أنوار الأصول‏ - ج2

- الشيخ أحمد القدسي المزيد...
496 /
207

6- الأمارات المعتبرة

و يقع البحث فيها في المقامات التالية:

المقام الأوّل: في مباحث القطع‏

و يجري البحث ابتداء في القطع عادةً بعنوان المقدّمة، كما يبحث فيه عن أمرين قبل الورود في مسائل القطع:

الأمر الأوّل: في أنّ البحث عن أحكام القطع اصولي أو لا؟

قال المحقّق الخراساني (رحمه الله) أنّها أشبه بمسائل الكلام، و لعلّه يستفاد من كلمات الشيخ أيضاً، و صرّح في تهذيب الاصول بأنّه بحث اصولي، و سكت عنه بعض آخر.

و ظاهر كلام المحقّق الخراساني (رحمه الله) أنّها خارجة من مسائل الاصول لأنّ الميزان في كون المسألة اصوليّة وقوعها في طريق استنباط الحكم الشرعي و حدّاً وسطاً في القياس، و ما للقطع من الأحكام ليس من هذا القبيل قطعاً، فلا يقال مثلًا «هذا مقطوع الخمريّة، و كلّ مقطوع الخمريّة حرام، فهذا حرام» أو «هذا مقطوع الوجوب. و كلّ مقطوع الوجوب واجب شرعاً، فهذا واجب شرعاً، فإنّ الوجوب أو الحرمة ثابت لنفس الأشياء بما هي هي لا لمقطوع الوجوب أو مقطوع الحرمة.

و أمّا وجه كونها أشبه بمسائل الكلام أنّ البحث في الكلام بحث عن المبدأ و المعاد و عن الثواب و العقاب، و مباحث القطع أيضاً يرجع في الواقع إلى البحث عن صحّة مؤاخذة المولى و عدم صحّتها، فالبحث عن القطع المخطئ مثلًا يرجع إلى أنّه إذا وافقه القاطع فهل على المولى أن يثيبه على الانقياد؟ أو إذا خالفه القاطع فهل للمولى أن يعاقبه على التجرّي؟ فالبحث فيه‏

208

بحث عن الثواب و العقاب الذين هما الميزان في كون المسألة كلاميّة.

و قال في تهذيب الاصول: «أنّ الملاك في كون الشي‏ء مسألة اصوليّة هو كونها موجبة لإثبات الحكم الشرعي الفرعي بحيث يصير حجّة عليه و لا يلزم أن يقع وسطاً للإثبات بعنوانه بل يكفي كونه موجباً لاستنباط الحكم كسائر الأمارات العقلائيّة و الشرعيّة» (1).

أقول: كيف يمكن كون الشي‏ء حجّة و برهاناً من دون وجود صغرى أو كبرى في البين، و من دون وقوعه وسطاً لإثبات الكبرى للصغرى، فإنّ هذا لا يخلو من نحو تهافت و تناقض كما لا يخفى.

و الصحيح أن يقال: ليس القطع من المسائل الاصوليّة لعدم كونه دليلًا و حجّة على الأحكام التي يقطع بها بل إنّه نتيجة الدليل، و الدليل هو ما يوجب القطع كالخبر المتواتر الذي نتيجته القطع بالحكم المؤدّي له.

و بعبارة اخرى: أنّ القطع هو نفس المقصد و نفس النتيجة لا ما يوصل إليها كما سيأتي بيانه تفصيلًا في البحث عن حجّية القطع إن شاء اللَّه.

نعم يمكن إدخاله في المسائل الاصوليّة لواحد من هذه الوجوه:

الوجه الأوّل: أن لا يكون المقصود من القطع في ما نحن فيه القطع العقلي بل المقصود منه هو القطع العرفي المعبّر عنه بالاطمئنان، و هو الظنّ القوي المتاخم بالعلم، و الذي لا ينافي وجود احتمال الخلاف، و هو الموجود في أكثر الآراء العلميّة و النظريات الفلسفيّة (إلّا البديهيات أو شبهها) كما سنشير إليه أيضاً، حيث إن حجيّة القطع حينئذٍ تحتاج إلى جعل جاعل و اعتبار معتبر فيقع وسطاً للإثبات.

الوجه الثاني: أن نلاحظه بالنسبة إلى بعض مسائله الداخلة في المسائل الاصوليّة قطعاً، و هو خمسة من السبعة التي ذكرها المحقّق الخراساني (رحمه الله) في مباحث القطع و هي عبارة عن: 1- البحث عن القطع الموضوعي، 2- البحث عن أخذ القطع في موضوع نفسه‏ 3- البحث عن الموافقة الالتزاميّة 4- قطع القطاع‏ 5- العلم الإجمالي.

و أمّا المسألتان الاخريان (و هما مسألة حجّية القطع و مسألة التجرّي) فأوّليهما خارجة

____________

(1) تهذيب الاصول: ج 2، ص 5، طبع جماعة المدرّسين.

209

عن الاصول قطعاً، و الثانية لعلّها من المسائل الفقهيّة كما سيأتي إن شاء اللَّه.

الوجه الثالث: أن نلاحظه بالنسبة إلى بعد زواله حيث إنّه و إن لا يقع وسطاً بملاحظة حين وجوده لكنّه بعد زواله يمكن البحث في أنّ القطع السابق مجزٍ أو لا؟ أو أنّه حجّة أو لا؟

الأمر الثاني: تقسيم الشيخ الأعظم (رحمه الله)

و قد قسّم الشيخ الأعظم (رحمه الله) المكلّف الملتفت إلى أقسام و قال: «المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعي فيحصل له إمّا الشكّ فيه أو القطع أو الظنّ، فإن حصل له الشكّ فالمرجع فيه هي القواعد الشرعيّة الثابتة للشاكّ في مقام العمل و تسمّى بالاصول العمليّة ... إلى أن قال:

فالكلام يقع في مقاصد ثلاثة: الأوّل: في القطع و الثاني: في الظنّ و الثالث: في الاصول العمليّة التي هي المرجع عند الشكّ».

و أوردت عليه إشكالات صارت منشأً لعدول المحقّق الخراساني (رحمه الله) عن هذا التقسيم:

أحدها: أنّ جعل عنوان المكلّف مقسماً يستلزم عدم شمول التقسيم للقطع ببعض الأحكام الظاهريّة أي البراءة، مع أنّ القطع بالحكم الواقعي يشترك في جميع الأحكام.

وجه الملازمة أنّ البراءة وضعت لمجرّد رفع التحيّر في مقام العمل و ليس تكليفاً من التكاليف الشرعيّة، و لا يصدق فيه عنوان المكلّف الذي هو المقسّم في هذا التقسيم.

ثانيها: أنّ ظاهر قوله «إنّ المكلّف إذا التفت إلى الحكم الشرعي» كونه شاملًا لخصوص ما يرجع إلى نفس المكلّف من الأحكام مع أنّ الأحكام المتعلّقة بالحيض و النفاس و الاستحاضة و أشباه ذلك ممّا هو خارج عن ابتلاء المجتهد نفسه لا ترجع إلى نفس المكلّف الملتفت، فلا بدّ من أخذ المقسّم بحيث يعمّ ما يتعلّق بالمكلّف و مقلّديه معاً.

ثالثها: أنّ المقصود من الظنّ في كلامه إمّا الظنّ المعتبر أو غير المعتبر، فإن كان المراد منه المعتبر فهو ممّا يوجب القطع بالحكم الظاهري الشرعي المجعول على طبقه فليدخل حينئذٍ في القسم الأوّل أي القطع، و إن كان المراد الظنّ غير المعتبر فيكون مجرى الاصول العمليّة الشرعيّة و يرجع إلى القسم الثالث أي الشكّ، فالتثليث في كلامه حينئذٍ لا واقع له بل يرجع حقيقة إلى التثنية.

و لهذه الوجوه من الإشكال عدل المحقّق الخراساني (رحمه الله) عمّا مرّ من تقسيم الشيخ و قال «إنّ‏

210

البالغ الذي وضع عليه القلم إذا التفت إلى حكم فعلي واقعي أو ظاهري متعلّق به أو بمقلّديه فأمّا أن يحصل له القطع به أو لا، و على الثاني لا بدّ من انتهائه إلى ما استقلّ به العقل من أتباع الظنّ لو حصل له، و قد تمّت مقدّمات الانسداد على تقدير الحكومة، و إلّا فالرجوع إلى الاصول العقليّة من البراءة و الاشتغال و التخيير على تفصيل يأتي في محلّه إن شاء اللَّه تعالى ...

إلى أن قال: و كذلك عدلنا عمّا في رسالة شيخنا العلّامة أعلى اللَّه مقامه من تثليث الأقسام».

أقول: الإنصاف أنّ البحث انحرف عن مسيره الأصلي فالمقصود في هذا التقسيم بيان ممثّل لمباحث الكتاب و تنظيم جدول لأبوابه، و بما أن مباحثه على ثلاثة أبواب حتّى عند المحقّق الخراساني (رحمه الله) في مقام العمل حيث جعلها على ثلاثة مقاصد أيضاً: مقصد القطع و مقصد الظنّ و مقصد الشكّ، فالأولى ما ذهب إليه الشيخ الأعظم (رحمه الله) لأنّه ينطبق على مقاصد الكتاب و يتناسب مع الترتيب الملحوظ فيها.

أضف إلى ذلك أنّ المهمّ في المقام هو الحالات الواقعيّة للمكلّف الطارئة عليه في الخارج، و أن يتداخل بعضها مع بعض آخر في الحكم، و لا يخفى أنّ الحالات العارضة على المكلّف ثلاثة: القطع و الظنّ و الشكّ، فليكن المتّبع حينئذٍ هو التثليث، كما أنّ المحقّق الخراساني (رحمه الله) اكتفى بالتثنية في خصوص مقام التقسيم، و أمّا في مقام البيان فعدل إلى ما عدل عنه و كرّ إلى ما فرّ عنه، و مشى على أساس الحالات الثلاثة لا أحكامها، وعليه فالإشكال الثالث على تقسيم شيخنا العلّامة (رحمه الله) و هو إشكال التثليث غير وارد. هذا أوّلًا.

و ثانياً: أنّ الحكم الظاهري يكون في طول الحكم الواقعي، فإن الموضوع فيه هو الجهل بالحكم الواقعي و الشكّ فيه، و حينئذٍ لا يصحّ جعلهما في عرض واحد، و على هذا يندفع إشكاله الأوّل و هو خروج الأحكام الظاهريّة عن قسم القطع.

ثالثاً: أنّ المقصود من المكلّف في كلام الشيخ الأعظم هو من وضع عليه قلم التكليف لا خصوص من تنجّز عليه التكليف كي لا يصحّ جعله مقسّماً، و بعبارة اخرى: المراد من المكلّف هو المكلّف الشأني أي الذي من شأنه التكليف لا المكلّف الفعلي الذي تنجّز عليه التكليف كي نحتاج إلى تقييده بقيد الفعلي كما فعله المحقّق الخراساني (رحمه الله).

و أمّا الإشكال الثاني فهو مدفوع بإطلاق قوله «المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعي» حيث إن إطلاقه يعمّ ما يتعلّق بالمكلّف نفسه و ما يتعلّق بمقلّديه.

211

ثمّ إنّ هذا كلّه بالنسبة إلى العلم التفصيلي، و أمّا العلم الإجمالي (الذي أشار إليه في مقام التقسيم في تهذيب الاصول حيث قال: «و الأولى أن يقال: إذا التفت المكلّف إلى حكم كلّي فأمّا أن يحصل له القطع به و لو إجمالًا أو لا ...») فله جهتان فمن جهة انطباق عنوان القطع عليه و كونه نوعاً من القطع لا بدّ من طرحه في مبحث القطع، و من جهة امتزاجه بنوع من الشكّ لا بدّ من طرحه في مبحث الشكّ كما فعله هكذا كلّ من العلمين: شيخنا العلّامة و المحقّق الخراساني رحمهما الله فتكلّما عنه تارةً في مبحث الشكّ.

إذا عرفت هاتين المقدّمتين فاعلم أنّ هاهنا مسائل:

المسألة الاولى: في حجّية القطع‏

و فيها أيضاً جهتان من البحث: الجهة الاولى: في الدليل على حجّية القطع، و الثانية* في أنّ الحجّية ذاتيّة للقطع.

أمّا الجهة الاولى: فأدلّ الدليل على حجّيته الوجدان بحيث لا حاجة إلى مزيد بيان و إقامة برهان، و الحجّة- كما لا يخفى- معناها ما يمكن به أن يحتجّ العبد على مولاه و بالعكس، و بعبارة اخرى: ما يكون قاطعاً للعذر، كما قد يكون مسبّب العذر، فيكون قاطعاً للعذر عند إصابة الواقع، و عذراً للعبد إذا خالف الواقع، و هذا ما يسمّى بالمنجزيّة و المعذّريّة.

أمّا الجهة الثانية: فإنّ المعروف أنّ الحجّية من ذاتيات القطع بالوجدان، و الذاتي ليس قابلًا للجعل، و بتعبير آخر: أنّها من قبيل لوازم الماهيّة التي لا يمكن جعلها بالجعل البسيط، بل يتّبع جعلها جعل نفس الماهيّة كالإحراق الذي يجعل بتبع جعل النار بسيطاً، أي إذا وجدت النار و تحقّقت تحقّق الإحراق بتبعها، كما لا جعل تركيبيّاً بين الشي‏ء و لوازمه الذاتيّة، و حاصل ما ذكر: أنّه لا يمكن جعل الحجّية للقطع لأنّها من ذاتياته. هذا أوّلًا.

و ثانياً: أنّ جعلها يستلزم التسلسل لأنّ نفس هذا الجعل أيضاً يثبت بالقطع فننقل الكلام إليه فإن كان حجّيته ذاتيّة فبها، و إن احتاجت هي أيضاً إلى جعل آخر فهو أيضاً يثبت من طريق القطع، ثمّ ننقل الكلام إلى هذا القطع و هكذا فإن انتهى في النهاية إلى ما تكون الحجّية

212

ذاتيّة له فبها و إلّا يتسلسل، و هذا هو المقصود من القول المعروف: «إنّ كلّ ما بالعرض لا بدّ أن ينتهي إلى ما بالذات» و يتمسّك به في مثل وجود الممكن و علمه و قدرته و يقال: أنّه يرجع إلى وجود ذاتي و علم و قدرة ذاتيين.

و ثالثاً: أنّ إمكان الجعل يلازم إمكان المنع عن تأثيره مع أنّه يلزم منه اجتماع الضدّين اعتقاداً في صورتي الخطأ و الإصابة، و حقيقة في صورة الإصابة فقط.

بيان ذلك: أنّه إذا قطع المكلّف بوجوب شي‏ء و نهى الشارع عن العمل بقطعه فإن كان قطعه مصيباً لزم اجتماع الضدّين حقيقة فإنّه على حسب قطعه المصيب واجب، و على حسب نهي الشارع عن العمل بقطعه حرام، و هو اجتماع الضدّين حقيقة، و إن كان قطعه مخطئاً لزم اجتماع الضدّين في نظر المكلّف فإنّه على حسب قطعه واجب و لو في اعتقاده، و على حسب نهي الشارع عنه حرام غير جائز، و من المعلوم أنّ اجتماع الضدّين و لو اعتقاداً محال كاجتماع الضدّين حقيقة فإنّ المحال كما يستحيل وقوعه خارجاً يستحيل أيضاً الاعتقاد بوقوعه خارجاً.

هذه وجوه ثلاثة لإثبات الحجّية الذاتيّة للقطع.

و أورد على هذه الوجوه:

أوّلًا: بأنّه إن كان المراد من الحجّية الطريقيّة و الكاشفيّة فهي ليست لا من لوازم الماهيّة و لا من لوازم الوجود لأنّها إذا كانت من إحداهما لا تنفكّ عن ملزومها و لا تفترق عنه، و القطع قد يصيب و قد لا يصيب، و معه كيف يمكن عدّ الكاشفيّة من ذاتياته أو من لوازم وجوده، و إن كان المراد منها صحّة الاحتجاج بالقطع فإنّ صحّة الاحتجاج من الأحكام العقلائيّة لا من الواقعيات الثابتة للشي‏ء، فليست الحجّية حينئذٍ أيضاً من لوازم ماهيّة القطع أو من لوازم وجوده‏ (1).

