (3) مرتين. و كان من مماليك الملك المنصور نور الدين على ابن الملك المعز [أيبك‏ (4)]، فلما سفّر إلى بلاد الأشكرى، تأخر بالقاهرة، فاشتراه السلطان الملك المنصور، فى أيام إمرته بسبعمائة و خمسين درهما. ثم تبيّن له بعد ذلك أنه من مماليك الملك المنصور ابن الملك المعز، و قيل له إنه غائب و لا يصح بيعه إلا من حاكم [شرعى‏] (5)، فاشتراه ثانيا من قاضى القضاة، تاج الدين بن بنت الأعز،

____________

(1) فى الأصل ينجاص، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 221، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 820.

(2) هذه الرواية تطابق ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 221، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 819- 820.

(3) فى الأصل امرأته، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 222.

(4) الإضافة من المقريزى: السلوك ج 1، ص 820.

(5) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 222.

314

بما يزيد عن ألف درهم. و باعه على الغائب، بالغبطة له. و قد شاهدت أنا عهديته‏ (1) فى جملة عهد المماليك المنصورية السيفية، و شدّ عنى تحقيق الثمن الثانى، إلا أنه يزيد على ألف درهم. و لعل ذلك ألف و خمسون درهما. و كان يوم ذاك يدعى شقير. كذا رأيت عهديته (لاجين المدعو شفير)، و كان فى البيت المنصورى يعرف بلاجين الصغير. و تأمر و ناب عن السلطنة بدمشق، و هو لا يعرف بين الناس إلا بلاجين الصغير (2). و سألت بعض أكابر الأمراء من المماليك المنصورية، الذين كانوا فى خدمة السلطان، فى زمن إمرته، عن لاجين الكبير، الذى ميّز هذا بالصغير بسببه، فما عرفوه. و لعل هذه الشهرة وقعت عليه وقوع اللقب، و اللّه أعلم.

و تنقل لاجين هذا فى خدمة السلطان الملك المنصور، من وظيفة الأوشاقية إلى السلاح دارية. و لما قبض عليه السلطان الملك الأشرف، بعد عزله من نيابة الشام، ثم أفرج عنه و جعله سلاح دارا كما كان، فى خدمة أبيه السلطان الملك المنصور، قبل أن يستنيبه بدمشق. و قد تقدم من أخباره و تنقلاته، ما نستغنى الآن عن إعادته‏ (3).

ملك بمنزلة العوجاء من بلاد الساحل. و ذلك أنه لما هرب الملك العادل كتبغا من الدهليز، و توجه إلى نحو دمشق، فى الثامن و العشرين من المحرم، سنة ست و تسعين و ستمائة، اجتمع الأمراء و تشاوروا فمن ينصب فى السلطنة.

____________

(1) فى ابن الفرات ج 8، ص 222، عهدتيه.

(2) فى الأصل بذلك، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 222، المقريزى: السلوك ج 1، ص 821.

(3) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 223.

315

فاتفقوا على إقامته فى السلطنة، و تلقب بالملك المنصور. و شرط الأمراء عليه شروطا فقبلها و التزمها. منها أن يكون معهم كأحدهم، و أن لا ينفرد برأى دونهم، و أن لا يبسط أيدى مماليكه فيهم، و لا يقدمهم عليهم، و حلّفوه على ذلك، فحلف عليه. فقال له الأمير سيف الدين قبجاق المنصورى:- و كان من جملة الأمراء المشار إليهم- نخشى أنك إذا جلست فى المنصب، تنسى هذا الذى تقرر بيننا و بينك، و تقدم مماليك، و تخوّل‏ (1) منكوتمر. فكرر الحلف أنه لا يفعل [ذلك‏] (2)، و لا يخرج عمّا التزمه. فعند ذلك، حلفوا له و ركب بشعار السلطنة، و توجه بالعساكر نحو الديار المصرية.

و لما وصل إلى غزة، حمل الأمير بدر الدين بيسرى الجتر على رأسه.

ثم رحل منها، و كان وصوله إلى قلعة الجبل، و جلوسه على تخت السلطنة، فى يوم الجمعة عاشر صفر، سنة ست و تسعين و ستمائة. ثم ركب بشعار السلطنة، و شقّ المدينة فى يوم الخميس سادس عشر صفر (3).

و رتب فى نيابة السلطنة [بالديار المصرية (4)] مقر ملكه، الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى، و جعل الأمير سيف الدين سلار أستاذ الدار، و الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار أمير جاندار، و الأمير سيف الدين الحاج بهادر الحلبى حاجبا. و استمر الصاحب فخر الدين بن الخليلى فى الوزارة برهة،

____________

(1) فى الأصل و تحوّل، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 223.

(2) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 223.

(3) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 224.

(4) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 224.

316

ثم عزله على ما نذكره إن شاء اللّه. و فوض نيابة السلطنة بالشام إلى الأمير سيف الدين قبجاق المنصورى.

هذا ما كان بالديار المصرية، فلنذكر أخبار الملك العادل [كتبغا (1)]

ذكر أخبار الملك العادل و ما اعتمده بدمشق‏ (2) و ما كان من أمره إلى أن انتقل إلى صرخد

لما فارق الملك العادل الدهليز و الأمراء، توجه إلى دمشق. و قدم قبله أحد مماليكه ليعلم مملوكه الأمير سيف الدين أغرلوا نائب السلطنة بدمشق ما تجدد، و يخبره بوصول السلطان. فوصل [أمير شكار (3)] فى بكرة نهار الأربعاء، سلخ المحرم. فجمع [نائب السلطنة بدمشق‏ (4)] الأمراء، و ركب جماعة من العسكر، و أمرهم بالوقوف خارج باب النصر.

ثم وصل الملك العادل إلى دمشق، فى وقت العصر من اليوم المذكور، و معه أربعة أو خمسة من مماليكه. و دخل إلى القلعة، و استقر بها، و حضر إلى خدمته الأمراء، و خلع على جماعة. و أمر بإيقاع الحوطة على حواصل الأمير حسام الدين لاجين و نوابه‏ (5). ثم وصل الأمير زين الدين غلبك العادلى‏ (6) فى‏

____________

(1) الإضافة للتوضيح.

(2) يقابل العنوان الوارد فى ابن الفرات ج 8، ص 224.

(3) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 224.

(4) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 224.

(5) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 225.

(6) فى الأصل العادل، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 225.

317

يوم الخميس، مستهل صفر، بجماعة يسيرة من المماليك العادلية. و جلس شهاب الدين الحنفى وزير الملك العادل فى الوزارة بالقلعة. و رتب أحوال السلطنة.

و أمرّ العادل جماعة من دمشق، و وضع بعض‏ (1) المكوس، و قرئ بذلك توقيع فى يوم الجمعة سادس عشر صفر.

و فى يوم السبت رابع عشرين الشهر، وصل الأمير سيف الدين كجكن و جماعة من الأمراء، كانوا معه بالرحبة مجردين، فلم يدخلوا دمشق، و توجهوا إلى جهة ميدان الحصا. و أعلن باسم السلطان الملك المنصور [حسام الدين لاجين‏ (2)]، و خرج إليه الأمراء بدمشق، طائفة بعد طائفة. فلما علم الملك العادل بذلك، و تحقق انحلال أمره، و تخاذل الناس عنه، و ثبات قدم الملك المنصور فى السلطنة، و انضمام الناس إليه، أذعن إلى الطاعة، و الدخول فيما دخل الناس فيه. و قال للأمراء: السلطان الملك المنصور، هو خوشداشى، و أنا فى خدمته و طاعته، و أنا أكون فى بعض القاعات بالقلعة إلى أن يكاتب السلطان، و يرد جوابه بما يقتضيه رأيه فى أمرى. فعند ذلك اجتمع الأمراء بباب الميدان، و حلفوا بأجمعهم للسلطان الملك المنصور، و كتبوا إليه بذلك.

و توجه البريد إليه بالخبر، و دخل الأمير سيف الدين جاغان إلى القلعة و رتب من يحفظ الملك العادل بها، إلى أن يرد جواب السلطان [المنصور (3)] فى أمره، و غلقت أبواب دمشق، فى يوم السبت خلا باب النصر. و ركب عسكر دمشق بالسلاح، و أحاطوا بالقلعة حفظا لها، و خوفا أن يخرج الملك العادل منها،

____________

(1) فى الأصل بين، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 225.

(2) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 226.

(3) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 226.

318

و يقصد جهة أخرى قبل ورود جواب السلطان فى أمره‏ (1). ثم دقت البشائر فى وقت العصر من يوم السبت المذكور، و أعلن باسم السلطان الملك المنصور.

و قرأ المؤذنون فى ليلة الأحد الخامس و العشرين من الشهر بالمأذن‏ (قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ) (2) إلى آخر الآية. و دعوا للملك المنصور، و دعا له قارئ المصحف، بعد صلاة الصبح و ضربت البشائر على أبواب الأمراء، و أظهروا الفرح و السرور بسلطنته، و فتحت أبواب البلد و زينت، و فتح‏ (3) الناس حوانيتهم.

و فى يوم الأحد المذكور، اجتمع القضاة بدار السعادة، و حضر الأمراء و العساكر، و حلفوا للملك المنصور. و تولى التحليف القاضى شمس الدين بن غانم، بحضور الأمير سيف الدين أغرلوا، نائب السلطنة، و حلف هو أيضا، و أظهر السرور بسلطنة الملك المنصور. و قال: السلطان، أعز اللّه تعالى نصره، هو الذى عيننى لنيابة السلطنة، و أستاذى كان قد استصغرنى، فأشاد هو بى، فأنا نائب السلطان الملك المنصور. ثم توجه هو و الأمير سيف الدين جاغان إلى الأبواب السلطانية (4).

و خطب للملك المنصور حسام الدين لاجين، بجوامع دمشق، فى يوم الجمعة، مستهل شهر ربيع الأول، سنة ست و تسعين و ستمائة. و كان الأمير شمس الذى سنقر الأعسر، قد حضر من جهة السلطان الملك المنصور إلى ظاهر

____________

(1) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 226.

(2) سورة آل عمران، آية 226.

(3) فى الأصل و فتحوا، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 227.

(4) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 327.

