نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج31

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
460 /
355

سيف الدين قبجاق من معه من العسكر الشامى: و عادوا إلى دمشق، أولا فأولا. فكتب إلى جاغان فى ذلك، و أن يردّهم إليه، فلم يفعل. و شكر [جاغان‏ (1)] من حضر.

فرأى الأمير سيف الدين قبجاق أن أمره قد انتقص، و بلغه أن العسكر المجرد بحلب قد توجه نحوه. فركب فى ليلة الثلاثاء، ثامن شهر ربيع الآخر من حمص، هو و الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، و الأمير فارس الدين البكى، و الأمير سيف الدين عزار، و قبضوا على الأمير علاء الدين أقطوان النائب بحمص، و استصحبوه معهم إلى القريتين، ثم أخذوا فرسه و أطلقوه.

و توجهوا فى جماعة، يقال إن عدة من صحبهم من ألزامهم و مماليكهم خمسمائة فارس. و توجهوا لا يلوون على شي‏ء، و تعقبهم الأمير سيف الدين كجكن و الأمير علاء الدين ايدغدى شقير، فى طائفة من العسكر إلى الفرات، فما أدركوهم، و وجدوا بعض أثقالهم فأخذوها (2).

ثم ورد عليهم الخبر بقتل السلطان، فانحلت عزائمهم، و تفلّلت آراؤهم. و ساق سيف الدين بلبان القصاص البريدى إلى رأس عين، و لحق الأمير سيف الدين قبجاق بها. و أعلمه بمقتل السلطان، و سأله الرجوع بمن معه. و حلف له على صحة ما أخبره به، فظن أن ذلك مكيدة. ثم تحقق الحال بعد ذلك و قد تورط، و صار فى بلاد العدو، فلم يمكنه الرجوع.

و لما وصل الأمراء إلى رأس عين، بلغ مقدم التتار بتلك الجهة خبر وصولهم، فخافهم. ثم تحقق أنهم حضروا إلى خدمة الملك قازان، فحضر إليهم و أكرمهم،

____________

(1) الإضافة للتوضيح.

(2) يقابل ما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 855.

356

و خدمهم صاحب ماردين، و قدّم لهم أشياء كثيرة. و قصد بولاى مقدم التتار، بتلك الناحية، أن الأمراء يتوجهون‏ (1) إلى جهة فازان على خيل البريد. و يتأخر من معهم من أتباعهم و ألزامهم عن الوصول إلى البلاد، حتى يرد المرسوم.

فامتنع قبجاق من ذلك، و أبى إلا الدخول بالطّلب‏ (2) و الجماعة الذين معه، فامتنع التتار عليه. فيقال إنه أخرج إليهم كتاب الملك قازان إليه، و هو فى بالشت‏ (3) ذهب. فعند ذلك خضعوا له، و مكّنوه مما أراد، من الدخول بالطّلب.

و توجهوا كذلك، و دخلوا إلى الموصل بطلبين‏ (4)، و التقاهم أهل البلد. و توجهوا من الموصل، و انتهوا إلى بغداد. فخرج إليهم عسكر المغل و الخواتين و التقوهم.

ثم توجهوا إلى قازان، و هو يومئذ بأرض السيب‏ (5) من أعمال واسط. فأكرمهم و أحسن إليهم، و أوجب ذلك وصول قازان بجيوشه إلى الشام على ما نذكره إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) فى الأصل يتوجهوا، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(2) الطلب، انظر ما سبق ص 42 حاشية 1.

(3) بالشت، لفظ فارسى، معناه الوسادة و الحشية، و لعل المقصود هنا، حقيبة بزركش ذهب تحفظ بها الرسائل الهامة، انظر.Steingass :Pers .Eng .Dict . و يشير المقريزى: السلوك ج 1، ص 872 إلى أن قبجاق كان مدة نيابته لدمشق، يكاتب غازان.

و عند ما عزم على اللحاق به استدعى منه طمغا البريد التى يركب بها الأمراء عندهم، فبعثها غازان إليه، و صارت عنده، حتى ركب من ماردين فحملها إليه. و هذه الرواية قريبة من رواية النويرى بالمتن، فالطمغا و التمغا، لفظ تركى الأصلى، معناه هنا أمر ملكى، و من معانيه أيضا علامة متفق عليها، مصنوعة من الذهب أو الفضة.

(4) فى الأصل مطلبين، و ما هنا به يستقيم المعنى.

(5) السيب، كورة فى إقليم واسط. ياقوت: معجم البلدان.

357

ذكر مقتل السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصورى و نائبه منكوتمر

كان مقتلهما فى ليلة يسفر (1) صباحها عن يوم الجمعة، الحادى عشر من شهر ربيع الآخر، سنة ثمان و تسعين و ستمائة. و سبب ذلك، أن السلطان كان قد فوض الأمور إلى مملوكه نائبه الأمير سيف الدين منكوتمر، و قصد التخلى و الراحة و الدعة، و عزم على أنه إذا خلى وجهه من الأمراء، و قبض على من يخشى غائلته منهم، فوّض إليه أمر السلطنة، و احتجب هو، على قاعدة الخلفاء.

و إنما كان يمنعه من ذلك، وجود أكابر الأمراء، الذين لا يوافقونه‏ (2) على الرأى هذا. فلما قبض على من ذكرنا من أكابر الأمراء، و أبعد من بقى منهم بالتجريد إلى جهة الشام، استخف حينئذ منكوتمر، بمن بقى منهم، و استبد بالأمر. و آخر ذلك، أن السلطان رسم له أنه إذا كتب مرسوم سلطانى بإنعام أو غيره، بغير إشارته، يقطعه بعد العلامة السلطانية. فثقلت وطأته على الناس، و أنفت نفوس الأمراء من ذلك، و كرهوا بقاء الدولة، و أحبوا زوالها بسببه، مع إحسان السلطان إلى كثير منهم‏ (3). و كان الأمير سيف الدين كرجى، أحد الأمراء المماليك السلطانية، قد اختص بخدمة السلطان، و تقدم عنده، و جعله مقدما على المماليك السلطانية، على ما كان عليه الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى، فى الدولة الأشرفية. فبقى كرجى هو الساعى فى مصالح المماليك‏

____________

(1) الملحوظ أن المؤلف اتخذ فى الكتابة أسلوبا مختلفا عما سبق أن درج عليه فيما أورده من روايات.

(2) فى الأصل يوافقوه، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(3) وردت هذه الرواية، مع بعض التعديل، فى ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة، ج 8، ص 98.

358

السلطانية و المتلقى لمصالحهم، فانضموا إليه و دخلوا تحت طاعته، و قويت شوكته بهم، و شوكتهم به. فثقل ذلك على منكوتمر، و عمل على إبعاده.

و حسّن إلى السلطان أن يبعثه إلى نيابة السلطنة بالفتوحات ببلاد سيس‏ (1).

و كان قد تقدم من الأمراء، قبل كرجى، الأمير سيف الدين تمربغا، فعمل عليه منكوتمر و أبعده و أخرجه إلى الكرك. ثم نقله من الكرك إلى طرابلس، فى جملة الأمراء، فمات بها. فلما اتصل الخبر بكرجى، حضر إلى بين يدى السلطان، و تضرر و استعفى من هذه الولاية فأعفاه السلطان، و شرع فى العمل على منكوتمر. و اتفق أن الأمير سيف الدين طقطاى، أحد الأمراء الخاصكية، و هو نسيب الأمير سيف الدين طقجى، خاطب منكوتمر فى أمر فأغلظه فى القول، و سبّه، فشكا ذلك إلى الأمير سيف الدين طقجى‏ (2)، فأسرها فى نفسه.

و اجتمع هؤلاء الأمراء، و تشاكوا فيما بينهم، و ذكروا سوء سيرة منكوتمر فيهم، و قبح فعله و استخفافه بهم، و علموا أنهم لا يتمكنون‏ (3) منه، مع بقاء السلطان مخدومه، فاجتمع رأيهم على اغتيال السلطان.

فلما كان فى هذه الليلة المذكورة، جلس السلطان يلعب الشطرنج مع إمامه [نجم الدين‏] بن‏ (4) بن العسال، و كان قد تقدم عنده، و عنده قاضى القضاة

____________

(1) يقابل ما ورد فى ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة ج 8، ص 100- 101.

(2) فى الأصل طفجى، و ما هنا جرى اثباته بهذا الرسم، وفقا للصورة التى سبق وروده عليه، و سوف تتخذ هذه الصورة دون الإشارة إلى ذلك. و المعروف أن هذا الاسم وارد بكل من الصيغتين بمواضع شتى. انظر المقريزى: السلوك ج 1، ص 855 حاشية 5.

(3) فى الأصل يتمكنوا، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(4) الإضافة من المقريزى: السلوك ج 1، ص 856.

359

حسام الدين الحنفى‏ (1)، و كانت له عادة بالمبيت عند السلطان فى بعض الليالى.

فدخل عليه كرجى على عادته، فسأله السلطان عما فعل. فقال: قد أغلقت على الصبيان فى أماكن مبيتهم، و كان قد رتب بعضهم فى أماكن من الدهاليز. فشكره السلطان، و أثنى عليه. و ذكر للقاضى حسام الدين خدمته للسلطان، و ملازمته الخدمة. فقبّل كرجى الأرض، ثم تقدم لإصلاح الشمعة التى بين يدى السلطان، فأصلحها و ألقى فوطة خدمة كانت بيده على نمجاة (2) السلطان. و كان سلاح دار النوبة قد وافقه و باطنه على قتل السلطان. ثم قال كرجى للسلطان: ما يصلى مولانا السلطان العشاء، فقال نعم، و قام للصلاة. فأخذ السلاح دار النمجاه من تحت الفوطة. فعند ذلك، جرد كرجى سيفه، و ضرب السلطان به على كتفه، فأراد السلطان أخذ النمجاه فلم يجدها. فقبض على كرجى، و رماه تحته، فضربه السلاح دار بالنمجاه على رجله، فقطعها. فانقلب [السلطان‏] (3) على ظهره، و أخذته السيوف، حتى قتل. و هرب ابن العسال الإمام إلى خزانة، و صرخ قاضى القضاة حسام الدين عند ضرب السلطان، لا يحل [هذا لكم‏ (4)]، فهم كرجى بقتله. ثم تركه، و أغلق كرجى الباب عليه، و على السلطان.

____________

(1) هو حسام الدين الرازى الذى ولى قضاء قضاة الحنفية سنة 692، و استمر إلى أن قتل لاجين سنة 698، فتقل إلى قضاء دمشق. انظر ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة ج 7، ص 128- 729.

(2) النمجاه، بالهاء، خنجر مقوس شبه السيف القصير، و هو معرب اللفظ الفارس نيمجه.

و يقال أيضا نمجا و تمجه و تمشا، و تمشاه، و تمشه. انظر.Dozy :supp .Dict .Ar . المقريزى: السلوك ج 1، ص 857 حاشية 1.

(3) الإضافة للتوضيح.

(4) الإضافة من المقريزى: السلوك ج 1، ص 857.

360

ثم خرج [كرجى‏] (1). إلى الأمير سيف الدين طقجى، و قد استعد هو أيضا، و هو ينتظر ما يفعله كرجى، فأعلمه بقتل السلطان. ثم توجهوا إلى دار النيابة، و قد أغلقت. فطرق كرجى الباب، و استدعى الأمير سيف الدين منكوتمر برسالة السلطان، فأنكر حاله، و استشعر السوء، و امتنع من الإجابة. ثم قال له:

كأنكم فتلتم السلطان، فقال: نعم قتلناه، و سبّه. فعند ذلك ذلّ منكوتمر، و ضعفت نفسه، و استجار بالأمير سيف الدين طقجى، فأجاره و حلف له أنه لا يؤذيه، و لا يمكن من أذاه، فاطمأن ليمينه و خرج إليهم. فأرسلوه إلى الجب، و أنزلوه إليه، فلما رآه الأمراء، قاموا إليه، و ظنوا أن السلطان نقم عليه، و سألوه عن الخبر. فأخبرهم بقتل السلطان، فسبوه، و ذكّروه بسوء فعله، و قصدوا قتله، ثم تركوه.

ثم رجع كرجى بعد اعتقال منكوتمر إلى مجلسه. و قال لطقجى: نحن ما قتلنا السلطان لإساءة صدرت منه إلينا، و إنما قتلناه بسبب منكوتمر، و لا يمكن ابقاءه. ثم قام، و توجه إلى الجب، و أخرجه و ذبحه من قفاه على باب الجب‏ (2).

