أنوار الأصول‏ - ج2

- الشيخ أحمد القدسي المزيد...
496 /
157

الفصل الحادي عشر الكلام في حالات العام و الخاصّ‏

إذا ورد عام و خاصّ‏ فتارةً يكون تاريخ كليهما معلوماً، و اخرى‏ يكون تاريخ أحدهما أو كليهما مجهولًا، أمّا الأوّل‏ فله صور خمسة:

الصورة الاولى: أن يكون الخاصّ مقارناً للعام، فإنّه حينئذٍ مخصّص له بلا إشكال نحو، أكرم العلماء إلّا زيداً.

الصورة الثانية: أن يكون الخاصّ غير مقارن للعام لكن ورد قبل حضور وقت العمل بالعام، كما إذا قال المولى في أوّل الاسبوع: «أكرم العلماء يوم الجمعة» ثمّ قال في وسطه: «لا تكرم زيداً العالم يوم الجمعة» فحكمها التخصيص و لا يجوز فيها النسخ، لأنّ جواز النسخ من ناحية المولى الحكيم مشروط بحضور وقت العمل بالمنسوخ.

الصورة الثالثة: أن يكون الخاصّ غير مقارن للعام و ورد بعد حضور وقت العمل به، كما إذا قال في الاسبوع الأوّل: «أكرم العلماء يوم الجمعة» ثمّ قال في الاسبوع الثاني: «لا تكرم زيداً العالم»، فذهب القوم إلى كونه ناسخاً لا مخصّصاً لئلّا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، لكنّا نقول: هذا إذا أحرز أنّ العام قد ورد لبيان الحكم الواقعي، أمّا إذا متكفّلًا لبيان الحكم الظاهري كما هو الغالب بل هكذا سنّة الشارع و سيرته العمليّة في بيان الأحكام الشرعيّة حيث إنّه من دأبه أن يبيّن الأحكام تدريجاً، فحينئذٍ يكون الخاصّ مخصّصاً لا ناسخاً لأنّ النسخ في هذه الصورة و إن كان ممكناً ثبوتاً و لكن ندرته و شيوع التخصيص يوجب تقوية ظهور العام في العموم الأزماني و تضعيف ظهوره في العموم الأفرادي، فيقدّم الظهور في الأوّل على الثاني.

الصورة الرابعة: عكس الثانية، و هي أن يرد العام بعد الخاصّ غير مقارن له و قبل حضور وقت العمل بالخاصّ، فحكمها حكم الصورة الثانية لنفس الدليل المذكور فيها، و هو كون‏

158

النسخ قبل العمل قبيحاً للمولى الحكيم، و المثال واضح.

الصورة الخامسة: أن يكون العام بعد الخاصّ و غير مقارن له و ورد بعد حضور وقت العمل بالخاصّ، فيدور الأمر فيها بين النسخ و التخصيص لجواز كلّ منهما عند الكلّ، أمّا التخصيص فلعدم استلزامه تأخير البيان عن وقت الخطاب أو الحاجة، و أمّا جواز النسخ فلكونه بعد حضور وقت العمل بالخاصّ، و المشهور على ترجيح التخصيص على النسخ، فيقدّم عليه و ذلك لندرة النسخ و شيوع التخصيص كما مرّ، و بعبارة اخرى: ظهور الخاصّ في الدوام الأزماني أقوى من ظهور العام في العموم الافرادي.

هذه صور خمسة لما إذا كان تاريخ كلّ من العام و الخاصّ معلوماً، و هناك صورة سادسة و هي ما إذا كان التاريخ مجهولًا من دون أن يكون فرق بين ما إذا كان تاريخ كليهما مجهولًا و ما إذا كان تاريخ أحدهما مجهولًا، و لا يخفى أنّ هذه الصورة تأتي فيها جميع الاحتمالات الخمسة المذكورة، و بما إن الحكم كان في بعضها النسخ و هو الصورة الثالثة على مبنى القوم، فيتردّد الأمر في هذا القسم بين النسخ و التخصيص على مبنى القوم، و يصير الحكم مبهماً من ناحية الاصول اللفظيّة و حينئذٍ، تصل النوبة إلى الاصول العمليّة.

هذا كلّه بناءً على ما مشى عليه الأعلام فإنّهم تسالموا على ثلاثة اصول في المقام ليست مقبولة عندنا: أحدها: عدم جواز النسخ قبل العمل. ثانيها: عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة. ثالثها: إنّ دوام الأحكام هو مقتضى العموم الأزماني.

أمّا جواز النسخ قبل العمل فنقول: لا إشكال في جواز النسخ قبل العمل في الأوامر الامتحانية كما وقع في قضيّة ذبح إبراهيم (عليه السلام) ولده إسماعيل (عليه السلام) حيث كان الأمر فيه امتحانيّاً يحصل بنفس التهيّؤ للعمل فإذا وقع التهيّؤ و حضر وقته يحصل المقصود من الامتحان، و حينئذٍ يمكن النسخ، و لا إشكال في جوازه، و هو نظير ما إذا كلّف المولى عبده بالسفر و قد تهيّأ له قبل حضور وقته فحينئذٍ بما أن نفس التهيّؤ يكفي لتحقّق الامتحان و القبول فيه و بالإمكان أن يتحقّق قبل زمان الفعل يجوز للمولى أن ينسخ حكمه بلا إشكال.

أمّا إذا كانت الأوامر غير امتحانيّة فإنّ المحقّق النائيني (رحمه الله) قسّمها على ثلاثة أقسام: الأوامر

159

الصادرة على نهج القضايا الحقيقيّة غير الموقتة، و الأوامر الصادرة على نهج القضايا الحقيقيّة الموقتة، و الأوامر الصادرة على نهج القضايا الخارجيّة، و حكم باختصاص جواز النسخ بالقضايا الحقيقيّة غير الموقتة و القضايا الخارجيّة أو القضايا الحقيقيّة الموقتة بعد حضور وقت العمل بها، و أمّا القضايا الخارجيّة أو الحقيقيّة الموقتة قبل حضور وقت العمل بها فيستحيل تعلّق النسخ بالحكم المجعول فيها من الحكيم الملتفت و قال: في توضيحه: «إنّ ما ذكروه في المقام إنّما نشأ من عدم تمييز أحكام القضايا الخارجيّة من أحكام القضايا الحقيقيّة و ذلك لأنّ الحكم المجعول لو كان من قبيل الأحكام المجعولة في القضايا الخارجيّة لصحّ ما ذكروه، و أمّا إذا كان من قبيل الأحكام المجعولة في القضايا الحقيقيّة الثابتة للموضوعات المقدّر وجودها كما هو الواقع في أحكام الشريعة المقدّسة فلا مانع من نسخها بعد جعلها، و لو كان ذلك بعد زمان قليل كيوم واحد أو أقلّ، لأنّه لا يشترط في صحّة جعله وجود الموضوع له في العام أصلًا إذ المفروض أنّه حكم على موضوع مقدّر الوجود، نعم إذا كان الحكم المجعول في القضيّة الحقيقيّة من قبيل الموقّتات كوجوب الصّوم في شهر رمضان المجعول على نحو القضيّة الحقيقيّة كان نسخه قبل حضور وقت العمل به كنسخ الحكم المجعول في القضايا الخارجيّة قبل وقت العمل به فلا محالة يكون النسخ كاشفاً عن عدم كون الحكم المنشأ أوّلًا حكماً مولويّاً مجعولًا بداعي البعث أو الزجر» (1).

أقول: الإنصاف أنّه لا فرق بين الأقسام الثلاثة، فإذا كان الطلب في القضايا الحقيقيّة غير الموقّتة حقيقياً و كان الغرض فيها حصول نفس العمل في الخارج لا الامتحان فرفع الطلب و نسخ الحكم حينئذٍ يوجب كون الحكم لغواً لأنّه و إن لا يشترط في صحّة الجعل فيها وجود الموضوع فعلًا إلّا أنّه إذا كان الموضوع منتفياً إلى الأبد كما إذا لا يتحقّق مصداق لعنوان المستطيع (في مثال الحجّ) أبداً فلا محالة يكون جعل الحكم من المولى الحكيم العالم بذلك لغواً واضحاً.

ثمّ‏ إنّه قلّما يوجد في الأحكام الشرعيّة أوامر امتحانيّة، نعم قد تكون المصلحة في نفس الإنشاء و ذلك لوجود مصلحة في البين كتثبيت المتكلّم موقعيّة نفسه في الموالي العرفيّة

____________

(1) راجع أجود التقريرات: ج 1، ص 507- 508.

160

و كالتقيّة لحفظ النفس أو المال أو غيرهما في الأوامر الشرعيّة، و حينئذٍ يجوز النسخ قبل العمل بلا ريب كما لا يخفى.

هذا كلّه في‏ المسألة الاولى‏ من المسائل الثلاثة، و هي جواز النسخ قبل العمل و عدمه.

المسألة الثانية: و هي تأخير البيان عن وقت الحاجة فالوجه في عدم جوازه يمكن أن يكون واحداً من الثلاثة:

أحدها: الإلقاء في المفسدة كما إذا قال: أكرم العلماء، و لم يستثن زيداً العالم مع أنّه كان خارجاً عن حكم الإكرام عنده و كان إكرامه ذا مفسدة في الواقع، فإنّه حينئذٍ يوجب إلقاء العبد في تلك المفسدة.

ثانيها: تفويت المصلحة كما إذا قال: لا تكرم الفسّاق، و كان إكرام الضيف مثلًا ذا مصلحة في الواقع و لم يستثنه فإنّه يوجب تفويت تلك المصلحة.

ثالثها: الإلقاء في الكلفة كما إذا قال: أكرم جميع العلماء، و لم يكن إكرام جماعة منهم واجباً مع أنّ إكرامهم يستلزم تحمّل المشقّة الزائدة للعبد.

فبناءً على أحد هذه الامور لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، نعم قد يجوز التأخير فيما إذا كانت هناك مصلحة أقوى كالمصلحة الموجودة في تدريجية الأحكام الشرعيّة فلا إشكال حينئذٍ في أنّ العقل حاكم على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة كما لا يخفى.

المسألة الثالثة: و هي أنّ الدوام و الاستمرار الزماني في الأحكام هل يستفاد من العموم الأزماني للأدلّة، أو يستفاد من مقدّمات الحكمة، أو يكون مقتضى أصل عملي و هو الاستصحاب؟ فقال بعض بأنّه لا دليل عليه إلّا أنّه مقتضى استصحاب بقاء الأحكام، و حيث إنّه أصل عملي و عموم العام أصلي لفظي فلا يقع تعارض بينهما بل يقدّم العموم على الاستصحاب دائماً، وعليه إذا ورد العام بعد الخاصّ و بعد حضور وقت العمل بالخاصّ يقدّم العام على الخاصّ و تكون النتيجة تقديم النسخ على التخصيص.

لكنّ الإنصاف أنّ الاستمرار الزماني يستفاد من طرق اخرى لفظيّة فلا تصل النوبة إلى الاستصحاب:

أحدها: مقدّمات الحكمة فيما إذا قال مثلًا: «للَّه على الناس حجّ البيت» و لم يقيّده بزمان خاصّ فنستفيد من إطلاقه الدوام و الاستمرار.

161

إن قلت: وجود العام و وروده بعد الخاصّ يمنع من جريان مقدّمات الحكمة لكونه بياناً للحكم.

قلنا: أنّ المراد من عدم البيان في مقدّمات الحكمة هو عدم البيان في مقام البيان لا عدم البيان إلى الأبد، و حيث إن المولى أطلق كلامه حين البيان و لم يقيّده بزمان خاصّ تجري مقدّمات الحكمة و تقتضي الدوام و الأبديّة.

ثانيها: العمومات التي وردت في الشرع و مفادها «أنّ حلال محمّد (صلى الله عليه و آله) حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة» أو الأدلّة التي تدلّ على خاتميّة دين النبي (صلى الله عليه و آله) فإنّ هذه الأدلّة بعمومها أو إطلاقها دليل على أبديّة الأحكام الشرعيّة كلّها.

ثالثها: ما سيأتي إن شاء اللَّه في باب النسخ أنّ طبيعة الحكم الإلهي و القانون الشرعي تطلب الأبديّة و تدلّ على الدوام و الاستمرار إلى أن يرد ناسخ فإنّها نظير طبيعة الأحكام الوضعيّة المجعولة عند العرف و العقلاء كالملكيّة و الزوجيّة، حيث إنّها تقتضي الدوام بطبعها و ذاتها إلى أن يرد عليه مزيل كما لا يخفى، و سيأتي لذلك مزيد توضيح عن قريب فانتظر.

162

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

163

الفصل الثاني عشر: الكلام في النسخ و البداء

و الوجه في التعرّض لهذه المسألة في ما نحن فيه أمران:

أحدهما: ربط مسائل العام و الخاصّ بالنسخ كما ظهر ممّا سبق.

ثانيهما: كونها من المبادئ الأحكاميّة التي تبحث عنها في علم الاصول كالبحث عن تضادّ الأمر و النهي، هذا بالنسبة إلى النسخ، و أمّا البداء فلأنّ له صلة قريبة و علاقة شديدة بالنسخ كما سيتّضح لك إن شاء اللَّه.

و كيف كان: لا بدّ أوّلًا: أن نبحث في المعنى اللغوي للنسخ، قال الراغب في مفرداته: «النسخ إزالة الشي‏ء بشي‏ء يتعقّبه كنسخ الشمس الظلّ و الظلّ الشمس و الشيب الشباب، فتارةً يفهم منه الإزالة و تارةً يفهم منه الإثبات‏ و تارةً الأمران» (أي الإزالة و الإثبات كلاهما) ثمّ قال بعد فصل: «و نسخ الكتاب نقل صورته المجرّدة إلى كتاب آخر و ذلك لا يقتضي إزالة الصورة الاولى بل يقتضي إثبات مثلها في مادّة اخرى كالمناسخة في الميراث» فيستفاد من هذه العبارة إنّه أشرب في ماهيّة النسخ أمران: الإزالة و الإثبات، و لذلك قد يستعمل النسخ في خصوص معنى الإزالة و قد يستعمل في خصوص معنى الإثبات، و من هنا أخذ معنى التناسخ في القول بتناسخ الأرواح لأنّ القائل به يقول: أنّ الروح يزول عن بدن و يثبت في بدن آخر. هذا في معنى النسخ لغةً.

و أمّا في الاصطلاح‏ فذكر له معانٍ مختلفة، فقال المحقّق الخراساني (رحمه الله): «إنّ النسخ دفع الحكم الثابت إثباتاً إلّا أنّه في الحقيقة دفع الحكم ثبوتاً».

و قال المحقّق النائيني (رحمه الله): «النسخ انتهاء أمد الحكم المجعول لانتهاء الحكمة الداعية إلى جعله» و قال في المحاضرات: «النسخ رفع أمر ثابت في الشريعة المقدّسة بارتفاع أمده و زمانه».

