أنوار الأصول‏ - ج2

- الشيخ أحمد القدسي المزيد...
496 /
457

كثير من الموارد و يخاطب الناس بقوله: «أ فلا تتفكّرون» أو «أ فلا تعقلون» و بقوله: (الألباب» و (هاتوا برهانكم» و لذلك اعترف كثير من الأخباريين بإدراك العقل للضروريات العقليّة و اضطرّوا إلى استثنائها من مقالتهم، و قد مرّ تفصيل الجواب عنهم في مباحث القطع و حجّية القطع الحاصل من طريق العقل فراجع.

الأمر الثالث: إذا اجتمع عنوانان أو عناوين عديدة بعضها حسن و بعضها قبيح على شي‏ء واحد كالدخول في الأرض المغصوبة (1) لإنقاذ الغريق فإنّه قبيح من جهة انطباق عنوان الغصب عليه، و حسن من جهة انطباق عنوان الإنقاذ عليه، فلا إشكال حينئذٍ في أنّ الفعل تابع لأقوى الجهات بعد كسر و انكسار أو يصير خالياً عن الحسن و القبح إذا كانت الجهات متساوية فلا يكون من باب اجتماع النقيضين (كما توهّمه بعض و استكشف من طريق استحالته عدم حسن الأفعال و قبحها ذاتاً.

أدلّة المنكرين للحسن و القبح:

ثمّ إنّه استدلّ لعدم حسن الأفعال و عدم قبحها ذاتاً بوجوه واهية:

منها: أنّه لو كان الحسن و القبح عقليين لزم الجبر في أفعال اللَّه تعالى (سواء في ذلك أفعاله التكوينيّة أو التشريعية) أي لزم أن يكون الشارع الحكيم مقيّداً في تشريعه للأحكام بهذه الأوصاف، و هذا ينافي اختياره تعالى في أفعاله على الإطلاق.

و الجواب عنه واضح، لأنّ الجبر في فعل شي‏ء، و وجود الصارف الاختياري عن ذلك الفعل شي‏ء آخر، فإنّ السلوك على وفق الحكمة و عدم التخطّي عمّا تقتضيه لا ينافي الاختيار، لأنّ العاقل السويّ لا يقدم على شرب السمّ مثلًا و هو مختار مع أنّه قادر عليه، فعدم وقوع الشرب منه لصارف لا ينافي قدرته و اختياره بل هو بنفسه اختار عدم الشرب، كما أنّ صدور فعل منه لداعٍ لا ينافي الاختيار، و كذلك الحكيم تعالى.

____________

(1) و قد جاء التمثيل لهذا في بعض الكلمات بقول القائل: «سأكذب غداً» فإنّ كذبه غداً قبيح من باب قبح الكذب و حسن من باب الوفاء.

و لكن يرد عليه أنّه مغالطة واضحة فإنّ وجوب الوفاء يختصّ بما إذا كان المتعلّق راجحاً.

458

و منها: أنّ أفعال العباد غير صادرة عنهم باختيارهم فلا تتّصف بالحسن و القبح بالمعنى المتنازع فيه، و هو استحقاق المدح أو الذمّ على إتيانها، لأنّ الاستحقاق موقوف على وجود الاختيار.

و الجواب عنه حلّاً: أنّه مبني على مبنى فاسد و هو القول بالجبر.

و نقضاً: أنّ هذا الوجه بعينه جارٍ بعد ورود حكم الشرع بالحسن و القبح مع أنّهم ملتزمون بهما بعد ورودهما في الشرع.

و منها: أنّ القول بحسن الأفعال و قبحها يستلزم قيام المعنى بالمعنى، و الظاهر أنّ مرادهم العرض بالعرض، و هو محال، وجه الملازمة: أنّ الأفعال من مقولة الفعل كما أنّ الحسن و القبح أيضاً من مقولة الكيف.

و الجواب عنه أوّلًا: بالنقض بأنّ هذا يرد على الحسن و القبح الشرعيين أيضاً و ثانياً: بالحلّ فإنّه لا دليل على استحالة قيام العرض بالعرض، فكم من عرض قائم بعرض آخر.

أضف إلى ذلك (و هو العمدة) أنّ الحسن و القبح ليسا من الصفات التكوينيّة الوجوديّة المتحقّقة في موضوعها بل إنّهما من الامور الاعتباريّة المنتزعة التي لها منشأ للانتزاع في الخارج، فينتزع الحسن في قولك: «العدل حسن» ممّا يوجبه العدل في الخارج من المنافع، و ينتزع القبح في قولك: «الظلم قبيح» ممّا يوجبه من الفساد و المضارّ.

و يشبه هذا الوجه بالشبهة السوفسطائيّة التي نشأت من وقوع الخطأ في الحواس، فأوجبت إنكار السوفسطائي لعالم الوجود مع أنّه أمر وجداني لا يمكن إنكاره، و الصحيح في مثل هذه الامور الفطريّة الوجدانيّة النهوض على جواب لحلّ بعض الشبهات الواردة لا إنكار أصل الموضوع الثابت بالوجدان قطعاً.

إلى هنا ظهر الحال في المقام الأوّل و هو ثبوت الحسن و القبح للأشياء ذاتاً.

المقام الثاني: في إمكان إدراك الحسن و القبح الذاتيين بالجملة

و هو إمكان إدراك الحسن و القبح الذاتيين بالعقل في الجملة فالكلام فيه يظهر ممّا مرّ في المقام الأوّل و لا نطيل البحث بتكراره.

459

المقام الثالث: ثبوت الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع‏

و هي «أنّه كلّما حكم به العقل حكم به الشرع» فقبل الورود في البحث عنها لا بدّ من تفسير كلمة الحكم الوارد في الجملتين‏ فنقول: إنّه فرق بين الحكم في قولنا: «حكم به العقل» و الحكم في قولنا: «حكم به الشرع» حيث إن الحكم الأوّل معناه إدراك العقل لا إنشائه و جعله لأنّ إنشاء التكليف من شأن المولى (نعم للعقلاء بناءات و اعتبارات و قوانين إنشائيّة في دائرة أحكامهم العقلائيّة و هي في الحقيقة من سنخ إنشاءات الموالي بالنسبة إلى العبيد).

و أمّا الحكم الثاني، فليس هو بمعنى الإدراك بل هو بمعنى التشريع و التقنين لكون الشارع مولى الموالي و الناس جميعهم عباده، هذه نكتة.

و النكتة الثانية: أنّ قضيّة الأصل في هذا العنوان (أي قضية كلّما حكم به العقل، حكم به الشرع) مخالف للعكس (و هي كلّما حكم به الشرع حكم به العقل) فإنّ الأولى قضية مطلقة و الثانية مشروطة، لأنّها مشروطة بأن يدرك العقل من جانب الشارع فلسفة الحكم من المصلحة و المفسدة ثمّ يحكم بحسنه أو قبحه فتكون قضية العكس هكذا: «كلّما حكم به الشرع، حكم به العقل لو اطلع على حكمة حكم الشرع».

الأقوال في المسألة:

في المسألة أقوال أربعة:

أحدها: أنّ الملازمة ثابتة من جانب الأصل و العكس معاً.

ثانيها: قول الأشاعرة و هو إنكار الملازمة مطلقاً.

ثالثها: قول صاحب الفصول من أنّ الملازمة ثابتة بين حسن التكليف بفعل أو قبحه و بين حكم الشارع، لا بين حسن الفعل (المكلّف به) أو قبحه و بين حكم الشرع.

رابعها: التفصيل بين ما إذا تطابقت آراء العقلاء على حسن فعل أو قبحه و بين ما إذا لم تتطابق آراؤهم عليه، و الملازمة ثابتة في الصورة الاولى لا الثانية (و يستفاد هذا من تضاعيف ما ذكره في اصول الفقه) (1).

____________

(1) اصول الفقه للعلّامة المظفّر.

460

و المختار هو القول الأوّل، لكن المراد من حكم الشارع هو الأعمّ من الإلزامي و غيره، و الدليل على ذلك حكمة الباري تعالى، فإذا كان الفعل واجداً لمصلحة تامّة أو مفسدة كذلك فكيف يمكن أن لا يكون للشارع فيه حكم مع أنّه قد ثبت عند الإماميّة عدم خلوّ شي‏ء من الأشياء من حكم من الأحكام، فبعد حكم العقل بالحسن أو القبح يثبت أوّلًا انقداح إرادة أو كراهة في بعض المبادئ العالية ثمّ بانضمام الكبرى الثابتة في محلّه من عدم خلوّ الأشياء عن الحكم يثبت حكم الشارع، فالطريق الصحيح عندنا هو حكمة الباري، و مقتضاها ثبوت الملازمة مطلقاً، و كيف يعقل ترك التكليف من المولى الحكيم إذا كان في الفعل مصلحة تامّة قطعية أو مفسدة كذلك؟ و من المعلوم أنّ ترك الأمر و النهي في هذه المقامات منافٍ للحكمة، فإذا أدرك العقل المصلحة التامّة في أمر (أي مصلحة لا معارض لها) و أدرك علّية ذلك للحكم بتبعية الأحكام الشرعيّة للمصالح و المفاسد يكشف أيضاً حكم الشارع به، كحكمه بقبح اختلال النظام الذي يكون علّة لحكم الشارع بحرمته بلا ريب.

و إن شئت فاختبر نفسك أنّه قبل نزول قوله تعالى: «وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا» فهل تحتمل أن لا يكون قتل المؤمن متعمّداً مبغوضاً عند اللَّه و حراماً في حكمه؟ و هل تحتمل أن تتنزّل الآية هكذا: «وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ الجنّة خَالِداً فِيهَا» كلّا، لا يقول به إلّا المكابر، و كذا في أشباهه من الامور التي يدرك العقل حسنها و قبحها و مصالحها و مفاسدها بنحو العلّة التامّة.

و استدلّ المنكرون لعدم الملازمة مطلقاً بوجوه:

الوجه الأوّل: أنّها مخالفة لقوله تعالى: «وَ مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا» (1) فإنّها تدلّ على أنّه لا عقاب من دون إرسال المرسل و قبل صدور الأدلّة السمعيّة.

و اجيب عنه بوجوه:

الأوّل: أنّ الظاهر من نفي العذاب في هذه الآية إنّما هو نفي الفعليّة لا نفي الاستحقاق، و محلّ النزاع في المقام هو الملازمة بين حكم العقل و بين استحقاق العقاب.

و يرد عليه: إنّ هذا لا يفيد الفقيه و الاصولي شيئاً، فإنّ نتيجته على كلّ حال نفي العقاب،

____________

(1) سورة الإسراء: الآية 15.

461

و هو العمدة في المقام، فلا تنجّز للأحكام العقليّة و لا يجب امتثالها في النتيجة، مع أنّ القائل بالملازمة يريد أن يجعل دليل العقل من الأدلّة الأربعة التي تنكشف بها القوانين الشرعيّة الإلزاميّة.

الثاني: أنّ العقل أيضاً داخل في زمرة الرسل، فإنّه رسول و حجّة باطنة كما أنّ النبي (صلى الله عليه و آله) حجّة ظاهرة، و قد ورد في رواية هشام: «أنّ للَّه على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة و حجّة باطنة فأمّا الظاهر فالرسل و الأنبياء و الأئمّة (عليهم السلام)، و أمّا الباطنة فالعقول» (1) و في رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «حجّة اللَّه على العباد النبي، و الحجّة فيما بين العباد و بين اللَّه العقل» (2).

و فيه: أنّ الرسول في الآية بقرينة كلمة البعث ظاهر في الرسول الظاهري و منصرف إلى الحجج الظاهرة.

الثالث: (و هو الحقّ) أنّ المراد من العذاب في الآية ليس مطلق العذاب، بل المراد منه عذاب الاستيصال الذي يوجب الهدم و الهلاك في الدنيا كالطوفان لقوم نوح (عليه السلام) و الغرق لقوم فرعون و الصيحة السماويّة لأقوام اخر، فالآية إشارة إلى هذا النوع من العذاب، و لذلك عبّرت عنه بصيغة الماضي بقوله تعالى: «ما كنّا» و يشهد لذلك أيضاً ما وردت بعدها من قوله تعالى: «وَ إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً وَ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَ كَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً» (3). و لا أقلّ من أنّه ليس للآية إطلاق يشمل غير عذاب الاستيصال فإنّها محفوفة بما يصلح للقرينة.

الرابع: أنّ الآية كناية عن إتمام الحجّة و يكون ذكر بعث الرسل فيها من باب الغلبة لأنّ جلّ الأحكام وصلت إلينا من طريق الأدلّة السمعيّة، فيكون مفاد الآية «إنّا لا نعذّب العباد حتّى نتمّ الحجّة عليهم» و يشهد على هذا قوله تعالى: «وَ لَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْ لَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزَى» (4).