319

دمشق، فى ليلة الأحد رابع صفر. و أرسل إلى الأمراء كتبا كانت معه، و حلف جماعة منهم. و توجه إلى قارا (1) فى ليلته، و كان بها جماعة من الأمراء المجردين، فاجتمع بهم، و قرّر الأمر معهم، و كتب إلى السلطان بذلك. ثم رجع و أقام بلد بجماعته، حفظا للبلاد بتلك الجهة (2). فلما بلغه‏ (3) استقرار الأمور بدمشق، توجه إليها، و دخلها فى يوم الخميس، سابع عشرين صفر. فتلقاه الناس، و اشتعلت الشموع لمقدمه نهارا، و حضر الأكابر و الأعيان إلى خدمته. و نودى بدمشق، من له مظلمة، فليحضر إلى دار الأمير شمس الدين [سنقر الأعسر (4)].

ثم وصل الأمير حسام الدين أستاذ الدار إلى دمشق، بجماعة من العسكر.

و جمع الأمراء بدار السعادة، بحضور القضاة. و قرئ عليهم كتاب السلطان، يتضمن استقراره فى الملك، و جلوسه على تخت السلطنة، بقلعة الجبل، و اجتماع الكلمة عليه، و ركوبه بالخلع الخليفية، و التقليد من أمير المؤمنين، الحاكم بأمر اللّه، أبى العباس أحمد (5).

ثم وصل الأمير سيف الدين جاغان الحسامى، من الأبواب السلطانية، فى عشية يوم الاثنين، حادى عشر شهر ربيع الأول. و دخل فى بكرة نهار الثلاثاء،

____________

(1) قارا، و هى قرية جنوبى حمص، على مسافة ستة و ثلاثين ميلا منها، و تقع على الطريق بين حمص و دمشق (ياقوت: معجم البلدان).

(2) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 226 و الملحوظ ما كان من اختلاف بين النويرى و ابن الفرات فى ترتيب الأحداث.

(3) فى الأصل بلغته، و ما هنا هو الصواب، و يتفق مع ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 227، الذى أورد الخبر فى موضعين.

(4) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 227.

(5) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 227.

320

إلى قلعة دمشق، هو و الأمير حسام الدين أستاذ الدار، و الأمير سيف الدين كجكن، و قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة، و اجتمعوا بالملك العادل. فحلف للسلطان الملك المنصور يمينا مستوفاة مغلظة، أنه فى طاعة السلطان الملك المنصور و موافقته، و إخلاص النية له، و أنه رضى بالمكان الذى عينه له، و هو قلعة صرخد، و أنه لا يكاتب و لا يستفسد أحدا، إلى غير ذلك، مما اشترط عليه. ثم وصل الأمير سيف الدين قبجاق المنصورى، نائب السلطنة بالشام، إلى دمشق فى يوم السبت سادس عشر شهر ربيع الأول، و نزل بدار السعادة، على عادة النواب‏ (1).

و خرج الملك العادل، من قلعة دمشق، و توجه إلى صرخد، فى ليلة الثلاثاء تاسع عشر، شهر ربيع الأول. و توجه معه مماليكه، و جرد معه جماعة من العسكر الشامى، إلى أن وصل إلى قلعة صرخد.

فكانت مدة سلطنة الملك العادل، منذ جلس على تخت السلطنة، بقلعة الجبل، فى يوم الأربعاء حادى عشر المحرم سنة أربع و تسعين و ستمائة، و إلى أن فارق الدهليز بمنزلة العوجا، و توجه إلى دمشق، فى يوم الاثنين الثامن و العشرين من المحرم، سنة ست و تسعين و ستمائة، سنتين و سبعة عشر يوما، و إلى أن خلع نفسه من السلطنة بدمشق، فى يوم السبت رابع عشرين صفر، شهرا واحدا، و أحد عشر يوما (2).

و لما وصل الأمير سيف الدين جاغان إلى دمشق، أحضر على يديه توقيعا

____________

(1) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 228، و المقريزى: السلوك ج 1، 825- 826.

(2) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 229.

321

للصاحب تقى الدين توبة، بوزارة دمشق على عادته، و توقيعا للقاضى أمين الدين بن حلال، بنظر الخزانة، عوضا عن تقى الدين توبة، و توقيعا للشيخ أمين الدين العجمى بنظر الحسبة بدمشق. فباشر كل منهم ما فوض إليه. ثم خلع على الأمراء و المقدمين، و القضاة، و أعيان الدولة بدمشق، فى يوم الاثنين ثانى شهر ربيع الآخر. فيقال إن عدة التشاريف التى فرقت ستمائة تشريف‏ (1).

ذكر الإفراج عن جماعة من الأمراء

و فى هذه السنة، أفرج السلطان الملك المنصور عن جماعة من الأمراء المعتقلين، و هم الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، و الأمير سيف الدين برلغى الأشرفى، و الأمير شمس الدين الركن السلاح دار، و غيرهم من المماليك السلطانية. و أعطى الأمير ركن الدين بيبرس [الجاشنكير (2)] إمرة بالديار المصرية، و الأمير سيف الدين برلغى إقطاعا بدمشق، فتوجه إليها.

و فيها، أمّر السلطان الملك المنصور جماعة من مماليكه، و هم الأمير سيف الدين منكوتمر، و الأمير علاء الدين ايدغدى شقير، و الأمير سيف الدين بيدوا (3)، و الأمير سيف الدين جاغان، و الأمير سيف الدين بهادر المعزى.

ذكر تجديد عمارة الجامع الطولونى و ترتيب الدروس به، و الوقف على ذلك‏

و فى هذه السنة، أمر السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين بتجديد

____________

(1) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 229 و المقريزى: السلوك ج 1، ص 826.

(2) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 229.

(3) فى الأصل بيدرا، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 229، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 826- 827.

322

عمارة الجامع الطولونى. و ندب لذلك الأمير علم الدين سنجر الدوادارى. و أقر لعمارته من خالص ماله، عشرين ألف دينار عينا. فاهتم الأمير علم الدين، المشار إليه، بعمارته و عمارة أوقافه. و ابتاع السلطان من بيت المال منية أندونة (1)، من الأعمال الجيزية، و وقفها على المدرسين و المشتغلين و أرباب الوظائف بالجامع.

و رتب فيه درسا لتفسير كتاب اللّه العزيز، و درسا لحديث رسول اللّه، (صلى الله عليه و سلم)، و دروسا للفقه على المذاهب الأربعة. و جعل لهذه الدروس مدرسا لكل طائفة، و معيدين و طلبة. و رتب دروسا للطب‏ (2)، و ميعادا (3) للرقائق‏ (4)، و شيخا للسبحة، و مكتب سبيل، و غير ذلك من أنواع البر. و رتب لهم الجامكيات المتوفرة، و استمر ذلك إلى الآن‏ (5).

و فى هذه السنة، نقل السلطان، الخليفة الحاكم بأمر اللّه أبا العباس‏ (6) أحمد

____________

(1) كذا فى ابن مماتى: قوانين الدواوين ص 190، عرفت بهذا الاسم نسبة إلى أندونة كاتب أحمد المدائنى، زمن أحمد بن طولون بمصر، و هى بمحافظة الجيزة الحالية، المقريزى: المواعظ و الاعتبار ج 10، ص 28، مبارك: الخطط التوفيقية. ج 16، ص 59.

(2) فى الأصل الطلب، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 229.

(3) الميعاد، و هو درس دينى للوعظ و الإرشاد، و الحث على التقوى. المقريزى: السلوك ج 1، ص 827 حاشية 3.

(4) فى الأصل الرقائق، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 229.

و الرقائق، و المفرد رقيقة، لفظ اصطلاحى يطلق فى كتب الحديث على باب خاص من أبواب الحديث النبوى. و سميت أحاديث ذلك الباب بهذا الاسم، لأن فيها من الوعظ و الرحمة و التنبيه، ما يجعل القلب رقيقا رحيما. انظر المقريزى: السلوك ج 1، ص 557. حاشية 1.

(5) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 229، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 827.

(6) فى الأصل أبى العباس، و ما هنا هو الصواب لغويا.

323

العباس أمير المؤمنين، من البرج الذى كان يسكنه بقلعة الجبل إلى مناظر الكبش. و أجرى عليه و على أولاده الأرزاق الواسعة، و وصله بالصلات الجزيلة، و صار يركب معه فى الموكب. و التمس الخليفة من السلطان الإذن فى الحج، فأذن له فى سنة سبع و تسعين و ستمائة، و جهزه بما يحتاج إليه‏ (1).

ذكر تفويض القضاء بالديار المصرية و الشام لمن يذكر

. و فى هذه السنة، حضر إلى الأبواب السلطانية جماعة من قضاة القضاة و الأعيان بدمشق، منهم قاضى القضاة حسام الدين الحنفى الرومى، و قاضى القضاة جمال الدين المالكى، و القاضى إمام الدين القزوينى، و الرئيس عز الدين حمزة بن القلانسى و غيرهم. فلما وصلوا، أكرمهم السلطان، و أحسن إليهم، و خلع عليهم. و فوض إلى قاضى القضاة حسام الدين الحنفى قضاء القضاة بالديار المصرية، و عامله بما لم يعامل به أحدا من الإكرام، و التقريب و البر و التشاريف.

و أقر ولده القاضى جلال الدين على قضاء الشام. و فوض إلى القاضى إمام الدين القزوينى الشافعى، قضاء القضاة بدمشق على مذهب الإمام الشافعى. و كتب تقليده فى رابع جمادى الأولى، عوضا عن قاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة.

و استقر بيد القاضى بدر الدين الخطابة بالجامع الأموى بدمشق، و تدريس المدرسة القيمرية، و أعيد القاضى جمال الدين الزواوى المالكى إلى دمشق على عادته، و خلع عليهما، فكان وصولهما إلى دمشق فى ثامن شهر رجب. و جلس القاضى إمام الدين للحكم بالمدرسة العادلية، و امتدحه الشعراء. فكان ممن امتدحه الشيخ كمال الدين بن الزملكانى بقصيدته التى أولها:

____________

(1) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 230، و المقريزى السلوك ج 1، ص 828.