164

أقول‏: لو حاولنا النقاش في هذه التعاريف فيمكن المناقشة في كلّ منها، فمثلًا بالنسبة إلى التعريف الأخير (و هو للمحاضرات) يمكن أن يقال: إنّ الصحيح هو التعبير برفع الحكم لا رفع الأمر، و أيضاً لا وجه لتخصيصه النسخ بالشريعة المقدّسة بل إنّه ثابت بين العرف و العقلاء أيضاً في أحكامهم، كما أنّ هذا الإشكال يرد على تعريف المحقّق الخراساني (رحمه الله) أيضاً لأنّ تعبيره بالدفع يتصوّر في دائرة الشرع، و أمّا في دائرة الموالي العرفيّة و عبيدهم فإنّ النسخ هو الرفع لا الدفع كما لا يخفى‏، و هكذا بالنسبة إلى‏ كلام المحقّق النائيني (رحمه الله) حيث إنّه أيضاً خصّص النسخ في تعريفه بدائرة الشرع، و الأحسن أن يقال: النسخ، رفع حكم تكليفي أو وضعي مع بقاء موضوعه (ثبوتاً أو إثباتاً).

ثمّ إنّه هل يجوز النسخ في حكم اللَّه تعالى أو لا؟ المشهور أو المجمع عليه بين المسلمين جوازه و نسب إلى اليهود و النصارى أنّه مستحيل، و استدلّ لذلك بأنّه إمّا إن كان الحكم المنسوخ ذا مصلحة فلا بدّ من دوامه و بقائه و لا وجه لنسخه و إزالته، و أمّا إن لم يكن ذا مصلحة فاللازم عدم جعله ابتداءً إلّا إذا كان الجاعل جاهلًا بحقائق الامور، تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً، كما أنّ النسخ في الأحكام العرفيّة أيضاً يرجع إلى أحد الأمرين: إمّا إلى جهل الجاهل من أوّل الأمر بعدم وجود المصلحة في الحكم، و إمّا إلى جهله بعدم دوام المصلحة و عدم كونه عالماً بالمستقبل، و بما أن اللَّه تعالى لا يتصوّر فيه الجهل بالمستقبل حدوثاً و بقاءً يستحيل النسخ بالنسبة إليه كما لا يخفى.

و الجواب‏ عن هذا معروف، و هو أنّه لا إشكال في أن يكون لشي‏ء مصلحة في زمان دون زمان آخر كالدواء الذي نافع للمريض يوماً و ضارّ يوماً آخر، كما أنّ الرجوع إلى التاريخ و شأن نزول الآيات في قصّة القبلة يرشدنا إلى هذه النكتة، و حينئذٍ يكون النسخ بمعنى انتهاء أمد الحكم و زوال المصلحة، و من هنا ذهب المشهور إلى أنّ النسخ دفع الحكم لا رفعه، كما أنّ المعروف كون النسخ تخصيصاً للعموم الأزماني لأحكام الشرع ظاهراً، و لكنّ الإنصاف أنّ بقاء الأحكام مستفاد من طبيعتها و أنّ النسخ في الحقيقة رفع لا دفع.

توضيح ذلك: أنّ الأحكام الإنشائيّة على أقسام‏ فتارةً يكون من الأحكام التكليفيّة كالوجوب و الحرمة، و اخرى‏ من قبيل الأحكام الوضعيّة كالملكيّة و الزوجيّة، و ثالثة من قبيل المناصب المجعولة كمنصب القضاوة و الوزارة، و كلّ واحد من هذه الثلاثة قد يكون موقتاً

165

كالواجبات الموقّتة مثل الصّوم و الحجّ في القسم الأوّل، و كالإجارة في القسم الثاني و كبعض مناصب الحكومة في عصرنا هذا في القسم الثالث، و قد يكون مطلقاً كوجوب تطهير المسجد من النجاسة و أداء الدَّين في القسم الأوّل و كالملكيّة الحاصلة من البيع في القسم الثاني حيث إن البيع ينعقد مطلقاً و إن كان البائع أو المشتري عازماً على الفسخ، و لذا لا يصحّ أن يقول:

«ملكتك إلى شهر» و لا أن يقول: «ملكتك إلى الأبد» بل الملكيّة إذا حصلت بقيت بذاتها، و كالقضاوة و الوزارة في القسم الثالث لأنّه ما لم يعزل القاضي أو الوزير عن منصب القضاوة و الوزارة يكون باقياً على منصبه بمقتضى طبيعة ذاتهما.

إذا عرفت هذا فنقول: لا إشكال في أنّ الحكم الذي انشئ على نحو الإطلاق و كان من القسم الثاني و الثالث يدوم و يستمرّ بمقتضى طبعه و ذاته و لذلك يعبّر فيهما بالفسخ و العزل، فإنّ الفسخ أو العزل هو رفع ما يكون ثابتاً باقياً حتّى في مقام الثبوت، ثمّ نقول: كذلك في القسم الأوّل، أي الأحكام التكليفيّة التي تصدر و تنشأ من جانب الشارع مطلقاً و يكون مقتضى طبعها و ذاتها الدوام و الاستمرار بلا فرق بينها و بين الأحكام الوضعيّة و المناصب المجعولة، و بلا فرق بين مقام الثبوت و مقام الإثبات فيكون وزان النسخ فيها وزان الفسخ و العزل فيهما، أي أنّ النسخ أيضاً رفع الحكم الثابت لا الدفع، فكما أنّ الأحكام الوضعيّة المطلقة و المناصب المجعولة المطلقة كان مقتضى طبعها و ذاتها الدوام و البقاء فتكون باقية ما لم يفسخ و ما لم يعزل كذلك الأحكام التكليفيّة المطلقة يكون مقتضى طبعها الدوام و البقاء و تكون باقية ما لم ينسخ، فوزانها وزانهما كما أنّ وزان النسخ وزان الفسخ و العزل، و لذلك نقول: كذلك في الشرائع السابقة فإنّ مقتضى طبعها أيضاً الدوام ما لم تأت شريعة اخرى، فمثلًا شريعة عيسى (عليه السلام) لم تكن مقيّدة بمقدار خمسمائة سنة بل إنّها بأحكامها كانت مطلقة في مقام الثبوت و الإنشاء، مقتضية للبقاء و الاستمرار، و هكذا مسألة القبلة في شريعتنا كانت بذاتها مقتضية للدوام و الاستمرار ما لم تنسخ من ناحية الشارع.

إن قلت: فما الفرق بين الشارع و غيره في النسخ؟

قلنا: لا فرق بينهما بالنسبة إلى ماهيّة النسخ و حقيقته، فإنّه رفع الحكم ثبوتاً و إثباتاً في كلا الموردين، إنّما الفرق من جهتين:

الاولى: جهل العقلاء بعدم المصلحة حدوثاً و من أوّل الأمر فيما إذا كانت المصلحة مفقودة

166

منذ البداية، فقد يستكشف لهم بعد جعل الحكم فقدان المصلحة من بدو الأمر.

الثانية: جهلهم بانتهاء مصلحة الحكم و عدم دوامها فيما إذا انتهت المصلحة بعد فترة، فيستكشف لهم عدم دوامها، و لا إشكال في أنّه لا يتصوّر شي‏ء من الأمرين بالنسبة إلى الشارع العليم الحكيم كما لا يخفى، لكن هذا لا ينافي أن يكون جعل الشارع و إنشاؤه بحسب الظاهر و الواقع مطلقاً كما مرّ بيانه.

و مما يؤيّد ما ذكرنا أنّه لو كان النسخ تخصيصاً أزمانياً و دفعاً في مقام الثبوت فكان الزمان مأخوذاً في الحكم يستلزم تخصيص الأكثر المستهجن لأنّ في نسخ حكم واحد يستثنى أكثر الزمان، هذا أوّلًا.

و ثانياً: لا خلاف و لا إشكال في تقديم التخصيص على النسخ عند دوران الأمر بينهما، و هذا ممّا يشهد بأنّ النسخ عندهم هو نزع الحكم من الأصل و الأساس، و لذلك يحتاج إلى مئونة زائدة على التخصيص الذي يكون أساس الحكم فيه باقياً على حاله، و إلّا لو لم يكن النسخ هكذا بل كان في الواقع من مصاديق التخصيص فلا وجه لتقيم التخصيص عليه.

ثالثاً: أنّ عدم جواز النسخ بخبر الواحد و جواز التخصيص به أيضاً شاهد لما ذكرنا حيث إنّه أيضاً يدلّ على زيادة المئونة في النسخ و أنّه رفع الحكم من الأساس.

بقي هنا شي‏ء:

و هو كيف يتصور النسخ في القرآن الكريم؟

لا إشكال في جواز النسخ في القرآن سواء كان الناسخ و المنسوخ كلاهما في القرآن كما في آية النجوى، أو كان خصوص الناسخ فيه كما في حكم القبلة.

لا يقال: أنّه في القسم الأوّل مشمول لقوله تعالى: «وَ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» (1) لأنّ جوابه واضح، و هو وجود القرينة في هذه الموارد إمّا على أنّ الآية المنسوخة ستنسخ أو على ناسخيّة الآية الناسخة فتكون إحدى الآيتين ناظرة إلى الاخرى، و لا إشكال حينئذٍ في عدم صدق الاختلاف، فالأوّل‏ مثل قوله تعالى: «وَ اللَّاتِي يَأْتِينَ‏

____________

(1) سورة النساء: الآية 82.

167

الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» (1) قرينة على إمكان النسخ فيها، كما ورد من طرق الفريقين أنّ المراد من السبيل هو حدّ زناء المحصنة، فنسخ حكم الإمساك في البيوت للزانيات، و تبدّل إلى الحدّ المذكور في الرّوايات و هو الرجم، نعم ليس الناسخ لهذه الآية من القرآن، فهو خارج عن محلّ الكلام لأنّ محلّ البحث ما إذا كان كلا الدليلين من القرآن بينما الناسخ هنا روايات وردت من طريق الفريقين.

و أمّا قوله تعالى في سورة النور: «الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ» فهو وارد في غير المحصنات كما ثبت في محلّه، نعم يمكن الاستشهاد بهذه الآية لإثبات أصل وجود القرينة في الآية المنسوخة.

إن قلت: كيف يكون الرجم بالنسبة إلى المحصنات الزانيات سبيلًا مع كونه أسوأ حالًا من الإمساك؟

قلنا: أنّه كذلك إذا كان الحكم في الدليل الناسخ شاملًا أيضاً لمن ارتكب الزنا قبل صدور الناسخ مع أنّ الثابت في الشرع أنّ حكم الرجم مخصوص لمن يزني بعد صدور هذا الحكم، و أمّا المرتكب للزنا قبله فهو معفوّ بلا إشكال. و حينئذٍ السبيل في الآية هو العفو بالنسبة إلى من زنى سابقاً، كما أنّه كذلك في القوانين العقلائيّة العرفيّة، فإنّها لا تشمل ما سبق، و حينئذٍ يمكن أن يقال: إنّ الاعتبار العقلائي هذه بنفسها قرينة لبّية على انصراف القانون الجديد في الشرع إلى زمان الحال و الاستقبال.

نعم، إذا قلنا: أنّ الآية ناظرة إلى غير المحصنات مع القول بأنّ آية الجلد شاملة لمن سبق منه الزنا أيضاً فالمراد من السبيل حينئذٍ هو تبدّل السجن إلى الجلد.

هذا كلّه فيما إذا كانت القرينة موجودة في الدليل المنسوخ، أمّا الثاني‏ و هو ما إذا كانت القرينة موجودة في الدليل الناسخ فهو نظير قوله تعالى في آية النجوى: «أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَ آتُوا الزَّكَاةَ» (2) فإنّ التعبير ب «أ أشفقتم» و «فإذا لم تفعلوا و تاب اللَّه عليكم» قرينة على نسخ حكم الصدقة

____________

(1) سورة النساء: الآية 15.

(2) سورة المجادلة: الآية 13.

168

الوارد في قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ...» (1) كما لا يخفى.

فتلخّص ممّا ذكرنا أنّه لا إشكال في جواز النسخ في القرآن سواء كان الوارد في القرآن خصوص الدليل الناسخ أو خصوص الدليل المنسوخ أو كليهما، نعم يشترط في الأخير وجود القرينة على النسخ أمّا في الدليل الناسخ أو في الدليل المنسوخ حتّى لا يكون من قبيل الاختلاف.

هذا تمام الكلام في النسخ.

مسألة البداء

ذكرنا مسألة البداء بعد مسألة النسخ لما بينهما من الارتباط، و لذلك تذكران معاً في كلمات القوم غالباً، و المحقّق العلّامة المجلسي (رحمه الله) عنون لهما باباً واحداً في المجلّد الرابع من بحار الأنوار بقوله «فصل في البداء و النسخ» و جمع فيه زهاء سبعين رواية في البداء و النسخ.

و وجه الارتباط بين المسألتين أنّ النسبة بينهما العموم مطلقاً لأنّ البداء يعمّ التكوينيات و التشريعيات معاً لكن النسخ يختصّ بالتشريعيات، نعم خصّص بعض العلماء أحدها بالتكوينيات و الآخر بالتشريعيات، و قال في مقام تشبيه أحدهما بالآخر: «البداء في التكوينيات كالنسخ في التشريعيات» و جاء في كلام المحقق الداماد «أنّ البداء النسخ في التكوينيات و النسخ بداء في التشريعيات».

توضيح المسألة: قال الراغب في مفرداته: البداء ظهور الشي‏ء ظهوراً بيّناً (و لذلك تسمّى البادية بادية لأنّ كلّ شي‏ء ظاهر هناك، أو لأنّه يظهر فيها حوادث مختلفة لا تظهر في المدن) و قال بعض: المراد من البداء في اللغة ظهور الشي‏ء بعد الخفاء و حصول العلم به بعد الجهل، نحو قوله تعالى: «ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ» (2) أو قوله: «وَ بَدَا لَهُمْ‏

____________

(1) سورة المجادلة: الآية 12.

(2) سورة يوسف: الآية 35.

169

سَيِّئاتُ مَا عَمِلُوا» (1) هذا بالنسبة إلى معناه اللغوي، و أمّا بالنسبة إلى الباري تعالى فقد وردت روايات كثيرة تدلّ على أنّ البداء في أمر اللَّه من الامور المسلّمة التي يترادف الاعتقاد به الاعتقاد بالتوحيد، و نحن نشير هنا إلى عدد منها:

1- ما رواه زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «ما عبد الله عزّ و جلّ شي‏ء مثل البداء» (2).

2- ما رواه هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ما عظّم اللَّه عزّ و جلّ بمثل البداء» (3).

3- ما رواه مرازم بن حكم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «ما تنبّأ نبي قطّ حتّى يقرّ للَّه تعالى بخمس: بالبداء و المشيئة و السجود و العبوديّة و الطاعة» (4).

4- ما رواه زرارة و محمّد بن مسم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ما بعث اللَّه نبيّاً قطّ حتّى يأخذ عليه ثلاثاً: الإقرار للَّه بالعبوديّة و خلع الأنداد و أنّ اللَّه يمحو ما يشاء و يثبت ما يشاء» (5) إلى غير ذلك.