ثانياً: أنّ الردع عن العمل بالقطع كسلب الحجّية غير ممكن، لكنّه لا للزوم اجتماع الضدّين لما قرّر في محلّه من عدم التضادّ بين الأحكام لأنّها امور اعتباريّة لا حقائق خارجيّة، بل للزوم اجتماع الإرادتين المختلفتين على مراد واحد، لأنّ الإرادة الحتميّة الإيجابيّة بالنسبة إلى صلاة

____________

(1) راجع تهذيب الاصول: ج 2، ص 84، طبع مهر.

213

الجمعة مثلًا لا تجتمع مع الإرادة التحريمية بالنسبة إليها (1).

أقول: قد انحرف البحث هنا أيضاً عن مجراه الواقعي الأصلي لأنّ إثبات الحجّية للقطع من الطرق المذكورة غير صحيح، و النكتة الأصلية في المقام أنّ القطع حقيقته الوصول إلى الواقع (و لا أقلّ أنّه كذلك في نظر القاطع) و الأحكام المترتّبة عليه ليست في الواقع من أحكام نفس القطع بل إنّها من أحكام الواقع و الخارج المتعلّق للقطع.

و بعبارة اخرى: أنّ القاطع لا يرى قطعه، و أنّ القطع ليس طريقاً و مرآة للوصول إلى الواقع بل القطع بنفسه مشاهدة للواقع و وصول إليه فهو حينئذٍ نظير النظر إلى الشمس، حيث لا يقال حين النظر إليها: إنّي قطعت بالشمس، بل القطع فيه هو نفس انعكاس الشمس في الذهن، فكذلك في ما نحن فيه، فليست الآثار المترتّبة على القطع آثاراً لنفس تلك الحالة النفسانية بل هي آثار للواقع و تترتّب على الواقع، و لذلك لا يقع القطع وسطاً لإثبات الحكم و لا يقال: «هذا مقطوع الخمريّة و كلّ مقطوع الخمريّة حرام فهذا حرام» بل يقال: «هذا خمر كلّ خمر حرام» نظير قولك: «هذه نار و كلّ نار حارّة» و أيضاً لا يقال في مقام الاحتجاج على العبد فيما إذا سمح بدخول الدار لعدوّ مولاه مثلًا مع قطعه بكونه عدوّاً له: «إنّك قطعت بأنّه عدوّ و لم تعمل بقطعك» بل يقال: «لِمَ سمحت بدخول العدوّ و لم تمنعه».

فظهر إلى هنا إنّه لا حاجة إلى إثبات حجّية القطع إلى التمسّك بالوجدان أو التسلسل أو غيرهما بل القاطع يعمل بقطعه و يرتّب آثاره من باب وصوله إلى الواقع لا من باب حجّية القطع.

نعم هذا كلّه بالنسبة إلى شخص القاطع حين قطعه، و أمّا بالنسبة لما بعد زوال القطع و كذلك بالنسبة إلى غير القاطع (أي الذهن فوق الذهن) فلما ذكر من النقض و الإبرام في مقام الاستدلال لحجّية القطع شأن.

و حينئذٍ نقول: المقبول عندنا من بين الأدلّة التي اقيمت لحجّية القطع وجهان:

أحدهما: التسلسل، و البيان الأصحّ و الأدقّ فيه أن يقال: إنّ جميع الأدلّة الشرعيّة ترجع دليليتها و حجّيتها إلى القطع، فلو كان مآل حجّية القطع أيضاً شيئاً غير ذاته يلزم الدور أو التسلسل كما لا يخفى.

____________

(1) راجع تهذيب الأصول: ج 2، ص 85، طبع مهر.

214

ثانيهما: ما مرّ من اجتماع الضدّين، و إن شئت فعبّر عنه بالتناقض.

إن قلت: اجتماع الضدّين ليس مستحيلًا في الامور الاعتباريّة.

قلت: إنّه كذلك، و لكنّه قبيح عن الحكيم، و بعبارة اخرى: علم العبد بعدم صدور القبيح من المولى يوجب إيجاد التناقض في ذهنه، و حينئذٍ لا حاجة لتتميم الإشكال إلى ارجاعه بالنسبة إلى ذهن المولى و إرادته كما فعل في تهذيب الاصول بل بهذا البيان يتصوّر هو أيضاً بالنسبة إلى ذهن العبد.

بقي هنا أمران:

الأمر الأوّل: أنّ هذا كلّه في القطع الحقيقي، أمّا القطع العادي العرفي و هو المسمّى بالاطمئنان و الوارد في الآراء العلميّة و النظرات الفلسفية (غير البديهيات أو شبهها) فلا يجري فيه هذا الكلام، فإن كلّ إنسان يحتمل خطأه في بعض آرائه العلميّة النظريّة مع كثرتها، و لا يوجد إنسان لا يحتمل الخطأ في شي‏ء من آرائه النظريّة أبداً، و حينئذٍ نقول: كيف يجتمع العلم في كلّ واحد من هذه الآراء مع احتمال الخطأ في بعضها، و هل تجتمع الموجبة الكلّية مع السالبة الجزئيّة، و هذا دليل على أنّ ما نسمّيه قطعاً في المسائل العلميّة في الحقيقة من قبيل الاطمئنان لا القطع الحقيقي الذي لا تجتمع مع احتمال الخطأ أبداً، فلو تأمّلت في ما ذكرنا تعرف أنّ العلم الحاصل لنا في هذه المسائل من قبيل العلم العرفي لا العلم الحقيقي، فتدبّر جيّداً.

و في مثل هذا النوع من القطع يمكن أن تكون حجّيته قابلة للجعل لاستقرار بناء العقلاء على حجّيته، و الشارع أيضاً أمضى ذلك إلّا بالنسبة إلى بعض الموارد و لعلّ من هذا البعض باب الطهارة و النجاسة حيث إن الظاهر أنّه اعتبر فيه حصول القطع الحقيقي الحسّي أو كالحسّي و لم يمض الشارع بناءهم هنا، و إلّا يشكل الأمر على كثير من الناس في هذا الباب كما لا يخفى على الخبير.

الأمر الثاني: أنّ ما تقدّم من كون القطع منجزاً للتكليف أو معذّراً له إنّما هو فيما إذا كان التكليف المتعلّق به القطع فعليّاً لا إنشائيّاً محضاً، و لذلك ينبغي الإشارة هنا إلى مراتب الحكم‏ فنقول: قد ذكروا للحكم مراتب أربع:

الاولى: مرتبة الاقتضاء و هي مرتبة الملاك و المصلحة.

215

الثانية: مرتبة الإنشاء و هي مرتبة جعل القانون و ضرب القاعدة من دون أن يكون فيه انفاذ للحكم و لا إعلام به، و هذا نظير القوانين العرفيّة قبل ابلاغها إلى المأمورين للإجراء.

الثالثة: مرتبة الفعلية و هي مرتبة الانفاذ و الابلاغ للمكلّفين و البعث و الزجر.

الرابعة: مرتبة التنجّز و هي مرتبة انقطاع عذر المكلّف ببلوغ الحكم إليه و قدرته عليه فإذا علم به و هو متمكّن من امتثاله فقد تنجّز عليه التكليف عقلًا و العقل حاكم باستحقاق العقاب عليه إذا خالفه بلا عذر، فالحكم قبل أن يبلغ إلى مرتبة التنجّز و قبل حصول شرطيّه و هما العلم و القدرة لا يوجب ترك امتثاله عقاباً للعبد، و الحاكم به العقل، و إذن ليست هذه المرتبة حقيقة من مراتب الحكم، كما أنّ عدّ المرتبة الاولى (و هي مرتبة المصلحة و المفسدة) من مراتب الحكم أيضاً لا يخلو من مسامحة.

هذا في دائرة القوانين أعمّ من الشرعيّة و العرفيّة، و أمّا في الأوامر العرفيّة العادية الجارية بين الموالي و العبيد فلا إشكال في أنّ له مرتبة واحدة من هاتين المرتبتين، و هي مرتبة البعث أو الزجر كما إذا قال: «اسقني ماءً» لعدم تصوّر الإنشاء فيها منفصلًا عن مرحلة البعث و الزجر عادةً كما لا يخفى.

المسألة الثانية: في أحكام التجرّي‏

إذا قطع الإنسان بحرمة شي‏ء و ارتكبه ثمّ انكشف الخلاف و عدم مطابقة قطعه للواقع، كما إذا قطع بأنّ هذا المائع خمر فشربه، ثمّ تبيّن أنّه ليس بخمر، أو قطع بأنّ هذا غصب فتصرف فيه، ثمّ تبيّن أنّه ماله فهل فعل حينئذٍ حراماً أو لا؟ وقع البحث فيه بين الأعلام.

و لكن ينبغي ذكر مقدّمتين قبل الورود في أصل المسألة و الأقوال الموجودة فيها:

المقدمة الاولى: أنّه تتصوّر في ارتكاب شي‏ء مراحل أربع:

أحدها: النيّة بمراحلها (سيأتي أنّ للنيّة مراحل عديدة).

ثانيها: ارتكاب مقدّمات الفعل.

ثالثها: ارتكاب ذي المقدّمة.

رابعها: مرحلة الإصابة للواقع و عدمها، و لا شكّ في أنّ التجرّي صادق بالنسبة إلى كلّ‏

216

مرحلة من هذه المراحل، فمن نوى و لم يأت بالعمل أو أتى بالمقدّمة و لم يأت بذي المقدّمة أو أتى بذي المقدّمة أيضاً و لكن لم يصب قطعه الواقع أو أصاب قطعه بالواقع أيضاً، ففي جميع هذه المراحل قد تجرّى على مولاه، نعم في مصطلح الاصوليين يطلق التجرّي على خصوص المرحلة الثالثة فقط، أي ما إذا نوى و أتى بالمقدّمة وذي المقدّمة و لم يصب الواقع، و لا يخفى أنّ نفس هذا الكلام و هذه المراحل بأسرها تجري في الانقياد أيضاً.

المقدمة الثانية: هل هذه المسألة مسألة اصوليّة أو فقهيّة أو كلاميّة؟

ذهب المحقّق‏ الحائري (رحمه الله) في درره إلى أنّها قابلة لكلّ منها و قال: «أنّ النزاع يمكن أن يقع في استحقاق العقوبة و عدمه فيكون راجعاً إلى النزاع في المسألة الكلاميّة، و يمكن أن يقع النزاع في أنّ ارتكاب الشي‏ء المقطوع حرمته هل هو قبيح أم لا؟ فيكون المسألة من المسائل الاصوليّة التي يستدلّ بها على الحكم الشرعي، و يمكن أن يكون النزاع في كون هذا الفعل أعني ارتكاب ما قطع بحرمته مثلًا حراماً شرعاً أو لا؟ فتكون من المسائل الفقهيّة» (1).

أقول: الإنصاف أنّ المسألة فقهيّة و لا غير، أمّا كونها فقهيّة فلأنّ نتيجتها و هي حرمة التجرّي حكم كلّي فرعي قابل للانطباق على مصاديقه الجزئيّة و حيث يمكن للفقيه أن يكتب في الرسالة العمليّة: أنّ من نوى حراماً و فعل مقدّماته و لم يطابق الواقع فقد فعل حراماً أو لم يفعل حراماً.

و بعبارة اخرى: أنّ نتيجتها لا تقع كبرى لقياس الاستنباط حتّى تستنتج منها حكماً كلّياً فرعياً بل هي نفسها حكم كلّي فرعى، و لو تنزّلنا عن ذلك فلا أقلّ من كونها من القواعد الفقهيّة.

و أمّا عدم كونها كلاميّة فلأنّ البحث فيها بحث عن صغرى موضوع علم الكلام، حيث إن موضوعه هو كبرى: أنّ المعصية هل توجب العقاب أو لا؟ بينما البحث في المقام بحث في صغرى المعصية، أي في أنّ فعل المتجرّي معصية أو لا؟

و إلّا فإن كانت هذه مسألة كلاميّة يلزم أن يكون كلّ فرع فقهي من مسائل الكلام، و الإنصاف أنّ عدّها من علم الكلام من ناحية هذا المحقّق بعيد من مقامه.

____________

(1) درر الفوائد: ص 335، طبع جماعة المدرّسين.

217

و أمّا عدم كونها اصوليّة فلما أشرنا إليه من أنّ المسألة الاصوليّة ما تقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الكلّي الفرعي و ليست هي بنفسها حكماً كلّياً فرعياً.

و أمّا ما ذكره في توجيه كونها اصوليّة من أنّ البحث فيها بحث عن الحسن و القبح و وجود الملازمة بين حكم العقل و الشرع.

ففيه: أنّه أيضاً من الخلط بين الصغرى و الكبرى، حيث إن الاصولي في مسألة الحسن و القبح يبحث في كبرى «كلّما حكم به العقل حكم به الشرع» بينما في ما نحن فيه يبحث في أنّ التجرّي هل يحكم العقل بقبحه حتّى يكون صغرى لتلك الكبرى و تكون النتيجة حرمته عند الشرع أيضاً أو لا؟ و هذا واضح.

و هاهنا كلام‏ للمحقّق النائيني (رحمه الله): و هو «أنّ الإنصاف أنّ إحراز الشي‏ء لا يكون مغيّراً لما عليه ذلك الشي‏ء من المصلحة و المفسدة، و ليس من قبيل الضرر و النفع العارض على الصدق و الكذب المغيّر لجهة حسنه و قبحه لوضوح أنّ العلم بخمريّة ماء و تعلّق الإحراز به لا يوجب انقلاب الماء عمّا هو عليه و صيرورته قبيحاً، فدعوى أنّ الفعل المتجرّي به يكون قبيحاً و يستتبعه الحكم الشرعي بقاعدة الملازمة واضحة الفساد» (1).

أقول: جوابه واضح، لأنّ القائل بالحرمة لا يقول: أنّ شرب الماء بعنوانه حرام بل لم يقل بحرمته بعنوانه أحد، بل يقول: إنّ الشارب للماء بنيّة شرب الخمر قد تجرّأ على المولى، و أوقع نفسه في مقام الهتك عليه فينطبق على شربه عنوان الهتك و الجرأة على المولى، و لذلك أي لأجل هذا الانطباق صار شرب الماء حراماً، و بعبارة اخرى: أنّ عنوان التجرّي عنوان من العناوين الثانويّة، و في كلامه وقع الخلط بينها و بين العناوين الأوّليّة.

إذا عرفت‏ هذا فاعلم أنّ الأقوال في المسألة ثلاثة:

أوّلها: الحرمة، و ذهب إليه المحقّق الخراساني (رحمه الله) و من تبعه.

الثاني: عدم الحرمة، و مال إليه شيخنا الأعظم في الرسائل.

الثالث: التفصيل بين الحالات المختلفة المتصوّرة في المقام، و هذا هو الذي اختاره صاحب الفصول (رحمه الله) و سيأتي أنّه ليس بتفصيل، بل يرجع في الواقع إلى القول بالحرمة مطلقاً.

____________

(1) درر الفوائد: ج 3، ص 41، طبع جماعة المدرّسين.

218

و استدلّ القائلون بالحرمة بوجوه خمسة:

الوجه الأوّل: الإجماع المستفاد من موارد من الفقه:

منها: باب السفر الحرام، فإنّ الإجماع قام على حرمة سفر من يخاف على نفسه من الضرر أو الخطر المحتمل وجوده في الطريق و إن انكشف خلافه بعد.

و منها: باب أوقات الصّلاة، فالإجماع قام على عدم جواز تأخير الصّلاة لمن يظنّ ضيق الوقت، فلو تأخّرها عصى و إن تبيّن بعد عدم ضيق الوقت.

و فيه: أوّلًا: أنّ الإجماع في مثل هذه المسألة التي لها مدارك مختلفة ليست بحجّة و كاشفاً عن قول المعصوم (عليه السلام).