و هذا الجواب أيضاً لا بأس به.

____________

(1) اصول الكافي: باب العقل و الجهل، ح 12.

(2) المصدر السابق: ح 22.

(3) سورة الإسراء: الآية 16 و 17.

(4) سورة طه: الآية 134.

462

الخامس: سلّمنا و لكن إطلاق الآية قابل للتقييد بالمستقلّات العقليّة، فإنّ هذا الظهور دليل ظنّي و ذاك دليل قطعي.

فتلخّص من جميع ما ذكر أنّ الاستدلال بالآية لنفي الملازمة غير تامّ بالوجوه الثلاثة الأخيرة.

الوجه الثاني: لعدم الملازمة: ما يدلّ من الرّوايات على خلوّ كلّ شي‏ء عن الحكم قبل ورود الشرع و أنّ كلّ شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي‏ (1).

و الجواب عن هذا الاستدلال هو الوجهان الأخيران من الوجوه الخمسة المذكورة في الجواب عن الدليل الأوّل:

أحدهما: انصراف إطلاقها إلى الغالب، و الثاني: أنّ الإطلاق على فرض ثبوته قابل للتقييد.

الوجه الثالث: ما ذكر في علم الكلام من استناد لزوم بعث الرسل إلى قاعدة اللطف لأنّ تمام اللطف و كماله متوقّف على تأكيد أحكام العقل بأدلّة سمعية و إمضائها من ناحية بعث الرسل.

و الجواب عن هذا واضح، و هو ما مرّ في البحث عن الإجماع اللطفي، فقد ذكرنا هناك أنّ الواجب من اللطف عبارة عن إيجاد الحدّ الأقل من تهيئة أسباب الرشد و الكمال بحيث لو لم يعدّها المولى لكان مقصّراً في أداء وظيفته و ناقضاً لغرضه.

الوجه الرابع: ثبوت الأحكام العقليّة في حقّ الصبي المراهق إذا كان كامل العقل لطيف القريحة مع عدم كونه مكلّفاً بوجوب و لا تحريم باتّفاق جميع الفقهاء لحديث رفع القلم.

و فيه: أنّه يمكن أن يقال أنّ حديث رفع القلم ناظر إلى غالب الأحكام و يكون منصرفاً عن المستقلّات العقليّة، فهل يمكن أن يفتي أحد من الفقهاء بجواز قتل النفس المحترمة و الظلم على الناس و غير ذلك من القبائح لمثل هذا الصبي ويحكم بعدم عقابه في الآخرة؟ كلّا- و لا زال فكري مشغولًا بهذا و كنت أستبعده منذ الزمن القديم، و الإنصاف هو الحكم بتحريم مثل هذه الامور على الصبي المذكور.

فإن قلت: فلما ذا لا يجري عليه أحكام القصاص بل يكتفي فيه بأخذ الدّية و صرّح الفقهاء بأنّ عمد الصبي خطأ.

____________

(1) وسائل الشيعة: الباب 12، من أبواب صفات القاضي، ح 60.

463

قلنا: البحث في القصاص و الدّيات خارج عن محلّ النزاع، لأنّ النزاع في العقاب و عدمه، و نفي القصاص عنه في الدنيا لمصلحة خاصّة أو مفسدة خاصّة لا يلازم نفي العقاب في الآخرة، مضافاً إلى أنّ أحكام الحدود و الدّيات و القصاص لا تصاب بالعقول كما يشهد عليه قصّة أبان، فإنّ الحدّ مثلًا ثابت بالنسبة إلى معصية و غير ثابت بالنسبة إلى معصية اخرى أشدّ منها ظاهراً.

هذه هي أدلّة منكري الملازمة مع الجواب عن كلّ منها على حدة، و يمكن الجواب عن جميعها بالنقض بوجوب النظر في معجزة من يدّعي النبوّة و يقول: «انظروا في معجزتي لتعلموا صدقي» فلا إشكال في وجوب النظر عقلًا، و لو أنكرنا الملازمة و قلنا بلزوم الاكتفاء بالشرع لزم عدم وجوب هذا النظر و سدّ باب دعوة الأنبياء.

هذا كلّه في القول الثاني و هو إنكار الملازمة مطلقاً.

و أمّا القول الثالث: و هو ما ذهب إليه صاحب الفصول (من التفصيل بين حكم العقل بحسن التكليف و حكمه بحسن الفعل و أنّ الملازمة ثابتة في الأوّل دون الثاني) فقد ذكر لذلك وجوهاً:

أحدها: حسن التكليف الابتلائي فإنّ الضرورة قاضية بحسن أمر المولى عبده بما لا يستحقّ فاعله (من حيث إنّه فاعله) المدح في نظره استخباراً لأمر العبد أو إظهاراً لحاله عند غيره، و لو كان حسن التكليف مقصوراً على حسن الفعل لما حسن ذلك.

و حاصله: أنّ الأوامر الامتحانيّة ممّا لا يمكن إنكارها مع عدم وجود الحسن في نفس الفعل بل في التكليف.

و الجواب عن هذا الوجه يتمّ بذكر أمرين:

الأمر الأول: أنّه فرق بين الامتحانات الإلهية و الامتحانات الواقعة من جانب الموالي العرفيّة، لأنّ الاولى ليست للاستخبار و لا معنى له فيها لأنّ اللَّه تبارك و تعالى عالم السرّ و الخفيّات، بل إنّها أسباب تربوية لتكامل العباد و رشدهم و بمنزلة تمرينات يعمل بها قبل الورود في ميدان المسابقات، التي تعدّ نوعاً من التقوية و التهيّؤ الروحاني نظير التهيّؤ الجسماني، فتكون المصلحة في نفس الفعل و المقدّمات التي تتحقّق في الخارج، فإنّ جميعها تحوي على المصلحة، و المصلحة هي ما ذكر من التعليم و التربية و التقوية الروحانيّة كما حصلت لإبراهيم‏

464

في قصّة ذبحه لإسماعيل أشار إليه تبارك و تعالى بقوله: «وَ إِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً» (1)، فإنّ المصلحة فيها موجودة في الفعل، أي في جميع المقدّمات قبل حصول ذي المقدّمة و الوصول إليها، فإذا وصلت إلى ذي المقدّمة منع عن تحقّقه مانع من جانب اللَّه تعالى.

الأمر الثاني: و إن أبيت عن ما ذكر (من وجود المصلحة في الفعل) فنقول: الأوامر الامتحانية خارجة عن محلّ النزاع، لأنّ النزاع في الأوامر الجدّية التي تنشأ عن جدٍّ، و الأوامر الامتحانية إنشاءات صادرة بالإرادة الاستعماليّة بداعي الامتحان لا بداعي الجدّ.

ثانيها: التكاليف التي ترد مورد التقيّة إذا لم يكن في نفس العمل تقيّة فإنّ إمكانها بل وقوعها في الأخبار المأثورة عن الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) ممّا لا يكاد يعتريه شوب الإنكار، و إن منعنا وقوعه في حقّه تعالى بل و في حقّ النبي (صلى الله عليه و آله) أيضاً فإنّ تلك التكاليف متّصفة بالحسن و الرجحان لما فيها من صون المكلّف أو المكلَّف عن مكائد الأعادي و شرورهم و إن تجرّد ما كلّف به عن الحسن الابتدائي.

و الجواب عنه هو الجواب عن الوجه الأوّل، فإنّ هذا القسم من الأوامر أيضاً خارجة عن محلّ النزاع لخلوّها عن الإرادة الجدّية.

ثالثها: أنّ كثيراً من الأحكام المقرّرة في الشريعة معلّلة في الحقيقة و لو بحسب الظنّ أو الاحتمال بحكم غير مطرد في جميع مواردها، و مع ذلك فقد حافظ الشارع على عمومها و كلّيتها حذراً من الأداء إلى الاخلال بموارد الحكم كتشريع العدّة لحفظ الأنساب من الاختلاط حيث أثبتها الشارع بشرائطها على سبيل الكلّية حتّى مع القطع بعدم النسب أو بعدم الاختلاط كما في المطلّقة المدخول بها دبراً أو مجرّداً عن الإنزال و الغائب عنها زوجها أو المتروك وطيها مدّة الحمل و غير ذلك.

و فيه: أنّه يظهر بالتأمّل و الدقّة في هذه الموارد أنّ الفعل أيضاً حسن و ذو مصلحة لأنّ العدّة في موارد القطع بعدم الاختلاط مثلًا يوجب الممارسة و التربية لإحراز القانون و حفظها في موارد الاختلاط و الالتباس، فله حسن مقدّمي غيري نظير رعاية مقرّرات السياقة في جوف‏

____________

(1) سورة البقرة: الآية 124.

465

الليل و حين خلوة الشارع فإنّ فيها مصلحة حفظ هذه المقرّرات في غير ذلك الزمان.

رابعها: «الأخبار الدالّة على عدم تعلّق بعض التكاليف بهذه الامّة دفعاً للكلفة و المشقّة عنهم كقوله (صلى الله عليه و آله) «لو لا أن أشقّ على امّتي لأمرتهم بالسواك» فإنّ وجود المشقّة في الفعل قد يقدح في حسن الإلزام به و إن لم يقدح في حسن الفعل، إلّا أن يكون في الفعل مزيد حسن بحيث يرجّح الإلزام به مع المشقّة كما في الجهاد، فإنّ الفعل الشاقّ قد يكون حسناً بل واجباً عقليّاً لكن لا يحسن الإلزام به لما فيه من التضييق على المكلّف مع قضاء الحكمة بعدمه».

و يرد عليه: أنّ الإنصاف في مثال السواك أنّ المشقّة موجودة في الفعل بوصف الدوام و هو لا يناسب الشريعة السمحة السهلة فلا توجد فيه مصلحة حينئذٍ، أي عمل السواك الدائمي ليس ذا مصلحة بل المصلحة موجودة فيه في الجملة، و بعبارة اخرى: أنّ الرّواية و إن دلّت بظاهرها على وجود المشقّة في الوجوب و الإلزام لكن بعد التأمّل يظهر لنا أنّ مشقّة الإلزام تنشأ من مشقّة دوام الفعل لأنّه لو كان الواجب السواك في بعض الأحيان مثلًا لم يكن في الفعل مشقّة، فالمشقّة ناشئة من الفعل بوصف الدوام، فلا ينشأ عدم الإلزام من عدم حسن التكليف بل ينشأ في الواقع من عدم حسن الفعل المكلّف به.

خامسها: «أنّ الصبي المراهق إذا كان كامل العقل لطيف القريحة تثبت الأحكام العقليّة في حقّه كغيره من الكاملين و مع ذلك لم يكلّفه الشارع بوجوب و لا تحريم لمصالح داعية إلى ترك تكليفه بهما من التوسعة عليه و حفظ القوانين الشرعيّة عن التشويش و عدم الانضباط».

و الجواب عنه قد مرّ سابقاً من منع عدم العقاب الاخروي في المستقلّات العقليّة في مثل هذا الصبي، و أمّا حديث رفع القلم فالظاهر أنّه ناظر إلى غالب الأحكام الشرعيّة.

سادسها: «أنّ جملة من الأوامر الشرعيّة المتعلّقة بجملة من الأفعال مشروطة بقصد القربة و الامتثال حتّى أنّها لو تجرّدت عنه لتجرّدت عن وصف الوجوب كالصوم و الصّلاة و الحجّ و الزّكاة، فإنّ وقوعها موصوف بالوجوب الشرعي أو رجحانه مشروط بنيّة القربة حتّى أنّها لو وقعت بدونها لم تتّصف به، مع أنّ تلك الأفعال بحسب الواقع لا تخلو إمّا أن تكون واجبات عقليّة مطلقاً، أو بشرط الأمر بها و وقوعها بقصد الامتثال، و على التقديرين يثبت المقصود، أمّا على الحكم الأوّل فلحكم العقل بوجوبها عند عدم قصد الامتثال و حكم الشارع بعدم وجوبه، و أمّا على الثاني فلانتفاء الحسن قبل التكليف و حصوله بعده فلم يتفرّع حسن التكليف على حسن الفعل».

466

و يرد عليه:

أوّلًا: ما مرّ في مبحث الأوامر من عدم اعتبار قصد الأمر في تحقّق قصد القربة بل يكفي قصد كونه للَّه تعالى و قصد حسنه الذاتي.

و ثانياً: أنّ المدّعى في المقام هو حسن الفعل في ظرف الامتثال لا حسنه في ظرف التكليف، و أمر الشارع و إلزامه متوقّف على الأوّل لا الثاني، و لا إشكال في أنّ حسن الفعل حاصل في ظرف الامتثال، هذا- مضافاً إلى أنّه بالتأمّل يظهر أنّ أكثر هذه الإشكالات مربوطة بعكس القضية، و هي «كلّ ما حكم به الشرع حكم به العقل»، و قد مرّ أنّ المدّعى و المختار هو الأصل و العكس معاً.