و بالجملة لا إشكال في أصل ثبوت البداء، إنّما الكلام في تفسيره، و قد يفترى على الشيعة الإماميّة بأنّهم يعتقدون بأنّ البداء في اللَّه هو أن يظهر له ما كان مجهولًا له، أي أنّ البداء ظهور الشي‏ء بعد الخفاء و حصول العلم به بعد الجهل، أو أنّه بمعنى الندامة، مع أنّ هذا إفك عظيم و تهمة واضحة و شطط من الكلام لا يقول به من فهم من الإسلام شيئاً، و لذا أنكر علماؤنا ذلك من الصدر الأوّل إلى اليوم خصوصاً الأكابر منهم كالشيخ الصدوق و الشيخ المفيد رحمهما الله، و رواياتنا أيضاً تدلّ على امتناع هذا المعنى على اللَّه، مثل ما رواه أبو بصير و سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «من زعم أنّ اللَّه عزّ و جلّ يبدو له في شي‏ء لم يعلمه أمس فابرءوا منه» (6).

فما هو التفسير الصحيح للبداء؟

إنّ معنى البداء الذي نحن نعتقده مبنيّ على آيتين من سورة الرعد، و هما قوله تعالى: «لِكُلِ‏

____________

(1) سورة الجاثية: الآية 33.

(2) بحار الأنوار: ج 4، باب البداء و النسخ، ح 19.

(3) المصدر السابق: ح 20.

(4) المصدر السابق: ح 23.

(5) المصدر السابق: ح 24.

(6) المصدر السابق: ح 30.

170

أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ» (1)، و هو يشبه النسخ بناءً على مذهب المشهور من أنّ حقيقته هو الدفع لا الرفع، أي أنّ النسخ بمعنى انتهاء أمد الحكم و أنّ اللَّه يظهر فيه ما كان مجهولًا للناس و هو يتصوّر بعد حضور وقت العمل بالحكم المنسوخ إلّا في الأوامر الامتحانيّة فيتصوّر فيها قبل حضور وقت العمل أيضاً كما مرّ.

فالبداء أيضاً كذلك، فيتصوّر في الأوامر الامتحانية قبل العمل كما إذا فرضنا مثلًا أنّ أمر إبراهيم بذبح ابنه صدر على نهج القضيّة الخيريّة، فكأنّه حينئذٍ صدر بعنوان الإخبار عن أمر تكويني سوف يتحقّق في المستقبل ثمّ بدا له بقوله تعالى: «قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا»، و في غير الامتحان مثل ما وقع في قضية يونس (عليه السلام) من وعده تعالى بالعذاب على قومه ثمّ كشفه عنهم بعد أن آمنوا، فهو في كلا القسمين ليس بمعنى ظهور ما خفى عليه بل بمعنى إبداء شرط أو مانع أخفاه في بدو الأمر، فهو تعالى يخبر عن وقوع أمر معلّق على شرط أو عدم مانع من دون التصريح بالمعلّق عليه حين الإخبار، فلا يحصل المعلّق لعدم حصول المعلّق عليه و ذلك لحكمة تقتضي ذلك، ثمّ يبدي ما لم يذكره أوّلًا، فالبداء بتعبير عقلي يرجع إلى العلل المركّبة التي تتصوّر فيها علّة تامّة و علّة ناقصة، فيرجع إمّا إلى عدم حصول المقتضي أو وجود المانع، و في لسان الشرع يرجع إلى مسألة المحو أو الإثبات، فقد ثبت أنّ للَّه تعالى كتابين: أحدهما: امّ الكتاب الذي ثبت فيه جميع الامور من دون محو و إثبات، و الآخر: كتاب المحو و الإثبات.

و بالجملة، البداء ليس بمعنى ظهور ما خفى عليه تعالى كما يدلّ عليه قوله: «وَ قَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ» (2) حيث جاء في التفسير أنّ اليهود قالوا قد فزع اللَّه من الأمر لا يحدث اللَّه غير ما قدّره في التقدير الأوّل (و أنّه قد جفّ القلم بما هو كائن) فردّ اللَّه عليهم بقوله: بل يداه مبسوطتان، و من الآيات الدالّة على أصل وجود البداء و صحّته قوله تعالى: «وَ مَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلّا فِي كِتَابٍ» (3).

و هذا المعنى تدلّ عليه أيضاً روايات الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) و هي كما قلنا كثيرة كما مرّت‏

____________

(1) سورة الرعد: الآية 38 و 39.

(2) سورة المائدة: الآية 64.

(3) سورة فاطر: الآية 11.

171

جملة منها في صدر البحث، و لا بأس بالإشارة إلى بعضها الآخر التي تشير أيضاً إلى بعض مصاديق البداء الواقعة في الامم الماضية.

1- ما رواه حسن بن محمّد النوفلي قال: قال الرضا لسليمان المروزيّ: ما أنكرت من البداء يا سليمان و اللَّه عزّ و جلّ يقول: «أَ وَ لَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً» و يقول عزّ و جلّ: «وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ» و يقول: «بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ» و يقول عزّ و جلّ: «يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ» و يقول: «وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِنْ طِينٍ» و يقول عزّ و جلّ: «وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِامْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ» و يقول: «وَ مَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلّا فِي كِتَابٍ» قال سليمان: هل رويت فيه عن آبائك شيئاً؟

قال: نعم رويت عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: إنّ للَّه عزّ و جلّ علمين: علماً مخزوناً مكنوناً لا يعلمه إلّا هو من ذلك يكون البداء، و علماً علّمه ملائكته و رسله، فالعلماء من أهل بيت نبيّك يعلمونه، قال سليمان: أحبّ أن تنزعه لي من كتاب اللَّه عزّ و جلّ، قال: قول اللَّه عزّ و جلّ لنبيّه:

«فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ» أراد هلاكهم ثمّ بدا فقال: «وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ» قال سليمان: زدني جعلت فداك، قال الرضا (عليه السلام): لقد أخبرني أبي عن آبائه أنّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) قال: إنّ اللَّه عزّ و جلّ أوحى إلى نبي من أنبيائه أن أخبر فلان الملك أنّي متوفّيه إلى كذا و كذا فأتاه ذلك النبي ... إلى آخر الحديث» (1).

2- ما رواه أبو بصير (و هو المعروف بقصّة العروس) قال: سمعت أبا عبد الله الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) يقول: إنّ عيسى روح اللَّه مرّ بقوم مجلبين فقال: ما لهؤلاء؟ قيل: يا روح اللَّه، إنّ فلانة بنت فلان تهدى إلى فلان بن فلان في ليلتها هذه. قال: يجلبون اليوم و يبكون غداً. فقال قائل منهم: و لِمَ يا رسول اللَّه؟ قال: لأنّ صاحبتهم ميّتة في ليلتها هذه، فقال القائلون بمقالته:

صدق اللَّه و صدق رسوله، و قال أهل النفاق ما أقرب غداً. فلمّا أصبحوا جاءوا فوجدوها على حالها لم يحدث بها شي‏ء فقالوا: يا روح اللَّه إنّ التي أخبرتنا أمس أنّها ميتة لم تمت. فقال: عيسى على نبيّنا و آله و(عليه السلام): يفعل اللَّه ما يشاء فاذهبوا بنا إليها، فذهبوا يتسابقون حتّى قرعوا الباب، فخرج زوجها فقال له عيسى (عليه السلام): استأذن لي على صاحبتك قال: فدخل عليها

____________

(1) بحار الأنوار: ج 4، باب البداء و النسخ، ح 2.

172

فأخبرها أنّ روح اللَّه و كلمته بالباب مع عدّة قال: فتخدّرت فدخل عليها فقال لها: ما صنعت ليلتك هذه؟ قالت لم أصنع شيئاً إلّا و قد كنت أصنعه فيما مضى أنّه كان يعترينا سائل في كلّ ليلة جمعة فننيله ما يقوته إلى مثلها و أنّه جاءني في ليلتي هذه و أنا مشغولة بأمري و أهلي في مشاغل فهتف فلم يجبه أحد ثمّ هتف فلم يجب حتّى هتف مراراً فلمّا سمعت مقالته قمت متنكّرة حتّى نلته كما كنّا ننيله فقال لها: تنحّي عن مجلسك فإذا تحت ثيابها افعى مثل جذعة عاضّ على ذنبه فقال (عليه السلام): بما صنعت صرف عنك هذا» (1).

تنبيهان‏

الأوّل: إنّ فلسفة البداء و حكمته عدم القعود عن السعي و الجهاد و أن لا نيأس من رحمة اللَّه و إراءته للطريق و هدايته السبل، و من جانب آخر أن لا نؤمّن أنفسنا من سخطه و عذابه، و لا نقول: قد جفّ القلم و أنّه لا يحدث اللَّه غير ما قدّره في التقدير الأوّل بل نقول أنّه يمحو ما يشاء و يثبت، فلا يخفى أنّ هذه العقيدة و هذه الحالة تورثنا و تكّمل لنا حالة الخوف و الرجاء بحيث لو صدر عنّا ذنب رجونا العفو و المغفرة، كما أنّه لو صدرت عنّا خيرات بالغة و حسنات كثيرة خفنا من سوء العاقبة، و بالجملة أنّ حكمة البداء و فلسفته هي إيقاع العبد بين حالة الخوف و الرجاء، و نتيجته دوام السعي و الحركة و العمل مع احتمال الخطأ و المخالفة و الوقوع في المهلكة.

الثاني: أنّ إنكار البداء يستلزم إنكار عدّة من المسائل المسلّمة و الاعتقادات الضروريّة في الإسلام أو ما أشبه ذلك كمسألة التوبة، و مسألة الحبط في الأعمال و أنّ الحسنات يذهبن السيّئات، و مسألة الشفاعة، و تأثير الدعاء، و تأثير صلة الرحم و قطعها في ازدياد العمر و نقصانه، و دفع البلاء بالصدقة (و قد ورد في الحديث أنّ الصدقة ترفع البلاء المبرم و هو البلاء الذي كتب بالقلم في امّ الكتاب).

إلى هنا تمّ الكلام عن المقصد الرابع من مباحث الاصول.

____________

(1) بحار الأنوار: ج 4، باب البداء و النسخ، ح 1.

173

المقصد الخامس المطلق و المقيّد

174

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

175

5- المطلق و المقيّد

و قبل الورود في أصل البحث لا بدّ من بيان مقدّمات:

المقدمة الاولى: في تعريف المطلق و المقيّد

نسب إلى المشهور «أنّ المطلق ما دلّ على شائع في جنسه» و حيث إن كلمة «ما» الموصولة في هذا التعريف كناية عن اللفظ يكون المطلق و المقيّد حينئذٍ من صفات اللفظ.

و استشكل عليه جماعة تارةً بأنّ الإطلاق و التقييد من صفات المعنى لا اللفظ، و اخرى‏ بعدم شموله للألفاظ الدالّة على نفس الماهيّة من دون شيوع كأسماء الأجناس مع أنّهم عدّوا أسامي الأجناس من المطلق، و ثالثة بعدم منعه، لشموله كلمة «من و ما و أيّ» الاستفهاميّة من باب دلالتها أيضاً على العموم البدلي وضعاً مع أنّها ليست من أفراد المطلق.

و المحقّق الخراساني (رحمه الله) ذهب في المقام أيضاً (من دون أن يتعرّض لبيان هذه الإشكالات) إلى ما نبّه عليه في مقامات عديدة و هو أنّ مثل هذا التعريف من تعاريف شرح الاسم لا التعريف الحقيقي حتّى يكون في مجال النقض و الإبرام.

و نحن أيضاً ننبّه هنا على ما بيّناه غير مرّة من الجواب و أنّ المراد من التعريف الحقيقي في أمثال المقام ليس التعريف بالجنس و الفصل بل المراد منه ما يكون جامعاً و مانعاً، و لا يخفى إمكان هذا النحو من التعريف و ضرورته للمبتدي في العلم لأن يتّضح له الطريق الذي يسلكه و يحيط بأفراد ذلك الموضوع و أغياره، و قلنا أنّ نفس الإشكالات في جانبي الطرد و العكس في كلمات القوم أقوى شاهد بأنّهم في صدد بيان التعريف الحقيقي بالمعنى الذي ذكرنا.

و بالجملة يجاب عن الإيراد على تعريف المشهور بالنسبة إلى:

الإشكال الثاني: بأنّ الشيوع له معنيان: أحدهما: الشيوع بمعنى العموم، و حينئذٍ يرد عليه‏

176

هذا الإشكال، و هو عدم شمول التعريف لأنّ الجنس لأنّه ليس للجنس شيوع بل و كذا النكرة، ثانيهما: السريان و العموم بعد ضمّ مقدّمات الحكمة و لا إشكال في وجود هذا المعنى في اسم الجنس و النكرة.

و أمّا الإشكال الثالث: فيردّ بأنّ كلمة «من و ما و أي» الاستفهاميّة ليست من الأغيار بل نحن نلتزم بأنّها أيضاً من أفراد المطلق.

و أمّا الإشكال الأوّل: فيندفع بأنّه كما أنّ المعنى يتّصف بصفة الإطلاق و التقييد، كذلك اللفظ أيضاً يتّصف بهما بلحاظ كونه مرآة للمعنى و كاشفاً عنه.

لكن مع ذلك كلّه يمكن لنا إراءة تعريف أوضح و أسهل من تعريف المشهور، بأن ننظر إلى المعنى اللغوي للمطلق و نقول: المطلق ما لا قيد فيه من المعاني أو الألفاظ، و المقيّد ما فيه قيد، و بعبارة اخرى: أنّ المطلق في مصطلح الاصوليين نفس ما ذكر في اللغة و هو ما يكون مرسلًا و سارياً بلا قيد.

و من هنا يظهر أنّ الإطلاق و التقييد أمران إضافيان، لأنّه ربّما يكون معنى مقيّداً بالنسبة إلى معنى آخر و في نفس الوقت يعدّ مطلقاً بالنسبة إلى معنى ثالث، كالرقبة المؤمنة، فإنّها مقيّدة بالنسبة إلى مطلق الرقبة بينما هي مطلقة بالنسبة إلى الرقبة المؤمنة العادلة.

المقدمة الثانية: في شموليّة الإطلاق‏

إنّ المطلق- كما سيأتي- يفيد العموم و الشمول ببركة مقدّمات الحكمة و هذا الشمول على ثلاثة أقسام، لأنّه قد يكون بدليّاً و قد يكون استغراقياً و قد يكون مجموعياً، فلا يصحّ ما ربّما يتوهّم من أنّ المطلق إنّما يدلّ على الشمول البدلي دائماً، لأنّ كلمة البيع أو الماء مثلًا في قوله تعالى: «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» و قوله (عليه السلام): «الماء إذا بلغ قدر كرّ لم ينجّسه شي‏ء» مطلق مع أنّه يفيد العموم الاستغراقي، و كلمة العالم في قضيّة «أكرم العالم» أيضاً مطلق مع أنّه قد يكون الشمول فيه مجموعياً، نعم أنّه يتوقّف على قيام قرينة على أنّ المقصود فيه مجموع العلماء من حيث المجموع.

المقدمة الثالثة: الإطلاق و التقييد ليسا الامور الذهنيّة

أنّ الإطلاق و التقييد كما اشير إليه آنفاً ليسا أمرين وجوديّين في الخارج بل هما من الامور

177

الذهنيّة، و التقابل بينهما تقابل العدم و الملكة فالمطلق ما من شأنه أن يكون مقيّداً و بالعكس.