فكانت مدة سلطنة الملك المنصور حسام الدين لاجين، منذ فارق الملك العادل الدهليز، و حلف الأمراء له بمنزلة العوجا، فى يوم الاثنين الثامن و العشرين من المحرم سنة ست و تسعين و ستمائة، و إلى أن قتل فى هذه الليلة، سنتين و شهرين و ثلاثة عشر يوما، و منذ خلع الملك العادل نفسه بدمشق، و حلف له، و اجتمعت الكلمة عليه بمصر و الشام، فى يوم السبت رابع عشرين صفر من السنة

____________

(1) الإضافة للتوضيح.

(2) يقابل ما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 858، و بيبرس الدوادار: زبدة الفكرة ج 9، ص 347.

361

المذكورة إلى هذا التاريخ الذى قتل فيه، سنتين و شهرين إلا ثلاثة عشر يوما.

و دفن بتربته بالقرافة، و دفن نائبه منكوتمر بالتربة أيضا.

و كان (رحمه الله تعالى) ملكا عادلا، يحب العدل و يعتمده، و يرجع إلى الخير و يميل إليه، و يقرب أهله. و كان حسن العشرة، يجتمع بجماعة من المتعممين و العوام، و يأكل طعامهم. و كان أكولا، و لم يكن فى دولته و أيامه ما يعاب و ينكر، إلا انقياده إلى مملوكه نائبه منكوتمر، و الرجوع إلى رأيه، و موافقته على مقاصده حتى كان عاقبة ذلك قتلهما. و اثرت موافقته له، من الفساد على العباد و البلاد و سفك دماء المسلمين، ما لم يستدرك. و ذلك أن الأمراء الذين فارقوا الشام، و توجهوا إلى التتار خوفا منه، أوجب توجههم إلى قازان، وصوله إلى الشام و خراب البلاد، و سفك الدماء، على ما نذكره بعد فى موضعه إن شاء اللّه تعالى.

و بلغنى أن الملك المنصور هذا ما زال يستشعر القتل، منذ قتل السلطان الملك الأشرف، و أنه فى يوم الخميس بعد العصر، العاشر من شهر ربيع الآخر، و هو اليوم الذى قتل فيه عشيته، أحضر إليه ندب نشاب‏ (1) ميدانى، من السلاح‏خاناه السلطانية. فجعل يقلبه فردة فردة، و يقتل كل فردة منها، و يقول عند قتلها، من قتل قتل، و كرر هذا القول مرارا. فقتل بعد أربع ساعات من كلامه أو نحوها. و أجرى اللّه هذا الكلام على لسانه، و النفوس حساسة فى بعض الأحيان.

____________

(1) الندب: الحزمة من النشاب.Dozy :supp .Dict .Ar .

362

و حكى لى بعض من أثق به، عن الأمير بدر الدين بكتوت العلائى حكاية عجيبة تتعلق به، و بالسلطان الملك الأشرف، أحبيت ذكرها فى هذا الموضع، فالشى‏ء بالشى‏ء يذكر.

قال بكتوت العلائى: كنت فى خدمة السلطان الملك الأشرف فى الصيد، و أنا يومئذ و الأمير حسام الدين لاجين سلاح دارية، نحمل السلاح خلف السلطان. فاجتمعنا بحلقة صيد، و كانت النوبة فى حمل السلاح‏ (1) خلف السلطان للأمير حسام الدين. و قد تقدمت إليه أنا، فى مكان من الحلقة، و إذ أنا بلاجين قد أدركنى، و أعطانى سلاح السلطان. و قال: خذ السلاح، و توجه إلى السلطان، فإنه قد رسم بذلك. فأخذت السلاح، و توجهت إلى خدمة السلطان. و ساق لاجين فى مكانى الذى كنت به من الحلقة. فلما انتهيت إلى السلطان، وجدته و هو على فرسه، و قد جعل طرف عصا المقرعة على رأس النمازين‏ (2)، و الطرف بجهته، و كأنه فى‏ (3) غيبة من حسه. فلما جئت قال لى: يا بكتوت و اللّه، التفت إلى ورائى، فرأيت لاجين خلفى، و هو حامل سلاحى، و السيف فى يده. فخيل إلىّ أنه يريد أن يضر بنى به، فنظرت إليه، و قلت له يا أشقر (4)، أعط السلاح لبكتوت يحمله، و توجه أنت مكانه. قال بكتوت العلائى: فقلت للسلطان، أعيذ مولانا السلطان باللّه، أن يخطر هذا بباله، و لاجين أقل من هذا، و أضعف نفسا أن يخطر هذا بباله، فضلا [عن‏] (5) أن يقدم عليه، و هو

____________

(1) فى الأصل السلطان، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 855.

(2) النمازين، و هو السرج حسبما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 860.

(3) فى الأصل عينه، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 860.

(4) فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 860 يا شقير.

(5) الإضافة من المقريزى: السلوك ج 1، ص 860.

363

مملوك السلطان، و مملوك السلطان الشهيد، و تربية بيته الشريف. هذا معنى كلامه.

قال: و شرعت أصرفه عن هذا. فقال لى: و اللّه ما عرفتك إلا ما خطر لى و تصورته. قال بكتوت العلائى: فخشيت على لاجين، كون هذا السلطان يتخيل هذا الأمر فيه، و ينكفه عنه. و أردت أن أنصحه، فاجتمعت به فى تلك الليلة فى خلوة. و قلت له: باللّه عليك، تجنب هذا السلطان، و لا تكثر من حمل السلاح، و لا تنفرد معه. فسألنى عن موجب هذا الكلام. فأخبرته بما ذكره السلطان لى، و بما أجبته. فشرع يضحك ضحكا كثيرا و يتعجب.

فقال، ما ضحكى إلا من إحساسه، و اللّه لما نظر إلىّ، و قال لى يا اشقر (1) كنت قد عزمت على تجريد سيفه و قتله به. قال بكتوت العلائى: فعجبت من ذلك غاية العجب. و لنرجع إلى سياقة الأخبار بعد مقتلهما، إن شاء اللّه تعالى.

ذكر ما اتفق بعد مقتل الملك المنصور و نائبه منكوتمر، من الحوادث و الوقائع المتعلقة بأحوال السلطنة بمصر و الشام، إلى أن عاد السلطان الملك الناصر

لما قتل الملك المنصور حسام الدين لاجين، و نائبه الأمير سيف الدين منكوتمر، كان بالقلعة من الأمراء، غير طقجى و كرجى، الأمير عز الدين أيبك الخزندار، و الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير [و سيف الدين سلار الأستادار (2)]، و الأمير حسام الدين لاجين الرومى أستاذ الدار، و كان قد وصل‏

____________

(1) فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 860 يا شقير.

(2) الإضافة من المقريزى: السلوك ج 1، ص 860.

364

على خيل البريد من حلب، بعد خروجه من بلاد سيس، و الأمير جمال الدين آقش الأفرم، و كان قد عاد من دمشق، بعد إخراج نائبها و العسكر منها إلى حمص، كما تقدم، و الأمير بدر الدين عبد اللّه السلاح دار، و الأمير سيف الدين كرد (1) الحاجب، هؤلاء الأمراء المشار إليهم. فاجتمعوا، و اتفقت آراؤهم على مكاتبة السلطان الملك الناصر و إحضاره من الكرك، و إعادة السلطنة إليه، و أن يكون الأمير سيف الدين طقجى الأشرفى نائب السلطنة، و انفصل الحال على ذلك.

ثم سمت بالأمير سيف الدين طقجى نفسه، إلى طلب السلطنة لنفسه، و تقرير النيابة لكرجى. و تأخر الإرسال إلى السلطان الملك الناصر. و ركب الأمير سيف الدين طقجى فى يوم السبت حادى عشر (2)، شهر ربيع الآخر، فى موكب النيابة، و الأمراء فى خدمته. و عاد إلى القلاعة، و جلس. و مدّ السلطان السماط، و قد تفوه الناس له بالسلطنة، و لكرجى بالنيابة (3).

حكى تاج الدين عبد الرحمن الطويل، مستوفى الدّولة، قال: طلبنى الأمير سيف الدين طقجى، و سألنى عن إقطاع نيابة السلطنة، فذكرت له بلاده‏

____________

(1) فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 860 كرت.

(2) هكذا فى الأصل المنسوخ المحقق، و بمتابعة التواريخ التى وردت فى الصفحات 357، 361، 365 من هذا الجزء يتبين أن يوم السبت يوافق ثانى عشر ربيع الآخر (المصحح).

(3) ما أورده النويرى هنا مختصرا، جاء بالتفصيل فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 866، إذ وصف ما دار من الحديث بين الأمراء على السماط، حول السلطنة، و استدعاء الملك الناصر.

فقام كرجى و قال: «يا أمراء! أنا الذى قتلت السلطان لاجين، و أخذت ثار أستاذى، و الملك الناصر صغير، ما يصلح، و لا يكون السلطان إلا هذا»- و أشار لطقجى-، «و أ ما أكون قائبه، و من خالف فدونه» فسكت الأمراء كلهم إلا كرت الحاجب، فإنه قال: «يا خوند! الذى فعلته أنت قد عليه الأمراء، و مهما رسمت ما ثم من يخالف»، و انفضوا.

365

و عبرها (1) و متحصلاتها، و ما انعقدت عليه جملة ذلك، فاستكثره، و قال هذا كثير، و أنا لا أعطيه لنائب. و رسم أن يوفّر منه جملة، تستقر فى الخاص.

و لم يبرز المرسوم بذلك. ثم خرجت من عنده، فطلبنى كرجى، و سألنى عن إقطاع النيابة، كما سألنى طقجى، فأخبرته بذلك. فاستقلّه، و قال أنا ما يكفينى هذا، و لا أرضى به. و شرع يسأل عن بلاد يطلبها زيادة على إقطاع منكوتمر.

قال: فعجبت من ذلك، كونهما جعلا فكرتهما و حديثهما فى هذا الأمر، قبل وقوع سلطنة هذا، و نيابة هذا (2).

ذكر مقتل سيف الدين طقجى‏ (3) و سيف الدين كرجى‏

كان مقتلهما فى يوم الاثنين، رابع عشر شهر ربيع الآخر، من السنة المذكورة. و ذلك أن الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى، أمير سلاح، وصل من غزاة سيس، فى هذا اليوم، هو و معه. و قد اتصل به خبر مقتل السلطان فاتفق الأمراء الأكابر على الخروج لتلقيه. و عرضوا ذلك على الأمير سيف الدين طقجى، و أشاروا أن يركب معهم. فامتنع من ذلك، و أظهر عظمة و كبرا.

فقالوا له إن عادة الملوك تتلقّى أكابر الأمراء، إذا قدموا من الغزاة، سيّما مثل هذا الأمير الكبير، الذى هو بقية الأمراء الصالحية. و قد طالت غيبته، و فتح هذه الفتوح. و لاطفوه، إلى أن ركب معهم، و خرج للقائه. فلما التقوا،

____________

(1) فى الأصل غيرها، و ما هنا به يستقيم المعنى، و المقصود بالعبرة.

(2) هذه الرواية أوردها باختصار المقريزى: السلوك ج 1، ص 866.

(3) فى الأصل الطقجى، و ما هنا هو الرسم المعروف لهذا الاسم.

366

سلّموا عليه، و سلّم عليهم. ثم قال الأمير بدر الدين [بكتاش‏] (1)، أمير سلاح، للأمراء: «أنا عادتى إذا قدمت من الغزاة، يتلقانى السلطان. و كيف ما أجرانى على عادتى». و كان قد علم بمقتل السلطان. و إنما أراد بذلك فتح باب للحديث. فقال له طقجى:- و هو إلى جانبه- «السلطان قتل». فقال: «و من قتله». قال بعض الأمراء: «قتله كرجى، و هذا».

- و أشار إلى طقجى- فقال: «لا بد من قتل قاتله». و نفر فى طقجى، و قال له: «لا تسوق إلى جانبى». فرفس طقجى فرسه، و برز عنه. فحمل عليه أحد المماليك السلطانية، فضربه بسيفه، فقتل. و اتصل خبر مقتله بكرجى، و كان قد تأخر فى طائفة من المماليك السلطانية، تحت القلعة. فهرب و قصد جهة القرافة فأدركوه عند قبور أهل الذمة، ببساتين الوزير، فقتل هناك، و لقى عاقبة بغيه‏ (2).

قضى اللّه أن البغى يصرع أهله‏ * * * و أن على الباغى تدور الدوائر

و لما قتل الأمير سيف الدين طقجى، توجه الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى أمير سلاح إلى‏ (3) داره بالقاهرة (4)، و استقر بها. و كانت غيبته فى غزوة سيس هذه، أحد عشر شهرا و أياما. و حضر إليه بعض الأمراء الأكابر، و استشاره فى أمر السلطنة. فأشار بإعادة السلطان الناصر، و وافق رأيه رأيهم و اتفقت الآراء على أن ترجع الحقوق إلى نصابها، و تقرّ السلطنة الشريفة بيد

____________

(1) الإضافة للتوضيح.

