أنوار الأصول‏ - ج2

- الشيخ أحمد القدسي المزيد...
496 /
57

4- الكلام في مفهوم الحصر

إنّ للحصر أدوات:

منها: كلمة «إلّا» الاستثنائيّة (إذا وردت بعد النفي) فقام الإجماع و وقع الاتّفاق فيها (غير ما نسب إلى أبي حنيفة) على انتفاء الحكم الثابت للمستثنى منه عن المستثنى، و الدليل عليه هو التبادر، ففي قولك «ما جاء القوم إلّا زيداً» لا إشكال في أنّ المتبادر منه إخراج زيد عن حكم المجي‏ء الثابت للقوم، و هذا جارٍ في كلّ ما يعادل كلمة «إلّا» في سائر اللغات.

و نسب الخلاف إلى أبي حنيفة، و حكي إنّه احتجّ لمذهبه بقوله (صلى الله عليه و آله)، «لا صلاة إلّا بطهور» و قوله (صلى الله عليه و آله)، «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» إذ لو كان الاستثناء من النفي إثباتاً لزم كفاية الطهور أو الفاتحة في صدق الصّلاة، و إن كانت فاقدة لباقي الشرائط و الأجزاء، و هو كما ترى.

و اجيب عنه: بوجوه أحسنها أنّه غفل عن كلمة «الباء» في المثالين، حيث إنّها فيهما بمعنى «مع» و مفادهما حينئذٍ: إنّ من شرائط صحّة الصّلاة فاتحة الكتاب و الطهور، نعم لو قيل: «لا صلاة إلّا فاتحة الكتاب» أو «لا صلاة إلّا الطهور» من دون الباء كان لكلامه وجه.

سلّمنا، و لكن الاستعمال أعمّ من الحقيقة و المجاز، و مجرّد الاستعمال لا يكون دليلًا على الحقيقة أو المجاز، بل الميزان في تشخيص أحدهما عن الآخر هو التبادر و نحوه من الاطّراد و غيره، و لا إشكال في أنّ التبادر في ما نحن فيه يقضي على دلالة كلمة «إلّا» على الاستثناء.

و للمحقّق النائيني (رحمه الله) هنا تفصيل مرّ منه في بعض الأبحاث السابقة أيضاً، فإنّ المعيار الكلّي عنده في باب المفاهيم رجوع القيد إلى الحكم أو إلى الموضوع.

و بعبارة اخرى: رجوع القيد إلى الجملة أو إلى المفرد، فإن رجع إلى الجملة فله المفهوم، و إن رجع إلى المفرد فليس له المفهوم، و هنا صرّح بأنّ كلمة «إلّا» كلّما رجع إلى المفهوم الإفرادي فهي وصفية لا تدلّ على المفهوم، و كلّما رجعت إلى المفهوم التركيبي فهي استثنائيّة تدلّ على‏

58

المفهوم، ثمّ ذكر فروعاً نقلًا عن المحقّق (رحمه الله) في الشرائع و العلّامة (رحمه الله) في القواعد، و فرّعها على هذا البحث، منها: «ما لو قال المقرّ: عليّ لزيد عشرة إلّا درهماً» فإنّه يثبت حينئذٍ في ذمّته تسعة دراهم لأنّ كلمة «إلّا» في هذا الكلام لا تكون إلّا استثنائيّة إذ لو كانت وصفيّة لوجب أن يتّبع ما بعدها ما قبلها في الاعراب، و بما أنّ ما بعدها في المثال منصوب مع كون ما قبلها مرفوعاً لا تكون هي وصفية فانحصر الأمر في كونها استثنائيّة، خلافاً لما إذا قال: «عليّ لزيد عشرة إلّا درهم» بالرفع فإنّه يثبت في ذمّته تمام العشرة لتمحّض كلمة «إلّا» حينئذٍ في الوصفيّة و لا يصحّ كونها استثنائيّة و إلّا لزم أن يكون ما بعدها منصوباً على الاستثناء، لأنّ الكلام موجب، فتمام العشرة المتّصفة بأنّها غير درهم واحد تثبت في ذمّة المقرّ» (1).

أقول: هنا نكات ينبغي الالتفات إليها:

الاولى: أنّه ليست كلمة «إلّا» الاستثنائيّة منحصرة فيما ترجع إلى الجملة و المفهوم التركيبي بل ربّما ترجع إلى المفرد أيضاً كما في قوله تعالى: «فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلّا خَمْسِينَ عاماً» فلا إشكال في رجوع «إلّا خمسين عاماً» إلى كلمة «الف سنة» لا إلى «لبث» و كذلك في كلّ مورد يكون الغرض فيه بيان مقدار العدد و تفخيمه و تعظيمه.

الثانية: أنّ كلامه في باب الإقرار إنّما يتمّ فيما إذا كان المتكلّم المقرّ أمثال سيبويه و الكسائي العارف بقواعد اللغة العربيّة الفصحى، و أمّا إذا كان المتكلّم من عامّة الناس فلا بدّ من حمل كلمة «إلّا» على كونها استثنائيّة لأنّهم ليسوا مقيّدين بأن يستعملوا الألفاظ صحيحاً، مضافاً إلى أنّ كون كلمة إلّا استثنائيّة هو مقتضى الأصل الأوّلي، فحملها على الوصفية يحتاج إلى القرينة.

بقي هنا أمران‏

الأمر الأوّل: إنّ ما مرّ حول كلمة إلّا الاستثنائيّة من دلالتها على المفهوم هل هو من باب المفهوم أو المنطوق؟

فيه أقوال:

____________

(1) أجود التقريرات: ج 1، ص 438.

59

أحدها: إنّه من المفهوم.

ثانيها: إنّه من المنطوق.

ثالثها: التفصيل بين ما إذا قلنا بأنّ كلمة إلّا بمعنى «استثنى» فيكون داخلًا في المنطوق، و بين ما إذا قلنا بأنّها حرف من الحروف الربطيّة التي ليس لها معنى مستقلّ، فيكون مدلولها من قبيل المداليل الالتزاميّة، و يكون داخلًا في المفهوم.

أقول: إنّ مدلول كلمة إلّا الاستثنائيّة على أي حال- سواء كانت بمعنى الفعل أو كانت من الحروف- يكون من المنطوق، أمّا إذا كانت بمعنى الفعل فواضح، و أمّا إذا كانت حرفاً من الحروف فلأنّها حينئذٍ تكون من الحروف الإيجاديّة يوجد بها معنى الاستثناء كحروف النداء و حروف التمنّي و الترجّي التي يوجد بها مفهوم النداء و التمنّي و الترجّي، و تصير حينئذٍ بمنزلة كلمة «استثنى» و يصير مدلولها من قبيل المنطوق كما لا يخفى.

الأمر الثاني: قد يستدلّ لدلالة كلمة إلّا الاستثنائيّة على الحصر بقبول رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) إسلام من يشهد بأن «لا إله إلّا اللَّه» حيث إنّه لو لا دلالته على حصر الالوهيّة للَّه تعالى لما كان مفيداً لذلك.

و استشكل على ذلك بأنّ الاستعمال ليس دليلًا على الحقيقة و لا على المجاز، و دلالة كلمة التوحيد على الحصر المزبور لعلّها من باب قيام قرينة حاليّة أو مقاميّة عليه لا من باب وضع كلمة إلّا للحصر.

أقول: الإنصاف أنّه خلاف الوجدان، فإنّه شاهد على أنّ الحصر في هذه الجملة مفهوم من نفس كلمة إلّا و من حاقّها لا من القرينة فيكون الاستدلال بكلمة التوحيد على الحصر من قبيل الاستدلال بالتبادر كما لا يخفى.

نعم هاهنا إشكال آخر، و هو المهمّ في المقام، و حاصله: إنّه لا بدّ لكلمة «لا» في تلك الجملة من خبر مقدّر، و هو امّا لفظ «موجود» أو «ممكن»، و على كلّ واحد منهما لا تدلّ الجملة على التوحيد الكامل، لأنّها تدلّ على التقدير الأوّل على مجرّد حصر الإله في الباري تعالى، و لا تدلّ على نفي إمكان الغير، و على التقدير الثاني و إن كانت دالّة على نفي إمكان الشريك له تعالى حينئذٍ و لكنّها لا تدلّ على وجوده تعالى في الخارج.

و قد وقع الإعلام في حلّ هذا الإشكال في حيص و بيص و أجابوا عنه بوجوه:

60

الوجه الأوّل: ما أفاده المحقّق الخراساني (رحمه الله) و حاصله: إنّ المقدّر لخبر «لا» هو لفظ «موجود» أي لا إله موجود إلّا اللَّه، و لكن المراد من الإله هو واجب الوجود، و حينئذٍ نفي وجود غيره في الخارج و إثبات فرد من الواجب في الخارج ممّا يدلّ على امتناع غيره، إذ لو لم يكن الغير ممتنعاً لوجد في الخارج، لأنّ المفروض إنّه واجب لا ممكن.

الوجه الثاني: ما أفاده المحقّق الأصفهاني (رحمه الله) و حاصله: سواء كان المقدّر لفظ «موجود» أو لفظ «ممكن» كان وجود الغير و إمكانه معاً منتفيان، إمّا بناءً على الأوّل فبنفس ما ذكره المحقّق الخراساني (رحمه الله)، و أمّا بناءً على الثاني فلأنّه يكون المراد من الإله في هذا الحال أيضاً هو واجب الوجود، أي لا واجب ممكن إلّا اللَّه، فينفي إمكان الغير بالمدلول المطابقي و وجود الغير بالمدلول الالتزامي (على عكس الصورة الاولى) لأنّ ما ليس بممكن لا يكون موجوداً بالملازمة كما لا يخفى، كما أنّه يثبت إمكان وجود الباري تعالى بالمطابقة و وجوده في الخارج بالملازمة لأنّه إذا كان واجب الوجود ممكناً كان موجوداً لا محالة لوجوبه‏ (1).

الوجه الثالث: ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله) فإنّه قال: «يمكن أن يقال: إنّ كلمة لا الواقعة في كلمة التوحيد مستغنية عن الخبر كما هو الحال في كلمة لو لا الامتناعيّة و في كلمة ليس التامّة، و أمّا ما ذكره النحويون من كون الخبر محذوفاً في هذه الموارد فلا يبعد أن يكون مرادهم به عدم الحاجة إلى الخبر فيها لا أنّه محذوف حقيقة، فكلمة «لا» تدلّ على عدم تقرّر مدخولها في الوعاء المناسب له، ففي الرّواية المعروفة (لو لا علي لهلك عمر) يكون المراد ترتّب الهلاك على عدم تقرّر علي (عليه السلام) في الخارج، لأنّ هذا هو الوعاء المناسب لتقرّره (عليه السلام)، و إمّا في كلمة التوحيد فالمراد من التقرّر المنفي هو التقرّر مطلقاً و لو في مرحلة الإمكان، فتدلّ الكلمة المباركة على نفي الوجود و الإمكان عن غير اللَّه و إثبات كليهما له تبارك و تعالى» (2).

أقول: الإنصاف أنّ ما أفاده العلمان الأوّلان (المحقّق الخراساني و المحقّق الأصفهاني رحمهما الله) كلاهما لا يكفيان لدفع الإشكال لأنّهما مبنيان على دقّة عقليّة فلسفيّة لا يفهمها إلّا الفيلسوف، مع أنّ المفروض أنّ هذه الكلمة من أي شخص صدرت تدلّ على إسلامه، و أمّا ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله) فإنّه أيضاً غير تامّ لجهة اخرى و هي أنّه لم يثبت استعمال كلمة «لا» تامّة نظير ليس‏

____________

(1) راجع نهاية الدراية: ج 1، ص 332، من الطبع القديم.

(2) أجود التقريرات: ج 1، ص 440.

61

التامّة في كلمات العرب، إذن لا بدّ من دفع الإشكال بطرق اخر فنقول: هاهنا وجوه ثلاثة يمكن دفع الإشكال بها:

الأوّل: إنّ كلمة التوحيد ليست ناظرة إلى توحيد الذات و إثبات أصل وجود واجب الوجود، بل إنّها سيقت للتوحيد الأفعالي و لنفي ما يعتقده عبدة الأوثان، و يشهد لذلك أنّ المنكرين الموجودين في صدر الإسلام لم يكونوا مشركين في ذات الواجب تعالى بل كانوا معتقدين بوحدة ذاته و خاطئين في توحيد عبادته فكانوا يعبدون الأصنام ليقربوهم إلى اللَّه زلفى (بزعمهم)، فكلمة الإخلاص حينئذٍ وردت لردّهم و لنفي استحقاق العبوديّة عن غيره تعالى فيكون معناها: «لا مستحقّ للعبوديّة إلّا اللَّه».

الثاني: إنّه لا إشكال في إمكان تقدير كلمة «موجود» و «ممكن» معاً، فكما يجوز إتيان الخبر في الظاهر متعدّداً، كذلك يجوز تقديره متعدّداً فيما إذا قامت القرينة عليه، و المقام كذلك.

الثالث: إنّ المعتبر في الشهادة على التوحيد عند الفقهاء هو نفي وجود الغير فقط و أمّا الإمكان فهو من المفاهيم التي لا يمكن تصوّرها لعامّة الناس، مع أنّ كلّ فقيه يفتي بإسلام كلّ من أقرّ بالتوحيد بهذه الكلمة، فلا يجب في دلالتها على التوحيد دلالتها على امتناع غيره تعالى، بل يكفي فيها دلالتها على عدم وجود إله غيره سبحانه، فيمكن أن يكون المقدّر حينئذٍ خصوص كلمة «موجود» لا كلمة «ممكن» فتأمّل.

هذا تمام الكلام في مفهوم كلمة «إلّا».

من أداة الحصر كلمة «إنّما»

و هي تدلّ على المفهوم عند كثير من الاصوليين، و استدلّ له بوجهين:

الأوّل: إجماع النحات و تنصيص أهل اللغة به.

الثاني: التبادر.

و استشكل في التبادر بأنّه لا سبيل لنا إليه لأنّا لا نعرف المرادف لها في عرفنا حتّى نستكشف منه ما هو المتبادر منها بخلاف ما هو بأيدينا من الألفاظ المترادفة لبعض الكلمات العربيّة كما في أداة الشرط مثلًا نظير كلمة «إنّ» حيث يوجد لها في اللغة الفارسيّة ما يرادفها و هو لفظة «اگر».