المقدّمة الرابعة: في مصبّ الإطلاق‏

ما أفاده في تهذيب الاصول من أنّ مصبّ الإطلاق أعمّ من الطبائع و الأعلام الشخصية و تجد الثاني في أبواب الحجّ كثيراً، في الطواف على البيت و استلام الحجر و الوقوف بمنى و المشعر (1).

أقول: كأنّه وقع الخلط بين نفس الكعبة و منى و المشعر الحرام و بين الأفعال القائمة بها فهذه المواقف العظيمة و إن كانت اموراً جزئيّة شخصية و لكنّ الأفعال القائمة بها كالطواف و الوقوف امور كلّية تصدق على كثيرين و يأتي فيها الإطلاق و التقييد، فليس الإطلاق و التقييد وصفين لها بل هما وصفان لتلك الأفعال الكلّية.

إذا عرفت هذا فلنشرع في أصل مباحث المطلق و المقيّد فهاهنا مقامات:

المقام الأوّل: في الألفاظ التي يرد عليها الإطلاق‏

أحدها: «اسم الجنس»

و ليس المراد منه معناه المنطقي بل المراد منه في المقام ما يقابل العلم الشخصي، فيشمل الجواهر و الأعراض و الامور الاعتباريّة كلّها.

و المشهور أنّ الموضوع له فيه هو الماهيّة، و الماهيّة على أربعة أقسام: الماهيّة بشرط لا، و الماهيّة بشرط شي‏ء، (و ليس اسم الجنس واحداً منهما قطعاً)، و الماهيّة اللابشرط القسمي، و الماهيّة اللّابشرط المقسمي، و الفرق بينهما واضح لأنّ الأوّل ما كان اللحاظ فيه جزء الموضوع له، و الثاني عبارة عن ما ليس مشروطاً بشي‏ء حتّى لحاظ أنّها لا بشرط.

و لا ينبغي الشكّ في أنّ المراد من المطلق هو اللّابشرط المقسمي لأنّ اللّابشرط القسمي‏

____________

(1) تهذيب الاصول: ج 2، ص 63، طبع مهر.

178

موطنه دائماً هو الذهن و وعاء الاشتراط باللّابشرطيّة إنّما هو الذهن، و هو يستلزم عدم صحّة حمل المطلق مثل الإنسان على الخارج حقيقة، فيكون مثل «زيد إنسان» حينئذٍ مجازاً، و يستلزم أيضاً عدم صحّة الأخبار عن الخارج نحو جاءني إنسان، و كذلك عدم صحّة الأمر نحو «جئني بإنسان» فيتعيّن أن يكون الموضوع له اللّابشرط المقسمي أي القدر الجامع بين الأقسام الثلاثة، الذي يكون مرآة للخارج.

بقي هنا شي‏ء:

و هو أنّ ما اشتهر في كلماتهم (بل لعلّه كالمتسالم عليه) من أنّ الموضوع له في أسماء الأجناس هو الماهيّة من حيث هي هي لا موجودة و لا معدومة، فإنّه ممّا لا يمكن المساعدة عليه عند الدقّة بل الموضوع له هو الموجود الخارجي، لأنّه المتبادر من إطلاق مثل الإنسان و الشجر و غيرهما، فيتبادر عند إطلاق الإنسان و الشجر إنسان خارجي و شجر خارجي، غاية الأمر إنسان لا بعينه و شجر لا بعينه، و من أنكر هذا أنكره بلسانه و قلبه مطمئن بالإيمان، بل يدلّ عليه حكمة الوضع كما مرّ بيانه غير مرّة فإن قد مرّ من أنّ الناس في حياتهم الاعتياديّة لا حاجة لهم إلى الماهيات المطلقة حتّى يضعون الألفاظ بإزائها بل حاجاتهم تمسّ الوجودات الخارجيّة، فبموازات حاجاتهم إلى المعاني الخارجيّة يضعون الألفاظ.

هذا، مضافاً إلى وجود صحّة السلب في المقام، فيصحّ أن يقال: «الإنسان الذهني ليس بإنسان» أو «أنّ النار الذهنية ليست ناراً حقيقة بل النار ذلك الوجود الخارجي الذي يحرق الأشياء» و الماء هو «الموجود الخارجي الذي يروي العطشان».

إن قلت: فما تقول في قضية «الإنسان موجود» أو «الإنسان معدوم» أو «لم يكن الحجر موجوداً ثمّ صار موجوداً»؟ حيث إنّه لو كان المراد من الحجر مثلًا الحجر الموجود يصير معنى الجملة هكذا: كان الحجر الموجود معدوماً ثمّ صار موجوداً فيلزم التناقض أو يلزم حمل الشي‏ء على نفسه في مثل الإنسان موجود لأنّ المعنى فيه يصير هكذا: الإنسان الموجود موجود.

قلنا: يعمل في مثل هذه الموارد عمل التجريد بلا ريب و إلّا فما تقول في الأعلام الشخصية التي لا إشكال في أنّها وضعت للموجودات الخارجيّة، فإنّ كلمة زيد مثلًا وضع لزيد الموجود

179

المتولّد في تاريخ كذا و كذا بلا خلاف، فما تقول فيها إذا اطلقت و اريد منها الماهيّة كما إذا قيل «زيد كان معدوماً ثمّ تولّد».

إن قلت: الوجود مساوق للتشخّص و الجزئيّة و هو ينافي كلّية اسم الجنس.

قلنا: المراد من الوجود هنا هو الوجود السعي و هو لا ينافي الكلّية لأنّه قدر جامع بين الوجودات الجزئيّة الخارجيّة و يكون وعائه الذهن لكن بما أنّه مرآة و مشير إلى تلك الوجودات، و إن أبيت عن ذلك فاختبر نفسك عند طلب الماء مثلًا أو انظر إلى ظمآن بقيعة يطلب الماء، فلا ريب في أنّه يطلب الماء الخارجي لا ماهيّته مع أنّه ليس في طلب ماء مشخّص معيّن بل يطلب مطلق الماء الخارجي أو جنس الماء الخارجي بوجوده السعي، و ليس المراد من الوجود السعي إلّا هذا.

فتلخّص من جميع ما ذكرنا أنّ الموضوع له في أسماء الأجناس هو الماهيات الموجودة في الخارج بوجودها السعي و اتّضح أيضاً أنّ اسم الجنس قابل لأنّ يكون مصبّ الإطلاق و التقييد.

ثانيها: «علم الجنس»

و فيه مذهبان:

المذهب الأوّل: ما ذهب إليه المحقّق الخراساني (رحمه الله) من أنّ حال علم الجنس كحال اسم الجنس عيناً فإنّ علم الجنس أيضاً موضوع عنده لنفس المعنى بما هو هو من دون لحاظ تعيّنه و تميّزه في الذهن من بين سائر المعاني حتّى يكون معرفة بسببه، بل تعريفه لفظي، أي يعامل معه معاملة المعرفة و هو نظير التأنيث اللفظي.

و أورد عليه كثير من الأعلام بأنّ الفرق بين اسم الجنس و علم الجنس ماهوي فإن اسم الجنس وضع لنفس الطبيعة بما هي هي، و علم الجنس موضوع للطبيعة بما هي متعيّنة متميّزة في الذهن من بين سائر الأجناس.

و لكن يرد على إيرادهم أنّه إن كان المراد من التميّز في الذهن فهذا يستلزم كون جميع أسامي الأجناس من أعلام الجنس لأنّ التميّز الذهني حاصل في جميعها، مضافاً إلى أنّه ممّا لا محصّل له‏

180

لأنّ التميّز حاصل على كلّ حال، و إن كان المراد من التميّز اللحاظ الذهني، أي أنّ الاسامة مثلًا وضعت لذلك الحيوان المفترس بلحاظ أنّه ليس الشجر أو الحجر و غيرهما، أي أنّه مقيّد بهذا اللحاظ.

ففيه:

أوّلًا أنّه يستلزم عدم انطباق علم الجنس على الخارج إلّا بالتجريد أو قبول المجازية و كلاهما منفيّان بحكم الوجدان.

و ثانياً: ما حكمة الواضع حينئذٍ في وضعه و أي مشكلة أراد حلّها به؟ خصوصاً إذا كان الواضع عامّة الناس فما هو داعي الأفراد العاديين من الناس في وضعهم مثل لفظ الاسامة على هذا النحو.

المذهب الثاني: ما ذهب إليه في تهذيب الاصول فإنّه قال: «اسم الجنس موضوع لنفس الماهيّة و علم الجنس للطبيعة بما هي متميّزة من عند نفسها بين المفاهيم و ليس هذا التميّز و التعيّن متقوّماً باللحاظ بل بعض المعاني بحسب الواقع معروف معيّن و بعضها منكور غير معيّن» (1).

أقول: إن كان مراده من التعبير بالواقع هو الذهن و عام اللحاظ فيرد عليه نفس ما مرّ آنفاً من الإشكالات، مع أنّه بنفسه أيضاً صرّح بعدمه، و إن كان المراد منه هو الخارج فلا نعرف لما ذكره من الفرق مفهوماً محصّلًا و لعلّ القصور منّا.

و قال المحقّق الأصفهاني (رحمه الله) في التعليقة: أنّ في الفصول تبعاً للسيّد الشريف إرادة التعيّن الجنسي، بيانه: «إنّ كلّ معنى طبيعي فهو بنفسه متعيّن و ممتاز عن غيره و هذا وصف ذاتي له، فاللفظ ربّما يوضع لذات المتعيّن و الممتاز كالأسد و اخرى للمتعيّن الممتاز بما هو كذلك كالاسامة» (2).

أقول: إنّ ما أفاده (قدس سره) لا يبعد صحّته و لا أقلّ من الاحتمال، و حينئذٍ الفرق بين اسم الجنس و علم الجنس نظير الفرق بين زيد و الرجل من بعض الجهات، فكما أنّه لا نظر في وضع الرجل لافراد الإنسان إلى التشخّصات الفرديّة و التعيّنات الخارجيّة و أنّ الفرد الفلان تولّد في أيّ‏

____________

(1) تهذيب الاصول: ج 2، ص 69، طبع مهر.

(2) نهاية الدراية: ج 1، ص 354، الطبع القديم.

181

تاريخ و من أيّ شخص مثلًا بل وضع اللفظ لذوات الأفراد فقط، و أمّا كلمة زيد فهي وضعت للفرد بما هو فرد و للشخص بما هو متشخّص و متعيّن عن سائر الافراد، كذلك في ما نحن فيه، فإنّ الأسد وضع لذلك الحيوان المتعيّن خارجاً من دون أن يكون لتعيّنه دخل في الموضوع له، و أمّا الاسامة فإنّها وضعت لذلك المتعيّن بما هو متعيّن و ممتاز عن سائر الأجناس.

إن قلت: ما هو حكمة الوضع حينئذٍ، قلنا: لا يبعد أن تكون الحكمة في ذلك أنّه كما أنّا قد نحتاج في الاستعمال أن ننظر إلى ذلك الحيوان المفترس (مثلًا) و نلاحظه من دون لحاظ تميّزه عن سائر الحيوانات بل يكون النظر إلى مجرّد الماهيّة، فلا بدّ من وضع لفظ يدلّ على نفس الماهيّة فقط، كذلك قد نحتاج إلى النظر إليه بوصف تميّزه عن سائر الأجناس، فنحتاج حينئذٍ إلى وضع لفظ للماهيّة بوصف تميّزها و تعيّنها، فتأمّل.

ثمّ إنّ الظاهر أنّ علم الجنس أيضاً يقع مصبّاً للإطلاق و التقييد كاسم الجنس من دون إشكال.

ثالثها: «المفرد المحلّى باللام»

و قد عرفت في مبحث العام و الخاصّ أنّ الألف و اللام‏ تارةً تكون لتعريف الجنس، و اخرى‏ للاستغراق و ثالثة للعهد، و لا يخفى أنّه يأتي في القسم الأوّل ما مرّ من السؤال و الجواب المذكور في علم الجنس، و لذلك ذهب المحقّق الخراساني (رحمه الله) إلى أنّها للتزيين لا للتعريف، و لكن بناءً على ما بيّناه في علم الجنس يظهر لك الحكم هاهنا أيضاً لأنّه حينئذٍ يكون الفرق بين «إنسان» و «الإنسان» مثلًا أنّ الأوّل يدلّ على مجرّد ماهيّة الإنسان من دون أن يلاحظ تميّزه عن سائر الأجناس و الموجودات، و أمّا الثاني فإنّه يشار به إلى تلك الماهيّة بوصف كونه متميّزة و متشخّصة عن غيرها.

و أمّا القسم الأخير و هو لام العهد فلا إشكال في كونها للتعريف، و هي في مثال الإنسان إمّا أن تكون إشارة إلى الإنسان المذكور في الكلام، أو الإنسان المعهود في الذهن، أو الإنسان الحاضر، و هكذا القسم الثاني أي لام الاستغراق فهي أيضاً للتعريف، و يدلّ على أقصى مراتب الجمع كما مرّ بيانه في الجمع المحلّى باللام في باب العام و الخاصّ لأنّه هو المتعيّن خارجاً بخلاف سائر المراتب كما بيّناه سابقاً.

182

و لا يخفى أنّ ما يكون مصبّاً للإطلاق و التقييد هو القسم الأوّل فقط أي ما هو لتعريف الجنس.

رابعها: النكرة

و هي نفس اسم الجنس إذا دخل عليه تنوين النكرة نحو إنسانٌ و رجلٌ، فوقع الكلام في تبيين حقيقتها و بيان الفرق بينها و بين اسم الجنس فذهب المحقّق الخراساني (رحمه الله) إلى التفصيل بين موارد استعمالها بما حاصله: أنّ الاستعمالات مختلفة فتارةً يكون مثل «جاءني رجلٌ» فيكون مفهوم النكرة حينئذٍ هو الفرد المعيّن في الواقع المجهول في الظاهر، و اخرى‏ يكون مثل «جئني برجل» فيكون مفهومها الطبيعة المقيّدة بالوحدة لا تعيّن لها لا في الواقع و لا في الظاهر لأنّها حينئذٍ صادقة على كثيرين، ثمّ أضاف و قال: «و ليس مفاده الفرد المردّد بين الأفراد و ذلك لبداهة كون لفظ «رجل» في «جئني برجل» نكرة مع أنّه يصدق على كلّ من جي‏ء به من الأفراد و لا يكاد يكون واحد منها هذا أو غيره كما هو قضية الفرد المردّد لو كان هو المراد منها ضرورة أنّ كلّ واحد هو هو لا هو أو غيره».

و قال شيخنا المحقّق الحائري (رحمه الله) في درره: «أنّ النكرة مستعملة في كلا الموردين بمعنى واحد و أنّه في كليهما جزئي حقيقي، بيانه: أنّه لا إشكال في أنّ الجزئيّة و الكلّية من صفات المعقول في الذهن و هو إن امتنع فرض صدقه على كثيرين فجزئي و إلّا فكلّي و جزئيّة المعنى في الذهن لا تتوقّف على تصوّره بتمام تشخّصاته الواقعيّة، و لذا لو رأى الإنسان شبحاً من البعيد و تردّد في أنّه زيد أو عمرو بل إنسان أو غيره لا يخرجه هذا التردّد عن الجزئيّة» (1).