(2) وردت هذه الرواية: مع بعض التعديل: فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 869- 869 و ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة: ج 9، ص 104.

(3) فى الأصل دوره، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 869.

(4) فى الأصل بالقصر، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 869.

367

من هو أحق و أولى بها، و تعود السلطنة إلى من نشأ فى حجرها وليدا، و تخول من منصبها الشريف طارفا و تليدا. و ندبوا الأمير سيف الدين آل‏ (1) ملك الجوكندار (2)، و الأمير علم الدين سنجر الجاولى، فتوجها إلى خدمة السلطان الملك الناصر بالكرك، على خيل البريد، لإحضاره. و طالعه الأمراء بما وقع، و ما اجتمعت الآراء عليه.

و بقى الأمر بالديار المصرية مشتركا، يعد مقتل طقجى، بين الأمراء، إلى أن وصل السلطان الملك الناصر من الكرك. و كانت الكتب تصدر، و عليها خط ستة من الأمراء و هم: الأمير سيف الدين سلار، و الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، و الأمير عز الدين أيبك الخزندار، و الأمير جمال الدين آقش الأفرم، و الأمير سيف الدين بكتمر أمير جاندار، و الأمير سيف الدين كرد (3) الحاجب. و صدرت الكتب فى بعض الأوقات، و عليها خط ثمانية، خط هؤلاء الستة و الأمير حسام الدين لاجين أستاذ الدار، و الأمير بدر الدين‏ (4) عبد اللّه السلاح دار.

____________

(1) فى الأصل الملك، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 969.

(2) فى الأصل الجو كان دار، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 869 و يرد هذا الإسم بهذين الرسمين، على أن الصورة المثبتة فى المتن هى التى ترد عادة فى المصادر العربية، و لذا سوف يجرى اثبات الاسم بهذا الرسم، دون الإشارة إلى ذلك.

(3) فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 969، و ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة ج 8، ص، 105، كرت.

(4) كذا فى الأصل، و فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 969، و ابن تغرى بردى، النجوم الزاهرة، ج 8، ص 105، جمال الدين.

368

و جلس الأمير عز الدين أيبك الخزندار، فى ابتداء الأمر فى مرتبة النيابة.

فإن الأمراء دعوا له حق التقدمة فى خدمة البيت المنصورى. و كان له رأى فاسد فى مملوك، كان عند الأمير سيف الدين طقجى، اسمه تستاى‏ (1)، فطلبه و هو فى المجلس بالدركاه، بباب القلعة، و ألحّ فى طلبه فأحضر إليه. فلما رآه، لم يتمالك عند رؤيته، أن لف شعره على يده، و قام من الدركاه، و خدم الأمراء، و توجه بالصبى إلى داره. و كان غرضه من المناصب و التقدم فى الدولة، تحصيل هذا المملوك، فاشتغل به عما سواه، و فارق المجلس، و قد ظفر بما تمناه، فعلم الأمراء عند ذلك، سوء تدبيره، و قلة دينه، و أنه لا يعتمد عليه فى شي‏ء، و لا يصلح للتقدم، و أنه لم يكن فيه من الصبر، عن غرضه الفاسد، التأنى بعض ساعة، حتى ينقضى ذلك المجلس، و يتفرق ذلك الجمع الكثير، و شاهدوا فعله بحضرتهم، و عدم تحاشيه منهم. فتقدم الأمير سيف الدين سلار عند ذلك و صار يجلس فى مرتبة النيابة، إلى أن حضر السلطان الناصر من الكرك.

هذا ملخص ما كان بالديار المصرية.

و أما دمشق و ما اتفق بها، بعد توجه الأمير سيف قبجاق، نائب السلطنة بها، منها:

فإن الأمير سيف الدين بلغاق‏ (2) الخوارزمى، لما توجه إلى الديار المصرية، من جهة الأمير سيف الدين قبجاق- كما قدمنا ذكر ذلك- وصل إلى القاهرة، فى يوم السبت ثانى عشر، شهر ربيع الآخر، بعد مقتل الملك المنصور [لاجين‏ (3)

____________

(1) فى الأصل بستاى، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 969.

(2) فى الأصل بلقاق، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 870.

(3) الإضافة للتوضيح.

369

فاجتمع بالأمير سيف الدين طقجى، و هو صاحب الأمر يومئذ، و أوصله ما كان على يده من المطالعات من جهة الأمير سيف الدين قبجاق، فقرئت عليه. و قال نكتب بإطابة قلبه، و قلوب الأمراء. ثم كان من قتل طقجى ما قدمناه. فكتب الأمراء الثمانية على يده إلى الأمراء بدمشق، بما وقع من قتل السلطان و نائبه منكوتمر، و طقجى و كرجى. و أن الحال قد استقر على عود الدولة الناصرية، و إطابة قلوب الأمراء. فوصل إلى دمشق فى يوم السبت، تاسع عشر الشهر، و كان المتحدث بها يومئذ الأمير سيف الدين جاغان و الحسامى. فقبض الأمير بهاء الدين قرا أرسلان المنصورى السيفى على جاغان و حسام الدين لاجين الحسامى، و كان قد ولى برّ دمشق، فى أوائل سنة ثمان و تسعين و ستمائة، و اعتقلهما بقلعة دمشق. و أوقع الحوطة على نواب الأمراء الأربعة المقتولين، و حواصلهم بدمشق. و جمع الأمراء بدمشق، و حلّفهم للسلطان الملك الناصر، و تحدّث بدمشق حديث نواب السلطنة. و لم تطل مدته، فإنه مات فى ثانى جمادى الأولى‏ (1)، فيقال إنه سقى.

ثم وردت كتب الأمراء، مدبرى‏ (2) الدولة بالديار المصرية إلى دمشق، فى يوم السبت، رابع جمادى الأولى‏ (3)، و هى مؤرخة بالسادس و العشرين من شهر ربيع الآخر، أن يستقر الأمير سيف الدين قطلبك‏ (4) المنصورى السيفى، فى وظيفة الشد بالشام، عوضا عن جاغان. فباشر فى يوم الاثنين بعد العصر، و كان الملك المنصور لاجين قد جهّزه إلى حلب، يتحدث فى الأموال و الحصون، و يشارك‏

____________

(1) فى الأصل الأول، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(2) فى الأصل مدبرين، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(3) فى الأصل الأول، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(4) فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 870 قطلوبك.

370

الأمير سيف الدين الطباخى فى الأمر، فوصل إلى دمشق، و نزل بالقصر الأبلق.

و اتفق قتل السلطان و هو بدمشق، فلم يمكنه التوجه إلى حلب و أقام بالميدان.

فلما ورد هذا الكتاب، انتقل من القصر، و سكن دار الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، و تحدث فى الأموال و غيرها. و بقى هو المشار إليه، إلى أن وصل إلى نائب السلطنة بدمشق.

ذكر عود السلطان الملك الناصر ناصر الدين محمد ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون إلى السلطنة ثانيا

قد ذكرنا أن الأمراء أرسلوا إلى خدمة السلطان الأمير بن سيف الدين آل‏ (1) ملك الجوكندار (2)، و علم الدين سنجر الجاولى، فتوجها إلى السلطان، فوجداه يتصيد بجهة بحور الكرك. فلما شاهداه ترجلا، و قبلا الأرض بين يديه، و قدّما إليه مطالعات‏ (3) الأمراء، و أعلماه بهذه الحوادث. فركب من وقته و عاد إلى الكرك، و تجهز منها، و ركب إلى الديار المصرية.

و كان وصوله إلى قلعة الجبل، فى يوم السبت الرابع من جمادى الأولى سنة ثمان و تسعين و ستمائة. و جلس على تخت‏ (4) السلطنة، فى يوم الاثنين سادس الشهر

____________

(1) فى الأصل الملك، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 873، انظر ما سبق ص 367 حاشية 2.

(2) فى الأصل الجو كان دار: و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 2، ص 873، انظر ما سبق ص 367 حاشية 2.

(3) انظر ما سبق ص 16 حاشية 3.

(4) تخت، و هو سرير الملك، و هو منبر من رخام بصدر إيوان السلطان الذى يجلس فيه، و هذا المنبر مستند إلى الحائط، و يجلس عليه السلطان فى الأيام الهامة، القلقشندى: صبح الأعشى ج 4، ص 6- 7.

371

المذكور، فكأنه المعنّى بقول القائل:

قد رجع الحق إلى نصابه‏ * * * و أنت من دون الورى أولى به‏

ما كنت إلا السيف سلته بد * * * ثم أعادته إلى قرابه‏

و ركب فى ثانى عشر الشهر بشعار السلطنة. و لما جلس، استشار الأمراء الأكابر، فيمن يرتبه فى النيابة و الوظائف. فوقع الاتفاق على أن يكون الأمير سيف الدين سلار المنصورى الصالحى نائب السلطنة بالأبواب الشريفة، و الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار العالية، و الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار المنصورى أمير جاندار، و الأمير جمال الدين أقش الدوادارى الأفرم الحاجب، نائب السلطنة بالشام، و الأمير سيف الدين‏ (1) كرد الحاجب، نائب السلطنة بالمملكة الطرابلسية و ما معها، عوضا عن الأمير عز الدين أيبك الموصلى المنصورى، و كان قد توفى إلى رحمة اللّه تعالى، فى صفر من هذه السنة. و أحضر الأمير سيف الدين قطلبك‏ (2) المنصورى من الشام، و رتّب أمير حاجب بالأبواب السلطانية. و أقر السلطان الصاحب الوزير فخر الدين عمر بن الخليلى على وزارته. و خلع السلطان على الأمراء و الأعيان، على جارى العادة.

و توجه الأمير جمال الدين آقش الأفرم إلى دمشق، على خيل البريد، فكان وصوله إليها، فى يوم الأربعاء ثانى عشرين جمادى الأولى. و أفرج عن الأمير سيف الدين جاغان الحسامى، فى يوم الأربعاء، تاسع عشرين الشهر، حسبما رسم به من الأبواب السلطانية. فتوجه إلى الديار المصرية، فوجد البريد و هو فى أثناء الطريق، بإعادته إلى الأمرة بدمشق، فعاد و استقر.

____________

(1) فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 873 كرت، انظر ما سبق.

(2) فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 873 تطلوبك انظر ما سبق.

372

و فى يوم الخميس حادى عشر جمادى الآخرة، خلع على الأمراء و الأعيان بدمشق، و لبسوا تشاريف السلطان. و وصل طلب نائب السلطنة، الأمير جمال الدين فى هذا اليوم، فتلقاه و الأمراء فى خدمته، و عليه التشاريف، و دخل دخولا حسنا.

و فيها، فى شهر رجب، توجه الأمير سيف الدين كرد (1) الحاجب، لنيابة السلطنة الشريفة بالمملكة الطرابلسية.

و فيها، رسم السلطان بالقبض على الأمير سيف الدين كجكن، أحد الأمراء الأكابر المقدمين بدمشق. فقبض عليه فى يوم الجمعة، ثانى عشرين شهر رجب، و اعتقل بقلعة دمشق. ثم جهّز إلى الأبواب السلطانية مقيدا، ثانى شهر رمضان، هو و حمدان و أخوه، ولدا صلغاى. و جرد معهم مائة فارس من عسكر الشام.

فوصلوا بهم إلى الأبواب السلطانية (2).

ذكر الإفراج عن الأمير شمس الدين سنقر الأعسر و تفويض الوزارة إليه‏

و فى هذه السنة، فى شهر رمضان، أفرج عن الأمير شمس الدين سنقر الأعسر العزّى المنصورى، و فوض إليه وزارة المملكة الشريفة، و تدبير الدولة بالديار المصرية، و عزل الصاحب فخر الدين الخليلى‏ (3)

____________

(1) فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 873 كرت.

(2) يقابل ما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 878.

(3) يقابل ما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 878.

