أنوار الأصول‏ - ج2

- الشيخ أحمد القدسي المزيد...
496 /
107

للموضوع، فيكون الموضوع في الواقع «المرأة الموجودة غير القرشيّة» كما أنّه كذلك في جميع الموارد التي ثبت فيها شي‏ء لشي‏ء، أي في جميع أقسام القضيّة الموجبة، فلا فرق بين أن يكون الثابت وجوديّاً كما في الموجبة المحصّلة أو أمراً عدميّاً كما في الموجبة المعدولة نحو «زيد لا قائم» و الموجبة السالبة المحمول نحو «زيد هو الذي ليس بقائم» حيث إن الصحيح- كما صرّح به المحقّق النائيني (رحمه الله) و صرّح به أيضاً في التهذيب- أنّ في جميع الموارد التي تعلّق فيها حكم على عدم شي‏ء، يكون العدم فيها هو العدم النعتي، أي لا يزال يرجع الاستثناء و التخصيص بعدم شي‏ء إلى الموجبة المعدولة المحمول لا السالبة التامّة و لا السالبة الناقصة، و إذاً لا يمكن لنا إجراء استصحاب العدم الأزلي في أيّ مورد من موارد التخصيص، فإنّ هذا بنفسه يعدّ إشكال آخر على استصحاب العدم الأزلي.

فتخلّص من جميع ما ذكرنا إلى هنا إنّه يرد على استصحاب العدم الأزلي امور ثلاثة سليمة عن الإشكال.

الأوّل: عدم تصوّر القضيّة السالبة بانتفاء الموضوع عند العرف، مع أنّ الأحكام الشرعيّة منزّلة على متفاهم العرف.

الثاني: عدم وجود الوحدة المعتبرة بين القضيّة المتيقّنة و المشكوكة.

الثالث: أنّ التخصيص بعدم شي‏ء يرجع إلى القضيّة الموجبة المعدولة المحمول التي ثبوت شي‏ء فيها لشي‏ء يكون فرع ثبوت المثبت له.

بل يمكن أن يورد عليه إشكال آخر أيضاً، و هو أن نرفع اليد من ما ذكرنا سابقاً بعنوان الجواب عن إشكال معارضة استصحاب عدم القرشيّة مع استصحاب عدم كون المرأة غير قرشيّة، بأن نقول: يترتّب على كون المرأة غير قرشيّة أيضاً أثر شرعي و هو كون دمها دم الاستحاضة، فيجري استصحاب عدم كونها غير قرشيّة و يثبت عدم كون الدم دم استحاضة، فإنّ الاستصحاب كما يجري لإثبات حكم شرعي كذلك يجري لنفيه بلا إشكال، و بهذا تثبت المعارضة في استصحاب العدم الأزلي في جميع الموارد فلا يكون حجّة أصلًا.

هذا كلّه في البحث عن استصحاب العدم الأزلي و عدم تماميته.

التنبيه الثاني: في التمسّك بالاصول العمليّة، بعد فرض عدم إمكان التمسّك بالعام في الفرد المشتبه و بعد ما إذا لم يكن هناك أصل موضوعي يُدْرج الفرد المشتبه تحت الخاص أو العام‏

108

حيث إن الأصل العملي يجري في الحكم، و الأصل الموضوعي يجري في الموضوع، فالثاني مقدّم على الأوّل لتقدّم الموضوع على الحكم.

و كيف كان، يختلف جريان الأصل العملي في الفرض المذكور باختلاف المقامات. فتارةً يكون الأصل هو البراءة عن الحكم التكليفي كما إذا شككنا في الوجوب و عدمه أو الحرمة و عدمها، أو البراءة عن الحكم الوضعي كما إذا شككنا في صحّة بيع العين الموقوفة و فساده أو شككنا في الضمان و عدمه، و اخرى‏ يكون الأصل هو التخيير كما إذا دار الأمر بين وجوب الفرد المشتبه و حرمته، و ثالثة يكون الأصل هو الاستصحاب كما إذا شكّ المسافر في أنّه هل أقام في المحلّ ثلاثين يوماً من دون قصد الإقامة فيكون الواجب هو الإتمام، أو لا، فيكون الواجب القصر؟ و فرضنا عدم إمكان إجراء استصحاب الموضوع، فيجري حينئذٍ الاستصحاب الحكمي، و هو استصحاب وجوب القصر إلّا إذا لم تحرز وحدة القضيّة المتيقّنة و المشكوكة، لأنّه قد تتغيّر الموضوع عند العرف فيكون الأصل حينئذٍ هو الاحتياط، كما إذا شكّت المرأة التي مضى عليها خمسون سنة هل أنّها قرشيّة أو لا؟ و قلنا بعدم حجّية استصحاب العدم الأزلي، فربّما يقال حينئذٍ أنّها لا يمكن لها استصحاب أحكام التحيّض لأنّ موضوع القضيّة المتيقّنة و هو المرأة قبل الخمسين غير موضوع القضيّة المشكوكة، و هو المرأة بعد الخمسين عند العرف، فيجب عليها الاحتياط بالجمع بين تروك الحائض و أحكام الاستحاضة.

فتلخّص من جميع ما ذكرنا إمكان جريان الاصول العمليّة كلّها بحسب المقامات المختلفة.

التنبيه الثالث: في جواز التمسّك بعموم وجوب الوفاء بالنذر و كلّ حكم آخر ثابت بعنوان ثانوي مثل وجوب إطاعة الوالد أو استحباب اجابة الأخ المؤمن و نحو ذلك في الشبهة المصداقية عند احتمال خروج مصداق عن العام تخصيصاً كما إذا قال مثلًا: أكرم العلماء و لا تكرم الفسّاق، و شككنا في عدالة زيد العالم، أو تخصّصاً كما إذا علمنا لزوم التوضّي بالماء فيكون الماء المضاف خارجاً تخصّصاً ثمّ شككنا في أنّ هذا الماء مطلق أو مضاف، فالنزاع لا يختصّ بصورة احتمال التخصّص كما يظهر من عبارة المحقّق الخراساني (رحمه الله) بل يجري عند احتمال التخصيص أو التخصّص.

و كيف كان، فقد يتوهّم إمكان التمسّك بعموم الوفاء بالنذر مثلًا إذا تعلّق بالتوضّي بذلك الماء أو تعلّق بإكرام زيد، فيستكشف بوجوب الإتيان به صحّة المتعلّق و رجحانه فيدخل الماء

109

المشكوك في حكم الماء المطلق و يدخل مشكوك العدالة في حكم معلوم العدالة، و ربّما يؤيّد ذلك بما ورد من صحّة الإحرام قبل الميقات و الصّيام في السفر إذا تعلّق بهما النذر، لأنّه إذا صحّ الإحرام قبل الميقات و الصّوم في السفر بالنذر مع القطع ببطلانهما بدون النذر فصحّة الوضوء بالمائع المشكوك بالنذر مع الشكّ في بطلانه بدون النذر بطريق أولى.

و أجاب المحقّق الخراساني (رحمه الله) و غيره من الأعلام عن هذا بما حاصله: إنّ الحكم الثابت بالعناوين الثانويّة هل يكون مطلقاً أو يكون مقيّداً؟ فإن كان مقيّداً كما إذا كان وجوب الوفاء بالنذر مقيّداً برجحان متعلّقه، أي كان أحد الأحكام المتعلّقة بالأفعال بعناوينها الأوّليّة مأخوذاً في موضوع الحكم الثابت بالعناوين الثانويّة فلا يجوز التمسّك بعموم وجوب الوفاء بالنذر مثلًا لأنّ الحكم لا يثبت موضوع نفسه، بل لا بدّ من إحراز الموضوع قبل تعلّقه، و إن كان الحكم مطلقاً، أي كان الوفاء بالنذر مثلًا واجباً مطلقاً سواء كان متعلّقه راجحاً أو كان حراماً، فحينئذٍ يقع التزاحم بين أدلّة المحرّمات و أدلّة الوفاء بالنذر، و تصل النوبة إلى الرجوع إلى المرجّحات، و عند عدمها يكون الحكم التخيير، و بعبارة اخرى: إنّ التمسّك بعموم «اوفوا» مثلًا فرع إحراز رجحان المتعلّق، فلو أحرز رجحانه و صحّته بعموم «أُوفوا» لزم الدور و هذا واضح.

أقول: هاهنا نكات ينبغي الالتفات إليها:

الاولى: أنّه كان ينبغي أن يستشكل في الصورة الاولى من المسألة، أي صورة التقييد، بأنّ التمسّك بعموم اوفوا بالنذر و كذلك التمسّك بعموم أدلّة سائر العناوين الثانويّة يكون من قبيل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقيّة للمخصّص في العناوين الأوّليّة، فابتلى المتوهّم هنا بذلك الإشكال الذي مرّ بيانه فهو كرّ على ما فرّ منه.

الثانية: أنّه في الصورة الثانية و هي صورة عدم التقييد لا أقلّ من الانصراف، أي انصراف أدلّة الوفاء بالنذر إلى صورة الرجحان، و مع الغضّ عن الانصراف لا أقلّ من عدم الإطلاق و الإجمال.

الثالثة: أنّ ما جاء به في كلامه من المؤيّدين في بابي الإحرام و الصّيام يقع البحث فيهما من جهات:

الجهة الاولى: من جهة عدم رجحان للمتعلّق فيهما.

110

الجهة الثانية: من ناحية اعتبار قصد القربة.

الجهة الثالثة: من ناحية ارتباطهما بما نحن فيه.

أمّا الجهة الاولى: فقد اجيب عن الإشكال الوارد من ناحيتها بجوابين أشار إليهما في الجواهر و الكفاية.

الجواب الأوّل: أن يكون ما دلّ على صحّتهما بالنذر مخصّصاً لما دلّ على اعتبار الرجحان في متعلّق النذر فيعتبر في متعلّقه الرجحان إلّا في هذين الموردين.

لكنّه غير تامّ لأنّه يوجب سقوط النذر عن ماهيّته لأنّه أمر عبادي عندنا يعتبر فيه التقرّب إلى اللَّه، و لا يعقل التقرّب بما ليس راجحاً، و الحكم العقلي لا يقبل التخصيص و الاستثناء كما أنّ عمومات أدلّة اعتبار الرجحان تؤيّد ذلك.

الجواب الثاني: أن يكون ما دلّ على صحّتهما بالنذر كاشفاً عن صيرورتهما راجحين بالنذر بعد ما لم يكونا راجحين ذاتاً.

إن قلت: المعتبر في باب النذر رجحان العمل قبل تعلّق النذر.

قلت: كلّا بل اللازم هو الرجحان حين العمل.

و أمّا الجهة الثانية: و هي الإشكال من ناحية قصد القربة فالجواب عنها متوقّف على الوجهين المذكورين آنفاً عند الجواب عن الإشكال في الجهة الاولى، فإن اخترنا الجواب الأوّل الذي ذهب إليه صاحب الجواهر من أنّ عمومات أدلّة اعتبار الرجحان خصّصت بهذين الموردين فلا يندفع الإشكال في ما نحن فيه و لا يتحقّق قصد القربة، و لا يكفي الأمر الناشئ من قِبَل النذر لأنّه توصّلي.

و إن اخترنا الجواب الثاني، و هو تحقّق الرجحان مقارناً لتعلّق النذر، فالإشكال يرتفع لصيرورة المتعلّق بعد تعلّق النذر راجحاً محبوباً، و هو يكفي في التقرّب و لا حاجة إلى قصد الأمر.

أمّا الجهة الثالثة: فالإنصاف أنّه لا دخل للموردين في ما نحن فيه لأنّهما ليسا من قبيل التمسّك بعمومات العناوين الثانويّة لإثبات الموضوع و كشف حال الفرد و إنّما ثبتا لقيام دليل خاصّ يدلّ عليهما، و لا يحصل بهما استقراء عقلي.

التنبيه الرابع: فيما إذا دار الأمر بين التخصيص و التخصّص، و بتعبير آخر: فيما إذا دار الأمر

111

بين الخروج عن الموضوع و الخروج عن الحكم، كما إذا علمنا بعدم وجوب إكرام زيد و لكن لا نعلم أنّه عالم فيكون خروجه من عموم «أكرم العلماء» تخصيصاً أو ليس بعالم فيكون خروجه من باب التخصّص، فإن كان خروجه من باب التخصيص، كان عنوان العالم منطبقاً عليه فيترتّب عليه سائر الأحكام و الآثار المترتّبة على عنوان العالم، و إن كان من باب التخصّص فلا يترتّب عليه تلك الآثار، و مثال ذلك في الفقه كما ذكره في المحاضرات مسألة الملاقي لماء الاستنجاء حيث إنّه غير محكوم بالنجاسة إذا توفّرت فيه الشرائط التي ذكرت في محلّه، فحينئذٍ لا محالة يدور الأمر بين أن يكون خروجه عن هذا الحكم بالتخصّص أو بالتخصيص، يعني أنّ ما دلّ على طهارة الملاقي هل يكون مخصّصاً لعموم ما دلّ على انفعال الملاقي للماء النجس فيكون ماء الاستنجاء نجساً و يترتّب عليه سائر أحكام الشي‏ء النجس، أو يكون خروجه منه بالتخصّص، فيكون ماء الاستنجاء طاهراً و يترتّب عليه آثار الطهارة غير الوضوء و الغسل؟

فيه خلاف بين الأصحاب، و قد اخترنا في التعليقة على العروة الوثقى للمحقّق اليزدي (رحمه الله) القول بالتخصيص و قلنا هناك: لعل العسر و الحرج هما العلّة في هذا الحكم و لذا نقتصر من أحكام الطهارة على ما يندفع به العسر و الحرج فقط.

و كيف كان، نحتاج لإثبات التخصّص في المقام إلى قبول أمرين:

أحدهما: جواز التمسّك بأصالة العموم (أصالة عدم التخصيص) لإثبات الموضوع أيضاً كما يجوز التمسّك بها لإثبات الحكم، مع أنّه ممنوع عندنا، فإنّا نقول: إنّها تجري لإثبات أصل الحكم فقط، و أمّا إذا كان الحكم واضحاً و شككنا في موضوعه، أي شككنا في كيفية الحكم فلا يجري فيه دليل جواز التمسّك بالعام.

ثانيهما: أن تكون مثبتات الاصول و الأمارات (و هي في المقام أصالة عدم التخصيص) حجّة، مع أنّ المختار فيها عدم حجّيتها إلّا فيما إذا كان المولى ناظراً إلى بيان مثبتاتها و لوازمها، فتكون اللوازم العقليّة و العاديّة حينئذٍ حجّة كما في اللوازم الشرعيّة بالنسبة إلى خصوص ذلك المورد.

112

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

113

الفصل الخامس الكلام في مسألة وجوب الفحص و أنّه هل يجوز التمسّك بالعام قبل الفحص عن المخصّص أو لا؟

و البحث فيه يقع في مقامين: المخصّص المتّصل و المخصّص المنفصل، حيث إن المخصّص المتّصل أيضاً داخل في البحث عندنا خلافاً لما ذكر في الكفاية و التهذيب.