أقول: الإنصاف في المقام هو وجه ثالث، و هو أن يكون الموضوع له كلّياً في جميع الموارد لكن مع قيد الوحدة ففي «جاءني رجل من أقصى المدينة» أيضاً يكون الموضوع له كلّياً لكنّه ينطبق على فرد خاصّ و تستفاد الجزئيّة من تطبيق الكلّي على الفرد كما في «زيد إنسان» و يكون من باب تعدّد الدالّ و المدلول، أي استفيدت الوحدة و الجزئيّة من التنوين، و استفيدت الطبيعة من اسم الجنس الداخل عليه التنوين لا أن تكون الجزئيّة جزءاً للموضوع له و إلّا

____________

(1) درر الفوائد: ج 1، ص 233، طبع جماعة المدرّسين.

183

يستلزم تغيير الموضوع له في الاستعمالات المختلفة و الجمل المستعمل فيها النكرة و هو بعيد جدّاً.

و أمّا ما أورده‏ المحقّق الخراساني (رحمه الله) على كون النكرة بمعنى الفرد المردّد فغير وارد، لأنّا نسأل ما هو مقصود المولى في مثال «جئني بهذا أو هذا»؟ فأمّا أن يكون المقصود الجزئي الحقيقي المعلوم في علم اللَّه تعالى و ما أظنّ أحداً يقول به، أو يكون المقصود هو مفهوم أحدهما و هو خلاف الظاهر لأنّه يستلزم تبديل «هذا أو هذا» إلى كلّي جامع بينهما، فيتعيّن أن يكون المقصود في هذا المثال الفرد المردّد، فليكن كذلك ما هو بمنزلته و هو مثل «جئني برجل» فإنّه بمنزلة أن يقال: جئني بهذا الرجل أو ذاك أو ذاك إلى آخر الأفراد.

إن قلت (كما قال به المحقّق الخراساني (رحمه الله): أنّ لفظ «رجل» يصدق على كلّ من جي‏ء به من الأفراد بخلاف الفرد المردّد (و هو مفهوم هذا أو غيره) لأنّه لا يكاد يكون واحد من الأفراد هذا أو غيره ضرورة أنّ كلّ واحد هو هو لا هو أو غيره.

قلنا: يكفي في صدق مفهوم الفرد المردّد (هذا أو غيره) صدق أحد جانبيه، لأنّ العطف فيه يكون بكلمة «أو» لا الواو، و لا إشكال في أنّ مقتضى طبيعة مفهوم «هذا أو غيره» (لمكان كلمة «أو») الصدق على كلّ واحد من الطرفين كما لا يخفى.

نعم، يرد على الفرد المردّد إشكال آخر، و هو أنّ المتكلّم إنّما يقصده فيما إذا كانت الأفراد قابلة للاحصاء و إلّا فلا يمكن أن يكون مقصوداً بل لا بدّ حينئذٍ من تصوّر كلّي جامع يكون عنواناً و مرآةً للأفراد إجمالًا، و هذا الكلّي لا يمكن أن يكون الفرد المردّد لأنّه بمنزلة «هذا أو هذا» فيحتاج فيه إلى تصوّر جميع الافراد تفصيلًا لمكان كلمة «أو» و هو لا يمكن في مثل «جئني برجل» الذي لا يحصى عدد الأفراد فيه. فإنّ هذا هو النكتة الأصليّة في الأشكال على الفرد المردّد لا ما ذهب إليه صاحب الكفاية من عدم انطباقه على الخارج.

فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ الموضوع له في النكرة مطلقاً هو الكلّي المقيّد بقيد الوحدة، و أمّا هل هو قابل لأن يكون مصبّاً للإطلاق و التقييد أو لا؟ فالظاهر أنّه لا ينبغي الإشكال في كونه كذلك، فإذا اجتمعت فيها مقدّمات الحكمة دلّ على الشياع و السريان كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى.

184

المقام الثاني: في أنّ استعمال المطلق في المقيّد حقيقة أو مجاز؟

و الأقوال فيه ثلاثة:

الأوّل: ما حكي عن سلطان العلماء و من تبعه من أنّ استعمال المطلق في المقيّد حقيقة مطلقاً.

الثاني: هو المجاز مطلقاً.

و الثالث: التفصيل بين التقييد بالمتّصل و التقييد بالمنفصل، فحقيقة في الأوّل دون الثاني.

و التحقيق في المقام يستدعي ذكر مقدّمة و هي: أنّ للمطلق معنيين:

أحدهما: المطلق قبل إجراء مقدّمات الحكمة الذي نعبّر عنه بمصبّ الإطلاق و التقييد و هو المفهوم اللّابشرط.

ثانيهما: المطلق بعد إجراء مقدّمات الحكمة و هو الشائع في جنسه و الساري في أفراده، و لا ريب أنّ محلّ البحث في المقام هو المعنى الأوّل لا الثاني، لأنّ في المعنى الثاني فرض عدم القيد الذي هو إحدى مقدّمات الحكمة فلا معنى حينئذٍ لأن نبحث في أنّ استعماله في المقيّد هل هو حقيقة أو مجاز؟

و من هنا يعلم أنّ من أخذ معنى الشيوع و السريان في مفهوم المطلق يحتاج إمّا إلى إجراء مقدّمات الحكمة أو إلى الالتزام بأخذ السريان في مفهوم المطلق بحسب الوضع كما نسب إلى القدماء من الاصوليين، و إلّا فقبل جريان المقدّمات و من دون أخذ السريان في ذات المطلق و وضعه له لا يدلّ على الشيوع و السريان بل أنّه حينئذٍ كما يمكن أن يكون مصبّاً للإطلاق، فيدلّ على الشيوع، كذلك يمكن أن يكون مصبّاً للتقييد فلا يدلّ على الشيوع.

و كيف كان‏، هل استعمال المطلق في المقيّد حقيقة أو مجاز؟ الحقّ التفصيل بين ثلاث حالات و كونه حقيقة في حالتين منها و مجازاً في حالة اخرى.

الاولى: ما إذا كان استعماله في المقيّد بنحو تعدّد الدالّ و المدلول بأن يراد أصل الطبيعة من المطلق و يراد القيد من قرينة حاليّة أو مقاليّة، كقوله: «اعتق رقبة مؤمنة» فإنّ الذوق السليم يقضي بأنّ لفظ المطلق و هو «رقبة» في المثال يدلّ على نفس الطبيعة و هو الماهيّة اللّابشرط، و لفظ «مؤمنة» يدلّ على القيد لا أنّ الرقبة استعملت في المقيّد و كانت المؤمنة قرينة على ذلك، وعليه يكون الاستعمال حقيقة.

الثانية: أن يكون من قبيل التطبيق نحو «جاءني رجلٌ» فإنّ المراد فيه رجل خاصّ و فرد

185

معيّن منه، و في هذه الصورة أيضاً يكون الاستعمال حقيقة لأنّ الرجل استعمل في معناه الحقيقي و هو الماهيّة اللّابشرط، لكنّه انطبق على فرد واحد و مصداق واحد و هو لا يوجب المجازيّة بلا إشكال.

الثالثة: استعمال المطلق في المقيّد بأن اريد القيد من نفس المطلق لا من دالّ آخر كما إذا اريد «الرقبة المؤمنة» من لفظ الرقبة فلا إشكال في كونه مجازاً في هذه الصورة من غير فرق في ذلك بين المختار و هو وضع المطلق للماهيّة اللّابشرط و بين مسلك مشهور القدماء كما لا يخفى.

و من هنا ظهر أنّ القول المنسوب إلى القدماء يستلزم المجازيّة مطلقاً (إلّا في الصورة الثانية) لأنّ استعمال المطلق في المقيّد حينئذٍ يكون نظير استعمال العام و إرادة الخاصّ، حيث إن الرقبة مثلًا بناءً على هذا المسلك يكون بمنزلة «أي رقبة» فاستعمالها في خصوص المؤمنة بمنزلة استعمال العلماء مثلًا في خصوص زيد.

المقام الثالث: في دلالة المطلق على الشمول و السريان و بيان مقدّمات الحكمة

نسب إلى مشهور القدماء أنّ دلالته عليه بمقتضى الوضع، فوضع لفظ الإنسان مثلًا للشمول و السريان في أفراده، لكن ذهب سلطان العلماء (رحمه الله) إلى أنّه ناشٍ من مقدّمات الحكمة و تبعه مشهور المتأخّرين.

و حاصل ما ذكره المحقّق الخراساني (رحمه الله) في المقام عدم صحّة النسبة المذكورة إلى المشهور بل أنّهم أيضاً كانوا يستفيدون الشياع من مقدّمات الحكمة، و لعلّ وجه هذه النسبة ملاحظة تمسّكهم بالإطلاقات مع قطع النظر عن إحراز كون المتكلّم في مقام البيان بينما الوجه في تمسّكهم هذا أنّ الأصل عندهم فيما إذا شكّ في أنّ المتكلّم في مقام بيان تمام المراد أو لا- كونه بصدد بيان تمام المراد، فإنّهم لم يعتبروا هذه المقدّمة اعتماداً على هذا الأصل.

أقول: و يشهد لصحّة هذه النسبة أمران: أحدهما: ما جاء في تعريفهم للمطلق بأنّه ما دلّ على الشياع بنفسه، فالظاهر من كلمة «ما دلّ» أنّ الدالّ على الشياع هو اللفظ كما لا يخفى.

ثانيهما: ما نسب إليهم من أنّ المطلق مجاز فيما إذا استعمل في المقيّد.

186

و كيف كان‏، فالإنصاف في المسألة بطلان ما نسب إليهم و أنّ الصحيح كون الشياع مستفاداً من مقدّمات الحكمة و ذلك لوجهين:

أحدهما: التبادر فإنّ المتبادر من إطلاق اسم الجنس مثل لفظ الإنسان مثلًا صرف الطبيعة مجرّدة عن سريانها في أفرادها، و كذلك في النكرة كقولك «رأيت إنساناً».

ثانيهما: أنّ الوضع يستلزم المجاز فيما إذا استعمل المطلق في المقيّد نحو «جئني برجل عالم» مع أنّه خلاف الوجدان.

و أمّا «مقدّمات الحكمة فما هي؟» فاختلفت كلمات الأصحاب في تعدادها فقيل أنّها أربعة:

أحدها: كون المتكلّم في مقام بيان تمام المراد ثانيها: عدم بيان القيد، ثالثها: عدم الانصراف، رابعها: عدم وجود القدر المتيقّن في مقام التخاطب.

و المحقّق الخراساني (رحمه الله)‏ جعلها ثلاث مقدّمات بادغام المقدّمة الثالثة في الثانية. بقوله:

«ثانيها انتفاء ما يوجب التعيين» فإنّ الانصراف أيضاً ممّا يوجب التعيين كالقيد كما لا يخفى.

و حذف المحقّق النائيني (رحمه الله) المقدّمة الأخيرة (و هي عدم وجود القدر المتيقّن) فالمقبول من المقدّمات الأربعة عنده اثنتان: إحداهما: كون المتكلّم في مقام البيان، ثانيهما: انتفاء ما يوجب التعيين، لكنّه أضاف إليهما مقدّمة اخرى و هي أن يكون متعلّق الحكم أو موضوعه قابلًا للتقييد، و هو ناظر فيها إلى التقسيمات اللاحقة عن الأمر كانقسام الواجب إلى ما يقصد به امتثال أمره و ما يقصد فيه ذلك و انقسام المكلّف إلى العالم و الجاهل بالحكم، فحيث إنّه لا يمكن مثلًا تقييد متعلّق الأمر بقصد الأمر على رأيه لما هو معروف من إشكال الدور لا يمكن الأخذ بإطلاقه أيضاً.

و هنا مذهب آخر يستفاد من كلمات شيخنا الحائري في الدرر و هو حذف المقدّمة الاولى أيضاً، فاللازم البحث عن كلّ واحد من هذه المقدّمات الخمسة حتّى يعلم ما يصحّ اعتباره و ما لا يصحّ.

فنقول: أمّا المقدّمة الاولى: فهي لازمة بالوجدان حيث إن الوجدان أقوى شاهد على عدم صحّة الأخذ بإطلاق كلام المولى إذا لم يكن في مقام بيان تمام المراد، فإذا قال مثلًا، «اشتر لي ثوباً» أو «اشتر أثاثاً للبيت» فلا يصحّ للعبد أن يشتري من السوق لباساً أو أثاثاً أيّاماً كان و يتمسّك عند الاحتجاج بإطلاق كلامه، نعم إذا شكّ في أنّ المتكلّم هل كان في مقام بيان تمام‏

187

المراد أو لا؟ فإنّ الأصل هو كونه بصدد بيان تمام المراد كما أفاده المحقّق الخراساني (رحمه الله) و غيره، فيكون كونه في مقام الإجمال و الإهمال أمراً استثنائياً خلاف الأصل.

لكن شيخنا الحائري (رحمه الله) خالف في ذلك في درره (بعد قبوله في صدر كلامه) و إليك نصّ بيانه: «أنّ المهملة مردّدة بين المطلق و المقيّد و لا ثالث، و لا إشكال أنّه لو كان المراد المقيّد يكون الإرادة متعلّقة به بالأصالة و إنّما ينسب إلى الطبيعة بالتبع لمكان الاتّحاد، فنقول: لو قال القائل «جئني بالرجل» أو «برجل» يكون ظاهراً في أنّ الإرادة أوّلًا و بالذات متعلّقة بالطبيعة لا أنّ المراد هو المقيّد ثمّ أضاف إرادته إلى الطبيعة لمكان الاتّحاد، و بعد تسليم هذا الظهور تسري الإرادة إلى تمام الأفراد و هذا معنى الإطلاق» (1).

أقول: توضيح كلامه: أنّ الطبيعة المهملة لا تخلو في الواقع من حالتين، فإمّا هي مطلقة، أو مقيّدة لعدم الإهمال في مقام الثبوت، فإن كان المراد في الواقع مطلقاً فهو المطلوب، و إن كان مقيّداً فيستلزم كون تعلّق الحكم و الإرادة بالمطلق تبعيّاً مع أنّ المولى إذا قال: «اعتق رقبة» و لم يقيّده بقيد المؤمنة فإنّ ظاهره أنّ الإرادة تعلّقت بطبيعة الرقبة استقلالًا، و هذا الظهور يسري إلى تمام الأفراد، و هذا هو معنى الإطلاق.

لكن يرد عليه أمران:

الأوّل: (و هو العمدة)، أنّ حديث الأصالة و التبعيّة في الإرادة يتصوّر في لوازم الماهيّة كالزوجيّة بالنسبة إلى الأربعة فإنّه إذا تعلّقت الإرادة بالأربعة تتعلّق بالزوجيّة تبعاً، و لا يتصوّر في ما نحن فيه حيث إن طبيعة الرقبة المهملة في المقام متّحدة مع الرقبة المقيّدة بقيد المؤمنة في الخارج فليست إحداهما لازمة للُاخرى كما لا يخفى.

الثاني: ما مرّ من أنّه خلاف الوجدان، فلا يأخذ عبد بإطلاق كلام مولاه إذا لم يكن في مقام البيان.

أمّا المقدّمة الثانية: (و هي عدم بيان القيد) فإنّ لزومها من الواضحات حيث إن المفروض في جواز التمسّك بالإطلاق و عدمه عدم وجود قيد بالنسبة إلى الجهة التي نحاول التمسّك بإطلاق الكلام فيها، و لذلك لم يتكلّم حولها في عباراتهم و لم ينكر اعتبارها أحد.