373

ذكر وفود سلامش بن أفال بن بيجو (1) و أخيه قطقطو و من معهما، و عود سلامش و قتله‏

كان سلامش هذا، قد جهزه قازان‏ (2) ملك التتار إلى بلاد الروم، مقدما على تمان‏ (3)، و قيل بل كان معه خمسة و عشرون‏ (4) ألف فارس. و أمره قازان أن يأخذ عساكر الروم، و يتوجه إلى الشام من جهة سيس، و أن قازان يحضر بنفسه، ببقية جيوشه من جهة الفرات، و أن يكون اجتماعهم على حلب، ثم يعبرون‏ (5) بجملتهم إلى الشام. فلما وصل سلامش إلى بلاد الروم، خلع طاعة قازان، و حدثته نفسه بالملك، و كاتب ابن قرمان أمير التركمان، فأطاعه و انضم إليه فى عشرة آلاف فارس. و كتب إلى السلطان [المنصور لاجين‏ (6)]، يستنجده على قازان. و وصل برسالته و كتبه إلى الأبواب السلطانية، مخلص الدين الرومى.

فكتب السلطان إلى دمشق بتجهيز العساكر لنصرته و إنجاده.

____________

(1) فى الأصل بنجول، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 874، و فى ابن أبى الفضائل: النهج السديد ص 458 حاشية 1، بنجر.

(2) كذا فى الأصل، و ورد بصورة غازان فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 878 و سائر المصادر العربية.

(3) التمان و الطومان، انظر ما سبق ص 297 حاشية 3.

(4) فى الأصل عشرين، و ما هنا هو الصواب لغويا. انظر ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة ج 8، ص 117.

(5) فى الأصل يعبروا، و ما هنا هو الصواب لغويا. انظر ابن ثغرى بردى: النجوم الزاهرة ج 8، ص 117.

(6) الإضافة من المقريزى: السلوك ج 1، ص 876.

374

و لما اتصل بقازان خبر خروجه عن الطاعة، انثنى عزمه عن قصد الشام، فى هذه السنة. و جرد العساكر إلى سلامش فى أوائل جمادى الآخرة، و كانوا خمسة و ثلاثين ألفا، مع ثلاثة (1) مقدمين، و مرجعهم إلى بولاى‏ (2). فتوجهوا إلى سلامش، و كان قد جمع نحو ستين ألف فارس. و هو يحاصر سيواس، فإنها كانت قد عصت عليه. فأتته العساكر فى شهر رجب، و التقوا، ففارقه من كان معه من عسكر التتار، و التحقوا ببولاى، و كذلك عسكر الروم، و لحق التركمان بالجبال.

و بقى سلامش فى دون خمسمائة فارس، ففر من سيواس إلى بلاد سيس، و وصل إلى بهسنا (3) فى أواخر شهر رجب‏ (4)، ثم وصل إلى دمشق فى يوم الخميس، ثانى عشر شعبان، و صحبته الأمير بدر (5) الدين الذردكاش نائب بهسنا (6)، فتلقته عساكر دمشق بأحسن زى صحبة نائب السلطنة بدمشق.

ثم توجه سلامش إلى الأبواب السلطانية، فى يوم الأحد خامس عشر شعبان، على خيل البريد، فوصل إلى الأبواب السلطانية، و هو و أخوه قطقطو،

____________

(1) فى الأصل ثلاث، و ما هنا هو الصواب لغويا. انظر ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة ج 8، ص 118.

(2) فى الأصل مولاى، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 877، و ابن تغرى بردى:

النجوم الزاهرة ج 8، ص 118.

(3) فى الأصل بهنا، و ما هنا من ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة ج 8، ص 119 و المقريزى: السلوك ج 1، ص 877.

(4) يقابل ما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 887.

(5) فى الأصل عز الدين، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 877، انظر ما يلى.

(6) فى الأصل بهنا و ما هنا هو الصواب انظر ما سبق أعلاه حاشية 3.

375

فأكرمهما السلطان و الأمراء، و أحسنوا إليهما. و خيّر [سلامش‏ (1)] بين المقام بالديار المصرية أو العود. فسأل أن يجرد السلطان معه جيشا، ليتوجه إلى بلاد التتار، و يأخذ عياله‏ (2)؛ و يرجع إلى خدمة السلطان. فجهزه السلطان إلى حلب.

و رسم أن يجرد معه الأمير سيف الدين بكتمر الجلمى‏ (3)، و أعانه‏ (4). فوصل إلى دمشق فى الحادى و العشرين من شهر رمضان. و توجه فى الثالث و العشرين من الشهر، صحبة الأمير بدر الدين الذردكاش. و لما وصل إلى حلب، جرد معه الأمير سيف الدين بكتمر الجلمى حسب المرسوم. فساروا إلى بلاد سيس، فشعر بهم صاحبها و التتار الذين بتلك الأعمال. فأخذوا عليهم الطرق و المضايق، و التقوا و اقتتلوا، فقتل الجلمى، و لجأ (5) سلامش إلى بعض القلاع. فأرسل قازان فى طلبه، و استنزله فحمل إليه فقتله.

و استقر قطقطو (6) و مخلص الدين الرومى فى الخدمة الشريفة السلطانية بالديار المصرية. فأنعم السلطان على قطقطو بإقطاع، و على مخلص الدين براتب.

____________

(1) الإضافة للتوضيح.

(2) فى الأصل لعياله، و ما هنا هو الصواب لغويا. و فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 877، و يحضر بعياله.

(3) فى الأصل الحلبى، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 878، و من بيبرس الدوادار: زبدة الفكرة ج 9، ص 340.

(4) فى الأصل و أعاده، و ما ورد بالمتن به يستقيم المعنى.

(5) فى الأصل و نجا، و ما هنا من بيبرس الدوادار: زبدة الفكرة ج 9، ص 340، و فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 877 و فر.

(6) كذا فى الأصل، و فى بيبرس الدوادار: زبدة الفكرة ج 9، ص 240، و ورد بالرسم قطقطو أيضا فى مواضع عديدة، انظر ما سبق.

376

و فى هذه السنة، فى شهر رمضان، وصل رسول صاحب سيس و رسول صاحب القسطنطينية بتحف و هدايا، و تقادم للسلطان. فوصلوا إلى دمشق فى رابع الشهر، و توجهوا منها إلى الأبواب السلطانية، فى سادسه‏ (1). و يقال إن مضمون رسالة صاحب القسطنطينية، الشفاعة فى صاحب سيس، و اللّه أعلم.

ذكر وصول مراكب الفرنج إلى ساحل الشام و تكسير بعضها (2)، و رجوع ما (3) سلم منها (4)

و فى هذه السنة، فى العشر الأخر من شعبان، وصل إلى بيروت مراكب كثيرة. و بطش‏ (5) للفرنج فيها جماعة كثيرة من المقاتلة، يقال إن البطش كانت ثلاثين بطشة، فى كل بطشة منها، نحو سبعمائة. و قصدوا أن يطلعوا من مراكبهم إلى البر، و تحصل إغارتهم على بلاد الساحل. فلما قربوا من البر، أرسل اللّه عز و جل عليهم ريحا مختلفة. فغرقت بعض هذه المراكب، و تكسر بعضها. و رجع من سلم منهم على أسوأ حال، و كفى اللّه تعالى شرهم. و حكى عن‏

____________

(1) يقابل ما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 878.

(2) فى الأصل بعضهم، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(3) فى الأصل من، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(4) فى الأصل منهم، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(5) البطشة: البطسة، السفينة الكبيرة، و أشار ابن واصل: مفرج الكروب ج 2، ص 351 إلى أن صلاح الدين أمر سنة 587 ه بتعبية بطشة عظيمة هائلة ببيروت: مشحونة بالآلات و الأسلحة و المير و الرجال و المقاتلة لتدخل إلى عكا و كانت عدة المقاتلة بها ستمائة و خمسين رجلاDozy :supp .Dict .Ar .

377

الرئيس ببيروت، أنه قال: و اللّه لى خمسون‏ (1) سنة، ألازم هذا البحر، فما رأيت مثل هذه الريح، التى خرجت على هذه المراكب، و ليست من الرياح المعروفة عندنا (2).

و فى هذه السنة، عزل قاضى القضاة حسام الدين الرومى الحنفى عن القضاء بالديار المصرية، و أعيد إلى القضاء بدمشق عوضا عن ولده القاضى جلال الدين.

و كان وصوله إلى دمشق فى يوم الخميس، سادس ذى الحجة. و لما عزل فوض القضاء بالديار المصرية، على مذهب الإمام أبى حنيفة، للقاضى شمس الدين أحمد السروجى الحنفى، على عادته.

و فيها، كانت وفاة الأمير الزاهد بدر الدين الصوابى فجأة فى ليلة الخميس، تاسع جمادى الأولى، و دفن بسفح قاسيون بكرة النهار. و كان أميرا دينا صالحا، خيرا كثير البر و الصدقة. و روى الحديث النبوى، و كان له فى الإمرة نحو أربعين سنة. و كان من مقدمى الألوف و أمراء المائة بالشام، (رحمه الله تعالى).

و فيها، كانت وفاة بدر الدين بيسرى الشمسى الصالحى النجمى، الأمير الكبير المشهور فى معتقله، بالفاعة الصالحية، بقلعة الجبل المحروسة، و أخرج و دفن بتربته. و كان الملك الناصر، لما عاد الى الملك، رسم بالإفراج عنه. فوقف الأمراء فى ذلك، و حسّنوا للسلطان‏ (3) إبقاءه على ما هو عليه. فرجع إلى رأيهم و أبقاه‏ (4)، فمات بعد ذلك بمدة يسيرة. و كان (رحمه الله تعالى)، كريم النفس، عالى الهمة، يعطى الكثير و يستقلّه، و كان عليه فى أيام إمرته لجماعة كثيرة من‏

____________

(1) فى الأصل خمسين، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(2) يقابل ما ورد فى المقريزى السلوك ج 1، ص 875.

(3) انظر ما سبق ص 331- 335 من هذا الجزء (المصحح).

(4) فى الأصل ابقاؤه، و ما هنا هو الصواب لغويا.

378

مماليكه و أولادهم، و خدامه، الرواتب الوافرة من اللحم و التوابل و الجرايات و العليق. فرتب لبعضهم فى كل يوم سبعين رطلا من اللحم بالمصرى، و ما يحتاج إليه من التوابل و الخضراوات و الحطب، و سبعين عليقة، و لأقلهم خمسة أرطال، و خمس علائق، و لبعضهم عشرين رطلا و عشرين عليقة، هذا زيادة من جهته على ما لهم من الإقطاعات السلطانية. و بلغ ما يحتاج إليه فى كل يوم بسماطه و دوره المرتب عليه فيما بلغنى، ثلاثة آلاف رطل لحم، و ثلاث‏ (1) آلاف عليقة. و كان ينعم بألف دينار عينا، و بألف أردب غلة، و بألف قنطار من العسل. و يتصدق على الفقراء بألف درهم و خمسمائة درهم. و لا يعطى أقل من ذلك إلا فى النادر عند التعذر. و لا يفعل ذلك عن امتلاء (2) و لا سعة. ما زال عليه لأرباب الديوان أربعمائة ألف درهم، و أكثر من ذلك. و إذا و فى دينا، اقترض خلافه، يتكرم بذلك. و لا يتجاسر أحد من مماليكه و ألزامه أن يعدله عن ذلك، و لا يشافهه فى الإمساك عنه، و الاختصار منه. و إن كلمه أحد منهم، أنكر عليه، و ربما ضربه و أهانه، و عزله عن وظيفته، و إن كان أستاذ دار أو مباشرا عنده. و كانت مكارمه كثيرة مشهورة و عطاياه و صلاته وافره مذكورة، ما رأى أهل عصره من أمثاله فى المكارم و العطايا و الإنفاق و الهبات و الصلات مثله، (رحمه الله تعالى)، و مات و عليه من الديوان، ما يزيد على أربعمائة ألف درهم، و رتب بعده من موجوده و أملاكه، (رحمه الله تعالى)(3)

____________

(1) فى الأصل ثلاثة: و ما هنا هو الصواب لغويا.

(2) فى الأصل ملأة: و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 879.

(3) انظر ترجمته فى المقريزى، السلوك ج 1، ص 879- 880، و المواعظ و الاعتبار ج 2، ص 69. و انظر أيضا ترجمته فى المنهل الصافى، (المرجع السابق)، ح 3، ترجمة رقم 741.

و عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان، العينى، تحقيق د. محمد محمد أمين. مركز تحقيق التراث، 1990. القسم الثالث، ص 405، 483 (المصحح).