المقام الأوّل: في المخصّص المنفصل‏

المشهور على عدم جواز الرجوع إلى العام قبل الفحص عنه و ادّعى عليه الإجماع، وعليه عمل الفقهاء كلّهم (رضوان اللَّه عليهم) في أبواب الفقه، نظير عموم قوله تعالى: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» الذي يحتمل فيه ورود مخصّصات، فلا يستدلّ فقيه به في الموارد المشكوكة قبل الفحص عن تلك المخصّصات، و كذلك قوله تعالى: «وَ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ» (1) إذا شككنا مثلًا في خروج من يكون السفر عمله أو من يكون عاصياً في سفره أو يكون مقيماً للعشرة، فلا يتمسّك بذلك العموم قبل الفحص، إلى غير ذلك من أشباهها.

فأصل وجوب الفحص ممّا لا إشكال فيه، إنّما الكلام في دليله كيما تتحدّد به دائرة الفحص و تتعيّن به مقداره.

فنقول: قد ذكر هنا وجوه أربعة:

الوجه الأوّل: ما ذكره المحقّق الخراساني (رحمه الله) في الكفاية و تبعه كثير من الأعلام، و حاصله:

____________

(1) سورة النساء: الآية 101.

114

إنّ مدرك حجّية أصالة العموم هو بناء العقلاء على العمل بها، و لم يثبت بنائهم عليه فيما إذا كانت العمومات في معرض التخصيص، فلو علموا أنّ أحداً من مواليهم العرفيّة يتّكل كثيراً ما في تخصيص عمومات كلامه على مخصّصات منفصلة لم يعملوا بها بمجرّد الظفر على عام من العمومات الصادرة منه ما لم يتفحّصوا بقدر وسعهم عن المخصّص.

أقول: لا بدّ من توضيح مقصوده و تأويل كلامه بأن نقول: بما أنّ سيرة الشارع و سنّته استقرّت على بيان الأحكام تدريجاً فيعتمد في تخصيص عمومات كلامه على مخصّصات منفصلة بحيث تكون عمومات كلامه في معرض التخصيص فإنّ العقلاء في مثل هذا المورد لا يستقرّ بنائهم على العمل بالعمومات قبل الفحص عن المخصّص، و قد عرفت سابقاً عدم وجود المخصّص المنفصل في المحاورات العرفيّة و أنّ العرف يحملونه على التناقض و التكاذب.

و ذكر في التهذيب أنّ جميع القوانين العقلائيّة كذلك، لكنّه محلّ تأمّل إذ إنّه بعد تسجيل قانون في مجلس التقنين في ثلاثين مادّة و تبصرة مثلًا لا يرى الموظّفون بإجراء القوانين أنفسهم مسئولين عن الفحص عن المخصّص أو المعارض فتأمّل.

فتلخّص ممّا ذكر أنّ قوانين الشرع لكونها في معرض التخصيص كما عليه سنّة الشارع و سيرته لا بدّ فيها من الفحص عن المخصّص.

الوجه الثاني: أنّ العلم الإجمالي بورود مخصّصات كثيرة حاصل لمن لاحظ الكتب الفقهيّة و لا يمكن إجراء الاصول في أطراف العلم الإجمالي.

لكن هذا أخصّ من المدّعى فالمعلوم بالإجمال هو مقدار معيّن فينحلّ بعد الظفر على المخصّصات بذلك المقدار، فإذا انحلّ فمقتضى هذا الوجه أنّ العمل بالعام بعد هذا ممّا لا يحتاج إلى الفحص، و هو كما ترى، لأنّ سيرة الفقهاء جارية على الفحص حتّى في هذه الموارد.

الوجه الثالث: ما ثبت من اعتبار الظنّ الشخصي في حجّية أصالة العموم و هو لا يحصل مع عدم الفحص.

و الجواب عنه أنّ المختار عدم اعتبار الظنّ الشخصي في حجّية الظواهر.

الوجه الرابع: (و هو الدليل الثاني للمحقّق النائيني (رحمه الله) في المقام): ما حاصله: إنّ حجّية العمومات متقوّمة بجريان مقدّمات الحكمة الكاشفة عن عدم دخل قيد آخر في مراد المتكلّم، فإذا علمنا بعد الرجوع إلى الأدلّة الشرعيّة أنّ طريقة الشارع قد استقرّت على إبراز مقاصده‏

115

بالقرائن المنفصلة ينهدم أساس جريان مقدّمات الحكمة و لم تكن تلك العمومات حجّة قبل الفحص عن مخصّصاتها، و بالجملة أنّ من المقدّمات عدم البيان في مقام البيان، و مقام البيان للشارع ليس منحصراً في زمان التكلّم عن العام‏ (1).

و جوابه‏ واضح بعد ما مرّ من أنّ ألفاظ العموم تكفينا في إفادة العموم من دون حاجة إلى جريان مقدّمات الحكمة.

تنبيهان‏

التنبيه الأوّل: في المقدار اللازم من الفحص، و لا ريب في أنّه يختلف باختلاف الوجوه التي اقيمت لأصل لزوم الفحص.

فعلى الوجه الأوّل يجب الفحص في المسألة بمقدار يخرج العام عرفاً عن كونه معرضاً للمخصّصات و عن مظانّ التخصيص.

و على الوجه الثاني (و هو العلم الإجمالي بورود مخصّصات كثيرة) يجب الفحص بمقدار يخرج العام عن أطراف العلم الإجمالي.

و على الوجه الثالث (و هو اعتبار الظنّ الشخصي بالمراد) يجب الفحص إلى أن يحصل الظنّ الشخصي بعدم المخصّص.

و على الوجه الرابع (و هو ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله) يجب الفحص إلى أن يصدق عدم البيان في مقام البيان، و هذا طبعاً يحتاج إلى حصول العلم بعدم ورود المخصّص كما لا يخفى.

التنبيه الثاني: في أنّه هل الفحص عن المخصّص فحص عن المعارض و المانع أو عمّا يتمّ به اقتضاء المقتضي؟ و بعبارة اخرى: أ يكون العموم ناقصاً في الاقتضاء بدون الفحص أو الاقتضاء تامّ، و الكلام في عدم المانع؟ ففيه أيضاً تفصيل بلحاظ اختلاف الوجوه التي استدلّ بها.

فعند القائلين باعتبار الظنّ الشخصي- المقتضي ناقص قبل الفحص لأنّ الظنّ ليس حاصلًا قبل الفحص.

____________

(1) راجع أجود التقريرات: ج 1، ص 487.

116

و عند القائلين بوجود العلم الإجمالي فالمسألة متوقّفة على جريان الاصول العمليّة في أطراف العلم الإجمالي و سقوطها بالتعارض أو عدم جريانها حتّى في بدو الأمر، فإن قلنا بأنّها تجري فتتعارض فالفحص يكون في وجود المانع و هو الأصل المعارض الجاري في طرف آخر، و إن قلنا بعدم جريانها ابتداءً فالنقص في المقتضي.

و أمّا بناءً على مبنى المحقّق النائيني (رحمه الله) فالفحص يكون عن المقتضي، لأنّ مع عدم جريان مقدّمات الحكمة لا ينعقد للعام ظهور و اقتضاء.

و أمّا بناءً على دليل المعرّضيّة فالفحص هو عن وجود المانع و المعارض، لأنّه لا إشكال حينئذٍ في ظهور العام في العموم و دلالته الاستعماليّة.

المقام الثاني: في المخصّص المتّصل‏

قال المحقّق الخراساني (رحمه الله): إنّ الظاهر عدم لزوم الفحص عن المخصّص المتّصل باحتمال أنّه كان و لم يصل، بل حاله حال احتمال قرينة المجاز، و قد اتّفقت كلماتهم على عدم الاعتناء به و لو قبل الفحص.

و قال بعض المحشّين بلزوم الفحص في المتّصل أيضاً إذا كان العام في معرض التخصيص بالمتّصل.

أقول: إنّ ما أفاده المحقّق الخراساني (رحمه الله) في المقام لا يخلو من إبهام، و الحقّ أن يقال: إنّ المخصّص المتّصل يتصوّر على أنحاء:

أحدها: أن نحتمل وجود مخصّص متّصل في الزمن السابق لكن لم ينقله الراوي نسياناً أو عمداً كما إذا كان في الكلام استثناء متّصل (مثل أن قال الإمام (عليه السلام): «يشترط في لباس المصلّي أن يكون طاهراً إلّا فيما لا تتمّ فيه الصّلاة) و لم ينقله الراوي.

ثانيها: أن نحتمل عدم نقل بعض المؤلّفين لجوامع الحديث كصاحب الوسائل الذي كان من دأبه تقطيع الرّوايات فنحتمل وجود قرينة متّصلة في بعض فقرات الرّواية التي لم يذكرها في الباب.

ثالثها: أن نحتمل وجوده في ما يسقط عن الرّواية لبعض العوارض الطبيعية كما إذا فقد

117

بعض أوراق كتاب الحديث و يحتمل وجود مخصّص في تلك الورقة المفقودة.

أمّا القسم الأوّل: فلا يعتنى به بلا إشكال، لأنّه إمّا أن نحتمل عدم نقل الراوي لذلك المخصّص تعمّداً، فهو لا يجتمع مع وثاقة الراوي، و إمّا أن نحتمل عدم نقله نسياناً فأصالة عدم النسيان المعتبرة عند العقلاء كافية في نفيه، و أمّا الحذف عن تقيّة فهو أيضاً خلاف أصل عقلائي لأنّ الأصل في كلّ كلام حمله على الجدّ.

أمّا القسم الثاني: فهو أيضاً لا يعتنى به لأنّه ينافي وثاقة المؤلّف، و احتمال أنّ عدم نقله نشأ من استنباطه الشخصي بكون الذيل منفصلًا و لذلك لم ينقله- لا يعتنى به أيضاً لأنّ غايته أن يكون من قبيل النقل بالمعنى الذي ينشأ من الاجتهاد و الاستنباط الشخصي.

أمّا القسم الثالث: فلا إشكال في أنّ الفحص لازم فيه، كما إذا فقدت ورقة من كتاب وصيّة أو وقف و يحتمل وجود المخصّص في تلك الورقة المفقودة، فلا يعتمد على ذلك الكتاب بدون الفحص عن الباقي، لأنّ للمتكلّم أن يلحق بكلامه ما شاء ما دام متكلّماً فلا يمكن الاعتماد على كلامه قبل إتمامه.

فظهر ممّا ذكر أنّ المقامات في المخصّص المتّصل مختلفة، و لا بدّ فيه من ملاحظة منشأ الشكّ.

تذييل: في لزوم الفحص في موارد الاصول العمليّة

لا إشكال و لا كلام في لزوم الفحص عن الدليل الاجتهادي في الاصول العمليّة إذا كانت الشبهة حكميّة، إنّما الكلام في الفرق بين الموردين، أي بين الفحص عن المخصّص في العمل بالعام و بين الفحص عن الدليل الاجتهادي في جريان الاصول العمليّة.

فقال المحقّق الخراساني (رحمه الله) ما حاصله: الفحص في الأوّل فحص عمّا يزاحم الحجّية، و أمّا في الثاني فبدون الفحص لا حجّة أصلًا لأنّ الموضوع في البراءة العقليّة مثلًا هو اللّابيان، و هو لا يحرز بدون الفحص كي يكون الحكم المترتّب عليه حجّة.

لكن الإنصاف في المسألة هو التفصيل بين أصالة الاحتياط و غيرها من الاصول، و الفرق المذكور إنّما يتمّ في غير الاحتياط، أمّا في البراءة العقليّة منه فلأنّ موضوعها اللّابيان، و هو لا يحرز بدون الفحص كما مرّ، و أمّا البراءة الشرعيّة فلأنّ دليلها و هو حديث الرفع مقيّد بما بعد

118

الفحص إجماعاً كما صرّح به المحقّق الخراساني (رحمه الله)، و أمّا الاستصحاب عند من يقول بحجّيته في الشبهات الحكميّة فلأنّ دليلها إمّا مقيّد بالإجماع كما ذهب إليه المحقّق الخراساني (رحمه الله) أيضاً، أو منصرف إلى ما بعد الفحص كما هو المختار، و كذلك أصالة التخيير لأنّ موضوعها هو دوران الأمر بين المحذورين، و هو لا يصدق عقلًا إلّا بعد الفحص.

هذا كلّه في غير أصالة الاحتياط، و أمّا فيها فالفحص ليس فحصاً عن الحجّة و المقتضي، لأنّ المقتضي فيها هو العلم الإجمالي، و هو تامّ موجود قبل الفحص، و حينئذٍ يكون الفحص عن المانع و عمّا يزاحم الحجّية.

و إن شئت قلت: لا حاجة فيها إلى الفحص لجواز الاحتياط و عدم وجوب الاجتهاد أو التقليد قبل الفحص في جميع الشبهات كما عليه الفتوى.

و بالجملة الفحص فيها ليس واجباً و إنّما يجب للخروج عن الاحتياط بالظفر على الدليل الرافع لموضوعه.

هذا كلّه في الاصول العمليّة، و كذلك في الاصول اللفظيّة، فلا بدّ فيها أيضاً من التفصيل على المباني و الوجوه الأربعة المذكورة للزوم الفحص، فعلى بعض تلك الوجوه يكون الفحص فحصاً عن المقتضي، و على بعضها الآخر يكون فحصاً عن المانع كما مرّ تفصيله في التنبيه الثاني.

119

الفصل السادس الكلام في الخطابات الشفاهيّة

لا شكّ في أنّ هناك عمومات وردت في الكتاب و السنّة على نهج الخطابات الشفاهيّة كقوله تعالى: «ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (1) و قوله: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» (2)، كما لا إشكال أيضاً في أنّها تشمل جميع صيغ التخاطب حتّى صيغ التخاطب من الأوامر و النواهي.

إنّما الإشكال و النزاع يقع فيها في ثلاث مقامات:

المقام الأوّل: في أنّ التكليف الوارد في الخطابات الشفاهيّة هل يصحّ تعلّقه بالمعدومين أو لا؟

المقام الثاني: في توجيه الخطاب إلى‏ المعدومين هل يصحّ حقيقة أو لا؟

المقام الثالث: في أنّ أدوات التخاطب لما ذا وضعت؟

يستفاد من كلمات المحقّق الخراساني (رحمه الله) جريان النزاع في جميع الثلاثة، و صرّح في هامش أجود التقريرات بأنّه جارٍ في خصوص المقام الثالث، و الحقّ هو الأوّل، فالنزاع جارٍ في جميع المقامات بل لا معنى للبحث عن المقام الثالث بدون البحث عن المقام الأوّل و الثاني.

أمّا المقام الأوّل: ففصّل المحقّق الخراساني (رحمه الله) فيه بين ما إذا كان التكليف فعلياً فلا يمكن حينئذٍ تكليف المعدوم عقلًا، و بين ما إذا كان التكليف إنشائيّاً فيجوز، لأنّ الإنشاء خفيف المئونة نظير إنشاء الوقف على البطون المتعدّدة، فإنّ المعدوم منهم يصير مالكاً للعين الموقوفة بعد وجوده، بإنشاء الواقف حين ما وقف، لا بانتقال العين إليه من البطن السابق.

____________

(1) سورة المائدة: الآية 1.

(2) سورة البقرة: الآية 183.

120

لكن الإنصاف أنّه غير تامّ، لأنّه إن كان المراد من المعدوم المعدوم بما هو هو فلا معنى للتكليف لا فعلياً و لا إنشائيّاً، و إن كان المراد المعدوم بما سوف يوجد، أي على فرض وجوده و على نهج القضيّة الحقيقيّة فالتكليف ممكن، إلّا أنّه لا فرق حينئذٍ بين الفعلي و الإنشائي، و إن شئت قلت: التكليف حينئذٍ فعلي و لكن في فرض وجود موضوعه كما في القضايا الشرطيّة.