62

و لكن يرد عليه:

أوّلًا: أنّ ملاك التبادر ليس هو انسباق المعنى إلى أذهاننا فحسب، بل انسباق المعنى إلى أذهان أهل اللسان أيضاً حيث يعتبر سبيلًا إلى العلم بالوضع، و هو موجود في المقام.

و ثانياً: أنّ العرب مثلًا ليسوا منحصرين بمن تولّد على ذلك اللسان و عاش عليه، بل يعمّ أيضاً كلّ عجمي يمارس اللغة العربيّة، و قد ألّف كثير من الأعاجم الكتب النافعة في العلوم العربيّة من اللغة و غيرها.

ثمّ‏ إنّ الفخر الرازي أنكر دلالة كلمة «إنّما» على الحصر، و قد صرّح بذلك في ذيل قوله تعالى: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ» (1) و قال: «قالت الشيعة: هذه الآية دالّة على أنّ الإمام بعد رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) هو علي بن أبي طالب، و تقريره أن نقول: هذه الآية دالّة على أنّ المراد بهذه الآية إمام (لأنّ الولي في هذه الآية لا يجوز أن يكون بمعنى الناصر فوجب أن يكون بمعنى المتصرّف لأنّ الولاية المذكورة في هذه الآية غير عامّة لكلّ المؤمنين بدليل إنّه تعالى ذكر بكلمة «إنّما»، و كلمة «إنّما» للحصر، و الولاية بمعنى النصرة عامّة)، و متى كان الأمر كذلك وجب أن يكون ذلك الإمام هو علي بن أبي طالب (لأنّ كلّ من أثبت بهذه الآية إمامة شخص قال: إنّ ذلك الشخص هو علي، مضافاً إلى أنّ الرّوايات تظاهرت على أنّ هذه الآية نزلت في حقّ علي) ...- إلى أن قال- «لا نسلّم أنّ الولاية المذكورة في الآية غير عامّة و لا نسلّم أنّ كلمة إنّما للحصر، و الدليل عليه قوله‏ «إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ» و لا شكّ أنّ اللعب و اللهو قد يحصل في غيرها» (2).

و الجواب عنه:

أوّلًا: أنّ مجرّد الاستعمال ليس دليلًا على الحقيقة و لا على المجاز كما مرّ كراراً.

ثانياً: أنّ الحصر في الآية إضافي، و المقصود منه زوال الدنيا و عدم ثباتها، أي أنّ الحياة الدنيا بالإضافة إلى أمر الثبات و عدم الثبات منحصرة في عدم الثبات، فمثلها في هذه الجهة مثل: «كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَ الْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَ ازَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَاراً

____________

(1) سورة المائدة: الآية 55.

(2) التفسير الكبير: ج 12، ص 26- 30، طبع دار الكتب العلمية طهران- الطبعة الثانية.

63

فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ» (1).

هذا- مضافاً إلى أنّ كلامه ينتقض بما ورد في الحياة الدنيا في آيات الكتاب بكلمة «إلّا» نظير قوله تعالى‏ «وَ مَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلّا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ» (2) و قوله سبحانه: «وَ مَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلّا لَهْوٌ وَ لَعِبٌ» (3) حيث لا شبهة في إفادة كلمة «إلّا» الحصر و لا ينكرها أحد فيما نعلم إلّا أبو حنيفة.

بقي هنا شي‏ء

و هو أنّ دلالة كلمة «إنّما» على الحصر أيضاً ليست بالمفهوم بل هي بالمنطوق حيث إنّها بمنزلة كلمة «فقط» أو كلمة «منحصراً» فكما إنّه لا إشكال في أنّ دلالتهما على الحصر يكون من باب المنطوق كذلك ما تقوم مقامهما.

و من أداة الحصر كلمة «بل»

و قد ذكر لها ثلاثة معان:

أحدها: الإضراب عن الخطأ، أي الدلالة على أنّ المضروب عنه وقع عن غفلة أو غلطاً، نحو «جاءني زيد بل عمرو»، و لا دلالة لها حينئذٍ على الحصر، و هو واضح.

ثانيها: الإضراب عن الفرد الضعيف إلى الفرد القوي أو للدلالة على تأكيد المضروب عنه و تقريره، كقولك: «أنت لا تقدر على ذلك بل و لا أبوك» و قولك: «زيد لا يقدر على الجواب عن هذا بل و لا أعلم منه» و هذا أيضاً كالسابق.

ثالثها: الدلالة على الردع و إبطال ما ثبت أوّلًا كما في قوله تعالى: «أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ» (4) و قوله سبحانه: «وَ قَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ» (5)،

____________

(1) سورة يونس: الآية 24.

(2) سورة الأنعام: الآية 32.

(3) سورة العنكبوت: الآية 64.

(4) سورة المؤمنون: الآية 70.

(5) سورة الأنبياء: الآية 26.

64

فقال بعض بدلالة هذا القسم على الحصر بل المحقّق الخراساني (رحمه الله) ادّعى وضوح دلالته عليه.

لكن الإنصاف أنّها لا تدلّ عليه أيضاً بنفسها بل دلالتها عليه إنّما تكون بمساعدة قرينة المقام.

هذا- مضافاً إلى أنّ الحصر المستفاد منها في هذه الموارد إضافي غالباً.

و منها تعريف المسند إليه باللام‏

نظير قولك: «الضارب زيد» أو «الضارب عمرو»، و الحصر فيه إمّا يستفاد من مجرّد حمل الخبر على المبتدأ أو من اللام، أمّا اللام فلا إشكال في أنّها لم توضع للحصر بل تدلّ عليه فيما إذا كانت للاستغراق، و بما أنّها تارةً تكون للجنس، و اخرى‏ للعهد، و ثالثة للاستغراق فلا تدلّ على الحصر إلّا إذا قامت قرينة على أنّها للاستغراق، فيستفاد منه حينئذٍ حصر جميع الافراد في المحمول.

و أمّا الحمل فيدلّ على الحصر فيما إذا كان ذاتياً (و ملاك الحمل الذاتي هو الوحدة في المفهوم) فيدلّ حينئذٍ على أنّ الموضوع منحصر في المحمول و لا يكون أخصّ و أضيق منه، و أمّا إذا كان الحمل شائعاً صناعياً فلا يدلّ عليه، لأنّ ملاك الحمل الشائع هو مجرّد الاتّحاد الخارجي و لو كان الموضوع أخصّ و أضيق من المحمول، و لا إشكال في أنّ مجرّد حمل شي‏ء على جنس أو ماهيّة بالحمل الشائع لا يقتضي حصر ذلك الجنس به، و ذلك لجواز إرادة قسم خاصّ أو فرد خاصّ منه، و حيث إنّ الحمل‏ تارةً يكون ذاتياً و اخرى‏ صناعياً (بل الغالب كذلك) فلا يدلّ على الحصر إلّا إذا قامت قرينة على أنّه ذاتي.

فظهر ممّا ذكر أنّ مجرّد تعريف المسند إليه باللام لا يدلّ على الحصر، بل إنّما يدلّ عليه فيما إذا قامت القرينة إمّا على كون اللام للاستغراق أو على كون الحمل ذاتياً و نتيجته عدم ثبوت المفهوم في هذا القسم من الأداة.

65

5- الكلام في مفهوم اللقب‏

و المقصود منه في المقام ليس هو اللقب المصطلح عند النّحاة بل كلّ اسم (سواء كان مشتقّاً أو جامداً، و سواء كان نكرة أو معرفة) وقع موضوعاً للحكم من دون أن يكون توصيفاً لشي‏ء، و لا مفهوم له عند الكلّ لأنّه إنّما يثبت شيئاً لشي‏ء، و إثبات الشي‏ء لا يكون نفياً لما عداه.

نعم، ربّما يتوهّم ثبوت المفهوم له ببيان إنّه إذا قال المولى مثلًا: «أكرم زيداً» يستفاد منه عرفاً عدم كفاية إكرام عمرو.

و لكنّه مندفع بأنّ عدم كفاية عمرو في المثال ليس من باب المفهوم بل إنّما هو من باب عدم الإتيان بالمأمور به، لأنّ التكليف تعلّق بإكرام زيد لا عمرو، كما أنّه كذلك في أبواب الأوقاف و الوصايا و النذور، فإنّ عدم شمول الحكم فيها لغير المتعلّق ليس من باب المفهوم كما مرّ سابقاً بل لأنّ الوصيّة مثلًا تحتاج إلى الإنشاء، و الإنشاء تعلّق بمورد خاصّ لا غير.

هذا- مضافاً إلى ما مرّ في بعض الأبحاث السابقة بالنسبة إلى هذه الامور، و هو أنّ الواقف أو الموصي أو الناذر إنّما يكون في مقام التحديد و الاحتراز، و مقتضى قاعدة احترازيّة القيود عدم شمول الحكم للغير.

كما قد مرّ أيضاً أنّ المسألة ليست مبنية على أنّ ما ينتفي هل هو شخص الحكم أو سنخه حتّى يقال: إنّ ما ينتفي في مثل هذه الموارد إنّما هو شخص الحكم، و انتفاء الشخص ليس من باب المفهوم- لأنّ هذا من قبيل الخلط بين الإنشاء و المنشأ كما مرّ.

66

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

67

6- الكلام في مفهوم العدد

المشهور على أنّه لا مفهوم للعدد، و الصحيح هو التفصيل بين أنواع العدد فإنّه على ثلاثة أنواع:

أحدها: ما يكون للتكثير كما في قوله تعالى: «إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ» (1) و قوله سبحانه: «وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ» (2) و في هذا القسم لا مفهوم له بلا إشكال.

ثانيها: ما يكون للتعداد دون تحديد، و لا إشكال أيضاً في عدم دلالته على المفهوم، نعم استعمال العدد في هذا النوع قليل، نظير ما إذا قيل مثلًا بدل قوله تعالى: «وَ لْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ»: «و ليشهد عذابهما عشر نفرات» فإنّه لا مفهوم له من جانب الأكثر و هو عدم جواز شهادة الأكثر من عشر نفرات، و إن كان له المفهوم من جانب الأقلّ (إلّا أن يكون ذكره من باب المثال).

ثالثها: ما يكون في مقام التحديد، و هذا بنفسه على ثلاثة أقسام:

فتارةً يكون للتحديد بالإضافة إلى جانب الأقلّ، فيدلّ حينئذٍ مفهوماً على عدم جواز الاقتصار على الأقلّ، و إن جاز التعدّي إلى الأكثر، نحو قوله (عليه السلام): «الكرّ ثلاثة أشبار و نصف في ثلاثة أشبار و نصف في ثلاثة أشبار و نصف».

و اخرى‏ يكون للتحديد بالإضافة إلى جانب الأكثر، فيدلّ حينئذٍ مفهوماً على عدم جواز التعدّي عن ذلك العدد، و إن جاز الاقتصار على الأقلّ، نظير ما يدلّ على جواز الفصل بين المصلّيين بمقدار خطوة.

____________

(1) سورة التوبة: الآية 80.

(2) سورة لقمان: الآية 27.

68

و ثالثة يكون للتحديد بالإضافة إلى جانب الأقلّ و الأكثر معاً، و هو نظير الأعداد الواردة في باب ركعات الصّلاة و أشواط الطواف، فيدلّ حينئذٍ بالمفهوم على عدم جواز الاقتصار على الأقلّ و عدم جواز التعدّي إلى الأكثر.

ثمّ إنّ دلالة العدد على المفهوم و كونه في مقام التحديد في هذه الأقسام و إن كانت بقرينة الحال أو المقام أو بمناسبات الحكم و الموضوع و لكن أنّ جلّ الأعداد الواردة في لسان الشرع (لو لا الكلّ) تكون في مقام التحديد- لا بدّ من ذكرها هنا و البحث عنها، لأنّ القرائن المزبورة حينئذٍ تكون من قبيل القرائن العامّة، فينبغي للُاصولي أن يتكلّم فيها كما يتكلّم في سائر مباحث الألفاظ، و إليك نبذة من الأمثلة التي نحتاج فيها إلى هذا المبحث في المسائل الفقهيّة:

1- تعداد أشبار الكرّ.

2- تعداد الغسلات للتطهير عن النجاسات: مرّتان في البول و ثلاث مرّات في الكلب و سبع مرّات في الخنزير.

3- عدد منزوحات البئر سواء كان النزح واجباً أو مستحبّاً.

4- عدد أيّام العادة الأقلّ منها أو الأكثر.

5- عدد أغسال الميّت.

6- عدد قطعات الكفن.

7- عدد الركعات و السجدات و الركوعات و القنوت و التسبيحات في الصّلاة.

8- عدد فصول الأذان و الإقامة.

9- عدد النصاب في الزّكاة و الخمس.

10- عدد مقدار الزّكاة و الخمس، أي نفس العشر أو نصف العشر الخمس.

11- عدد من تقوم بهم الجمعة و الجماعة.

12- عدد أيّام الإقامة في السفر (عشرة أيّام مع القصد و ثلاثون يوماً متردّداً).

13- عدد أيّام الصّيام.

14- عدد الكفّارات.

15- عدد الجلد في أبواب الحدود و التعزيرات.

فظهر ممّا ذكرنا أنّ للعدد مفهوماً إذا كان في مقام التحديد كما أنّه كذلك في أغلب الموارد في‏

69

القوانين الشرعيّة، بل في القوانين العرفيّة أيضاً.

إلى هنا تمّ الكلام عن مبحث المفاهيم، و الحمد للَّه ربّ العالمين.

70

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

71

المقصد الرابع العام و الخاصّ‏

72

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

73

4- العام و الخاصّ‏

و قبل الورود في أصل البحث لا بدّ من الإشارة إلى عدّة امور:

الأمر الأوّل: في تعريف العام و الخاصّ‏

فقد ذكر للعام تعاريف عديدة فقال في المحاضرات: إنّ العام معناه الشمول لغةً و عرفاً، و أمّا اصطلاحاً فالظاهر إنه مستعمل في معناه اللغوي و العرفي، و من هنا فسّروه بما دلّ على شمول الحكم لجميع أفراد مدخوله، و سيأتي عدم تماميّة هذا التعريف لأنّ المطلق أيضاً يشتمل جميع أفراده إلّا أنّه بسبب جريان مقدّمات الحكمة فلا بدّ من تقييد الشمول في المقام بقيد يوجب إخراج المطلق، و لذلك نقول: «العام ما كان شاملًا بمفهوم اللفظ لكلّ فرد يصلح أن ينطبق عليه» (1).

أقول: و يمكن أن يعرّف العام أيضاً بأنّه ما يكون مستوعباً لجميع الأفراد التي يصدق عليها بمفهوم اللفظ.