ثانياً: الإجماع في الفرع الثاني ليس بثابت، لذهاب بعض الفقهاء إلى عدم المعصية إذا انكشفت سعة الوقت، و أمّا الفرع الأوّل فيمكن أن يقال: إنّ موضوع الحرمة فيه هو نفس خوف الضرر و الخطر لا الضرر الواقعي، و حينئذٍ لا يتصوّر كشف الخلاف، فإن الخوف موجود واقعاً على كلّ حال.

الوجه الثاني: بناء العقلاء على عقاب المتجرّي على المولى.

و جوابه‏ واضح، لأنّه أوّل الكلام و لا دليل عليه، نعم أصل المذمّة و الحكم بالقبح من ناحيتهم ممّا لا إشكال فيه لكن حكمهم بالعقاب ليس ثابت.

إن قلت: حكم العقلاء من حيث هم عقلاء بالقبح يلازم العقاب الشرعي بقاعدة الملازمة.

قلنا: لا ملازمة بين العقاب الشرعي و القبح العقلي في جميع مراتبه لأنّ للقبح درجات: منها درجة تشبه الكراهة التي لا عقاب على ارتكابها بلا خلاف، بل الملازمة ثابتة بين العقاب الشرعي و القبح العقلي الذي يحكم العقل بلزوم تركه أيضاً، كما أنّ الحسن العقلي أيضاً لا يلازم الوجوب الشرعي في جميع مراتبه، حيث إن للمستحبّات العقليّة أيضاً درجة من الحسن لا تبلغ حدّ الإلزام.

الوجه الثالث: دليل العقل و بيانه: أنّه إذا نوى شخصان شرب الخمر و ارتكبا مقدّماته و شرب كلّ منهما ما قطع بخمريته فأصاب قطع أحدهما بالواقع دون الآخر فالحكم في المسألة حينئذٍ لا يخلو من أحد احتمالات أربعة: فأمّا أن نحكم باستحقاق كليهما للعقاب و هو المطلوب، أو نقول بعدم استحقاق كليهما له و هو كما ترى، و الاحتمال الثالث استحقاق المخطئ له و عدم‏

219

استحقاق المصيب، و هذا ممّا لا يتفوّه به أحد، و الرابع عكس الثالث و هو يستلزم الترجيح بالإصابة التي هي خارجة عن الاختيار، و هو محال، فيتعيّن الاحتمال الأوّل، و هو استحقاق كلا الفردين للعقاب، فيثبت حينئذٍ حرمة التجرّي.

و جواب‏ هذا الوجه أيضاً معلوم، و هو إنّا نختار الاحتمال الرابع و نلتزم بالتفاوت و الترجيح المذكور، فإنّه لا إشكال في أنّ عدم العقاب لأمر غير اختياري ممّا لا استحالة فيه، نظير عدم العقاب الناشئ من تعطيل مراكز الفساد الخارج عن اختيار المكلّفين، بل الإشكال ثابت في العقاب لأمر غير اختياري.

الوجه الرابع: روايات سيأتي ذكرها و تدلّ على أنّ نيّة المعصية معصية كما يأتي أيضاً الجواب عنها.

الوجه الخامس: (و لعلّه العمدة) الوجدان، حيث إن الوجدان قاضٍ بأنّ من تجرّى على مولاه فقد هتك حرمة مولاه و خرج عن رسم العبوديّة و هو يوجب الاستحقاق للعذاب.

و جوابه: أنّ التجرّي على قسمين: تارةً يكون المتجرّي في مقام الهتك على المولى، و لسان حاله أنّي افعل هذا عناداً و هتكاً و معارضة للمولى، و هذا قد يكون سبباً للكفر فضلًا عن الفسق.

و اخرى‏ ليست نيّته الهتك و المعارضة بل يقول: غلبني هواي و يقرّ و يعترف على تقصيره كما ورد في دعاء أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين (عليه السلام): «إلهي ما عصيتك حين عصيتك و أنا لربوبيتك جاهل و لا لأمرك مستخفّ بل خطيئة عرضت لي و سوّلت لي نفسي و غلبني لي هواي» فإنّ هذا ليس هتكاً قطعاً، حيث إن الهتك من العناوين القصديّة، و العاصي في هذه الصورة ليس قاصداً للجرأة على مولاه.

و من هنا يعلم أنّ من قصد قتل مولاه و لم يقتله كمن صبّ السمّ مثلًا في طعامه و لكن لم يأكله اتّفاقاً فإنّه إنّما يعاقب من باب الهتك و الجرأة و المعارضة و انطباق عناوين قصديّة محرّمة على فعله لا من باب التجرّي في مصطلح الاصوليين، و بعبارة اخرى: موضع النزاع في ما نحن فيه هو المتجرّي في مصطلح الاصوليين أي مطلق من نوى حراماً و أتى بمقدّماته و لم يصبّ الواقع، لا المتجرّي في اللغة الذي يلازم الجرأة و الهتك، بل أنّه خارج عن محلّ البحث، و كأنّه وقع الخلط بين المعنيين في كلام المحقّق الخراساني (رحمه الله).

220

الوجه السادس: ما نقله المحقّق النائيني (رحمه الله) عن السيّد الشيرازي الكبير سيّد أساتذتنا، و هو مركّب من أربع مقدّمات:

الاولى: أنّ وظيفة المولى إرسال الرسل و إنزال الكتب، و وظيفة العبد وجوب الإطاعة بحكم العقل.

الثانية: أنّه فرق بين حسن الطاعة و قبح المعصية، و بين حسن الإحسان و قبح الظلم، لأنّ الأوّلين يرتبطان بسلسلة معاليل الأحكام و الأخيرين يرتبطان بسلسلة علّلها.

الثالثة: أنّ المناط في حكم العقل باستحقاق العقاب هو ارتكاب ما يعلم مخالفته للتكليف لا ما يكون مخالفاً واقعاً، فالمهمّ إذن هو العلم بالتكليف لا إصابة ذلك العلم للواقع و إلّا لتعطّلت الأحكام حيث لا يمكن إحراز الإصابة في مورد، وعليه فالمتجرّي و العاصي على حدّ واحد من حيث وجود مناط استحقاق العقوبة فيهما.

الرابعة: أنّ الميزان في استحقاق العقوبة إمّا القبح الفعلي أو الفاعلي، و الأوّل واضح البطلان إذ يلزم استحقاق العقاب على شرب الخمر واقعاً باعتقاد أنّه خلّ، فيتعيّن الثاني، و هو في المتجرّي و العاصي على حدّ سواء.

أقول: أوّلًا: لا دخل للمقدّمة الاولى و الثانية في المقام مع صحّتهما في أنفسهما كما لا يخفى.

و ثانياً: يصلح كلّ من المقدّمة الثالثة و الرابعة أن يكون برهاناً مستقلًا على استحقاق المتجرّي للعقاب.

و ثالثاً: (بالنسبة إلى قوله في المقدّمة الثالثة) المناط في حكم العقل باستحقاق العقاب ليس هو العلم بالتكليف فقط بل إنّنا نختار أنّ الإصابة للواقع أيضاً شرط، و لكنّها حاصلة لدى المتجرّي في نظره لأنّ القاطع يرى قطعه مطابقاً للواقع، فهو دائماً يحرز التكليف و يرى نفسه مستحقّاً للعقاب على تقدير المخالفة فلا يلزم تعطيل الأحكام.

و رابعاً: قوله في المقدّمة الرابعة مبني على انقسام القبح إلى خصوص الفعلي و الفاعلي مع إنّا نختار وجهاً ثالثاً، و هو كون الميزان مجموع القبحين، فتكون التفرقة بين العاصي و المتجرّي صحيحة بلا لزوم إشكال.

فظهر إلى هنا عدم وجود دليل على حرمة المتجرّي و استحقاق العقاب عليه.

221

تنبيهات‏

التنبيه الأوّل: في مقتضى هذه الأدلة

ما هو مقتضى هذه الأدلّة؟ هل هو حرمة الفعل المتجرّي به، أو حرمة النيّة؟

الإنصاف أنّ مقتضاها مختلف، فلا إشكال في أنّ الدليل الأوّل يقتضي حرمة الفعل، و كذلك الثاني و الثالث من دون حاجة إلى توضيح، و أمّا الدليل الرابع، أي الرّوايات التي سيأتي ذكرها فحيث إنّها تصرّح بأنّ نيّة المعصية معصية، فهي تقتضي حرمة النيّة، و كذلك الدليل الخامس كما صرّح به المحقّق الخراساني (رحمه الله)، و إن كان يرد عليه: أنّه إن كانت النيّة حراماً عنده فكيف يتكلّم لإثبات الحرمة عن عنوان الهتك و انطباقه على التجرّي مع أنّ الهتك عمل في الخارج و إن كان من العناوين القصديّة التي لا بدّ فيها من النيّة أيضاً؟ و هكذا الدليل السادس، لأنّ الميزان في حرمة التجرّي لدى الميرزا الشيرازي (رحمه الله) القبح الفاعلي لا الفعلي.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني (رحمه الله) ذكر لعدم إمكان أن يكون الفعل الخارجي في ما نحن فيه حراماً وجهين:

أحدهما: ضرورة الوجدان، و توضيحها: أنّ الفعل المتجرّي به أو المنقاد به لا يحدث فيه بسبب القطع بالخلاف حسن أو قبح و لا وجوب أو حرمة واقعاً كي يترتب عليه الثواب أو العقاب، بل هو باقٍ على ما هو عليه من الحسن أو القبح و الوجوب أو الحرمة فقتل ابن المولى بسبب القطع بأنّه عدوّ له لا يحدث فيه حسناً و لا وجوباً بل هو باقٍ على قبحه و حرمته كما أنّ قتل عدوّ المولى مع القطع بأنّه ابن المولى لا يحدث فيه قبحاً و لا حرمة بل هو باقٍ أيضاً على حسنه، و وجوبه فإنّ القطع بالحسن و القبح ليس من الوجوه و الاعتبارات التي بها يتحقّق الحسن و القبح و الوجوب و الحرمة كالعناوين الثانويّة الطارئة للأفعال.

ثانيهما: أنّ الفعل المتجرّي به أو المنقاد به بما هو مقطوع الحرمة أو الوجوب لا يكون اختياريّاً لأنّ هذا العنوان غير ملتفت إليه غالباً فإنّ من يشرب الماء باعتقاد أنّه خمر يقصده و يشربه بعنوانه الأوّلي الاستقلالي، أي بعنوان أنّه خمر، لا بعنوانه الطارئ الآلي، أي بعنوان أنّه مقطوع الخمريّة فإذا لم يكن هذا العنوان اختياريّاً ملتفتاً إليه فلا يعقل أنّه يكون هو من جهات الحسن أو القبح عقلًا، و من مناطات الوجوب أو الحرمة شرعاً.

لكن كلا الوجهين غير تامّ:

222

أمّا الوجه الأوّل: فلأنّ القطع بخلاف الواقع و إن لم يحدث واقعاً بسببه حسن أو قبح و لا وجوب أو حرمة كانت للفعل بعنوانه الأوّلي و لكن يحدث بسببه الحسن أو القبح الذي هو للفعل بعنوانه الثانوي، و هو عنوان الانقياد أو التجرّي الطارئ له، و قد ذكر المحقّق الخراساني (رحمه الله) في ما مرّ من كلامه أنّه معنون بعنوان الهتك للمولى و الخروج عن رسم عبوديته و هذا العنوان كافٍ في حرمته.

و أمّا الوجه الثاني: فلأنّ العنوان المحرّم في المقام و هو عنوان الجرأة على المولى و الخروج عن رسم العبوديّة عنوان أعمّ يتحقّق في ضمن فردين: المعصية و التجرّي، و المتجرّي حيث إن مقصوده هو هذا العنوان الأعمّ فهو على أيّ حال يقصد العنوان المحرّم و إن لم يتحقّق ضمن مصداق المعصية، نظير من كان قصده شرب الخمر الزبيبي و انكشف أنّه كان خمراً عنبياً.

التنبيه الثاني: الآيات و الرّوايات‏

أمّا الآيات و الرّوايات التي استدلّ بها على حرمة التجرّي.

أمّا الآيات فهي كثيرة:

1- قوله تعالى: «لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَ لَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ» (1).

2- قوله تعالى: «وَ إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ» (2).

3- قوله تعالى: «وَ لَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا» (3).

و وجه الاستدلال بالأخيرة أنّ القلب مسئول عمّا نوى.

4- قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ» (4).

____________

(1) سورة البقرة: الآية 225.

(2) سورة البقرة: الآية 284.

(3) سورة الإسراء: الآية 36.

(4) سورة النور: الآية 19.

223

و الجواب‏ عن الاستدلال بهذه الآيات أنّه وقع الخلط بين معصية القلب و بين نيّة المعصية و العزم عليها، فهناك أفعال تصدر من القلب و تترتّب عليها العقاب نحو كتمان الحقّ و حبّ إشاعة الفحشاء و الرضا بالمعاصي (كما ورد في زيارة و إرث: و لعن اللَّه امّة سمعت بذلك فرضيت به) و الاعتقاد بالأوثان و الأصنام، كما أنّ هناك أفعالًا اخرى تصدر من القلب و تترتّب عليه الثواب كالاعتقاد باللَّه و رسوله، لكن هذا لا يستلزم منه ترتّب العقاب على جميع أفعال القلب حتّى مثل نيّة المعصية و العزم عليها، و بعبارة اخرى: أنّ هذه الآيات تدلّ على حرمة خصوص بعض المصاديق من الأفعال الجوانحيّة المذكورة فيها، و أين ذلك من حرمة كلّ فعل قلبي؟

أمّا الرّوايات فهي على طائفتين: طائفة تدلّ على أنّ نيّة المعصية معصية، و طائفة اخرى‏ تدلّ على عدمها أو العفو عنها.

أمّا الطائفة الاولى: فهي روايات عديدة لا بدّ من البحث عن كلّ واحدة منها و النظر إليها مستقلًا حتّى يتّضح مقدار دلالتها على المدّعى ثمّ ملاحظتها من حيث المجموع.

منها: ما ورد في الجواب عن إشكال الخلود في النار أو في الجنّة مع كون العمل في الدنيا محدوداً بمقدار معيّن نحو خبر أبي هاشم، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «إنّما خلّد أهل النار في النار لأنّ نيّاتهم كانت في الدنيا أن لو خلّدوا فيها أن يعصوا اللَّه أبداً، و إنّما خلّد أهل الجنّة في الجنّة لأنّ نيّاتهم كانت في الدنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا اللَّه أبداً، فبالنيّات خلّد هؤلاء و هؤلاء، ثمّ تلا قوله تعالى: «قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ» قال: على نيّته» (1).

و لكن يناقش فيها بأنّها ممّا لا يمكن الالتزام بظاهرها لشمول إطلاقه من كان كافراً و ليست نيّته في الدنيا أن لو خلّد فيها أن يعصى اللَّه أبداً بل ربّما تكون نيّته أن يتوب بعد مدّة، لكن مات على كفره قبل أن يتوب، و شموله أيضاً مؤمناً ليست نيّته أن لو بقى في الدنيا أن يطيع اللَّه أبداً، لكن اتّفق موته على الطاعة، و من المسلّم أنّ الأوّل مخلّد في النار لأنّ الكافر خالد في النار مطلقاً بلا إشكال، كما أنّه لا خلاف في أنّ الثاني لا يخلّد في النار، و حينئذٍ فتحمل هذه الأخبار على أنّ الإمام (عليه السلام) تكلّم فيها على قدر عقل المخاطب، و أجاب بما يقتضيه استعداده و طاقته الفكريّة فيكون الجواب اقناعياً أو يردّ علمها إلى أهلها.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 1، الباب 6، من أبواب مقدّمات العبادات، ح 4.

224

و أمّا إشكال الخلود فلنا جواب آخر ذكرناه مفصّلًا في كتاب المعاد، و ملخّصه: أنّ الخلود في الواقع يرجع إلى تجسّم الأعمال و ظهور خاصّية العمل و أثره، فإنّ أثر كفر الكافر أن يخلّد في النار أبداً نظير إرشاد الطبيب مريضه بأنّك إن شربت الخمر أو السمّ تبتلِ بقرحة المعدة إلى آخر العمر.