هذا كلّه في القول الثالث.

و أمّا القول الرابع: و هو ما ذهب إليه بعض فضلاء العصر من التفصيل بين ما إذا تطابقت آراء العقلاء على مصلحة أو مفسدة و بين ما إذا لم تتطابق آرائهم على ذلك، فقال في مقام توجيهه و الاستدلال عليه بما نصّه: «الحقّ أنّ الملازمة ثابتة عقلًا فإنّ العقل إذا حكم بحسن شي‏ء أو قبحه (أي إنّه إذا تطابقت آراء العقلاء جميعاً بما هم عقلاء على حسن شي‏ء لما فيه من حفظ النظام و بقاء النوع أو على قبحه لما فيه من الاخلال بذلك) فإنّ الحكم هذا يكون بادئ رأي الجميع فلا بدّ أن يحكم الشارع بحكمهم لأنّه منهم بل رئيسهم فهو بما هو عاقل (بل خالق العقل) كسائر العقلاء لا بدّ أن يحكم بما يحكمون و لو فرضنا أنّه لم يشاركهم في حكمهم لما كان ذلك الحكم بادئ رأي الجميع (حاصل رأي الجميع) و هذا خلاف الفرض» (1) بل في مثل هذه الحالة صرّح في موضع آخر من كلامه بأنّ «حكم العقل حينئذٍ عين حكم الشارع لا أنّه كاشف عنه» و قال في محلّ آخر ما نصّه: «و على هذا فلا سبيل للعقل بما هو عقل إلى إدراك جميع ملاكات الأحكام الشرعيّة فإذا أدرك العقل المصلحة في شي‏ء أو المفسدة في آخر و لم يكن إدراكه مستنداً إلى إدراك المصلحة أو المفسدة العامتين اللتين يتساوى في إدراكهما جميع العقلاء فإنّه (أعني العقل) لا سبيل له إلى الحكم بأنّ هذا المدرك يجب أن يحكم به الشارع على طبق حكم العقل، إذ يحتمل أنّ هناك ما هو مناط لحكم الشارع غير ما أدركه العقل، أو أنّ‏

____________

(1) اصول الفقه: المجلّد الأوّل (ص 237، طبع دار النعمان بالنجف، الطبعة الثانية) للعلّامة المحقّق الشيخ محمّد رضا المظفّر (رحمه الله).

467

هناك مانعاً يمنع من حكم الشارع على طبق ما أدركه العقل و إن كان ما أدركه مقتضياً لحكم الشارع» (1).

فملخّص كلامه هذا ثبوت الملازمة في صورة التطابق و عدم ثبوتها في صورة عدم التطابق و أنّ الوجه في الأوّل كون الشارع من العقلاء، فلو لم يكن له حكم يستلزم الخلف، و في الثاني احتمال كون المناط في نظر الشارع غير ما هو المناط في نظر العقل، أو وجود المانع في فرض اتّحاد المناط، و قال أيضاً في موضع آخر: «و القضايا المشهورة ليس لها واقع وراء تطابق الآراء، أي أنّ واقعها ذلك فمعنى حسن العدل أو العلم عندهم أنّ فاعله ممدوح لدى العقلاء، و معنى قبح الظلم و الجهل أنّ فاعله مذموم لديهم» (2).

ثمّ إنّه قال في محلّ آخر من كلامه (بعد تقسيمه الأمر إلى المولوي و الإرشادي و تفسيره الأمر المولوي بالتأسيسي و الإرشادي بالتأكيدي) ما نصّه: «و الحقّ أنّه للإرشاد حيث يفرض أنّ حكم العقل هذا كافٍ لدعوة المكلّف إلى الفعل الحسن و اندفاع إرادته للقيام به فلا حاجة إلى جعل الداعي من قبل المولى ثانياً بل يكون عبثاً و لغواً بل هو مستحيل لأنّه يكون من باب تحصيل الحاصل» (3).

و نتيجة هذا الكلام أنّ حكم الشارع في مثل قوله تعالى: «كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ» و قوله:

«إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الإِحْسَانِ» بالقسط و العدل و الاحسان إرشادي لأنّ العقل أيضاً يحكم بكلّ واحد منها.

أقول: كلّ هذا من عجائب الكلام لأنّه‏ أوّلًا: أنّه لا دخل لتطابق آراء العقلاء في المباحث العقليّة، بل الميزان فيها هو القطع الحاصل ببداهة العقل أو النظر و الاستدلال و كلّ إنسان من هذه الناحية تابع لعقله و يقينه، فلو قطع أحد بوجوب المقدّمة في مبحث وجود الملازمة بين وجوب المقدّمة و وجوب ذي المقدّمة يكون قطعه هذا حجّة عليه و لو خالفه غيره.

و بعبارة اخرى: القطع في المقام نظير القطع في الامور الحسّية فكما أنّه حجّة للقاطع في الامور الحسّية و لا يضرّ بها مخالفة السائرين، فكذلك في الامور العقليّة البرهانية، و قد مرّ فيما

____________

(1) اصول الفقه: ص 239- 240.

(2) المصدر السابق: ص 225.

(3) المصدر السابق: ص 237.

468

سبق أنّ النزاع في المقام ليس منحصراً في الضروريات فقط فلا دور لإجماع العقلاء و تطابقهم في حجّية القطع الحاصل من الدليل العقلي، نعم أنّها مفيدة على حدّ التأييد و إيجاد اطمئنان القلب.

و ثانياً: أنّ استدلاله لعدم الملازمة في صورة عدم تطابق آراء العقلاء باحتمال أن يكون هناك مناط لحكم الشارع غير ما أدركه العقل أو مانع يمنع عنه- مخالف لما هو المفروض في محلّ الكلام، لأنّ المفروض في هذه الصورة أيضاً حصول اليقين بالحسن أو القبح (كاليقين بحسن العدل أو قبح الظلم في صورة تطابق الآراء) جامعاً للشرائط و فاقداً للموانع، و اليقين حجّة بذاته من دون حاجة إلى تطابق الآراء.

و ثالثاً: أنّ قوله باعتبار تطابق آراء العقلاء و اتّفاقهم في حكم العقل بالملازمة أشبه بالتمسّك بدليل الاستقراء الذي يرجع إلى استنباط حكم عام من مشاهدة الجزئيات و المصاديق، مع أنّ الدليل العقلي في المقام قياس يتشكّل من صغرى و كبرى، و عبارة عن الحركة من الكلّي إلى الجزئي.

و إن شئت قلت: إن كان الاستقراء هنا استقراءً ناقصاً لا يوجب القطع بالمصلحة أو المفسدة فلا فائدة فيه و لا يستكشف منه الحكم الشرعي، و إن كان استقراء تامّاً يشمل حكم الشارع أيضاً، فحينئذٍ يكون الملاك ما استكشفناه من حكم الشرع، و لا دخل أيضاً لتطابق الآراء.

و رابعاً: أنّ الملاك في مولويّة الحكم إنّما هو صدوره من المولى بما أنّه مولى و مفترض الطاعة، أي صدوره من ناحية مولويته، و إذاً يمكن الجمع بين التأكيد و المولويّة، أي يمكن تأكيد أمر مولوي بأمر مولوي آخر، فلا يكون الأمر المولوي منحصراً في التأسيس، كما أنّ الملاك في إرشاديّة الحكم صدوره من ناحية المولى بما أنّه ناصح مرشد (لا بما أنّه مولى) و حينئذٍ يكون إرشاديّاً و لو كان أوّل ما صدر من المولى، فليس منحصراً في التأكيد فالأمر في مثل قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الإِحْسَانِ» أو قوله: «كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ» مولوي قطعاً، و إن حكم العقل أيضاً بالعدل و الاحسان و القسط، لصدوره منه تعالى بما أنّه مولى مفترض الطاعة لا بما أنّه ناصح و مرشد إلى حكم العقل.

و خامساً: أنّ قوله باستحالة حكم الشارع في مورد حكم العقل أيضاً كلام عجيب لأنّه‏

469

كيف يمكن أن يكون التأكيد تحصيلًا للحاصل، و قد قرّر في علم الكلام أنّ من غايات بعث الأنبياء تأكيد الأحكام العقليّة بواسطة التشريع، و لم يقل أحد هناك بأنّه تحصيل للحاصل، و قد اشتهر بينهم أنّ الواجبات الشرعيّة ألطاف في الواجبات العقليّة.

و سادساً: ما اشتهر بينهم من أنّ الحسن و القبح من المشهورات المبنية على التدريب و التربية (و الظاهر أنّهم أخذوه ممّا ذكره ابن سينا في منطق الإشارات) (1) الظاهر أنّه من المشهورات التي لا أصل لها و كذا ما ورد في كلمات بعضهم من أنّ الحسن و القبح من الامور الإنشائيّة المجعولة من جانب العقلاء، بل الحقّ أنّه في كثير من مصاديقها من الامور الواقعيّة البديهيّة أو ما يقرب من البداهة و لا دخل للتربية و لا للإنشاء فيهما.

توضيح ذلك: أنّ العدالة و الظلم (المذكورين في المثال) لهما آثار في المجتمع الإنساني بل في الافراد من الصلاح و الفساد لا يقدر أحد على إنكارها، لا أقول: إنّه من قبيل «الواحد نصف الاثنين» بل‏ أقول: إنّها تدرك بأدنى تأمّل و تفكّر، فمن ذا الذي لا يدرك المفاسد الحاصلة من الظلم، و المصالح و العمران و التكامل الحاصلة من العدل، و لو كان هناك اختلاف فإنّما هو في موضوعاته و مصاديقه لا في أصله.

و إن شئت قلت: هناك امور ثلاثة: المصالح و المفاسد الحاصلة من العدل و الظلم و نفس هذين الوصفين (العدل و الظلم) ثمّ مدح العقلاء و ذمّهم على فعلهما.

فالمصالح و المفاسد امور واقعيّة تكوينيّة (مثل إراقة الدماء و مصادرة الأموال و الاضطرابات الحاصلة منها و خراب البلاد و العدوان على العباد أو الهدوء و الراحة و عمارة البلاد و رفاه العباد، كلّ هذه و أشباهها امور تكوينيّة) و على أثر ذلك يستحسن عقل الإنسان العدالة و يستقبح الظلم من غير حاجة إلى من يعلّمه و يدرّبه أو يقوم بالجعل و الإنشاء.

ثمّ بعد ذلك يمدح العادل و يذمّ الظالم، و الإنشاء إنّما هو في هذه المرحلة فقط (أعني مرحلة المدح و الذمّ) و أمّا الاستحسان و التقبيح العقليان فهما ينشآن عن المبادئ الحاصلة من المصالح و المفاسد الخارجيّة و كأنّ الخلط بين هذه الامور الثلاثة كان سبباً للمباني الفاسدة التي أشرنا إليها آنفاً.

____________

(1) بناءً على ما نقله عنه في اصول الفقه: المجلّد الأوّل، ص 225، من الطبع القديم (دار النعمان بالنجف).

470

و في الواقع أنّ الحسن و القبح من المعقولات الثانويّة التي يكون محلّ عروضها هو الذهن و منشؤها في الخارج، لا من المعقولات الأوّليّة أو الامور المجعولة المحضة.

إلى هنا تمّ البحث عن المرحلة الاولى من المراحل الثلاثة المبحوث عنها في الأدلّة العقليّة، و هو أن يكشف العقل عن حكم الشرع و يحصل القطع به من ناحية علل الأحكام التامّة، أي المصالح و المفاسد المقتضية لحكم الشرع مع العلم بفقدان موانعها و اجتماع شرائطها.

و من هنا يظهر الكلام في المرحلة الثانية، و هي كشف العقل حكم الشرع من ناحية معلولات الأحكام، أي من ناحية ثبوت العقاب و عدمه، نظير حكم العقل في الاصول العمليّة العقليّة، و هي ثلاثة: البراءة العقليّة، الاحتياط العقلي و التخيير العقلي.

أمّا البراءة العقليّة: فهي مبنية على كون قاعدة قبح العقاب بلا بيان قاعدة عقليّة لا عقلائيّة، فيستكشف من حكم العقل بقبح العقاب حكم الشارع بعدم فعلية الوجوب و الحرمة الواقعيين لو كانا في البين.

و أمّا الاحتياط العقلي: فهو حكم العقل بصحّة العقاب في صورة وجود العلم الإجمالي في الشبهات المحصورة، و كذلك في الشبهات البدويّة قبل الفحص، فيحكم العقل بفعلية الحكم الواقعي في أطراف الشبهة في الشبهات المحصورة، ويحكم في الشبهات قبل الفحص بأنّه لو كان هناك حكم واقعي كان فعليّاً يؤخذ العبد به.