لكن المحقّق الخراساني (رحمه الله) ذكر هنا أيضاً ما مرّ منه كراراً من أنّ التعاريف المذكورة تعاريف لفظيّة من قبيل شرح الاسم ثمّ بسط الكلام بما حاصله: إنّ كلمة «ما» التي تقع في جواب السؤال عن الأشياء على قسمين: ما الشارحة و ما الحقيقيّة، و المستعمل في هذه التعاريف هي الاولى، فتكون التعاريف الواقعة في جواب السؤال عن العام شارحة لفظية لا حقيقية ماهويّة، ثمّ استدلّ له بوجهين:

الوجه الأوّل: اعتبار كون المعرّف في التعريف الحقيقي أجلى من المعرّف، و من أنّ المعرّف‏

____________

(1) المحاضرات: ج 4، ص 151.

74

و هو المعنى المركوز في الأذهان من العام أوضح و أجلى ممّا عرف به و لذلك يجعل المقياس في النقض على التعريف عكساً أو طرداً صدق ذلك المعنى المركوز و عدم صدقه، فإن صدق المركوز على مورد و لم يشمله التعريف فيشكل عليه بعدم العكس، و إن لم يصدق هو على مورد و قد شمله التعريف فيشكل عليه بعدم الطرد.

الوجه الثاني‏ عدم كون العام بمفهومه العام الشامل لجميع أفراده و مصاديقه محلًا لحكم من الأحكام كي يجب تعيين مفهومه و تحديد معناه فيترتّب عليه حكمه الخاصّ، بل الأحكام إنّما هو لمصاديق العام و أفراده، و المصاديق كلّها معلومة واضحة.

أقول: أوّلًا: قد مرّ كراراً أنّ مقصود القوم في تعاريفهم للألفاظ هو بيان حقيقة الشي‏ء أو ما يكون كالماهيّة في الامور الاعتباريّة فيكون التعريف حقيقيّاً، كما يدلّ عليه تصريحهم بأنّهم بصدد تعريف الحقيقة و الماهيّة، و أنّ القيد الفلاني هو لإخراج كذا أو لادخال كذا تحفّظاً على عكس التعريف و طرده، و هكذا جميع التعاريف التي تذكر في العلوم لموضوعاتها و موضوعات مسائلها.

ثانياً: المقصود من هذه التعاريف هو المبتدئ في هذه العلوم حتّى يعرف موضوعات المسائل التي يبحث عنها في العلم لا العلماء البارعون في هذه الفنون حتّى يقال: إنّهم أعرف بمفاهيم هذه الألفاظ، هذا بالنسبة إلى‏ الوجه الأوّل‏ ممّا ذكره في كلامه.

أمّا الوجه الثاني: ففيه: إن كان المراد منه عدم أخذ عنوان العام في لسان الآيات و الرّوايات فهو كذلك، إلّا أنّه لا يستلزم عدم الحاجة إلى تعريف العام تعريفاً حقيقياً، لأنّ الداعي إلى تعريف الألفاظ الموجودة في علم الاصول ليس لأنّها مأخوذة في لسان الأدلّة، بل الداعي إنّما هو ترتّب سلسلة من الأحكام العقلائيّة أو العقليّة عليها في نفس هذا العلم (علم الاصول) كالأحكام التي تترتّب مثلًا على تعريف عنوان الاجزاء أو عنوان المشتقّ أو الحقيقة الشرعيّة و الحقيقة اللغويّة، و كذلك سائر العناوين المطروحة في هذا العلم، و إن كان المراد إنكار انطباق أحكام على خصوص عنوان العام في نفس علم الاصول فهو ممنوع لأنّ بعض الأحكام يترتّب على نفس هذا العنوان كالبحث عن أنّه هل للعام صيغة تخصّه؟ أو أنّ العام حجّة قبل الفحص أم لا؟ و غيرهما من المباحث المنطبقة على عنوان العام.

75

الأمر الثاني: في أقسام العام‏

قد ذكروا للعام أقساماً ثلاثة: العام الافرادي (الاستغراقي) و العام المجموعي، و العام البدلي، أمّا الافرادي فهو ما يلاحظ فيه كلّ فرد موضوعاً مستقلًا للحكم كقوله: «أكرم كلّ عالم» فقد لوحظ فيه كلّ فرد من العالم موضوعاً مستقلًا لوجوب الإكرام، بحيث لا يرتبط فرد من أفراده في تعلّق الحكم به بفرد آخر، فإذا أكرم بعض العلماء دون بعض فقد أطاع و عصى، لأنّ لكلّ فرد حكماً مستقلًا.

و أمّا المجموعي فهو ما يلاحظ فيه مجموع الأفراد موضوعاً واحداً لحكم واحد بحيث يكون كلّ واحد من الافراد جزءاً من الموضوع، و يحصل الامتثال بالإتيان بجميع الأفراد، فلو أتى بها إلّا واحداً مثلًا لم يتحقّق الامتثال، و بعبارة اخرى: يكون المجموع من حيث هو المجموع مشمولًا للحكم، فيكون له إطاعة واحدة و عصيان واحد، و الإطاعة تحصل بالإتيان بالجميع و العصيان يحصل بترك أي فرد من الافراد.

أمّا العام البدلي فهو ما يلاحظ فيه واحد من الأفراد على البدل موضوعاً للحكم كما لو قال: «أكرم عالماً» فإنّه يحصل الامتثال فيه بإكرام واحد من العلماء و بعبارة اخرى: يكون له إطاعة واحدة و عصيان واحد لكن الإطاعة تحصل بإتيان أي فرد من الأفراد.

و لا يخفى عليك الثمرة التي تترتّب على الفرق الموجود بين هذه الأقسام خصوصاً في حنث النذر إذا تعلّق على عنوان عام، فإنّه لو نذر أحد مثلًا على أن يترك التدخين فإن كان الملحوظ فيه كلّ فرد من أفراد التدخين مستقلًا (أي على نحو العام الافرادي) يتحقّق الحنث بتعداد كلّ من الأفراد التي تحقّق في الخارج، و لا يوجب حنثه بالنسبة إلى فرد حنث سائر الأفراد، و إن كان الملحوظ المجموع من حيث المجموع (أي على نحو العام المجموعي) فله حنث واحد يحصل بالتدخين ضمن أي فرد من الافراد و يسقط سائر الافراد عن الوجوب، و إن كان الملحوظ ترك التدخين على نحو العام البدلي يحصل الوفاء بترك فرد من الأفراد و يتحقّق الحنث إذا أتى بجميع الأفراد.

بقي هنا امور

الأمر الأوّل: في أنّ تفاوت هذه الأقسام الثلاثة هل هو باعتبار الحكم أو باعتبار ذات‏

76

العام؟ ذهب المحقّق النائيني (رحمه الله) إلى أنّ التفاوت يكون باعتبار الحكم لا بحسب الذات، و النتيجة عدم إمكان تصوّر هذه الأقسام قبل تصوّر الحكم، و ذهب بعض إلى أنّ التفاوت بحسب الذات و إنّ لنا ثلاث تصوّرات مختلفة قبل ورود الحكم.

أقول: الصحيح هو الأوّل، لأنّ العام في جميع هذه الأقسام بمعنى واحد و هو الشمول، و هذا المعنى موجود في الثلاثة على وزن واحد، و التفاوت يحصل بتصوّر الحكم المتعلّق به و لو إجمالًا، حتّى أنّ من يتوهّم أنّه يتصوّر كلّ واحد منها مستقلًا يتصوّر ابتداءً (و بنحو الإجمال) حكماً ثمّ بملاك التفاوت في أقسام ذلك الحكم يقسّم العام إلى أقسامه الثلاثة كما يظهر عند التأمّل، و الشاهد على ذلك أنّا نقوّم التفاوت بين العام الاستغراقي و العام المجموعي بوحدة الطاعة و العصيان في أحدهما و تعدّدهما في الآخر، و تعدّد الطاعة و العصيان و وحدتهما تترتّبان على استغراقيّة الحكم و مجموعيته.

إن قلت: كيف؟ و لكلّ واحد منها لفظ غير ما للآخر، مثل كلمة «أي» للعموم البدلي و كلمة «كلّ» للعموم الاستغراقي.

قلت: نعم و لكنّه أيضاً بملاحظة اختلاف كيفية تعلّق الأحكام لأنّه لا يمكن تطرّق هذه الأقسام إلّا بهذه الملاحظة، كما يكون كذلك في باب الحروف، فإنّ الواضع فيه وضع الألفاظ لمعانيها بملاحظة الأحكام المختلفة التي تتعلّق بها كما لا يخفى.

الأمر الثاني: قال المحقّق النائيني (رحمه الله): «لا يخفى أنّ في عدّ القسم الثالث (العموم البدلي) من أقسام العموم مسامحة واضحة، بداهة أنّ البدليّة تنافي العموم فإنّ متعلّق الحكم في العموم البدلي ليس إلّا فرداً واحداً، أعني به الفرد المنتشر و هو ليس بعام، نعم البدليّة عامّة، فالعموم إنّما هو في البدليّة لا في الحكم المتعلّق بالفرد على البدل» (1).

أقول: لا يصحّ التفكيك بين البدليّة و متعلّق الحكم، لأنّ المتعلّق في العموم البدلي هو نفس البدليّة لا شي‏ء آخر، و بالنتيجة يكون لمتعلّق الحكم هنا أيضاً شمول، لكن شمول كلّ شي‏ء بحسبه، و هو في هذا العموم كفاية إتيان المأمور به ضمن أيّ فرد من الأفراد، و لا وجه لأن نتوقّع تلوّنه في جميع الأشياء بلون واحد.

____________

(1) أجود التقريرات: ج 1، ص 443.

77

إن قلت: إذاً لا فرق بين العام البدلي و المطلق.

قلنا: الفرق بينهما إنّ الشمول و البدليّة في الأوّل يستفاد من اللفظ و هو لفظ «أيّ» مثلًا، و أمّا في المطلق فالشمول فيه إنّما يستند إلى مقدّمات الحكمة كما لا يخفى.

الأمر الثالث: إذا شكّ في أنّ المراد من العموم هل هو استغراقي أو مجموعي كما إذا نذر على أن يترك التدخين مثلًا ثمّ شكّ في أنّه نذر على نهج العموم الاستغراقي أو المجموعي قال المحقّق النائيني (رحمه الله): إنّ الأصل يقتضي كونه استغراقياً لأنّ العموم المجموعي يحتاج إلى اعتبار الامور الكثيرة أمراً واحداً، ليحكم عليها بحكم واحد و هذه عناية زائدة تحتاج إفادتها إلى مئونة زائدة.

و الجواب‏ عنه يتمّ بذكر أمرين:

الأوّل: إنّ المئونة الزائدة في خصوص أحدهما دون الآخر تتصوّر فيما إذا كان أحد العامّين لا بشرط و الآخر بشرط لا كما أنّه كذلك في المطلق و المقيّد. و أمّا إذا كان أحدهما بشرط شي‏ء و الآخر بشرط لا فالعناية الزائدة موجودة في كليهما كما لا يخفى، و في ما نحن فيه نحتاج في العموم الاستغراقي أيضاً إلى لحاظ كلّ فرد من الأفراد مستقلًا عن غيره، أي لحاظ كلّ فرد من الأفراد في العموم الاستغراقي مشروط بعدم لحاظ الغير معه فيكون بشرط لا.

و إن شئت قلت: إنّه مشروط بشرط الاستقلال، فيكون هو أيضاً بشرط شي‏ء، فلا فرق بين الاستغراقي و المجموعي في هذه الحيثيّة، و النتيجة حينئذٍ إجمال الدليل و عدم إمكان التمسّك بالاصول اللفظيّة، نعم يتصوّر الشكّ هذا بالنسبة إلى لفظ «كلّ» في اللغة العربيّة حيث إنّه فيها مشترك بين المجموعي و الاستغراقي بخلافه في اللغة الفارسيّة حيث وضع فيها بإزاء كلّ واحد من المعنيين لفظ خاصّ، فوضع لفظ «همه» للعام المجموعي و لفظ «هو» للعام الاستغراقي، نعم قد يستعمل لفظ «همه» للافرادي أيضاً.

مضافاً إلى أنّ كلمة «كل» في لغة العرب في الاستغراقي أكثر من استعمالها في المجموعي، و لعلّ كثرة الاستعمال هذه توجب ظهوراً لها في العموم الاستغراقي، و الشاهد على الكثرة ملاحظة استعمالات هذا اللفظ في القرآن الكريم و هي بالغة إلى ثلاثمائة و خمس و عشرين (325) مرّة فإنّه استعمل في جميع الموارد إلّا نادراً في العموم الاستغراقي كما لا يخفى على المتتبّع فيها، و بهذا يظهر إمكان التمسّك بأصل لفظي في المقام لكن لا كما ذهب إليه المحقّق النائيني (رحمه الله)

78

بل بأن نقول: إنّ لفظ «كلّ» صار حقيقة في العام الاستغراقي و لا بدّ لاستعماله في المجموعي إلى نصب قرينة، و حين الشكّ فيها نرجع إلى معناه الحقيقي و هو العموم الاستغراقي.

الثاني: أنّ ما أفاده (قدس سره) يتصوّر فيما إذا كان الدالّ على العموم لفظاً من ألفاظ العموم، أمّا إذا استفدنا العموم من دليل لبّي فلا يمكن التمسّك بأصل لفظي و حينئذٍ إذا شككنا في أنّ العموم استغراقي أو مجموعي يكون المرجع هو الأصل العملي، و قد توهّم بعض أنّه هو أصل البراءة لأنّ الشكّ في المقام يرجع إلى الشكّ في الشرطيّة و الجزئيّة (فهو في الواقع شكّ في اشتراط الجميع بالجميع) و الأصل فيهما هو البراءة كما قرّر في محلّه.

لكن الإنصاف أنّ الأصل في مثل هذه الموارد قاعدة الاشتغال لأنّ البراءة تجري فيما إذا كان في البين قدر متيقّن و شككنا في وجوب الزائد عنه، و أمّا في المقام فيكون أصل تعلّق الوجوب بجميع الأفراد يقينياً و إنّما الشكّ في كيفية التعلّق، كما إذا شككنا في شهر رمضان مثلًا في أنّ كلّ يوم من أيّامه يكون الصّيام فيه واجباً مستقلًا أو يكون مشروطاً بإتيان الباقي فيكون المجموع واجباً واحداً؟ مع كون أصل تعلّق الوجوب بكلّ فرد يقينياً، فحينئذٍ الأصل هو قاعدة الاشتغال لا البراءة كما لا يخفى.