324

تبدّلت الأيام من عسرها يسرا * * * فأضحت ثغور الشام تفتر بالبشرى‏ (1)

و أما الرئيس عز الدين حمزة بن القلانسى، فإنه تأخر بالديار المصرية مدة، ثم عاد إلى دمشق، فوصلها فى الخامس و العشرين من شهر رمضان. و قد خلع عليه خلع الوزراء، تشريفا كاملا بطرحة و منديل هنكرى‏ (2) مزركش، و خلع على ولديه. و استعاد [له‏] (3) من ورثة السلطان الملك المنصور، ما كان قد صودر به، و أخذ منه فى‏ (4) الأيام المنصورية. و أثبت ذلك فى وجه وكيل الورثة المنصورية، و تعويض عنها أملاكا، من الأملاك المنصورية. فذكر أن قيمتها أضعاف ما أخذ منه، منها حصة بقرية الرمثا (5) و غير ذلك.

و فيها، ولى الأمير سيف الدين جاغان الحسامى شد الشام، و باشر ذلك فى يوم الاثنين العشرين من شهر رجب، عوضا عن الأمير فتح الدين بن صبره‏ (6).

ذكر تفويض الوزارة بالديار المصرية للأمير شمس الدين سنقر الأعسر.

و فى هذه السنة، تقدم أمر السلطان بطلب الأمير شمس الدين سنقر الأعسر المنصورى، من دمشق، على خيل البريد. فركب منها فى سابع عشر جمادى الآخرة. و وصل إلى الأبواب السلطانية فى الشهر المذكور، فأكرمه السلطان‏

____________

(1) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 231.

(2) فى الأصل هفكرى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 231.

(3) الإضافة من ابن الفرات ج 8، ص 231.

(4) فى الأصل باقى، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 231.

(5) فى الأصل الزمنا، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 231.

(6) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 231.

325

و أحسن إليه، و شرّفه و أمّره بالديار المصرية. ثم فوض إليه الوزارة، و تدبير الدولة، بالديار المصرية و الممالك الشامية (1).

و كان جلوسه فى دست الوزارة، فى السادس و العشرين، من شهر رجب.

و عزل الصاحب فخر الدين بن الخليلى، و سلّم إليه، ليستخرج منه‏ (2) مالا. و استمر فى الوزارة إلى يوم السبت ثالث عشرين ذى الحجة، فقبض عليه لأمور أنكرها السلطان، و ظهرت له منه.

ذكر القبض على الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى نائب السلطنة، و تفويض نيابة السلطنة للأمير سيف الدين منكوتمر.

و فى هذه السنة، فى يوم الثلاثاء منتصف ذى القعدة، قبض السلطان على نائبه و خوشداشه، الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى و اعتقله. و أمر بإيقاع الحوطة على موجوده و حواصله، بالديار المصرية و البلاد الشامية. و فوّض السلطان، بعد القبض عليه، نيابة السلطنة بمقر ملكه، لمملوكه الأمير سيف الدين منكوتمر الحسامى‏ (3).

و فى هذه السنة، بعد القبض على الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى، ركب السلطان الملك المنصور إلى الميدان، للعب بالكرة، فتقنطر به فرسه، فسقط إلى الأرض، و انكسر أحد جانبى يديه و بعض أضلاعه. و وجد شدّة

____________

(1) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 232.

(2) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 231- 232 و المقريزى: السلوك ج 1، ص 839.

(3) يقابل ما ورد فى ابن الفرات ج 8، ص 232، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 829.

326

عظيمة لذلك. و احتاج الجبرون إلى كسر عظم الجانب الآخر من يده، لأجل صحة الجبر، فإنه لا (1) يجبر أحد الجانبين، و إن انجبر قصر عن الجانب الآخر، فتعذّر (2) الانتفاع باليد، و اضطرّ إلى ذلك، و توقف عن الإجابة إليه. فدخل عليه الأمير شمس الدين سنقر الأعسر- و كان ذلك قبل القبض عليه- و قال له:

أنا حصل لى مثل هذا، فلما احتجت إلى كسر النصف الآخر، ضربته بدقماق حديد (3)، فانكسر ثم جبر. و كلّمه فى ذلك بكلام فيه غلظ و استخفاف. و لم يسلك ما جرت العادة به من الآداب الملوكية. فكان هذا من أسباب القبض عليه كما تقدم.

و استمر السلطان على الانقطاع لهذه الحادثة، إلى أن كملت صحته، و صح ما جبر من يده و جسده. ثم ركب فى حادى عشر صفر، سنة سبع و تسعين و ستمائة فاستبشر الناس بذلك، و دقّت له البشائر بمصر و الشام.

و فى سنة ست و تسعين و ستمائة، فى الحادى و العشرين من شهر ربيع الأول كانت وفاة الشيخ الإمام، السيد الشريف ضياء الدين مفتى المسلمين، أبى الفضل جعفر ابن الشيخ العارف القطب اتفاقا، عبد الرحيم بن أحمد بن مجنون الحسينى الشافعى، (رحمه الله). و كان قد ولى وكالة بيت المال، فى أول الدولة المنصورية، مدة لطيفة، ثم عزل نفسه.

____________

(1) فى الأصل لا يتجبر، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 232.

(2) فى ابن الفرات ج 8، ص 232 فيتعذر.

(3) فى الأصل جديد، و ما هنا من ابن الفرات ج 8، ص 232 و المقريزى: السلوك ج 1، ص 830.

327

و فيها، فى ليلة الثلاثاء، سادس عشرين ربيع الأول، توفى الشيخ الإمام الحافظ جمال الدين أبو العباس أحمد ابن الشيخ محمد بن عبد اللّه الظاهرى، و ولده محمد، عتيق السلطان الملك الظاهر غازى. و دفن بتربته بمقبرة باب النصر، ظاهر القاهرة، (رحمه الله تعالى).

و فيها، فى يوم الاثنين ثامن عشر شعبان، توفى الصدر سيف الدين أحمد ابن محمد بن جعفر الساوى بدمشق، و دفن بداره، جوار المدرسة الكروسية، داخل دمشق. و كان كبير المحل فى النفوس، مشهور المكانة عند الخليفة المستعصم باللّه و غيره. و قد تقدم ذكره فى الدولة المنصورية. و كان حسن الشعر إلا أنه كان كثير الهجاء. و أهاجيه مشهورة، منها الأرجوزة التى عملها فى مباشرى‏ (1) الدولة المنصورية الناصرية بدمشق، و هى مشهورة.

و فيها، فى ليلة الخميس الثالث و العشرين من ذى القعدة، كانت وفاة الأمير عز الدين أزدمر العلائى، أحد الأمراء بدمشق. و هو أخو الحاج علاء الدين طيبرس الوزيرى، (رحمهما الله تعالى).

و فيها، كانت وفاة الصاحب محيى الدين أبى عبد اللّه محمد بن يعقوب بن إبراهيم بن النحاس الأسدى. و كانت وفاته ببستانه بالمزة، فى سلخ ذى الحجة و دفن فى مستهل المحرم. ولى الوزارة بالشام مرارا. و لما توفى، كان مدرسا بالمدرسة الريحانية و الظاهرية و ناظر الخزانة، (رحمه الله تعالى).

____________

(1) فى الأصل مباشرين، و ما هنا هو الصواب لغويا.

328

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

329

و استهلت سنة سبع و تسعين و ستمائة [697- 1297/ 1298]

ذكر وصول الملك المسعود نجم الدين خضر و من معه من القسطنطينية إلى الديار المصرية (1)

كان السلطان قد كتب إلى الأشكرى، صاحب القسطنطينية، فى سنة ست و تسعين و ستمائة، إذ تجهّزوا أولاد الملك الظاهر إلى الديار المصرية مكرمين، هم و من معهم. فجهز إليه الملك المسعود نجم الدين خضر و والدته.

و أحضر الملك العادل سلامش فى تابوت مصبرا، و كان قد مات بالقسطنطينية.

و كان وصولهم فى هذه السنة، فأكرمهم السلطان، و أحسن إليهم. و كان قد تزوج إحدى بنات الملك الظاهر، فلذلك كتب بإحضارهم، و دفن الملك العادل بدر الدين سلامش. ثم استأذن الملك المسعود السلطان فى الحج، فأذن له، فحج فى هذه السنة. و جهزه السلطان بما يحتاج إليه. و لما عاد، سكن القاهرة المعزية.

و فى هذه السنة، كتب تقليد الأمير سيف الدين قبجاق المنصورى، بنيابة السلطنة الشريفة بالشام المحروس، و جهّز إليه إلى دمشق، فوصل إليه فى يوم الأربعاء مستهل شهر ربيع الأول، يزينه التشريف السلطانى و السيف و الحياصة و الفرس. و يقال إنه تولى نيابة دمشق فى هذه المدة الماضية بغير تقليد، فوصل‏

____________

(1) انظر ما سبق ص 214 من هذا الجزء (المصحح).

330

إليه الآن، فجدّد الحلف للسلطان بحضور القضاة و الأمراء. و ركب بكرة نهار الخميس، و عليه التشريف، و قبّل عتبة باب السر بقلعة دمشق على العادة.

ذكر توجه الملك السلطان الناصر إلى الكرك و إقامته بها

و فى هذه السنة، جهز السلطان الملك المنصور حسام الدين [الملك السلطان الناصر (1)] إلى الكرك، فتوجه إليها، و توجه فى خدمته الأمير سيف الدين سلار أستاذ الدار، فوصل إليها فى رابع شهر ربيع الأول. فأخبرنى قاضى القضاة زين الدين على بن مخلوف المالكى، عن خبر إرساله إلى الكرك. قال: طلبنى الملك المنصور حسام الدين، و قال لى: «اعلم أن السلطان الملك الناصر ابن أستاذى، و أنا و اللّه فى السلطنة مقام النائب عنه. و لو علمت أنه الآن يستقل بأعباء السلطنة و لا تنخرم هذه القاعدة، و يضطرب الأمر، أقمته و قمت بين يديه. و قد خشيت عليه فى هذا الوقت، و ترجح عندى إرساله إلى قلعة الكرك. فيكون بها إلى أن يشتد عضده، و يكون من اللّه الخير. و اللّه ما أقصد بإرساله إليها إبعاده، و لكن حفظه، [و أما (2)] السلطنة فهى له». و أمثال هذا الكلام. قال: فشكرته على ذلك، و دعوت له. و لعل السلطان الملك المنصور، إنما قال هذا القول تطبيبا لقلب قاضى القضاة، لا حقيقة، و كان فى طى الغيب كذلك.