____________

(1) درر الفوائد: ج 1، ص 234، طبع جماعة المدرّسين.

188

أمّا المقدّمة الثالثة: (و هي وجود القابلية للإطلاق و التقييد التي أفادها المحقّق النائيني (رحمه الله) فيرد عليها أوّلًا: أنّها ترجع إلى المقدّمة الاولى لأنّ من لم يقدر على التقييد لم يكن في مقام البيان، و لا فرق في عدم جواز التمسّك بالإطلاق بين أن يكون عدم كون المتكلّم في مقام البيان ناشئاً من عدم حضور وقت البيان أو من استلزامه أمراً محالًا كالدور.

ثانياً: قد مرّ في البحث عن التوصّلي و التعبّدي من أنّ التقسيمات اللاحقة تكون كالتقسيمات السابقة لأنّها و إن كان وجودها لاحقاً عن وجود المتعلّق إلّا أنّه يمكن تصوّرها سابقاً و أخذها في المتعلّق‏ فنقول: «صلّ مع قصد أمرها» و تمام الكلام في محلّه.

فظهر أنّ المقدّمة الثالثة على حدّها ليست مقدّمة بل إنّها ترجع حقيقة إلى المقدّمة الاولى، نعم ينبغي التنبيه بها و التوجّه إليها على فرض وجود مصداق لها.

أمّا المقدّمة الرابعة: (و هي عدم الانصراف) فنقول في توضيحها: أنّ الانصراف هو أن توجد من ناحية كثرة الاستعمال بين لفظ و معنى علاقة في الأذهان بحيث توجب انسباق ذلك المعنى من اللفظ حين إطلاقه، و ليس المراد منه صيرورة اللفظ حقيقة ثانويّة في ذلك المعنى، و هو نظير انصراف كلمة «أهل العلم» في يومنا هذا إلى العالم الديني مع أنّ غيره أيضاً من أهل العلم.

و هو على خمسة أنواع: أحدها: الانصراف البدوي و هو يزول بالتأمّل، مثل أن يقال: «من المفطّرات الأكل و الشرب» الذي ينصرف إلى الأغذية و المشروبات المتعارفة، لكنّه بدوي لا اعتبار به، و لذا أفتى الأصحاب بحصول الإفطار بالمأكولات غير المتعارفة كأوراق الأشجار.

ثانيها: الانصراف الذي منشأه كثرة الاستعمال و هو لا يزول بالتأمّل كالمثال المتقدّم و هو أهل العلم الذي ينصرف إلى العالم الديني لكثرة استعماله فيه.

ثالثها: الانصراف إلى الفرد الأكمل من أفراد الماهيّة المشكّكة نحو ما مرّ في البحث عن مفهوم الشرط من انصراف العلّية المستفادة من أداة الشرط إلى العلّية المنحصرة لكونها أكمل أفراد العلّية، و لكن هذا الانصراف غير ثابت بل حيث إن الفرد الأكمل يكون نادراً لا ينصرف إليه اللفظ قطعاً.

رابعها: الانصراف إلى القدر المتيقّن و هذا أيضاً غير ثابت.

خامسها: الانصراف الحاصل من كثرة الاستعمال حيث يكون المعنى السابق مهجوراً

189

و صار اللفظ حقيقة في المنصرف إليه.

هذا- و الإنصاف أنّ الانصراف ينقسم في الواقع إلى قسمين بدوي و ثابت مستمرّ، و الانصراف البدوي هو ما يزول بالتأمّل، و الثابت ما لا يزول به و أمّا هذه الأقسام الخمسة فالخامس منها خارج عن ما نحن فيه لصيرورة اللفظ فيه حقيقة في المعنى الجديد، و أمّا الباقي ففي الحقيقة بيان لمنشإ الانصراف.

إذا عرفت هذا فنقول: و الذي عدّ من مقدّمات الحكمة هو عدم الانصراف بالمعنى الثاني، أي عدم الانصراف الثابت، لكنّ الحقّ أنّ هذه المقدّمة أيضاً ترجع حقيقة إلى المقدّمة الثانية، و هي انتفاء ما يوجب التعيين حيث إن الانصراف هو ممّا يوجب تعيين المعنى كما لا يخفى.

أمّا المقدّمة الخامسة: (و هي انتفاء القد المتيقّن في مقام التخاطب) فحاصل بيان المحقّق الخراساني (رحمه الله) فيها: أنّه إذا كان المتيقّن تمام مراد المولى و هو لم يذكر القيد اعتماداً على ذلك المتيقّن لم يخلُ بغرضه.

و التحقيق في المسألة: أنّ القدر المتيقّن على قسمين: تارةً يكون المتيقّن متيقّناً بحسب مقام التخاطب، و اخرى‏ بحسب الخارج، فالقسم الأوّل مثل أن يسأل العبد من مولاه: «هل أكرم النحويين؟» و أجاب المولى بقوله: «أكرم العالم» فلا ريب في أنّ النحويين بقرينة ذلك السؤال هو القدر المتيقّن في مقام التخاطب، بينما القدر المتيقّن بحسب الخارج هو الفقهاء و المجتهدين مثلًا للقطع بوجود الملاك فيهم، فالميزان في القدر المتيقّن بحسب مقام التخاطب هو وجود سؤال أو قرينة يكون بمنزلة شأن نزول كلام المولى، و الميزان في القدر المتيقّن بحسب الخارج القطع بوجود الملاك.

و كيف كان، فإنّ المختار في المقام هو عدم اعتبار هذه المقدّمة كما صرّح به جماعة من الأعلام أيضاً.

و يدلّ عليه وجوه ثلاثة: أحدها: استلزامها عدم إمكان التمسّك بكثير من الإطلاقات الواردة في الكتاب و السنّة مع أنّ السيرة العمليّة للفقهاء و المتشرّعين قامت على خلافه فإنّهم لا يعتنون بشأن نزول الآيات و مورد السؤال في الرّوايات إذا كان الجواب مطلقاً.

ثانيها: أنّ وجود القدر المتيقّن ليس من قبيل القيود الاحترازيّة التي يأخذها المتكلّم في كلامه و يكون لها لسان إثبات و لسان نفي، إثبات الحكم لنفسها و نفي الحكم عن غيرها، بل‏

190

غاية ما يستفاد من وجوده ثبوت الحكم بالنسبة إلى نفسه، و أمّا عدم ثبوته بالنسبة إلى غيره فهو ساكت عنه و غير مفيد له، و حينئذٍ لا مانع من التمسّك بالإطلاق و إسراء الحكم إلى ذلك الغير، و إلّا يلزم إهمال المولى بالنسبة إلى غير القدر المتيقّن و سكوته عن بيان حكمه، مع أنّ المفروض أنّه في مقام بيان تمام المراد.

ثالثها: أنّه لو كان المتيقّن مزاحماً للأخذ بالإطلاق فما هو الفرق بين المتيقّن بحسب التخاطب و المتيقّن بحسب الخارج؟ مع أنّ ما ذكره المحقّق الخراساني (رحمه الله) في مقام إثبات اعتبار هذه المقدّمة (و هو أنّ المولى لم يخلّ بغرضه إذا لم يبيّن القيد اعتماداً على القدر المتيقّن) جارٍ في القسم الثاني أيضاً و هو يستلزم عدم جواز التمسّك بالإطلاق في ما إذا وجد في البين قدر متيقّن بحسب الخارج أيضاً مع أنّ هذا ممّا لا يلتزم به الخصم.

إلى هنا ثبت أنّ المعتبر في الأخذ بالإطلاق بين المقدّمات الخمسة مقدّمتان: إحداهما: كون المتكلّم في مقام البيان، و ثانيهما: انتفاء ما يوجب التعيين.

تنبيهات‏

الأوّل: في نتيجة مقدّمات الحكمة؟

ذهب المشهور إلى أنّ نتيجتها السريان و الشمول فكأنّ المولى أطلق كلامه بعد أن لاحظ القيود إجمالًا، و يسمّى هذا الإطلاق بالإطلاق اللحاظي، و سيأتي الفرق بينه و بين العموم إن شاء اللَّه تعالى.

لكن خالف في ذلك بعض الأعاظم و قال: «لا يستفاد السريان من المطلق و لو بعد جريان مقدّمات الحكمة، بل الإطلاق ليس إلّا الإرسال عن القيد و عدم دخالة القيد و هو غير السريان و الشيوع» و قال في موضع آخر من كلماته: «هذا كلّه على المختار في باب الإطلاق من عدم كون الطبيعة مرآة للأفراد و لا وسيلة إلى لحاظ الخصوصيّات و حالاتها و عوارضها» (1)، و قد اعتمد على هذا المبنى و بنى عليه في مسائل عديدة، منها مبحث الترتّب المتقدّم ذكره.

____________

(1) راجع تهذيب الاصول: ج 2، ص 64 و 72، طبع مهر؛ و كتاب البيع: ج 4، ص 365.

191

أقول: إنّا نسأل: هل المولى الذي يكون في مقام البيان و يجعل مفهوم المطلق متعلّق حكمه، يلاحظ و يتصوّر الحالات و العوارض الفرديّة و ينظر إليها أو لا؟ فإن قلتم أنّه لم يلاحظها و لو إجمالًا، قلنا: بأنّ هذا خلاف معنى الإطلاق و هو عدم دخالة القيد و مخالف لكون المولى في مقام البيان حيث إن عدم جعل القيد دخيلًا مع كونه في مقام البيان معناه أنّه نظر إلى القيود و لو إجمالًا فلم يرها دخيلة في مقصوده و قال «اعتق الرقبة» مثلًا، و إن قلتم أنّه نظر إليها و لاحظها ثمّ حكم بعدم دخالتها فليس هذا إلّا السريان و أنّ المطلق شامل لجميع الأفراد بعد إجراء مقدّمات الحكمة.

و الحاصل أنّ كون المطلق تمام المطلوب لا يمكن إلّا بعد لحاظ سائر القيود و لو إجمالًا و نفى دخالتها فإنّ هذا هو المفهوم من لفظ تمام المراد فإنّ مفهومه أنّ المطلوب هو هذا لا غير، و هذا أمر ظاهر.

الثاني: ما الفرق بين العام و المطلق؟

(لا سيّما على المختار من أنّ المطلق أيضاً يدلّ على الشمول بدليّاً كان أو استغراقياً).

إنّ الشمول في المطلق يستفاد من مقدّمات الحكمة بينما في العام يستفاد من وضع اللفظ، و لا يخفى أنّ هذا الفرق مبنيّ على المختار و هو دلالة المطلق أيضاً على الشمول، و إلّا فإن قلنا بدلالته على الطبيعة المرسلة فقط فالفرق أوضح، حيث إن العام يدلّ على الشمول و هو لا يدلّ عليه.

نعم، يبقى الكلام في ما ذهب إليه المحقّق النائيني (رحمه الله) و جماعة من أنّ استفادة العموم من العام أيضاً يتوقّف على إجراء مقدّمات الحكمة في مدخوله فحينئذٍ يشكل الفرق بينهما.

الثالث: فيما إذا شكّ في أنّ المولى هل هو في مقام البيان أو لا؟

فما هو مقتضى الأصل و القاعدة الأوّليّة؟

نقول: إنّ مقتضى الأصل اللفظي العقلائي كونه في مقام البيان و يؤيّده السيرة المستمرّة للفقهاء و المجتهدين في التمسّك بالإطلاقات و العمومات مطلقاً إلّا فيما إذا أحرز كونه في مقام الإجمال و الإهمال فإنّهم مع فقد هذا الإحراز يأخذون بالإطلاق كما تشهد به سيرتهم العمليّة في أبواب الفقه.

192

ثمّ ليعلم أنّه قد يكون المولى في مقام البيان من جهة و لا يكون في مقام البيان من جهة اخرى، كما إذا سئل السائل مثلًا عن الإمام (عليه السلام) ب «أنّ لي أربعين شاة هل فيها زكاة؟» فأجاب:

«في أربعين شاة زكاة» فإنّه (عليه السلام) في هذا البيان إنّما يكون في مقام بيان أصل النصاب فقط و ليس في مقام بيان مقدار الزّكاة كما لا يخفى، فلا يمكن الأخذ بإطلاقه من هذه الجهة، و من هنا يظهر أنّ الإطلاق و التقييد أمران إضافيان.

الرابع: في أنّ المراد من عدم البيان في ما نحن فيه هو عدم البيان في زمان التخاطب لا عدم البيان إلى الأبد

فإذا كتب المولى مثلًا في رسالة إلى العبد: «اشتر لي قرآناً و أرسله إليّ» و أطلقها و لم يبيّن خصوصيّة للقرآن، فلا ينتظر العبد إرسال رسالة اخرى يبيّن فيها دخالة قيد خاصّ أو عدمها، بل يأخذ بإطلاقها، و كذلك إذا صدرت منه هذه الجملة في مجلس من دون أن يبيّن في ذلك المجلس و ذلك المقام- و هو مقام التخاطب- قيداً خاصّاً.

إن قلت: لو ظفرنا بعد ذلك بالقيد كما إذا صدر المطلق من جانب الرسول (صلى الله عليه و آله) (مثلًا) و القيد من أحد الأئمّة (عليهم السلام) فهل يستكشف منه عدم كونه (صلى الله عليه و آله)، في مقام البيان و إنّا قد أخطأنا، أو نلتزم بأنّه (صلى الله عليه و آله) أخّر البيان عن وقت الحاجة، أو لا هذا و لا ذاك بل نقول إنّما كان في مقام بيان الحكم الظاهري، و بيّن الإمام (عليه السلام) القيد بعنوان الحكم الواقعي و التصرّف في الإرادة الجدّية فقط؟

قلنا: الصحيح هو الوجه الثالث لما مرّ في مبحث العام و الخاصّ من أنّ مقتضى مصلحة تدريجية الأحكام كون العمومات من قبيل ضرب القانون و وضع القاعدة، ليعمل بها حتّى يرد المخصّص.

الخامس: في اختلاف نتيجة مقدّمات الحكمة

قد تكون نتيجتها الشمول البدلي، فمفادها حينئذٍ مفاد كلمة أي، نحو «جئني برجل» فإنّ معناه «جئني بأي رجل» و قد تكون الشمول الاستغراقي نحو «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» و هو الغالب في الأحكام الوضعيّة نظير «الماء إذا بلغ قدر كرّ فلم ينجّسه شي‏ء» و «الأرض يطهّر بعضها بعضاً». و أمّا العموم المجموعي، فالظاهر أنّه لا يمكن استفادته إلّا إذا قامت قرينة على إرادة المجموع من حيث المجموع.

193

ثمّ إنّه ربّما يتوهّم أنّه قد يكون المستفاد من مقدّمات الحكمة الفرد بدلًا عن الشمول و السريان، و هذا مثل ما مرّ في أبواب الأوامر من أنّ مقتضى إطلاق الأمر الوجوب النفسي التعييني العيني.