أمّا المقام الثاني: و هو جواز مخاطبة المعدومين و عدمه فذهب المحقّق الخراساني (رحمه الله) إلى عدمه و قال ما حاصله: أنّه لا ريب في عدم صحّة خطاب الغائب عن مجلس الخطاب بل الحاضر غير الملتفت فضلًا عن الغائب و المعدوم على وجه الحقيقة، فإنّ الخطاب الحقيقي عبارة عن توجيه الكلام نحو الغير للإفهام، و من المعلوم أنّ ذلك ممّا لا يتحقّق إلّا إذا كان توجيه الكلام إلى الحاضر الملتفت.

لكن الإنصاف أنّ ما قلنا في المقام الأوّل جارٍ هنا أيضاً حيث نقول: إن كان المراد مخاطبة المعدوم بلحاظ حال العدم فلا يجوز قطعاً، و أمّا إذا كان بلحاظ الوجود فلا إشكال فيه، لأنّ حقيقة الخطاب توجيهه نحو الغير مع الايصال إليه بأيّ وسيلة كانت سواء كان الغير حاضراً أو غائباً، و ليست حقيقته المشافهة حتّى يختصّ جوازه بالحاضر في المجلس، و لذلك تكتب الرسائل و يخاطب فيها الغائب أو تكتب الوصيّة للجيل اللاحق و هم مخاطبون فيها، كما ورد في وصيّة أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «اوصيكما و جميع ولدي و من بلغه كتابي هذا بتقوى اللَّه و نظم أمركم» (1)، إلى غير ذلك من أشباهها و نظائرها.

فتلخّص أنّ حقيقة التخاطب هو توجيه الخطاب نحو الغير لا التشافه و الحضور، و هذا يصدق بالنسبة إلى المعدوم بلحاظ زمن وجوده أيضاً.

أمّا المقام الثالث: فالنزاع فيه عند المحقّق الخراساني (رحمه الله) مسبّب عن أنّ أدوات الخطاب هل هي موضوعة للخطاب مع المخاطب الحقيقي كي نقول باختصاصها بالحاضرين و عدم شمولها للمعدومين لئلّا يلزم استعمال الأداة في غير ما وضعت له، أو موضوعة لإنشاء مطلق التخاطب و لايقاع مجرّد المخاطبة سواء كان مع المخاطب الحقيقي أو التنزيلي فتكون شاملة للمعدومين أيضاً و قد مرّ نظيره في مبحث الأوامر بالنسبة إلى صيغة الأمر و هل هي موضوعة

____________

(1) نهج البلاغة: كتاب 47.

121

للطلب الحقيقي أو لإنشاء مطلق الطلب و لو لم يكن بداعي الطلب الحقيقي كما إذا صدر بداعي التعجيز أو التهديد؟

و استدلّ لوضعها لإنشاء مطلق التخاطب بوجهين:

أحدهما: أنّه كذلك في أشباهها و نظائرها كأداة النداء و ضمائر التخاطب فإنّها موضوعة لإنشاء مطلق التخاطب و لايقاع مجرّد المخاطبة سواء كان مع المخاطب الحقيقي أو التنزيلي.

الثاني: أنّ الوجدان حاكم على أنّ في مثل «يا كوكباً ما كان أقصر عمره» الذي ليس المخاطب فيه حقيقيّاً لعدم كونه حاضراً ملتفتاً- ليس هناك تجوّز في أداة الخطاب أصلًا بل هي مستعملة في معناها الحقيقي من إنشاء النداء و الخطاب، فليس فيها عناية و لا مجاز بالنسبة إلى أداة الخطاب، ثمّ قال ما حاصله: أنّ هذا كلّه فيما إذا لم تكن قرينة في البين توجب الانصراف إلى الخطاب الحقيقي كما هو الحال في حروف الاستفهام و الترجّي و التمنّي و غيرها، و في نهاية الأمر قال ما حاصله: أنّ هذا الظهور الانصرافي ناشٍ عن عدم قرينة تمنع عن الانصراف المزبور، و إلّا إذا كان هناك ما يمنع عن الانصراف إلى المعاني الحقيقيّة كما يمكن دعوى وجوده غالباً في كلام الشارع فلا تختصّ هذه الأداة بالخطاب الحقيقي.

أقول: يرد عليه:

أوّلًا: أنّه قال: إن كان الموضوع له هو الخطاب الحقيقي فلا يشمل المعدومين، بينما لا إشكال في الشمول على فرض الوجود كما مرّ.

ثانياً: أنّه قال: إن كان الموضوع له هو الخطاب الإنشائي فيشمل المعدومين، بينما لا إشكال أيضاً في عدم الشمول على فرض العدم.

ثالثاً: لو فرضنا عدم شمول الخطاب للمعدومين فلا ضير فيه، لأنّه لا ريب في شمول التكليف لهم لوجود أدلّة الاشتراك في التكليف، و لا حاجة في ثبوت التكليف إلى توجيه الخطاب إليهم و لا ملازمة بين الأمرين.

ثمّ إنّ المحقّق النائيني (رحمه الله) قال: إنّ القضايا الخارجيّة مختصّة بالمشافهين و لا تشمل الغائبين و المعدومين، و أمّا القضايا الحقيقيّة فالظاهر أنّ الخطابات فيها عامّة.

و استدلّ له بأنّ توجيه الخطاب إلى الغائب لا يحتاج إلى أكثر من تنزيله منزلة الحاضر، و كذلك بالنسبة إلى المعدوم فينزّل منزلة الموجود، ثمّ قال: هذا المعنى هو مقتضى طبيعة القضيّة الحقيقيّة.

122

و أورد عليه في حاشية الأجود بأنّ مجرّد الوجود لا يكفي في الخطابات المشافهة بل تحتاج إلى فرض الحضور أيضاً و القضايا الحقيقيّة تفرض لنا الوجود فقط.

ثمّ حاول لحلّ الإشكال، فذهب إلى ما بنى عليه المحقّق الخراساني (رحمه الله) من أنّ الأدوات وضعت للخطاب الإنشائي، ثمّ قال في آخر كلامه ما حاصله: هذا إذا قلنا أنّ الخطابات القرآنية خطابات من اللَّه بلسان النبي (صلى الله عليه و آله)، أمّا إذا قلنا أنّها نزلت عليه قبل قراءته يكون هذا النزاع باطلًا من أصله لعدم وجود مخاطب غير النبي (صلى الله عليه و آله) في ذلك الزمان‏ (1).

أقول: الظاهر أنّ إشكاله على المحقّق المذكور غير وارد لما سيأتي، مضافاً إلى‏ أنّ الكلام هو في المنهج الذي سلكه لحلّ الإشكال، لأنّ قوله: إنّ الأدوات وضعت للخطاب الإنشائي تبعاً للمحقّق الخراساني (رحمه الله) يستلزم عدم كون الخطابات القرآنيّة بداعي الخطاب الحقيقي، و هو خلاف الوجدان و خلاف بعض الرّوايات الواردة لبيان آداب التلاوة نظير ما ورد لاستحباب ذكر «لبّيك» بعد تلاوة خطاب «يا أيّها الذين آمنوا»، هذا أوّلًا.

ثانياً: بالنسبة إلى قوله: «إن قلنا أنّ الخطابات القرآنية نزلت على النبي قبل قراءته» (إلى آخره): أنّه لا ريب في أنّها نزلت عليه قبل قراءته، فلا ينبغي التعليق و الترديد فيه بقوله «إن قلنا»، لكن هذا لا يلازم بطلان النزاع من رأسه، لأنّها و إن نزلت قبل قراءته (صلى الله عليه و آله) لكنّه (صلى الله عليه و آله) خليفة اللَّه في مخاطبة الناس فيخاطبهم بلسان الباري تعالى.

و الإشكال الأساسي في كلمات هؤلاء الأعلام أنّهم تسالموا على وجود الملازمة بين خطاب المشافهة و الحضور و أنّ الحضور لازم فيها، بينما قلنا أنّ حقيقة الخطاب هي توجيه الكلام نحو الغير مع الإيصال إليه بأيّ وسيلة.

ثمّ إنّه قد حاول في تهذيب الاصول تحليل القضيّة الحقيقيّة و الخارجيّة، و قال: «إنّ هذا التقسيم للقضايا الكلّية، و أمّا الشخصيّة مثل «زيد قائم» ممّا لا تعتبر في العلوم فخارجة عن المقسم، فقد يكون الحكم في القضايا الكلّية على الأفراد الموجودة للعنوان بحيث لا ينطبق إلّا عليها مثل «كلّ عالم موجود في حال كذا» أو «كلّ من في هذا العسكر كذا» و أمّا القضيّة الحقيقيّة فهي ما يكون الحكم فيها على أفراد الطبيعة القابلة للصدق على الموجود في الحال‏

____________

(1) راجع أجود التقريرات: ج 1، ص 491.

123

و غيره مثل «كلّ نار حارّة» فلفظ «نار» تدلّ على نفس الطبيعة و هي قابلة للصدق على كلّ فرد لا بمعنى وضعها للأفراد و لا بمعنى كونها حاكية عنها أو كون الطبيعة حاكية عنها بل بمعنى دلالتها على الطبيعة القابلة للصدق على الافراد الموجودة و ما سيوجد في ظرف الوجود، (إلى أن قال): فكلّ نار حارّة إخبار عن مصاديق النار دلالة تصديقية، و المعدوم ليس مصداقاً للنار و لا لشي‏ء آخر، كما أنّ الموجود الذهني ليس ناراً بالحمل الشائع، فينحصر الصدق على الأفراد الموجودة في ظرف وجودها من غير أن يكون الوجود قيداً، أو أن يفرض للمعدوم وجود أو ينزل منزلة الوجود و من غير أن تكون القضيّة متضمّنة للشرط كما تمور بها الألسن موراً» (1).

أقول: و يمكن المناقشة فيه:

أوّلًا: بأنّا لا نفهم معناً محصّلًا لقوله «فينحصر الصدق على الأفراد الموجودة في ظرف وجودها من غير أن يكون الوجود قيداً» لأنّ هذا أيضاً يساوق كون الوجود قيداً، فإن الحارّة مثلًا في مثال «النار حارّة» إنّما هي النار الموجودة في الخارج لا النار بدون الوجود و لا النار الموجودة في الذهن، نعم إنّ ما أفاده جارٍ في مثل «الأربعة زوج».

ثانياً: لو لم يكن الوجود قيداً فنسأل: هل تكون القضيّة شاملة للمعدومين أو لا؟ فإن لم تكن شاملة لهم فالقضيّة خارجيّة لا حقيقيّة، و إن كانت شاملة فيعلم أنّه فرض للمعدوم وجود، و قد مرّ أنّ حقيقة القضيّة الشرطيّة هو فرض الوجود، و على كلّ حال: القضيّة الحقيقيّة هي ما يكون الوجود قيداً فيها، غاية الأمر أنّه أعمّ من الوجود التقديري و الوجود الفعلي.

ثمّ إنّه في ما سبق أنكر الانحلال في القضايا الكلّية القانونيّة و قد أوردنا عليه بالنقض بالعموم الافرادي، لكن في المقام له كلام صرّح فيه بالانحلال و إليك نصّه: «و ليعلم أنّ الحكم في الحقيقة على الأفراد بالوجه الإجمالي و هو عنوان كلّ فرد أو جميع الأفراد، فالحكم في المحصورة على أفراد الطبيعة بنحو الإجمال على نفس الطبيعة و لكن على الأفراد تفصيلًا» (2).

فقد صرّح في هذا الكلام بأنّ الحكم في المحصورة يتعلّق بالمصاديق و الأفراد، بينما قد مرّ منه سابقاً أنّ الحكم في القضايا القانونيّة يتعلّق بالطبيعة فقط.

____________

(1) تهذيب الاصول: ج 2، ص 42- 43، طبع مهر.

(2) المصدر السابق: ص 43- 44، طبع مهر.

124

فظهر ممّا ذكرنا عدم تماميّة تفصيل المحقّق النائيني (رحمه الله) في الخطابات الشفاهيّة بين القضايا الحقيقيّة و الخارجيّة بأنّ الاولى تشمل الغائب و المعدوم و الثانية لا تشملهما، لأنّ حقيقة الخطاب و هي توجيه الكلام إلى الغير موجودة في كلتا القضيتين، و قد ردّ تفصيله في تهذيب الاصول بعد ذكر مقدّمات فكلامه تامّ من هذه الجهة.

هذا كلّه في التفصيل بين القضايا الخارجيّة و الحقيقيّة.

و هنا تفصيل آخر و هو بين الخطابات الإلهية و غير الإلهية، ببيان أنّ الاولى شاملة للغائبين و المعدومين، لأنّ اللَّه محيط بكلّ شي‏ء و كلّ شي‏ء حاضر عنده بخلاف الثانية.

و أجاب عنه المحقّق الخراساني (رحمه الله) بأنّه يعتبر في الخطاب ثلاثة أشياء: المخاطب (بالكسر) و المخاطب (بالفتح) و أداة الخطاب، و في الخطابات الإلهية و إن لم يكن نقص بالنسبة إلى الأمر الأوّل، أي المخاطب (بالكسر) و لكنّه موجود بالنسبة إلى الأمر الثاني و الثالث.

و للمحقّق الأصفهاني (رحمه الله) هنا تفصيل في هذا التفصيل، و هو أنّ الخطابات الإلهيّة تشمل الغائبين دون المعدومين، و أمّا الخطابات البشريّة فلا تشمل المعدومين و الغائبين معاً، و الدليل هو إحاطته تعالى بالغائبين، و أمّا عدم حضورهم و عدم فهمهم لخطابه فلا ضير فيه بل اللازم هو نوع اجتماع بين المخاطِب و المخاطَب إمّا في مكان واحد أو بحكمه أو الإحاطة الإلهية (1).

أقول: هنا مطلبان:

الأوّل: أنّه لا بدّ في صحّة الخطاب و كونه حقيقياً الإفهام و الانفهام و لو في ظرف وصوله (و إلّا يكون إنشائيّاً) من دون الفرق بين الخطابات الإلهية و غيرها، و الحاكم بهذا هو العرف و الوجدان.

الثاني: في المقصود من إحاطة اللَّه بالمعدومين: فقد قرّر في محلّه أنّ عدم علمه بالمعدومين يوجب النقص في ذاته تبارك و تعالى عن ذلك و لكن قد يستشكل بأنّ علمه بهم إمّا أن يكون حصولياً و ارتسامياً أو يكون حضوريّاً، و الأوّل محال لاستلزامه الارتسام في ذاته، مضافاً إلى أنّه لا إشكال في أنّ علمه بالأشياء يكون بذاتها لا بصورتها، و إن كان حضوريّاً فلا يشمل المعدومين لأنّهم ليسوا موجودين حتّى يكونوا حاضرين عنده تعالى.

____________

(1) راجع نهاية الدراية: ج 1، ص 347.

125

و للجواب عنه كما بيّناه في محلّه طريقان:

الأوّل: ما ذهب إليه بعض الحكماء من أنّ اللَّه تعالى عالم بالعلّة، و العلم بالعلّة علم إجمالي بالنسبة إلى المعلول و هو كشف تفصيلي في نفس الوقت.