و لما توجه السلطان الملك الناصر إلى الكرك، توجه فى خدمته جماعة من مماليكه و مماليك أبيه السلطان الملك المنصور، منهم الأمير سيف الدين بهادر الحموى المنصورى و هو أكبرهم سنا. و هو القائم فى خدمته مقام اللالا، و الأمير

____________

(1) الإضافة تتطلبها السياق، و تتفق مع ما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 832.

(2) الإضافة يقتضيها السياق.

331

سيف الدين أرغون المنصورى الناصرى الدوادار، و كان قد تربى فى خدمة السلطان من صفره، و سيف الدين طيدمر جوباش‏ (1)، رأس نوبة الجمدارية و غيرهم.

و كان النائب بالكرك يوم ذاك، الأمير جمال الدين أقش الأشرفى المنصورى و كان فى خدمة السلطان الملك الناصر بالكرك، و هو باق على نيابته بها.

ذكر القبض على الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى و غيره‏

و فى هذه السنة، فى سادس شهر ربيع الآخر، قبض السلطان على الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى الصالحى. و اعتقله بالقاعة الصالحية، بقلعة الجبل.

و كان مكرما فى اعتقاله، و أحضر إليه زوجته المنصورية، والدة أحمد ابن السلطان الملك المنصور. و كان سبب ذلك أن السلطان ندبه فى هذه السنة لكشف جسور الجيزية و اتقانها. و هذه الوظيفة بالنسبة له إطراح‏ (2) كثير له و لعظامته‏ (3)، و إن كانت كثيرة فى حق غيره. فتوجه إلى الجيزية بسائر مماليكه و ألزامه. فاجتمع معه جمع كثير، يقال إنهم كانوا نحو سبعمائة. و كان يحضر إلى الخدمة فى يومى الاثنين و الخميس، و يعود إلى مخيمه. فلما تكامل اتقان الجسور، استأذن فى عمل ضيافة للسلطان هناك. فأذن له و اهتم لها اهتماما كثيرا. و حصل بسببها جملة من الأغنام و الأصناف و غير ذلك. و قرر مع السلطان أنه يحضر هذه الضيافة.

فأوهم نائبه الأمير سيف الدين‏ (4) منكوتمر، السلطان من خروجه و حذره منه.

____________

(1) فى الأصل يحق باش، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 832.

(2) فى الأصل اطراحا، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(3) فى الأصل و عظامته، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(4) فى الأصل مكتومر، و ما هنا هو الصواب.

332

و أحضر بهاء الدين أرسلان، أستاذ دار الأمير بدر الدين بيسرى، و هو ابن مملوكه بدر الدين بيليك، أمير مجلس. و كان قد ربى أرسلان هذا كالولد.

فلما كبر قدّمه على جماعة من أكابر مماليكه الذين كانوا فى منزلة أبيه، و جعله أستاذ داره، و أحسن إليه إحسانا كثيرا، فخدمه الأمير سيف الدين منكوتمر و لاطفه و وعده بإمرة طبلخاناة، إن هو أنهى إلى السلطان، أن مخدومه الأمير بدر الدين بيسرى يقصد اغتياله. فأطمعت أرسلان نفسه، بما وعده منكوتمر، و وافقه على ما قصده. و حضر إلى السلطان و أوهمه من أستاذه أنه إن حضر ضيافته قبض عليه و قتله. ثم عضّد ذلك أن الأمير بدر الدين بيسرى، أرسل إلى منكوتمر يطلب منه الدهليز السلطانى، لينصب فى مكان المهم، و لم يشعر بما وقع. فرسم بتسليم الدهليز لمماليك الأمير بدر الدين بيسرى، و أن يتوجه مقدم الفراشين السلطانية و من معه لنصبه، و لم يطلع السلطان على ذلك.

فلما حمل الدهليز السلطانى على الجمال، و مرّ به المماليك و الغلمان، تحت القلعة ليتوجهوا به إلى الجيزية، رآه السلطان من القلعة. فأرسل إلى الأمير سيف الدين منكوتمر، و سأله عن أمره، فأنكر أن يكون اطلع على شي‏ء من حاله. و قال إن مماليك بيسرى أخذوه من الفراش‏خاناه السلطانية من غير استئذان. ثم قال للسلطان، هذا مما يحقق صدق ما نقل عنه، و أغراه به. فأمر السلطان بإعادة الدهليز إلى الفراش‏خاناه‏ (1).

و كان الحامل للأمير سيف الدين منكوتمر على ذلك أن أستاذه الملك المنصور حسام الدين، كان قد عزم على أن يجعله ولىّ عهده بعده، كما فعل السلطان الملك المنصورة و الملك الظاهر بأولادهما، و يقرن اسمه مع اسمه فى الخطبة، لأن لاجين لم يكن له ولد ذكر. فتحدث فى ذلك مع الأمير بدر الدين بيسرى، فأنكره غاية

____________

(1) يقابل ما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 834.

333

الإنكار، و أجاب عنه بأقبح جواب، و ردّه بأشنع ردّ. فكان مما حكى أنه قال للسلطان: أعلم أن مملوكك هذا الذى أشرت إليه، لا يصلح للجندية، و قد أمرّته و قدمته، فصبر الناس لك على هذا. و جعلته نائب السلطنة، و مشيت الأمراء و الجيوش فى خدمته، فأجابوا إلى ذلك، طاعة لك، و طلبا لرضاك، مع ما تقدم من أيمانك عند السلطنة، أنّك لا تقدم مماليكك على الأمراء، و لا تمكنهم منهم. ثم لم تقنع له بما خوّلته فيه، و مكنته منه، و رفعته من قدره، حتى نقصد أن تجعله سلطانا مثلك، هذا لا يوافقك الناس عليه أبدا.

و حذره من ذلك غاية التحذير، و نهاه عنه، و عن الحديث فيه مع غيره. و لعمرى لقد بالغ فى النصحية (1) له. فأعلم السلطان منكوتمر، بما دار بينه و بين الأمير بدر الدين بيسرى فى أمره، و بما أجاب به فى معناه. فرأى منكوتمر أنه منعه ملكا عظيما، و سلبه أمرا جسيما. و علم أنه لا يتم له هذا الأمر، الذى أشار به السلطان، و لا يتمكن منه، مع بقاء بيسرى و أمثاله من الأمراء. فشرع فى التدبير عليهم، و أغرى مخدومه بهم. و ابتدأ بالتدبير على بيسرى. و علم أنه إن ينقل‏ (2) عنه أمرا، ربما أن السلطان لا يتلقاه بقبول، فأخذه من مأمنه. و تحيّل على أستاذ داره أرسلان، حتى أنهى عنه ما أنهاه. ثم عضد ذلك بواقعة الدهليز، فتحقق ما نقل عنه. و لما وقع ذلك، أطلع عليه بعض الأمراء الأكابر، فراسلوا الأمير بدر الدين بيسرى، و أعلموه، بما اطلعوا عليه و كان ممن راسله فى ذلك، الأمير سيف الدين طقجى الأشرفى و غيره من الأمراء، و حذروه من السلطان، و حلفوا له على الموافقة و المعاضدة. فلم يرجع إلى قولهم، و لا أصغى‏

____________

(1) يقابل ما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 833.

(2) فى الأصل، يقتل: و ما هنا به يستقيم المعنى.

334

إليهم. ثم أرسل إليه سيف الدين أرغون، أحد مماليك الملك المنصور، و خاصكيته و أقربهم عنده، يخبره أن السلطان قد عزم على القبض عليه، و يحذره من الحضور إلى الخدمة، و إنه إن حضر يكون فى أهبة و استعداد. و كان الحامل لأرغون على ذلك، أن أستاذه أمرّ غيره من مماليكه، و لم يؤمره بطبلخاناة مع اختصاصه به، و انما أعطاه إمرة عشرة (1)، فوجد فى نفسه. و من العجب أن كل واحد، من السلطان و بيسرى، أتى فى هذا الأمر من مأمنه، و أذاع سره أخص الناس به، فإن أرسلان كان من بيسرى بالمكان الذى ذكرناه، كأعز أولاده عنده، و أرغون هذا كان من أخص المماليك المنصورية الحسامية، حتى لقد بلغنى أنه أعطاه فى يوم واحد، سبعين فرسا، و غير ذلك. فحمل أرسلان الطمع بالإمرة، و [حمل‏] (2) أرغون الغيرة من تقديم أمثاله عليه. ففعلا ما فعلا، و نقلا ما نقلا.

و حضر الأمير بدر الدين بيسرى إلى الخدمة، فى يوم الاثنين السادس من شهر ربيع الآخر. فأخبرنى ركن الدين بيبرس الجمدار، أحد المماليك‏ (3) البدرية، الذين كانوا معه، يوم القبض عليه، أنه لما عبر إلى الخدمة، تلقاه السلطان قائما على عادته. و جلس إلى جانبه، و بالغ السلطان فى إكرامه. و لما قدم السماط، امتنع الأمير بدر الدين من الأكل، و اعتذر بالصوم. فأمر

____________

(1) يقابل ما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 835.

(2) الإضافة للتوضيح. و فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 836، كان أرسلان ابنا لبدر الدين بيليك أمير مجلس، و كان بدر الدين هذا مملوكا للأمير بيسرى كالولد حتى كبر، و قدمه على أكابر مماليكه و عمله أستاذ داره.

(3) فى الأصل مماليك، و ما هنا هو الصواب.

335

السلطان برفع مجمع من الطعام لفطوره، فرفع له. و بقى السلطان يحادثه سرا، و يؤانسه و يشغله عن القيام، إلى أن رفع السماط. و خرج الأمراء، و قام الأمير بدر الدين معهم على عادته. فلما انتهى إلى بعض الإيوان، استدعاء السلطان، فعاد إليه. فقام له أيضا و جلس معه، و حدّثه طويلا. و الحجاب و النقباء يستحثون الأمراء على الخروج‏ (1). ثم قام [بيسرى‏] (2)، فاستدعاه [السلطان‏] (3) أيضا، فعاد إليه. و قام السلطان له، و جلس معه و تحدثا.