و كذلك التخيير العقلي: فإذا دار الأمر بين الوجوب و الحرمة يحكم العقل بقبح العقاب لمن ارتكب الفعل أو تركه، و يكشف من هذا الطريق عدم فعلية الحكم الواقعي الشرعي، ففي تمام موارد جريان الاصول العقليّة يكشف العقل عن حكم الشرع من طريق نتيجة الحكم، و هي ثبوت العقاب و عدمه، و الموضع الأصلي للبحث التفصيلي عن هذه الاصول هذا المقام، و لكن حيث إن عادة المتأخّرين من الاصوليين جرت على أن يبحثوا عنها تفصيلًا في مبحث مستقلّ تحت عنوان الاصول العمليّة فينبغي أن نتركه هنا و نحذو حذوهم.

أمّا المرحلة الثالثة: أو القسم الثالث من الأحكام العقليّة (و هي العلاقات و الملازمات العقليّة بأن يحكم العقل بالتلازم و يحصل القطع به) فالمبحوث عنها في الاصول هي سبعة أبواب:

1- باب وجوب مقدّمة الواجب، فيدرك العقل في هذا الباب التلازم بين وجوب المقدّمة وذي المقدّمة.

471

2- باب اقتضاء الأمر بالشي‏ء النهي عن ضدّه، و هو فيما إذا قلنا بأنّ المسألة عقليّة لا لفظيّة (كما قال به بعض).

3- باب اجتماع الأمر و النهي فإنّ القائلين بعدم الجواز يعتقدون بأنّ الأمر يلازم عدم النهي دائماً، و كذا العكس فلا يجتمعان في شي‏ء واحد و لو بعنوانين.

4- باب الأهمّ و المهمّ، فيحكم العقل بوجود الملازمة بين أهمّية شي‏ء و فعلية حكمه و تقديمه على المهمّ.

5- باب قياس الأولويّة، فيحكم العقل بوجود الملازمة بين حرمة مرتبة نازلة من الشي‏ء أو الفرد الأدنى منه مثلًا و بين حرمة المرتبة العالية أو الفرد الأعلى منه.

6- باب الأدلّة النهي على الفساد بناءً على كون الدليل عليه عقليّاً كما هو المعروف فيدلّ العقل على وجوب الملازمة بين النهي عن عبادة و فسادها.

7- باب الإجزاء فيبحث فيه عن وجود الملازمة بين الأمر بشي‏ء و إجزائه.

ثمّ إنّ غالب هذه المسائل يبحث عنها في مباحث الألفاظ مع أنّ جميعها من الملازمات العقليّة و لذلك نقول: أنّ اصولنا و إن تكاملت في مفرداتها إلّا أنّه ليس لها نظم سليم منطقي.

و حيث إنّه مرّ البحث في هذه المسائل السبعة في أبواب الألفاظ فلا وجه لتكرارها هنا.

ثمّ إنّه سيأتي إن شاء اللَّه قياس المنصوص العلّة ليست من الأدلّة العقليّة بل هو دليل لفظي، لأنّ كبراه مقدّرة في اللفظ، ففي مثل «الخمر حرام لأنّه مسكر» يكون المقدّر «و كلّ مسكر حرام» و القرينة قائمة عليه.

إلى هنا تمّ الكلام في الأدلّة العقليّة القطعيّة.

472

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

473

المقام الثاني- الأدلّة العقليّة الظنّية

و هي على أقسام عديدة:

الأوّل: القياس:

و الحديث عنه يقع في مراحل أربعة:

1- تعريف القياس‏

أمّا تعريفه، ففي اللغة كما في المقاييس: «القياس هو تقدير الشي‏ء بشي‏ء (قست الثوب بالذرع) و المقدار مقياس، تقول: قايست الأمرين مقايسة و قياساً» (1).

و في الاصطلاح فقد عرّفوه بتعاريف مختلفة ننقل هنا بعضها، ففي الاصول العامّة للفقه المقارن: «أنّه مساواة فرع لأصله في علّة حكمه الشرعي» (2) و في الفصول: «إلحاق فرع بأصله في الحكم لقيام علّته به عند المجتهد» (3).

و الظاهر أنّ ما ذكره في الفصول أدقّ و إن كان مآل كليهما إلى شي‏ء واحد.

ثمّ إنّ للقياس معنيين آخرين‏ أحدهما: في مصطلح المنطق، و هو أنّه قضايا مستلزمة لذاتها قضية اخرى، و الآخر: في مصطلح الفقه و هو التماس العلل الواقعيّة للأحكام الشرعيّة من طريق العقل، أي وجدان دليل عقلي للأحكام الشرعيّة كما يقال أنّ وجوب الخمر موافق للقياس لما يجده العقل فيه من الإسكار.

ثمّ إنّه يظهر من تعريف القياس أنّ له أركاناً أربعة: 1- الأصل (الخمر مثلًا)، 2- الفرع‏

____________

(1) مقاييس اللغة: ج 5، ص 40، مادّة قوس.

(2) الاصول العامّة للفقه المقارن: ص 305.

(3) الفصول: ص 380.

474

(الفقّاع مثلًا)، 3- الحكم (الحرمة)، 4- العلّة (الإسكار).

2- أقسام القياس.

أمّا أقسام فأربعة: 1- قياس المنصوص العلّة، 2- قياس الأولويّة، 3- تنقيح المناط، 4- قياس المستنبط العلّة.

أمّا المنصوص العلّة فهو ما نصّ فيه بالعلّة كما إذا قيل: «لا تشرب الخمر لأنّه مسكر» و لا يخفى أنّ هذا القسم خارج عن التعريف لعدم تصوّر أصل و فرع فيه، بل كلّ من الخمر و النبيذ مثلًا أصل، لأنّ الحكم تعلّق في الحقيقة بعنوان المسكر بدلالة مطابقية، و يستفاد الحكم في كلّ منهما من اللفظ و من نصّ الشارع لا من العقل.

و أمّا قياس الأولويّة فهو أن يلحق شي‏ء بحكم الأصل بالأولويّة القطعيّة، و هو أيضاً خارج عن محلّ البحث، و داخل في مباحث القطع، مضافاً إلى أنّه فيه أيضاً لا يتصوّر أصل و لا فرع لأنّ الدالّ في كلا الفردين هو اللفظ غاية الأمر أنّه في‏ أحدهما بالأدلّة المطابقيّة و في‏ الآخر بالدلالة الالتزاميّة.

و أمّا تنقيح المناط، فمورده ما إذا اقترن بالموضوع أوصاف و خصوصيّات لا مدخل لها في الحكم عند العرف فهو يحذفها عن الاعتبار، و يوسّع الحكم إلى ما يكون فاقداً لها، كما إذا سئل عن رجل شكّ في المسجد بين الثلاث و الأربع في صلاة الظهر فاجيب بوجوب البناء على الأكثر، و يعلم من القرائن أنّه لا خصوصيّة للرجوليّة و وقوع الصّلاة في المسجد و لكون الصّلاة ظهراً، بل المناط و الموضوع للحكم هو الشكّ بين الثلاث و الأربع.

فتنقيح المناط هو الأخذ بأصل الحكم و ما انيط به، و حذف خصوصيّاته التي لا دخل لها في الحكم، و هذا أيضاً خارج عن القياس المصطلح لعدم تصوّر الأصل و الفرع فيه، كما لا يوجد فيه الركن الرابع من القياس و هو العلّة بل الكلام فيه في كشف تمام الموضوع عن لسان الدليل.

فيتعيّن‏ القسم الرابع‏ و هو قياس المستنبط العلّة و هو أن تثبت العلّة باستنباط ظنّي فيتصوّر فيه تمام أركان القياس، و ينطبق عليه التعريف و هو محلّ النزاع في المقام.

475

3- الأقوال و الآراء فيه.

و هي كثيرة تعود جميعها إلى ثلاثة أقوال رئيسة:

1- الاحالة العقليّة، و قد نسبها الغزالي في المستصفى إلى الشيعة و بعض المعتزلة (1) و إن لم يثبت هذا المعنى بالنسبة إلى الشيعة، كما نسبه بعض آخر إلى أحمد بن حنبل.

2- الوجوب العقلي و نسبه الغزالي أيضاً إلى قوم من العامّة.

3- الإمكان العقلي.

أمّا القول الأوّل و الثاني‏ فلا اعتبار لهما و لا طائل لنقل ما استدلّ به لإثباتهما كالاستدلال بما تمسّك به ابن قبّة لاستحالة الأحكام الظاهريّة (و منها ما يثبت بالقياس) للقول الأوّل و الاستدلال بمقدّمات الانسداد للقول الثاني لكونهما واضح البطلان، و قد مرّ الجواب عن هذين الوجهين في مبحث الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي و مباحث الانسداد.

أمّا القول بالإمكان‏ فذهب إليه أهل الظاهر من العامّة و ابن حزم في كتاب «إبطال القياس» و قاطبة الشيعة مع القول بعدم جوازه الشرعي، و ذهب قوم إلى وجوبه الشرعي، و أكثر العامّة إلى جوازه الشرعي، نعم يمكن أن يقال أنّ الجواز الشرعي في باب الحجّية مساوق مع الوجوب و لا معنى لأنّ يكون شي‏ء حجّة مع الجواز، و سيأتي البحث عنه في مباحث الحجّة إن شاء اللَّه.

4- أدلّة الأقوال.

أدلّة النافين:

و قبل الورود في البحث عنها ينبغي أن نذكر هنا علّة اهتمام العامّة بالقياس و بحثهم عنه في نطاق واسع.

فنقول: المنشأ الأساسي فيه أنّهم وجدوا أنفسهم في قبال موارد كثيرة ممّا لا نصّ فيه لاكتفائهم بخصوص ما روي عن الرسول (صلى الله عليه و آله) فقط و عدم اعتنائهم بروايات أهل بيت العصمة (عليهم السلام) اعراضاً عن حديث الثقلين.

____________

(1) المستصفى: ج 2، ص 56، نقل عنه الاصول العامّة: ص 320.

476

و الأحاديث الصحيحة السند المرويّة عنه (صلى الله عليه و آله) قليلة في غاية القلّة، و قد نقل عن أبي حنيفة أنّ الرّوايات الموجودة عنده المنقولة عن النبي (صلى الله عليه و آله) لم تبلغ إلى ثلاثين حديثاً، و من الواضح عدم إمكان تدوين الفقه في مختلف أبوابه و اصوله و فروعه بهذا المقدار من الرّوايات، و إن انضمّ إليها آيات الكتاب الحكيم في هذا الباب.

نعم، ضمّ بعضهم أقوال الصحابة إلى الأحاديث النبويّة لكنّها مع عدم ثبوت حجّيتها حتّى عند كثير منهم وردت أكثرها في التاريخ و التفسير.

فمن أجل هذا الخلأ الكبير مع ملاحظة المسائل المستحدثة التي توجد في عمود الزمان و في كلّ عصر و عصر بل كلّ يوم و يوم التمسوا منابع جديدة أوّلها القياس (و سيأتي وجه أولويته) و غيره من الامور التي نشير إليه في المباحث الآتية إن شاء اللَّه تعالى.

و أمّا الإماميّة فحيث أنّهم تمسّكوا بأهل بيت الوحي و قالوا بحجّية سنّتهم بمقتضى حديث الثقلين و غيره التي جعلت العترة فيها مقارناً مع الكتاب غير منفك عنه بل ورد في روايات عديدة أنّ قولهم قول رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) و أنّهم (عليهم السلام) رواة الأحاديث‏ (1) فلأجل هذه الوجوه لا يوجد لديهم خلأ في الفقه أصلًا، و ذلك لكثرة النصوص الواردة عنهم (عليهم السلام) و لإرجاعهم شيعتهم إلى الاصول العمليّة في موارد فقدان النصّ.

إذا عرفت هذا فنقول: يدلّ على بطلان القياس‏ أوّلًا: ما مرّ من أدلّة عدم حجّية الظنّ و لا حاجة إلى تكرارها.

و ثانياً: الرّوايات الكثيرة البالغة حدّ التواتر الواردة في الباب السادس من أبواب صفات القاضي و غيرها (مضافاً إلى ما سيأتي ممّا وردت من طرق العامّة) و هي أكثر من عشرين حديثاً (ح 2، 4، 10، 11، 15، 18، 20، 22، 23، 24، 25، 26، 27، 28، 33، 36، 37، 39، 40، 43، 45).

و هذه الرّوايات تنقسم إلى طوائف مختلفة بمقتضى ألسنتها المتفاوتة، ففي طائفة منها: «أنّ أوّل من قاس إبليس» فيبيّن الإمام (عليه السلام) فيها علّة قياس إبليس، و قد ورد في مرفوعة عيسى بن عبد الله القرشي قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له: يا أبا حنيفة بلغني أنّك‏

____________

(1) و من أراد الوقوف على هذه الأحاديث و طرق أحاديث الثقلين فليراجع مقدّمة كتاب جامع أحاديث الشيعة فإنّه من أحسن الكتب في هذا الباب.