توضيح ذلك: أنّ الحوادث التي تتحقّق في المستقبل ليست منفكّة عن حوادث الحال و الماضي فإنّها سلسلة متّصلة بعضها ببعض، فلو علمنا بحوادث الحال كما هو حقّها و بجميع جزئياتها فقد علمنا حوادث الماضي و المستقبل أيضاً في نفس الوقت، و بما أن علمه تعالى بالأشياء يكون هكذا فهو عالم بالموجودين في الحال و المعدومين في الماضي و المستقبل جميعاً.

الثاني: (و قد يصعب تصوّره على بعض) أن نقول: أنّ تقسيم الزمان إلى الحال و الماضي و المستقبل إنّما هو بالنسبة إلى الممكنات، و أمّا بالنسبة إلى ذاته تعالى الذي لا حدّ و لا نهاية له فجميع الموجودات في الماضي و المستقبل و الحال سواء عنده، حاضرة لديه بأعيانها لكن كلّ في ظرفه الخاصّ، فموسى (عليه السلام) مثلًا حاضر عنده في ظرفه و زمانه الخاصّ كما أنّ عيسى (عليه السلام) أيضاً حاضر عنده في ظرفه الخاصّ، و أهل الجنّة و الجحيم حاضرون عنده في ظرفهما، فلا شي‏ء من هذه معدوم عنده تعالى بل المعدوم معدوم بالنسبة إلى زمان الحال.

و بعبارة اخرى: أنّ الزمان بمنزلة شريط يتحرّك الإنسان عليه فعلى أي جزء منه كان فهو حال بالنسبة إليه و الجزء السابق عليه ماضٍ و الجزء اللاحق مستقبل، و أمّا الذي يكون محيطاً بجميع الشريط من أوّله إلى آخره فالحال و الماضي و المستقبل عنده سواء.

و قد يذكر لهذا مثال آخر و هو أنّ من يتصوّر للزمان حالًا و ماضياً و مستقبلًا مثله مثل من ينظر من منفذ بيت إلى قطار من الإبل خارج البيت، فحيث إنّه يرى في كلّ لحظة من الزمان بعض هذه الجمال يتصوّر له القبل و البعد، و أمّا من يكون فوق البيت مثلًا و يرى جميع القطار في لحظة واحدة فلا معنى لهذا التقسيم بالنسبة إليه.

فبأحد هذين الطريقين يثبت حضور المعدومين عند اللَّه تعالى، و لكن مع ذلك لا يثبت بهذه المحاولات إمكان تفهيم المعدومين من طرق الخطابات المشافهة المتعارفة، و بهذا يظهر أنّه لا وجه للتفصيل بين الخطابات الإلهية و غيرها.

126

تنبيه في ثمرة المسألة:

و قد ذكر لها ثمرتان، و ينبغي قبل بيانهما الإشارة إلى أنّ الثمرة في هذه المسألة لا تظهر بالإضافة إلى التكاليف التي صدرت من الشارع بغير أداة الخطاب لكفاية أدلّة اشتراك التكليف فيها بعد عدم اختصاصها بالموجودين في عصر النبي (صلى الله عليه و آله).

الثمرة الاولى: حجّية ظهور الخطابات المشافهة للغائبين و المعدومين كالمشافهين على القول بالتعميم، و إلّا فلا يكون ذلك حجّة بالنسبة إليهم، و هي مبنيّة على صغرى و كبرى، أمّا الكبرى فهي اختصاص حجّية الظواهر بمن قصد إفهامه، و أمّا الصغرى فهي أنّ غير المشافهين ليسوا مقصودين بالإفهام.

و الأكثر استشكلوا على الكبرى فقط، و لكن يمكن الإشكال أيضاً على الصغرى.

أمّا الإشكال‏ على الكبرى فهو أنّه مبني على اختصاص حجّية الظواهر بالمقصودين بالإفهام و قد حقّق في محلّه عدم الاختصاص بهم، و سيأتي بيانه في محلّه إن شاء اللَّه تعالى.

و أمّا الإشكال‏ على الصغرى فهو أنّ الملازمة بين التخاطب و المقصوديّة بالإفهام ممنوع بل الظاهر أنّ الناس كلّهم إلى يوم القيامة مقصودون بالإفهام و إن لم يعمّهم الخطاب.

أقول‏: و هذا أشبه شي‏ء بالنداءات التي تطبع في الصحف التي يكون المخاطب فيها شخص أو أشخاص معيّنين مع أنّ المقصود بالإفهام فيها جميع الناس، بل قد يتّفق عدم كون المخاطب مقصوداً و يكون المقصود غير المخاطب من باب «إيّاك أعني و اسمعي يا جارة». فتلخّص من جميع ذلك عدم تماميّة هذه الثمرة.

لكن يمكن توجيه هذه الثمرة من حيث الصغرى و الكبرى، أمّا الكبرى‏ فلأنّ وظيفة المتكلّم إنّما هي إقامة القرائن للمقصودين بالإفهام فقط و ليس من وظيفته إقامتها لمن لم يقصد إفهامه، و حينئذٍ لو احتملنا (احتمالًا عقلائياً) وجود قرينة في البين قد ذكرها المتكلّم للمقصودين بالإفهام و لم تصل إلى غيرهم كما إذا قال المتكلّم مثلًا: «اشتر لي جنساً من الأجناس الموجودة في السوق الفلاني» و احتملنا وجود قرينة في البين قد فقدت و كانت دالّة على أنّ مراد المتكلّم جنس خاصّ من تلك الأجناس، فحينئذٍ يشكل القول بحجّية كلامه و جواز التمسّك بإطلاقه لغير المقصودين بالإفهام مشكل جدّاً.

نعم، لو لم يكن هناك قرينة في البين أخذ بظهوره كلّ من وصل إليه كما يحكى ذلك في قضية

127

كتاب كتبه عثمان لعامله في مصر و أشار إلى قتل الذين أتوا بالكتاب، فإنّ المخاطب و إن كان هو العامل فقط و لكنّهم لمّا فتحوا الكتاب و شاهدوا ما كتبه رجعوا إليه و وقع ما وقع، و لم يقل أحد منهم أنّ ظهور الكتاب ليس حجّة بالنسبة إليهم للعلم بعدم وجود قرينة هناك.

أمّا الصغرى‏ فلأنّا و إن وافقنا على وجود خطابات كثيرة (بل أكثر الخطابات الشرعيّة) يكون غير المخاطبين فيها أيضاً مقصودين بالإفهام لكن إثباته في جميع موارد الأدلّة الشرعيّة مشكل (و إن كان جميع الخطابات القرآنيّة هكذا بلا إشكال) فإنّ في الرّوايات الواردة من ناحية النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) توجد موارد كثيرة التي يحتمل فيها كون المقصود بالإفهام خصوص المخاطبين كالروايات وردت بصيغة «يا أصحابي» مثلًا.

فظهر ممّا ذكرنا ثبوت الملازمة بين الخطاب قصد الإفهام بنحو الموجبة الجزئيّة، فلو قلنا بعدم شمول الخطابات الشرعيّة لغير المشافهين يشكل إثبات كون غير المشافهين مقصودين بالإفهام في جميع الموارد، و يستلزم عدم حجّية بعض الخطابات بالنسبة إليهم.

الثمرة الثانية: صحّة التمسّك بإطلاقات الخطابات القرآنيّة و شبهها بناءً على التعميم، و عدمها بناءً على عدمه.

توضيح ذلك: إن قلنا بشمول الخطابات للمعدومين جاز لهم التمسّك بإطلاقات الكتاب نحو إطلاق قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» مثلًا مطلقاً و إن كان غير المشافهين مخالفين في الصنف مع المشافهين، كما أنّ التمسّك بها كذلك جائز للموجودين، و إن قلنا بعدم شمولها لهم فلا يجوز لهم التمسّك بها أصلًا، فإنّ التمسّك بالإطلاق فرع توجّه الخطاب، فإذا لم يتمسّك بالإطلاق فلا يبقى في البين سوى دليل الاشتراك، و لا دليل على الاشتراك إلّا الإجماع و هو دليل لبّي لا إطلاق له، فلا يثبت به الحكم إلّا القدر المتيقّن منه، و هو موارد اتّحاد الصنف، و حيث لا اتّحاد في الصنف للمعدومين في فرض الكلام فلا دليل على الحكم أصلًا، كما إذا احتملنا دخالة حضور الإمام المبسوط اليد في وجوب صلاة الجمعة، فلا يمكن التمسّك بإطلاق قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ» لإثبات وجوبها في زمن الغيبة لعدم اتّحادهم مع المشافهين في الصنف.

و أجاب عن هذه الثمرة المحقّق الخراساني (رحمه الله) في الكفاية بما حاصله: أنّ مع عدم عموم الخطاب للمعدومين و إن لم يصحّ لهم التمسّك بإطلاقه لرفع دخالة ما شكّ في دخله ممّا كان‏

128

المعدومون فاقدين له و كان المشافهون واجدين له، و لكن صحّ التمسّك بإطلاقه لرفع دخالته في حقّ المشافهين قطعاً بأن يقال: إنّ صلاة الجمعة مثلًا واجبة عليهم مطلقاً سواء كانوا حاضرين في زمان الإمام المبسوط اليد و واجدين لشرط الحضور و الاتّحاد في الصنف أم صاروا فاقدين له بالخروج عن حوزة الحكومة الإسلاميّة كالذين هاجروا إلى الحبشة مثلًا أو بفوت الإمام المبسوط اليد و الانتقال إلى الفترة الفاقدة لحكومة العدل بعد النبي (صلى الله عليه و آله)، و حينئذٍ إذا ثبت عدم دخل القيد في حقّهم بالإطلاق ثبت في حقّ المعدومين بدليل الاشتراك، فالفرق بين عموم الخطاب للمعدومين و عدمه إنّما هو في الحاجة إلى ضمّ دليل الاشتراك و عدمها، فإن كان الخطاب يعمّ المعدومين فلا حاجة إلى ضمّ دليل الاشتراك بل يتمسّكون بالإطلاق ابتداءً، و إن لم يكن الخطاب عاماً لهم لا بدّ من ضمّ دليل الاشتراك حيث إن التمسّك بالإطلاق يكون حينئذٍ في حقّ المشافهين فقط، فيسري إلى غيرهم بدليل الاشتراك و هو الإجماع.

و يمكن الإيراد على كلامه بأنّ هذا يتمّ في الأوصاف المفارقة، و أمّا الأوصاف الملازمة (كصفة العربيّة إذا احتملت دخالتها) فلا يتصوّر التمسّك بالإطلاق بالنسبة إليها للمشافهين لكي يثبت اتّحاد المعدومين معهم، و حينئذٍ يرتفع الإشكال عن الثمرة بحذافيرها.

و لكن يمكن الجواب عنه بأنّ وجود صفة ملازمة تحتمل دخالتها في الحكم ممنوع.

أقول: نعم يرد عليه مع ذلك:

أوّلًا: أنّ التمسّك بالإطلاق للمشافهين يكون فرع حجّية الظواهر لمن لم يقصد إفهامه كما هو مبنى المحقّق الخراساني (رحمه الله)، أمّا بناءً على ما اخترناه من اختصاصها بمن قصد إفهامه فلا يجوز التمسّك بالإطلاق للمشافهين أيضاً لأنّه يمكن إثبات التكليف لهم من طريق قرائن موجودة في البين، فالخطاب من البداية ليس مطلقاً لكي يجوز التمسّك بإطلاقه، و ليس من وظيفة المتكلّم إقامة القرينة لمن لم يقصد إفهامه لكي تنتقل إلينا فنثبت من ناحيتها ثبوت الحكم لنا، وعليه فلا يكون الإطلاق كاشفاً عن عدم دخل القيد المشكوك دخله في الحكم، لمكان احتمال الدخل فيه و أنّ الإطلاق يكون من جهة الاتّكال على حصوله للمقصودين.

و ثانياً: أنّه يمكن وجود احتمال دخل صفة ملازمة في الحكم كالعربيّة، بأن يقال مثلًا: كون المشافهين من العرب لعلّه كان سبباً لعدم جواز القنوت بغير العربيّة لهم، و حينئذٍ لا يمكن التمسّك بالإطلاق لإثبات الحكم بالنسبة لنا أيضاً بدليل الاشتراك، للزوم هذا الوصف و عدم انفكاكه عنهم.

129

بقي هنا شي‏ء:

و هو ما أفاده في التهذيب و إليك نصّ كلامه: «يمكن أن يقال بظهور الثمرة في التمسّك بالآية لإثبات وجوب صلاة الجمعة علينا، فلو احتملنا أنّ وجود الإمام و حضوره شرط لوجوبها أو جوازها يدفعه أصالة الإطلاق في الآية على القول بالتعميم، و لو كان شرطاً كان عليه البيان، و أمّا لو قلنا باختصاصه بالمشافهين أو الحاضرين في زمن الخطاب لما كان يضرّ الإطلاق بالمقصود و عدم ذكر شرطيّة الإمام أصلًا، لتحقّق الشرط و هو حضوره (عليه السلام) إلى آخر أعمار الحاضرين ضرورة عدم بقائهم إلى غيبة ولي العصر (عج) فتذكّر (1).

أقول: لكن قد ظهر ممّا ذكرنا:

أوّلًا: أنّ المراد من قيد الحضور في صلاة الجمعة إنّما هو حضور الإمام المبسوط اليد فلم يتحقّق الشرط في الخارج إلّا لعشر سنوات من عصر النبي (صلى الله عليه و آله) و خمس سنوات من عصر الوصي (عليه السلام).

ثانياً: بالنسبة إلى زمان الرسول أيضاً يتصوّر مفارقة هذه الصفة بالنسبة إلى بعض المشافهين، و هم الذين خرجوا من حوزة الحكومة الإسلاميّة و عاشوا في غير بلاد الإسلام كالذين هاجروا إلى الحبشة مثلًا.

____________

(1) تهذيب الاصول: ج 2، ص 50، طبع مهر.

130

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

131

الفصل السابع الكلام فيما إذا تعقّب العام ضمير يرجع إلى البعض‏

إذا تعقّب العام ضمير يرجع إلى بعضه، فهل يوجب ذلك تخصيصه أو لا؟

و قد اشتهر التمثيل لذلك بقوله تعالى في سورة البقرة (228) «وَ الْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَ لَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الآخِرِ وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ» (الآية) فالضمير في بعولتهنّ راجع إلى خصوص الرجعيات من المطلّقات لا إلى المطلّقات مطلقاً، فهل عود الضمير إلى بعض أفراد المطلّقات ممّا يوجب تخصيصها به و يكون المراد منها هو خصوص الرجعيّات فيختصّ التربّص بهنّ فقط، أو لا يوجب ذلك بل المراد منها مطلق المطلّقات، و بعبارة اخرى: هل نأخذ بأصالة العموم فلا يوجب إرجاع الضمير إلى البعض تخصيص المطلّقات، أو نأخذ بأصالة عدم الاستخدام فيكون إرجاعه إلى البعض موجباً للتخصيص؟ ففيه: أقوال و ذكر المحقّق النائيني (رحمه الله) في المقام ثلاثة أقوال، و للمحقّق الخراساني (رحمه الله) هنا قول بالتفصيل لو أخذناه قولًا آخر تكون الأقوال في المسألة أربعة.

أوّلها: تقديم أصالة العموم و الالتزام بالاستخدام.

ثانيها: تقديم أصالة عدم الاستخدام و الالتزام بالتخصيص.