قال الحاكى لى: و رأيت السلطان قد ناوله شيئا من جيبه، ما أعلم ما هو، فتناوله الأمير بدر الدين، و وضعه فى جيبه، و قبّل يد السلطان و فارقه. و قد خلى المجلس و الدهاليز إلا من المماليك السلطانية. فلما خرج، أتاه الأمير سيف الدين طقجى، و الأمير علاء الدين ايدغدى شقير الحسامى، و عدلا به إلى جهة أخرى.

و قبض ايدغدى شقير على سيفه، و أخذه من وسطه، و نظر إليه طقجى و بكى عند القبض عليه. و توجها به إلى المكان الذى جهز لاعتقاله به. و لم يزل الأمير بدر الدين معتقلا إلى أن مات، فى الدولة الناصرية على ما نذكره إن شاء اللّه تعالى‏ (4).

و قبض السلطان أيضا على الأمير سيف الدين الحاج بهادر الحلبى الحاجب، و نقل الأمير سيف الدين كرد أمير آخور إلى الحجبة (5). و قبض على الأمير شمس‏

____________

(1) يقابل ما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 835.

(2) الإضافة من المقريزى: السلوك ج 1، ص 835.

(3) الإضافة من المقريزى: السلوك ج 1، ص 835.

(4) يقابل ما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 835.

(5) فى الاصل الحجتة، و ما هنا به يستقم المعنى.

336

سنقر شاه‏ (1) الظاهرى. و قبض أيضا فى أواخر السنة على الأمير عز الدين أيبك الحموى الظاهرى.

[و فى جمادى الأولى‏ (2)]، أمر السلطان بمصادرة القاضى بهاء الدين بن الحلى ناظر الجيوش المنصورة، و أخذ خطه بألف ألف درهم، و عزله عن الوظيفة (3).

أو حضر عماد الدين بن المنذر، ناظر جيش الشام، فولّاه النظر. و كان قد جلس فى نظر الجيش، فيما بين عزل بهاء الدين و حضور ابن المنذر، القاضى أمين الدين المعروف بابن الرقاقى. فلما وصل ابن المنذر، فوض إليه النظر. و مرض أمين الدولة، و انقطع فى داره لما حصل له من الألم‏ (4).

و فى هذه السنة، أقيمت الخطبة و صلاة الجمعة بالمدرسة المعظمية بسفح قاسيون، و لم تكن قبل ذلك، و خطب بها مدرسها شمس الدين بن الشرف بن العز الحنفى، فى يوم الجمعة عاشر ربيع الآخر، باتفاق الملك الأوحد ناظر المدرسة (5).

ذكر إعادة الصاحب فخر الدين عمر بن الخليلى إلى الوزارة

و فى هذه السنة، فى جمادى الأولى، رسم السلطان بإعادة الصاحب الوزير فخر الدين عمر ابن الشيخ مجد الدين عبد العزيز الخليلى إلى الوزارة فعاد،

____________

(1) فى الأصل سنقر جاء، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 833.

(2) الإضافة من المقريزى: السلوك ج 1، ص 836، و فى الأصل بياض.

(3) يقابل ما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 836.

(4) يقابل ما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 836.

(5) يقابل ما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 836.

337

و صادر ألزام الأمير شمس الدين [سنقر] (1) الأعسر (2).

ذكر تجريد العساكر إلى سيس و ما فتح من قلاعها

و فى هذه السنة، جرّد السلطان الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى الصالحى أمير سلاح، و الأمير حسام الدين لاجين الرومى، أستاذ الدار، و الأمير شمس الدين آق‏سنقر كرتاى‏ (3)، و من معهم من مضافيهم. و أمرهم أن يتوجهوا إلى بلاد سيس. فتوجهوا من القاهرة، فى جمادى الأولى، و المقدم على الجيش أجمع الأمير بدر الدين [بكتاش‏] (4) أمير سلاح.

و كان وصولهم إلى دمشق فى يوم الخميس، خامس جمادى الآخرة، و توجهوا منها فى ثامن الشهر. و جرّد، معهم من عسكر دمشق، الأمير ركن الدين بيبرس العجمى الجالق، و الأمير سيف الدين كجكن، و الأمير بهاء الدين قرا أرسلان المنصورى و مضافيهم‏ (5). و جرد العسكر الصفدى، و مقدمه الأمير علم الدين [ايدغدى‏ (6)] الإلدكزىّ‏ (7). و جرّد جماعة من العسكر الطرابلسى، و الملك المظفر صاحب حماه بعسكرها.

____________

(1) الإضافة من المقريزى: السلوك ج 1، ص 836.

(2) يقابل ما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 836.

(3) فى الأصل كرتبة، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 838.

(4) الإضافة من المقريزى: السلوك ج 1، ص 837.

(5) يقابل ما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 838.

(6) الإضافة من ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة ج 8، ص 9.

(7) فى الأصل الإلزكرى، و ما هنا من ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة ج 8، ص 9.

338

و لما اتصل خبر تجريد العسكر بصاحب سيس، جهز رسله إلى الأبواب السلطانية، يستعطف السلطان، و يسأل مراحمه، فلم تجد (1) رسالته نفعا.

و وصلت هذه العساكر إلى حلب. و أردف السلطان هذه العساكر بالأمير علم الدين سنجر الدرادارى، أحد مقدمى العساكر بالديار المصرية، و مضى فيه، فخرج مسرعا، و أدرك الجيش بحلب. و جرد من العسكر الحلبى الأمير علم الدين المعروف بالزغلى و [الأمير علم الدين سنجر الحلبى‏ (2)]، و مضافيهما. و توجهت هذه الجيوش بجملتها إلى بلاد سيس. فلما نزلوا بالعمق، افترقت العساكر فرقتين. فتوجه الأمير بدر الدين بكتاش، أمير سلاح، و الأمير حسام الدين أستاذ الدار، و الأمير ركن الدين الجالق، و الأمير بهاء الدين قرا أرسلان، و العسكر الصفدى من عقبة بفراس إلى باب اسكندرونة، و نازلوا تل حمدون. و توجه الملك المظفر صاحب حماه، و الأمير علم الدين سنجر الدوادارى، و الأمير شمس الدين آفسنقر كرتاى‏ (3)، و بقية الجيش من عقبة المريت‏ (4). و صار نهر (5) جهان بين الفريقين و كان دخولهم إلى در بند سيس، فى يوم الخميس، رابع شهر رجب.

____________

(1) فى الأصل يجد، و ما هنا به يستقيم المعنى.

(2) فى الأصل الحلبى، و ما هنا هو الاسم بالكامل، المقريزى: السلوك ج 1، ص 838.

(3) فى الأصل كرنيه، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 838.

(4) فى الأصل عقبة المربى، و ما هنا من‏Howorth :History of the Mangols Part Ill p .430 حيث أوردها بالرسم‏Merit .

(5) فى الأصل بهر، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 838، و هو المعروف بنهر جيحان، الذى ينبع من مرتفعات أرمينية الصغرى، و يصب فى البحر المتوسط فى خليج أياس:

انظر لسترنج بلدان الخلافة الشرقية ص 163- 164.

339

و لما صاروا ببلاد سيس، اختلف الأمير بدر الدين أمير سلاح، و الأمير علم الدين الدوادارى، فأشار أمير سلاح بالحصار و منازلة القلاع. و أشار الدوادارى بالإغارة و الاقتصار عليها. و قال أنا المقدم على هذه الجيوش كلها، و أنا آخركم عهدا بالسلطان، و إنما رسم السلطان بالإغارة. فاضطر أمير سلاح و من معه، لموافقة الدوادارى، و قطعوا جهات من مخاضة العمودين، و توجهوا للإغارة. فتوجه صاحب حماه و الدوادارى، و من معهما إلى سيس نفسها. و توجه أمير سلاح و من معه إلى ناورزه‏ (1)، و أقاموا عليها يوما و ليلة. و رحلوا إلى أذنة، و اجتمعت الطائفتان‏ (2) بها، بعد أن قتلوا من ظفروا به من الأرمن، و استاقوا ما مرّوا به من الأبقار و الجواميس. و عادوا من أذنة إلى المصيصة بعد الإغارة، و أقاموا بها ثلاثة أيام، حتى نصبوا جسرا مرت العساكر عليه، و رجعوا إلى بغراس، ثم إلى مرج أنطاكية. و أقاموا ثلاثة أيام، و رحلوا إلى جسر الحديد بأرض الروج‏ (3)، عازمين على العود إلى الديار المصرية، بالعساكر (4) المصرية إلى مستقرها.

و كان الأمير بدر الدين أمير سلاح، لما نازعه الدوادارى فى التقدمة، و منعه من الحصار، و صمم على الاقتصار على الإغارة، قد كتب إلى الأمير سيف الدين بلبان الطباخى، نائب السلطنة بالمملكة الحلبية، يعلمه بما وقع و التمس منه مطالعة السلطان بذلك. فطالع بصورة الحال، فورد الجواب من السلطان، و العساكر

____________

(1) ناورزه، و هى عين زريةAnazarbus من مدن أرمينية الصغرى جنوب مدينة سيس:

انظر استرنج: بلدان الخلافة الشرقية ص 161.Howorth :op .Cit .Ill .p .431 ..

(2) فى الأصل الطائفتين، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(3) الروج قرية تقع غرب حلب، بينها و بين المعرة (ياقوت: معجم البلدان ج 2، ص 828).

(4) فى الأصل و العساكر، و ما هنا به يستقيم المعنى.