379

ذكر وفاة الملك المظفر صاحب حماه‏

و فى يوم الخميس، الحادى و العشرين من ذى القعدة، كانت وفاة الملك المظفر تقى الدين محمود ابن الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب صاحب حماه، بها. و دفن ليلة الجمعة، آخر الليل عنده أبيه (رحمهما الله تعالى). و مولده فى الساعة العاشرة، من ليلة الأحد، خامس عشر المحرم، سنة سبع و خمسين و ستمائة. و أمه عائشة خاتون بنت الملك العزيز غياث الدين محمد ابن الملك الظاهر غازى ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيوب. فيكون عمره، (رحمه الله تعالى)، إحدى و أربعين سنة و عشر أشهر و سبعة أيام، و مدة ملكه بحماه خمس عشرة سنة (1) و شهرا واحدا و يوما واحدا، (رحمه الله تعالى). و انقطع ملك حماه بعده من البيت الأيوبى سنين‏ (2)، إلى أن أعاده السلطان الملك الناصر فى سلطنته الثالثة، على ما نذكره إن شاء اللّه تعالى فى موضعه.

و لما مات، فوضت نيابة السلطنة بحماه إلى الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى، كما تقدم، و تداولها جماعة من النواب يأتى ذكرهم، إن شاء اللّه تعالى، فى مواضعه.

و فيها، توفى الملك الأوحد نجم الدين يوسف ابن الملك الناصر صلاح الدين داود ابن الملك المعظم شرف الدين عيسى ابن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب، (رحمهم الله تعالى)، فى ليلة الثلاثاء الرابع و العشرين من ذى الحجة بالقدس الشريف، و دفن من الغد برباطه عند باب خطّه شمالى الحرم، و كان‏

____________

(1) فى الأصل خمسة عشر سنة، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(2) انظر أبو الفدا: المختصر فى أخبار البشر، طبعة القاهرة 1325، ج 4، ص 41- 42.

380

من المشهورين بالجلالة و التقدم فى المجالس، و عند الملوك، و كان كثير الإحسان إلى الضعفاء، (رحمه الله تعالى)(1).

و فيها، توفى نجم الدين أيوب ابن الملك الأفضل على ابن الملك الناصر داود بدمشق، و صلى عليه يوم الجمعة، رابع عشر ذى الحجة، (رحمه الله تعالى).

و فيها، كانت وفاة الشيخ الإمام حجة العرب بهاء الدين أبى عبد اللّه محمد بن إبراهيم ابن محمد بن نصر بن النحاس الحلبى النحوى بالقاهرة، فى يوم الثلاثاء سابع جمادى الأولى، فى الثالثة من النهار. و أخرج من الغد، و دفن بالقرافة، و مولده بحلب، فى يوم الأربعاء، سلخ جمادى الآخرة، سنة سبع و عشرين و ستمائة، (رحمه الله تعالى)(2).

و فيها، توفى تقى الدين توبة بن على بن مهاجر التكريتى، فى ليلة الخميس، ثانى جمادى الآخرة بدمشق. و دفن بتربته بسفح قاسيون (رحمه الله تعالى)(3).

و فيها، كانت وفاة الأمير جمال الدين آفش المغيثى، متولى البيرة، و كان له بها نحو أربعين سنة (4).

ذكر توجه السلطان إلى الشام‏

و فى هذه السنة، تواترت الأخبار بحركة التتار، فندب السلطان الجيوش المصرية و جردها. و كان قد جرد فى جمادى الآخرة، الأمير سيف الدين بلبان‏

____________

(1) يقابل ما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 881.

(2) وردت له ترجمة وافية فى ابن شاكر: فوات الوفيات ج 2، ص 172- 174 و انظر ترجمته أيضا فى عقد الجمان، (المرجع السابق) القسم الثالث، ص 477 (المصحح).

(3) يقابل ما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 881.

(4) يقابل ما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 879.

381

الجيشى و مضافيه، و الأمير بدر الدين عبد اللّه السلاح دار و مضافيه، و الأمير جمال الدين آقش الموصلى المعروف قتال السبع، و الأمير مبارز الدين الرومى أمير شكار و مضافيه، فوصلوا إلى دمشق، فى سابع شهر رجب. فلما قويت الأجناد الآن، جرّد الأمير سيف الدين قطابك الحاجب و مضافيه، و الأمير سيف الدين نوكية التتارى و مضافيه، فوصلوا إلى دمشق فى يوم الاثنين رابع عشرين ذى الحجة. ثم توجه السلطان بعد ذلك، بالعساكر المنصورة. فاستقل ركابه الشريف من قلعة الجبل فى الرابع و العشرين من ذى الحجة. و استناب فى غيبته بقلعة الجبل المحروسة، الأمير ركن الدين بيبرس الدوادارى المنصورى.

382

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

383

و استهلت سنة تسع و تسعين و ستمائة [699- 1299/ 1300]

و السلطان الملك الناصر متوجه‏ (1) بالجيوش إلى الشام، فوصل إلى غزة فى المحرم. و نزل بتل العجول.

ذكر الفتنة التى أثارها الأويرانية بهذه المدينة (2)

لما حل ركاب السلطان بمنزلة تل العجول، اتفق جماعة من الأويرانية، الذين وفدوا إلى الديار المصرية، فى الأيام العادلية الزينية، مع الأمير سيف الدين برلطاى‏ (3)، أحد الأمراء المماليك السلطانية الذين كانوا بدار الوزارة، على إثارة فتنة. فبينما الأمراء فى الموكب، لم يشعروا إلا و قد شهر برلطاى سيفه، و حمل نفسه، و كرّ صوب الدهليز المنصور السلطانى، فأمسك. و سيره السلطان إلى الأمراء، فقتل لوقته. و قبض على جماعة من المماليك السلطانية، و سيروا إلى قلعة الكرك، و اعتقلوا بها. و قبض على جماعة من الأويرانية، فشنقوا بظاهر غزة. و كان من أنهم بمباطنتهم قطلو برس‏ (4) العادلى، فطلب فلم يوجد. و اختفى مدة، ثم حصل الظفر به، بعد ذلك، فشنق بسوق الخيل تحت القلعة.

____________

(1) فى الأصل متوجها، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 882.

(2) انظر عقد الجمان، (المرجع السابق)، القسم الثالث، ص 462- 469 حيث وردت حوادث تلك الفتنة بالتفصيل (المصحح).

(3) فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 883 برنطاى و فى عقد الجمان، المرجع السابق، القسم الثالث، ص 463 برنطيه (المصحح).

(4) كذا فى الأصل، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 884.

384

و أقام السلطان [الناصر (1)] بهذه المنزلة مدة، ثم رحل منها، و توجه نحو دمشق، فوصل إليها فى يوم الجمعة، ثامن شهر ربيع الأول، و نزل بقلعتها.

و هذه السفرة، هى أول وصول السلطان الملك الناصر إلى دمشق، و حال وصوله، أمر بخروج العسكر الشامى، فخرج من دمشق، و تلته العساكر المصرية. ثم توجه السلطان فى أعقابهم، إلى جهة حمص، لقتال التتر، و دفعهم عن الشام، و كان رحيله من دمشق، فى وقت الزوال، من يوم الأحد سابع عشر شهر ربيع الأول‏ (2).

ذكر وقعة غازان‏ (3) ملك التتار بمجمع المروج‏ (4) ببلاد حمص‏

كانت هذه الوقعة فى يوم الأربعاء، الثامن و العشرين، من شهر ربيع الأول، سنة تسع و تسعين و ستمائة. و ذلك أن السلطان الملك الناصر، لما رحل من دمشق، إلى جهة حمص، تواترت الأخبار بوصول التتار (5) إلى وادى الخزندار.

فسار السلطان إليهم، و حثّ السير. فقطع ثلاث مراحل، فى مرحلة واحدة، فأشرف على مجمع المروج، و قد تعبت خيول العساكر الإسلامية، و ركب غازان فى جيوش التتار، و من أنضم إليها من الكرج و الأرمن و غيرهم، و معه الأمير سيف الدين قبجاق، و الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، و الأمير فارس‏

____________

(1) الإضافة للتوضيح.

(2) يقابل ما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 886.

(3) يرد هذا الاسم أيضا برسم غازان، و الواقع أن غازان و قازان كلاهما اسم لملك التتار، انظر ابن ثغرى بردى: النجوم الزاهرة ج 8، ص 118.

(4) مجمع المروج، موضع يقع فى وادى الخازندار، بين حماه و حمص، انظر ابن أبى الفضائل:

النهج السديد ص 47.

(5) هذا الاسم يرد أيضا برسم التتر فى مواضع عديدة انظر ما سبق.

385

فارس الدين البكى، و الأمير سيف الدين عزاز (1). و التقى الجمعان فى الخامسة من النهار المذكور. فحملت الميسرة الإسلامية على ميمنة التتار، فهزمتها أقبح هزيمة، و قتل من التتار خلق كثير. فلما عاين غازان انهزام ميمنته، اعتزل فى نحو ثلاثين فارسا، و عزم على الفرار. فمنعه الأمير سيف الدين قبجاق، و ثبته و مناه بالظفر (2).

و كان قصده بذلك، فيما قال بعد عوده، القبض على غازان عند استمرار الهزيمة بجيوشه.

ثم ركبت فرقة من التتار، كانت لم تشهد الحرب، و اجتمعوا كراديس‏ (3)، و حملوا حملة منكرة. و قصدوا قلب العساكر الإسلامية، و ضعفت الميمنة الإسلامية، عن لقاء ميسرتهم. فكان من الهزيمة ما كان، و ذلك بعد العصر من اليوم المذكور.

ذكر تسمية من استشهد و فقد، فى هذه الوقعة من المشهورين‏

كان من استشهد و فقد من الأمراء و المشهورين، فى هذه الوقعة، الأمير سيف الدين كرد، نائب السلطنة بالمملكة الطرابلسية، و الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير عز الدين أيدمر الحلبى، أحد الأمراء بالديار المصرية، و الأمير سيف الدين بلبان التقوى، من أمراء طرابلس، و الأمير ركن الدين بيبرس الغتمى‏ (4)، النائب بحصن المرقب، و الأمير صارم الدين أزبك، النائب بقلعة

____________

(1) كذا فى الأصل، انظر ما سبق.

(2) انظر المقريزى: السلوك ج 1، ص 887.

(3) كراديس جمع كردوس أو كردوسة، و هى الفرقة الحربية الراكبة، و القطعة العظيمة من الخيل (محيط المحيط).Dozy :supp .Dict .Ar .

(4) فى الأصل الغيمى، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 888، و بيبرس الدوادار: زبدة الفكرة ج 9، ص 358.

386

بلاطنس، و الأمير بدر الدين بيلبك المنصورى المعروف بالطيار، من أمراء دمشق، قتل فى عوده بعد الوقعة، و الأمير سيف الدين نوكية (1) التتارى، و الأمير جمال الدين أقش كرجى الحاجب، و الأمير جمال الدين أقش المطروحى، حاجب الشام‏ (2) فقدوا نحو ألف فارس من الحلقة و المماليك السلطانية و أجناد الأمراء و مماليكهم. و هؤلاء الأمراء، منهم من استشهد فى المعركة، و منهم من أصابته جراحة، فمات بعد انفصال الوقعة فيعد شهيدا (3)، و منهم من عدم و لم تتحقق وفاته.

و عدم قاضى القضاة حسام الدين الحنفى الرومى، و القاضى عماد الدين إسماعيل ابن الأثير (4) الموقع. و قتل من التتار فيما قيل نحو أربعة عشر ألف‏ (5).

و لما تمت الهزيمة، و شاهد غازان من قتل أصحابه و كثرتهم، و قلة من قتل من العساكر الإسلامية، بالنسبة إلى من قتل من التتار، ظن أن هذه الهزيمة مكيدة، و استجرار (6) لعساكره، فتوقف عن اتباع العساكر الإسلامية، حتى تبين له صحة الهزيمة. ثم سار من مكان الوقعة إلى حمص، و بها الخزائن السلطانية،

____________

(1) فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 888، نوكاى.

(2) يقابل ما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 888، و بيبرس الدوادار: زبدة الفكرة ج 9، ص 358.

(3) يقابل ما ورد فى بيبرس الدرادار، زبدة الفكرة ج 9، ص 358.

(4) فى الأصل الأمير، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 888، و الموقع هو الذى يكتب المكاتبات و الولايات فى ديوان الإنشاء السلطانى، و كان يعرف من قبل باسم كاتب الدرج، القلقشندى، صبح الأعشى ج 5، ص 465.

(5) فى الأصل ألفا، و ما هنا هو الصواب لغويا.

(6) فى الأصل استجرارا و ما هنا هو الصواب لغويا.

387

فسلمها متوليها محمد بن الصارم، من غير ممانعة. و لا مدافعة (1). ثم رحل عنها إلى جهة دمشق و نزل بالغوطة (2).