أقول: لكن الحقّ أنّ كلّ واحد منها مدلول التزامي للأمثلة المذكورة، أي أنّ مقتضى مقدّمات الحكمة و المدلول المطابقي لها حقيقة في مثال «صلّ صلاة الظهر يوم الجمعة» مثلًا شمول الوجوب لحالتي إتيان صلاة الجمعة و عدمه، و لازمه الوجوب التعييني كما يظهر بالتأمّل، و هكذا بالنسبة إلى الوجوب النفسي و الوجوب العيني، ففي كلّ منهما يكون الإطلاق كسائر المقامات، و إنّما تكون النفسية و العينية من لوازمه لا أنّهما مدلولان مطابقيان للإطلاق.

المقام الرابع: فيما إذا ورد مطلق و مقيّد

و فيه ثلاث حالات: الاولى: أن يكون الدليلان مختلفين في النفي و الإثبات، نحو «اعتق رقبة» و «لا تعتق رقبة كافرة» فلا شكّ في لزوم التقييد فيها لأنّ المطلق ليس ظهوره في الإطلاق أقوى من ظهور العام في العموم، فكما أنّ العام يخصّص الدليل الخاصّ بلا إشكال، كذلك المطلق يقيّد بالدليل المقيّد، بل التقييد هنا أولى من التخصيص هناك لأنّ ظهور المطلق في الإطلاق مستفاد من مقدّمات الحكمة، و أمّا الظهور في العام فهو مستفاد من الوضع، و لا إشكال في أنّ رفع اليد عن الظهور الإطلاقي أخفّ و أسهل من رفع اليد عن الظهور الوضعي.

أضف إلى ذلك ما مرّ في العام و الخاصّ من أنّ ورود الخاصّ بعد العام يعدّ نحو تناقض عند العرف بخلاف المقيّد، فإنّ العرف لا يرى تناقضاً بين «اعتق رقبة» مثلًا و «لا تعتق الرقبة الكافرة» كما لا يخفى.

الثانية: أن يكونا مثبتين أو منفيين مع عدم إحراز وحدة الحكم فيهما فيكون الظاهر حينئذٍ التعدّد إمّا لأجل تعدّد الشرط مثلًا نحو «إن ظاهرت فاعتق رقبة» و «إن أفطرت فاعتق رقبة مؤمنة» أو لعدم المنافاة بين الحكمين نحو «أكرم العالم» و «أكرم العالم الهاشمي»، و في هذه الصورة أيضاً لا إشكال في عدم التقييد.

الثالثة: نفس الحالة الثانية مع إحراز وحدة الحكم نحو «إن ظاهرت فاعتق رقبة» و «إن‏

194

ظاهرت فاعتق رقبة مؤمنة» أو «صلّ صلاة الظهر» و «صلّ صلاة الظهر إخفاتاً»، و المشهور في هذه الحالة التقييد كما عليه سيرة الفقهاء في الفقه، و استدلّ له بثلاثة وجوه:

الأوّل: أنّ الجمع مهما أمكن أولى من الطرح، و هو في المقام يحصل بالتقييد.

لكن يرد عليه: أنّه لا دليل لنا على ثبوت هذه القاعدة في جميع الموارد فليس الجمع أولى من الطرح حتّى فيما إذا كان الجمع جمعاً تبرئياً غير عرفي، بل الأولويّة ثابتة في باب تزاحم الملاكات، فإذا ثبت هناك ملاكان لحكمين فمهما أمكن الجمع بين هاتين المصلحتين كان أولى.

الثاني: أنّ الدليل المقيّد وارد على الدليل المطلق و رافع لموضوعه، و ذلك لأنّ إحدى مقدّمات الحكمة في المطلق هي عدم البيان، و المقيّد يكون بياناً.

لكنّه أيضاً ممنوع لما مرّ سابقاً من أنّ المراد من عدم البيان في مقدّمات الحكمة هو عدم البيان في مقام التخاطب لا عدم البيان إلى الأبد، و إلّا يلزم الخروج عن فرض المسألة حيث إن المفروض في المقام ما إذا ورد مطلق و مقيّد، أي بعد أن تمّ الإطلاق في دليل المطلق، و هذا يتمّ بعد تمام مقدّمات الحكمة التي منها عدم بيان القيد في مقام التخاطب.

الثالث: (و هو الصحيح في المقام) أن نقول: بأنّ الجمع هنا جمع دلالي عرفي، و بيانه: أنّ هنا ظهورات ثلاثة متعارضة ظهورين في جانب المطلق و ظهوراً في جانب المقيّد، أمّا الظهوران في جانب المطلق‏ فأحدهما: ظهوره في كون المولى في مقام البيان، و الثاني: ظهوره في تطابق الإرادة الجدّية مع الإرادة الاستعماليّة، و أمّا الظهور في جانب المقيّد فهو ظهوره في كون المطلوب مقيّداً، فيدور الأمر حينئذٍ بين التصرّف في أحد الظهورين في جانب المطلق و بين التصرّف في ظهور المقيّد و حمله على الاستحباب مثلًا، و الإنصاف أنّ ظهور المقيّد أقوى منهما، فلا بدّ أن نرفع اليد من الظهور الأوّل في المطلق و نحكم بأنّ المولى لم يكن في مقام البيان، و حينئذٍ لا تصل النوبة إلى الظهور الثاني كما لا يخفى، أو نرفع اليد من الظهور الثاني و نحكم بعدم جدّية الإرادة في غير المقيّد.

نعم‏، هذا إذا كان المورد من الواجبات، و أمّا إذا كان من المستحبّات فسيأتي حكمه إن شاء اللَّه تعالى من أنّها محمولة على مراتب الفضل.

هذا تمام الكلام في الصور المتصوّرة بعد ورود المطلق و المقيّد.

195

تنبيهات‏

التنبيه الأوّل: أنّه من أين ثبت صغرى الكبرى المذكورة في الصورة الثانية؟ و الثالثة أي من أين يحرز وحدة الحكم و تعدّده؟ فنقول: يمكن استفادة الوحدة من عدّة قرائن:

منها: أن تكون الحكمين معلّقين على شرط واحد، نحو «إن ظاهرت فاعتق رقبة» و «إن ظاهرت فاعتق رقبة مؤمنة».

و منها: الإجماع كما أنّه ثابت في مثال صلاة الظهر المتقدّم.

و منها: ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله) و هو مبني على امور ثلاثة نذكرها ملخّصاً:

الأوّل: أن يكون الحكم في كلّ من المطلق و المقيّد مرسلًا أو معلّقاً على شي‏ء واحد.

الثاني: أن يكون كلّ من التكليفين إلزامياً و إلّا لم يكن موجب لرفع اليد عن إطلاق المطلق بحمله على المقيّد منهما، و الوجه في ذلك هو أنّه إذا كان الحكم المتعلّق بالمقيّد غير إلزامي جاز مخالفته فلا يكون منافاة حينئذٍ بينه و بين إطلاق متعلّق الحكم الآخر.

الثالث: أن يكون متعلّق كلّ من الخطابين صرف الوجود الذي ينطبق قهراً على أوّل وجود ناقض للعدم‏ (1).

و حاصل الكلام في الأمر الثالث أنّه إذا كان مطلوب المولى صرف الوجود للرقبة مثلًا أي رقبة كانت، ثمّ كان مطلوبه أيضاً الرقبة المؤمنة، فلا مناصّ حينئذٍ من التقييد كما هو ظاهر.

التنبيه الثاني: (و هو كثير الابتلاء في الفقه) في أنّ المشهور أنّ المطلق الوارد في المستحبّات لا يحمل على المقيّد بل الدليل المقيّد يحمل على سلسلة مراتب المحبوبيّة و تعدّد المطلوب، نحو ما إذا ورد مثلًا دليل على استحباب قراءة القرآن مطلقاً، و ورد دليل آخر على استحباب قراءته مع الطهارة، و دليل ثالث على استحباب قراءته بالترتيل أو مستقبل القبلة، أو ورد في باب صلاة الليل روايات تدلّ على استحبابها و وردت أيضاً رواية تأمر بإتيانها في الثلث الآخر من الليل، و رواية اخرى تأمر بالقنوت في صلاة الوتر أوّلًا و بالدعاء لأربعين مؤمناً ثانياً و بالاستغفار سبعين مرّة و طلب العفو ثلاثمائة مرّة ثالثاً، و نحوه أيضاً أنّه وردت روايات تدلّ على استحباب زيارة الحسين (عليه السلام) ثمّ وردت روايات تدلّ على استحبابها في خصوص ليلة

____________

(1) راجع أجود التقريرات: ج 1، ص 537- 539.

196

الجمعة أو يوم عرفة، إلى غير ذلك من المطلقات و المقيّدات التي وردت في أبواب المستحبّات فإنّ المشهور كما مرّ حملها على تعدّد المطلوب و بيان سلسلة مراتب المطلوبيّة و الفضل، إلّا إذا قام دليل خاصّ على التقييد، فالقاعدة الأوّليّة و الأصل الأوّلي عندهم في المستحبّات عدم التقييد.

و استدلّ عليه‏ أوّلًا: بما أشار إليه في الكفاية بقوله: «أو أنّه كان بملاحظة التسامح في أدلّة المستحبّات و كان عدم رفع اليد من دليل استحباب المطلق بعد مجي‏ء دليل المقيّد و حمله على تأكّد استحبابه من التسامح فيها».

إلّا أنّ الإنصاف أنّه غير تامّ، لأنّ التسامح في أدلّة السنن ليس إلّا عبارة عن العمل بأخبار من بلغ في المستحبّات و لا إشكال في أنّها ناظرة إلى ضعف السند على القول به لا الدلالة (كما يأتي في محلّه) و المقام في ما نحن فيه مقام الدلالة كما لا يخفى.

و ثانياً: (و هو الحقّ الصحيح) ما أشار إليه المحقّق الخراساني (رحمه الله) أيضاً، و حاصله مع توضيح منّا: أنّ الغالب في باب المستحبّات أن يكون القيد لأجل التأكيد و مزيد المحبوبيّة لا لأجل الاحتراز و الدخول في أصل المطلوبيّة كي يحمل المطلق على المقيّد، و هذه الغلبة توجب ظهور الأوامر فيها في تعدّد المطلوب و تفاوت الافراد بحسب مراتب المحبوبيّة و الفضل.

و أورد عليه‏ في المحاضرات بأنّ «مجرّد الغلبة لا يوجب ذلك بعد ما افترض أنّ دليل المقيّد قرينة عرفيّة على تعيين المراد من المطلق، ضرورة أنّ الغلبة ليست على نحو تمنع عن ظهور دليل المقيّد في ذلك» (1).

لكنّه يردّ: بأنّ الغلبة على قسمين: تارةً يكون المقصود منها ما يقابل الشاذّ و النادر، و اخرى‏ ما يقابل الأغلب فإن كانت من قبيل الثاني (كما هي كذلك في باب صيغة الأمر) فلا تمنع عن الظهور فإنّ غلبة استعمال صيغة الأمر في الندب مثلًا لا تمنع عن ظهورها في الوجوب، و إن كانت من قبيل الأوّل كما في المقام (حيث إن ورود القيد لأجل الاحتراز و التقييد في باب المستحبّات يكون شاذّاً بالنسبة إلى تعدّد المطلوب) فلا إشكال في منعها حينئذٍ عن ظهور دليل القيد في التقييد، و بالجملة أنّ غلبة استعمال المطلق و المقيّد في باب المستحبّات في تعدّد

____________

(1) المحاضرات: ج 5، ص 382.

197

المطلوب توجب ظهور الأوامر فيها في تعدّد المطلوب، هذا أوّلًا.

و ثانياً: سلّمنا ظهورها في وحدة المطلوب لكنّها في التعدّد أقوى و أظهر.

ثمّ إنّ هنا تفصيلًا ذهب إليه في المحاضرات و «هو أنّ الدليل الدالّ على التقييد يتصوّر على وجوه أربعة لا خامس لها:

الأوّل: أن يكون ذات مفهوم بمعنى أن يكون لسانه لسان القضيّة الشرطيّة كما إذا افترض أنّه ورد في دليل أنّ صلاة الليل مستحبّة و ورد في دليل آخر أنّ استحبابها فيما إذا كان المكلّف آتياً بها بعد نصف الليل، ففي مثل ذلك لا مناصّ من حمل المطلق على المقيّد عرفاً، نظراً إلى أنّ دليل المقيّد ينفي الاستحباب في غير هذا الوقت من جهة دلالته على المفهوم.

الثاني: أن يكون دليل المقيّد مخالفاً لدليل المطلق في الحكم، فإذا دلّ دليل على استحباب الإقامة مثلًا في الصّلاة، ثمّ ورد في دليل آخر النهي عنها في مواضع كالإقامة في حال الحدث أو حال الجلوس أو ما شاكل ذلك، ففي مثل ذلك لا مناصّ من حمل المطلق على المقيّد، و الوجه فيه ما ذكرناه غير مرّة من أنّ النواهي الواردة في باب العبادات و المعاملات ظاهرة في الإرشاد إلى المانعية.

الثالث: أن يكون الأمر في دليل المقيّد متعلّقاً بنفس التقييد لا بالقيد كما إذا افترض أنّه ورد في دليل أنّ الإقامة في الصّلاة مستحبّة و ورد في دليل آخر: فلتكن في حال القيام أو في حال الطهارة، فالكلام فيه هو الكلام في القسم الثاني، حيث إن الأمر في قوله: «فلتكن» ظاهر في الإرشاد إلى شرطيّة الطهارة أو القيام لها، و لا فرق من هذه الناحية بين كون الإقامة مستحبّة أو واجبة.

فما هو المشهور من أنّه لا يحمل المطلق على المقيّد في باب المستحبّات لا أصل له في الأقسام الثلاثة.

الرابع: أن يتعلّق الأمر في دليل المقيّد بالقيد بما هو كما هو الغالب في باب المستحبّات، مثلًا ورد في استحباب زيارة الحسين (عليه السلام) مطلقات و ورد في دليل آخر استحباب زيارته (عليه السلام) في أوقات خاصّة كليالي الجمعة و أوّل و نصف رجب و نصف شعبان و ليالي القدر و هكذا، ففي مثل ذلك الظاهر أنّه لا يحمل عليه لعدم التنافي بينهما بعد فرض عدم إلزام المكلّف بالإتيان بالمقيّد بل لا بدّ من حمله على تأكيد الاستحباب و كونه الأفضل، بخلاف باب الواجبات‏

198

لوجود التنافي فيها بين دليل المطلق و المقيّد حيث إن مقتضى إطلاق المطلق ترخيص المكلف في تطبيقه على أي فرد من أفراده شاء في مقام الامتثال و هو لا يجتمع مع كونه ملزماً بالإتيان بالمقيّد» (1).

أقول: لكن الإنصاف أنّ نطاق مقال المشهور أوسع من القسم الأخير في كلامه فإنّه يشمل سائر الأقسام ما عدى القسم الأوّل الذي هو خارج عن محلّ الكلام للتصريح بعدم الصحّة فيه، و أمّا ظهور الأوامر في الإرشاد إلى الشرطيّة و النواهي في المانعية إنّما هو مسلّم في الواجبات و أمّا في أبواب المستحبّات فهو ممنوع كما عرفت من غلبة كون القيود فيها ناظرة إلى تعدّد مراتب الفضل فلا وجه للتفصيل في المقام.