هذا إذا كان العبد قادراً على إتيان الجميع، أمّا إذا كان قادراً على بعض دون بعض من بداية الأمر كما إذا قال المولى أكرم العلماء و كان الإكرام واجباً موسّعاً و العبد لا يقدر على إكرام الجميع من أوّل الأمر فالأصل هو البراءة، لأنّه إن كان الوجوب على نهج العام المجموعي يكون التكليف ساقطاً، و إن كان استغراقياً يكون وجوب البعض المقدور عليه ثابتاً، فيصير الشكّ بالنسبة إلى وجوب البعض الآخر بدويّاً، و الأصل عندئذ هو البراءة، و أمّا إذا كان قادراً على الجميع من البداية فطرأ العجز بعد ثبوت التكليف فالأصل هو الاستصحاب إذا لم يصل البعض غير المقدور إلى حدّ يوجب خروج موضوع المستصحب عن الوحدة العرفيّة و كانت وحدة الموضوع محفوظةً.

79

الأمر الثالث: في الفرق بين العام و المطلق‏

ما هو الفرق بين العام و المطلق مع أنّ المطلق أيضاً ينقسم إلى قسمين: إطلاق شمولي استغراقي و إطلاق شمولي بدلي، و الأوّل نحو قوله تعالى: «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» و الثاني كقولك «أكرم عالماً»؟

المشهور بين الأعلام كما عرفت أنّ التفاوت بينهما أنّ العام يستفاد الشمول فيه من اللفظ، و أمّا في المطلق فيستفاد الشمول من مقدّمات الحكمة، نعم قد خالف في ذلك في التهذيب بعد أن نقل هذا الفرق من بعض الأعاظم و منع عن ذلك أشدّ المنع، و حاصل كلامه: إنّ العام و المطلق يفترقان حقيقة و لهما مفهومان متفاوتان لأنّ العام يشمل جميع الأفراد، و أمّا المطلق فليس له شمول بل هو عبارة عن أنّ تمام موضوع الحكم هو الطبيعة لا بشرط و لا ينظر فيه إلى الفرد أصلًا، ففي قولك «أعتق رقبة» يكون النظر كلّه إلى طبيعة الرقبة فقط من دون ملاحظة أفرادها، نعم يلاحظ الفرد و يتوجّه إليه لانطباق الطبيعة عليه.

أقول: هاهنا نكتتان يجب الالتفات إليهما:

إحداهما: إنّ الطبيعة الملحوظة في كلامه هل هي الطبيعة الموجودة في الذهن أو الطبيعة الموجودة في الخارج؟ فإن كان المقصود الطبيعة الموجودة في الذهن فهي ليست مطلوبة للمولى بلا إشكال، و إن كان المراد الموجودة في الخارج فيلاحظ الفرد حينئذٍ و ينظر إليه لا محالة كما لا يخفى.

ثانيهما: إنّا لا نفهم معنى الانطباق في كلامه، فإمّا أن يكون الفرد الذي تنطبق عليه الطبيعة مأموراً به أو لا يكون، و الأوّل يستلزم الحكم بأنّ الطبيعة إنّما لوحظت بما هي مرآة إلى الخارج لا بما هي هي، و الثاني يستلزم كون الطبيعة بما هي هي مقصودة، و هو كما ترى، لأنّ الطبيعة بما هي هي مع قطع النظر عن وجودها في الخارج لا تكون منشأً للأثر و لا تترتّب عليها المصالح و المفاسد حتّى يريدها المولى أو يكرهها و يأمر بها أو ينهى عنها.

الأمر الرابع: في أنّ للعموم صيغة تخصّه‏

و يستدلّ له بالتبادر فإنّه لا إشكال في أنّ المتبادر من ألفاظ من قبيل لفظ «كلّ» العموم.

80

و يمكن أن يستدلّ له أيضاً بحكمة الوضع فبما أنّ الحكمة في وضع الألفاظ رفع الحاجات اليوميّة للناس فلا بدّ من وضع لفظ أو ألفاظ تدلّ على العموم لأنّ من جملة تلك الحاجات الحاجة إلى لفظ يدلّ على مقصود عام.

أضف إلى ذلك: أنّ الخصوص ليس له حدّ خاص و مرتبة معيّنة كي يمكن الالتزام بوضع هذه الألفاظ لذلك الحدّ، بل إنّه يؤدّى و يستفاد من طريق تخصيص العام فلا يمكن بيان الخاصّ بدون بيان العام، إذن فلا بدّ من وضع ألفاظ للعام لكي يخصّص و يصير طريقاً إلى بيان الخاصّ.

و استدلّ للخصم أي لوضع هذه الألفاظ للخاصّ بوجهين عقليين.

الأوّل: أنّ إرادة الخصوص و لو في ضمن العموم معلومة بخلاف العموم لاحتمال أن يكون المراد به الخصوص فقط، و جعل اللفظ حقيقة في المعنى المتيقّن أولى من جعله حقيقة في المعنى المحتمل.

الثاني: إنّه قد اشتهر التخصيص و شاع حتّى قيل «ما من عام إلّا و قد خصّ» الحاقاً للقليل بالعدم مبالغة، و الظاهر يقتضي كون اللفظ حقيقة في الأشهر الأغلب تقليلًا للمجاز.

أقول: كلا الدليلين لا يخلو من لا الضعف جدّاً.

أمّا الأوّل: فلأنّ كون إرادة الخصوص متيقّناً لا يوجب اختصاص الوضع به بل لا بدّ في وضع اللفظ من ملاحظة وجود الحاجة و عدمه، و الإنصاف أنّ هذا الاستدلال بهذا البيان في غاية الضعف.

أمّا الدليل الثاني: فلأنّه يتفرّع و يتوقّف على إيجاب التخصيص التجوّز و كون العام مجازاً في الباقي و سيأتي خلافه، مضافاً إلى أنّه لو سلّمنا كونه مجازاً فلا محذور في كثرة المجاز إذا كان المجاز بالقرينة و كان التخصيص مورداً للحاجة.

إلى هنا تمّت الامور التي كان ينبغي ذكرها مقدّمة و أمّا البحث عن مسائل العام و الخاصّ فيقع ضمن فصول:

81

الفصل الأول ألفاظ العموم‏

و تنبغي الإشارة مقدّمة إلى أنّ البحث فيها لغوي لا اصولي لكن يذكر في علم الاصول لعدم استيفاء البحث عنه في محلّه.

و كيف كان قد وقع النزاع في ألفاظ العموم بين القوم بالنسبة إلى أربعة ألفاظ:

1- النكرة في سياق النفي أو النهي.

2- لفظة كلّ و ما شابهه مثل جميع و كافّة و قاطبة.

3- الجمع المحلّى باللام نحو «العلماء» و «الملائكة» و «المؤمنون».

4- المفرد المحلّى باللام مثل البيع و الإنسان.

أمّا الأوّل: أمّا النكرة في سياق النفي أو النهي‏

فقد يقال بأنّها تدلّ على العموم و لعلّه هو المشهور، كقول المولى «لا تعتق رقبة» و كقولك «ما جاءني أحد»، و استدلّ له بأنّ مدلول النكرة هو طبيعة الأفراد، و لا تنعدم الطبيعة إلّا بانعدام جميع أفرادها، و ذكر المحقّق الخراساني (رحمه الله) في بعض كلماته أنّ دلالتها على العموم موقوفة على أخذها مرسلة لا مبهمة، أي إذا أحرز إرسالها بمقدّمات الحكمة، فلا بدّ في استفادة العموم منها من إجراء مقدّمات الحكمة، و استشهد بأنّه لو لم تكن الطبيعة مطلقة بل كانت مقيّدة لم يقتض دخول النفي عليها عموم النفي لأفراد الطبيعة المطلقة، بل عموم أفراد ذلك المقدار المقيّد فقط، كما إذا قال «لا تكرم الفاسق الاموي» فإنّه لا يقتضي نفي وجوب الإكرام عن جميع أفراد طبيعة الفاسق بل عن أفراد الفاسق الأموي فقط، و كذلك لو كانت الطبيعة مهملة فلا يقتضي دخول النفي عليها إلّا استيعاب السلب للأفراد المتيقّنة لا مطلق الأفراد، مع‏

82

أنّه لو قلنا بعدم اشتراط دلالتها على العموم بالإرسال و الإطلاق و استفادة العموم من النكرة من دون إجراء مقدّمات الحكمة لدلّت على العموم في صورة التقييد أو الإهمال أيضاً.

و قال في التهذيب‏ ما حاصله: إنّ الطبيعة تنتفي بانتفاء الفرد كما توجد بوجوده و لا يحتاج انتفائها إلى انتفاء جميع الأفراد، لأنّ الفاظ النفي و النهي وضعت لنفي مدخولها أو الزجر عنه، و المدخول في ما نحن فيه هو اسم الجنس، و هو موضوع لنفس الطبيعة بلا شرط، فلا دلالة فيها على نفي الافراد التي هي المناط في صدق العموم، و لا وضع على حدة للمركّب، و قولنا:

اعتق رقبة. و قولنا: لا تعتق رقبة سيّان في أنّ الماهيّة متعلّقة للحكم و في عدم الدلالة على الأفراد و في أنّ كلّاً منهما محتاج إلى مقدّمات الحكمة حتّى يثبت أنّ ما يليه تمام الموضوع، نعم هذا ممّا يقتضيه البرهان، و أمّا العرف فيفرّق بين الموردين ويحكم بأنّ المهملة توجد بوجود فرد ما و تنعدم بعدم جميع الأفراد (1).

أقول: الأولى في كلّ بحث سلوك الطريق اللائقة به، ففي مباحث الألفاظ لا بدّ من الرجوع إلى التبادر و المتفاهم العرفي لا إلى وجوه فلسفيّة و تدقيقات عقليّة، و كذلك لا بدّ من ملاحظة تراكيبها كما تلاحظ مفرداتها، و في المقام يجب الفات النظر إلى تركيب قول العربي بعد أن سرق ماله مثلًا: «لم يبق منه شي‏ء» أو قوله تعالى حكاية قول بلقيس: «ما كنت قاطعة أمراً حتّى تشهدون) أو كلمة «لا إله إلّا اللَّه» و هكذا قوله «و لا تضاروهنّ ...» فهل يتبادر منها العموم أو لا؟ الإنصاف أنّ تركيب النكرة في سياق النفي أو النهي في أمثال هذه التراكيب يتبادر منه العموم من دون حاجة إلى مقدّمات الحكمة، كما يشهد له الوجدان أيضاً.

أمّا الثاني: لفظة كلّ و ما شابهها

فقد يقال فيها أيضاً أنّ دلالتها على العموم و استيعاب المدخول يتمّ بمعونة مقدّمات الحكمة المحرزة بها سعة المدخول و إرساله، و استشهد لذلك بعدم دلالتها في صورة تقييد مدخولها على أزيد من المقدار المقيّد فقولك: «أكرم كلّ رجل عالم» يدلّ على إكرام الرجال العدول فقط لا مطلق الرجال.

____________

(1) تهذيب الاصول: ج 2، ص 8، طبع مهر.

83

و قد يقال بأنّها ظاهرة في العموم من دون حاجة إلى مقدّمات الحكمة و هو الصحيح كما قال به في المحاضرات- و لنعم ما قال-: «إنّ لفظة «كلّ» أو ما شاكلها تدلّ بنفسها على إطلاق مدخولها و عدم أخذ خصوصيّة فيه و لا يتوقّف ذلك على إجراء المقدّمات، ففي مثل قولنا «أكرم كلّ رجل» تدلّ لفظة «كلّ» على سراية الحكم إلى جميع من ينطبق عليه الرجل من دون فرق بين الغني و الفقير و العالم و الجاهل و ما شاكل ذلك، فتكون هذه اللفظة بيان على عدم أخذ خصوصيّة و قيد في مدخولها» (1).

أمّا الثالث: الجمع المحلّى باللام‏

فاستدلّ لدلالته على العموم بالتبادر أوّلًا، و بوجه عقلي ثانياً، و هو أنّ الجمع له عرض عريض و مصاديق كثيرة، و اللام للتعريف، و لا إشكال في أنّ المتعيّن من مصاديق الجمع و مراتبه إنّما هو أقصى المراتب، و غيره لا تعيّن له حتّى أدنى المراتب، و نتيجة ذلك أن لا يستفاد العموم لا من اللام و لا من نفس الجمع بل يستفاد من تعريف الجمع بأقصى مراتبه.

إن قلت: إنّ أدنى المراتب و هو الثلاث أيضاً متعيّن.

قلنا: بل إنّه نكرة بالنسبة إلى ما ينطبق عليه من الأفراد، و لذلك يعقل السؤال في قولنا:

«جاءني ثلاث نفرات» بقولك: «أي ثلاث نفرات؟» حيث يمكن صدقه على كلّ ثلاثة ثلاثة من الأفراد خلافاً لأقصى المراتب، فالمتعيّن في الخارج بحيث لا يكون مردّداً بين شيئين أو أشياء إنّما هو مجموع الأفراد دون غيره من مراتب الجمع.

أقول: أمّا الوجه العقلي فيمكن النقاش فيه بما مرّ من عدم تطرّق الوجوه العقليّة و التحليل العقلي في مباحث الألفاظ كما ذكرنا آنفاً أيضاً بل لا بدّ فيها من ملاحظة ما يتبادر منها عرفاً.

هذا أوّلًا.

و ثانياً: أنّ المرتبة العليا من مراتب الجمع لا بشرط بالنسبة إلى التعريف و التنكير، فلا يصدق عليها إنّها معرفة أو نكرة لأنّ المقسم للمعرفة و النكرة هو اسم الجنس المفرد كما لا يخفى، فلا يقال مثلًا أنّ «كلّ عالم» أو «جميع العلماء» معرفة أو نكرة.

____________

(1) المحاضرات: ج 5، ص 158- 159.

84

أمّا التبادر فهو تامّ مقبول فلا يبعد تبادر العموم من الجمع المحلّى باللام كما لا إشكال في إرادة الجنس منه بمئونة القرينة في كثير من الموارد، كقولنا: «سَلِ العلماء ما شئت» أو «اختر المؤمنين للُاخوّة» أو «شارك الأخيار» حيث إنّ تناسب الحكم و الموضوع فيها يقتضي أن لا يكون السؤال عن جميع العلماء و اختيار جميع المؤمنين للُاخوّة و مشاركة جميع الأخيار. كما لا يخفى.