ثالثها: عدم جريان كليهما، أمّا أصالة عدم الاستخدام فلاختصاص مورد جريانها بما إذا كان الشكّ في المراد، فلا تجري فيما إذا شكّ في كيفية الإرادة مع القطع بنفس المراد كما هو الحال في جميع الاصول اللفظيّة، و أمّا عدم جريان أصالة العموم فلاكتناف الكلام بما يصلح للقرينة، فيسقط كلا الأصلين عن درجة الاعتبار.

و رابعها: ما يظهر عن المحقّق الخراساني (رحمه الله) حيث قال: و ليكن محلّ الخلاف ما إذا وقع العام و الضمير العائد إلى بعض أفراده في كلامين أو في كلام واحد مع استقلال العام بحكم يختصّ به‏

132

كما في الآية الشريفة، و أمّا إذا كانا في كلام واحد و كانا محكومين بحكم واحد كما لو قيل:

«و المطلّقات أزواجهنّ أحقّ بردهنّ» فلا ينبغي الريب في تخصيص العام به.

أقول: الظاهر أنّ هذا من قبيل توضيح الواضح و إخراج ما لا يتصوّر النزاع فيه عن محلّ النزاع، لأنّ محلّ الخلاف ما إذا كان في البين حكمان: أحدهما عام و الآخر خاصّ، و أمّا إذا كان الحكم واحداً كما في المثال الذي ذكره (و المطلّقات أزواجهنّ أحقّ بردهنّ) فلا يعقل النزاع حينئذٍ كما لا يخفى، هذا أوّلًا.

و ثانياً: لا يتصوّر النزاع أيضاً فيما إذا وقع العام و الضمير في كلامين بل لا بدّ من كونهما في كلام واحد، لأنّه إذا جي‏ء بالعام في كلام و اريد أن يؤتى بالخاص بعد ساعة مثلًا في كلام مستقلّ فلا وجه بل لا معنى لإتيانه بالضمير، بل يؤتى على القاعدة بالاسم الظاهر كما لا يخفى، و لو استعمل الضمير حينئذٍ كان المرجع فيه ما ثبت في الذهن لا الكلام المنفصل عنه.

ثمّ إنّ مختار المحقّق الخراساني (رحمه الله) تقديم أصالة العموم على أصالة عدم الاستخدام، و بعبارة اخرى: ترجيح أصالة الظهور في طرف العام على أصالة الظهور في طرف الضمير، و السرّ فيه ما اشير إليه من أنّ المتيقّن من بناء العقلاء الذي هو مدرك أصالة الظهور هو اتّباعها في تعيين المراد لا في تعيين كيفية الإرادة و الاستعمال بعد ظهور المراد، و المراد في طرف العام غير معلوم، إذ لم يعلم أنّه اريد منه العموم أو اريد منه الخصوص فتكون أصالة الظهور حجّة فيه، بخلاف المراد في جانب الضمير فإنّه معلوم على كلّ حال، لأنّ أحقّية الزوج بردهنّ هي للرجعيّات لا محالة، و لكن كيفية الاستعمال مشكوكة، إذ لم يعلم أنّ العام قد اريد منه الخصوص ليكون استعمال الضمير على نحو الحقيقة أو اريد منه العموم و أنّ الضمير قد رجع إلى بعض ما اريد من المرجع بنحو الاستخدام؟ مختار للمحقّق الخراساني (رحمه الله) في المقام هو تقديم أصالة العموم، و قد فصّل بين ما إذا عقد للكلام ظهور في العموم كما إذا كان العام و الضمير في كلامين مستقلّين، و بين ما إذا كان الكلام محفوفاً بما يصلح للقرينيّة فلا ينعقد للعام ظهور في العموم أصلًا كما إذا كان العام و الضمير في كلام واحد، فإنّ أصالة العموم تجري في القسم الأوّل و لا تجري في القسم الثاني بل يصير الكلام فيه مجملًا يرجع في مورد الشكّ إلى الاصول العمليّة، فظهر أنّ المحقّق الخراساني (رحمه الله) يفصّل بين ما إذا كان العام و الضمير في كلامين و ما إذا كانا في كلام واحد.

أقول: بناءً على ما مرّ من أنّ محلّ النزاع هو ما إذا كان العام و الضمير في كلام واحد يرجع‏

133

قول المحقّق في الحقيقة إلى القول الثالث في المسألة، و هو سقوط كلا الأصلين عن الاعتبار، هذا أوّلًا.

و ثانياً: أنّ الآية المباركة و أمثالها خارجة عن محلّ النزاع كما أفاد في تعليقات الأجود (1) لأنّ ما هو المعلوم من الخارج إنّما هو اختصاص الحكم المذكور في الآية المباركة بقسم خاصّ من المطلّقات، و أمّا استعمال الضمير الراجع إلى العام في خصوص ذلك القسم فهو غير معلوم، فلا موجب لرفع اليد عن أصالة العموم أو عن أصالة عدم الاستخدام أصلًا.

ثمّ‏ إنّ المحقّق النائيني (رحمه الله) ذهب أيضاً كالمحقّق الخراساني (رحمه الله) إلى تقديم أصالة العموم، و استدلّ له بثلاثة وجوه:

الوجه الأوّل: أنّ لزوم الاستخدام في ناحية الضمير إنّما يبتني على أن يكون العام المخصّص مجازاً، لأنّه على ذلك يكون للعام معنيان: أحدهما معنى حقيقي، و هو جميع ما يصلح أن ينطبق عليه مدخول أداة العموم، و ثانيهما معنى مجازي و هو الباقي من أفراده بعد تخصيصه، فإذا اريد بالعام معناه الحقيقي و بالضمير الراجع إليه معناه المجازي لزم الاستخدام، و أمّا إذا قلنا بأنّ تخصيص العام لا يستلزم كونه مجازاً كما هو الصحيح فلا يكون للعام إلّا معنى واحد حقيقي، و ليس له معنى آخر حقيقي أو مجازي ليراد بالضمير الراجع إليه معنى مغاير لما اريد من نفسه ليلزم الاستخدام في الكلام.

الوجه الثاني: أنّ الاصول العقلائيّة إنّما تجري عند الشكّ في المراد، و في المقام لا شكّ في المراد من الضمير و أنّ المراد منه المطلّقات الرجعيّات، و بعد العلم بما اريد من الضمير لا تجري أصالة عدم الاستخدام حتّى يلزم التخصيص في ناحية العام.

إن قلت: أنّ أصالة عدم الاستخدام و إن لم تجر بالإضافة إلى نفي الاستخدام في نفسه لعدم ترتّب الأثر عليها بعد معلوميّة المراد كما ذكر إلّا أنّها تجري بالإضافة إلى إثبات لازم عدم الاستخدام، أعني به إرادة الخاصّ من العموم، و نظير المقام ما إذا لاقى البدن ثوباً مثلًا مع الرطوبة ثمّ خرج الثوب عن محلّ الابتلاء و علم بنجاسة ذلك الثوب قبل تحقّق الملاقاة مع الشكّ في عروض المطهّر له إلى حال الملاقاة فإنّه لا ريب في أنّه يحكم بالفعل بنجاسة البدن‏

____________

(1) راجع أجود التقريرات: ج 1، ص 495.

134

الملاقي لذلك الثوب و إن كان نفس الثوب خارجاً عن محلّ الابتلاء أو معدوماً في الخارج فاستصحاب نجاسة الثوب و إن كان لا يجري لأجل التعبّد بنجاسة نفس الثوب لأنّ ما هو خارج عن محلّ الابتلاء أو معدوم في الخارج غير قابل لأن يتعبّد بنجاسته في نفسه، إلّا أنّه يجري باعتبار الأثر اللازم لمجراه أعني به نجاسة البدن في المثال، فكما أنّ الأصل العملي يجري لإثبات ما هو لازم مجراه و إن لم يكن المجري في نفسه قابلًا للتعبّد، كذلك الأصل اللفظي يجري لإثبات لوازم مجراه و إن لم يكن المجري في نفسه مورداً للتعبّد، وعليه فلا مانع من جريان أصالة عدم الاستخدام لإثبات لازم مجريها، أعني به إرادة الخاصّ ممّا يرجع إلى الضمير في محلّ الكلام.

قلت: قياس الأصل اللفظي بالأصل العملي في ما ذكر قياس مع الفارق لأنّ الأصل العملي إنّما يجري لإثبات الآثار الشرعيّة و لو بألف واسطة، بخلاف المقام فإنّ إرادة الخاصّ من العام ليست من آثار عدم الاستخدام شرعاً بل هي من لوازمه عقلًا، و الأصل المثبت و إن كان حجّة في باب الاصول اللفظيّة، إلّا أنّه من الواضح أنّ إثبات لازم عقلي بأصل فرع إثبات ملزومه، فالأصل اللفظي إذا لم يمكن إثبات الملزوم به لم يمكن إثبات لازمه به أيضاً لأنّه فرعه و بتبعه.

الوجه الثالث: أنّ استفادة الرجعيّات في قوله تعالى: «وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ» ليس من نفس الضمير، بل يستفاد ذلك من عقد الحمل و هو قوله تعالى: «أحقّ بردهنّ» حيث إنّه معلوم من الخارج أنّ ما هو الأحقّ بالردّ هو خصوص الرجعيّات، فالضمير لم يرجع إلى الرجعيّات بل رجع إلى نفس المطلّقات و كأنّ استفادة الرجعيّات من عقد الحمل، فيكون من باب تعدّد الدالّ و المدلول، فأين الاستخدام المتوهّم‏ (1)؟ (انتهى).

أقول: و في كلامه مواقع للنظر:

الأوّل: (في جوابه عن قياس الاصول اللفظيّة بالاصول العمليّة في ذيل الوجه الثاني) أنّه لا دخل لكون الأصل في المقام مثبتاً أو غير مثبت و لا حاجة إليه في الجواب، بل العمدة أنّ الاصول اللفظيّة (لكون مجريها هو الشكّ في المراد) لا تجري في أمثال المقام سواء كان لها لازم أو لم يكن، و سواء قلنا بحجّية مثبتات الأمارات أو لم نقل.

____________

(1) راجع الأجود: ج 1، ص 492- 495؛ و فوائد الاصول: ج 1، ص 552- 553.

135

الثاني: (بالنسبة إلى قوله في الوجه الأوّل) أنّه ليس الكلام في كون العام المخصّص مجازاً أو ليس بمجاز، إنّما الكلام في أنّ مقتضى أصالة عدم الاستخدام كون العام مستعملًا في الباقي بحسب الإرادة الاستعماليّة، و بالجملة أصالة الحقيقة في العام و أصالة الحقيقة في الضمير تتعارضان فأيّتهما تقدّم على الاخرى؟

الثالث: (في قوله في الوجه الثالث) أنّه يتمّ و يحلّ الإشكال بالنسبة إلى الضمير الأوّل، و هو الضمير في بعولتهن، و أمّا بالنسبة إلى الضمير الثاني- و هو الضمير في «بردهنّ» فيبقى الإشكال على حاله حيث إن مرجعه أيضاً هو المطلّقات، و إذا كانت الأحقّية مختصّة بالرجعيّات يرجع الضمير بعدها لا محالة إلى خصوص الرجعيّات كما لا يخفى.

ثمّ إنّه لقد أجاد في التهذيب حيث قال: «كلّ من الضمير في قوله تعالى: و بعولتهنّ أحقّ بردهنّ و كذلك المرجع قد استعملا في معانيهما، بمعنى أنّه أطلق المطلّقات و اريد منها جميعها و أطلق لفظة «بردهنّ» و اريد منها تمام أفراد المرجع، ثمّ دلّ الدليل على أنّ الإرادة الاستعماليّة في ناحية الضمير لا توافق الإرادة الجدّية، فخصّص بالبائنات و بقيت الرجعيّات بحسب الجدّ، و حينئذٍ لا معنى لرفع اليد عن ظهور المرجع لكون المخصّص لا يزاحم سوى الضمير دون مرجعه، فرفع اليد عنه رفع عن الحجّة بلا حجّة» (1).

____________

(1) تهذيب الاصول: ج 2، ص 51، طبع مهر.

136

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

137

الفصل الثامن الكلام في تخصيص العام بالمفهوم‏

ينبغي قبل الورود في أصل البحث ذكر تقسيمات وردت في المفهوم، فنقول: إنّه على قسمين:

مفهوم الموافقة، و هو ما كان بينه و بين المنطوق توافق في السلب و الإيجاب، و مفهوم المخالفة، و هو ما كان بينه و بين المنطوق تخالف في السلب و الإيجاب، و أضاف بعض تقسيمين آخرين.

أحدهما: أنّ الموافق‏ تارةً يكون بالأولويّة، و مثاله معروف و هو قوله تعالى: «فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ» الذي مفهومه النهي عن الضرب بطريق أولى، و اخرى‏ يكون بالمساواة نحو «لا تشرب الخمر لأنّه مسكر» الذي يشمل بالمفهوم سائر أفراد المسكر بالمساواة.

ثانيهما: أنّ كلًا من المساواة و الأولويّة أيضاً على قسمين، فالمساواة تارةً تكون من قبيل منصوص العلّة، و اخرى‏ تكون من قبيل مستنبط العلّة، و الأولويّة تارةً عقليّة فتدخل في المفهوم، و اخرى‏ تكون عرفيّة فتدخل في المنطوق، فالمثال المعروف (فلا تقل لهما افّ) حيث إن الأولويّة فيه عرفيّة داخلة في المنطوق لا المفهوم.

لكن يمكن النقاش هنا بوجوه:

الوجه الأوّل: تقسيم مفهوم الموافقة إلى الأولويّة و المساواة لا يكون تامّاً لأنّ منصوص العلّة في المساواة لا ينطبق عليه تعريف المفهوم، لأنّ المفهوم هو حكم غير مذكور، مع أنّ ذكر العلّة في منصوص العلّة نحو «لا تشرب الخمر لأنّه مسكر» يكون بمنزلة الحكم بأنّ كلّ مسكر حرام، و لكنّه حذف و قدّر لوضوحه، فلا يعدّ حكماً غير مذكور. و بعبارة اخرى: الحكم هنا مركّب من صغرى و كبرى، و الصغرى و هو قوله: «لأنّه مسكر» مذكور في الكلام، و أمّا الكبرى و هو قوله: «كلّ مسكر حرام» فحذفت لوضوحها، فهي مقدّره في الكلام، و المقدّر كالمذكور، و لذلك سمّي هذا القسم بمنصوص العلّة، يعني الحكم الذي نصّ بعلّته، و أمّا في مثال‏

138

«فلا تقل لهما افّ» أو «إنّ جاءك زيد فأكرمه» فلم يقل أحد بحذف قضيّة «لا تضرب» أو قضية «إن لم يجئك زيد فلا يجب إكرامه» أو تقديرهما، بل يقال بأنّ القضيتين المنطوقتين تدلّان عليهما بالمفهوم.

الوجه الثاني: أنّ تقسيم المساواة إلى منصوص العلّة و مستنبط العلّة أيضاً تامّ فيما إذا قلنا بحجّية مستنبط العلّة، مع أنّه ليس بحجّة عند الإماميّة، لعدم إمكان استنباط ملاكات الأحكام و عللها، و ما أبعد عقول الرجال عن دين اللَّه كما ورد في الحديث.