بقي هنا شي‏ء:

و هو أنّه إذا ورد المطلق و المقيّد في دليل واحد نحو «اقرأ القرآن مع الطهارة» فهل يحملان أيضاً على تعدّد المطلوب بأن نجعلهما نظير ما إذا ورد كلّ من المطلق و المقيّد في دليل مستقلّ أو لا؟ و هذا ممّا لم يتعرّض له في كلماتهم، و لكن الظاهر عدم الحمل على مراتب الفضل لأنّ ما بيّناه سابقاً من ظهور القيد في تعدّد المطلوب جارٍ فيما إذا كان هناك مقيّد و مطلق ظاهر في إطلاقه مع أنّ في هذا الفرض لا يحصل للمطلق ظهور في إطلاقه من جهة اتّصال القيد به بل هو ظاهر في وحدة المطلوب، و لا أقلّ من إجماله، و نتيجته الأخذ بالمقيّد لأنّه هو القدر المتيقّن.

التنبيه الثالث: أنّ ما ذكرنا من حمل المطلق على المقيّد في باب الواجبات أو المحرّمات إنّما هو فيما إذا لم يكن من باب مفهوم الوصف و إلّا فلا كلام و لا إشكال في لزوم حمل المطلق على المقيّد حينئذٍ لأنّه يرجع حقيقة إلى الصورة الاولى في المسألة، أي ما إذا كان المطلق و المقيّد متخالفين الذي قد مرّ حكمه و هو لزوم التقييد بلا إشكال.

التنبيه الرابع: أنّ ما مرّ كان مختصّاً بما إذا كان المطلق و المقيّد من الأحكام التكليفية، فما هو الحكم في الأحكام الوضعية كما إذا ورد دليل يقول «أحلّ اللَّه البيع» و ورد دليل آخر يقول:

«نهى النبي عن بيع الغرر»؟

____________

(1) المحاضرات: ج 5، ص 383- 384.

199

الحقّ أنّ في المسألة صوراً:

الصورة الاولى: ما إذا كان المطلق و المقيّد متخالفين في الإثبات و النفي نظير ما مرّ من المثال آنفاً، فحكمها واضح، و لا إشكال في لزوم الجمع بينهما بالتقييد كما مرّ في الأحكام التكليفية.

الصورة الثانية: ما إذا كانا مثبتين أو منفيين و هي بنفسها على صورتين:

تارةً يكون القيد في المقيّد احترازيّاً، و بتعبير آخر: يكون للتقيّد مفهوم مثل قوله تعالى:

«وَ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ» في قبال قوله تعالى:

«أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» حيث إن القيد في الأوّل في مقام الاحتراز، فلا إشكال أيضاً في التقييد كما مرّ في التنبيه السابق أنّهما يرجعان إلى المتخالفين.

و اخرى‏ لا يكون القيد في مقام الاحتراز و لا يكون له مفهوم كما إذا ورد دليل يقول: «أحلّ اللَّه البيع بالصيغة العربيّة» و فرضنا عدم كون المقام فيه مقام الاحتراز، في قبال دليل حلّية بيع المعاطاة، ففي هذه الصورة قال المحقّق الخراساني (رحمه الله): «إذا علم أنّ مراده إمّا البيع على إطلاقه أو البيع الخاصّ فلا بدّ من التقييد لو كان ظهور دليله في دخل القيد أقوى من ظهور دليل الإطلاق فيه كما هو ليس ببعيد، ضرورة تعارف ذكر المطلق و إرادة المقيّد (بخلاف العكس) بالغاء القيد و حمله على أنّه غالبي أو على وجه آخر» (مثل إن كان القيد مورداً لابتلاء المكلّف).

أقول: إنّ مقصوده من قوله: «أمّا البيع على إطلاقه أو البيع الخاصّ» وحدة المطلوب (كما أشار إليه بعض المحشّين على الكفاية) أي إذا أحرز وحدة المطلوب فلا بدّ من التقييد، و هو ممّا لا إشكال فيه ثبوتاً، لكن المهمّ هنا مقام الإثبات و أنّه من أي طريق يمكن إحراز وحدة الحكم كما كنّا نفهمها في الأحكام التكليفية من تعلّق الطلب بصرف الوجود، بل يمكن أن يكون النظر فيها إلى جميع الأفراد، نحو قوله (عليه السلام): «الدم نجس» و قوله تعالى: «حَرَّمَ الرِّبَا» و «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» و قوله (عليه السلام): «إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شي‏ء» فإنّ الحكم فيها (كما لا يخفى) تعلّق بأي دم و أي قسم من الربا و أي نوع من الماء أو البيع، أي أنّ الشمول فيها استغراقي لا بدلي كما أنّ الطريقين الآخرين المذكورين في الأحكام التكليفيّة (و هما إحراز الوحدة من طريق الإماع و وحدة الشرط) أيضاً لا يوجد لهما مصداق في مثل هذه الموارد أصلًا، فحينئذٍ ينحصر الدليل على إحراز وحدة الحكم بكون القيد ظاهراً في الاحتراز، أو قيام دليل آخر على كون القيد ممّا

200

يكون له مفهوم، و إلّا فإنّ مجرّد حلّية البيع على إطلاقه مثلًا و حلّية بيع المعاطاة لا منافاة بينهما.

الكلام في المجمل و المبيّن‏

و لا بدّ فيه من ذكر مقدّمات قبل الورود في أصل الكلام:

المقدّمة الاولى: في أنّه ما هو المراد بالمجمل و المبيّن؟ و ما تعريفهما؟

الظاهر أنّ المجمل (و في مقابله المبيّن) على معناه اللغوي و أنّه ليس له اصطلاح خاصّ في الاصول، و له في اللغة أصلان لكلّ واحد معنى على حدة:

أحدهما: جَمَلَ يجمل (كنصر ينصر) جملًا الشي‏ء إذا جمعه، و هو في الكلام إذا جمعه من غير تفصيل، و منه الجملة و جمعه الجُمَل بمعنى الجماعة.

الثاني: جَمُلَ يَجمل (كشرف يشرف) جمالًا، بمعنى الحسن، و صرّح بعض النحويين أنّه أعمّ من الحسن الظاهري و الحسن الباطني.

هذا- و يحتمل رجوع المعنيين إلى معنى واحد، لأنّ الجمال أيضاً يطلق على الإنسان إذا اجتمعت فيه أسباب الحسن.

المقدّمة الثانية: أنّهما (كالإطلاق و التقييد) أمران إضافيان نحو هيئة الأمر، فإنّها مبيّنة من حيث دلالتها على الوجوب، و هي في نفس الوقت يمكن أن تكون مجملة من حيث الفور و التراخي، لكنّ المحقّق الخراساني (رحمه الله) قال في المقام: «ثمّ لا يخفى أنّهما وصفان إضافيان ربّما يكون مجملًا عند واحد لعدم معرفته بالوضع أو لتصادم ظهوره بما حفّ به لديه، و مبيّناً لدى الآخر لمعرفته و عدم التصادم بنظره».

أقول: إنّ هذا خلط بين مقام الثبوت و الإثبات، و البحث في ما نحن فيه بحث في مقام الثبوت و الواقع من دون النظر إلى علم الأشخاص و جهلهم و إلّا يستلزم أن تكون جميع الألفاظ للغة خاصّة مجملة بالإضافة إلى الجاهل بتلك اللغة، مع أنّ المقصود من الإجمال هو الإجمال بعد فرض التعلّم و الرجوع إلى اللغة.

و إن شئت قلت: أنّهما إضافيّان في الواقع و نفس الأمر لا عندنا نظير قولك: «أكرم العلماء إلّا زيداً» إذا كان لفظ زيد مشتركاً بين زيد بن عمرو و زيد بن بكر فإنّ هذا الكلام مجمل‏

201

بالنسبة إلى المستثنى (و هو زيد) إذا لم ينصب فيه قرينة، كما هو المفروض و لو عند العالم بوضعه المشترك، و مبيّن بالنسبة إلى المستثنى منه و هو العلماء، و هذا بعينه نظير الصغير و الكبير الذين هما أمران إضافيان مع صرف النظر عن جهل الأشخاص و علمهم، فإنّ من له عشرون سنة مثلًا صغير بالنسبة إلى من له ثلاثون سنة، و كبير بالنسبة إلى من له عشر سنوات، و بالجملة أنّ المعيار في المقام ليس هو جهل الأشخاص و علمهم بل الميزان ذات اللفظ و طبعه الأوّلي من دون أن ينصب له قرينة.

المقدّمة الثالثة: أنّ الإجمال‏ تارةً يكون في الهيئة و اخرى‏ في المادّة، و الأوّل‏ كإجمال فعل المضارع بالإضافة إلى زمان الحال و الاستقبال مع فقد القرينة، و الثاني‏ كإجمال لفظ القرء، حيث إن المعروف فيه إجماله بين الطهر و الحيض.

ثمّ إنّ منشأ الإجمال‏ تارةً يكون الاشتراك اللفظي‏ و اخرى‏ كون الكلام محفوفاً بما يصلح للقرينية أو متّصلًا بلفظ مجمل يسري إجماله إليه نحو «أكرم العلماء إلّا بعضهم».

إذا عرفت هذا فاعلم أنّه لا إشكال في حجّية المبيّن لأنّه إمّا نصّ أو ظاهر و كلاهما حجّتان، كما لا إشكال في عدم حجّية المجمل إلّا إذا نصبت قرينة عقليّة أو حاليّة أو مقاليّة توجب خروجه من الإجمال و هذا واضح.

إنّما الكلام في موارد من الآيات و الرّوايات التي وقع البحث عنها في كلمات القوم في أنّها هل هي مجملة أو مبيّنة؟ و ترك البحث عنه المحقّق الخراساني (رحمه الله) و من تبعه و لكن ذكر صاحب الفصول (رحمه الله) عدّة موارد منها و أطال البحث عنها، و الحقّ بالنسبة إلى بعضها مع المحقّق الخراساني (رحمه الله) و تابعيه، حيث إن البحث عنه ليس من شأن الاصولي كالبحث عن معنى القطع الوارد في قوله تعالى: «السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا» في أنّه هل المقصود منه مطلق القطع أو القطع مع انفصال العضو؟ فإنّ هذا و نظيره من بعض الموارد الاخرى التي ليس البحث فيها سارياً في الأبواب المختلفة من الفقه- ليس من شأن الاصولي قطعاً، بل للبحث عنه محلّ آخر و هو تفسير آيات الأحكام كما لا يخفى، لكن يوجد بينها موردان ساريان في الأبواب المختلفة من الفقه.

أحدهما: الرّوايات التي وردت بصيغة لا النافيّة للجنس نحو «لا صيام لمن لا يبيّت الصّيام من الليل» و «لا صلاة إلّا بطهور» و «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» و «لا نكاح إلّا بولي» و غير

202

ذلك ممّا تعلّق النفي فيه بنفس الفعل.

ثانيهما: آيات التحريم نحو «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ» و «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ» و «حُرِّمَتْ عَلَيكُم الخَمرِ» و «حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ» و نظائرها من التحريم المضاف إلى الأعيان.

فلا يخفى أنّ البحث عن هذين الموردين من شأن الاصولي لأنّ في كلّ منهما يمكن أن توجد قاعدة كلّية تقع كبرى لاستنباط الحكم الشرعي.

فنقول: أمّا الجمل المشتملة على «لا» النافيّة للجنس فاختلف في أنّها هل هي من المبيّن أو المجمل؟ فعدّها بعض من المجمل، مستدلًا بأنّ العرف في مثلها يفهم نفي الصحّة تارةً و نفي الكمال، اخرى‏ و ذلك يوجب التردّد الموجب للإجمال، و الأكثر على أنّها مبيّنة فيحمل النفي على نفي الماهيّة إن قلنا بمذهب الصحيحي، و إن قلنا بمذهب الأعمّي فيحمل على نفي أقرب المجازات بالنسبة إلى الحقيقة المتعذّرة و هو الصحّة، و إلّا فإن تعذّر الحمل على نفي الصحّة أيضاً لقيام قرينة عليه مثلًا، يحمل على نفي الكمال، كما أنّه من هذا الباب قوله (عليه السلام) «لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد».

أقول: إنّا نوافقهم عليه في أصل المدّعى، أي كون المورد المذكور من المبيّن لكن لا بالطريق الذي مشى عليه المشهور من كون المستعمل فيه في كلّ مرتبة من المراتب الثلاثة المذكورة في كلامهم غيره في الآخرين، بل نقول: أنّ المستعمل فيه في جميع المراتب إنّما هو نفي وجود الماهيّة، إلّا أنّه في المرتبة الثانية و الثالثة يكون بعد تحقّق إدّعاء، و هو ادّعاء أنّ عدم الصحّة أو عدم الكمال بمنزلة عدم وجود الماهيّة.

و بهذا يظهر الجواب عمّا اورد على مذهب المشهور و ذكره في الفصول من أنّ اللغة لا تثبت بالتراجيح العقليّة لأنّا لم نتجاوز عن المعنى اللغوي لكلمة «لا» (أي نفي وجود الماهيّة و الجنس) بل حملناها عليه في جميع المراتب، وعليه فلا تصل النوبة إلى ما ذكره صاحب الفصول في مقام الجواب، هذا كلّه في‏ المورد الأوّل.

أمّا المورد الثاني: و هو التحريم المضاف إلى الأعيان فعدّه بعضهم من المجمل نظراً إلى أنّ إضافة التحريم إلى العين غير معقولة فلا بدّ من إضمار فعل يصلح أن يكون متعلّقاً له، و حيث إن الأفعال كثيرة ففي مثل صيد البر يحتمل أن يكون المحرّم اصطياده أو أكله فيصير الكلام مجملًا.

203

و أجاب عنه المشهور (الذين يعدّونه من المبيّن) بأنّ مثله حيثما يطلق يتبادر منه عرفاً نفي الفعل المقصود منه المناسب له كالأكل في المأكول و الشرب في المشروب و اللبس في الملبوس و النكاح في المنكوح إلى غير ذلك، و هو كافٍ في ترجيح البعض على بعض آخر، نعم هذا إنّما يصحّ فيما كان الفعل المناسب له واحداً، و أمّا إذا كان المناسب متعدّداً كما مرّ في مثال صيد البرّ حيث إنّه يقصد فيه كلّ واحد من الاصطياد و الأكل فالقول بالإجمال متّجه.

ثمّ إنّ المشهور أرسلوا تقدير الفعل في المقام إرسال المسلّم بزعم أنّ إضافة التحريم إلى العين غير معقولة مع أنّ الحقّ جواز عدم التقدير بلا إشكال، بل هو المتعيّن لأنّ التحريم بمعنى الممنوعيّة، و لا ريب في تعلّق جواز المنع على العين فيقال: إنّ العين (نفسها) ممنوعة (و الأصل عدم التقدير) نعم ينصرف هو إلى الأثر الظاهر و المناسب لكن الانصراف غير التقدير.

إلى هنا تمّ الكلام عن المقصد الخامس من مباحث الاصول، و به تمّ الكلام عن الاصول اللفظية و مباحث الألفاظ، و انتهينا إلى مباحث القطع و الأمارات و مباحث الاصول العمليّة.

204

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

205

المقصد السادس الأمارات المعتبرة

في مباحث القطع‏

في مباحث الظنّ‏

206

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}