ذكر ما اتفق بدمشق بعد الوقعة و مفارقة العساكر الإسلامية فى مدة استيلاء التتار عليها، إلى أن فارقوا البلاد، و عادوا إلى الشرق كانت‏ (3) الأخبار وصلت إليهم بانهزام الجيوش الإسلامية، و تحققوا فى يوم السبت، مستهل شهر ربيع الآخر. فتوجه من أمكنه السفر إلى الديار المصرية فى هذا اليوم فكان ممن توجه قاضى القضاة إمام الدين الشافعى، و قاضى القضاة جمال الدين الزواوى المالكى، و ابن الشيرازى، و متولى مدينة دمشق، و متولى برّها، و محتسب المدينة، و جماعة كبيرة من أهل البلد، ممن قدر على الانتزاح.

و فى ليلة الأحد، أحرق المعتقلون بسجن باب الصغير بابه، و خرجوا منه، و كانوا نحو مائة و خمسين. و توجهوا إلى باب الجابية، و كسروا الأقفال، و خرجوا منه و بقى البلد لا حامى له، و لا ممانع عنه. فاجتمع أكابر دمشق، فى يوم الأحد الثانى من الشهر، بمشهد علىّ بالجامع الأموى. و انفقوا على أن يتوجهوا إلى الملك غازان، و يسألوا (4) الأمان لأهل البلد. فتوجه قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة، و هو الخطيب يومئذ، و الشيخ تقى الدين بن تيمية، و الشيخ زين الدين الفارقى، و القاضى نجم الدين بن صصرى، و القاضى‏

____________

(1) يقابل ما ورد فى بيبرس الدوادار: زبدة الفكرة ج 9، ص 309.

(2) كان الذهبى مؤلف كتاب تاريخ الإسلام بدمشق، لما دخلها غازان، و لم يورد شينا عن هذا الحادث. انظر.JRASOct .1936 .

(3) فى الأصل كان أن، و ما هنا به يستقيم المعنى.

(4) فى الأصل و يسألون، و ما هنا هو الصواب لغويا.

388

شمس الدين الحريرى، و القاضى جلال الدين ابن القاضى حسام الدين، و فخر الدين ابن الشيرجى، و عز الدين بن الزكى، و وجيه الدين بن منجا، و الرئيس عز الدين حمزة بن القلانسى، و ابن عمه الصدر شرف الدين، و أمين الدين بن شقير الحرانى، و الشريف زين الدين بن عدنان، و نجم الدين بن أبى الطيب، و ناصر الدين بن عبد السلام، و شريف الدين بن الشيرجى، و شهاب الدين الحنفى، و الشيخ محمد ابن قوام البالسي، و جلال الدين أخو القاضى إمام الدين، و جماعة كبيرة من القراء و الفقهاء و العدول. و توجهوا بعد صلاة الظهر، من يوم الاثنين، ثالث الشهر، و اجتمعوا بالملك غازان، و هو عند النبك‏ (1)، و هو سائر. و نزلوا عن مراكيبهم. و قبل بعضهم الأرض، فوقف غازان بفرسه لهم. و ترجل جماعة من التتار عن خيولهم. و تكلم الترجمان بينهم و بين الملك غازان، و سألوا الأمان لأهل دمشق. و كان المخاطب له عن أهل دمشق، فخر الدين بن الشيرجى.

فقال غازان: الذى حضرتم بسببه‏ (2) من الأمان قد أرسلناه قبل وصولكم. و قدّموا ما كان معهم من المأكول، فلم يكن له وقع عندهم. و أذن لهم فى الرجوع إلى دمشق، فرجعوا. و كان وصولهم بعد صلاة العصر، من يوم الجمعة، سابع الشهر.

و لم يخطب فى هذه الجمعة لسلطان‏ (3).

و كان قد وصل إلى دمشق، فى يوم الخميس، سادس‏ (4) الشهر أربعة من التتار،

____________

(1) فى الأصل البنك، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 889 و النبك قرية بين حمص و دمشق. ياقوت: معجم البلدان ج 4، ص 739.

(2) فى الأصل نسبه، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 889.

(3) يقابل ما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 889.

(4) فى الأصل المنسوخ المحقق «ثالث» و الصواب ما اثبت، انظر ما سبق و ما يلى. (المصحح).

389

من جهة غازان، و معهم الشريف القمّى‏ (1). و كان قد توجه قبل توجه الجماعة، هو و ثلاثة من أهل دمشق إلى غازان. فعاد و بيده أمان لأهل دمشق.

ثم وصل بعد صلاة الجمعة، الأمير إسماعيل و جماعة من التتار. فنزلوا بالبستان الظاهرى، بطريق القابون. ثم ركب [الأمير] إسماعيل فى يوم السبت، و دخل إلى دمشق، و جاء إلى مقصورة الخطابة بالجامع الأموى، لقراءة (2) الفرمان‏ (3).

و قرأه‏ (4) أحد العجم الواصلين صحبة الأمير إسماعيل، و بلّغ عنه المجاهد المؤذن، و مضمونه:- بقوة اللّه تعالى، ليعلم أمراء التومان‏ (5) و الألوف و المائة، و عموم عساكرنا المنصورة، من المغول و التازيك‏ (6) و الكرج‏ (7) و غيرهم، ممن هو داخل تحت زبقة

____________

(1) فى الأصل القيمى، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 890.

(2) فى الأصل بقراءة، و ما هنا به يستقيم المعنى.

(3) الفرمان، لفظ فارسى قديم، و معناه الأصلى الأمر. ثم اتسع استعماله فصار مرادفا للرسوم السلطانى أو التقليد.En .Is .Ferman .

(4) فى الأصل و قراءة، و ما هنا به يستقيم المعنى.

(5) التومان و الطرمان، و هو الفرقة التى يبلغ عددها عشرة آلاف مقاتل. انظر.

Quatremere .op .cit .Il .2 .p .152 .

(6) فى الأصل التاريك، و ما هنا أورده.Quatremere :op .cit .Il .2 .p .154 و كان هذا اللفظ يطلق أصلا على العرب و المسلمين عامة، ثم استعمله المغول الدلالة على أهل فارس فقط.

و هذا المعنى هو المقصود هنا. انظر، المقريزى: السلوك ج 1، ص 1011، حاشية 3.

Quatremere :op .cit .Il .2 .p .152 .

(7) الكرج، أمة من المسيحيين، مساكنها بجبال القوقاز المجاورة لتفليس، و كانت انجاز معقلهم، و أغار عليهم خوارزم شاه جلال الدين سنة 621 فانتزع تفليس منهم. انظر ياقوت:

معجم البلدان.

Allen :Histiry of the Georgian Peopie pp .85 .112 .

390

طاعتنا. إن اللّه لما نوّر قلوبنا بنور الإسلام، و هدانا إلى ملة النبى، عليه أفضل الصلاة و السلام‏ أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى‏ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏ (1).

و لما أن سمعنا أن حكام مصر و الشام خارجون عن طريق الدين، غير متمسكين بأحكام الإسلام، ناقضون لعهودهم، حالفون بالأيمان الفاجرة، ليس لديهم وفاء و لا ذمام، و لا لأمورهم التئام و لا انتظام، و كان أحدهم إذا تولى، سعى فى الأرض ليفسد فيها، و يهلك الحرث و النسل، و اللّه لا يحب الفساد. و شاع من شعارهم الحيف على الرعية، و مدّ الأيدى العارية، إلى حرمهم و أموالهم، و التخطى عن جادة العدل و الإنصاف، و ارتكابهم الجور و الإعساف، حملتنا الحمية الدينية، و الحفيظة الإسلامية، على أن توجهنا إلى تلك البلاد، لإزالة هذا العدوان، و إماطة هذا الطغيان، مستصحبين الجم الغفير من العساكر.

و نذرنا على أنفسنا، إن وفقنا اللّه تعالى بفتح تلك البلاد، أزلنا العدوان و الفساد، و بسطنا العدل و الإحسان فى كافة العباد، ممتثلا للأمر الإلهى:

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏ وَ يَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏ (2). و إجابة لما ندب إليه الرسول، (صلى الله عليه و سلم)، «إن المقسطين عند اللّه على منابر من نور عن يمين الرحمن، و كلتا يديه يمين الدين، يعدلون فى حكهم و أهليهم و ما ولوا». و حيث كانت طويتنا

____________

(1) سورة الزمر، آية 22.

(2) سورة النحل، آية 90.

391

مشتملة على هذه المقاصد الحميدة و النذور (1) الأكيدة. منّ اللّه علينا بتبلّج‏ (2) تباشير النصر المبين، و الفتح المستبين. و أتمّ علينا نعمته، و أنزل علينا سكينته، فقهرنا العدو الطاغية، و الجيوش الباغية، و فوّقناهم أيدى سبا، و مزقناهم كل ممزق، حتى جاء الحق و زهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا فازدادت صدورنا انشراحا للإسلام، و قويت نفوسنا بحقيقة الأحكام، منخرطين فى زمرة من حبّب إليهم الإيمان، و زينه فى قلوبهم، و كرّه إليهم الكفر و الفسوق و العصيان، أولئك هم الراشدون، فضلا من اللّه و نعمة.

فوجب علينا رعاية تلك العهود الموثقة، و النذور المؤكدة. فصدرت مراسيمنا العالية، أن لا يتعرض أحد من العساكر المذكورة على اختلاف طباقاتها لدمشق و أعمالها، و سائر البلاد الإسلامية الشامية، و أن يكفوا أظفار التعدّى عن أنفسهم و أموالهم و حريمهم، و لا يحوموا حول حماهم بوجه من الوجوه، حتى يشتغلوا بصدور مشروحة، و آمال‏ (3) مفسوحة بعمارة البلاد، و بما هو كل واحد بصدده من تجارة و زراعة و غير ذلك. و كان هذا الهرج العظيم، و كثرة العساكر، فتعرّض‏ (4) بعض نفر يسير من السلاحية و غيرهم، إلى نهب بعض الرعايا و أسرهم،

____________

(1) فى الأصل البدور، و ما هنا من بيبرس الدوادار: زبدة الفكرة، ج 9، ص، 368- 372 انظر أيضا المقريزى: السلوك ج 1، ص 1012 (الملحق 12).

(2) فى الأصل بقيلج، و ما هنا من بيبرس الدوادار: زبدة الفكرة، ج 9، ص 368- 372 أنظر أيضا المقريزى: السلوك ج 1، ص 1012 (الملحق 12).

(3) فى الأصل و أما، و ما هنا من بيبرس الدوادار: زبدة الفكرة ج 9، ص 369- 362 انظر أيضا المقريزى: السلوك ج 1، ص 1012 (الملحق 12).

(4) فى الأصل تعرض، و ما هنا من بيبرس الدوادار: زبدة الفكرة ج 9، ص 360- 363 انظر أيضا المقريزى: السلوك ج 1، ص 1012 (الملحق 12).

392

فقتلناهم ليعتبر الباقون، و يقطعوا أطماعهم عن النهب و الأسر، و غير ذلك من الفساد. و ليعلموا أنا لا نسامح بعد هذا الأمر البليغ البته، و أن لا يتعرضوا لأحد من أهل الأديان، على اختلاف أديانهم، من اليهود و النصارى و الصائبة. فإنهم إنما يبذلون الجزية عنهم، من الوظائف الشرعية، لقول علىّ (عليه السلام): «إنما يبذلون الجزية، لتكون أموالهم كأموالنا، و دماؤهم كدمائنا». و السلاطين موصّون على أهل الذمة الطيعين‏ (1)، كما هم‏ (2) موصون على المسلمين، فإنهم من جملة الرعايا.

قال (صلى الله عليه و سلم): «الإمام الذى على الناس، راع عليهم و كل راع مسئول عن رعيته».

فسبيل‏ (3) القضاة و الخطباء و المشايخ و العلماء و الشرفاء و الأكابر و المشاهير و عامة الرعايا، الاستبشار بهذا النصر الهنى و الفتح السنى، و أخذ الحظ الوافر من السرور، و النصيب الأكبر من البهجة و الحبور، مقبلين على الدعاء لهذه الدولة القاهرة، و المملكة الظاهرة، أناء الليل و أطراف النهار.

و كتب فى خامس ربيع الآخر سنة تسع و تسعين و ستمائة.

و لما قرئ هذا الفرمان، حصل للناس بعض الطمأنينة، و جلس التتار بالمقصورة إلى أن صلوا العصر، و عادوا إلى منزلتهم بالبستان الظاهرى. و أغلق الأمير علم الدين سنجر أرجواش أبواب قلعة دمشق، و امتنع بها فى أول هذه الحادثة.

____________

(1) فى بيبرس الدوادار: زبدة الفكرة ج 9، ص 371- 372 للطبعين.

(2) فى الأصل هو، و ما هنا هو الصواب.

(3) فى الأصل فسئل، و ما هنا من بيبرس الدرادار: زبدة الفكرة ج 9، ص 272.