إن قلت: فما معنى تنقيح المناط و إلغاء الخصوصيّة في المسائل الفقهيّة كما إذا قيل مثلًا: إن سافرت بين مكّة و المدينة ثمانية فراسخ فقصّر، و نحن نعلم بأنّه لا خصوصيّة لمكّة و المدينة، و نلغي خصوصيتهما و نحكم بوجوب القصر في سائر الأمكنة إذا تحقّق مقدار ثمانية فراسخ، فما الفرق بين هذا و قياس مستنبط العلّة؟

قلت: يكون النظر في القياس المستنبط العلّة إلى علّة الحكم، بينما هو في تنقيح المناط يكون إلى موضوع الحكم، و الفرق بين الموضوع و العلّة واضح حيث إنّ الموضوع هو عنوان مشتمل على جميع ما له دخل في تنجّز التكليف و فعليّته كعنوان المستطيع في وجوب الحجّ، و أمّا العلّة فإنّها داخلة في سلسلة المبادئ و الأغراض، مضافاً إلى أنّ إلغاء الخصوصيّة و تنقيح المناط طريق إلى تعيين دائرة المنطوق و توسعتها و لا ربط له بالمفهوم، فإذا تعدّينا من مورد دليل إلى مورد آخر بالالغاء أو التنقيح و أثبتنا الحكم الثابت في مورد ذلك الدليل لمورد آخر- تعدّ دلالة الدليل حينئذٍ من قبيل المنطوق لا المفهوم كما لا يخفى.

الوجه الثالث: إنّ ما ذكره من الفرق بين الأولويّة القطعيّة و العرفيّة أيضاً غير تامّ، لأنّ الأولويّة سواء كانت عقليّة أو عرفيّة داخلة في المفهوم، و فهم العرف لا ينافي ذلك، لوجود ملاك المفهوم في كلتيهما، حيث إن الملاك هو كون الحكم غير مذكور و هو موجود في مثل قوله تعالى: «فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ» بالنسبة إلى قضية «لا تضرب» مثلًا كما لا يخفى، نعم إلّا إذا كان المنطوق مجرّد طريق و إشارة إلى المفهوم، فلا يكون القول بالافّ في الآية مثلًا حراماً بنفسه بل يكون نحو كناية عن مثل الضرب، ففي مثل هذه الموارد تدخل الأولويّة العرفيّة في المنطوق بلا إشكال.

139

إذا عرفت هذا فلنرجع إلى أصل البحث‏ فنقول: هل يجوز تخصيص العام بالمفهوم أو لا؟ لا إشكال و لا خلاف في جواز تخصيص العام بالمفهوم إذا كان موافقاً كما إذا قال: «لا تكرم الفسّاق» ثمّ قال: «أكرم الضيف و لو كان كافراً» فمفهومه وجوب إكرام الضيف إذا كان مسلماً فاسقاً بطريق أولى، و هذا المفهوم موافق للمنطوق في الإيجاب و يكون خاصّاً بالنسبة إلى عموم «لا تكرم الفسّاق».

و أمّا إذا كان المفهوم مخالفاً ففيه خمسة أقوال:

الأوّل: عدم جواز التخصيص مطلقاً.

الثاني: جوازه مطلقاً.

الثالث: التفصيل بين موارد المفهوم فيختلف باختلاف الموارد و المقامات، فإن كان الدالّ على المفهوم مثل كلمة «إنّما» فيقدّم على العام و يخصّص العام به و إلّا فالعام يقدّم.

الرابع: تفصيل المحقّق الخراساني (رحمه الله) و هو التفصيل بين الكلام الواحد و بين الكلامين المنفصلين، و التفصيل بين ما إذا فهمنا العموم من الوضع و ما إذا فهمناه من مقدّمات الحكمة، فتارةً يكون العام و المفهوم في كلام واحد و استفدنا العموم و المفهوم كليهما من مقدّمات الحكمة أو استفدنا كليهما من الوضع، فلا عموم حينئذٍ و لا مفهوم لعدم تماميّة المقدّمات بالنسبة إلى شي‏ء منهما في الأوّل، و لمزاحمة ظهور كلّ منهما مع الآخر في الثاني، فلا بدّ حينئذٍ من الرجوع إلى الاصول العمليّة في مورد الشكّ، و اخرى‏ يكونان في كلامين بينهما فصل طويل و كان كلّ منهما بمقدّمات الحكمة أو بالوضع، فالظهور لا محالة و إن كان ينعقد لكلّ منهما و لكن لا بدّ حينئذٍ من أن يعامل معهما معاملة المجمل لتكافئهما في الظهور إن لم يكن أحدهما أظهر، و إلّا فيكون هو القرينة على التصرّف في الآخر.

الخامس: تفصيل المحقّق النائيني (رحمه الله)، فإنّه فصّل في المفهوم المخالف بين ما إذا كانت النسبة بين العام و المفهوم- العموم و الخصوص مطلقاً، و بين ما إذا كانت من العام يقدّم على العام سواء كان بين المنطوق و العام العموم المطلق أو العموم من وجه، و مهما كان بين المفهوم و العام- العموم من وجه يعامل معهما معاملة العموم من وجه فربّما يقدّم العام و ربّما يقدّم المفهوم في مورد التعارض من غير فرق في ذلك أيضاً بين أن يكون بين المنطوق و العام- العموم المطلق أو العموم من وجه» (1) (انتهى).

____________

(1) فوائد الاصول، ج 1، و 2 ص 559- 560، طبع جماعة المدرسين.

140

أقول: الإنصاف أنّ البحث انحرف عن مسيره الأصلي في كلمات المتأخّرين كالمحقّق الخراساني و النائيني رحمهما الله و بعض آخر (قدّس اللَّه أسرارهم) فقد تكلّموا عن امور أربع لا ربط لها بمحلّ النزاع.

أحدها: أنّه هل يستفاد العموم أو المفهوم من مقدّمات الحكمة أو من الوضع؟

ثانيها: هل الكلام يكون من قبيل المحفوف بالقرينة أو لا؟

ثالثها: هل العام لسانه آبٍ عن التخصيص أو لا؟

رابعها: هل النسبة بين العام و الخاصّ العموم و الخصوص مطلقاً أو من وجه؟

مع أنّ الحقّ في المقام أن يتكلّم عن التفاوت بين المفهوم و المنطوق فقط و أنّه إذا كان العام قابلًا للتخصيص بالمنطوق فهل يخصّص بالمفهوم أيضاً أو لا؟

و بعبارة اخرى: هل يكون للمفهوم من حيث هو مفهوم نقص في التخصيص بالقياس إلى المنطوق؟ و ذلك لأنّه لا فرق في هذه النكات الأربع بين المنطوق و المفهوم، فإنّ المنطوق أيضاً لا يقدّر لتخصيص العام الآبي عن التخصيص، و لا يخصّصه أيضاً إذا كان هو بمقدّمات الحكمة و كان العام دالًا على العموم بالوضع، و كذلك إذا كانت النسبة بينه و بين العام العموم من وجه أو كان العام لأقوائيته و أظهريته قرينة على التصرّف في الخاصّ.

إذن فلا بدّ من ارجاع البحث إلى محوره الأصلي، و هو أن نفرض الكلام أوّلًا في مورد كان العام فيه يخصّص بالخاصّ على تقدير كونه منطوقاً، ثمّ نبحث في أنّه هل يخصّص بالمفهوم أيضاً في هذا الفرض أو لا؟ و أنّ المفهوميّة هل توجب ضعفاً للخاصّ أو لا؟ و حينئذٍ نقول: ربّما يتوهّم أنّ الدلالة المفهوميّة أضعف من الدلالة المنطوقيّة فلا يكون الخاصّ إذا كان مفهوماً مخصّصاً للعام، لكن الإنصاف أنّ مجرّد كون الخاصّ مفهوماً لا يوجب ضعفاً، بل ربّما يكون المفهوم أقوى من المنطوق، بل ربّما يكون المقصود الأصلي للمتكلّم هو المفهوم فقط.

و بالجملة لا المنطوق بما هو منطوق يوجب قوّة للخاص و لا المفهوم بما هو مفهوم يوجب ضعفاً له، فتلخّص من جميع ما ذكرنا أنّه يجوز تخصيص العام بالمفهوم كما يجوز تخصيصه بالمنطوق، نعم كما أشرنا آنفاً قد يكون العام أقوى من الخاص فلا يخصّص العام به كما إذا كان العام آبياً عن التخصيص، لكنّه لا يختصّ بالمفهوم بل المنطوق أيضاً لا يخصّص العام إذا كان العام كذلك، نحو قوله (عليه السلام): «ما خالف كتاب اللَّه فهو زخرف» فإنّ هذا عام لا يمكن تخصيصه‏

141

بشي‏ء، أو كان المورد من المستحبّات، فيحمل الخاصّ حينئذٍ على تعدّد المطلوب كما إذا دلّ دليل على أنّ صلاة الليل مستحبّ من نصف الليل إلى آخره، و نهى دليل آخر عن إتيانها فيما بعد النصف بلا فصل، أو أمر دليل آخر بإتيانها في آخر الليل، فبهذين الدليلين لا يخصّص عموم الدليل الأوّل بل كلّ منهما دالّ على مرتبة من المطلوبيّة.

بقي هنا شي‏ء:

و هو التفصيل بين مفهوم كلمة إنّما و غيرها، فقال بعض: إذا كان الدالّ على المفهوم كلمة إنّما و شبهها فيقدّم على العام و إلّا فلا، لكنّه غير تامّ و لا يعدّ تفصيلًا لمحلّ النزاع لأنّ مدلول كلمة إنّما منطوق لا مفهوم كما لا يخفى.

142

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

143

الفصل التاسع الكلام في الاستثناء المتعقّب للجمل المتعدّدة

فهل هو ظاهر في الرجوع إلى الجميع، أو إلى خصوص الأخيرة، أو لا ظهور له أصلًا بل يصير الكلام مجملًا و لا بدّ في التعيين من قرينة، مثل قوله تعالى: «وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَ لَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ إِلّا الَّذِينَ تَابُوا» (1) فهل الاستثناء بقوله «إلّا الذين تابوا» يرجع إلى جميع الأحكام الثلاثة، أي الجلد بثمانين جلدة، و عدم قبول الشهادة أبداً، و الفسق، فتكون النتيجة حينئذٍ رفع جميعها بالتوبة، أو يرجع إلى خصوص الأخير فيرفع به خصوص الفسق، أو الكلام مجمل؟

أقوال، فقيل بظهوره في الرجوع إلى الكلّ، و قيل بظهوره في الرجوع إلى خصوص الأخيرة، و قيل بالإجمال مع كون القدر المتيقّن هو الأخير، و قيل بما يأتي من التفصيل.

و لنقدّم قبل الورود في بيان الأقوال أمرين:

الأمر الأوّل: قال بعضهم باستحالة الرجوع إلى الجميع ثبوتاً فلا تصل النوبة إلى البحث عن الوقوع في مقام الإثبات و استدلّ له بوجهين:

أحدهما: أنّ كلمة «إلّا» من الحروف، و قد قرّر في محلّه أنّ الموضوع فيها جزئي حقيقي، و هو يلزم دلالة كلمة «إلّا» على إخراج واحد لا إخراجات عديدة، و لازمه الرجوع إلى الأخيرة.

ثانيهما: سلّمنا عدم كون الموضوع له في الحروف جزئياً حقيقياً لكنّه لا إشكال في أنّ المعنى الحرفي آليّ و فانٍ في غيره، فلا يلحظ مستقلًا بل لا بدّ من لحاظه فانياً في غيره، و حينئذٍ يتعيّن رجوع كلمة الاستثناء إلى الأخيرة لأنّه لا يتصوّر فناء شي‏ء واحد في شيئين.

____________

(1) سورة النور: الآية 4.

144

و كلا الأمرين غير تامّ، أمّا الأوّل‏ فلما مرّ من أنّ الموضوع له في الحروف كلّي دائماً أو غالباً، و لو سلّمنا كونه جزئياً لكن الإخراج في ما نحن فيه ليس متعدّداً بل هو واحد و إنّما المخرج متعدّد، و هذا نظير إنشاء المعاني المتعدّدة بصيغة واحدة نحو «بعت هذا الدار بالف تومان و ذاك بالفين و ذاك بآلاف».

و أمّا الثاني: فلأنّه‏ أوّلًا: يمكن لحاظ معانٍ متعدّدة بصورة وحدانية و تصوّرها بنحو جمعي ثمّ إفناء معنى الحرف في جميعها، كما إذا قيل: «سِرْ من البصرة أو الكوفة و إلى بغداد و إلى عبّادان» فيلحظ معنى الابتدائيّة لكلمة «من» فانياً في جميع الأمكنة المذكورة في المثال بلحاظ واحد.

ثانياً: يمكن كون اللحاظات متعدّدة و استعمال اللفظ في أكثر من معنى، لما مرّ كراراً من عدم اعتبار آنٍ حقيقي في اللحاظ، و لا دليل على أنّ اللحاظات آنات حقيقيّة، بل يمكن احضار معانٍ متعدّدة كسبعين معنى للفظ «عين» مثلًا في الذهن متوالية واحداً بعد واحد ثمّ استعمال لفظ العين في الجميع، و لذلك ذهبنا إلى جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى، هذا كلّه في الأمر الأوّل.

الأمر الثاني: أنّه لو قلنا بالإجمال و أنّ الاستثناء المتعقّب لجمل متعدّدة لا يكون ظاهراً في الرجوع إلى الجميع و لا في الرجوع إلى خصوص الأخيرة بعد صلوحه لكلّ منهما و إن كان الرجوع إلى الأخيرة متيقّناً معلوماً فهل يسقط العمومات غير الأخيرة عن الحجّية أو لا؟

قال المحقّق الخراساني (رحمه الله): إنّها ساقطة عن الحجّية، فلا يكون ما سوى الأخيرة ظاهراً في العموم لاكتنافه بما يصلح للرجوع إليه، فلا بدّ في محلّ الشكّ من الرجوع إلى الأصل العملي.

ففي مثال «أكرم العلماء إلّا الفسّاق و المخالفين منهم» نرجع في مشكوك الفسق و المخالفة إلى أصل البراءة.

و قال المحقّق النائيني (رحمه الله): بعدم سقوطها عن الحجّية بل «يحتاج تخصيص الجمل السابقة على الجملة الأخيرة إلى دليل آخر مفقود على الفرض، و أمّا توهّم كون المقام من قبيل اكتناف الكلام بما يصلح للقرينية فهو غير صحيح، لأنّ المولى لو أراد تخصيص الجميع و مع ذلك اكتفى في مقام البيان بذكر استثناء واحد مع تكرار عقد الوضع في الجملة الأخيرة لكان مخلًا ببيانه» (1).

____________

(1) أجود التقريرات: ج 1، ص 497.

145

أقول: الظاهر أنّ الحقّ مع المحقّق الخراساني (رحمه الله)، لأنّ عدم صحّة اكتفاء المولى في بيان مقصوده بالاستثناء المجمل لكونه مخلًا ببيانه يختصّ بما إذا لم يكن نفس الإجمال مقصوداً، و إلّا فلا إشكال في الصحّة، و هذا نظير الاستثناء بكلمة «بعض»، فإذا قال: «أكرم العلماء إلّا بعضهم» مع عدم كون الإجمال مقصوداً فقد أخلّ بمقصوده و أمّا إذا كان المقصود هو نفس بيان الحكم مجملًا فلا إشكال حينئذٍ في صحّة الاكتفاء بكلمة «بعض»، و لا يخفى أنّ للشارع المقدّس أحكاماً يكون المقام فيها مقام الإجمال و الإبهام، و ذلك لمصالح تقتضيه، منها عدم انسداد أبواب بيوت أهل البيت (عليهم السلام) كما صرّح به المحقّق القمي (رحمه الله) في كتابه جامع الشتات في جواب من سأل عن وجه ورود المتشابه في القرآن الكريم.