340

بالروج، يتضمن الإنكار على الأمير علم الدين الدوادارى، كونه ادّعى التقدمة على الأمير بدر الدين أمير سلاح، و اقتصر على الإغارة، و أن الدوادارى إنما خرج مقدما على مضافيه خاصة، و إن التقدمة على سائر الجيوش للأمير بدر الدين أمير سلاح. و رسم السلطان أن العساكر لا تعود، إلا بعد فتح تل حمدون. و إن عادت قبل فتحها، فلا إقطاع لهم بالديار المصرية؛ إلى غير ذلك من الحث على فتحها. فعند ذلك، عطفت العساكر من الروج إلى جهة حلب، و وصلوا إليها، و أقاموا بها ثمانية أيام، و تجهّزوا منها بما يحتاجون إليه. و دخلوا إلى بلاد سيس بأثقالهم، و عبروا بجملتهم من عقبة بغراس. و جرّد الأمير بدر الدين [بكتاش‏] (1) أمير سلاح، الأميرين سيف الدين كجكن، و بهاء الدين قرا أرسلان، إلى إياس، فأكمن لهم الأرمن فى البساتين، فلم تتمكن العسكر من قتالهم، و رحلوا شبه المنهزمين، فأنكر أمير سلاح عليهم و سبّهم، فاعتذروا بضيق المسلك و التفاف الأشجار، و عدم التمكن من العدو. ثم رحل بجميع الجيش، و نزل على تل حمدون، فوجدها خالية، و قد أنتقل من بها من الأرمن إلى قلعة نجيمة، فتسلمها، فى سابع شهر رمضان، و سلمها للأمير علم الدين الشيبانى، النائب ببغراس.

و لما دخل الجيش إلى بلاد سيس، جرّد الأمير سيف الدين الطباخى، نائب السلطنة بحلب، طائفة من عسكرها، و من انضم إليهم من التركمان و غيرهم، ففتحوا قلعة مرعش، فى عاشر شهر رمضان أيضا. ثم جاء الخبر إلى العسكر أن واديا تحت قلعة نجيمة و حموص‏ (2) قد امتلأ بالأرمن، و أن المقاتلة من قلعة

____________

(1) الإضافة من المقريزى: السلوك ج 1، ص 839.

(2) فى الأصل حميمص، و فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 840، حميص، و ما هنا من ابن أبى الفضائل: النهج السديد ص 602 و تقع هذه القلعة شرقى تل حمدون. و وردت باسم حموص‏Le strakge :Palestine Under Moslems p ؛ 543 انظر)Hamus( .

341

نجمية يحمونهم. فندب إليه طائفة من العسكر، فرجعوا و لم يبلغوا غرضا.

ثم [سيّر] (1) طائفة ثانية، فرجعوا كذلك‏ (2). فرحل الأمراء بجملتهم فى نفر من أعيان الجيش و أقويائه، و قاتلوا أهل نجيمة، حتى ردوهم إلى القلعة.

ثم تقدم الجيش إلى الوادى، و قتلوا من به من الأرمن، و أسروا و نهبوا، و نازلوا قلعة نجيمة، ليلة واحدة. ثم خرج العسكر إلى الوطاة (3)، و بقى صاحب حماه و أمير سلاح، فى مقابلة من بالقلعة، حتى خرج العسكر، خشية أن يخرج أهل نجيمة، فينالوا من أطراف العسكر. ثم خرجوا بجملتهم و اجتمعوا بالوطأة. فوصل البريد بكتب السلطان، يتضمن أنه بلغه أن تل حمدون أخليت، و أنها أخذت بغير قتال و لا حصار، و انتقل من بها إلى قلعة نجيمة. و أمر بمنازلة قلعة نجيمة و حصارها، إلى أن تفتح، فعادت العساكر إليها و حاصروها. و اختلف أمير سلاح و الدوادارى أيضا، فقال الدوادارى: إن هذا الجيش بجملته إذا نازل هذه القلعة، لا يظهر من اجتهد و قاتل، ممن تخاذل و عجز. و القتال عليها إنما هو من وجه واحد. و الرأى أن يتقدم فى كل يوم مقدم ألف، و يزحف بجماعته ليظهر فعله، و استقل القلعة و استصغرها و حقّر أمرها. و كان فى جملة كلامه أن قال:

أنا آخذ هذه القلعة فى حجرى. فاتفق الأمر على أن يتقدم الدوادارى بألفه، للزحف فى أول يوم. فزحف بمن معه حتى لا حف‏ (4) السور. فأصابه حجر منجنيق فى مشط رجله، فقطعه و سقط إلى الأرض. فتبادر الأرمن بالنزول إليه،

____________

(1) الإضافة من المقريزى: السلوك ج 1، ص 840.

(2) فى الأصل لذلك، و ما هنا به يستقيم المعنى.

(3) الوطاة، المقصود هنا السهل الذى يجتازه الناس فى يسر.

(4) المقصود أنه زحف حتى صار فى لحف السور أى جانبه (محيط المحيط).

342

و كادوا يأسرونه. فحمل أمير سلاح بجماعته، حتى حجزهم عنه. و أخرج الدوادارى على جنوية (1)، و حمل إلى وطاقه‏ (2). و عادوا إلى حلب، ثم توجه منها إلى الديار المصرية. و قد سكنت نفسه، و نقصت حرمته عما كانت عليه، و كان قبل ذلك له حرمة وافرة و قتل الأمير علم الدين سنجر طقصبا الناصرى، على هذه القلعة. و زحف الأمير شمس الدين آق‏سنقر كرتاى‏ (3) فى اليوم الثانى، و انتهى إلى سور القلعة و نقيه، و خلّص منه ثلاثة أحجار. و استشهد من مماليكه و أجناده أحد عشر رجلا، و نفران من الحجارين.

ثم زحف أمير سلاح، و صاحب حماه، و بقية الجيش. و رتّبهم أمير سلاح طوائف، طائفة تتلو أخرى. و قرر معهم، أن يردف بعضهم بعضا. و تقدموا بالجنويات، حتى وصلوا إلى السور، و أخذوا مواضع النقوب‏ (4)، و أقاموا الستائر (5).

و لازموا الحصار عليها واحدا و أربعين يوما. و قد اجتمع بها جمع كثير من الفلاحين و النساء و الصبيان من أهل القرى المجاورة لها، فقلّت المياه بالقلعة.

فاضطر الأرمن إلى إخراجهم منها، فأخرجوهم فى ثلاث دفعات. فأخرجوا فى المرة الأولى مائتى رجل، و ثلاثمائة امرأة و مائة و خمسين صبيا. فقتل العسكر الرجال، و تفرّقوا النساء و الصبيان. ثم أخرجوا فى المرة الثانية مائة و خمسين‏

____________

(1) الجنوية- أنظر ما سبق ص 182 حاشية 2.

(2) الوطاق- انظر ما سبق ص 209 حاشية 2.

(3) فى الأصل كرتبه، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 840.

(4) فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 840، و أخذوا فى النقب.

(5) الستائر. و مفردها ستارة، ستار من الخشب، يتخذ مواضعهم خلفه المقاتلون فى حالتى الهجوم و الدفاع. انظر ابن أبى الفضائل: كتاب النهج السديد ص 280.

Dozy :supp .Dict .Ar .

343

رجلا، و مائتى امرأة، و خمسة و سبعين صبيا، ففعلوا بهم كذلك. ثم أخرجوا جماعة أحرى فى المرة الثالثة. و لم يتأخر بالقلعة الا المقاتلة، و قلّت عندهم المياه، حتى اقتتلوا بالسيف على الماء، فسألوا الأمان فأعطوه، و سلموا القلعة فى ذى القعدة من السنة. و خرجوا منها، و توجهوا إلى مأمنهم‏ (1).

و فى أثناء هذا الحصار، وصلت إلى العسكر مفاتيح النقير (2) و حجر شغلان و سرفندكار و زنجفره و حموص‏ (3)، و تتمة أحد عشر حصنا من حصون الأرمن.

و سلم الأمير بدر الدين أمير سلاح هذه‏ (4) الفتوح إلى الأمير سيف الدين استدمر كرجى‏ (5) أحد الأمراء بدمشق، و جعله نائبا بها. فلم يزل [استدمر (6)] بهذه الحصون، إلى أن بلغه حركة التتار و قربهم، فأباع ما بها من الحواصل و تركها خالية، فاستولى الأرمن عليها.

و لما تكامل هذا الفتح، عادت العساكر إلى حلب، و نزلوا بها، ليريحوا خيولهم. و ترادف عليهم الأمطار و تزايدت، حتى سكنوا الخانات و الدور. ثم أردفهم السلطان بتجريدة أخرى، من الديار المصرية، صحبة الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، و الأمير سيف الدين طقطاى، و الأمير مبارز الدين أوليا

____________

(1) يقابل ما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 841.

(2) فى الأصل النقيرة، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 841.

(3) فى الأصل حميمص، انظر ما سبق ص 340، حاشية 2.

(4) فى الأصل هذا، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(5) فى الأصل استدمد كرجى، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 841.

(6) الإضافة للتوضيح.

344

ابن قرمان، و الأمير علاء الدين ايدغدى شقير الحسامى. فوصلوا إلى دمشق، فى ذى القعدة، و توجهوا إلى حلب، و أقاموا بها مع العسكر. و جهز صاحب سيس رسلا إلى الأبواب السلطانية يسأل عواطف السلطان و مراحمه‏ (1). و استمر العسكر بحلب ينتظرون ما يرد عليهم، من أبواب السلطان. فأقاموا عليها شهورا، إلا الأمير حسام الدين أستاذ الدار، فإنه توجه إلى الأبواب السلطانية، على خيل البريد. و كان عود هذا العسكر إلى الديار المصرية، و وصوله إلى القاهرة، فى منتصف شهر ربيع الآخر، سنة ثمان و تسعين و ستمائة، بعد مقتل السلطان بثلاثة أيام على ما نذكره إن شاء اللّه تعالى.

ذكر حادثة غريبة ظهر فيها آية من آيات اللّه عز و جل‏

و فى سنة سبع و تسعين و ستمائة، فى العشر الأول، من جمادى الأولى‏ (2)، ورد على السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين، مطالعة مضمونها: أن شخصا بقرية جينين‏ (3)، من الساحل الشامى، كانت له زوجة، فتوفيت إلى رحمة اللّه تعالى. فحملت بعد تغسيلها و تكفينها و دفنت. فلما عاد زوجها من المقبرة، تذكر أن منديله وقع فى القبر، و فيه جملة من الدراهم. فأتى إلى فقيه فى القرية، فاستفناء ف نبش القبر. فقال له فى ذلك يجوز نبشه و أخذ المال منه. ثم تداخل الفقيه المفتى فى ذلك شي‏ء فى نفسه. فقام و حضر معه إلى القبر، فنبش الزوج القبر ليأخذ المال، و الفقيه على جانب القبر. فوجد الزوج زوجته مقعدة (4)

____________

(1) يقابل ما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 841.