477

تقيس؟ قال: نعم أنا أقيس، قال: لا تقس فإنّ أوّل من قاس إبليس حين قال: «خلقتني من نار و خلقته من طين» (1).

فقد اعترض إبليس على اللَّه تعالى بأنّ ملاك وجوب السجدة على آدم موجود فيه بطريق أولى فقد توهّم باستنباطه الفاسد و قياسه الكاسد أنّ أصله و هو النار أشرف من أصل آدم و هو الطين بل الحمأ المسنون و لم يتوجّه إلى الروح الإلهي الذي نفخه اللَّه في آدم.

و في طائفة اخرى منها: تذكر مصاديق من أحكام اللَّه التي تنفي القياس و تبطله و من جملتها ما رواه ابن شبرمة قال: دخلت أنا و أبو حنيفة على جعفر بن محمّد (عليه السلام) فقال لأبي حنيفة: اتّق اللَّه و لا تقس في الدين برأيك فإنّ أوّل من قاس إبليس (إلى أن قال): «ويحك أيّهما أعظم قتل النفس أو الزنا قال: قتل النفس قال: فإنّ اللَّه عزّ و جلّ قد قبل في قتل النفس شاهدين و لم يقبل في الزنا إلّا أربعة، ثمّ أيّهما أعظم الصّلاة أم الصّوم؟ قال: الصّلاة، قال: فما بال الحائض تقضي الصّيام و لا تقضي الصّلاة؟ فكيف يقوم لك القياس؟ فاتّق اللَّه و لا تقس» (2).

و في طائفة ثالثة منها: «أنّ أمر اللَّه لا يقاس» فمنها: ما رواه محمّد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «في كتاب آداب أمير المؤمنين (عليه السلام) لا تقيس الدين فإنّ أمر اللَّه لا يقاس و سيأتي قوم يقيسون و هم أعداء الدين» (3).

إلى غيرها من الرّوايات التي قد يمكن جمع بعضها تحت عنوان واحد آخر غير ما ذكر (4).

إن قلت: أنّ العمل بهذه الرّوايات يستلزم حرمة العمل بالقياس بأقسامه الأربعة و التالي باطل إجماعاً.

قلنا: أوّلًا: إنّ العمل في الأقسام الثلاثة الاخر لا يكون حقيقة إلّا عملًا بنفس السنّة و مفاد النصّ و اللفظ فهي لا تتجاوز عن حدّ التسمية بالقياس، و أمّا حقيقة فليس شي‏ء منها من القياس.

و ثانياً: يتعيّن بنفس الرّوايات معنى القياس الوارد فيها، لأنّ قياسات أبي حنيفة التي‏

____________

(1) جامع أحاديث الشيعة: ح 24.

(2) المصدر السابق: ح 25.

(3) المصدر السابق: ح 36.

(4) و قد وردت روايات كثيرة في هذا المجال في بحار الأنوار: ج 2، باب البدع و الرأي و المقاييس فراجع.

478

وردت في عدّة منها كانت قياسات ظنّية مبتنية على آرائه الشخصية، كما أنّ قياس إبليس أيضاً كان قياساً ظنّياً مبنيّاً على حدسه و رأيه و عدم اعتنائه إلى قوله تعالى في حقّ آدم:

«وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي».

أضف إلى جميع ذلك ضرورة المذهب فإنّه لم ينقل جواز القياس من أحد من الإماميّة إلّا من ابن الجنيد في أوائل استبصاره و ذلك لأجل ما بقى له من الرسوبات الذهنية من قبل الاستبصار.

ثمّ إنّه قد يستدلّ برواية أبان المعروفة لعدم حجّية القطع الحاصل من القياس أيضاً لأنّه كان قاطعاً كما يشهد عليه استعجابه و قوله في جواب الإمام (عليه السلام): «سبحان اللَّه يقطع ثلاث ...» (1) إلى آخر قوله.

و لكن فيه‏ أوّلًا: أنّه لا دلالة فيها على كونه قاطعاً بالحكم، نعم يظهر منها أنّه كان مطمئناً به.

و ثانياً: سلّمنا كونه قاطعاً لكن لا تدلّ الرّواية على المنع عن العمل بالقطع بل أن الإمام أزال قطعه ببيان الفرق بين دية المرأة بالنسبة إلى الثلث و ما بعده.

و أمّا النقاش فيها من حيث السند فليس تامّاً لأنّها وردت من طريقين لو أمكن الإشكال في أحدهما لإبراهيم بن هاشم فلا يمكن الإشكال في الآخر لأنّ رجاله كلّهم ثقات، مضافاً إلى أنّ إبراهيم بن هاشم أيضاً من الثقات بلا إشكال.

و قال بعض الأعلام: «أنّ ظهورها في المنع عن الغور في المقدّمات العقليّة لاستنباط الأحكام الشرعيّة غير قابل للإنكار بل لا يبعد أن يقال: إنّه إذا حصل منها القطع و خالف الواقع ربّما يعاقب على ذلك في بعض الوجوه» (2).

و فيه: أنّا نمنع عن ذلك، لأنّ كلام الإمام (عليه السلام) يرجع إلى أمرين: أحدهما: أنّه حصل له القطع بلا وجه، و لو تأمّل في المسألة لما كاد أن يحصل له، ثانيهما: أنّ الإمام (عليه السلام) أزال قطعه حيث قال:

«مهلًا يا أبان: هذا حكم رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) أنّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدّية فإذا بلغت الثلث رجعت المرأة إلى النصف، يا أبان إنّك أخذتني بالقياس، و السنّة إذا قيست محق الدين».

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 19، الباب 44، من أبواب ديات الأعضاء، ص 268.

(2) الاصول العامّة: ص 327، نقلًا عن دراسات في الاصول العمليّة: ص 29.

479

فإنّ هذه العبارة منصرفة إلى القياس الظنّي، و لو شمل القياس القطعي بإطلاقه يقيّد بما مرّ في مباحث القطع من أنّه حجّة ذاتاً لا يمكن الردع عنه.

ثمّ إنّ صاحب الفصول نقل عن العامّة في ردّ القياس روايتين: إحداهما: قوله (صلى الله عليه و آله): «تعمل هذه الامّة برهة بالكتاب و برهة بالسنّة و برهة بالقياس، فإذا فعلوا ذلك فقد ضلّوا» (1).

ثانيهما: قوله (صلى الله عليه و آله) «ستفرّق امّتي على بضع و سبعين فرقة أعظمهم فتنة قوم يقيسون الامور برأيهم فيحرّمون الحلال و يحلّلون الحرام» (2).

كما في سنن الدارمي‏ (3) المتوفّى سنة 255 ه أيضاً رويت روايات عديدة في هذا المجال:

منها: ما روي عن عبد الله: «لا يأتي عليكم عام إلّا و هو شرّ من الذي كان قبله أما أنّي لست أعني عاماً و لا أميراً أخيراً من أمير و لكن علماءكم و خياركم و فقهاءكم يذهبون ثمّ لا تجدون منهم خلفاً و تجي‏ء قوم يقيسون الأمر برأيهم».

منها: ما روي عن ابن سيرين: «أوّل من قاس إبليس و ما عبدت الشمس و القمر إلّا بالمقاييس».

و منها: ما روي عن الحسن (البصري) «أنّه تلا هذه الآية خلقتني من نار و خلقته من طين قال قاس إبليس و هو أوّل من قاس».

و منها: ما روي عن مسروق «أنّه قال أنّي أخاف و أخشى أن أقيس فتزلّ قدمي».

و منها: ما روي عن الشعبي قال: «و اللَّه لئن أخذتم بالمقاييس لتحرّمنّ الحلال و لتحلّن الحرام».

و منها: ما روي عن عامر: «أنّه كان يقول ما أبغض إليّ أ رأيت أ رأيت يسأل الرجل صاحب فيقول: أ رأيت، و كان لا يقايس».

و هذه الرّوايات أيضاً دالّة على ما نحن بصدده من بطلان العمل بالقياس.

____________

(1) راجع كنز العمّال: ج 1، ص 180 ح 916، و هامش عوالي اللئالي نقلًا عن جامع الصغير للسيوطي: ج 1، ص 132.

(2) مستدرك الحاكم: ج 4، ص 420.

(3) راجع سنن الدارمي: ج 1، باب تغيّر الزمان، ص 65.

480

أدلّة القائلين بحجّية القياس‏

و أمّا القائلون بجواز القياس فاستدلّوا بالأدلّة الأربعة و المهمّ منها الذي يليق ذكره إنّما هو السنّة و أمّا الآيات فضعفها في الدلالة على مدّعاهم لا يحتاج إلى البيان، بل يشكل فهم أصل ربطها بهذه المسألة فضلًا عن صحّة الاستدلال بها، و هذا يدلّ على وقوعهم في ضيق شديد في مقام إقامة الدليل على ما دبّروها من قبل من صحّة القياس.

أمّا الآيات‏ المستدلّ بها قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ ...» (1) ببيان أنّ القياس أيضاً نوع إرجاع للأمر إلى سنّة الرسول حيث إن القائس يرجع في استنباط حكم الفرع إلى الأصل الذي ثبت حكمه بالسنّة، أو يستنبطه من العلّة التي اكتشفها من السنّة.

و يرد عليه أوّلًا: إنّ وجوب الرجوع إلى الكتاب و السنّة لا يحتاج إلى الاستدلال بهذه الآية بل هو أمر واضح مستفاد من أدلّة حجّية الظهور.

و ثانياً: إنّ الإشكال إنّما هو صغرى الردّ إلى اللَّه و كشف العلّة، و إنّ القياس الظنّي و استنباط الحكم من العلّة الظنّية ليسا من الردّ إلى اللَّه و الرسول، لأنّ هذا هو موضع النزاع، و إلّا لو كانت العلّة قطعية و تامّة فلا كلام في أنّ مقتضى حكمة الحكيم عدم التفريق بين الأصل و الفرع و هو خارج عن محلّ الكلام.

و منها: قوله تعالى: «فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأَبْصَارِ» «بتقريب أنّ الاعتبار في الآية مأخوذ من العبور و المجاوزة و أنّ القياس عبور من حكم الأصل و مجاوزة عنه إلى حكم الفرع فإذا كنا مأمورين بالاعتبار فقد أمرنا بالعمل بالقياس و هو معنى حجّيته.

و هذا الاستدلال ركيك جدّاً يظهر بأدنى تأمّل.

و منها: قوله تعالى: «قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ» ببيان أنّ اللَّه عزّ و جلّ استدلّ بالقياس على ما أنكره منكرو البعث، فقاس عزّ و جلّ إعادة المخلوقات بعد فنائها على إنشائها أوّل مرّة، و هذا الاستدلال بالقياس إقرار لحجّية القياس و صحّة الاستدلال به.

و فيه: أوّلًا: أنّها لا تدلّ على حجّية القياس إلّا بضرب من القياس، و هو قياس عمل‏

____________

(1) سورة النساء: الآية 59.

481

الإنسان بعمل اللَّه تعالى فيلزم الدور المحال.

و ثانياً: أنّ مورد الآية خارج عن محلّ النزاع لأنّ حكم العقل بأنّ من قدر على بدأ خلق الشي‏ء قادر على أن يعيده حكم قطعي لا ظنّي فإنّ حكم الأمثال فيما يجوز و ما لا يجوز واحد.

و منها: قوله تعالى‏ «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الإِحْسَانِ» بتقريب أنّ العدل هو التسوية و القياس هو التسوية بين مثلين في الحكم فيتناوله عموم الآية.

و هذا أيضاً واضح الفساد فإنّ العدل هو القيام بالقسط و إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه كما يظهر من العرف و اللغة و لا ربط له بالقياس الظنّي.

هذا كلّه في الآيات التي استدلّ بها لجواز القياس.

أمّا الرّوايات، فقد حكيت روايات من طرقهم في هذا المجال أهمّها:

مرسلة معاذ بن جبل أنّه قال لمّا بعثه النبي (صلى الله عليه و آله) إلى اليمن قال: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب اللَّه قال: فإن لم تجد في كتاب اللَّه. قال: فبسنّة رسول اللَّه قال: فإن لم تجد في سنّة رسول اللَّه و لا في كتاب اللَّه. قال: أجتهد رأيي و لا آلو، قال فضرب رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) صدره و قال: الحمد للَّه الذي وفّق رسول اللَّه لما يرضاه رسول اللَّه» (1).

قوله: «لا آلو» أصله «لا أَأْلو» بمعنى لا أترك.

و فيه: أنّه قابل للمناقشة سنداً و دلالة، أمّا السند فلأنّها مرسلة مضافاً إلى ضعفها من ناحية الحارث بن عمر.