و منها: ما رواه فضيل بن يسار عن أبي جعفر عن آبائه (عليهم السلام) أنّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) قال: «نيّة المؤمن أبلغ من عمله و كذلك نيّة الفاجر» (1).

لكن في الباب روايتان شارحتان لهذه الرّواية، و تدلّان على أنّه لا ربط لها بالمقام:

إحداهما: ما رواه زيد الشحّام قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): «أنّي سمعتك تقول: نيّة المؤمن خير من عمله، فكيف تكون النيّة خيراً من العمل؟ قال: لأنّ العمل ربّما كان رياءً للمخلوقين، و النيّة خالصة لربّ العالمين، فيعطي عزّ و جلّ على النيّة ما لا يعطي على العمل» (2).

ثانيهما: ما رواه حسن بن الحسين الأنصاري عن بعض رجاله عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه كان يقول: «نيّة المؤمن أفضل من عمله، و ذلك لأنّه ينوي من الخير ما لا يدركه، و نيّة الكافر شرّ من عمله و ذلك لأنّ الكافر ينوي الشرّ و يأمل من الشرّ ما لا يدركه» (3).

مضافاً إلى أنّ العمل بظاهرها مشكل جدّاً بل هو ممّا لا يتفوّه به فقيه، حيث إن مقتضاه أن يكون مثلًا معصية من نوى شرب الخمر و لم يشرب- أشدّ ممّا إذا نوى و شربه، و أمّا إذا شربه سهواً أو نسياناً بغير نيّة فلا عقاب له قطعاً فلا تكون الرّواية ناظرة إليه.

و منها: ما رواه السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): «نيّة المؤمن خير من عمله و نيّة الكافر شرّ من عمله، و كلّ عامل يعمل على نيّته» (4).

و الجواب عن هذه هو الجواب عن الرّواية الثانية لاشتراكهما في المضمون كما لا يخفى.

و منها: ما رواه جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال لي: يا جابر: يكتب للمؤمن في سقمه من العمل الصالح ما كان يكتب في صحّته، و يكتب للكافر في سقمه من العمل السيّئ ما كان‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ح 22، ج 1، الباب 6، من أبواب مقدّمات العبادات.

(2) المصدر السابق: ح 15.

(3) المصدر السابق: ح 17.

(4) المصدر السابق: ح 3.

225

يكتب في صحّته، ثمّ قال، قال: «يا جابر: ما أشدّ هذا من حديث» (1).

و هذه الرّواية لا إشكال في دلالتها على المدّعى في الجملة حيث إن ظاهرها أنّ نيّة المريض كان مؤثّراً في دوام العمل الصالح أو العمل السيّئ له.

و منها: ما رواه عبد الله بن موسى بن جعفر عن أبيه (عليه السلام) قال: «سألته عن الملكين هل يعلمان بالذنب إذا أراد العبد أن يفعله أو الحسنة؟ فقال: ريح الكنيف و الطيب سواء؟ قلت: لا، قال: أنّ العبد إذا همّ بالحسنة خرج نفسه طيّب الريح، فقال: صاحب اليمين لصاحب الشمال: قم فإنّه قد همّ بالحسنة، فإذا فعلها كان لسانه قلمه و ريقه مداده فأثبتها له، و إذا همّ بالسيّئة خرج نفسه منتن الريح فيقول: صاحب الشمال لصاحب اليمين قف فإنّه قد همّ بالسيّئة فإذا هو فعلها كان لسانه قلمه و ريقه مداده فأثبتها عليه» (2).

فيمكن أن يستدلّ على المدّعى بقوله «و إذا همّ بالسيّئة خرج نفسه منتن الريح» حيث إن ظاهره أنّ انتان الريح نشأ من ناحية كون النيّة معصية.

لكن الإنصاف أنّ ذيله دالّ على خلافه حيث إن فيه توقّف ثبوت المعصية على تحقّق الفعل، و لو تنزّلنا عن ذلك فلا أكثر من أنّه مشعر إلى المدّعى و ليس على حدّ الدلالة.

و منها: ما رواه أبو عروة السلمي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إنّ اللَّه يحشر الناس على نيّاتهم يوم القيامة» (3).

لكنّها تفسّر برواية اخرى و هي رواية إسماعيل بن محمّد بن إسحاق بن محمّد قال: حدّثني علي بن جعفر بن محمّد و علي بن موسى بن جعفر هذا عن أخيه و هذا عن أبيه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) (في حديث) قال: «إنّما الأعمال بالنيّات و لكلّ امرئ ما نوى فمن غزا ابتغاء ما عند اللَّه فقد وقع أجره على اللَّه عزّ و جلّ، و من غزا يريد عرض الدنيا أو نوى عقالًا لم يكن له إلّا ما نوى» (4).

فإنّها تدلّ على اعتبار قصد القربة في المثوبة.

____________

(1) وسائل الشيعة: ح 5، ج 1، الباب 7، من أبواب مقدّمات العبادات.

(2) المصدر السابق: ح 3.

(3) المصدر السابق: ح 5.

(4) المصدر السابق: ح 10.

226

و منها: ما ورد في باب حرمة شرب الخمر و هو ما رواه حسين بن زيد عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) (في حديث المناهي): أنّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) نهى أن يشتري الخمر، و أن يسقى الخمر، و قال: «لعن اللَّه الخمر و غارسها و عاصرها و شاربها و ساقيها و بائعها و مشتريها و آكل ثمنها و حاملها و المحمولة إليه» (1).

و جوابها واضح، لأنّها داخلة تحت عنوان الاعانة على الإثم الذي هو بنفسه من العناوين المحرّمة فهي أجنبية عمّا نحن بصدده.

و منها: روايات الرضا و إنّ من رضى بفعل قوم كان منهم، و من جملتها ما ورد في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «أيّها الناس إنّما يجمع الناس الرضا و السخط و إنّما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمّهم اللَّه بالعذاب لمّا عمّوه بالرضا فقال سبحانه: «فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ» (2)» (3). و أيضاً ما ورد في زيارة الحسين (عليه السلام): «و لعن اللَّه امّة سمعت بذلك فرضيت به» (4).

لكن المستفاد من هذه الرّوايات أنّ الرضا غير النيّة و أنّه عنوان مستقلّ محرّم، أي من رضى بعصيان شخص آخر فقد عصى، و إن لم يكن من قصده فعل تلك المعصية بنفسها بل ربّما ينتهي إلى الكفر كمن رضى بقتل الحسين (عليه السلام) فإنّه يوجب انطباق عنوان الناصب، و الناصب كافر.

و منها: ما ورد (5) في السنّة الحسنة و السنّة السيّئة، و مضمون جميعها يرجع إلى أنّ من سنّ سنّة حسنة كان له أجر من عمل بها و من سنّ سنّة سيّئة كان عليه وزر من عمل بها.

و الجواب: أنّها أيضاً ترجع إلى عنوان الاعانة على البرّ و التقوى أو عنوان الاعانة على الإثم و العدوان كما لا يخفى.

و منها: ما روي أنّه «إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل و المقتول في النار، قلت هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: لأنّه أراد قتل صاحبه».

____________

(1) وسائل الشيعة: ح 5، ج 12، الباب 55، من أبواب ما يكتسب به.

(2) سورة الشعراء: الآية 157.

(3) فيض الإسلام، خ 192.

(4) زيارة وارث.

(5) راجع بحار الأنوار: ج 68، ص 257.

227

و هي أيضاً خارجة عن محلّ النزاع، لأنّ الموجب للدخول في النار فيها ليس مجرّد نيّة القتل و إرادته بل الالتقاء بالسيف، و سلّ السيف على المسلم بنفسه من المحرّمات، بل قد يدخل تحت عنوان المحارب الذي له حدّ شديد كما ورد في القرآن.

و إن شئت قلت: النيّة منضمّة إلى مقدّمة من مقدّمات القتل و هي الالتقاء بالسيف، و الالتقاء بالسيف حرام لانطباق عنوان الهتك أو اخافة المؤمن عليه.

فظهر إلى هنا أنّ التامّ من حيث الدلالة من بين هذه الرّوايات الكثيرة رواية واحدة و هي رواية جابر، لكنّها من ناحية السند ضعيفة لمكان عمرو بن شمر.

هذا، مضافاً إلى أنّ في قبال هذه الأخبار روايات‏ (1) كثيرة تدلّ بالصراحة على عدم كون نيّة المعصية معصية نشير هنا إلى روايتين منها:

إحداهما: ما رواه زرارة عن أحدهما (عليهما السلام): قال: «إنّ اللَّه تبارك و تعالى جعل لآدم في ذرّيته أنّ من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة و من همّ بحسنة و عملها كتبت له عشر، و من همّ بسيّئة لم تكتب عليه، و من همّ بها و عملها كتبت عليه سيّئة» (2).

ثانيهما: ما رواه أبو بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال: «إنّ المؤمن ليهمّ بالحسنة و لا يعمل بها فتكتب له حسنة، و إن هو عملها كتبت له عشر حسنات، و إنّ المؤمن ليهمّ بالسيّئة أن يعملها فلا يعملها فلا تكتب عليه» (3). إلى غير ذلك ممّا هو في معناهما.

و ذكر شيخنا الأعظم الأنصاري (رحمه الله) للجمع بين هاتين الطائفتين وجهين كلّ واحد منهما جمع تبرّعي لا شاهد له.

أحدهما: أن تحمل الطائفة الاولى على من ارتدع عن قصده بنفسه، و الثانية على من بقى على قصده حتّى عجز عن الفعل لا باختياره.

الثاني: أن تحمل الاولى على من اكتفى بمجرّد القصد، و الثانية على من اشتغل بعد القصد ببعض المقدّمات.

و لكن الأمر سهل بعد ما عرفت من عدم تمام الطائفة الاولى، سلّمنا و لكنّ الطائفة الثانية

____________

(1) راجع وسائل الشيعة: ج 1، الباب 6، من أبواب مقدّمات العبادات، ح 6 و 7 و 8 و 10 و 20 و 21.

(2) المصدر السابق: ح 6.

(3) المصدر السابق: ح 7.

228

أصرح دلالة و أكثر عدداً، مضافاً إلى ما مرّ من المناقشة في كلّ واحد من روايات الطائفة الاولى دلالة أو سنداً، و يتلخّص من جميع ما ذكرنا أنّه لا دليل على حرمة التجرّي من العقل و النقل.

التنبيه الثالث: الكلام في تفصيل صاحب الفصول‏

في ما ذهب إليه صاحب الفصول من التفصيل، و إليك نصّ كلامه: «أنّ قبح التجرّي ليس عندنا ذاتياً بل يختلف بالوجوه و الاعتبار فمن اشتبه عليه مؤمن ورع عالم بكافر واجب القتل، فحسب إنّه ذلك الكافر فتجرّى و لم يقدم على قتله فإنّه لا يستحقّ الذمّ على هذا التجرّي عقلًا عند من انكشف له الواقع، و إن كان معذوراً لو فعل، و أظهر من ذلك ما لو جزم بوجوب قتل نبي أو وصي نبي فتجرّى و لم يفعل، أ لا ترى أنّ المولى الحكيم إذا أمر عبده بقتل عدوّ له فصادف العبد ابنه و قطع بأنّه ذلك العدو فتجرّى و لم يقتله فاذا اطّلع المولى على حاله لا يذمّه بهذا التجرّي بل يرضى به و إن كان معذوراً لو فعل ... إلى أن قال: و من هنا يظهر أنّ التجرّي على الحرام في المكروهات الواقعيّة أشدّ منه في مباحاتها، و هو فيها أشدّ في مندوباتها، و يختلف باختلافها ضعفاً و شدّة كالمكروهات و يمكن أن يراعى في الواجبات الواقعيّة ما هو الأقوى من جهاتها و جهات التجرّي» (1). (انتهى).

أقول: الظاهر من كلامه هذا أنّ حكم التجرّي لديه يختلف بعدد الأحكام الخمسة، و لعلّ وجهه عنده هو نفس ما ادّعاه المحقّق الخراساني (رحمه الله) على مذهبه (و هو حرمة التجرّي مطلقاً) من حكومة الوجدان، فكأنّ صاحب الفصول يقول: كما أنّ الوجدان يحكم بقبح التجرّي في بعض الموارد يحكم أيضاً بعدمه في موارد اخرى.

و لكن يجاب عنه‏

أوّلًا: بأنّه ليس تفصيلًا في المسألة بل هو يساوق حقيقةً القول بحرمة التجرّي مطلقاً لكنّها حرمة اقتضائيّة تتغيّر بطروّ عناوين ثانوية كما هو كذلك في غالب العناوين المحرّمة، فإنّ الكذب مثلًا حرام باعتبار وجود مفسدة فيه، و تتغيّر حرمته إذا طرأ عليه مصلحة أقوى.

____________

(1) الفصول: الفصل الأخير من الاجتهاد و التقليد.

229

و ثانياً: إنّا ننكر أصل حرمة التجرّي، لما مرّ من عدم صلوح الوجوه المذكورة لإثبات الحرمة، فلا تصل النوبة إلى ملاحظة الكسر و الانكسار بين قبحه و حسن ما طرأ عليه.

و ثالثاً: أنّ قبح المتجرّي نشأ من القطع بالحرمة فلا يعقل أن يرتفع ما دامت صفة القطع موجودة قائمة بالقاطع بجهة من الجهات المجهولة المغفولة له، و بعبارة اخرى: أنّ الحسن و القبح تابعان لما علم من الجهات، لا لأقوى الجهات الواقعيّة التي يكون مغفول عنه للمتجرّي.

إن قلت: فبما تحكم في قضية ترك قتل ابن المولى مع علمه بأنّه عدوّ للمولى فهل يرضى أحد فيه باستحقاق العبد للمؤاخذة؟

قلت: إنّ المولى الحكيم العادل يحكم بالقبح و العقاب في هذا المورد أيضاً لأنّه يعاقب عبده على جرأته و خروجه عن رسم العبوديّة، و هذا باقٍ و لم يتبدّل إلى غيره حتّى بعد انكشاف الواقع، نعم قد لا يعاقبه و يعفو عنه شكراً لسلامة ابنه و خروجه عن خطر القتل لا من باب عدم صدق عنوان المتجرّي عليه كما يشاهد كثيراً ما نظيره بين العرف و العقلاء في المعاصي الواقعيّة أيضاً فيتركون عقاب العبيد شكراً للنعم المقارنة للمعصية.

التنبيه الرابع: في الانقياد

قد يقال: يترتّب الثواب على الانقياد لنفس ما استدلّ به على ترتّب العقاب على التجرّي، و هو شهادة الوجدان و دلالة بعض الأخبار، ثمّ يستنتج و يقال: حسن الانقياد يلازم قبح التجرّي و لا يجوز التفكيك بينهما.

لكن يناقش فيه بأنّ حسن الانقياد و ترتّب الثواب عليه معلول لانطباق عنوان تعظيم المولى عليه لأنّ مفهوم الانقياد إنّما يصدق فيما إذا أتى بالعمل بقصد أمر المولى و التقرّب إليه و إتيان الفعل، فهذا القصد لا ينفكّ عن انطباق عنوان التعظيم في جميع الموارد فيترتّب الثواب أيضاً في جميع الموارد، و هذا بخلاف عنوان التجرّي، فإنّه ليس معناه الإتيان بما يراه معصية بقصد مخالفة المولى و العناد له، فإنّ هذا لا يعتبر في حقيقة التجرّي بل هو عنوان ثانوي ربّما يوجب الكفر فضلًا عن الفسق، بل المتجرّي إنّما يأتي بما يأتي من فعله لشهواته و مقاصده الحيوانية كما ورد في دعائه (عليه السلام): «و لكن خطيئة عرضت لي و سوّلت لي نفسي و غلبني هواي» إلى آخر ما مرّ ذكره.

230

فإذاً الفرق بين مسألتي التجرّي و الانقياد من هذه الناحية ظاهرة لا سترة عليه فلا يمكن قياس أحدهما بالآخر.