إذا عرفت هذا فلنشرع في أصل البحث و الأقوال الواردة فيه ...

فنقول: أمّا التفصيل الذي وعدنا نقله فهو ما ذهب إليه المحقّق النائيني (رحمه الله) و إليك نصّ كلامه: «و التحقيق في ذلك هو التفصيل بأن يقال إنّ من الواضح أنّه لا بدّ من رجوع الاستثناء إلى عقد الوضع لا محالة، وعليه فإمّا أن يكون عقد الوضع مكرّراً في الجملة الأخيرة كما في مثل الآية المباركة، أو لا يكون كذلك، بل يختصّ ذكر عقد الوضع بصدر الكلام كما إذا قيل أكرم العلماء و أضفهم و أطعمهم إلّا فسّاقهم، أمّا القسم الثاني أعني به ما لا يكون عقد الوضع مذكوراً فيه إلّا في صدر الكلام فلا مناصّ فيه عن الالتزام برجوعه إلى الجميع، لأنّ المفروض أنّ عقد الوضع فيه لم يذكر إلّا في صدر الكلام، و قد عرفت أنّه لا بدّ من رجوع الاستثناء إلى عقد الوضع فلا بدّ من رجوعه إلى الجميع، و أمّا كون العطف في قوّة التكرار فهو و إن كان صحيحاً إلّا أنّه لا يوجب وجود عقد وضع آخر في الكلام ليكون صالحاً لرجوع الاستثناء إليه، و أمّا القسم الأوّل أعني به ما يكون عقد الوضع فيه مكرّراً فالظاهر فيه هو رجوع الاستثناء إلى خصوص الجملة الأخيرة لأنّ تكرار عقد الوضع في الجملة الأخيرة مستقلًا يوجب أخذ الاستثناء محلّه من الكلام فيحتاج تخصيص الجمل السابقة على الجملة الأخيرة إلى دليل آخر مفقود على الفرض» (1).

و قال في حاشية الأجود: «الصحيح في تقريب التفصيل في المقام أن يقال: إنّ تعدّد الجمل‏

____________

(1) أجود التقريرات: ج 1، ص 497.

146

المتعقّبة بالاستثناء إمّا أن يكون بتعدّد خصوص موضوعاتها أو بتعدّد خصوص محمولاتها أو بتعدّد كليهما، و على الأوّلين فإمّا أن يتكرّر ما بتعدّده تعدّد القضيّة في الكلام أو لا يتكرّر فيه ذلك، فالأقسام خمسة، أمّا القسم الأوّل، أعني به ما تعدّدت فيه القضيّة بتعدّد موضوعاتها و لم يتكرّر فيه عقد الحمل كما إذا قيل: «أكرم العلماء و الأشراف و الشيوخ إلّا الفسّاق منهم» فالظاهر فيه رجوع الاستثناء إلى الجميع، لأنّ القضيّة في مثل ذلك و إن كانت متعدّدة صورة إلّا أنّها في حكم قضية واحدة قد حكم فيها بوجوب إكرام كلّ فرد من الطوائف الثلاث إلّا الفسّاق منهم، فكأنّه قيل: أكرم كلّ واحد من هذه الطوائف إلّا من كان منهم فاسقاً، و أمّا القسم الثاني، أعني به ما تعدّدت فيه القضيّة بتعدّد موضوعاتها مع تكرّر عقد الحمل فيه كما إذا قيل:

«أكرم العلماء و الأشراف و أكرم الشيوخ إلّا الفسّاق منهم» فالظاهر فيه رجوع الاستثناء إلى خصوص الجملة المتكرّر فيها عقد الحمل و ما بعدها من الجمل لو كانت لأنّ تكرار عقد الحمل في الكلام قرينة على قطع الكلام عمّا قبله، و بذلك يأخذ الاستثناء محلّه من الكلام، فيحتاج تخصيص الجمل السابقة على الجملة المتكرّر فيه عقد الحمل إلى دليل آخر مفقود على الفرض، و أمّا القسم الثالث و الرابع، أعني بهما ما تعدّدت فيه القضيّة بخصوص تعدّد محمولاتها مع تكرّر عقد الوضع في أحدهما و عدم تكرّره في الآخر فيظهر الحال فيهما ممّا افيد في المتن، و أمّا القسم الخامس، أعني به ما تعدّدت القضيّة فيه بكلّ من الموضوع و المحمول كما إذا قيل: «أكرم العلماء و جالس الأشراف إلّا الفسّاق منهم» فالظاهر فيه رجوع الاستثناء إلى خصوص الأخيرة و يظهر الوجه فيه ممّا تقدّم» (1).

أقول: يرد عليه:

أوّلًا: أنّ المتّبع في باب الألفاظ هو الظهور العرفي، و هو يختلف باختلاف المقامات و لا يقبل الاستدلال المنطقي، و حينئذٍ لو قامت قرينة أوجبت ظهور الكلام في الرجوع إلى الجميع أو إلى الأخيرة فهو (سواء تكرّر عقد الحمل أو لم يتكرّر) و إلّا فيصير الكلام مجملًا مبهماً يؤخذ بالقدر المتيقّن و هو الرجوع إلى الأخيرة.

و ثانياً: أنّ المحقّق النائيني (رحمه الله) و تلميذه المحقّق المقرّر له كلاهما اتّفقا على ظهور العمومات‏

____________

(1) أجود التقريرات: ج 1، ص 497.

147

غير الأخيرة في عمومها فيما إذا رجع الاستثناء إلى الأخيرة و أنّها ليست مكتنفة بما يصلح للقرينية حتّى تصير مجملة، و ذلك لتوهّم أنّ الإجمال يستلزم الإخلال بالمقصود، مع أنّه (كما مرّ) قد يكون المقصود نفس الإجمال و الإهمال، و كلمة الاستثناء في الأمثلة المذكورة إن لم تكن كافية لبيان تمام المقصود تكفي للإجمال.

و قد يقال: إنّ هذا (التفصيل المزبور) خلط حقيقة بين أداة الاستثناء التوصيفي و أداة الاستثناء غير التوصيفي ففي القسم الأوّل فحيث أنّه لا يجوز التوصيف للضمير المتّصل يرجع الوصف في مثل «أكرم العلماء و أضفهم إلّا الفسّاق منهم» أي الشقّ الثاني من التفصيل إلى الجملة الاولى، أي يصير الوصف وصفاً للعلماء في المثال، فيخصّص به حكم الإكرام و بتبعه يخصّص أيضاً ما بعده و هو حكم الضيافة في المثال، و أمّا في القسم الثاني أي الاستثناء غير التوصيفي فيمكن رجوعه إلى الأخيرة كما يمكن رجوعه إلى الجميع و نسبته بالنسبة إلى كلّ واحد منهما سواء و ليس ظاهراً في خصوص أحدهما حتّى يصير الكلام مجملًا، هذا كلّه في الشقّ الثاني من التفصيل، و أمّا الشقّ الأوّل، أي ما إذا تكرّر عقد الوضع فادّعاء الظهور في الرجوع إلى الأخيرة مصادرة و دعوى بلا دليل.

أقول: كلامه في كلا شقّي التفصيل صحيح و مقبول، و لكن الإشكال إنّما هو في أنّ الأمثلة المذكورة في ما نحن فيه ظاهر جميعها الاستثناء غير التوصيفي لأنّ ظاهرها الاستثناء عن الحكم لا الموضوع، فلا معنى لكونه وصفاً حينئذٍ، بل الاستثناء التوصيفي لا يأتي إلّا في موارد خاصّة كباب الأعداد نحو «فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلّا خَمْسِينَ عاماً» (1)، و بالجملة المتبادر من الاستثناء (إلّا في بعض الموارد) هو الاستثناء عن الحكم، و ظاهره حينئذٍ عدم الوصف نحو «أكرم العلماء إلّا الفسّاق» فليس الظاهر منه «أكرم العلماء المتّصفين بأنّهم غير الفسّاق».

ثمّ إنّه ينبغي هنا أن نشير إلى نكتة و هي أنّ محلّ النزاع في ما نحن فيه ما إذا لم- توجد في البين قرينة مع أنّ المثال المعروف و هو آية القذف المذكورة في صدر المسألة ليس خالياً عنها، و هي أنّ المشهور على قبول شهادة القاذف إذا تاب بل لعلّه إجماعي كما ذكره الفاضل المقداد حيث قال: «و إن تاب قبلت شهادته عندنا و عند الشافعي، و هو قول أكثر التابعين، و قال أبو

____________

(1) سورة العنكبوت: الآية 14.

148

حنيفة لا يقبل شهادته أبداً» (1) و يدلّ عليه أيضاً روايات: منها ما جاء في خبر قاسم بن سليمان عن أبي عبد الله (عليه السلام) «... و بئس ما قالوا كان أبي يقول إذا تاب و لم يعلم منه إلّا خير جازت شهادته» (2). فهذه قرينة خارجيّة تقتضي رجوع الاستثناء إلى الجميع، و في الآية قرينة اخرى داخلية تقتضي الرجوع إلى الجميع أيضاً حيث إن مقتضى الرجوع إلى الأخيرة عدالة القاذف إذا تاب و مقتضى المناسبة بين الحكم و الموضوع و الفهم العرفي قبول شهادته حينئذٍ.

إن قلت: إنّه ينافي ذيل الآية، أي قوله: «و لا تقبلوا لهم شهادة أبداً».

قلت: إنّ كلمة «أبداً» بمنزلة عام يكون ظاهراً في الدوام و ليس نصّاً فيه، و لذا لا إشكال في تخصيصه كما ورد في آيات من القرآن الكريم نحو قوله تعالى: «خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْضُ إِلّا مَا شَاءَ رَبُّكَ» (3).

____________

(1) كنز العرفان: ج 2، كتاب الحدود حدّ القذف.

(2) الوسائل: ج 18، الباب 36، من أبواب الشهادات، ح 2.

(3) سورة هود: الآية 107.

149

الفصل العاشر هل يجوز تخصيص عمومات الكتاب بخبر الواحد؟

لا إشكال في جواز تخصيصها بخبر المتواتر، إنّما الكلام في تخصيصها بخبر الواحد.

المستفاد من كلمات صاحب الفصول أنّ المسألة ذات أقوال، خلافاً لما إدّعاه المحقّق النائيني (رحمه الله) من الإجماع على الجواز، فحكي عن جماعة إنكار الجواز مطلقاً و نقل أنّه مذهب السيّد المرتضى (رحمه الله).

إن قلت: أنّه أنكر حجّية خبر الواحد من أصله. قلت: إنّ إنكاره هنا مبنيّ على تسليمه لحجّية خبر الواحد فكأنّه يقول: لو سلّم حجّية خبر الواحد فلا يجوز تخصيص الكتاب به.

و هنا قول آخر بالجواز مطلقاً، و هو منقول عن عامّة المتأخّرين، و منهم من فصّل بين ما إذا كان العام مخصّصاً سابقاً بدليل قطعي و ما إذا لم يكن كذلك فذهب إلى الجواز في الأوّل دون الثاني، و هنا من توقّف في المسألة، فظهر إلى هنا أنّ المسألة ليست إجماعيّة، نعم المتأخّرون منهم أجمعوا على الجواز.

و يستدلّ للجواز بوجهين ذكرهما في الكفاية:

الوجه الأوّل: السيرة المستمرّة من زمن النبي و الأئمّة (عليهم السلام) بل و ذلك ممّا يقطع به في زمن الصحابة و التابعين فإنّهم كثيراً ما يتمسّكون بالأخبار في قبال عمومات الكتاب و لم ينكر ذلك عليهم.

الوجه الثاني: أنّه لولاه لزم إلغاء الخبر بالمرّة، إذ ما من خبر إلّا و هو مخالف لعموم من الكتاب.

أقول: كلّ واحد من الوجهين قابل للجواب، أمّا السيرة فيمكن المناقشة فيها بأنّ القدر المتيقّن منها ما إذا كانت أخبار الآحاد محفوفة بالقرينة خصوصاً مع النظر إلى كثرة وجود

150

القرائن في عصر الحضور، و لو لم نقطع به فلا أقلّ من احتماله.

و أمّا الوجه الثاني: ففيه أنّ في الكتاب عمومات كثيرة لم تخصّص أصلًا حيث إن غالب عمومات الكتاب ليس الشارع فيها في مقام البيان من قبيل قوله تعالى: «أَقِيمُوا الصَّلَاةَ» و هكذا قوله: «خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً» حيث إنّ معناه أنّ جميع ما خلق في الأرض يكون بنفعكم، و ليس مفاده منحصراً في خصوص منفعة الأكل حتّى يخصّص بما ورد من أدلّة حرمة الأكل بالنسبة إلى بعض الأشياء، و هكذا قوله تعالى: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً» فإنّه ليس في مقام البيان حتّى ينافيه و يخصّصه ما يدلّ على أنّ الزّكاة في تسعة أشياء.

و الأولى‏ في المقام أن يستدلّ بعمومات أدلّة حجّية خبر الواحد كبناء العقلاء و مفهوم آية النبأ، فإنّها دليل على العمل به و لو في مقابل عمومات الكتاب و السنّة المتواترة.

و أمّا المانعون فاحتجّوا للمنع بوجوه:

الوجه الأوّل: أنّ الكتاب قطعي و خبر الواحد ظنّي، و الظنّي لا يعارض القطعي لعدم مقاومته له فيلغى بالمرّة.

و اجيب عنه: بأنّ الدوران و التعارض يقع في الحقيقة بين أصالة العموم في العام الكتابي و بين دليل حجّية الخبر، لا دلالته، و حيث إن الخاصّ أقوى دلالة من العام، فلا شبهة في تقديمه عليه بعد أن ثبتت حجّيته بدليل قطعي، و ببيان آخر: أنّ الخبر بدلالته و سنده صالح عرفاً للقرينية على التصرّف في أصالة العموم بخلاف أصالة العموم فإنّها لا تصلح لرفع اليد عن دليل اعتبار الخبر لأنّ اعتبار أصالة العموم منوط بعدم قرينة على خلافها، و المفروض أنّ الخبر الخاصّ بدلالته و سنده يصلح لذلك، فلا مجال لأصالة العموم مع القرينة على خلافها.

هذا هو جواب المشهور عن هذا الوجه، لكن الأحسن في مقام الجواب أن نرجع إلى ما بيّناه سابقاً في مبحث العام و الخاصّ من أنّ العمومات الواردة في الكتاب و السنّة يجوز تخصيصها لحكمة تدريجيّة بيان الأحكام في الشريعة المقدّسة التي جرت عليها عادة الشارع و سيرته، و في خصوص الكتاب جرت أيضاً على بيان امّهات الأحكام غالباً و فوّض شرحها و بيان جزئيّاتها إلى سنّة النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمّة (عليهم السلام)، فالقرآن حينئذٍ بمنزلة القانون الأساسي (في يومنا هذا) الذي بيّنت فيه امّهات المسائل فقط.

الوجه الثاني: أنّ دليل حجّية الخبر و هو الإجماع لبّي، و المتيقّن منه هو الخبر غير المخالف للكتاب فلا يشمل المخالف.