و على أي حال المتبادر من الجمع المحلّى باللام في صورة فقد القرينة هو العموم و لا حاجة فيه إلى إجراء مقدّمات الحكمة.

أمّا الرابع: المفرد المحلّى باللام‏

فقال بعض بدلالته على العموم، و يستدلّ لها أوّلًا: باتّصافه أحياناً بالجمع كقوله: «أهلك الناس الدرهم البيض و الدينار الصفر».

و ثانياً: بوقوعه مستثنى منه كقوله تعالى: «إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلّا الَّذِينَ آمَنُوا ...».

و ثالثاً: ما مرّ في الجمع المحلّى باللام من أنّ اللام للتعريف، و المعرفة هي أقصى المراتب.

و اجيب عنه: بأنّ التوصيف بالجمع في موارد معدودة محدودة لا ينافي عدم كونه حقيقة في الجمع لأنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة و المجاز، و هكذا وقوعه مستثنى منه في بعض الموارد، و أمّا الوجه الثالث: فقد عرفت بطلانه في الجمع المحلّى باللام فكيف بالمفرد، و الإنصاف أنّه لا يستفاد من المفرد المحلّى باللام- لو لا وجود القرينة- عموم.

85

الفصل الثاني حجّية العام المخصّص في الباقي‏

و هي مسألة يكثر الابتلاء بها، لأنّ العمومات غالباً مخصّصة مع أنّ رحى الاجتهاد تدور على العمل بها فيشكل الأمر لو لم يكن العام المخصّص حجّة في الباقي.

و فيها ثلاثة أقوال:

الأوّل: ما ذهب إليه المشهور من الإماميّة كما أنّ الظاهر ذهاب المشهور العامّة إليه و هو كون العام حجّة في الباقي مطلقاً سواء كان المخصّص متّصلًا أم منفصلًا.

الثاني: عدم الحجّية مطلقاً كما نسب إلى بعض العامّة.

الثالث: التفصيل بين المتّصل و المنفصل فيكون حجّة في الأوّل دون الثاني.

ثمّ‏ إنّ هذه المسألة مبنيّة على مسألة اخرى لا بدّ من تقديمها عليها، و هي «هل العام حقيقة في الباقي فيكون حجّة فيه بلا إشكال أو لا؟» فنقول: قد نقل فيها صاحب الفصول ثمانية أقوال، و لا يهمّنا ذكرها بتمامها إلّا ثلاثة منها، و هي القول بالحقيقة مطلقاً، و القول بالمجاز مطلقاً، و القول بالتفصيل بين المتّصل و المنفصل و كونه حقيقة في الأوّل و مجازاً في الثاني.

و الأوّل هو ما ذهب إليه كثير من المتأخّرين، و استدلّ له بأنّ التخصيص يكون في الإرادة الجدّية لا الإرادة الاستعماليّة و لا إشكال في أنّ المدار في الحقيقة و المجاز هي الإرادة الاستعماليّة.

توضيح ذلك: ذهب المحقّق الخراساني (رحمه الله) و جماعة اخرى ممّن تبعه إلى أنّ للمتكلّم في كلّ كلام إرادتين إرادة جدّية و إرادة استعماليّة، و هما تارةً تتوافقان‏ و اخرى‏ تتخالفان (و إن كان قد يتوهّم في بدو النظر أنّ للمتكلّم إرادة واحدة) و يستكشف هذا من الكنايات في الجمل الإخباريّة، و من الأوامر الامتحانيّة في الجمل الإنشائيّة حيث إنّ في كلّ واحد منهما توجد

86

إرادتان إرادة استعماليّة و إرادة جدّيّة، ففي الكنايات إذا قيل مثلًا «زيد كثير الرماد» نرى بوضوح وجود إرادتين لأنّ كلّ واحد من لفظي «زيد» و «كثير الرماد» استعمل في معناه الحقيقي بلا شكّ، لكنّه لم يردّه المتكلّم جدّاً كما هو المفروض، بل المراد الجدّي منهما هو سخاوة زيد، فالإرادة الاستعماليّة تعلّقت بما وضع له اللفظ و استعمل فيه، و الإرادة الجدّية تعلّقت بشي‏ء آخر خارج عن دائرة الوضع و الاستعمال، و هو سخاوة زيد، فتخالف الإرادتان و افترقتا، و كذلك في الأوامر الامتحانيّة، لأنّ الطلب الظاهري فيها تعلّق بذبح إسماعيل مثلًا في قصّة إبراهيم (عليه السلام)، لكن المراد الجدّي فيها هو امتحان إبراهيم (عليه السلام) كما لا يخفى.

و بالجملة، إنّ هاهنا ثلاث نكات لا بدّ من الالتفات إليها و التوجّه بها:

الاولى: إنّ الأصل الأوّلي العقلائي اللفظي في باب الألفاظ هو تطابق الإرادتين و قد سمّي هذا بأصالة الجدّ، و لا إشكال فيه.

الثانية: إنّه لا تختلف الإرادتان إلّا لنكتة و داعٍ يدعو إليه.

الثالثة: إنّ المدار في الحقيقة و المجاز هو الإرادة الاستعماليّة لا الجدّية، و لذلك يعدّ الاستعمال في الكنايات استعمالًا حقيقياً، لأنّ الإرادة الاستعماليّة فيها تتعلّق بالمعنى الموضوع له كما مرّ، و التصرّف إنّما وقع في الإرادة الجدّية، و هذا هو الفرق بينها و بين المجازات بناءً على مذاق المشهور من أنّ المجاز إنّما هو في الكلمة لا في الأمر العقلي الذي هو المختار.

إذا عرفت هذا فاعلم: قد ذهب المحقّق الخراساني (رحمه الله) إلى كون العام حقيقة في الباقي مطلقاً سواء كان المخصّص متّصلًا أم منفصلًا، أمّا في المتّصل‏ فاستدلّ بأنّه إذا كان المخصّص متّصلًا بالعام تستعمل أداة العموم حينئذٍ فيما هو معناها الحقيقي من استغراق تمام أفراد المدخول، غاية الأمر إنّ دائرة المدخول مضيّقة من جهة التقييد، فلا يتحقّق إخراج بالنسبة إلى أداة العام لكي نبحث في أنّه هل هو حقيقة في الباقي أو لا؟

و أمّا في المنفصل‏ فاستدلّ بأنّه و إن تحقّق فيه الإخراج بالنسبة إلى أداة العام إلّا أنّ ظهورها في العموم يكون دليلًا على استعمالها في العموم لا في الخصوص، أي تعلّقت الإرادة الاستعماليّة بالعموم، و يكون الخاصّ قرينة على إرادة الخصوص لبّاً و جدّاً، و ما تعلّقت بالخصوص إنّما هو الإرادة الجدّية فقط، و المدار في الحقيقة و المجاز هو الإرادة الاستعماليّة لا الجدّية (انتهى).

و أورد عليه المحقّق النائيني (رحمه الله): بأنّ «الإرادة الاستعماليّة إن اريد بها إرادة إيجاد المعنى‏

87

البسيط العقلاني باللفظ بحيث كان اللفظ و الإرادة مغفولين عنهما حين الاستعمال، فهذه بعينها هي الإرادة الجدّية التي بها يتقوّم استعمال اللفظ في معنى ما، و إن اريد بها الإرادة الهزليّة المقابلة للإرادة الجدّية و الداعية إلى إرادة إيجاد المعنى باللفظ فهي و إن كانت لا تنافي استعمال اللفظ في معناه الموضوع له لوضوح أنّ الاستعمال الحقيقي لا يدور مدار كون الداعي إلى الاستعمال هو خصوص الإرادة الجدّية إلّا أنّه لا يعقل الالتزام بكون الداعي إلى استعمال العمومات الواردة في الكتاب و السنّة في معانيها هي الإرادة الهزليّة» (1).

ثمّ إنّه تصدّى لحلّ المسألة بطريق آخر يرجع بالمآل إلى ما أفاده المحقّق الخراساني (رحمه الله) من تعدّد الدالّ و المدلول، فقال: «إنّ أداة العموم لا تستعمل إلّا في ما وضعت له كما أنّ مدخولها لم يستعمل إلّا فيما وضع له، أمّا عدم استعمال المدخول إلّا في نفس ما وضع له فلأنّه لم يوضع إلّا لنفس الطبيعة المهملة الجامعة بين المطلقة و المقيّدة، و من الواضح أنّه لم يستعمل إلّا فيها و إفادة التقييد بدالّ آخر لا تنافي استعمال اللفظ في نفس الطبيعة المهملة كما هو ظاهر، و أمّا عدم استعمال الأداة إلّا فيما وضعت له فلأنّها لا يستعمل أبداً إلّا في تعميم الحكم لجميع أفراد ما اريد من مدخولها، غاية الأمر أنّ المراد من مدخولها ربّما يكون أمراً وسيعاً و اخرى يكون أمراً ضيّقاً، و هذا لا يوجب فرقاً في ناحية الأداة أصلًا» (2).

أقول: يرد عليه:

أوّلًا: إنّ كلا المعنيين اللذين ذكرهما في تفسير المراد من الإرادة الاستعماليّة غير مقصود في المقام، بل المراد منها هنا أنّ اللفظ تارةً يستعمل في معناه الموضوع له و يريد به المتكلّم تفهيم المخاطب لتمام معناه من دون أن تكون إرادته ناشئة عن كون الحكم المجعول على عنوان ذلك اللفظ ثابتاً له واقعاً بل هي ناشئة من غرض آخر، و اخرى‏ يكون الغرض تفهيمه، و هذا مقدّمة له.

ثانياً: ما مرّ في باب دلالات الألفاظ من الإشكال المبنائي، و هو أنّ دلالة اللفظ ترجع إلى الحكاية و العلّامة لا إلى الإيجاد و الإنشاء إلّا في بعض الألفاظ مثل أداة التمنّي و الترجّي كما مرّ بيانه هناك. (و في كلامه إشكال آخر ستأتي الإشارة إليه).

____________

(1) أجود التقريرات: ج 1، ص 447.

(2) أجود التقريرات: ج 1، ص 449- 450.

88

و أمّا ما ذهب إليه المحقّق الخراساني (رحمه الله) (من الفرق بين المتّصل و المنفصل و أنّ العام في المخصّص المتّصل باقٍ على عمومه و استعمل في استغراق تمام الأفراد و إنّما تحقّق التقييد و الإخراج بالنسبة إلى خصوص المدخول، و إنّ في المنفصل و إن حصل الإخراج بالنسبة إلى العام إلّا أنّه تعلّق بالإرادة الاستعماليّة لا الجدّية).

فيرد عليه:

أوّلًا: أنّه حصر لتخصيص المتّصل في الوصف و ما يشبهه من القيود الراجعة إلى الموضوع، مع أنّ التخصيص بكلمة «إلّا» أيضاً تخصيص متّصل و هو قيد للحكم لا للموضوع.

نعم، إنّها ترجع إلى الموضوع في خصوص الأعداد كما مرّ، ففي قوله تعالى: «فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلّا خَمْسِينَ عاماً» يرجع قيد «إلّا خمسين» إلى كلمة «الف سنة» لا إلى «لبث» و أمّا في غير الأعداد فلا إشكال في رجوعه إلى الحكم، و الشاهد على ذلك تصريحهم بأنّ كلمة «إلّا» بمعنى «استثنى» لا بمعنى كلمة «غير» حتّى يكون وصفاً.

إن قلت: لو كان الأمر كذلك فما هو الحكم في العام المخصّص بكلمة إلّا؟

قلنا: لا فرق بينه و بين التخصيص بالمنفصل، فكما أنّ التخصيص بالمنفصل إخراج عن خصوص الإرادة الجدّية، و العام فيه باقٍ على عمومه بالنسبة إلى الإرادة الاستعماليّة فكذلك في التخصيص المتّصل بكلمة «إلّا».

إن قلت: لو كان القيد راجعاً إلى خصوص الإرادة الجدّية، و العام استعمل في عمومه و استغراقه فلما ذا لم يبيّن المولى مراده الجدّي ابتداءً؟ و ما هو الداعي في استعماله العام فيما لم يردّه جدّاً؟

قلنا: يتصوّر لذلك فوائد كثيرة:

الاولى: كونه في مقام ضرب قاعدة للتمسّك بها في الموارد المشكوكة.

الثانية: عدم إمكان بيان الباقي بدون الاستثناء لعدم عنوان أو اسم له، كأن لا يكون للقوم غير زيد عنوان يختصّ بهم كي يرد الحكم عليه، فلا بدّ حينئذٍ من استثناء القوم بكلمة «إلّا زيد».

الثالثة: التأكيد و بيان الشأن الذي تقتضيه البلاغة و الفصاحة أحياناً كما في قوله تعالى:

«فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلّا خَمْسِينَ عاماً» فالفرق بين هذا التأكيد الذي يوجد في التعبير

89

ب «الف سنة» و بين قولنا «فلبث فيهم تسعمائة و خمسين سنة» واضح.

و ثانياً: الحقّ عدم تعارف التخصيص بالمنفصل بين العرف و العقلاء، بل إنّهم يحملونه على التناقض، فإذا قال أحد: «بعت جميع كتبي»، ثمّ قال بعد مدّة: «لم أبع كتابي هذا و ذاك» أو قال:

«أدّيت جميع ديوني» ثمّ قال بعد مدّة: «بقى عليّ كذا و كذا من الديون» يحكم العرف بأنّه نقض كلامه و كذب فيه.

و يشهد لما ذكرنا بعض الرّوايات التي عومل فيها العام و الخاص المنفصل معاملة التناقض و التعارض، و هو مكاتبة محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري إلى صاحب الزمان (عليه السلام)- حيث ورد فيها أنّه قال (عليه السلام): «في الجواب عن ذلك حديثان أمّا أحدهما فإذا انتقل من حاجة إلى اخرى فعليه التكبير، و أمّا الآخر فإنّه روى أنّه إذا رفع رأسه من السجدة الثانية و كبّر ثمّ جلس ثمّ قام فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير، و كذلك التشهّد الأوّل يجري هذا المجرى، و بأيّهما أخذت من باب التسليم كان صواباً» (1).

فإنّ ذيل هذا الخبر و هو جملة «و بأيّهما أخذت ...» يدلّ على أنّ الإمام (عليه السلام) عامل الحديثين معاملة المتعارضين مع أنّهما من قبيل العام و الخاصّ.