التنبيه الخامس: في سريان حرمة التجرّي بين الأحكام جميعاً

لا فرق في حرمة التجرّي بين مخالفة الأحكام الواقعيّة و الظاهريّة و لا بين مخالفة العلم و الظنّ المعتبر لأنّ حقيقة الجرأة على المولى موجودة في الجميع، و الأدلّة التي استدلّوا بها على حرمته تجري في الأحكام الظاهريّة و الظنون المعتبرة أيضاً و لكن قد عرفت عدم صحّة شي‏ء منها.

هذا تمام الكلام في أحكام التجرّي و أدلّتها و اللَّه العالم.

المسألة الثالثة: في أقسام القطع‏

كان البحث إلى هنا عن القطع الطريقي، و هاهنا قسم من القطع يسمّى بالقطع الموضوعي يؤخذ في موضوع الحكم بحيث لا يتحقّق الموضوع بدونه، نحو «إذا قطعت بنجاسة ثوبك فلا تصحّ الصّلاة فيه» فالموضوع لبطلان الصّلاة في هذا المثال هو القطع بنجاسة الثوب مع كون الثوب نجساً في الواقع، حيث إن القطع حينئذٍ جزء للموضوع، كما هو المشهور في محلّه و قد أفتى‏ المشهور بعدم مانعية النجاسة الخبثيّة الواقعيّة عن صحّة الصّلاة، خلافاً للنجاسة الحدثيّة.

و هاهنا أبحاث ثلاثة:

البحث الأوّل: أنّه يستحيل أخذ القطع بعنوان الموضوع‏

و يقع البحث فيه في ثلاث مواضع:

أحدها: أن يؤخذ في موضوع نفس الحكم.

ثانيها: أن يؤخذ في موضوع ضدّ الحكم.

ثالثها: أن يؤخذ في موضوع مثل الحكم.

231

و الدليل على الاستحالة في كلّ واحد منها واضح، أمّا الأوّل‏ فلاستلزامه الدور المحال مثل ما إذا قيل: «إذا قطعت بنجاسة هذا الثوب فهو ينجّس بنفس هذه النجاسة» أو قيل: «إذا قطعت بوجوب هذا العمل فهو يجب بنفس هذا الوجوب».

أمّا الثاني: فلاستلزامه اجتماع المثلين كما إذا قيل: «إذا قطعت بوجوب هذا العمل فهو يجب بوجوب آخر مثله».

و أمّا الثالث: فلاستلزامه اجتماع الضدّين مثل أن يقال: «إذا قطعت بوجوب شي‏ء فهو يحرم».

و هذا كلّه واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان، و لكنّه بالنسبة إلى أصل المدّعى، إنّما الإشكال في كيفية الاستدلال على عدم الصحّة بالنسبة إلى القسمين الأخيرين، حيث إنّه لا استحالة لاجتماع الضدّين أو المثلين في الامور الاعتباريّة كما مرّ مراراً، بل الإشكال فيه من جهة قبحه و لغويته، فإنّ اجتماع المثلين لغو و اجتماع الضدّين يستلزم التكليف بما لا يطاق، و صدور كلّ واحد منهما من جانب المولى الحكيم قبيح بلا ريب.

البحث الثاني: أخذ القطع موضوعاً

أنّ القطع المأخوذ موضوعاً على أربعة أقسام: لأنّه‏ تارةً يكون تمام الموضوع لحكم كما قيل به في مسألة الخوف بالضرر فإنّه تمام الموضوع لبعض الأحكام الشرعيّة فيترتّب عليه تلك الأحكام و إن لم يكن ضرر في الواقع، كما أنّه كذلك في الامور التكوينيّة أحياناً فيوجب علم الإنسان بضرر خاصّ تغيّر اللون أو ارتعاش البدن مثلًا، سواء كان الضرر موجوداً واقعاً أو لم يكن.

و اخرى‏ يكون جزء الموضوع، و الجزء الآخر هو الواقع الذي تعلّق به القطع كما في القطع بنجاسة الثوب الذي أخذ جزءاً في موضوع بطلان الصّلاة، فإذا قطعت بنجاسة الثوب و كان نجساً في الواقع تبطل الصّلاة، و أمّا إذا قطعت بها و صلّيت مع تمشّي قصد القربة و انكشف الخلاف و عدم نجاسة الثوب فالحقّ صحّة الصّلاة حينئذٍ، كما أنّه كذلك فيما إذا كان الثوب نجساً في الواقع و لكن لم يكن قاطعاً بها.

و على كلّ حال إنّ كلًا من القطع المأخوذ تمام الموضوع و المأخوذ جزء الموضوع‏ تارةً يكون‏

232

مأخوذاً بما هو طريق و كاشف عن الواقع، و اخرى‏ بما هو صفة خاصّة و حالة مخصوصة للقاطع أو المقطوع به، و الفرق بينهما أنّ القطع من الصفات ذات الإضافة التي تحتاج إلى طرف آخر كالقدرة المحتاجة إلى المقدور (في قبال الصفات الحقيقة التي لا تحتاج إلى ذلك كالحياة و نحو ذلك من الصفات القائمة بالنفس من دون حاجة إلى طرف آخر)، فإنّ القطع من جهةٍ نور لنفسه و يكون كمالًا للنفس، و من جهة اخرى نور لغيره و كاشف عن غيره، أي الأمر المقطوع به، و حينئذٍ تارةً يمكن أن يلاحظ بما هو صفة قائمة بالنفس، و اخرى‏ بما أنّه طريق و كاشف عن الغير، و بهذا تصير أقسام القطع الموضوعي أربعة، و بانضمام القطع الطريقي إليه تصير خمسة.

ثمّ إنّ المحقّق النائيني (رحمه الله) أنكر هنا القطع المأخوذ تمام الموضوع على نحو الكاشفيّة، و جعل الأقسام ثلاثة قائلًا بأنّه غير معقول لأنّ معنى الأخذ على نحو الكاشفيّة أنّ للواقع دخلًا في الموضوع و هو لا يجتمع مع أخذه تمام الموضوع، و في قباله المحقّق الخراساني (رحمه الله) في الكفاية و الشيخ الحائري (رحمه الله) في الدرر أثبتا هذا القسم و جعلا الأقسام أربعة.

أقول: الحقّ أنّه وقع هنا بين المحقّق النائيني (رحمه الله) من جانب و بين العلمين المذكورين من جانب آخر مناقشة لفظيّة لأنّ لكلّ من الطرفين بل لكلّ واحد من الأعلام الثلاثة تفسيراً خاصّاً للقطع المأخوذ على نحو الكاشفيّة يناسب مع ما ذهب إليه من الإنكار أو الإثبات.

أمّا المحقّق النائيني (رحمه الله) فيفسّر المأخوذ على نحو الكاشفيّة بأنّ معناه أنّ للواقع دخلًا في الموضوع، فبناءً على هذا التفسير يكون إنكاره في محلّه كما لا يخفى.

و أمّا المحقّق الخراساني (رحمه الله) فيقول: أنّ القطع لمّا كان من الصفات الحقيقيّة ذات الإضافة، و لذا كان العلم نوراً لنفسه و نوراً لغيره صحّ أن يؤخذ فيه بما هو صفة خاصّة و حالة مخصوصة بإلغاء جهة كشفه أو اعتبار خصوصيّة اخرى فيه معها كما صحّ أن يؤخذ بما هو كاشف عن متعلّقه و حاكٍ عنه، فمراده من الكاشفيّة مجرّد النظر إلى الغير و صرف التعلّق بالغير سواء كان الغير موجوداً في الخارج أو لم يكن، لا أن يكون للواقع دخل.

كما أنّ المحقّق الحائري (رحمه الله) قال في الدرر: «و المراد من كونه ملحوظاً على أنّه صفة خاصّة ملاحظته من حيث إنّه كشف تامّ، و من كونه ملحوظاً على أنّه طريق ملاحظته من حيث إنّه أحد مصاديق الطرق المعتبرة، و بعبارة اخرى: ملاحظة الجامع بين القطع و سائر الطرق‏

233

المعتبرة» (1). فمقصوده من المأخوذ على نحو الكاشفيّة في هذه العبارة أيضاً ليس كون الواقع دخيلًا في الموضوع، بل المقصود مجرّد ملاحظة أنّه أحد مصاديق الطرق المعتبرة في قبال ملاحظة حالة المائة في المائة في المأخوذ على نحو الصفتية.

و لا يخفى أنّه بناءً على كلّ واحد من هذين التفسيرين يمكن تصوّر قسم رابع و هو كون القطع المأخوذ على نحو الكاشفيّة تمام الموضوع، و بهذا يرتفع النزاع حقيقة بين الطرفين.

البحث الثالث: في أحكام القطع الموضوعي و الطريقي و أنّه هل تقوم الطرق و الأمارات مقامهما أو لا؟

لا ريب في قيام الأمارات بنفس دليل حجّيتها (كآية النبأ) مقام القطع الطريقي المحض، كما لا ريب في عدم قيامها مقام القطع الموضوعي على وجه الصفتيّة فلا شكّ في أنّه إذا أشار المولى إلى الشمس مثلًا و قال: «بمثل هذا فاشهد» فأخذ القطع بما أنّه صفة خاصّة و درجة خاصّة من العلم و الكشف في موضوع الشهادة، فلا تجوز الشهادة على مالكية زيد مثلًا بمجرّد قيام البيّنة على أنّ هذا ملك له، أو ثبتت مالكيته بالقرعة.

إنّما الكلام في قيامها مقام القطع الموضوعي على نحو الكاشفيّة.

قال الشيخ (قدس سره) في الرسائل: «ثمّ من خواص القطع الذي طريق إلى الواقع قيام الأمارات الشرعيّة و الاصول العمليّة مقامه في العمل بخلاف المأخوذ في الحكم على وجه الموضوعيّة فإنّه تابع لدليل الحكم فإن ظهر منه أو من دليل خارج اعتباره على وجه الطريقية للموضوع قامت الأمارات و الاصول مقامه، و إن ظهر منه اعتبار صفة القطع في الموضوع من حيث كونها صفة خاصّة قائمة بالشخص لم يقم مقامه غيره» (2).

فظاهر كلامه هذا أنّ الطرق و الأمارات تقوم مقام القطع الموضوعي على وجه الكاشفيّة مطلقاً سواء كان جزءاً للموضوع أو تمام الموضوع.

لكن المحقّق الخراساني (رحمه الله) ذهب في الكفاية إلى عدمه، حيث قال: «إنّ القطع المأخوذ بهذا

____________

(1) درر الفوائد: ج 2 ص 330- 331، طبع جماعة المدرّسين.

(2) الرسائل: ج 1، ص 6، طبع جماعة المدرّسين.

234

النحو (على نحو الكاشفية) في الموضوع شرعاً كسائر ما لها دخل في الموضوعات أيضاً (أي كسائر الصفات التي لها دخل في موضوعات الأحكام) فلا يقوم مقامه شي‏ء بمجرّد حجّيته أو قيام دليل اعتباره ما لم يقم دليل على تنزيله و دخله في الموضوع كدخله».

أقول: لم يقم أحد من العلمين دليلًا على مدّعاه، و كأنّ كلّ واحد منهما أرسلها إرسال قضايا قياساتها معها، و الإنصاف أنّ المشكلة هنا أيضاً تنحلّ بما مرّ آنفاً من لزوم ملاحظة التفاسير الثلاثة التي ذكرت لأخذ القطع موضوعاً على وجه الكاشفيّة فيثبت بذلك أنّ النزاع في هذا المقام أيضاً لفظي.

بيان ذلك: أنّ ظاهر كلام الشيخ (رحمه الله) كون مراده من المأخوذ على وجه الكاشفيّة أنّ ما أخذ في الموضوع هو جامع الكاشف و جنس الكاشف الذي يكون القطع مصداقاً من مصاديقه كما صرّح بهذا التفسير المحقّق الحائري (رحمه الله) في الدرر (و قد مرّ بيانه) و لا ريب أنّه بناءً على هذا التفسير يقوم مقام القطع سائر مصاديق الكاشف بلا إشكال.

و أمّا المحقّق الخراساني (رحمه الله) فقد مرّ أنّ مقصوده من المأخوذ على نحو الكاشفيّة أنّ تلك الحالة، أي حالة المائة في المائة أخذت في الموضوع من جهة أنّها منوّرة لغيره لا من جهة أنّها تؤثّر في نفسه، و لا إشكال (حتّى عند الشيخ (قدس سره) في عدم قيام الأمارات مقام هذه الدرجة من العلم، فالمناقشة بين العلمين لفظيّة نشأت من اختلاف التفسير للقطع الموضوعي على وجه الطريقيّة.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني (رحمه الله) بعد هذا أورد على نفسه ما حاصله: أنّه يكفينا لإثبات قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي المأخوذ على نحو الكاشفيّة إطلاق دليل تنزيلها منزلة القطع الشامل ذلك الإطلاق لجميع آثار القطع من الطريقيّة و الموضوعيّة، فإنّ إطلاق دليل اعتبار الأمارة ينزّل الأمارة منزلة القطع في جميع آثاره و لوازمه المترتّبة عليه من كونه طريقاً محضاً و موضوعاً حتّى على نحو الصفتية.

و أجاب عن هذا بأنّ هذا الإطلاق ممتنع في المقام لاستلزامه اجتماع اللحاظين المتضادّين لأنّ تنزيل الأمارة منزلة القطع الموضوعي موقوف على لحاظ القطع استقلالًا لأنّ مقتضى موضوعيّة شي‏ء هو استقلاله في اللحاظ من دون كونه تبعاً للغير، و تنزيلها منزلة القطع الطريقي موقوف على لحاظه آلة للغير و هو الواقع المنكشف به فيستلزم منه لحاظ المنزّل عليه و هو القطع بلحاظين متضادّين في إنشاء واحد و هو محال.

235

أقول: و يرد عليه: إنّ جوابه هذا مبنيّ على ما ذهب إليه في البحث عن حقيقة الاستعمال من أنّ استعمال اللفظ في المعنى فناؤه فيه حقيقة، و قد مرّ الجواب عنه، فقد قلنا أنّ حقيقة الاستعمال هو جعل اللفظ علامة للمعنى و البناء على إرادته عنده، و لذلك لا مانع من استعمال لفظ واحد في أكثر من معنى و من احضار معاني متعدّدة في الذهن ثمّ استعمال لفظ واحد في جميعها.

هذا و لكن نحن أيضاً نمنع عن إطلاق أدلّة حجّية الأمارات لكن لا من باب اجتماع اللحاظين المتضادّين بل من باب انصراف أدلّة حجّية الأمارات عن القطع الموضوعي فإنّها ناظرة بظهورها إلى القطع الطريقي المحض فقط.