(2) فى الأصل الأول، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(3) فى الأصل جنبين، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 837.

(4) فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 837 جالسة.

345

مكتوفة بشعرها، و رجليها مكتوفتين بشعرها، [فحاول حل كتافها (1)]، فلم ينحل له ذلك، فأمعن فى ذلك، فخف به و بزوجته. و لم يوجد أو لم يعلم للخسف منتهى. و أما الفقيه فإنه أقام مغشيا عليه يوما و ليلة أو ليلتين.- نسأل اللّه أن يسترنا و لا يفضحنا، و أن لا يؤاخذنا بسوء أفعالنا-. و لما وردت المطالعة على السلطان بهذه الحادثة، عرضها على شيخنا قاضى القضاة تقى الدين ابن دقيق العبد و غيره. و كتب يستعلم عن سيرة هذه المرأة و الزوج المخسوف بهما، فما علمت ما ورد عليه من الجواب فى ذلك‏ (2).

ذكر روك‏ (3) الإقطاعات بالديار المصرية و تحويل السنة

و فى سنة سبع و تسعين و ستمائة أيضا، رسم السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين، بروك الإقطاعات و المعاملات و النواحى و الجهات بالديار

____________

(1) الإضافة من المقريزى: السلوك ج 1، ص 837.

(2) أشار إلى هذا الحادث المقريزى: السلوك ج 1، ص 837.

(3) الروك فى كتب المؤرخين، مصدر الفعل الثلاثى راك، و معناها فى الأصل مسح أراضى الزراعة فى بلد من البلاد، لتقدير الخراج المستحق عليه لبيت المال، و المعروف أن الخراج كان المصدر الرئيسى الدخل، و منه تصرف أعطية الجند، و رواتب الولاة و موظفى الدولة. و كان خراج مصر مقسما إلى أربعة و عشرين قيراطا، توزع على القرى بما يناسب طاقتها.

و كانت جباية الخراج معرضة للتعديل، فإذا زادت عمارة البلاد و توافر زرعها، زادت الجباية، فان قل أهلها و أجدبت أرضها و خربت، نقصت. و لعل ذلك من أسباب تكرار مساحة أرض مصر.

و لما حل النظام الإقطاعى بمصر، ظلت النسبة الخراجية جارية على النظام الجديد، و هى أربعة و عشرون قيراطا، للسلطان منها أربعة قراريط، و للأجناد عشرة قراريط، و للأمراء عشرة. انظر:

المقريزى: السلوك ج 1، ص 846- 847.

و انظر أيضا التعريف بمصطلحات صبح الأعشى. محمد قنديل البقلى، الهيئة المصرية العامة الكتاب 1984. ص 164- 165 (المصحح)

G. Demombynes: La syrie. a L`Epouque de Mamlouk, Gauther. Paris 1923. Introd. P. xxxlx.

346

المصرية. و ندب لذلك من الأمراء، الأمير بدر الدين بيليك‏ (1) الفارسى الحاجب، و الأمير بهاء الدين قراقوش الظاهرى، المعروف بالبريدى.

و توجه الكشاف إلى الأقاليم البرانية، بالوجهين القبلى و البحرى، و مسحوا البلاد مساحة روك، و حرروا الجهات و عادوا. و انتصب لهذا جماعة من الكتاب، كان المشار إليه فيهم، تاج الدين عبد الرحمن المعروف بالطويل، و هو أحد مستوفيى‏ (2) الدولة، من مسالمة (3) القبط، و ممن يشار إليه فى معرفة صناعة الكتابة، و يعتمد على قوله، و يرجع إليه فيها، فرتب ذلك على حسب ما اقتضاه رأى السلطان فى تقريره.

و استقرّ فى الخاص السلطانى الأعمال الجيزية و الأطفيحية و ثغر الإسكندرية و ثغر دمياط و منفلوط و كفورها، و هو، و الكوم الأحمر من الأعمال القوصية، و فى كل إقليم بلاد.

و تقرر إقطاع نيابة السلطنة من أعظم الإقطاعات و أكثرها متحصلا. فكان من جملته بالأعمال القوصية، مرج بنى هميم و كفورها، و سمهود و كفورها، و دواليبها و معاصرها، و حرجة (4) مدينة قوص و أدفو. و هذه النواحى يزيد متحصلها

____________

(1) فى الأصل إلك، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 843.

(2) فى الأصل مستوفين، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(3) المسالمة، لفظ يطلق على كل رجل دخل فى الإسلام حديثا من النصارى و غيرهم من أبناء الديانات الأخرى بالبلاد الاسلامية. انظر.

Dozy: supp. Dict. Ar Quatremere: op. cit. Ill. 2. p. 66. note 27 ..

(4) حرجة، الحرجة الموضع الذى يلتف شجره، و الخراج السلطانية بالوجه القبلى تشمل جهات عديدة، فى البهنما، و فى الأشمونين، و فى أخيم، و فى شرقى قوص. انظر ابن مماتى: قوانين الدواوين.

ص 344- 345، ياقوت: معجم البلدان.

347

من الغلال خاصة، على مائة ألف و عشرة آلاف أردب، خارجا عن الأموال و القنود (1) و الأعسال و التمر و الأحطاب و غير ذلك. و فى كل إقليم من الديار المصرية نواحى و معاصر، فكان فى خاصه سبع‏ (2) و عشرون‏ (3) معصرة، لاعتصار قصب السكر.

و كان نجاز الروك فى ذى الحجة سنة سبع و تسعين و ستمائة. و استقبل به سنة ثمان و تسعين الهلالية (4). و حوّلت السنة الخراجية من سنة ست و تسعين إلى سنة سبع و تسعين. و هذا التحويل جرت به العادة، بعد انقضاء ثلاث و ثلاثين سنة، تحوّل سنة، و هو التفاوت فيما بين السنة الشمسية و القمرية. فيجمع من ذلك فى طول السنة، ما ينغمس به سنة. و هو حجة ديوان الجيش فى اقتطاع التفاوت الجيشى. و قيل إن قوله تعالى: (وَ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَ ازْدَادُوا تِسْعاً) (5)، إن التسعة هى هذا التفاوت‏ (6)، ما بين السنتين، و اللّه تعالى أعلم.

و هذا التحويل لا ينقص بسببه شي‏ء من الأموال البتة، و إنما هو تحويل بالأقلام خاصة (7).

____________

(1) القند: لفظ فارسى معرب، و هو عمل فصب السكر. انظر الجاحظ: كتاب التبصر بالتجارة ص 27، ابن سيده: المخصص ج 5، ص 3، الجواليقى: المعرب، ص 261.

(2) فى الأصل سبعة، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(3) فى الأصل عشرين، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(4) يوافق العام الهجرى 698 أوله من التاريخ الميلادى 9 أكتوبر 1298، دائرة معارف الشعب: القاهرة، 1959: ص 228 (المصحح).

(5) سورة الكهف، آية 25.

(6) جرت العادة أن تسقط من استحقاق أرباب الإقطاعات فى كل سنة، أحد عشر يوما و ربع يوم، و هى التفاوت بين السنة الشمسية و القمرية، النويرى: نهاية الأرب ج 8، ص 201، 202.

(7) يقابل ما أورده بيبرس الدوادار: زبدة الفكرة ج 9، ص 342.

348

و لما نجز هذا الروك، أقطعت البلاد للأمراء و الأجناد دربسته‏ (1)، لم يستثن منها غير الجوالى‏ (2) و المواريث الحشرية (3)، فإن ذلك جعل فى جملة الخاص السلطانى.

و استثنيت الرزق الأحباسية (4) المرصدة لمصالح الجوامع و المساجد، و الربط و الزوايا، و الخطباء و الفقراء. و استقرت فى سائر البلاد على ما يشهد به ديوان الأحباس.

و ما عدا ذلك من سائر الأموال و غيرها، دخل فى الإقطاع.

و فى هذه السنة، كانت وفاة الأمير عز الدين الجناجى، نائب السلطنة و مقدم العسكر بغزة. و كان قبل وفاته قد أودع عند فخر الدين الاعزازى التاجر بقيسارية الشرب بدمشق صندوقا، و لم يطلع على ذلك إلا خزنداره. و كان الصندوق المودع عنده قبل ذلك وديعة، عند بعض أصحاب الأمير المذكور، فأخذ منه، ثم أودعه عند فخر الدين. و اتفقت وفاة خزندار الأمير، و هو الذى اطلع على الوديعة قبل وفاة مخدومه بأيام. ثم مات الأمير، فلما اتصلت وفاته بفخر الدين الاعزازى، اجتمع بقاضى القضاة إمام الدين الشافعى بدمشق، و عرفه خبر الوديعة. فأمره بالتأنى فى أمرها؛ حتى تثبت وفاة المذكور، و يتحقق أمر ورثته، ففعل ذلك. و فى أثناء ذلك، طلب الأمير سيف الدين جاغان؛

____________

(1) فى الأصل، و فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 844، دربستا، و ما هنا هو الصحيح، إذ أن دربسته لفظ فارسى معناه هنا كاملا.Steingass .Pers .EngDict .

(2) الجوالى: ما يؤديه أهل الذمة من الجزية وفقا للأحكام الشرعية، فلا يؤديها النساء و الصبيان و الرهبان و العبيد و المجانين. انظر التفاصيل فى ابن مماتى: قوانين الدواوين ص 317- 318.

(3) المواريث الحشرية: ما يؤول إلى بيت المال من المواريث التى لم يستحقها كلها أو بعضها أحد من للورثة. ابن مماتى: قوانين الدواوين ص 319.

(4) الرزق الأحباسية، الأموال المرصودة لأرباب المعاشات.

Dozy :supp .Dict .Ar .

349

شاد الدواوين بالشام، الوديع الأول و طالبه بما عنده من الوديعة. فادعى أن الجناجى استعاد ذلك منه، فلم يصدقه، و قصد ضربه و عقوبته، بسبب ذلك.