إن قلت: كيف اكتفى الإمام (عليه السلام) في مقام الجواب بنقل روايتين متعارضتين مع أنّه منبع الأحكام و هو عالم بواقعها؟

قلت: كان (عليه السلام) في مقام إعطاء قاعدة كلّية يمكن تطبيقها في سائر موارد التعارض بين الخبرين عند عدم إمكان الوصول إليه في غيبته.

هذا- لكن لا يخفى أنّ للشارع المقنّن المشرّع كسائر العقلاء في مقام التقنين عرفاً خاصّاً لا يعامل العام و الخاصّ معاملة التعارض، لأنّ تدريجيّة بيان الأحكام و القوانين تقتضي أن يبيّنها أوّلًا بشكل العام أو المطلق ثمّ يأتي بعد ذلك بالمخصّص أو المقيّد في ظرفه الخاصّ، و لا يحكم العرف و العقلاء عند ملاحظة هذه السيرة و هذا المقام بالتناقض و التنافي كما لا يخفى.

إن قلت: فكيف حكم به الإمام (عليه السلام) في مكاتبة الحميري؟

قلنا: لخصوصيّة في المستحبّات، و هي أنّ العمومات و الخصوصات فيها تحمل على بيان‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ح 39، الباب 9، من أبواب صفات القاضي.

90

مراتب الاستحباب و تعدّد المطلوب.

هذا كلّه في البحث عن أنّ العام هل هو مجاز في الباقي أو حقيقة حيث ذكرناه بعنوان المقدّمة لمسألة اخرى، و هي أنّ العام هل هو حجّة في الباقي أو لا؟

فنرجع إلى البحث فيها و نقول- و من اللَّه نستمدّ التوفيق و الهداية-: أمّا بناءً على مبنى المحقّق الخراساني (رحمه الله) من رجوع التخصيص في المتّصل إلى تقييد المدخول و من تعلّقه بخصوص الإرادة الاستعماليّة في المنفصل فالأمر واضح، لأنّه لا إشكال حينئذٍ في تطابق الإرادتين بالنسبة إلى غير أفراد المخصّص فيكون العام حجّة فيها، و أمّا بناءً على مبنى المحقّق النائيني (رحمه الله) من تقييد المدخول في المتّصل و المنفصل كليهما فالأمر أوضح كما لا يخفى، و كذلك بناءً على ما اخترناه من بقاء الإرادة الجدّية على حالها في كلا القسمين و تخصيص خصوص الإرادة الاستعماليّة، حيث إنّ العام على هذه المباني ليس مجازاً في الباقي، فلا إشكال حينئذٍ في كونه حجّة فيه.

أمّا إذا قلنا بكونه مجازاً فيه فقال بعض أيضاً بأن العام حجّة في الباقي، و لإثباته طريقان:

الأوّل: طريق المشهور و هو أنّ الباقي أقرب المجازات، فيحمل اللفظ عليه إذا علم أنّه لم يستعمل في معناه الحقيقي.

الثاني: طريق شيخنا الأعظم الأنصاري (رحمه الله) و هو أنّ دلالة العام على كلّ فرد من أفراده غير منوطة بدلالته على فرد آخر من أفراده، فإذا لم يدلّ على فرد لخروجه عنه بدليل خاصّ لم يستلزم عدم دلالته على بقيّة الأفراد و لو كانت دلالته على الباقي مجازاً، فإنّ كونه مجازاً ليس من ناحية دخول فرد أجنبي بل بسبب خروج فرد من أفراده، فالمقتضي لحمل العام على الباقي موجود و المانع مفقود أيضاً، لأنّ المانع ليس إلّا المخصّص، و لا مخصّص إلّا بالنسبة إلى ما علم خروجه بدليل خاصّ، و لو فرض الشكّ في وجود مانع آخر غير المخصّص المعلوم فهو مرفوع بالأصل، فإذا كان المقتضي و هو دلالة العام موجوداً و المانع عنه و هو المخصّص الآخر مفقوداً و لو بالأصل- وجب الحمل على الباقي.

أقول: حاصل كلامه (قدس سره) بالنسبة إلى وجود المقتضي هو أنّ هنا دلالات متعدّدة، كما عبّر عنه المحقّق العراقي (رحمه الله) بأنّ الحكايات متعدّدة بتعدّد المحكي و إن كان الحاكي واحداً.

و استشكل‏ عليه بأنّ تعدّد المحكي و المدلول لا يوجب تعدّد الحكاية و الدلالة بعد كون‏

91

الحاكي و الدالّ واحداً، فلفظ العام بعنوان واحد و حكاية واحدة يحكي عن الكثير، فإذا علم أنّ اللفظ لم يستعمل في معناه بدليل منفصل (كما هو المفروض) لم تبق حكاية بالنسبة إلى غيره‏ (1).

و أمّا طريق‏ المشهور فاجيب عنه بأنّ مجرّد الأقربيّة إلى المعنى الحقيقي لا يوجب تعيّناً للمجاز الأقرب.

لكن يمكن الدفاع عنه بأنّ المراد من الأقربيّة الأقربيّة لأجل كثرة استعمال لفظ العام و غلبته في الباقي بحيث يوجب ظهور العام و تعيّنه في خصوص الباقي من بين المجازات و الخصوصات.

____________

(1) تهذيب الاصول: ج 2، ص 13، طبع مهر.

92

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

93

الفصل الثالث التمسّك بالعام في الشبهات المفهوميّة للمخصّص‏

ربّما يكون المخصّص مجملًا مفهوماً و هو على أربعة أقسام، فتارةً يكون متّصلًا بالعام، و اخرى‏ يكون منفصلًا عنه، و كلّ منها تارةً يكون إجماله لأجل الدوران بين الأقل و الأكثر بأن علم في مثل «أكرم العلماء إلّا الفسّاق» أو «لا تكرم فسّاقهم» إنّ مرتكب الكبيرة فاسق قطعاً، و لم يعلم أنّ المصرّ على الصغيرة أيضاً فاسق أو لا؟ و اخرى‏ يكون إجماله لأجل الدوران بين المتباينين بأن لم يعلم في مثل «أكرم العلماء إلّا زيداً» أو «لا تكرم زيداً» إنّ زيداً هل هو زيد بن خالد أو زيد بن بكر؟

و المحقّق الخراساني (رحمه الله) قد فصّل بين هذه الأربعة و تبعه في تهذيب الاصول و قال بعدم جواز التمسّك بالعام في ثلاثة منها، و هي صورتا المتّصل و صورة المتباينين في المنفصل، و بجوازه في خصوص المخصّص المنفصل إذا دار أمره بين الأقل و الأكثر.

و لا يخفى أنّ المراد من جواز التمسّك و عدمه أو سراية الإجمال إلى العام و عدمها هو سرايته بالنسبة إلى خصوص الفرد المشكوك و في دائرة الشكّ لا بالنسبة إلى غيرها كما هو واضح.

و استدلّ المحقّق الخراساني (رحمه الله) لما ذهب إليه من التفصيل بوجهين: أحدهما: بالنسبة إلى المخصّص المتّصل، و الثاني: بالنسبة إلى المنفصل.

أمّا في المتّصل‏ سواء كان إجماله لأجل الدوران بين الأقل و الأكثر أو بين المتباينين فاستدلّ لعدم الجواز بأنّ العام حينئذٍ ممّا لا ظهور له في الفرد المشكوك أصلًا فضلًا عن أن يكون حجّة فيه إذا كان المجمل المتّصل بالعام ممّا يمنع عن انعقاد الظهور للعام إلّا فيما علم خروجه عن المخصّص على كلّ حال.

و أمّا في المنفصل‏ إذا كان إجماله لأجل الدوران بين المتباينين فاستدلّ له بأنّ العام و إن كان‏

94

ظاهراً في كليهما لانفصال المخصّص عنه و انعقاد الظهور له في الجميع و لكن لا يكون حجّة في شي‏ء منهما لأنّهما من أطراف العلم الإجمالي، و أصالة التطابق بين الإرادتين بالنسبة إلى أحدهما تعارض أصالة التطابق الجارية في الآخر، كما أنّه لا يكون الخاصّ أيضاً حجّة في شي‏ء منهما، فاللازم حينئذٍ هو الرجوع إلى الأصل العملي و مقتضاه مختلف باختلاف المقامات.

أمّا إذا كان إجماله لأجل الدوران بين الأقل و الأكثر فدليله على جواز الرجوع إلى العام فيه أنّ العام ظاهر في القدر الزائد و حجّة فيه، أمّا ظهوره فيه فواضح لجهة انفصاله عن الخاصّ، و أمّا حجّيته فيه فلأنّ الثابت من مزاحمة الخاصّ لحجّية ظهور العام إنّما هو في المتيقّن منه لا في غيره، فيكون العام حجّة فيما لا يكون الخاصّ حجّة فيه، و تكون أصالة التطابق جارية فيما لم يثبت خروجه عن الإرادة الجدّية.

و هنا بيان آخر ذكره في التهذيب لعدم جواز التمسّك بالعام في المخصّص المتّصل بكلا قسميه، و هو «أنّ الحكم في العام الذي استثنى منه أو اتّصف بصفة مجملة، متعلّق بموضوع وحداني عرفاً، فكما أنّ الموضوع في قولنا «أكرم العالم العادل» هو الموصوف بما هو كذلك فهكذا قولنا: «أكرم العلماء إلّا الفسّاق منهم» و حينئذٍ كما لا يجوز التمسّك بالعام كقولنا: «لا تكرم الفسّاق» إذا كان مجمل الصدق بالنسبة إلى مورد، كذلك لا يجوز في العام المتّصف أو المستثنى منه بشي‏ء مجمل بلا فرق بينهما» (1).

فملخّص كلامه: أنّ عنوان العام في المتّصل يتبدّل إلى عنوان آخر، فعنوان العام في مثل «أكرم العلماء إلّا الفسّاق» يتبدّل إلى عنوان «العالم غير الفاسق» و لا إشكال في عدم جواز التمسّك بالعام في الشبهة المفهوميّة لنفس العام.

أقول: و في كلامه مواقع للنظر:

الأوّل: ما عرفت سابقاً من أنّ الاستثناء بإلّا يرجع إلى تقييد الحكم لا إلى تقييد الموضوع.

الثاني: أنّه قد مرّ أيضاً مختارنا في الاستثناء بكلمة «إلّا» و قلنا إنّ التصرّف فيها أيضاً تصرّف في الإرادة الجدّية فقط، فالتخصيص بها و بالمخصّص المنفصل سيّان في الحكم و في عدم تبدّل عنوان العام إلى عنوان مضيّق.

الثالث: ما أفاده شيخنا الحائري (رحمه الله) في الدرر من «أنّه يمكن أن يقال: إنّه بعد ما صارت‏

____________

(1) تهذيب الاصول: ج 2، ص 14، طبع مهر.

95

عادة المتكلّم جارية على ذكر التخصيص منفصلًا عن كلامه فحال المنفصل في كلامه حال المتّصل في كلام غيره، فكما أنّه يحتاج في التمسّك بعموم كلام سائر المتكلّمين إلى إحراز عدم المخصّص المتّصل إمّا بالقطع و إمّا بالأصل، كذلك يحتاج في التمسّك بعموم كلام المتكلّم المفروض إلى إحراز عدم المخصّص المنفصل، فإذا احتاج العمل بالعام إلى إحراز عدم التخصيص بالمنفصل فاللازم الإجمال فيما نحن فيه لعدم إحراز عدمه لا بالقطع و لا بالأصل، أمّا الأوّل فواضح، و أمّا الثاني فلما مضى من أنّ جريانه مخصوص بمورد لم يوجد ما يصلح لأن يكون مخصّصاً» (1).

نعم أنّه عدل عنه في هامشه «بأنّ الإنصاف خلاف ما ذكرنا، و وجهه أنّه لو صحّ ما ذكر لما جاز تمسّك أصحاب الأئمّة بكلام إمام زمانهم لأنّه كالتمسّك بصدر كلام متكلّم قبل مجي‏ء ذيله فحيث جرى ديدنهم على التمسّك، دلّ ذلك على استقرار ظهور الكلام و عدم كونه مع كلام الإمام اللاحق كصدر الكلام الواحد في المجلس الواحد مع ذيله».

أقول: الحقّ هو ما ذكره أوّلًا لنفس ما أفاده، و أمّا الإشكال المذكور في الذيل فيمكن دفعه بأنّ المراد من عدم جواز التمسّك بالعام عدمه بالنسبة إلى أهل الزمان المتأخّر عن صدور الخاصّ، أي يوجب صدور الخاصّ سقوط العام عن الحجّية بالإضافة إلى ذلك الزمان، و أمّا بالنسبة إلى أهل الزمان السابق على الخاصّ فيمكن أن يستكشف من ديدن الأصحاب على التمسّك إذن الشارع و حكمه بجواز التمسّك موقتاً إلى أن يرد الخاصّ.

و بعبارة اخرى: استقرار سيرة أصحاب الأئمّة و ديدنهم على التمسّك بالعام قبل صدور الخاصّ لا يدلّ على عدم سراية إجمال الخاصّ إلى العام و جواز التمسّك به مطلقاً، بل يمكن أن يكون لجهة إذن الشارع بالعمل به موقتاً لمصلحة تدريجيّة بيان الأحكام.

و إن أبيت عن هذا و قلت بعدم سراية الإجمال في المخصّص المنفصل الدائر أمره بين الأقلّ و الأكثر فلا أقلّ من قبول سراية الإجمال في المخصّص المتّصل بكلمة «إلّا»، لما مرّ من عدم تبدّل عنوان العام فيه و انعقاد ظهوره في العموم و أنّ التخصيص يرجع إلى خصوص الإرادة الجدّية فقط.

____________

(1) درر الفوائد: ج 1، ص 215، طبع جماعة المدرّسين.