و للمحقّق النائيني (رحمه الله) في المقام بيان آخر لجواز قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي على نحو الكاشفيّة، و النكتة الأساسيّة الرئيسة في كلامه (بعد أن جعل عمدة ما يتصوّر أن يكون مانعاً عن القيام ما ذكره المحقّق الخراساني (رحمه الله) من الجمع بين اللحاظين) تفسير ذكره لحجّية الطرق و الأمارات، و هو أنّ دليل الحجّية إنّما ناظر إلى إعطاء صفة الطريقيّة و الكاشفيّة للأمارة و جعل ما ليس بمحرز حقيقة محرزاً تشريعاً و إليك نصّ كلامه: «أنّه ليس معنى حجّية الطريق مثلًا تنزيل مؤدّاه منزلة الواقع و لا تنزيله منزلة القطع حتّى يكون المؤدّى واقعاً تعبّداً أو يكون الأمارة علماً تعبّداً، بداهة أنّ دليل الحجّية لا نظر له إلى هذين التنزيلين أصلًا و إنّما نظره إلى إعطاء صفة الطريقيّة و الكاشفيّة للأمارة و جعل ما ليس بمحرز حقيقة محرزاً تشريعاً، نعم لا بدّ و أن يكون المورد قابلًا لذلك بأن يكون له كاشفيّة عن الواقع في الجملة و لو نوعاً إذ ليس كلّ موضوع قابلًا لإعطاء صفة الطريقيّة و المحرزيّة له فما يجري على الألسنة بأنّ ما قامت البيّنة على خمريته مثلًا خمر تعبّداً أو أنّ نفس البيّنة علم تعبّداً فممّا لا محصّل له و ليس له معنى معقول إذ الخمريّة أو العلم من الامور التكوينيّة الواقعيّة التي تنالها يد الجعل تشريعاً، مضافاً إلى أنّ لم يرد في آية و لا رواية أنّ ما قامت البيّنة على خمريته خمر و إنّ الأمارة علم حتّى يصحّ دعوى كون المجعول هو الخمريّة أو كون البيّنة علماً و لو بنحو المسامحة من باب الضيق في التعبير، و بالجملة ما يكون قابلًا لتعلّق الجعل التشريعي به كيفية المجعولات التشريعية هو نفس صفة الكاشفيّة و الطريقيّة لما ليس كذلك بحسب ذاته من دون تنزيل للمؤدّى منزلة الواقع و لا لتنزيل نفسه منزلة العلم. و بعبارة اخرى‏ له في موضع آخر: أنّ مفاد حجّية

236

الأمارات هو تتميم الكشف أي يكمّل الشارع بأدلّة الحجّية الكشف الظنّي الموجود في الأمارة).

ثمّ أشار إلى ما مرّ من إشكال الجمع بين اللحاظين بأنّ بناء هذا الإشكال على تخيّل أنّ دليل الاعتبار إنّما يتكفّل لإثبات أحكام الواقع للمؤدّى أو أحكام القطع للأمارة فيكون تعميماً في الموضوعات الواقعيّة أو في العلم المأخوذ في الموضوع واقعاً، و أمّا إذا بنينا على عدم تكفّل دليل الحجّية و الاعتبار للتنزيل أصلًا بل غاية شأنه هو إعطاء الطريقيّة و الكاشفيّة للأمارة و جعل ما ليس بمحرز للواقع حقيقة محرزاً له تشريعاً فليس هناك تنزيل حتّى يترتّب عليه الجمع بين اللحاظين المتنافيين» (1).

أقول يرد عليه:

أوّلًا: ما المراد بإعطاء صفة الكاشفيّة لما ليس كاشفاً؟ أ ليست الكاشفيّة أيضاً من الامور التكوينيّة غير القابلة للجعل؟ فما ليس بعلم تكويناً و واقعاً كيف يمكن جعله علماً؟ أ ليس هذا إلّا كرّ على ما فرّ منه؟

إن قلت: فما هو معنى الحجّية في رأيكم؟

قلت: يمكن أن يبيّن لها معنيان:

الأوّل: تنزيل المؤدّى منزلة الواقع بحسب الأحكام و الآثار الشرعيّة، فمعنى «صدّق العادل» مثلًا «نزّل ما أخبر العادل بخمريته مثلًا منزلة الخمر الواقعي في أحكامه».

الثاني: جعل حكم طريقي مماثل للحكم الواقعي، أي ينشأ دليل حجّية خبر العادل فيما إذا أخبر عادل عن خمريّة شي‏ء حرمةً لذلك الشي‏ء مثل حرمة الخمر الواقعي.

و لا يخفى أنّ المعنى الأوّل هو ظاهر لسان الأدلّة، حيث إن الخبر الذي يقول مثلًا: «ما رواه عنّي فعنّي يروي» يعني «رتّب على ما رواه الآثار و الأحكام الشرعيّة»، و العمدة أنّ الذي يقبل التشريع هو الامور الاعتباريّة مثل الأحكام الشرعيّة لا غيرها.

ثانياً: سلّمنا إمكان إعطاء الكاشفيّة، لكن ليس هو لسان أحد من أدلّة الاعتبار فليس معنى مفهوم آية النبأ (و هو: إذا جاءكم عادل فلا تبيّنوا) اعطيت خبر العادل صفة الكاشفية كما لا يخفى.

____________

(1) أجود التقريرات: ج 2، ص 12- 13.

237

ثالثاً: سلّمنا ذلك، و لكن نتيجته أنّ لدينا قسمين من القطع: قطعاً تكوينياً و قطعاً تشريعياً، و ظاهر أدلّة أخذها في الموضوع هو القطع التكويني فقط، فالقطع التشريعي الحاصل بتتميم الكشف و إعطاء صفة الطريقية خارج عن منصرفها.

و بالجملة فالمختار في المقام أنّه إن كان المراد من الأخذ على نحو الكاشفيّة أخذ جامع الكاشف فلا إشكال في قيام الأمارة مقامه، و إن كان المراد منه أخذ القطع بما أنّه كاشف تامّ فلا إشكال أيضاً في عدم قيام الأمارة مقامه لأنّ كشف الأمارة كشف ناقص.

هذا تمام الكلام في قيام الأمارات مقام القطع.

أمّا قيام الاصول مقامه‏ فلنبدأ فيه ببيان أقسامها فنقول: قد قسّمها بعض الأكابر إلى الاصول المحرزة و غير المحرزة، و الحقّ أنّ محرزيّة شي‏ء بالنسبة إلى الواقع تنافي كونه من الاصول العمليّة التي أخذ في موضوعها الشكّ بالواقع، وعليه فلا محصّل لهذا التقسيم.

اللهمّ إلّا أن يقال: أنّه مجرّد اصطلاح لكلّ أصل عملي له نظر إلى الواقع و إن لم يكن كاشفاً ظنّياً، أو كان كذلك و لكن لم يكن الكشف الظنّي ملاك حجّيته شرعاً.

و كيف كان، قال المحقّق الخراساني (رحمه الله): «أمّا الاصول فلا معنى لقيامها مقامه بأدلّتها أيضاً غير الاستصحاب لوضوح أنّ المراد من قيام المقام ترتيب ما له من الآثار و الأحكام من تنجّز التكليف و غيره كما مرّت إليه الإشارة و هي ليست إلّا وظائف مقرّرة للجاهل في مقام العمل شرعاً أو عقلًا، إلى أن قال: ثمّ لا يخفى أنّ دليل الاستصحاب أيضاً لا يفي بقيامه مقام القطع المأخوذ في الموضوع مطلقاً».

و حاصل كلامه: أنّ غير الاستصحاب من الاصول العمليّة لا يقوم مقام القطع لأنّ لسانها ليس لسان التنزيل و ترتيب الآثار بل هي ليست إلّا مجرّد وظائف عملية للجاهل، و أمّا الاستصحاب فهو و إن كان لسان أدلّته لسان التنزيل و لها نظر إلى الواقع إلّا أنّ دليل الاستصحاب مثل قوله (عليه السلام) «لا تنقض اليقين أبداً بالشكّ» لا بدّ أن يكون ناظراً إمّا إلى تنزيل الشكّ في البقاء منزلة القطع به، أو إلى تنزيل المشكوك منزلة المتيقّن، و لا يعقل أن يكون ناظراً إلى كلا التنزيلين لاستلزامه اجتماع اللحاظين على ما تقدّم منه (قدس سره) في قيام الأمارات.

أقول يرد عليه:

أوّلًا: ما مرّ من أنّ الإشكال في المقام ليس هو الجمع بين اللحاظين، بل الإشكال أنّ الأدلّة

238

منصرفة عن القطع الموضوعي، فمثل قوله «لا تنقض اليقين» المعنى المستظهر منه هو ترتّب آثار الواقع المتيقّن أي الوضوء مثلًا في مورد هذا الخبر، لا ترتيب آثار القطع.

ثانياً: ظاهر كلامه هذا أنّ الاصول لا توجب تنجّز التكليف لأنّها ليست إلّا وظائف مقرّرة للجاهل في مقام العمل مع أنّه لا منافاة بينهما بل إنّها تنجّز التكليف الواقعي في صورة الإصابة و إن لم يكن لسانها لسان التنزيل منزلة الواقع.

فظهر ممّا ذكرنا: أنّ الاصول لا تقوم مقام القطع الموضوعي مطلقاً حتّى إذا فسّر القطع الموضوعي المأخوذ على نحو الكاشفيّة بأخذ جامع الكاشف لأنّه ليس لأصل عملي كاشفيّة و إن كان لسانه لسان التنزيل، وعليه فلا وجه لما ذهب إليه في تهذيب الاصول من جواز قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي.

بقي هنا شي‏ء:

و هو ما يستفاد من بعض كلمات المحقّق النائيني (رحمه الله) من إنكاره القطع الموضوعي المأخوذ على نحو الصفتية في لسان الأدلّة الشرعيّة، و أنّه لم نجد في الأحكام الفقهيّة حكماً أخذ في موضوعه القطع على نحو الصفتية.

فنقول في جوابه: إن كان المراد من القطع المأخوذ على نحو الصفتية تلك الدرجة العالية من العلم أي حالة المائة في المائة فيمكن أن يحمل عليها ما ورد في باب الشهادات عن علي بن غياث عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا تشهدنّ بشهادة حتّى تعرفها كما تعرف كفّك» (1). و ما ورد أيضاً عن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) و قد سئل عن الشهادة قال: هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع» (2).

و إن كان المراد منه القطع بما أنّه صفة كماليّة للنفس فيمكن أيضاً أن يحمل عليه ما ورد في بعض الرّوايات من استحباب إكرام العالم أو استحباب النظر إلى وجه العالم حيث إن العلم في هذين الحكمين لم يؤخذ بما أنّه كاشف لغيره بل بما أنّه نور في نفسه و صفة كماليّة للنفس كما لا يخفى.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 1، الباب 20، من أبواب الشهادات.

(2) المصدر السابق: ح 3.

239

المسألة الرابعة: هل يتصوّر ما ذكر من الأقسام للقطع في الظنّ أيضاً أو لا؟

قد ذكرنا سابقاً أنّ للقطع الموضوعي أربعة أقسام:

1- القطع المأخوذ في موضوع حكم نفسه.

2- القطع المأخوذ في موضوع حكم مثله.

3- القطع المأخوذ في موضوع حكم ضدّه.

4- القطع المأخوذ في موضوع حكم غيره، و مرّ أيضاً بطلان الثلاثة الاولى و إنّ الجائز منها هو القسم الأخير نحو «إذا قطعت بنجاسة الثوب تبطل الصّلاة فيه».

أمّا الظنّ‏ فلا إشكال في بطلان القسم الأوّل بالنسبة إليه نحو «إذا ظننت بوجوب صلاة الجمعة فهي تجب بهذا الوجوب»، و ذلك للزوم نفس الإشكال و هو الدور المحال هنا أيضاً، كما لا إشكال في جواز القسم الأخير فيه، أمّا القسم الثاني و الثالث فربّما يقال بأنّهما قد يصحّان بالنسبة إلى الظنّ نحو «إذا ظننت بوجوب صلاة الجمعة فهي تجب» و «إذا ظننت بنجاسة الثوب فهو طاهر»، و نكتة الجواز و السرّ فيه أنّ الحكمين فيهما حكمان في مرحلتين: مرحلة الإنشاء و مرحلة الفعليّة، فالمظنون بسبب الجهل به و عدم رفع الستار عنه كما ينبغي- يكون إنشائيّاً غير فعلي، و أمّا الحكم الذي قد أخذ الظنّ موضوعاً له فيكون فعلياً، وعليه فلا يلزم اجتماع الحكمين المتماثلين أو المتضادّين في مرتبة واحدة.

إن قلت: لو كان هذا هو السرّ في الجواز فيمكن أن يقال به في القطع أيضاً، أي يمكن أن يأخذ القطع بحكم في مرحلة الإنشاء موضوعاً للقطع به في مرحلة الفعلية فيقال مثلًا: إذا قطعت بوجوب شي‏ء وجوباً إنشائيّاً يجب ذلك الشي‏ء بوجوب فعلي أو يحرم فعلًا، فما هو الفارق بين المقامين؟

قلت: الفرق هو أنّ القطع بحكم إنشائي يلازم القطع بالفعليّة (إذا كان المانع عن الفعليّة هو الجهل فقط) لأنّ القطع حجّيته ذاتيّة و لا يمكن سلب الحجّية عنه، بخلاف الظنّ فيمكن فيه للشارع جعل الحجّية له أو سلبها عنه لعدم كونها ذاتيّة له.

إن قلت: ما هي الثمرة لهذا البحث؟

قلنا: سيأتي إن شاء اللَّه تعالى فائدتها العظيمة في الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري في‏

240

جواب شبهة ابن قبّة التي هي من المشكلات في مبحث الأحكام الظاهريّة.

المسألة الخامسة: في وجوب الموافقة الالتزاميّة في الأحكام الفرعيّة و عدمه‏

إذا علمنا بوجوب شي‏ء أو حرمته أو استحبابه مثلًا فهل يجب الالتزام القلبي بذلك الوجوب أو الحرمة أو الاستحباب أو لا؟ و بعبارة اخرى: الواجب في الأحكام الفرعيّة شيئان أو شي‏ء واحد؟

و فيه أبحاث ثلاثة:

الأوّل: في المراد من الالتزام القلبي و المعنى المقصود منه.

الثاني: في وجوبه في الأحكام الفرعيّة و عدمه بعد إمكان تصوّره في مرحلة الثبوت.

الثالث: في ثمرة البحث، فيقع الكلام في ثلاث مقامات:

أمّا المقام الأوّل: فحلّ المشكل فيه يتوقّف على إثبات جواز انفكاك الاعتقاد عن العلم و أنّه هل يكون العلم عين الاعتقاد أو لا؟ فذهب جمع إلى عدم إمكان التفكيك بينهما.

قال في تهذيب الاصول: «إنّ التسليم القلبي و الانقياد الجناني و الاعتقاد الجزمي لأمر من الامور لا تحصل بالإرادة و الاختيار، من دون حصول مقدّماتها و مبادئها، و لو فرضنا حصول عللها و أسبابها، يمتنع تخلّف الالتزام و الانقياد القلبي عند حصول مبادئها، و يمتنع الاعتقاد بأضدادها فتخلّفها عن المبادئ ممتنع كما أنّ حصولها بدونها أيضاً ممتنع ... إلى أن قال: فمن قام عنده البرهان الواضح بوجود المبدأ المتعال و وحدته لا يمكن له عقد القلب عن صميمه بعدم وجوده و عدم وحدته، و من قام عنده البرهان الرياضي على أنّ زوايا المثلّث مساوية لقائمتيه، يمتنع مع وجود هذه المبادئ، عقد القلب على عدم التساوي، فكما لا يمكن الالتزام على ضدّ أمر تكويني مقطوع به فكذلك لا يمكن عقد القلب على ضدّ أمر تشريعي ثبت بالدليل القطعي. نعم لا مانع من إنكاره ظاهراً و جحده لساناً لا جناناً و اعتقاداً، و إليه يشير قوله عزّ و جلّ: «وَ جَحَدُوا بِهَا وَ اسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوّاً». و ما يقال من أنّ الكفر الجحودي يرجع إلى الالتزام القلبي على خلاف اليقين الحاصل في نفسه فاسد جدّاً. هذا هو الحقّ القراح في هذا المطلب من غير فرق بين الاصول الاعتقاديّة ... إلى أن قال: فلو قام الحجّة

241

عند المكلّف على نجاسة الغسالة و حرمة استعمالها، يمتنع عليه أن يعقد القلب على خلافها أو يلتزم جدّاً على طهارته، إلّا أن يرجع إلى تخطئة الشارع (و العياذ باللَّه) و هو خارج عن المقام.

و بذلك يظهر أنّ وجوب الموافقة الالتزاميّة و حرمة التشريع لا يرجع إلى محصّل إن كان المراد من التشريع هو البناء و الالتزام القلبي على كون حكم من الشارع مع العلم بأنّه لم يكن من الشرع، أو لم يعلم كونه منه، و مثله وجوب الموافقة و هو عقد القلب اختياراً على الاصول و العقائد و الفروع الثابتة بأدلّتها القطعيّة الواقعيّة.