فأتاه فخر الدين المذكور و اعترف أن الوديعة عنده، و أحضر الصندوق إلى الديوان السلطانى. و فتح و اعتبر ما فيه، فكان فيه من الذهب اثنان و ثلاثون‏ (1) ألف دينار، و مائتا (2) دينار، و أربعة (3) و ثلاثون دينارا، و حوائص ذهب، و طرز زركش بتتمة خمسين ألف دينار، هكذا نقل إلىّ ثقة.

و فيها، توفى الأمير سيف الدين بلبان الفاخرى، أمير نقباء العساكر المنصورة بالأبواب السلطانية، و كانت وفاته فى رابع عشر ربيع الآخر. و أعطى إقطاعه سيف الدين بكتمر الحسامى الطرنطاى أمير آخور. و كان السلطان، قبل ذلك أمرّه بعشرة طواشية، فنقله الآن إلى إمرة الطبلخاناه. ثم تنقّل بعد ذلك فى المناصب و النيابات عن السلطنة و الوزارة و غير ذلك، على ما نذكر ذلك إن شاء اللّه تعالى فى مواضعه.

و فيها، فى يوم الاثنين حادى عشر جمادى الأولى، كانت وفاة الأمير سعد الدين كوجا الناصرى. و كان يتولى نيابة دار العدل، و تولى تغر الإسكندرية و كان بيده إمرة عشرة طواشية.

____________

(1) فى الأصل اثنين و ثلاثين، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(2) فى الأصل و مائتى، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(3) فى الأصل أربعة و ثلاثين، و ما هنا هو الصواب لغويا.

350

و فيها، توفيت الخاتون الجليلة الكبرى، نسب خاتون، ابنة الملك الجواد مظفر الدين يونس بن شمس الدين مودود ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر أيوب، فى العشر الأوسط فى، شهر ربيع الأول. و دفنت عند والدها بقاسيون، (رحمهما الله تعالى).

351

و استهلت ثمان و تسعين و ستمائة [698- 1298/ 1299]

فى هذه السنة، فى أولها جهز السلطان الأمير جمال الدين أقش الأفرم، و الأمير سيف الدين حمدان بن صلغاى‏ (1) إلى الشام، و أمرهما أن يتوجها إلى دمشق، و يخرجا نائب السلطنة الأمير سيف الدين قبجاق‏ (2) و بقية العسكر إلى البلاد الحلبية. فوصلا إلى دمشق على خيل البريد، فى يوم الأربعاء سابع المحرم.

فتجهز الأمير سيف الدين قبجاق نائب السلطنة، و خرج بسائر عساكر دمشق حتى بحرية القلعة، و جماعة الأمير علم الدين سنجر أرجواش نائب القلعة، و تأخر بدمشق الأمير سيف الدين جاغان. و كان خروج نائب السلطنة من دمشق، فى عشية الأربعاء، رابع عشر المحرم، و بات بالميدان الأخضر. و ركب فى بكرة النهار؛ و توجه بالعساكر إلى جهة حمص. و كان سبب هذه الحركة ظاهرا، أن السلطان بلغه أن التتار قد عزموا على الدخول إلى البلاد الإسلامية بالشام.

و علم الأمير سيف الدين قبجاق، أن الأمر ليس كذلك. فإن القصاد قبل ذلك بيسير، حضروا إليه من بلاد الشرق، و أعلموه أن التتار كانوا قد تجهزوا و عزموا على الحضور إلى الشام. فلما كانوا باثناء الطريق، وقعت عليهم صواعق كثيرة، و أهلكت منهم خلقا كثيرا، فتفرقوا فى مشاتيهم، و لم يرد خلاف ذلك.

____________

(1) فى بيبرس الدوادار: زبدة الفكرة ص 336 صلفيه.

(2) فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 853 قبجق.

352

و القصاد لا تصل إلى الباب السلطانى بالديار المصرية، إلا بعد الاجتماع بنائب السلطنة بدمشق، فاستشعر الأمير سيف الدين قبجاق السوء، و علم أن هذه الحركة إنما هى تدبير (1) عليه، و على غيره من الأمراء. فأوجب ذلك توجههم إلى التتار.

ذكر مفارقة من نذكر من نواب السلطنة و الأمراء الخدمة السلطانية، و لحاقهم بقازان ملك التتار

و فى هذه السنة، فى شهر ربيع الآخر، توجه الأمير سيف الدين قبجاق المنصورى، نائب السلطنة بالشام، و الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، أحد مقدمى الجيوش المنصورة المصرية، و الأمير فارس البكى الساقى، نائب السلطنة بالمملكة الصفدية، و الأمير سيف الدين بزلار، و الأمير سيف الدين عزار [الصالحى‏ (2)]، إلى بلاد التتار، و التحقوا بملكها قازان محمود.

و سبب ذلك أن الأمير سيف الدين منكوتمر، نائب السلطنة، ثقلت عليه وطأة الأمراء الأكابر. و قصد القبض عليهم أولا، و إقامة خوشداشيته ليصفو له الوقت، و يخلص له الأمر، و يتمكن السلطان بما قصده من تفويض ولاية العهد بعده له. فحسّن للسلطان القبض على من تقدم ذكرهم، فقبض عليهم. ثم شرع فى التدبير على من بالشام من الأمراء و النواب، الذين يعلم منهم الممالاة (3) و المناوأة. فجهز الأمير علاء الدين ايدغدى‏ (4) شقير إلى حلب، كما تقدم، و أردفه بالأمير سيف الدين حمدان بن صلغاى، و على يده كتاب إلى نائب السلطنة

____________

(1) فى الأصل تدبيرا و ما هنا هو الصواب لغويا.

(2) الاضافة من بيبرس الدوادار: زبدة الفكرة ج 9، ص 337.

(3) فى الأصل المماءلة: و ما هنا هو الصواب لغويا.

(4) فى الأصل ايدغى، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 853.

353

بالمملكة الحلبية، بالقبض على الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، [و على‏ (1)] الأمير فارس الدين البكى، و الأمير سيف الدين طقطاى، و الأمير سيف الدين بزلار، و الأمير سيف الدين عزار. و من يعذر عليه القبض عليه، يتحيّل فى سقيه.

فسقى الأمير سيف الدين طقطاى فمات بحلب، فى أول شهر ربيع الأول.

و اتصل الخبر ببقية الأمراء، فاحتاطوا لأنفسهم، و احترزوا فى مأكلهم و مشربهم و ملبسهم. و أعمل الأمير سيف الدين الطباخى الحيلة فى القبض عليهم، و ذلك بعد خروجهم من سيس. فجهز سماطا، و احتفل به، و تحدث مع الأمراء أن يتوجهوا معه، و يحضروا السماط، فامتنعوا من ذلك، و اعتذروا له، و توجهوا إلى خيامهم.

فلم تجمع‏ (2) هذه المكيدة. و كان السلطان قد كتب إلى الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، أن يجهز طلبه و أثقاله إلى المملكة الطرابلسية، و يكون نائبا عن السلطنة بها، و ذلك بعد وفاة الأمير عز الدين أيبك الموصلى. و أن يحضر هو بنفسه إلى الأبواب السلطانية، على خيل البريد، ليوصيه السلطان مشافهة.

فأظهر البشر لذلك، و علم أنه خديعة.

و لما كان فى مساء النهار، الذى عمل الطباخى فيه السماط، اجتمع الأمير سيف الدين الطباخى النائب بحلب، و الأمير سيف الدين كجكن، و الأمير علاء الدين ايدغدى شقير، و أرسلوا إلى الأمير بكتمر السلاح دار و البكى و من معهما، يطلبونهم للحضور لمشورة. و أن سبب هذا الاجتماع، أن بطاقة وردت فى البيرة فى أواخر النهار، تتضمن أن التتار أغاروا على ما حول البيرة، فأجابوا بالامتثال، و أنهم يحضرون إلى الخدمة فى إثره. فعاد، و ركبوا فى الوقت على حميّة.

____________

(1) الإضافة للتوضيح.

(2) كذا فى الأصل، و المقصود لم تنجح أو تنجع هذه المكيدة.

354

فأما بزلار فإنه ساق هو و خمسة نفر، و عبر الفرات إلى رأس العين و انتهى إلى سنجار فتوفى بها. و أما الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، و الأمير فارس الذين البكى، و الأمير سيف الدين عزار، فإنهم توجهوا إلى حمص، و اجتمعوا بالأمير سيف الدين قبجاق، و أطلعوه على جلية الحال، و حلفوه لأنفسهم، و حلفوا له. و كتب إلى السلطان يعلمه بما وقع من الاختلاف، و بوصول الأمراء إليه، و يسأل لهم الأمان» و أن يطيب السلطان خواطرهم.

و سيّر بذلك الأمير سيف الدين بلغاق‏ (1) ابن الأمير سيف الدين كونجك الخوارزمى على خيل البريد. فوصل إلى دمشق، فى يوم السبت خامس شهر ربيع الآخر، و توجه منها إلى باب السلطان.

و كتب الأمير سيف الدين قبجاق إلى الأمير سيف الدين جاغان، و هو بدمشق، يطلب منه أن يرسل إليه مالا و خلعا من الخزانة، لينفق المال على الأمراء، و يخلع عليهم، و يطيب خواطرهم. فلم يجب إلى ذلك. و كتب إليه يلومه على إغفاله أمر الأمراء، الذين وصلوا إليه، و هم طلبة السلطان، و كونه تمكن من القبض عليهم، و لم يفعل. و كتب إليه الأميران سيف الدين كجكن، و علاء الدين ايدغدى شقير، و هما يلومانه و ينكران عليه كونه أقر هؤلاء الأمراء عنده، مع تمكنه من القبض عليهم، و قد علم خروجهم على الطاعة و أغلظا له فى القول، و تواعداه، أنه متى لم يقبض عليهم، حضروا إليه، و قبضوا عليه و عليهم، و كاشفاه فى القول مكشفة ظاهرة. فتسلّل‏ (2) عن الأمير

____________

(1) فى الأصل بلقاك، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 855.

(2) فى الأصل و تفلل، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 855.