96

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

97

الفصل الرابع التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصّص‏

و له ثمرات فقهيّة مهمّة تظهر في الأبواب المختلفة من الفقه نشير إلى بعضها:

منها: ما يظهر في أبواب الضمانات إذا دار الأمر بين كون اليد عادية و كونها غير عادية، فهل يمكن التمسّك لإثبات الضمان بعموم «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه» الذي خرج منه اليد الأماني أو لا؟

و منها: ما هو معنون في أبواب النكاح من أنّه إذا شكّ في أنّ الشبه المرئي من بعيد رجل أو امرأة أو من المحارم أو غيرهم فهل يجوز الرجوع إلى عموم قوله تعالى‏ «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ» (1) الذي استثنى منه الجنس الموافق و المحارم أو لا؟

و منها: ما ذكروه في أبواب الطهارة من أنّه إذا دار الأمر بين كون الماء كرّاً فلا يتنجّس بملاقاته للنجس و كونه قليلًا فيتنجّس، فهل يمكن التمسّك بعموم «الماء إذا لاقى النجس يتنجّس» الذي يصطاد من مجموع الأدلّة الواردة في ذلك الباب و خرج منه الماء الكرّ أو لا؟

ثمّ‏ إنّه يأتي هنا أيضاً الصور الأربعة المذكورة في الشبهة المفهوميّة و أمثلتها واضحة، و قد نسب إلى المشهور جواز التمسّك بالعام في هذا الفرض، و لعلّ مقصودهم خصوص صورة دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر فيما إذا كان المخصّص منفصلًا، و ذهب المحقّق الخراساني (رحمه الله) إلى عدم الجواز مطلقاً.

و الظاهر أنّه لا كلام فيما إذا كان المخصّص متّصلًا سواء كان أمره دائراً بين الأقلّ و الأكثر أو المتباينين، و كذلك إذا كان منفصلًا و أمره دائراً بين المتباينين فإنّه لا فرق بين ما نحن فيه‏

____________

(1) سورة النور: الآية 30.

98

و الشبهة المفهوميّة للمخصّص في عدم جواز التمسّك بالعام.

إنّما الكلام في الصورة الرابعة و هي ما إذا كان الخاصّ منفصلًا و كان أمره دائراً بين الأقلّ و الأكثر، فاستدلّ لعدم جواز التمسّك حينئذٍ بوجوه ثلاثة:

الوجه الأوّل: ما ذكره المحقّق الخراساني (رحمه الله) و حاصله: أنّ الخاصّ المنفصل إنّما يزاحم حجّية العام في خصوص الأفراد المعلومة دخولها في الخاصّ كمن علم فسقه، و لا يزاحمه في الأفراد المشكوكة الفسق فيكون العام حجّة فيما لا يكون الخاصّ حجّة فيه‏، ثمّ أجاب عنه: بأنّ الخاصّ كما لا يكون حجّة في المصاديق المشكوكة فكذلك العام لا يكون حجّة فيها فلا بدّ فيها من الرجوع إلى الأصل العملي و ذلك لأنّ الخاصّ المنفصل و إن لم يصادم أصل ظهور العام بل ظهوره باقٍ على حاله حتّى في الأفراد المعلومة الفسق فضلًا عن المشكوكة، لكنّه يتعنون بعنوان عدمي فيتبدّل عنوان العالم مثلًا إلى عنوان العالم غير الفاسق، و هذا يوجب لا محالة قصر حجّيته بما سوى الفاسق، عليه فالفرد المشتبه كما لا يعلم اندراجه تحت الخاصّ و لا يمكن التمسّك به لإجراء حكمه عليه و هو حرمة الإكرام فكذلك لا يعلم اندراجه تحت العام كي يمكن التمسّك به لإجراء حكم العام عليه و هو وجوب الإكرام.

إن قلت: هذا ينافي مختاركم سابقاً من أن تعنون العام يجري في خصوص المخصوص المتّصل، و أمّا المنفصل فيوجب التصرّف في الإرادة الجدّية فحسب.

قلنا: إنّه كذلك، لكنّ المقصود من عدم تعنون العام في المنفصل عدم تعنونه بما هو هو لا بما هو حجّة، فالمصداق المشتبه و إن كان مصداقاً للعام بما هو هو إلّا أنّه لم يعلم أنّه من مصاديقه بما هو حجّة لاختصاص حجّيته بغير الفاسق أو لا؟

الوجه الثاني: أنّ العام بعمومه الأفرادي يدلّ على وجوب إكرام كلّ واحد من العلماء في مثال «أكرم العلماء» و يدلّ بعمومه الأحوالي على سراية الحكم إلى كلّ حالة من حالات الموضوع، و من جملة حالاته كونه مشكوك الفسق و العدالة، و قد علم من قوله: «لا تكرم الفسّاق من العلماء» خروج معلوم الفسق منهم، فمقتضى أصالة العموم بقاء المشكوك على حاله.

و الجواب‏ عنه واضح، لأنّ العام يشمل أفراده الواقعيّة كما أنّ الخاصّ أيضاً يشمل أفراده الواقعيّة، كما أنّه كذلك في جميع الألفاظ فإنّها ناظرة إلى عناوينها الواقعيّة، فالموضوع للعام في‏

99

المثال إنّما هو العالم الواقعي خرج منه الفاسق الواقعي، و حينئذٍ لا يصحّ أن يحكم بوجوب إكرام المصداق المشتبه مع احتمال كونه فاسقاً في الواقع.

و لو قيل: إنّ العام لوحظ فيه الواقع و الظاهر معاً، أي أنّه شامل للعناوين الواقعيّة و الظاهرية (كعنوان معلوم الفسق و مشكوك الفسق) كليهما.

قلنا: إنّه يستلزم الجمع بين اللحاظين، و هما لحاظ ظرف الواقع للحكم الواقعي و لحاظ ظرف الشكّ للحكم الظاهري، و هو ممنوع، لا لأنّه محال لما مرّ منّا في البحث عن جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى من أنّ الجميع بين اللحاظين ممكن بل واقع و ذكرنا له شواهد، بل لأنّه إنّما يجري فيما إذا قامت القرينة عليه، و إلّا فالظاهر استعمال اللفظ في معنى واحد و كون اللحاظ واحداً، و الألفاظ وضعت للعناوين الواقعيّة مع قطع النظر عن حالة العلم و الجهل و الشكّ.

الوجه الثالث: التمسّك بقاعدة المقتضي و المانع، و بيانه: أنّ العام مقتضٍ للحكم و الخاصّ مانع عنه، ففي موارد الاشتباه يؤول الأمر إلى الشكّ في وجود المانع بعد إحراز المقتضي و الأصل عدمه فلا بدّ من الحكم بوجود المقتضي (بالفتح).

و قد يستشمّ التمسّك بهذا من كلمات المحقّق اليزدي (رحمه الله) في العروة الوثقى في كتاب النكاح فيما إذا دار الأمر بين كون الشبه المرئي من البعيد رجلًا أو امرأة و من المحارم أو غيرهم فراجع.

و يمكن الجواب عنه:

أوّلًا: بأنّه لا دليل على كبرى القاعدة عقلًا و نقلًا كما سوف يأتي في مبحث الاستصحاب إن شاء اللَّه.

و ثانياً: بمنع الصغرى، لأنّا لا نسلّم كون العام و الخاصّ من قبيل المقتضي و المانع، بل ربّما يكونان من قبيل الاقتضاء و اللّاقتضاء أو من قبيل المقتضيين لحكمين متخالفين.

أقول: و قد تلخّص من جميع ما ذكرنا إلى هنا أنّه لم نجد دليلًا تامّ الدلالة على جواز التمسّك بالعام في الشبهة المصداقيّة للمخصّص، هذا من جانب، و من جانب آخر نشاهد موارد عديدة في الفقه ظاهرها التمسّك بالعام في هذه الموارد التي أشرنا إلى بعضها في أوّل هذا الفصل، نعم هاهنا وجه رابع و وجه خامس على جواز التمسّك.

أمّا الوجه الرابع‏ فحاصله أنّ الحجّة من قبل المولى لا تتمّ إلّا بعد ثبوت الكبرى و الصغرى معاً، و الموجود فيما نحن فيه كبريان معلومتان: إحداهما قوله «أكرم كلّ عالم» و الثانية قوله: «لا

100

تكرم الفسّاق من العلماء» و الظهور و إن انعقد لكلّ من العامين، و لكن فرديّة زيد مثلًا للأوّل معلومة و للثاني مشكوك فيها، فينضمّ هذه الصغرى المعلومة إلى الكبرى الاولى فينتج وجوب إكرام زيد، و ليس في البين حجّة تزاحمها، إذ الفرض أنّ فرديّة زيد لموضوع الكبرى الثانية مشكوك فيها، و مجرّد الكبرى لا تكون حجّة ما لم ينضمّ إليها صغرى معلومة.

فالعام حجّة في الفرد المشكوك فيه لا يزاحمه حجّة اخرى.

و أجاب عنه‏ بحقّ في المحاضرات بما حاصله: «أنّ الحجّة قد فسّرت بتفسيرين: أحدهما: أن يراد بها ما يحتجّ به المولى على عبده و بالعكس، و هو معناها اللغوي و العرفي. و ثانيهما: أن يراد بها الكاشفية و الطريقية، يعني أنّ المولى جعله كاشفاً و طريقاً إلى مراده الواقعي الجدّي، فيحتجّ على عبده بجعله كاشفاً و مبرزاً عنه، هذا من ناحية و من ناحية اخرى أنّ الحجّة بالتفسير الأوّل تتوقّف على إحراز الصغرى و الكبرى معاً، و إلّا فلا أثر لها أصلًا، و أمّا الحجّة بالتفسير الثاني فلا تتوقّف على إحراز الصغرى، ضرورة أنّها كاشفة عن مراد المولى واقعاً و طريق إليه سواء أ كان لها موضوع في الخارج أم لم يكن.

و إن شئت قلت: إنّ الحجّة بهذا التفسير تتوقّف على إحراز الكبرى فحسب، لأنّ التمسّك بالعام إنّما هو من ناحية أنّه حجّة و كاشف عن المراد الجدّي لا من ناحية أنّه مستعمل في العموم إذ لا أثر له ما لم يكن المعنى المستعمل فيه مراداً جدّاً و واقعاً، و المفروض أنّ المراد الجدّي هنا غير المراد الاستعمالي حيث إن المراد الجدّي مقيّد بعدم الفسق في المثال دون المراد الاستعمالي، وعليه فإذا شكّ في عالم أنّه فاسق أو لا فبطبيعة الحال شكّ في انطباق موضوع العام عليه و عدم انطباقه كما هو الحال بالإضافة إلى الخاصّ، يعني أنّ نسبة هذا الفرد المشكوك بالإضافة إلى كلّ من العام بما هو حجّة و الخاصّ نسبة واحدة فكما لا يمكن التمسّك بالخاصّ بالإضافة إلى هذا الفرد فكذلك لا يمكن التمسّك بالعام بالإضافة إليه‏ (1).

أمّا الوجه الخامس‏ فهو يختصّ بما إذا كان لسان العام لسان المنع و كشفنا من العام أنّ طبيعة الحكم على المنع حيث إنّه حينئذٍ استقرّ بناء العقلاء على الحكم بالمنع في المصاديق المشكوكة كما يستفاد من العمومات الواردة في باب الوقف أنّ طبيعة الوقف على المنع عن بيع الموقوفة

____________

(1) راجع المحاضرات: ج 5، ص 192- 195.

101

و خرج منه صورتان فحسب: صورة الضرورة، و صورة ما إذا سقطت الموقوفة عن حيّز الانتفاع فلا بدّ من الحكم بالمنع في مصاديقه المشكوكة.

و هذا بيان تامّ يظهر منه وجه ما ذكره المحقّق اليزدي (رحمه الله) في كتاب العروة، المسألة 0 5- من كتاب النكاح حيث قال: «فإن شكّ في كونه مماثلًا أو لا، أو شكّ في كونه من المحارم النسبية أو لا فالظاهر وجوب الاجتناب لأنّ الظاهر من آية وجوب الغضّ أنّ جواز النظر مشروط بأمر وجودي و هو كونه مماثلًا أو من المحارم، فمع الشكّ يعمل بمقتضى العموم لا من باب التمسّك بالعموم في الشبهة المصداقية ... فليس التخصيص في المقام من قبيل التنويع حتّى يكون من موارد أصل البراءة بل من قبيل المقتضي و المانع» فقد صرّح بأنّ الحكم بالحرمة في صورة الشكّ ليس من باب التمسّك بالعام في الشبهة المصداقيّة بل إنّه من باب قاعدة المقتضي و المانع، مع أنّها ليست بحجّة و لا دليل عليها كما مرّ، لكن يظهر بالبيان المذكور إمكان المساعدة معه في الشقّ الثاني من كلامه، أي صورة الشكّ في كونه من المحارم، لأنّا نستفيد من الأدلّة أنّ الطبيعة الأوّليّة في المرأة حرمة النظر خلافاً للصورة الاولى، أي صورة الشكّ في كونه مماثلًا أو غير مماثل لأنّ طبيعة الإنسان ليست على المنع عن النظر إليه، و النتيجة حينئذٍ أنّ الظاهر وجوب الاجتناب في الصورة الثانية لا الاولى بل المرجع في الصورة الاولى الأصل العملي و هو فيها البراءة.

و من هنا يظهر أيضاً أنّ نسبة التمسّك بالعام في الشبهة المصداقيّة للمخصّص إلى المشهور في مثل هذه الموارد لعلّها نسبة غير صحيحة لأنّها تكون من قبيل ما يكون طبيعته على المنع، نظير أبواب الضمانات و نظير ما وقع مورداً للبحث و النزاع في يومنا هذا من السمكة المسمّاة ب «اوزون برون» فلو فرض عدم إحراز الفلس لها و شككنا في كونها ذا فلس أم لا قلنا: يستفاد من الأدلّة أنّ طبيعة حيوان البحر على المنع من أكله و خرج منه السمك إذا كان له فلس، أي إذا أحرز له الفلس، و أمّا الصورة المشكوكة فالقاعدة تقتضي حرمة الأكل فيها.

فثبت ممّا ذكر أنّ الحقّ هو ما ذهب إليه أكثر المحقّقين المتأخّرين من عدم جواز التمسّك بالعام في الشبهة المصداقيّة للمخصّص إلّا في الموارد التي تكون طبيعة الحكم فيها على المنع.

ثمّ إنّ شيخنا العلّامة الأنصاري (رحمه الله) قد فصّل في المقام بين ما إذا كان المخصّص لفظيّاً و ما إذا كان لبّياً، فعلى الأوّل لا يجوز التمسّك بالعام في الشبهات المصداقيّة دون الثاني، مثلًا إذا قال‏

102

المولى: «أكرم جيراني» و قطع العبد بأنّه لا يريد إكرام من كان عدوّاً له منهم كانت أصالة العموم باقية على الحجّية بالنسبة إلى المصاديق المشكوكة.