و أمّا الدلالة فتقريب دلالتها: أنّ الظاهر كون الاجتهاد فيها بمعنى تقنين الفقيه و تشريعه من دون الاتّكاء على كتاب اللَّه و سنّة نبيّه (صلى الله عليه و آله) لأنّ المفروض أنّ الاجتهاد بالرأي فيها يكون بعد عدم ورود الكتاب و السنّة و هو شامل للقياس بإطلاقه.

لكن يرد عليه: أنّ شمول الاجتهاد لمطلق القياس أوّل الكلام.

و ما روي‏ عن النبي (صلى الله عليه و آله) «من أنّه قال لمعاذ و أبي موسى الأشعري: بم تقضيان؟ فقالا: إن لم‏

____________

(1) الاصول العامّة: ص 338؛ و مسند أحمد: ج 5، ص 230.

482

نجد الحكم في الكتاب و لا السنّة قسنا الأمر بالأمر فما كان أقرب إلى الحقّ عملنا به» (1).

و وجه دلالتها أنّهما صرّحا بالأخذ بالقياس عند فقدان النصّ، و النبي (صلى الله عليه و آله) أقرّهما عليه فكان حجّة.

و فيه: أنّه ضعيف سنداً أيضاً فلا يمكن الاعتماد عليه و إن تمّت دلالتها.

و حديث الجارية الخثعمية أنّها قالت: «يا رسول اللَّه إنّ أبي أدركته فريضة الحجّ شيخاً زمناً لا يستطيع أن يحجّ إن حججت عنه أ ينفعه ذلك؟ فقال لها: أ رأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أ كان ينفعه ذلك؟ قالت: نعم. قال: فدين اللَّه أحقّ بالقضاء».

و تقريب دلالته أنّه الحق دين اللَّه بدين الآدمي في وجوب القضاء و نفعه، و هو عين القياس‏ (2).

و فيه أوّلًا: أنّ الاستدلال لحجّية قياساتنا بقياس النبي (صلى الله عليه و آله) نوع من القياس، و اعتباره أوّل الكلام.

ثانياً: أنّ ظاهر الحديث تمسّكه (صلى الله عليه و آله) بالقياس الأولويّة و هو خارج عن محلّ الكلام.

ثمّ أضف إلى ذلك كلّه أنّ هذه الرّوايات لو تمّت سنداً و دلالة لكنّها معارضة بما هو أقوى و أظهر، أي الرّوايات السابقة الدالّة على بطلان القياس التي نقلنا بعضها عن طرقهم.

هذا كلّه في الاستدلال بالسنّة على حجّية القياس.

أمّا الإجماع، فقد ادّعى اتّفاق الصحابة على حجّية القياس حيث إن طائفة منهم كانوا عاملين بالقياس و طائفة اخرى سكتوا عنه فلم ينكروا عليهم.

و فيه أوّلًا: أنّ الصغرى ليست بثابتة لأنّ الكثير من الصحابة لم يكونوا في المدينة في ذاك العصر بل كانوا في مختلف بلاد الإسلام.

و ثانياً: لا دليل على كون جميع الصحابة داخلين في إحدى هاتين الطائفتين و ليس لنا مدرك جمع فيه أقوال كلّ الصحابة.

____________

(1) الاصول العامّة: ص 338.

(2) المصدر السابق: ص 338.

483

ثالثاً: لعلّ منشأ السكوت هو الخوف عن السوط و السيف أو عدم العلم بذلك.

و رابعاً: أنّ هذا الإجماع على فرض ثبوته معلوم المدرك لا يكشف عن قول المعصوم.

أمّا الاستدلال بالعقل، فاللائق للطرح من الوجوه العقليّة التي ذكروها في هذا الباب وجهان:

الأوّل: أنّ الأحكام الشرعيّة مستندة إلى مصالح، و هي الغايات المقصودة من تشريع الأحكام، فإذا ساوت الواقعة المسكوت عنها الواقعة المنصوص عليها في علّة الحكم التي هي مظنّة للمصلحة قضت الحكمة و العدالة بتساويهما في الحكم تحقيقاً للمصلحة التي هي مقصود الشارع من التشريع.

و جوابه اتّضح ممّا ذكر، و هو أنّه إن كان استنباط العلّة استنباطاً ظنّياً فحجّيته أوّل الكلام، و الأصل عدمها، و إن كان قطعيّاً فلا إشكال في حجّيته لأنّه حينئذٍ إمّا أن يكون من قبيل إلغاء الخصوصيّة و تنقيح المناط أو من قبيل المفهوم الموافق أو المستقلّات العقليّة، و لكنّها بأسرها خارجة عن محلّ النزاع.

الثاني: ما يرجع في الحقيقة إلى مقدّمات الانسداد المذكورة سابقاً و قد عبّروا عنها ببيانات مختلفة.

منها: أنّ الحوادث و الوقائع في العبادات و التصرّفات ممّا لا يقبل الحصر و العدّ، و نعلم قطعاً أنّه لم يرد في كلّ حادثة نص، و لا يتصوّر ذلك أيضاً، فإذا كانت النصوص متناهيّة، و ما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى، علم قطعاً أنّ الاجتهاد و القياس معتبر حتّى يكون لكلّ حادثة اجتهاد.

و الجواب عنه ما مرّ سابقاً من أنّه لو فرضنا كون باب العلم منسدّاً إلّا أنّ باب العلمي مفتوح عندنا لأجل الرّوايات الواردة من ناحية أهل بيت الوحي (عليهم السلام) عن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، هذا أوّلًا.

و ثانياً: لو سلّمنا انسداد باب العلمي أيضاً لكن لا كلام في بطلان خصوص القياس للروايات الخاصّة الناهية عنه.

484

و قد تلخّص‏ من جميع ما ذكرنا امور:

الأوّل: أنّ القياس الظنّي لا دليل على حجّيته بل قام الدليل على عدم الحجيّة، و هو الذي وقع النزاع فيه بين العامّة و الخاصّة بل بين العامّة أنفسهم.

الثاني: أنّ القياس القطعي حجّة سواءً سمّي قياساً أو لم يسمّ، و هو إمّا راجع إلى قياس الأولويّة، أو قياس المنصوص العلّة، أو تنقيح المناط، أو المستقلّات العقليّة و شبهها.

الثالث: أنّ العلّة المنصوصة في الرّوايات الواردة في علل الشرائع قد يراد بها العلّة التامّة، و قد يراد بها العلّة الناقصة، و تسمّى حكمة، و يتوقّف تعيين أحدهما على ملاحظة لحن الرّوايات و تعبيراتها المختلفة و القرائن الموجودة الحاليّة و المقاليّة.

الثاني: الاستحسان‏

و هو في اللغة: «عدّ الشي‏ء حسناً» لكنّه ليس المقصود في المقام.

و أمّا في الاصطلاح فقد نقل له عن العامّة معان مختلفة كثيرة:

منها: «إنّ الاستحسان ترك القياس و الأخذ بما هو أوفق للناس»، و يستفاد من هذا التعريف أنّهم حاولوا أن يعدّوا الاستحسان كاستثناء من القياس فخرجوا عن القياس فيما إذا كان تركه أوفق بحال الناس، و لذلك كثيراً ما يقال في كلماتهم «أنّ القياس حجّة إلّا في مورد الاستحسان» و حينئذٍ لا يعدّ دليلًا مستقلًا في القياس كما يشهد عليه عدم ذكر بعضهم إيّاه في الاصول.

و منها: «أنّه هو الالتفات إلى المصلحة و العدل» و بناءً على هذا التعريف يعدّ الاستحسان أساساً مستقلًا للتشريع التقنين، و سيأتي الفرق بينه و بين المصالح المرسلة.

و منها: ما يشبه التعريف السابق، و هو «أنّه ما يستحسنه المجتهد بعقله» و غير ذلك من التعاريف التي سيأتي ذكر بعضها في آخر البحث.

ثمّ إنّهم اختلفوا في حجّية الاستحسان و عدمها، فحكي عن الشافعي و المالك جملتان:

485

إحداهما: ما حكي عن الشافعي في مذمّة الاستحسان و هو: «من استحسن فقد شرّع» (1) لكن اختلف في المراد من هذه الجملة فحكي عن الفتوحات أنّ المراد منها أنّ للاستحسان مقاماً عالياً كمقام الأنبياء و تشريعاتهم، لكن الإنصاف أنّ الواضح كونها في مقام المذمّة، و لذا عدّوا الشافعي من نفاة الاستحسان.

ثانيها: ما نقل عن المالك في مدح الاستحسان و هو «أنّه تسعة أعشار العلم» (2).

و نسب إلى الظاهريين منهم إنكاره، و المعروف من مذهب أصحابنا نفيه مطلقاً.

هذه هي الأقوال في المسألة.

ثمّ إنّ الاستحسان على قسمين: قطعي و ظنّي.

فالقطعي منه لا كلام في حجّيته بناءً على الحسن و القبح العقليين و قاعدة الملازمة.

و الظنّي هو موضع البحث و النزاع. فالقائلون بحجّيته تمسّكوا بالكتاب و السنّة و الإجماع.

أمّا الكتاب: فاستدلّوا أوّلًا: بقوله تعالى: «فَبَشِّرْ عِبَادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ» (3). و ثانياً: بقوله تعالى: «وَ اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ» (4) بتقريب أنّ مدح العباد على اتّباع أحسن القول في الآية الاولى و إلزامهم باتّباع أحسن ما انزل إليهم من ربّهم في الآية الثانية أمارة على جعل الحجّية له بالنسبة إلى الأقوال، و مع إلغاء الخصوصيّة للأقوال تثبت الحجّية للاستحسان في الأفعال أيضاً.

لكن الإنصاف أنّه لا ربط للآيتين بالاستحسان، فإنّهما مربوطتان بالأحسن الواقعي، و الطريق إلى الواقع إنّما هو القطع أو الظنّ الثابت حجّيته لأنّ الألفاظ وضعت للمعاني الواقعيّة و لم يؤخذ فيها العلم و الجهل، فوضع لفظي «الدم» و «الخمر» مثلًا للدم و الخمر الواقعيين، فإن قطعنا بالواقع فهو حجّة لكون القطع نفس مشاهدة الواقع فيكون حجّة ذاتاً، و إن ظننا فلا دليل على حجّيته و ليست الحجّية ذاتيّة للظنّ، هذا أوّلًا.

____________

(1) الاصول العامّة: ص 363، و فوائد الرحموت حاشية المستصفى: ج 2، ص 321.

(2) المصدر السابق.

(3) سورة الزمر: الآية 18.

(4) سورة الزمر: الآية 55.

486

ثانياً: المحتمل في المراد من «القول» في قوله تعالى: «و يستمعون القول» وجهان:

أحدهما: أنّ المراد منه هو قول الناس، الثاني: أنّ المراد هو آيات القرآن الكريم، فقد احتمل المعنى الثاني بعض المفسّرين ببيان أنّ القرآن مشتمل على مستحبّات و واجبات و مكروهات و مباحات، و الواجبات و المستحبّات أحسن من المكروهات و المباحات، و عباد اللَّه تعالى يتّبعون الواجبات و المستحبّات، و هذا هو المراد باتّباع الأحسن، فإن كان هذا هو المراد من الآية فلا دخل لها بما نحن بصدده و هي أجنبية عنه.

و أمّا المعنى الأوّل‏ فلازمه أنّ عباد اللَّه يتّبعون أحسن أقوال الناس، فإنّها تنقسم إلى الحقّ و الباطل، و من الناس من يدعوا إلى الجود و السخاء مثلًا، و منهم من يدعوا إلى البخل و الإقتار.

و عباد اللَّه يتّبعون الأحسن منهما و هو الجود و الإيثار، و حينئذٍ إن قلنا بأنّ المراد من الأحسن هو الأحسن في نظر الشارع فلا ربط للآية أيضاً بمحلّ البحث، و إن كان المراد منه الأحسن في نظر العقل فهو داخل في المستقلّات العقليّة و لا يشمل موارد الظنّ.

هذا كلّه بالنسبة إلى الآية الاولى.

أمّا الآية الثانية فلها أيضاً تفسيران: أحدهما: أنّ المراد من الأحسن هو أحسن الآيات التي أُنزل إليكم، و حينئذٍ لا ربط أيضاً لها بالمقام.

ثانيهما: أنّ المراد منه القرآن و إنّه أحسن من التوراة و الإنجيل و غيرهما من الكتب السماويّة و هذا أيضاً لا دخل له بما هو محلّ النزاع كما هو واضح.

هذا كلّه هو الاستدلال بالآيات.

أمّا السنّة: فقد روي عن ابن مسعود أنّه قال: «إنّ اللَّه نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمّد (صلى الله عليه و آله) خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فبعثه برسالته ثمّ نظر في قلوب العباد بعد قلب محمّد (صلى الله عليه و آله) فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء لنبيّه يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسناً فهو عند اللَّه حسن، و ما رأوا سيّئاً فهو عند اللَّه سيئ» (1).