151

و جوابه واضح، و هو أنّ دليل حجّية خبر الواحد ليس منحصراً بالإجماع بل لها أدلّة اخرى‏ منها: السيرة المستمرّة لأصحاب الأئمّة (عليهم السلام) على العمل بخبر الواحد المخالف للعام الكتابي‏ و منها: بناء العقلاء على العمل بها مطلقاً سواء كان في مقابله دليل قطعي الصدور أم لا.

الوجه الثالث: أنّه لو جاز التخصيص به لجاز النسخ أيضاً، و التالي باطل اتّفاقاً فالمقدّم مثله، بيان الملازمة، أنّ النسخ نوع من التخصيص فإنّه تخصيص في الأزمان و التخصيص المطلق أعمّ منه، فلو جاز التخصيص بخبر الواحد لكانت العلّة أولويّة تخصيص العام على إلغاء الخاصّ و هو قائم في النسخ.

و اجيب عنه بوجهين:

الأوّل: أنّ الفارق بين النسخ و التخصيص هو الإجماع لاختصاص الإجماع على المنع بالنسخ.

الثاني: أنّ العقل يحكم بتفاوت النسخ عن التخصيص فالنسخ ممّا يتوفّر الداعي بضبطه، و لذا قلّ الخلاف في موارده و يكون الخبر الدالّ عليه متواتراً غالباً، فلا نحتاج في تعيين موارده إلى العمل بخبر الواحد، بخلاف التخصيص كما يشهد لذلك الارتكاز العقلائي فإنّه إذا قام خبر الواحد تارةً على مجي‏ء أحد الأصدقاء مثلًا و اخرى‏ على مجي‏ء شخص عظيم معروف خلف باب المدينة أو على وقوع الزلزلة و انهدام الحرم و منارته بها فإنّهم يقبلون خبر الواحد في الأوّل و يرتّبون الآثار عليه دون الثاني لمكان الأهميّة، فيستكشف من هذا أنّ طبيعة بعض الأخبار تتوفّر فيها الدواعي على نقلها و أنّها لو كانت لبانت، و لعلّ هذا هو أساس اختصاص الإجماع على المنع بالنسخ.

و لنا جواب ثالث عن هذا الوجه، و هو أنّا ننكر وجود الملازمة بين النسخ و التخصيص، فإنّ النسخ ليس تخصيصاً في الأزمان للزوم تخصيص الأكثر حينئذٍ، فلو كان مقتضى إطلاق أدلّة وجوب صلاة الجمعة مثلًا بقاؤه إلى يوم القيامة و لكن طرأ عليه دليل النسخ بعد زمان قصير فبناءً على كون النسخ تخصيصاً أزمانياً يوجب إخراج أكثر الزمان منذ ورود النسخ إلى يوم القيامة، هذا- مضافاً إلى ما سيأتي من أنّه ليس للأحكام عموم أزماني، فليس معنى قوله «يجب الصّلاة» مثلًا «يجب الصّلاة إلى يوم القيامة» بل الدوام مقتضى طبيعة القانون الشرعي حيث إن من طبعه أن يبقى ببقاء الشرع نظير القوانين العرفيّة العقلائيّة، فليس معنى قولك:

152

«بعتك هذه الدار» مثلًا «ملّكتك إيّاها إلى الأبد» بل البقاء هو مقتضى طبيعة قانون الملكيّة، نعم يستثنى من ذلك بعض القوانين كقانون الإجارة، فليس مقتضى طبيعة الإجارة الدوام و الاستمرار بل هو تابع لقصد المؤجر و المستأجر كما لا يخفى.

فالحقّ أنّ النسخ كالفسخ، فكما أنّ التمليك يوجد الملكية من دون تقيّد بزمان و الفسخ يرفعها بدونه أيضاً فكذلك النسخ، و سيأتي شرح هذا الكلام عند البحث عن حقيقة النسخ.

الوجه الرابع: (و هو العمدة) الأخبار الدالّة على أنّ الأخبار المخالفة للقرآن باطلة أو يجب طرحها أو غيرهما من المضامين المشابهة، و هي على طائفتين:

الاولى: طائفة واردة في مورد الخبرين المتعارضين و تجعل موافقة الكتاب من مرجّحات تقدّم أحد الخبرين على الآخر في مقام المعارضة و هي خارجة عن محلّ النزاع لأنّها- كما صرّح به بعضهم- يستفاد منها أنّ حجّية الخبر المخالف في نفسه كان مفروغاً عنها و إنّما منع من العمل به وجود الخبر الموافق للكتاب المعارض.

و الثانية: طائفة تدلّ على أنّ ما خالف كتاب اللَّه فهو باطل مطلقاً من دون أن يكون في مقام المعارضة و هي كثيرة و صريحة الدلالة على طرح المخالف كما أشار إليه في الكفاية، و من حيث اللحن و اللسان مختلفة يمكن تقسيمها إلى ثلاث طوائف:

الاولى: ما تدلّ على اشتراط موافقة الخبر للكتاب مثل ما رواه عبد الله بن أبي يعفور قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن اختلاف الحديث يرويه من نطق به، قال: إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب اللَّه أو من قول رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، و إلّا فالذي جاءكم به أولى به» (1) و ما رواه عبد الله بن بكير عن رجل عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: إذا جاءكم عنّا حديث وجدتم عليه شاهداً أو شاهدين من كتاب اللَّه فخذوا به، و إلّا فقفوا عنده ثمّ ردّوه إلينا حتّى يستبين لكم» (2).

الثانية: ما تدلّ على أنّ ما خالف الكتاب زخرف، نحو ما رواه أيّوب بن راشد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف» (3) و ما رواه أيّوب بن الحرّ قال:

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 1، الباب 9، من أبواب صفات القاضي، ح 11.

(2) المصدر السابق: ح 18.

(3) نفس المصدر: ح 12.

153

سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «كلّ شي‏ء مردود إلى الكتاب و السنّة و كلّ حديث لا يوافق كتاب اللَّه فهو زخرف» (1).

الثالثة: ما تدلّ على اشتراطهما جميعاً و هي أربعة نشير هنا إلى بعضها و هو ما رواه جميل بن درّاج عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، أنّ على كلّ حقّ حقيقة و على كلّ صواب نوراً فما وافق كتاب اللَّه فخذوه، و ما خالف كتاب اللَّه فدعوه» (2). و في معناه ما رواه‏ (3) جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) و هشام بن الحكم عن أبي عبد الله عن النبي (صلى الله عليه و آله)(4) و السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام)(5).

و الظاهر أنّ مقتضى الجمع بين هذه الأخبار كلّها وجوب طرح ما خالف كتاب اللَّه و لا أقلّ من أنّه هو القدر المتيقّن منه، و هو يكفينا في المقام فلا حاجة إلى البحث عن مدلولها واحدة بعد واحدة.

و كيف كان، فإنّ هنا صغرى و كبرى، أمّا الصغرى فهي أنّ خبر الواحد المخصّص لعموم الكتاب مخالف لكتاب اللَّه تعالى، و أمّا الكبرى فهي «كلّ ما خالف كتاب اللَّه فهو باطل» فتكون النتيجة أنّ خبر الواحد المخالف للكتاب باطل لا يجوز تخصيصه به.

و اجيب عن هذا الوجه بوجوه:

الوجه الأوّل: أنّ مخالفة الخاصّ مع العام ليست بمخالفة عرفاً بل يعدّ الخاصّ حينئذٍ بياناً للعام و شرحاً له.

و هذا الجواب حسن بعد ملاحظة ما مرّ منّا سابقاً من أنّ سيرة الشارع و عادته العمليّة استقرّت على البيان التدريجي للأحكام و إلّا فمع قطع النظر عن هذه النكتة فقد عرفت أنّ ورود الخاصّ المنفصل بعد العام يعدّ عرفاً معارضاً للعام.

الوجه الثاني: سلّمنا صدق المخالفة عرفاً هنا، إلّا أنّ المراد من المخالفة في الأخبار الآمرة بردّ

____________

(1) وسائل الشيعة: ح 14، ج 1، الباب 9، من أبواب صفات القاضي.

(2) المصدر السابق: ح 35.

(3) المصدر السابق: ح 37.

(4) وسائل الشيعة: ج 18، الباب 9، من أبواب صفات القاضي، ح 15.

(5) المصدر السابق: ح 10.

154

المخالف للكتاب هو غير مخالفة العموم و الخصوص مطلقاً قطعاً، و ذلك للعلم بصدور أخبار كثيرة مخالفة للكتاب بالعموم و الخصوص إجمالًا و جريان السيرة القطعيّة و قيام الإجماع على العمل بها في مقابل عمومات الكتاب، و لا يكون ذلك إلّا لتخصيص المخالفة التي هي موضوع الأخبار الآمرة بطرح الخبر المخالف للكتاب بالمخالفة على نحو التباين و إخراج المخالفة بالعموم و الخصوص مطلقاً عن المخالفة، إذن فالأخبار الآمرة بردّ المخالف محمولة على المخالفة على نحو التباين و إلّا فهي آبية عن التخصيص.

أقول: هذا الجواب أيضاً حسن إلّا أنّه يرد عليه إشكال أورده شيخنا الأعظم الأنصاري (رحمه الله) و أجاب عنه و سيأتي بيانه.

الوجه الثالث: أنّ المراد من هذه الأخبار أنّهم لا يقولون خلاف القرآن ثبوتاً و واقعاً و أمّا خلافه إثباتاً و ظاهراً و لو بنحو التباين الكلّي فضلًا عن العموم و الخصوص مطلقاً أو من وجه شرحاً لمرامه تعالى و بياناً لمراده فكثيراً ما يقولون به.

و لكنّه غير تامّ، لأنّ ظاهر الأخبار أنّ موافقة الكتاب جعلت معياراً لصدق الخبر في مقام الظاهر، أي بعد عرضه على ظاهر الكتاب، إذ العرض على واقعه غير ممكن لنا. و لعلّ المحقّق الخراساني (رحمه الله) أشار إليه بعد بيان هذا الوجه بقوله «فافهم».

و لكن هاهنا إشكالان:

أحدهما: أنّ إخراج المخالفة بالعموم و الخصوص المطلق من الأخبار الآمرة بطرح المخالف للكتاب و اختصاصها بالمخالفة على نحو التباين يستلزم بقاءها بلا مورد، لأنّا لم نظفر على خبر مخالف على هذا الوجه.

و أجاب الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه الله) عن هذه المشكلة في رسائله بما حاصله: أنّ عدم الظفر على المخالف بالتباين الآن، أي بعد تنقيح الأخبار و تصفيتها مرّات عديدة بأيدي أكابر أصحاب الحديث و ضبطها في الاصول الأربعمائة ثمّ في الاصول الأربعة لا يلازم عدم وجوده فيما قبل.

أقول: بل يوجد الآن أيضاً بين الأخبار روايات في بعض جوامع الحديث كالبحار للعلّامة

155

المجلسي (رحمه الله) تخالف الكتاب على نحو التباين أو تخالف بعض المسلّمات و الضروريات كالتي تخبر عن وقوع النزاع و المعارضة بين علي (عليه السلام) و فاطمة (عليها السلام) و ما ورد من أنّ السادات العاصين لا يدخلون في نار جهنّم كيفما كانت المعصية و على أي مقدار، مع أنّ الأوّل ينافي عصمة الأئمّة (عليهم السلام) و فاطمة (عليها السلام) و الثاني يستلزم زيادة الفرع على الأصل حيث إنّه ورد في القرآن الكريم مخاطباً للرسول (صلى الله عليه و آله): «لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ» (1)، أو قوله تعالى: «وَ لَوْ تَقَوَّلَ‏ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ» (2) و هكذا ما ورد من أنّ عدد الأئمّة (عليهم السلام) ثلاثة عشر فإنّها أخبار شاذّة نقطع ببطلانها إذا حملت على ظواهرها.

ثانيهما: أنّ هذا كلّه يتصوّر بالنسبة إلى الطائفة الثانية من روايات طرح الخبر المخالف للكتاب، أمّا الطائفة الاولى و هي الأخبار الدالّة على وجوب الأخذ بالخبر الموافق و طرح الخبر المخالف التي وردت في خصوص باب الخبرين المتعارضين فالمشكلة الموجودة فيها أنّه إذا كانت النسبة بين الخبرين التباين الكلّي فهذه الأخبار إنّما هي في مقام تمييز الحجّة عن اللّاحجّة لا في مقام ترجيح إحدى الحجّتين على الاخرى بموافقتها للكتاب، لأنّ المخالف للكتاب في هذه الصورة ليست بحجّة حتّى تصل النوبة إلى التعارض بينه و بين الموافق، و إذن يتعيّن أن يكون مورد هذه الأخبار ما إذا كانت النسبة بين الخبر و كتاب اللَّه العموم و الخصوص مطلقاً، و هذا يستلزم التفكيك في معنى الاختلاف في الطائفتين من الرّوايات مع أنّ الظاهر وحدة المفهوم فيهما.

و اجيب عن هذه المشكلة بجوابين:

أحدهما: ما ذكره المحقّق الخراساني (رحمه الله) في باب التعادل و التراجيح من أنّ الموافقة للكتاب في أخبار التعارض أيضاً لتمييز الحجّة عن اللّاحجّة.

و لكنّه في الواقع في تسليم للإشكال.

ثانيهما: أنّ التفكيك بين الطائفتين غير قادح إذا قامت القرينة و دلّ الدليل عليه كما في المقام.

____________

(1) سورة الزمر: الآية 65.

(2) سورة الحاقّة: الآية 46.

156

بقي هنا امور:

الأوّل: أنّه يمكن أن يقال: إنّ هذه الأخبار أيضاً بنفسها مخالفة لكتاب اللَّه تعالى لأنّها تخالف مفهوم آية النبأ حيث إن مفهومها حجّية خبر الواحد مطلقاً سواء كان مخصّصاً لعمومات الكتاب أو لا يكون، فيلزم من وجود هذه الأخبار و حجّيتها عدمها لأنّ حجّيتها تقتضي تقييد الكتاب في هذه الآية، فيصير من قبيل تقييد الكتاب بخبر الواحد و هو ممنوع على الفرض، اللهمّ إلّا أن يقال: إنّها بالغة إلى حدّ التواتر و ليست من أخبار الآحاد فلا إشكال حينئذٍ في جواز تخصيص عموم الكتاب بها.

الثاني: ربّما يقال بأنّ هذا البحث قليل الجدوى لأنّ عمومات الكتاب ليست في مقام البيان فلا يقع تعارض و تخالف بينها و بين أخبار الآحاد.

لكن يردّ هذا: بأنّه و إن كان كثير من العمومات الواردة في الكتاب، كذلك و لكن نشاهد بينها عدداً كثيراً من العمومات التي تكون في مقام البيان، نحو عموم قوله تعالى: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و قوله: «وَ الْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ» و قوله: «وَ أُوْلَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» و قوله: «وَ الْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ» و قوله:

«وَ لِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ» و قوله في آية الأنفال: «وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ» و قوله: «وَ لَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» بناءً على كونه في سياق النفي و قوله: «وَ لَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّا لِبُعُولَتِهِنَّ».

الثالث: أنّ أكثر النكات المذكورة بالنسبة إلى عمومات الكتاب تأتي بالنسبة إلى إطلاقاته أيضاً، فالمطلقات من كتاب اللَّه أيضاً تقيّد بخبر الواحد، و حينئذٍ يأتي فيه أيضاً أدلّة المثبتين، و كذلك أدلّة النافين و الجواب عنها لأنّ المطلقات بعد تمام مقدّمات الحكمة بحكم العموم.