و الحاصل أنّ التشريع بهذا المعنى أمر غير معقول بل لا يتحقّق من القاطع حتّى يتعلّق به النهي، كما أنّ الاعتقاد بكلّ ما ثبت بالأدلّة أمر قهري تتبع مبادئها و يوجد غبّ عللها بلا إرادة و اختيار و لا يمكن التخلّف عنها و لا للحاصل له مخالفتها، فلا يصحّ تعلّق التكليف لأمر يستحيل وجوده، أو يجب وجوده بلا إرادة و اختيار» (1).

أقول: لا يخفى أنّ لازم ما أفاده في المقام عدم وجود موضوع للبحث هنا فينتفي بانتفاء موضوعه لأنّه أنكر إمكان تعلّق الوجوب بالالتزام القلبي ثبوتاً فلا تصل النوبة إلى مقام الإثبات و البحث في أنّه هل يكون الالتزام القلبي واجباً شرعاً أو لا؟

لكن الإنصاف هو إمكان التفكيك بين العلم و الالتزام القلبي ثبوتاً و أنّه يوجد وراء العلم شيئاً آخر اختياريّاً يسمّى بالتسليم و الالتزام القلبي، و إن شئت فعبّر عنه بالإيمان مقابل الإسلام، و قد بيّنه المحقّق الأصفهاني (رحمه الله) في كلامه‏ (2).

و توضيحه: أنّه إذا تيقّن الإنسان بشي‏ء يجد بوجدانه في قبال يقينه و علمه أمرين مختلفين:

أحدهما: التسليم الجوارحي، و الثاني: التسليم الجوانحي فربّما يحصل له التسليم الجوارحي و لا يحصل له التسليم القلبي و الانقياد الجناحي و بالعكس فيعلم كثيراً ما مثلًا بأهلية شخص للرئاسة و المرجعية لكنّه لا ينقاد له قلباً و لا يقرّبه باطناً لخباثة نفسه أو لعدم كونه من قومه و قبيلته أو لجهة اخرى، و إن كان في مقام العمل يتحرّك بحركته خوفاً من سوطه و سطوته، و نحن نعتقد أنّه من هذا القبيل الكفر الجحودي فكثير من الكفّار الذين نطق القرآن بكفرهم كانوا عالمين بحقّانيّة القرآن و نبوّة نبيّنا (صلى الله عليه و آله)، و مع ذلك لم يكونوا منقادين، و لو كان ملاك الإيمان‏

____________

(1) تهذيب الاصول: ج 2، ص 45- 46، طبع جماعة المدرّسين.

(2) راجع نهاية الدراية: ج 2، ص 26، الطبع القديم.

242

الحقيقي نفس العلم لزم أن يكونوا مؤمنين به و أن يكون الشيطان أو فرعون مثلًا أظهر مصاديق المؤمن من أنّ كفرهم ممّا لا ينكره أحد، و من هنا يكون المراد من الجحود في قوله تعالى: «وَ جَحَدُوا بِهَا وَ اسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ» الجحد القلبي لا أنّهم جحدوا لفظاً و عملًا.

و العجب من تهذيب الاصول حيث إنّه مع ما ذهب إليه من عدم كون الالتزام القلبي اختياريّاً صرّح في ذيل كلامه بانفكاك العلم عن الإيمان و قال: «إنّ الإيمان ليس مطلق العلم الذي يناله العقل و يعدّ حظّاً فريداً له» و لم يبيّن أنّه كيف لا يلزم من عدم كون العلم عين الإيمان كون الالتزام و الانقياد اختياريّاً بل قال: «و بما أنّ المقام لا يسع طرح تلك الأبحاث فليراجع من أراد التفصيل إلى محالّه» (1).

و كيف كان، فإنّ عدم كون الإيمان و الالتزام القلبي اختياريّاً ينافي ظاهر كثير من الرّوايات و الآيات كالتي تأمر بالإيمان و تعلّق الأمر فيها بالتسليم القلبي كقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ» و لو لم يكن الإيمان و التسليم أمراً اختياريّاً يكون هذا القبيل من الأوامر تكليفاً بما لا يطاق، و القول بأنّها محمولة على تحصيل مبادئه و أسبابه تكلّف لا وجه له.

فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ محلّ البحث أنّه إذا علمنا بوجود شي‏ء فهل يتصوّر فعل قلبي وراء العلم أو لا؟ فإن قبلنا وجود ذلك الفعل فيعقل و يتصوّر البحث عن وجوب الالتزام القلبي و عدمه و إلّا فلا، و قلنا أنّ الوجدان حاكم على وجود أمر آخر قلبي يسمّى بالالتزام و التسليم القلبي و هو المستفاد من ظاهر الآيات و الرّوايات، و من هنا يعلم أنّ حقيقة التشريع هي الالتزام القلبي على كون حكم من الشارع مع العلم بأنّه لم يكن من الشرع أو مع عدم العلم بكونه منه.

هذا كلّه في إمكان تعلّق الوجوب على الالتزام و عدمه.

المقام الثاني: في أنّه بعد قبول إمكان تعلّق الوجوب ثبوتاً فهل يكون واجباً إثباتاً أو لا؟

فنقول: لا دليل لنا على وجوب الالتزام في الأحكام الشرعيّة الفرعيّة تفصيلًا لا عقلًا و لا نقلًا و إن كان واجباً في الاصول الاعتقاديّة.

أمّا عقلًا فلأنّ العقل و العقلاء لا يحكمون باستحقاق العبد للعقوبة على ترك الالتزام القلبي‏

____________

(1) تهذيب الاصول: ج 2 ص 49، طبع جماعة المدرّسين.

243

في الأحكام الفرعيّة، و لا يحكمون فيما إذا أتى العبد بالعمل و لم يلتزم قلباً لا بوجوبه و لا بحرمته بأنّه هاتك للمولى.

و أمّا نقلًا فلعدم وجود رواية تدلّ على وجوب الموافقة الالتزاميّة، و مع عدمه و الشكّ في الوجوب تصل النوبة إلى البراءة، نعم مقتضى أدلّة الإيمان بالنبوّة هو الإيمان بالأحكام الفرعيّة التي جاء بها النبي إجمالًا، و هذا غير وجوب الالتزام القلبي بها تفصيلًا، و خارج عن محلّ الكلام، و مما يؤيّد هذا المعنى غفلة عامّة الناس عن هذا الالتزام التفصيلي، و لو كان واجباً لكان على الشارع البيان.

المقام الثالث في ثمرة المسألة: و ليعلم أنّ المسألة ليست لها ثمرة في الاصول، و إن كان قد يمنع ذلك من إجراء الاصول في أطراف العلم الإجمالي على بعض الاحتمالات، بل تظهر ثمرتها في الفقه بلا واسطة، فإنّ تعلّق العلم بحكم تفصيلًا كالعلم بوجوب الصّلاة وجب الالتزام به قلباً إن قلنا بوجوب الموافقة الالتزاميّة و لا يجب إن قلنا بعدمه، و إن تعلّق العلم بحكم إجمالًا وجب الالتزام القلبي به كذلك إن قلنا بوجوبه كالعلم الإجمالي بوجوب صلاة الجمعة أو صلاة الظهر، و ذلك لعدم القدرة حينئذٍ على الالتزام التفصيلي، و هكذا لو تعلّق العلم بما يدور بين المحذورين، كما إذا علمنا بأنّ صلاة الجمعة إمّا حرام أو واجب، فيكون الالتزام القلبي حينئذٍ مثله.

هذا كلّه بالنسبة إلى الحكم الواقعي، و كذلك إذا كان الحكم ظاهريّاً كوجوب الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي كمثال الواجب يوم الجمعة إذا دار أمر الوجوب بين صلاة الجمعة و صلاة الظهر، و كالحكم بالتخيير فيما إذا دار الحكم بين الوجوب و الحرمة، و بما أنّ العلم بهذا الحكم الظاهري يكون تفصيلياً يجب الالتزام به تفصيلًا، فيكون الالتزام الواجب في مثل هذه الموارد قسمان: أحدهما: تفصيلي، و هو الالتزام بالحكم الظاهري المعلوم تفصيلًا، و الآخر: إجمالي و هو الالتزام بالحكم الواقعي المعلوم إجمالًا.

و لا منافاة بينهما لعدم المنافاة بين الحكم الواقعي و الظاهري كما سيأتي في محلّه إن شاء اللَّه.

و بهذا يظهر ضعف ما قيل: بأنّ ثمرة المسألة تظهر في المسألة الاصوليّة، و هي جريان الاصول في موارد التخيير، فإذا قلنا بعدم وجوب الالتزام القلبي بالحكم الواقعي فلا مانع من جريان البراءة عن الوجوب و البراءة عن الحرمة في دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة مثلًا، لأنّ جريانها إنّما يستلزم المخالفة العلميّة الالتزاميّة فقط، و المفروض عدم وجوبها، و أمّا إن قلنا

244

بوجوب الالتزام القلبي فلا يمكن جريان الاصول من ناحية لزوم الالتزام و الموافقة العلميّة بالحكم الواقعي.

و وجه الضعف: إنّ لنا في المقام التزاماً قلبياً إجمالياً بالحكم الواقعي، و هو باقٍ على قوّته، و التزاماً قلبياً تفصيلياً بالحكم الظاهري، و هو البراءة، و هو أيضاً باقٍ على حاله، و لا منافاة بينهما كما سيأتي إن شاء اللَّه.

بقي هنا شي‏ء:

و هو أنّ الالتزام القلبي ممّا لا بدّ منه في الأحكام التعبّديّة التي يعتبر فيها قصد القربة، سواء قلنا بوجوبه أو لم نقل، و ذلك لوجود الملازمة بين قصد القربة و الالتزام القلبي و عدم انفكاك الأوّل عن الثاني، فلا معنى لوجوبه ذاتاً و مستقلًا، و حينئذٍ لا يجري البحث عن وجوبه و عدمه.

نعم، هذا بالنسبة إلى حين العمل و الامتثال، و أمّا بالنسبة إلى خارج وقت العمل فلا إشكال في جريان البحث أيضاً فإذا علمنا بوجوب الصّلاة سواء حضر وقتها أم لا فهل يجب الالتزام بوجوبها قلباً أو لا؟

و كذلك يجري البحث على مستوى‏ العمل من ناحية ترتّب عقاب واحد على ترك قصد القربة أو عقابين، فإن كان الالتزام واجباً مستقلًا فيترتّب على الترك عقابان، و إن لم يكن الالتزام واجباً ذاتاً فيترتّب على الترك عقاب واحد.

المسألة السادسة: في قطع القطاع‏

ينقسم الناس من حيث قطعهم بالأشياء إلى ثلاثة أقسام:

الأوّل: من يكون قطعه متعارفاً، فيقطع بالشي‏ء فيما إذا حصلت مبادئه العقليّة و أسبابه العادية.

الثاني: القطّاع و هو من يقطع بدون تحقّق أسبابه المتعارفة.

الثالث: الوسواس و هو لا يقطع حين تحقّق تلك الأسباب.

245

أمّا القطاع، فتارةً يبحث فيه عن عدم حجّية قطعه بالنسبة إلى القطع الطريقي، و اخرى‏ بالنسبة إلى القطع الموضوعي، أمّا عدم حجّية قطعه بالنسبة إلى القطع الموضوعي فاللازم فيه ملاحظة ظواهر الأدلّة التي أخذ القطع فيها في الموضوع و إنّها هل تشمل قطع القطّاع أيضاً أو لا؟

فنقول: الظاهر انصرافها عن قطع القطاع و إنّ القطع المأخوذ في موضوعها هو القطع الحاصل من الأسباب المتعارفة لا الحاصل من أي سبب كان.

أمّا القطع الطريقي، فلا إشكال في حجّيته في قطع القطاع بالنسبة إلى حين القطع لأنّها كما مرّ سابقاً ذاتي للقطع لا يمكن أن يتخلّف عنه سواء كان قطع القطاع أو غيره، و من أي سبب حصل، و لأيّ شخص كان، فالقطاع في حالة قطعه لا يمكن نهيه و سلب الحجّية عن قطعه، و أمّا بالنسبة إلى ما بعد زوال قطعه أو زوال حالة القطاعيّة فلا إشكال أيضاً في إمكان نهيه عن ترتيب الآثار على قطعه و أمره بقضاء ما لم يأت به، لقطعه بعدم وجوبه أو عدم حصول شرائط الوجوب مثلًا.

هذا بالنسبة إلى مقام الثبوت، و أمّا مقام الإثبات فإذا انكشف الخلاف فقد مرّ في مبحث الإجزاء عدم إجزاء الأحكام الظاهريّة العقليّة و وجوب القضاء عليه، و إذا لم ينكشف و شكّ في صحّة عمله فهل يمكن إجراء قاعدة الفراغ أو لا؟ الحقّ عدم شمولها للمقام لانصرافها إلى غيره، و لما ورد فيها من التعليل بأنّه «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ» المعلوم عدم شموله للمقام.

هذا كلّه بالنسبة إلى القطع الحقيقي، أمّا القطع العرفي المسمّى بالاطمئنان الذي قد مرّ أنّه الغالب في العلوم و الآراء العلميّة فحيث أنّه يجتمع مع احتمال الخلاف يمكن النهي عنه في القطّاع أو غيره و سلب الحجّية عنه حين القطع.

فتلخّص من جميع ما ذكر إمكان المنع عن العمل بقطع القطاع في ثلاثة موارد:

1- القطع الموضوعي.

2- القطع الطريقي العرفي.

3- القطع الطريقي الحقيقي بالنسبة إلى حال زوال القطع أو حال زوال هذه الصفة أي كونه قطاعاً، و لا يمكن سلبها عنه في مورد واحد، و هو القطع الطريقي الحقيقي حين القطع، هذا كلّه في القطاع.

246

أمّا الوسواس‏ فأحكامه تشبه أحكام القطّاع لأنّ كلّ واحد منهما خارج عن حدّ الاعتدال، إنّما الفرق بينهما أنّ أحدهما داخل في جانب الافراط و الآخر في جانب التفريط، فكما أنّ الأدلّة التي كان القطع فيها مأخوذاً في الموضوع كانت منصرفة عن قطع القطاع كذلك منصرفة عن قطع الوسواس، فإذا كان مفاد دليل: «إذا قطعت بنجاسة ثوبك يجب تحصيل القطع بطهارته» فهو منصرف إلى القطع المتعارف و غير شامل للوسواس، فلا يجب عليه تحصيل القطع بطهارة ثوبه، و هكذا بالنسبة إلى القطع الطريقي فلا يمكن منعه و سلب الحجّية عن قطعه في حال قطعه، كما إذا قطع بنجاسة جميع المياه الموجودة في بلده، فصار بناءً على قطعه هذا فاقداً للماء، فتيمّم لصلاته، فلا يمكن منعه في حال قطعه، و أمّا بالنسبة إلى ما بعد زوال قطعه أو زوال حالة الوسوسة فلا إشكال أيضاً في إمكان سلب الحجّية عن قطعه السابق و أمره بالقضاء ثبوتاً، و بالنسبة إلى مقام الإثبات أيضاً يجري هنا جميع ما مرّ في قطع القطاع من عدم الاجزاء و عدم جريان قاعدة الفراغ.

المسألة السابعة: هل القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة، هو حجّة؟

قد مرّ في ما تقدّم أنّ القطع الطريقي حجّة، و الحجّية ذاتيّة له، و قلنا إنّه بحسب الحقيقة ليس طريقاً للوصول إلى الواقع بل هو نفس الوصول إلى الواقع و المشاهدة له سواء كان قطع القطاع أو غيره، و من أي سبب حصل، و لأي شخص كان و في أي مورد من موارد الفقه.

لكن نسب إلى الأخباريين إنكار حجّية القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة و عدم عدّ العقل من الأدلّة الشرعيّة، و الذي يظهر من كلماتهم امور: أحدها: إنكار الملازمة بين حكم العقل و الشرع، و الثاني: عدم حصول القطع من المقدّمات العقليّة، و الثالث: منع الشارع عن الرجوع إليها و إن حصل منها القطع، هذا من أهمّ وجوه الاختلاف بين المسلكين (المسلك الأخباري و مسلك الاصولي) و لازمها سقوط دليل العقل من بين الأدلّة الأربعة الشرعيّة، فصارت الأدلّة عندهم ثلاثة بل صارت دليلًا واحداً لعدم أخذهم بالكتاب بغير طريق السنّة و عدم اعتمادهم على الإجماع إذا لم يكن في المجمعين معصوم.