و هذه الرّواية غير تامّة سنداً و دلالة أمّا السند: فهي موقوفة (أي موقوفة على ابن مسعود و لم يروها أحد عن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) فليست بحجّة.

____________

(1) مسند أحمد: ج 1، ص 379.

487

و أمّا الدلالة فأوّلًا: أنّها إنّما ترتبط بمحلّ الكلام إذا كان المراد من الرؤية في قوله «ما رأوا» الرؤية الظنّية، و الإنصاف أنّ نفس كلمة الرؤية ظاهرة في العلم و القطع و لا فرق في هذه الجهة بين الرؤية القلبيّة و الرؤية بالبصر.

و ثانياً: قد يرى التهافت بين صدر الحديث و ذيله، لأنّ الذيل ظاهر في أنّ المسلمين إذا رأوا حسناً فهو عند اللَّه حسن مع أنّ صدره يختصّ بخصوص الصحابة.

أمّا الإجماع: فقد ادّعوا أنّه توجد مسائل لا دليل عليها غير الإجماع على الاستحسان و لا تدخل تحت عنوان من العناوين الفقهيّة من العقود و الإيقاعات كإجماع الامّة على استحسانهم دخول الحمام و شرب الماء من أيدي السائقين من غير تقدير لزمان المكث و تقدير الماء بالاجرة فلا يدخل شي‏ء منهما تحت العناوين المعروفة من العقود الشرعيّة، و في فوائد الرحموت مثّل له بمسألة الاصطناع، فيطلب من النجّار أو الكفّاش مثلًا اصطناع باب أو نعلين من دون تقدير للوزن أو القيمة، كما يمكن التمثيل لها في عصرنا هذا بركوب السيارة من دون تقدير للُاجرة.

لكن يرد على الإجماع هذا أوّلًا: أنّه قائم على هذه الأحكام بالخصوص لا على استحسانها، و هو في الواقع ليس إجماعاً في المصطلح بل سيرة مستمرّة إلى زمن النبي (صلى الله عليه و آله) (لو ثبتت السيرة) قامت على هذه الأحكام.

و ثانياً: أنّه يمكن إدخال هذه الأحكام تحت عناوين معروفة في فقهنا الثابتة بالأدلّة المعتبرة، فيدخل المثال الأوّل و الثاني في عنوان الإباحة مع الضمان الذي له مصاديق كثيرة في الفقه و كذلك مثال ركوب السيارة.

يبقى مثال الاصطناع، و هو أيضاً يدخل في عنوان البيع، كما إذا اشترى الأبواب على نحو الكلّي في الذمّة، نعم أنّه ليس داخلًا في عقد من العقود إذا ذكر للنجّار خصوصيّات للباب و وعده أن يشتري منه فيما بعد، لكن قد يدخل هذا أيضاً في قاعدة لا ضرر إذا لم يوجد من يشتري ذلك الباب مع تلك الخصوصيّات فيجب على الواعد جبران الخسارة.

هذا في الأدلّة التي استدلّوا بها أنفسهم على حجّية الاستحسان، و يمكن أيضاً أن يستدلّ لهم بدليل عقلي، و هو الانسداد حيث إنّه في صورة الانسداد لا يكون الظنّ القياسي كافياً لهم بل لا بدّ من التعدّي إلى الظنّ الاستحساني.

488

و الجواب عنه واضح، و هو ما مرّ من كفاية الكتاب و السنّة (مع ملاحظة الرّوايات المروية من طرق أهل البيت (عليهم السلام).

فقد ظهر إلى هنا أنّه إذا كان الاستحسان قطعيّاً فلا إشكال في حجّيته من باب كونها ذاتيّة للقطع، و إذا كان ظنّياً يكون مشمولًا لأدلّة عدم حجّية الظنّ، و كلّ واحد من الأدلّة الأربعة التي استدلّ بها لإثبات الحجّية له غير تامّ.

و أمّا دليل النافين‏ فهي أدلّة عدم حجّية مطلق الظنّ كما أشرنا إليه آنفاً، لكن حكي عن الشافعي دليلًا لنفيه و هو أنّه لو قال المفتي فيما لا نصّ فيه و لا قياس: «استحسن» فلا بدّ أن يزعم جواز استحسان خلافه لغيره، فيفتي كلّ حاكم في بلد و مفت بما يستحسن، فيقال في الشي‏ء الواحد بضروب من الحكم و الفتيا فإن كان هذا جائزاً فقد أهملوا أنفسهم فحكموا حيث شاءوا، و إن كان ضيّقاً فلا يجوز أن يدخلوا فيه.

و قد يقال في الردّ عليه: أنّ مثل هذا الكلام غريب على الفنّ لانتهائه- لو تمّ- إلى حصر الاجتهاد مطلقاً مهما كانت مصادره، لأنّ الاختلاف واقع في الاستنباط منها إلّا نادراً و لا خصوصيّة للاستحسان في ذلك‏ (1).

لكن الإنصاف أنّه فرق بين الاستحسان و غيره لأنّه في غيره يوجد ضوابط معيّنة من شأنها أن تقلّل وقوع الاختلاف، بخلاف الاستحسان الذي لا ضابطة محدّدة فيه.

بقي هنا شي‏ء:

و هو أنّ للاستحسان في كلماتهم معانٍ اخرى غير ما ذكر و قد ذكرها في شرح فواتح الرحموت:

منها: أنّ القياس إمّا جلي أو خفي، و الثاني هو الاستحسان كقياس بعضهم سؤر الطيور

____________

(1) الاصول العامّة، للفقه المقارن: ص 376.

489

المعلّمة بسؤر الحيوان المفترس (الذي لا إشكال في نجاسته عندهم) و حكمه بنجاسته فهو قياس جلي، و قياس بعض آخر إيّاه بسؤر الإنسان و الحكم بطهارته فهو قياس خفي، و قد ذكروا هنا وجوهاً لرفع التعارض بين القياسين لا طائل تحتها، و هذا المعنى من الاستحسان مبني على قبول حجّية القياس الظنّي و قد مرّ نفيه.

منها: أنّ الاستحسان بمعنى النصّ كما حكوا عن بعض أئمّتهم أنّه قال: إنّا أثبتنا الرجم بالاستحسان لكونه منصوصاً من طرق الفريقين فاطلق الاستحسان على النصّ.

منها: أنّ الاستحسان هو الأخذ بأقوى الدليلين و هو على أربعة أقسام:

1- الأخذ بأقوى الظهورين مثل تقديم الخاصّ على العام، أو النصّ على الظاهر، و هذا داخل في باب حجّية الظواهر و لا كلام فيه.

2- الأخذ بالمرجّحات المنصوصة كالأخذ بما وافق الكتاب.

3- الأخذ بالأهمّ القطعي في مقابل المهمّ في باب التزاحم، و هذا داخل في الدليل العقلي و لا إشكال فيه أيضاً.

4- الأخذ بالأقوى و الأهمّ الظنّي، و هو ليس حجّة عندنا مطلقاً إلّا ما خرج بالدليل.

هذا كلّه في الاستحسان.

الثالث: المصالح المرسلة

و قد ذكر لها معانٍ مختلفة بل لعلّها متضادّة لكن ما يستفاد من أكثر الأدلّة التي ذكرت لها هو أنّ المراد من المصالح هي مصالح العباد و مضارّهم على مذاقّ الشرع، و المراد من المرسلة هي المصالح التي لم يرد فيها نصّ خاصّ و لا عامّ، أي أنّها ارسلت و اطلقت و لم يرد عليها شرع لا في العمومات و لا في الخصوصات، و مثّل لها في كلمات الغزالي بتترس الكفّار بجماعة من أسارى المسلمين فلو كففنا عنهم لصدمونا و غلبوا على دار الإسلام و قتلوا كافّة المسلمين، ثمّ يقتلون الاسارى أيضاً، و لو رمينا الترس لقتلنا مسلماً معصوماً لم يذنب ذنباً، و هذا لا عهد به في الشرع، فيجوز لقائل أن يقول: هذا الأسير مقتول على كلّ حال فحفظ جميع المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع، فيحكم العقل هنا بوجوب رمي الترس من باب تقديم الأهمّ على المهمّ.

490

فمن هذا المثال أيضاً يستفاد أنّ المراد من المصالح المرسلة هي المصالح على مذاقّ الشرع، لأنّ المستفاد من مجموع الأحكام الشرعيّة أنّ حفظ كيان الإسلام أهمّ عند الشارع من حفظ النفوس المحترمة.

هذا- و لا بدّ هنا من إضافة نكتتين غفل عنهما في كلماتهم:

إحداهما: في الفرق بين الاستحسان و المصالح المرسلة، فالظاهر أنّ في استحسان شي‏ء يكفي مجرّد أن يستحسنه الطبع و الفطرة من دون أن يلحظ أنّ فيه مصلحة أو مفسدة، لأنّ الحسن و القبح في الأفعال كالحسن و القبح في الطبيعة (كحسن صوت العندليب و قبح صوت الحمار) له مبدأ فطري لا حاجة فيهما إلى درك المصلحة أو المفسدة، بينما في المصالح المرسلة الحاكم هو العقل و البرهان لا الطبع و الفطرة و إن استعملا (الاستحسان و المصالح المرسلة) في بعض الكلمات في معنى واحد.

الثانية: أنّ ما ذكرنا في الاستحسان من تقسيمه إلى القطعي و الظنّي يجري هنا أيضاً، فالمصالح المرسلة أيضاً تارةً يكون حكم العقل بها قطعيّاً (أي القطع بوجود المقتضي و فقد المانع) فيكون حجّة بلا ريب، و اخرى‏ يكون ظنّياً فلا دليل على حجّيته.

أمّا الأقوال في المسألة، فاختلف العامّة في حجّيتها، و عمدة الأقوال فيها ثلاثة:

الأوّل: قول الشافعي بإنكارها حيث حكى عنه عبارتان معروفتان:

إحداهما: «أنّه من استصلح فقد شرع كمن استحسن».

ثانيهما: «إنّ الاستصلاح كالاستحسان متابعة الهوى» (1).

الثاني: قول مالك بإثباتها و حكي عنه أيضاً عبارة و هي «أنّ الاستصلاح طريق شرعي للاستنباط فيما لا نصّ فيه و لا إجماع» (2).

الثالث: ما حكي عن الغزالي من التفصيل بين الضروريات و بين الحاجيات و التحسينيات، و المراد من الضروريات ما لا يمكن حياة الإنسان إلّا به، و المراد من الحاجيات أنواع المعاملات التي توجب رفع بعض الحاجات و إن كانت حياة الإنسان ممكنة بدونها، و المراد من التحسينيات غير الضروريات و الحاجيات من أنواع اللذائذ المشروعة التي‏

____________

(1) راجع الاصول العامّة: ص 385.

(2) المصدر السابق: ص 384.

491

توجب الراحة و الاشتغالات اللهويّة، ثمّ قال: الاستصلاح حجّة في القسم الأوّل‏ (1) و ذكر هنا مثال التترس الذي حكينا عنه آنفاً.

أمّا الأدلّة في المسألة، فالقائلون بالحجّية استدلّوا بوجوه عمدتها الإجماع و الوجوه العقليّة.

فمنها: ما يرجع في الواقع إلى دليل الانسداد و إن لم يعبّروا به في كلماتهم، و هو أنّ الحوادث الكثيرة متجدّدة و النصوص قليلة، و لو اكتفينا بالنصوص ضاقت الشريعة الإسلاميّة مع أنّ الإسلام خاتم الأديان.

و الجواب عنه ظهر ممّا مرّ كراراً من أنّه إن كان المراد من الاستصلاح- الاستصلاح في موارد القطع فلا ننكره كما سيأتي في الجواب عن الوجه الثاني، و إن كان المراد منه الاستصلاح في موارد الظنّ (كما أنّه كذلك) فلا دليل على حجّيته لما مرّ من عدم تماميّة مقدّمات الانسداد عندنا، و منشأ الانسداد على مذهبهم ناشٍ من قلّة نصوصهم مع أنّ سنّة الأئمّة المعصومين عندنا كسنّة النبي (صلى الله عليه و آله) و هي تشتمل على الاصول الكلّية و الأحكام الجزئيّة معاً، و تكون كافية في رفع الانسداد.

و منها: أنّ الأحكام الشرعيّة إنّما شرّعت لتحقيق مصالح العباد و إنّ هذه المصالح التي بنيت عليها الأحكام الشرعيّة معقولة، أي ممّا يدرك العقل حسنها كما أنّه يدرك قبح ما نهى عنه فإذا حدثت واقعة لا نصّ فيها و بنى المجتهد حكمه فيها على ما أدركه عقله من نفع أو ضرر، كان حكمه على أساس صحيح معتبر من الشارع.