393

و اجتمع أهل دمشق فى يوم الأحد تاسع الشهر بالقيمرية، و اهتموا فى تحصيل الخيل و البغال و الأموال، ليرضوا بها التتار، و نزل غازان ملك التتار بالغوطة، فى يوم الاثنين العاشر من الشهر، و أحدقت الجيوش بالغوطة، و قتلوا طائفة من أهل القرى.

و وصل الأمير سيف الدين قبجاق، و الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، و غيرهما فى هذا اليوم، و نزلوا بالميدان. و لما مروا بالقلعة، خاطبوا الأمير علم الدين سنجر أرجواش، نائب القلعة، و أشاروا عليه بتسليمها، فسبهم أقبح‏ (1) سب.

و فى بكرة نهار الثلاثاء، حادى عشر الشهر، ورد مثال الأمير إسماعيل نائب التتار، يأمر العلماء و المشايخ و الرؤساء، أن يتوجهوا إلى القلعة، و يتحدثوا مع نائبها فى تسليمها، و أنه متى امتنع من ذلك، دخل الجيش البلد و نهبها، و سفكت الدماء. فاجتمع جماعة كثيرة إلى باب القلعة، و سألوا الأمير علم الدين [سنجر أرجواش‏ (2)]، أن يرسل إليهم رسولا، فامتنع و سبهم أقبح سب. و قال: قد وردت عليّ بطاقة من السلطان، أنه جمع الجيوش بغزة، و كسر الطائفة التى اتبعتهم من التتار، و السلطان يصل عن قريب بعساكره‏ (3).

ثم دخل قبجاق دمشق فى يوم الأربعاء، ثانى عشر الشهر، و جلس بالمدرسة العزيزية، و أمر العلماء و الأكابر بمراجعة أرجواش فى تسليم القلعة، فتوجهوا

____________

(1) يقابل ما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 890.

(2) الإضافة للتوضيح.

(3) يقابل ما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 890.

394

إليه، فلم يسمع كلامهم. و كتب فى هذا اليوم بالعزيزية فرامانات من شيخ الشيوخ [نظام الدين محمود بن على الشيبانى‏ (1)]، و مقدم من مقدمى التتار، ذكر أنه رضيع الملك غازان، و من قبجاق، فسلم تجد نفعا.

و فى يوم الجمعة رابع عشر الشهر [ربيع الآخر (2)] خطب لغازان على منبر دمشق، بما رسم لهم به من الألقاب و النعوت و هى «مولانا السلطان، الملك الأعظم، سلطان الإسلام و المسلمين، مظفر الدنيا و الدين، محمود غازان». و صلى بالمقصورة جماعة من المغل. و حضر إلى المقصورة، عقيب الصلاة الأمير سيف الدين قبجاق، و صعد هو و الأمير إسماعيل، إلى سدّة المؤذنين. و اجتمع جمع كثير من عامة الناس تحت النصر (3). و قرئ عليهم تقليد بتولية الأمير سيف الدين قبجاق الشام أجمع، و عيّن فيه مدينة دمشق و حلب و حماه و حمص و غير ذلك، من الأعمال و الجهات. و جعل إليه، أن يولى القضاة، و الحكماء و الخطباء، و غيرهم.

و نثر على الناس الذهب و الدراهم، فاستبشر الناس بولاية قبجاق، ظنا منهم أنه يرفق بهم. و حضر فى هذا اليوم شيخ الشيوخ نظام الدين محمود بن على الشيبانى، إلى المدرسة العادلية. و أحضرت إليه ضيافة، و أظهر العتب‏ (4) على أهل البلد، كونهم لم يترددوا إليه. و ذكر أنه يصلح أمرهم، و يتفق معهم، على ما يفعل، فى أمر القلعة. فقال بعض من حضر [إن‏] (5) الأمير سيف الدين قبجاق يخبر أمر (6)

____________

(1) الإضافة من المقريزى: السلوك ج 1، ص 891.

(2) الإضافة للتوضيح.

(3) كذا فى الأصل، و فى تاريخ سلاطين المماليك ص 66.

(4) فى الأصل، العنت، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 891 و تاريخ سلاطين المماليك ص 68.

(5) الإضافة من تاريخ سلاطين المماليك ص 68.

(6) فى الأصل بخبر: و ما هنا من تاريخ سلاطين المماليك ص 68.

395

متولى القلعة. فقال [شيخ الشيوخ‏ (1)]: «خمسمائة من قبجاق ما يكونون فى خانمى»، و عظّم نفسه تعظيما كثيرا.

و فى يوم السبت خامس عشر الشهر. ابتدئ بنهب جبل الصالحية، و ما به من الندب و المدارس و غيرها. فتوجه الشيخ تقى الدين بن تيمية إلى شيخ الشيوخ، فركب إليهم فى يوم الثلاثاء. فلما وصل إلى جبل الصالحية، هرب من به من التتار، و دخل أهل الجبل إلى دمشق عرايا فى أسوإ حال‏ (2).

و توجه التتار إلى قرية المزّة (3)، فنهبوها و سبوا أهلها. و توجهوا إلى داريا (4)، و فعلوا كذلك، و قتلوا جماعة من أهلها، و قتل أهلها جماعة من التتار. فتوجه الشيخ تقى الدين بن تيمية. يوم الخميس إلى الملك غازان، و هو بتل راهط(5)، فدخل عليه ليشكو له ما جرى من التتار بعد أمانه، فلم يمكّن‏ (6) من ذلك. و قيل له: إن شكوت إليه أمرا، يقتل‏ (7) بعض المغل. فيكون ذلك سبب الاختلاف، و تدور الدائرة على أهل دمشق. فعدل الشيخ عن الشكوى إلى الدعاء، و فارقه و اجتمع بالوزير [ين‏] سعد الدين، و رشيد الدين، و تحدث معهما. فذكر (8) أن‏

____________

(1) الإضافة للتوضيح. انظر المقريزى: السلوك ج 1، ص 891.

(2) يقابل ما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 892.

(3) المزة، قرية كبيرة فى وسط بساتين دمشق، بينها و بين دمشق نفسها، نصف فرسخ (ياقوت: معجم البلدان).

(4) داريا، و هى قرية كبيرة من قرى دمشق بالغوطة. (ياقوت: معجم البلدان).

(5) الراجح أن المقصود هنا مرج راهط، من نواحى دمشق انظر ياقوت: معجم البلدان.

(6) كذا فى الأصل، و فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 892 فلم يمكنه الاجتماع به.

(7) فى الأصل بقتل، و ما هنا به يستقيم المعنى.

(8) فى الأصل فذكر، و ما هنا هو الصواب لغويا.

396

جماعة من المقدمين الأكابر، لم يصل إليهم من مال دمشق شي‏ء، و لا بد من إرضائهم. و أمر الوزير بإطلاق الأسرى.

ثم اشتد الأمر على أهل دمشق، فى طلب الأموال و حصار القلعة. و جاء منجنيقى، فالتزم بأخذ القلعة. و قرر أن يكون نصب المجانيق عليها بالجامع الأموى. فأجمع أرجواش رأيه، أنه متى نصب المجانيق بالجامع، رمى عليها بمجانيق القلعة. و كان ذلك يؤدى إلى هدم الجامع. فانتدب رجال من أهل القلعة، بعد أن تهيأت أعواد المجانيق، و لم يبق إلا نصبها. و خرجوا بالحمية الإيمانية، و هجموا الجامع، و معهم المناشير، فأفسدوا ما تهيأ من أعواد المجانيق. ثم جددوا غيرها، و احترزوا عليها. و حضر جماعة من المغل يبيتون بالجامع. فيقال إنهم انتهكوا حرمته، و ارتكبوا فيه المحارم، من شرب الخمور و الزنا، و طرح القاذورات و النجاسات، و قلّ حضور الناس فيه، حتى أنه لم تقم فيه صلاة العشاء الآخرة، فى بعض الليالى. و نهب التتار سوق باب البريد.

و تحول الناس من حول الجامع، و زهدوا فى قربه لمجاورة التتار. فانتدب رجل من أهل القلعة. و بذل نفسه، و التزم بقتل المنجنيقى. و خرج إلى الجامع، و المنجنيقى بين المغل، و هو فى ترتيب العمل. فتقدم إليه، و ضربه بسكّين فقتله. و هجم رجال القلعة، فتفرق المغل عن القاتل، و حماه أصحابه، فلجأ (1) إلى القلعة، و بطل على التتار ما دبروه من عمل المجانيق. و اضطر أرجواش إلى هدم ما حول القلعة، من المساكن و المدارس و الأبنية و دار السعادة، و طواحين باب‏

____________

(1) فى الأصل فنجى، و ما هنا به يستقيم المعنى.

397

الفرج، و غير ذلك. كل ذلك احترازا على حفظ القلعة، و أن يتطرّق العدوّ إليها. و حصل من إفساد التتار و الأرمن و إخرابهم الأماكن، بإفسادهم الصالحية، و حرق‏ (1) جامع التوبة (2) بالعقيبة (3) و غير ذلك، ما بقيت آثاره، بعد ذهاب العدو زمنا طويلا. ثم أعاد المسلمون ذلك، و الحمد للّه تعالى، إلى أحسن ما كان.

و اشتد الأمر على أهل دمشق فى طلب الأموال، فى أواخر شهر ربيع الآخر؛ و أوائل جمادى الأول، و طلب من البلد ما لا يتحمله أهله. و تولى استخراج الأموال، و المطالبة بها من أهل دمشق، صفى الدين السنجارى، و ولد الشيخ محمد ابن الشيخ على الحريرى. و غلت الأسعار بدمشق هذه المدة (4).

ثم رجع غازان إلى بلاد الشرق، فى يوم الجمعة، ثانى عشر جمادى الأولى و نزل قطلو (5) شاه نائبه بدمشق و جماعة كثيرة من التتار معه، و جعل نيابة الشام إلى الأمير سيف الدين قبجاق، و نيابة حلب و حمص إلى الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، و نيابة صفد و طرابلس و السواحل إلى الأمير فارس الدين البكى و لما توجه غازان، استصحب الوزير معه، من أكابر دمشق بدر الدين‏

____________

(1) فى الأصل خرق، و ما هنا به يستقيم المعنى. انظر المقريزى: السلوك ج 1، ص 893

(2) فى الأصل التوبة، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 893.

(3) فى الأصل العقبية، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 893.

(4) أورد المقريزى فى السلوك ج 1، ص 893، تفاصيل من ارتفاع أسعار السلع المختلفة، لم تجر الإشارة إليها فى نهاية الأرب.

(5) فى الأصل فطلوشا، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 893 و تاريخ سلاطين المماليك ص 75.

398

ابن فضل اللّه، و علاء الدين على ابن الصدر شرف الدين محمد بن القلانسى، و شرف الدين بن الأثير.

و فى يوم السبت ثالث عشر (1) جمادى الأولى، رسم التتار بإخلاء المدرسة العادلية، و وقف جماعة منهم على بابها يفتشون من يخرج منها، و يأخذون ما أحبوا من أمتعتهم، و عجز أهلها عن نقل أكثر أثاثهم. و دخل التتار إليها، عقيب خروجهم منها، و كسروا أبواب البيوت، و نهبوا ما بها، و أخلى التتار ما حول القلعة، و طلعوا إلى الأسطحة، و رموا منها النشاب على القلعة. فعند ذلك، أمر أرجواش بإحراق ذلك كما تقدم. و كان إحراق المدرسة العادلية فى الحادى و العشرين من جمادى الأولى.

و فى يوم الجمعة تاسع عشر الشهر، قرئ‏ (2) على سدة الجامع كتابان: أحدهما يتضمن تولية الأمير سيف الدين قبجاق النيابة بالشام‏ (3)، و الثانى يتضمن تولية الأمير ناصر الدين يحيى بن جلال الدين شد الشام. و تضمن أحد الكتابين أن يصرف ما كان لخزائن السلاح، من مال الجامع فى مصالح السبيل إلى الحجاز الشريف. و يتضمن أيضا أن غازان يعود إلى الشام فى فصل الخريف‏ (4)، و يتوجه إلى الديار المصرية، و أنه توجه [إلى البلاد (5)] و نزل نائبه قطلوشاه فى ستين ألف فارس لحماية الشام، إلى غير ذلك مما تضمنه.

____________

(1) فى الأصل ثالث و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 895.

(2) فى الأصل قرأ، و ما هنا به يستقيم المعنى.

(3) أورد بيبرس الدوادار فى كتابه زبدة الفكرة ج 1، ص 372- 375 نص الكتاب و لذا جرى جعله ملخصا فى آخر هذا الجزء.