و تبعه في ذلك المحقّق صاحب الكفاية (قدس سره) في خصوص ما إذا كان منفصلًا و قال ما ملخّصه:

أنّ المخصّص اللبّي إن كان كالمخصّص اللفظي المتّصل فلا يجوز التمسّك بالعام في المصداق المشكوك، لأنّ المخصّص حينئذٍ يكون مانعاً عن انعقاد ظهور العام في العموم، و إن كان كالمنفصل اللفظي فلا يكون مانعاً عن انعقاد ظهوره في العموم و لكنّه يفترق عنه في نقطة، و هي أنّ المخصّص المنفصل إذا كان لفظياً فهو مانع عن التمسّك بالعام في الفرد المشتبه، و أمّا إذا كان لبّياً فهو غير مانع عنه، و النكتة في ذلك هي أنّ الأوّل يوجب تقيّد موضوع العام بعدم عنوان المخصّص من باب تحكيم الخاصّ على العام، و أمّا المخصّص اللبّي فإنّه لا يوجب تقييد موضوع العام إلّا بما قطع المكلّف بخروجه عن تحته، فإنّ ظهور العام في العموم حجّة، و المفروض عدم قيام حجّة اخرى على خلافه إلّا فيما قطع المكلّف بخروجه، و أمّا فيما لا قطع بالخروج عن تحته من الموارد المشكوكة فلا مانع من التمسّك بعمومه فيها.

أقول: لا إشكال في تصوّر الصور الأربعة المذكورة للشبهة المصداقيّة للمخصّص في ما نحن فيه أيضاً، و أمّا الشبهة المفهوميّة للمخصّص فلا تتصوّر هنا لأنّ المفروض أنّ المخصّص لبّي و لا يكون لفظاً حتّى يمكن أن يكون فيه إجمال، و الحقّ فيه عدم جواز التمسّك بالعام في جميع الأقسام الأربعة و لا فرق بين المتّصل و المنفصل، أمّا في المتّصل فلعدم انعقاد ظهور للعام حينئذٍ، و أمّا في المنفصل فلأنّه لا فرق في التنويع و تعنون العام بعنوان عدمي بين إن كان المخصّص لفظياً أو لبّياً فإذا قال المولى مثلًا: أكرم العلماء، فلا فرق بين أن يصرّح بنفسه بعداً أنّه: لا تكرم فسّاقهم، أو علم من الخارج أنّه لا يجب إكرام فسّاق العلماء، فعلى كلا التقديرين يتعنون العام لبّاً و واقعاً بعنوان عدمي، أي أكرم العلماء غير الفسّاق، فلا وجه لتفريق المحقّق صاحب الكفاية بين المخصّص اللبّي و اللفظي و قوله بعدم جواز التمسّك في اللفظي مطلقاً في جميع الصور الأربعة و بجواز التمسّك في المنفصل من اللبّي.

نعم، يمكن استثناء مورد، و هو ما إذا كان المتكلّم في مقام تطبيق الكبرى على الصغرى و لاحظ الموضوع بتمام أفراده و أحرز صدق عنوان العام على جميع الأفراد، ففي مثل هذه الموارد نرجع إلى العام في مورد الشكّ، إلّا أنّ الظاهر أنّه لا مصداق له في الأحكام الشرعيّة،

103

نعم قد مثّلوا له بقوله (عليه السلام): «لعن اللَّه بني اميّة قاطبةً» و قد علمنا من الخارج أنّه لا يجوز لعن المؤمن شرعاً فيعلم من العموم و عدم التخصيص في لسان الدليل أنّ الإمام (عليه السلام) كان في مقام التطبيق و أنّه ليس في بني اميّة مؤمن لا يجوز لعنه، و به يعرف أيضاً أنّ المصداق المشتبه للخاصّ المردّد بين الإيمان و عدمه ليس بمؤمن، و لكن الكلام في أنّ هذه الجملة هل هي من قبيل التطبيق و القضايا الخارجيّة أو ليس كذلك؟ مضافاً إلى أنّها ليس من الأحكام الشرعيّة الكلّية.

بقي هنا شي‏ء:

و هو أنّه لو قلنا بجواز التمسّك بالعام في المخصّص اللبّي فهل يثبت الحكم فقط في المصداق المشكوك أو يثبت الحكم و الموضوع معاً حتّى يترتّب على الموضوع سائر آثاره، كعدم جواز الدفن في مقبرة المسلمين في مثال «لعن اللَّه بني اميّة قاطبةً» (فإذا ثبت للفرد المشكوك مضافاً إلى جواز لعنه كونه كافراً فلا يجوز دفنه في مقبرة المسلمين)؟

قال بعض بثبوت الموضوع أيضاً لكونه مقتضى الصغرى و الكبرى الموجودتين في المقام، أمّا الصغرى فهي: «هذا الفرد ممّن يجوز لعنه» و أمّا الكبرى فهي: «كلّ من يجوز لعنه لا يكون مؤمناً» فيستنتج أنّ هذا لا يكون مؤمناً فيترتّب عليه أحكامه.

لكن الإنصاف أنّه مشكل، لأنّ المراد من جواز اللعن مثلًا ليس جوازه في متن الواقع حتّى يحكم بكونه كافراً واقعاً بل الجواز حكم ظاهري فلا يثبت به الأمر الواقعي.

إن قلت: إنّ لوازم الأمارات و مثبتاتها حجّة.

قلنا: المختار في باب الأمارات أنّ مثبتاتها ليست بحجّة مطلقاً بل في خصوص ما إذا كان المولى بصدد بيان تلك اللوازم.

فظهر أنّ الثابت في المقام خصوص الحكم لا الموضوع و الحكم معاً، إلّا إذا كان المولى في مقام التطبيق لأنّا نستكشف حينئذٍ أنّ المولى في قوله: «لعن اللَّه بني اميّة قاطبةً» مثلًا يرى عدم إيمان جميعهم حتّى عمر بن عبد العزيز مثلًا.

تمّ الكلام في جواز التمسّك بالعام في الشبهات للمخصّص.

104

تنبيهات‏

التنبيه الأوّل: في إثبات أصل موضوعي يعيّن به حال الفرد المشتبه في المقام (فقد كان الكلام إلى هنا مفروضاً فيما إذا لم يكن هناك أصل موضوعي (كالاستصحاب) يعيّن به حال الفرد المشتبه حتّى يندرج تحت الخاصّ أو العام).

إذا كان للفرد المشتبه حالة سابقة كالعدالة أو الفسق في مثال «أكرم العلماء» يجري استصحابها فيثبت به كونه عادلًا أو فاسقاً فيحكم بوجوب إكرامه أو حرمته بلا إشكال، و أمّا إذا لم يكن له حالة سابقة فتمسّك بعض حينئذٍ باستصحاب عدم النسبة من الأزل، و هو يسمّى باستصحاب العدم الأزلي كاستصحاب عدم القرشيّة، فهناك عام دلّ على أنّ المرأة تحيض إلى خمسين، و خاصّ دلّ على أنّ القرشيّة تحيض إلى ستّين، فإذا شكّ في امرأة أنّها قرشيّة أو غير قرشيّة فباستصحاب عدم النسبة بينها و بين قريش من الأزل تخرج المرأة من عنوان القرشيّة و تبقى تحت العام فيكون حيضها إلى خمسين.

إن قلت: أنّه معارض باستصحاب عدم النسبة بينها و بين غير قريش.

قلنا: إنّ النسبة بينها و بين غير قريش ممّا لا أثر له شرعاً كي يجري استصحاب عدمها، فيكون أحد الاستصحابين حجّة و الآخر غير حجّة.

و قال المحقّق‏ صاحب الكفاية بإمكان إحراز حال الفرد المشتبه بهذا الأصل في جميع الموارد إلّا ما شذّ، و هو ما إذا تبادل الحالتان و لم يعلم السابق من اللاحق فحينئذٍ لا يمكن استصحاب عدم النسبة بينه و بين الفسق من الأزل مثلًا بعد العلم الإجمالي بانتقاض عدم النسبة و تبدّله إلى الوجود قطعاً.

عدم حجّية استصحاب العدم الأزلي‏

أقول: الحقّ عدم حجّية استصحاب العدم الأزلي لورود إشكالات عديدة عليه:

الأوّل: (و لعلّه أهمّها) كون القضيّة السالبة بانتفاء الموضوع الصادقة هنا غير عرفيّة، فلا يصحّ عند العرف أن يقال مثلًا: «ليس لولدي ثوب» ثمّ يقال عند السؤال عن وجهه: «لأنّه ليس لي ولد» بل يحمل العرف هذا الكلام على الاضحوكة و المزاح، و بالجملة أنّ أدلّة

105

الاستصحاب منصرفة عن مثل هذا عرفاً.

الثاني: ما سيأتي في مبحث الاستصحاب من اعتبار الوحدة بين القضيّة المتيقّنة و القضيّة المشكوكة موضوعاً و محمولًا و نسبةً لعدم صدق مفهوم النقض (لا تنقض اليقين بالشكّ) بدونها، و القضيّتان في ما نحن فيه ليستا متّحدتين في النسبة لأنّها في إحداهما سالبة بانتفاء الموضوع و في الاخرى سالبة بانتفاء المحمول.

الثالث: ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله) و عصارة كلامه ما ذكره في أوّل بيانه: أنّ الباقي تحت العام بعد التخصيص إذا كان هي المرأة التي لا يكون الانتساب إلى قريش موجوداً معها على نحو مفاد ليس التامّة، فالتمسّك بالأصل المذكور لإدراج الفرد المشتبه في الافراد الباقية و إن كان صحيحاً إلّا أنّ الواقع ليس كذلك، لأنّ الباقي تحت العام حسب ظهور دليله إنّما هي المرأة التي لا تكون قريشيّة على نحو مفاد ليس الناقصة، وعليه فالتمسّك بأصالة العدم لإثبات حكم العام للفرد المشكوك فيه غير صحيح، و ذلك لأنّ العدم النعتي الذي هو موضوع الحكم لا حالة سابقة له على الفرض ليجري فيه الأصل، و أمّا العدم المحمولي الأزلي فهو و إن كان مجرى الأصل في نفسه إلّا أنّه لا يثبت به العدم النعتي الذي هو المأخوذ في الموضوع إلّا بالأصل المثبت‏ (1).

و أورد عليه‏ بعض تلامذته في هامش أجود التقريرات بوقوع الخلط في كلام المحقّق بين مفاد ليس الناقصة و السالبة المحصّلة و أنّ الاستصحاب و إن لم يكن جارياً في الأوّل لعدم حالة سابقة له إلّا أنّه لا مانع من جريانه في القسم الثاني لوجود الحالة السابقة فيه، و الثابت في ما نحن فيه هو السالبة المحصّلة لا ليس الناقصة، و حاصل ما أفاده لإثباته: أنّ الحكم الثابت للموضوع المقيّد بما هو مفاد كان الناقصة إنّما يكون ارتفاعه بعدم اتّصاف الذات بذلك القيد على نحو مفاد السالبة المحصّلة من دون أن يتوقّف ذلك على اتّصاف الذات بعدم ذلك القيد على نحو مفاد ليس الناقصة، فمفاد قضية «المرأة تحيض إلى خمسين إلّا القرشيّة» و إن كان هو اعتبار وصف القرشيّة على وجه النعتية، في موضوع الحكم بتحيّض المرأة بعد الخمسين إلّا أنّه لا يستدعي أخذ عدم القرشيّة في موضوع عدم الحكم بتحيّض المرأة بعد الخمسين على وجه‏

____________

(1) راجع أجود التقريرات: ج 1، ص 465.

106

النعتية أعني به مفاد ليس الناقصة، و إنّما يستدعي أخذ عدم القرشيّة في ذلك الموضوع على نحو السالبة المحصّلة، فكلّ امرأة لا تكون متّصفة بالقرشيّة باقية تحت العام، و إنّما الخارج خصوص المتّصفة بالقرشيّة لا أنّ الباقي بعد التخصيص هي المرأة المتّصفة بعدم القرشيّة، فإذا شكّ في كون امرأة قرشيّة لم يكن مانع من التمسّك باستصحاب عدم القرشيّة الثابت لها قبل تولّد تلك المرأة في الخارج‏ (1).

و لكن يرد عليه أيضاً أنّ التمسّك باستصحاب العدم النعتي في القسم الأوّل من كلامه لا محذور فيه من ناحية الإثبات، لأنّ اللازم العقلي الثابت هنا يكون من اللوازم العقليّة للشرائط التي لا إشكال في شمول أدلّة الاستصحاب لها بل مورد أخبار الاستصحاب من هذا القبيل، لأنّ اللازم في باب الطهارة تقيّد الصّلاة بها، و ليس هو المستصحب بل المستصحب هو نفس الوضوء و تقيّد الصّلاة بها من اللوازم العقليّة له، و ما نحن فيه من هذا القبيل، لأنّ تحيّض المرأة إلى خمسين مقيّد بعدم كونها من قريش، و تقيّدها بعدم القرشيّة يكون لازماً عقليّاً لعدم القرشيّة فإذا أثبتنا باستصحاب العدم الأزلي عدم القرشيّة يثبت تقيّد الموضوع- و هو المرأة- به قهراً بلا إشكال.

ثمّ إنّ الشيخ الحائري (رحمه الله) في حاشية الدرر حاول إثبات استصحاب العدم الأزلي ببيان آخر و هو: أنّه قد يستظهر من مناسبة الحكم و الموضوع في بعض المقامات أنّ التأثير و الفاعليّة ثابت للموضوع المفروغ عن وجوده عند اتّصافه بوصف كما في قضيّة «إذا بلغ الماء قدر كرّ لا ينجّسه شي‏ء» و لهذا لا يجري استصحاب عدم الكرّيّة من الأزل، و قد يستظهر من المناسبة المذكورة أنّ التأثير ثابت لنفس الوصف، و الموضوع المفروض وجوده إنّما اعتبر لتقوّم الوصف به كما في قوله (عليه السلام): «المرأة ترى الدم إلى خمسين إلّا أن يكون قرشيّة» حيث كون الدم حيضاً إلى ستّين إنّما هي من ناحية التولّد من قريش لا أنّ المرأة لها هذه الخاصّية بشرط التولّد، فانتفاء هذا الوصف موجب لنقيض الحكم و لو كان بعدم الموضوع و لهذا يكون استصحاب العدم الأزلي نافعاً (انتهى) (2).

أقول: نحن لا نرى فرقاً بين المثالين، لأنّ في مثال القرشيّة أيضاً يكون وجود المرأة جزءاً

____________

(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 468- 469.

(2) درر الفوائد: ج 1، ص 187- 188، من الطبع القديم.