و في الجواب نقول: أنّ هذا منبي على الحسن و القبح العقليين و قاعدة الملازمة، و هي مقبولة عندنا في موارد القطع بالمصلحة و المفسدة التي ليست بنادرة، لأنّ امّهات الأحكام الشرعيّة قابلة لأن تدرك بالعقل و إن لم يدرك تفاصيلها، و لذلك نرى أنّه في علل الشرائع ذكرت لأحكام الشرع علل يدركه العقل تفاصيلها، و لذلك نرى أنّه في علل الشرائع ذكرت لأحكام الشرع علل يدركه العقل، فلا وجه لما ذكر في مثل الاصول العامّة من أنّ ما كان من قبيل الحسن و القبح الذاتيين فهو نادر جدّاً و أمثلته قد لا تتجاوز العدل و الظلم و قليلًا من نظائرهما» (2).

____________

(1) راجع الأصول العامّة: ص 383.

(2) الاصول العامّة: ص 387.

492

و من هنا يظهر أنّ الاستحسان إذا بلغ حدّ المستقلّات العقليّة و شبهها كان حجّة، و لكن الاستحسانات الظنّية التي تدور عليها كلماتهم لا دليل على حجّيتها أصلًا، مضافاً إلى أنّ العدل و الظلم لهما مصاديق كثيرة ربّما تشمل شيئاً من أحكام الشرع كالزنا و السرقة و الخيانة و الكذب و الغيبة و السبّ و الجناية على الأنفس و الأعضاء و الغشّ في المعاملة و غير ذلك من أشباههما، فإنّها تدخل في هذا المعنى.

و منها: الاستدلال بسيرة الصحابة من زمن النبي (صلى الله عليه و آله) القائمة على تشريعهم ما رأوا إنّ فيه تحقيق المصلحة بعد أن طرأت بعد وفاة النبي (صلى الله عليه و آله) حوادث وجدت لهم طوارئ، فأبو بكر جمع القرآن في مجموعة واحدة، و حارب مانعي الزّكاة، و درأ القصاص عن خالد بن الوليد، و عمر أوقع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة و وقف تنفيذ حدّ السرقة في عام المجاعة، و قتل الجماعة في الواحد، و عثمان جدّد أذاناً ثانياً لصلاة الجمعة.

و فيه أوّلًا: أنّ هذه السيرة لا تصل إلى زمن النبي (صلى الله عليه و آله).

و ثانياً: لا تتكوّن السيرة من مجرّد نقل موارد شخصية من أشخاص معدودين.

و ثالثاً: أنّ الموارد المذكورة غالباً تكون من باب الاجتهاد في مقابل النصّ مثل إيقاع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة مع أنّ المفروض كون الاستحسان استصلاحاً في ما لا نصّ فيه.

هذا في أدلّة المثبتين.

و استدلّ النافون منهم بوجوه عديدة أهمّها ثلاثة أوجه:

الوجه الأوّل: (و هو أحسن الوجوه) ما ذكره العضدي و الحاجبي (ابن الحاجب) في مختصر الاصول‏ (1) و هو «أنّ المصالح المرسلة تقدّمت لنا لا دليل فوجب الردّ» (أي حيث إنّه لا دليل على حجّية المصالح المرسلة، فيجب ردّها و ليست بحجّة) ثمّ نقل ما مرّ من الدليل على الحجّية مع الردّ عليه فقال: «قالوا لو لم تعتبر لأدّى إلى خلوّ الوقائع، قلنا: بعد تسليم أنّها لا تخلو العمومات و الأقيسة تأخذها» و قال العضدي في شرح هذا الكلام‏ أوّلًا: إنّا لا نقبل خلوّ

____________

(1) للحاجبي المتوفّى في القرن السابع، و شرحه العضدي الشافعي، و كلّ من المؤلّف و الشارح معنون في علم الرجال بعنوان عالم اصولي.

493

الواقع عن الحكم لأنّ العمومات و الأقيسة تكون بمقدار يوجب عدم خلوّ الوقائع، و ثانياً: لو أدّى إلى خلوّ الوقائع عن الحكم فلا بأس به.

و حقّ الجواب عن هذا أنّه لو كان المراد من المصالح المرسلة المصالح القطعيّة التي ترجع بالمآل إلى المستقلّات العقليّة و شبهها و قاعدة الملازمة فلا إشكال فيه، و إن كان المراد منها مجرّد العلم بالمقتضي في الجملة من دون إحراز عدم المانع و وجود الشرائط الذي يوجب الظنّ بالحكم فقط فلا دليل على حجّيته كما مرّ كراراً.

الوجه الثاني: ما نقله عنهم في الاصول العامّة و هو «أنّه لو كانت مصالح الناس تحتاج إلى أكثر ممّا شرّعه و مما أرشد إلى الاهتداء به لبيّنه و لم يتركه لأنّه سبحانه قال على سبيل الاستنكار: «أَ يَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً» (1).

و يمكن الجواب عنه بناءً على عدم المنافاة بين بيان الأحكام لجميع الوقائع و عدم خلوّها منها و بين أن لا تصل جميعها إلينا فلا بدّ من كشفها و الاستدلال عليها بالعقل بالطرق الثلاثة المذكورة سابقاً (طريق علل الأحكام و طريق معلولاتها و طريق الملازمات) و هذا يرجع في الواقع إلى خلوّ بعض الأحكام من دليل الكتاب و السنّة فيما وصلت إلينا و هو أمر معقول.

الوجه الثالث: ما يستفاد من كلام الغزالي و حاصله: أنّ المصلحة هي المحافظة على مقاصد الشرع، و مقاصد الشرع تعرف بالكتاب و السنّة و الإجماع، فلا بدّ في اعتبار المصلحة من كونها موجودة في الكتاب و السنّة و الإجماع و إلّا نستكشف عدم كونها مصلحة عند الشارع فتكون باطلة مطروحة.

و الجواب عنه: أنّا نقبل المقدّمة الاولى في كلامه، و هي ما يعبّر عنها اليوم بأنّا نأخذ القيم من الشرع، و لكن المقدّمة الثانية في كلامه و هي انحصار طريق استكشافها في الكتاب و السنّة و الإجماع فممنوعة لأنّه قد يكون الطريق هو العقل القطعي.

نعم لا اعتبار بالعقل الظنّي ما لم يدلّ عليه دليل شرعي من الكتاب أو السنّة أو الإجماع.

فقد ظهر من جميع ما ذكرنا أنّ المصالح على قسمين: ما يستكشفه العقل القطعي و يحصل العلم بكونه جامعاً للشرائط و فاقداً للموانع فيكون حجّة، و ما يستكشفه العقل الظنّي و لا يحصل القطع به فليس بحجّة.

____________

(1) الاصول العامّة: ص 400.

494

إن قلت: إذا أمكن أن تدرك المصالح و المفاسد بالعقل فلا حاجة إلى الشرع.

قلنا: إنّ العقل إنّما يدرك المصالح و المفاسد القطعيّة في دائرة مضيّقة محدودة خاصّة من الامور، و ما يبقى خارجاً من هذه الدائرة هو الأكثر فليس للعقل سبيل إلى المصالح و المفاسد في أحكام الإرث و كثير من مسائل النكاح و النساء و المحرّمات و كثير من المعاملات و ما يحلّ و ما يحرم من اللحوم و الأطعمة و الأشربة و غيرها من أشباهها، و الشاهد على ذلك ما نشاهده من التغييرات في القوانين البشريّة في هذه الامور كلّ يوم، و بالجملة أنّ العقل هو بمنزلة مصباح مضي‏ء في صحراء مظلمة يضي‏ء دائرة محدودة منها فقط، و أمّا الشرع فهو كالشمس في السماء يضي‏ء كلّ شي‏ء.

الرابع: سدّ الذرائع‏

«الذريعة» في اللغة تطلق على مطلق الآلة و الوسيلة و لكن في الاصطلاح تطلق على وسيلة خاصّة، فتكون بمعنى التوصّل بما هو مصلحة إلى مفسدة، و سدّ الذرائع هو المنع عمّا يتوصّل به إلى الحرام، أي المنع عن مقدّمة الحرام، فحقيقة الذريعة هي نفس ما يبحث عنه في علم الاصول بعنوان مقدّمة الحرام لكنّها عند بعض بمعنى مطلق المقدّمة، فتكون الذريعة حينئذٍ مطلق ما كان وسيلة و طريقاً إلى شي‏ء، و لذلك تجري فيه جميع الأحكام الخمسة، و لأجله قال بعضهم، «سدّ الذرائع و فتحها» و «الذريعة كما يجب سدّها، يجب فتحها و تكره و تندب و تباح».

و الشاهد للتفسير الأوّل عبارة «موافقات الشاطبي» نقلًا عن بعضهم: «الذريعة ربع الدين» (1) حيث إن الدين إمّا أن يكون أمراً أو نهياً و لكلّ منهما مقدّمات تخصّه، فينقسم الدين حينئذٍ إلى أربعة أقسام: الواجبات و مقدّماتها، و المحرّمات و مقدّماتها أيضاً، فيصحّ أن يقال: إنّ الذريعة ربع الدين.

ثمّ إنّ الموافقات نقل عن بعضهم معنىً ثالثاً للذريعة و هو «الحيلة» فسدّ الذرائع بمعنى سدّ

____________

(1) موافقات الشاطبي: ج 4، ص 199.

495

الحيل و حرمة التوصّل بها، و مثّل له بما إذا باع شيئاً نسيئة بمبلغ ثمّ اشتراه منه بثمن أقلّ منه فأعطاه الأقل لكي يأخذ منه الأكثر عند الأجل، و هذا من الحيل للخروج عن الربا (1).

و استدلّوا لحجّية سدّ الذرائع بروايات و آيات كثيرة حتّى جمع بعضهم تسع و تسعين آية تدلّ على حرمة مقدّمة الحرام:

منها: قوله تعالى: «وَ لَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ» (2).

و منها: قوله تعالى: «وَ لَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ» (3).

و منها: قوله تعالى: «وَ لَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَ الْعُدْوَانِ» (4).

و هذا معناه إنّهم أرادوا أن يثبتوا حرمة مقدّمة الحرام بالاستقراء، و هو تامّ فيما إذا حصل منه العلم.

هذا كلّه هو حاصل كلماتهم.

ثمّ‏ إنّه لا بدّ لتكميل هذا البحث من ذكر نكات:

الاولى: أنّ الإنصاف أنّ اصول العامّة تكون من جهة العمق و المحتوى في مراحل أوّليّة بالنسبة إلى اصول الشيعة، و يشهد لذلك خلطهم في المقام بين ثلاث عناوين: عنوان «مقدّمة الحرام» الذي يبحث عنه مستقلًا، و عنوان «حرمة الإعانة» الذي لا ربط له بمقدّمة الحرام بل هو عنوان مستقلّ محرّم بنفسه كما مرّ في بعض الأبحاث السابقة، و عنوان «الحيلة» لا ربط له أيضاً بمقدّمة الحرام و لا معنى للمقدّمة وذي المقدّمة فيه بل إذا وقع البيعان المزبوران مثلًا جامعين لأركان البيع شرعاً و لو كان بداعي الفرار عن الربا فلا إشكال في صحّتهما، و إذا وقعا فاسدين خاليين عن القصد الجدّي للبيع و الشراء فلا إشكال أيضاً في حرمتهما و بطلانهما سواء كانت مقدّمة الحرام حراماً أم لم تكن.

الثانية: أنّ عمدة الأدلّة و أحسنها في مبحث مقدّمة الحرام و الواجب هو ما مرّ هناك من أنّ الطلب الإنشائي كالطلب التكويني، و الزجر الإنشائي كالزجر التكويني، و بعبارة

____________

(1) راجع الموافقات: ص 199.

(2) سورة الأنعام: الآية 108.

(3) سورة النور: الآية 31.

(4) سورة المائدة: الآية 2.

496

اخرى: الطلب الإنشائي أو الزجر الإنشائي نسخة مشابهة للتكويني منه، فكما أنّه إذا أردنا شيئاً و طلبناه تكويناً طلبنا مقدّماتها أيضاً، كذلك إذا طلبنا شيئاً تشريعاً نطلب مقدّماتها عن المكلّف، و هكذا في جانب النهي، فالعمدة هو دليل الملازمة بين الأمرين أو النهيين.

الثالثة: أنّ العمدة في باب الحيل هو عدم القصد الجدّي إلى الإنشاء غالباً بل ليس قول من يبيع علبة الكبريت بألف تومان مثلًا إلّا لعباً بالألفاظ و لقلقة باللسان من دون قصد جدّي إلى هذه المعاملة و إلّا لو تحقّق الإنشاء حقيقة و تمشّى واقعاً لا إشكال في الصحّة.

إلى هنا تمّ الكلام‏

عن المقصد السادس من مباحث الاصول‏

و آخر دعوانا أن الحمد للَّه ربّ العالمين.