(4) هذه الإشارة وردت فى الكتاب الثانى، و أثبتها مؤلف كتاب تاريخ سلاطين المماليك ص 75 و نصبا: أننا توجهنا إلى البلاد، و تركنا بالشام ستين ألفا من جيشنا لحفظه، و أننا فى فصل الخريف، نرجع إلى البلاد، قاصدين الديار المصرية (انظر المقريزى: السلوك ج 1، ص 895 حاشية 3.

(5) الإضافة من تاريخ سلاطين المماليك ص 70، انظر الحاشية السابقة.

399

و استمر قطلوشاه بعد توجه غازان أياما يحاصر القلعة، فلم يتهيأ له منها ما يريد، فجمع له قبجاق مالا من أهل البلد، فأخذه و عاد إلى بلاد الشرق. و كان رحيله فى يوم الثلاثاء (1) الثالث و العشرين من جمادى الأولى. و توجه الأمير سيف الدين قبجاق لوداعه. و عاد فى يوم الخميس الخامس و العشرين من الشهر، و دخل إلى دمشق، من باب شرقى، و شق البلد، و خرج من باب الجابية، و كانا مغلقين فى مدة مقام التتار، ففتحا له الآن، و نزل بالقصر الأبلق.

و عاد الأمير يحيى بن جلال الدين و الصفى السنجارى بجماعة من التتار، و شقوا البلد، و توجهوا إلى القصر أيضا. ثم نودى فى البلد، فى يوم الجمعة، أن يتوجه الناس إلى ضياعهم و قراهم. و كان قد نودى فى أول هذا النهار، أن لا يخرج أحد إلى الجبل و الغوطة (2)، و أن لا يخاطر بنفسه، و لا يغرر بنفسه.

و فى تاسع عشر جمادى الأولى، دخل الأمير سيف الدين قبجاق، و من معه إلى المدينة، و نزلوا بدار الأمير سيف الدين بهادر آص، و ما يجاورها من الأدر، بقرب مأذنه فيروز.

و فى يوم الثلاثاء، مستهل جمادى الآخرة، و ثانيه، نودى فى دمشق بأمر الأمير سيف الدين قبجاق أن يخرج الناس إلى‏ (3) أماكنهم. و انضم إلى قبجاق‏

____________

(1) فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 896، فى يوم الاثنين ثانى عشرة جمادى الأول.

(2) فى الأصل و الخواطر، و ما هنا من المقريزى: السلوك ج 1، ص 896.

(3) فى الأصل فى، و ما هنا هو الصواب.

400

جماعة من الجند فى أول هذا الشهر، يركبون فى خدمته، و يترجلون فى ركابه، و فتحت أبواب البلد، إلا ما بجوار القلعة منها.

و فى يوم الجمعة رابع الشهر، ضربت البشائر بالقلعة. و فى يوم الاثنين سابع جمادى الآخرة، أمر الأمير سيف الدين قبجاق، أستاذ داره علاء الدين، و طاجار، و ركبا بالشرابيش‏ (1) و الطبلخاناه‏ (2). ثم أمّر ثلاثة فى العشر الأوسط من الشهر، و ركبوا بالشرابيش و الطبلخاناه. و أمر بإدارة الخمارة بدار ابن جراده، فأظهرت الخمور و الفواحش، و ضمنت فى كل يوم ألف درهم‏ (3)، و استمر الحال على على ذلك بقية جمادى الآخرة و بعض شهر رجب.

و كان غازان قد جرد من عسكره عشرين ألف فارس، صحبة بولاى‏ (4)، و أشبقا (5) و حجك‏ (6) و هو لاجو، فنزلوا بالأغوار. و شنوا الغارات و نهبوا، و وصلت غاراتهم إلى بلد القدس و الخليل، و دخلوا إلى غزة، و قتلوا بجامعها خمسة عشر نفرا من‏

____________

(1) الشرابيش و المفرد شربوش. قلنسوة على شكل مثلث، تجعل على الرأس بغير عمامة.

و يتخذها الجندى من الأتراك بعد تأميره. و بطل استعمال الشر بوش بمصر. زمن المماليك الجراكسة.

المقريزى: المواعظ و الاعتبار ج 2، ص 99.Dozy :supp .Dict .Ar انظر أيضا الملابس المملوكية (المرجع السابق) ص 51 (المصحح)

(2) فى الأصل الطلبخاناه. و ما هنا هو الصواب.

(3) يقابل ما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 896، و تاريخ سلاطين المماليك ص 78.

(4) فى الأصل، و فى بيبرس الدوادار: زبدة الفكرة ج 9، ص 371، مولاى، و ما هنا من ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة ج 8، ص 128.

(5) فى بيبرس الدوادار: زبدة الفكرة ج 9، ص 371 اشقا.

(6) فى بيبرس الدوادار: زبدة الفكرة ج 9، ص 371 حنجك.

401

المسلمين‏ (1)، ثم رجعت هذه العساكر إلى دمشق، و عادت إلى بلاد الشرق، فى ثانى شهر رجب، و استصحبوا معهم أمين الدين بن شقير الحرّانى.

و عاد التتار بجملتهم فى ثامن شهر رجب، لما بلغهم اهتمام السلطان، و خروج العساكر. و لم يفتح غازان شيئا من القلاع الشامية، بل امتنعت بجملتها، اقتداء بقلعة دمشق. و تمسك نواب القلاع من تسليمها، و اعتذروا أنهم لا يمكنهم ذلك إلا بعد تسليم قلعة دمشق، فسلمت القلاع بجملتها.

ثم توجه الأمير سيف الدين قبجاق و الأمراء إلى خدمة السلطان الملك الناصر على ما نذكره.

و لما توجه قبجاق من دمشق، دبّر أمر البلد الأمير علم الدين أرجواش.

و أعيدت الخطبة بدمشق، باسم السلطان فى يوم الجمعة السابع عشر من شهر رجب. و كانت انقطعت من سابع شهر ربيع الآخر، فانقطعت مائة يوم.

و فى هذا اليوم أبطل ما كان جدّد من المنكرات، و أغلقت الخمارات، و أريق ما فيها، و كسرت المواعين، و شقت‏ (2) الظروف. و تولى ذلك الشيخ تقى الدين بن تيمية و أصحابه.

هذا ما كان بدمشق، فلنذكر ما اعتمده السلطان عند عوده.

ذكر ما اعتمده السلطان الملك الناصر عند عوده إلى الديار المصرية من الاهتمام بأمر الجيوش و العساكر

لما كان من أمر هذه الحادثة ما قدمناه، رجع السلطان من مكان الوقعة

____________

(1) يقابل ما ورد فى بيبرس الدوادار: زبدة الفكرة ج 9، ص 378.

(2) الظروف جمع ظرف و هو الرعاء، القاموس المحيط (المصحح).

402

إلى الديار المصرية. و تفرقت العساكر، فأخذت كل فرقة طريقا. و كان وصول السلطان إلى قلعة الجبل، فى يوم الأربعاء، ثانى عشر شهر ربيع الآخر و لم يصحبه فى هذه السفرة إلا بعض خواصه، و الأمير سيف الدين بكتمر الحسامى أمير أخور، و الأمير زين الدين قراجا، فى نفر يسير. و خدم الأمير سيف الدين بكتمر، المشار إليه، السلطان فى هذه السفرة أتم خدمة. فكان يركبه و ينزله، و يشد خيله، و يشترى لها العليق، و يسقيها، إلى غير ذلك من أنواع الخدمة (1).

ثم ترادفت الجيوش إلى الديار المصرية متفرقة. و وصل النواب بالممالك الشامية. و كان فيمن وصل الملك العادل زين الدين كتبغا المنصورى. فمشى فى خدمة نائب السلطنة الأمير سيف الدين سلار، و جلس بين يديه، و كان يرمّل علامته إذا كتب. و وصلت العساكر، و عدمت خيولهم و أقمشتهم و أموالهم، و أثقالهم و أسلحتهم. فجرد السلطان الاهتمام، و أخرج الأموال الكثيرة، و أنفق فى الجيوش، و وسع عليهم، و سلّم إلى كل نائب من نواب الشام نفقة عسكره.

فسلم إلى الأمير جمال الدين أقش الأفرم نفقة عسكر الشام، و إلى الأمير سيف الدين بلبان الطباخى نفقة عسكر حلب، و إلى الأمير سيف الدين كراى المنصورى نفقة عسكر صفد. و سلّم نفقة عسكر طرابلس‏ (2) إلى الأمير شرف الدين قيران الدوادارى، ثم إلى الأمير سيف الدين قطلبك. و كانت النفقة فى الجيوش ذهبا.

و رخص سعر الذهب بالديار المصرية، حتى بلغ صرف الدينار سبعة عشر درهما و ارتفعت أسعار العدد و السلاح و الأقمشة و الدواب. و مع ذلك فلم تمض الأيام‏

____________

(1) يقابل ما ورد من المقريزى: السلوك ج 1، ص 896.

(2) فى الأصل الطرابلسى، و ما هنا هو الصواب.

403

القلائل على العسكر، حتى كملت عدتهم و خيولهم، و جميع ما يحتاجون إليه من الأسلحة و الأقمشة (1).

و جهّز السلطان إلى نواب الحصون بالشام أجمع القصاد بالملطفات يعلمهم ما هو عليه، من الاهتمام و صرعة حركة ركابه، و يحثهم على حفظ الحصون.

فوصلت القصّاد إليهم، فامتثلوا ذلك، و حفظوا الحصون، فحفظت و سلمت، و للّه الحمد و المنة. و أحسن السلطان إلى نواب الحصون، و كافأهم على اهتمامهم بها و حفظها. و لما تكامل ما تحتاجه العساكر، توجه السلطان بهم، لقصد الشام.

ذكر توجه السلطان بالعساكر إلى جهة الشام، و وصوله إلى منزلة الصالحية و إرسال الجيوش إلى دمشق و الممالك الشامية، و عود الأمراء إلى الخدمة السلطانية و رجوع السلطان إلى قلعة الجبل، و ما تقرر من أمر النواب‏

و فى تاسع شهر رجب، من هذه السنة، توجه السلطان بجميع العساكر

____________

(1) يقابل ما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 896 انظر أيضا بيبرس الدوادار: زبدة الفكرة ج 9، ص 379.

404

و النواب إلى الشام، لدفع التتار. فاتصل به عود التتار و مفارقتهم الشام، فأقام بالصالحية. و توجه نائبه الأمير سيف الدين سلار، و أستاذ داره الأمير ركن الدين بيبرس إلى الشام، و صحبتهما سائر النواب و الأمراء. و رحلوا من الصالحية فى الثانى العشرين من هذا الشهر. و كانت الملطفات‏ (1) قد سيرت إلى الأمراء: سيف الدين قبجاق، و سيف الدين بكتمر، و فارس الدين البكى، بالحضور إلى الخدمة السلطانية، و مراجعة الطاعة، و استدراك ما فرط، فأجابوا بالسمع و الطاعة.

و بادروا بالحضور إلى الخدمة الشريفة السلطانية، و اجتمعوا بالأمراء بمنزلة سكرير (2). و توجهوا إلى خدمة السلطان، و هو مقيم بمنزلة الصالحية، و ذلك فى العاشر من شعبان. فركب السلطان و تلقاهم و أكرمهم و أحسن إليهم، و عاد و هم فى خدمته إلى قلعة الجبل. و كان وصوله إليها فى رابع عشر شعبان، و أسكن الأمراء المذكورين بالقلعة، و أجرى عليهم الإقامات، و شملهم بالإنعام‏ (3).

و أما الأمير سيف الدين سلار و العساكر، فإنهم توجهوا إلى دمشق. و كان وصول الأمير جمال الدين أقش الأفرم نائب السلطنة بدمشق إليها بالعسكر (4) الشامى، فى يوم السبت عاشر شعبان.

____________

(1) الملطفات، رسائل كانت تكتب عادة إلى الأمراء للترضية و المدح أو التغرير و التأمين، تمهيدا لما يزمعه السلطان لهم من عقوبة أو قتل أنظر.Dozy :supp .Dict .Ar المقريزى: السلوك ج 1، ص 852 حاشية 3.

(2) فى الأصل، و المقريزى: السلوك ج 1، ص 832 سكرير، و فى ابن أبى الفضائل:

النهج السديد، ص 525 سكر، و لعل المقصود بلدة السكرية الواردة فى‏Le Strange :Palestine under Moslems P .P .527 ,547 . و هى على مسافة مرحلة من الرملة.

(3) يقابل ما ورد فى المقريزى: السلوك ج 1، ص 900.

(4) فى الأصل العساكر، و ما هنا به يستقيم المعنى.