247

أمّا المقام الأوّل: أي إنكار الملازمة بين حكم العقل و الشرع فيتصوّر فيه احتمالات أربع، لتعيين مرادهم:

الأوّل: أن يكون المقصود إنكار الحسن و القبح العقليين.

الثاني: إنكار كبرى الملازمة بين الحكم العقلي و الحكم الشرعي في سلسلة التشريع.

الثالث: إنكاره قدرة العقل على إدراك المصالح و المفاسد.

الرابع: عدم قدرته على إدراك الموانع و المعارضات.

أمّا الاحتمال الأوّل، و هو عزل العقل بالمرّة عن إدراك الحسن و القبح كما ذهب إليه الأشاعرة فيردّه بداهة العقل، و مراجعة الوجدان أدلّ دليل على إدراك العقل للحسن و القبح، حيث لا إشكال في أنّ العقل يحكم بحسن بعض الأفعال كالإحسان و إعانة المظلوم و إغاثة الملهوف، و قبح بعضها الآخر كالظلم و قتل النفوس الأبرياء و التجاوز على الحقوق و الأموال المحترمة.

أمّا الاحتمال الثاني‏ (و هو إنكار حكم العقل بالملازمة بين ما استقلّ العقل بحسنه و وجود المصلحة الملزمة فيه و بين حكم الشارع بوجوبه، و هكذا بين ما استقلّ بقبحه و وجود المفسدة و بين حكم الشارع بحرمته) فقد نقل المحقّق النائيني (رحمه الله) عن صاحب الفصول وجوهاً لعدم الملازمة:

أحدها: وجود الأوامر الامتحانية في الشرع مع عدم وجود الملاك في متعلّقاتها، فيمكن وجود الحكم الشرعي مع عدم وجود الحكم العقلي لعدم الملاك و المصلحة في مورده.

و جوابه: أنّ مورد البحث في المقام هو الأوامر الجدّية غير الامتحانية.

ثانيها: موارد التقيّة إذا كانت في نفس الحكم دون المتعلّق كما إذا أمر الإمام (عليه السلام) بشي‏ء لحفظ دم نفسه (سلام اللَّه عليه) بنفس الأمر من دون أن يكون هناك مصلحة في المأمور به فقد تخلّف الحكم عن الملاك.

و فيه: ما مرّ من الجواب عن الوجه الأوّل من أنّ مورد البحث ما إذا كان الأمر بداعي الجدّ، و إن شئت قلت: أنّ المصلحة إذا كانت في نفس الإنشاء بأن تكون التقيّة في نفس الأمر لا أن تكون التقيّة في المأمور بها، فهو لا يكون بأمر حقيقة بل هو مجرّد تكلّم بلفظ، و المصلحة في نفس التكلّم، و أين ذلك من تخلّف الحكم عن الملاك؟

248

ثالثها: أنّه لا ريب في أنّ الملاك ربّما يكون في بعض الأفراد دون بعض، و مع ذلك يجعل الحكم على كلّي يشملهما، و هذا كما في باب العدّة، فإنّ مصلحة حفظ الأنساب و عدم اختلاط المياه اقتضت تشريع حكم العدّة مطلقاً حتّى فيما لا يلزم فيه من عدم العدّة اختلاط المياه فقد تخلّف الحكم في تلك الموارد عن الملاك.

و جوابه: أنّ المصلحة على قسمين: مصلحة نفس الحكم التي يمكن أن يكون نوعيّة غالبية و لا تكون موجودة في جميع الأفراد و المصاديق، و مصلحة كلّية الحكم، فيمكن أن لا يوجد في فرد مصلحة نفس الحكم، و في نفس الحال لا يستثنى و لا يخصّص ذلك الفرد لوجود المصلحة الثانية، أي مصلحة كلّية الحكم فيه، و ذلك مثل حرمة الخمر الجارية في جميع مصاديقها مع أنّ مفسدتها و هي السكر لا يوجد في قطرة واحدة منها مثلًا، و مع ذلك يكون شربها حراماً حفظاً لكلّية الحكم، و أين ذلك من الالتزام بعدم تبعية الحكم للملاك كما هو المدّعى؟

رابعها: أنّه لا ريب في أنّ الملاك و المصلحة في العبادات إنّما يترتّب على إتيانها بقصد قربى لا على مجرّد وجوداتها في الخارج، و من المعلوم أنّ الأوامر فيها لا تتعلّق إلّا بأنفسها لما ذكر في محلّه من عدم جواز قصد القربة في متعلّق الأمر، فما فيه الملاك يستحيل تعلّق الأمر به، و ما تعلّق به الأمر لا يكون واجداً للملاك على الفرض.

و جوابه: أنّه قد مرّ في محلّه إمكان أخذ قصد القربة في المأمور به بلا إشكال فراجع.

خامسها: أنّه ثبت لنا في الشريعة موارد لم يحكم الشارع فيها على طبق الملاكات الموجودة فيها كما هو مقتضى قوله (صلى الله عليه و آله) «لو لا أن أشقّ على امّتي لأمرتهم بالسواك» بل أمرنا بالسكوت فيما سكت اللَّه عنه في قوله (صلى الله عليه و آله) «اسكتوا عمّا سكت اللَّه عنه فإنّ اللَّه لم يسكت عنها نسياناً الخ» فإذا أمكن تخلّف الحكم الشرعي عن الملاك و لو في مورد واحد فبمجرّد إدراك العقل لحسن شي‏ء أو قبحه لا يمكن استكشاف الحكم الشرعي في ذلك المورد بل لا بدّ من السكوت فيه.

و جوابه واضح: لأنّ المقصود في هاتين الروايتين أنّ عدم الحكم الشرعي مع وجود الملاك يكون لوجود مصلحة أهمّ التي تمنع عن الحكم، و إن شئت قلت: إنّ مصلحة الحكم هنا معارضة مع مفسدة العسر و الحرج و أشباهه، و بعبارة اخرى: أنّ محلّ الكلام إنّما هو في مورد لا يتطرّق فيه احتمال المزاحم مثل المشقّة و نحوها، إذ معه لا يمكن استقلال العقل حتّى يستكشف منه الحكم الشرعي.

249

إذا عرفت‏ عدم صحّة الوجوه التي استدلّ بها لعدم وجود الملازمة فنقول: دليلنا على الملازمة و على أنّ الأحكام الشرعيّة تابعة للمصالح و المفاسد أمران:

الأوّل: أنّ العقل يحكم بأنّه قبيح على الحكيم أن يأمر بغير مصلحة و ينهى بغير مفسدة.

الثاني: الآيات و الرّوايات التي علّلت الأحكام و أشارت إلى مصالحها أو مفاسدها: فمن الآيات قوله تعالى في الصّيام: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» (1) و قوله في الحجّ: «لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ» (2) و قوله في الزّكاة: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهَا» (3) و قوله في الصّلاة: «إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَ الْمُنْكَرِ» (4) و قوله في القصاص: «وَ لَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» (5) و قوله في الجهاد: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَ عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» (6).

و من الرّوايات ما ورد في رواية تحف العقل و حاصله: أنّ كلّ ما هو مأمور به على العباد و قوام لهم في امورهم من وجوه الصلاح الذي لا يقيمهم غيره ممّا يأكلون و يشربون و يلبسون و ينكحون و يملكون و يستعملون فهذا كلّه حلال بيعه و شراؤه وهبته و عاريته، و كلّ أمر يكون فيه الفساد ممّا قد نهى عنه من جهة أكله و شربه و لبسه ... فحرام، هذا هو المستفاد من مجموع ما ورد في تلك الرّواية الطويلة، فإنّ هذه الرّواية تنادي بأعلى صوتها بأنّ الحلال تابع للمصلحة و الحرام تابع للمفسدة و كذلك غيرها من الرّوايات الكثيرة المذكورة في كتاب علل الشرائع و غيره.

أمّا الاحتمال الثالث‏ (و هو أن يكون المراد إنكار قدرة العقل على إدراك المصالح و المفاسد) و الاحتمال الرابع (و هو أن يكون مرادهم عدم إدراك العقل لموانعها و معارضاتها) فجوابهما واضح لأنّه لا إشكال في أنّ العقل و لو بنحو الموجبة الجزئيّة يمكن أن يدرك المصالح الملزمة

____________

(1) سورة البقرة: الآية 183.

(2) سورة الحجّ: الآية 28.

(3) سورة التوبة: الآية 103.

(4) سورة العنكبوت: الآية 45.

(5) سورة البقرة: الآية 179.

(6) سورة البقرة: الآية 216.

250

و حسن الأشياء أو المفاسد و قبحها لما مرّ من حكمه بحسن الإحسان و إعانة المظلومين و قبح الظلم و قتل النفس المحترمة، و المنكر ينكره باللسان و قلبه مطمئن بالإيمان.

هذا كلّه هو المقام الأوّل، و هو إنكارهم الملازمة بين حكم العقل و الشرع.

أمّا المقام الثاني: و هو عدم حصول القطع من المقدّمات العقليّة النظريّة فنسب إلى بعض الأخباريين أنّه لا يحصل القطع من المقدّمات العقليّة لكثرة وقوع الخطأ فيها.

و الجواب عنه:

أوّلًا: أنّ ما ذهبوا إليه بنفسه دليل و برهان عقلي اقيم على نفي العقل.

ثانياً: أنّه ينتقض بوقوع الخطأ و الاختلاف الكثير بين الذين لا يعتمدون إلّا على الأدلّة النقليّة، و حيث إن بعضهم تفطّن لذلك- أجاب عنه بأنّه إنّما نشأ ذلك من ضمّ مقدّمة عقليّة باطلة بالمقدّمة النقليّة الظنّية أو القطعيّة، و لكنّه خلاف الإنصاف لانتقاضه بوقوع الاختلاف بين الأخباريين المنكرين لحجّية العقل أيضاً فإنّهم كثيراً ما يختلفون في ظهورات الأدلّة النقليّة و استظهاراتهم منها.

ثالثاً: أنّ هذا أيضاً خروج عن المفروض في محلّ النزاع لأنّ البحث هنا في حجّية القطع على فرض حصوله من المقدّمات العقليّة.

رابعاً: أنّ عزل العقل عن الإدراك و الحجّية بالمرّة يوجب سدّ باب إثبات الصانع و سائر الاصول الاعتقاديّة، و إثباتها بالأدلّة النقليّة دور واضح.

ثمّ إنّ للمحدّث الاسترابادي (رحمه الله) في المقام كلاماً لإثبات عدم حصول القطع من المقدّمات العقليّة، و نقله شيخنا الأعظم (رحمه الله) في رسائله، و حاصله ببيان منّا: أنّ العلوم مطلقاً على ثلاثة أقسام:

الأوّل: ما ينتهي إلى الحسّ كالعلوم التجربيّة.

الثاني: ما ينتهي إلى مادّة هي قريبة من الإحساس، و من هذا القسم علم الهندسة و الحساب و أكثر أبواب المنطق.

الثالث: ما ينتهي إلى مادّة بعيدة عن الإحساس و من هذا القسم الحكمة الإلهية و الطبيعية و علم الكلام و علم اصول الفقه و المسائل النظريّة الفقهيّة و بعض القواعد المذكورة في كتب المنطق.

251

و من المعلوم عدم وقوع الخلاف بين العلماء أو الخطأ في نتائج الأفكار في القسمين الأوّلين، بخلاف القسم الثالث حيث وقعت الاختلافات و المشاجرات الكثيرة الشديدة بين الفلاسفة في الحكمة الإلهية و الطبيعية و بين علماء الإسلام في اصول الفقه و مسائل الفقه و علم الكلام و غير ذلك، و السبب في ذلك بُعد هذه العلوم عن الإحساس فلا بدّ في إثباتها من المنطق، و القواعد الفقهيّة عاصمة من الخطأ من جهة الصورة لا من جهة المادّة.

و يمكن أن نضيف إلى ما ذكره: أنّ العلم الإجمالي بوقوع الخطأ في هذا القسم مانع عن حصول القطع في مسائله، لأنّ الموجبة الكلّية لا تجتمع مع السالبة الجزئيّة كما مرّ، و هذا يقتضي أن يتبدّل علمنا التفصيلي بكلّ واحد من تلك المسائل إلى الظنّ و يرجع هذا إلى عدم حجّية إدراكات العقل في غير المحسوسات و ما تكون مبادئه قريبة من الإحساس.

و المحقّق الخراساني (رحمه الله) تجاوز هذا الوجه اتّكالًا على أنّ النزاع مع هذا المحدّث نزاع صغروي، لكننا نعتقد بأهميّته لأنّه على أي حال سواء كان النزاع في الصغرى أم في الكبرى يوجب عزل العقل بالمرّة عن الإدراك و الحجّية، فلا بدّ من حلّه و الجواب عنه.

فنقول يرد عليه:

أوّلًا: إنّ ما ذهب إليه من عدم وقوع الخطأ في الحسيّات و ما ينتهي إلى مادّة قريبة من الإحساس ممنوع بالوجدان لوقوع الخطأ الكثير في المبصرات و المسموعات و غيرها الحواس، فيقطع الإنسان مثلًا بوصول الماء إلى البشرة في الوضوء ثمّ ينكشف خلافه تفصيلًا أو إجمالًا، و هكذا في الرياضيات فينكشف الخلاف مثلًا في جمعه و تفريقه و إن لم يظهر الخطأ في قواعده.

ثانيا: أنّ كلامه يوجب بطلان نفسه، لأنّ استدلاله ليس من الحسّيات و لا من الرياضيات بل داخل في القسم الثالث الذي لا يحصل القطع فيه عنده.

ثالثاً: ما مرّ سابقاً من أنّ القطع الحقيقي و إن لم يكن في بعض العلوم النظريّة إلّا أنّه لا إشكال في حصول القطع العادي العرفي الذي استقرّت سيرة العقلاء على حجّيته و قد أمضاها الشارع أيضاً.

هذا كلّه في المقام الثاني.

أمّا المقام الثالث: فهو في روايات استدلّوا بها على عدم حجّية العقل، و هي المهمّ في المقام‏

252

بل هو الأساس في إنكارهم حجّية العقل و هي على طوائف:

الطائفة الاولى: ما تنهى عن العمل بالرأي، و فسّر الرأي عندهم بحكم العقل.

الطائفة الثانية: ما تدلّ على غاية بعد العقول عن دين اللَّه.

الطائفة الثالثة: ما تدلّ على أنّ المدرك الوحيد للأحكام هو روايات أهل البيت (عليهم السلام).

أمّا الطائفة الاولى: النهي عن العمل بالرأي‏

فمنها: ما روي عن أبي جعفر (عليه السلام): «من أفتى الناس برأيه فقد دان اللَّه بما لا يعلم و من دان اللَّه بما لا يعلم فقد ضادّ اللَّه حيث أحلّ و حرّم فيما لا يعلم» (1).

و منها: ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلام له: إنّ المؤمن لم يأخذ دينه عن رأيه و لكن أتاه من ربّه فأخذ به‏ (2).

و منها: ما رواه غياث بن إبراهيم عن الصادق عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال في كلام له: «الإسلام هو التسليم- إلى أن قال- أنّ المؤمن أخذ دينه عن ربّه و لم يأخذه عن رأيه» (3).

و منها: ما رواه في الاحتجاج عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال لأبي حنيفة في احتجاجه عليه في إبطال القياس: «أيّما أعظم عند اللَّه؟ القتل؟ أو الزنا؟ قال بل القتل فقال (عليه السلام): فكيف رضى في القتل بشاهدين و لم يرض في الزنا إلّا بأربعة؟ ثمّ قال له: الصّلاة أفضل أم الصّيام؟ قال: بل الصّلاة أفضل قال (عليه السلام) فيجب على قياس قولك على الحائض قضاء ما فاتها من الصّلاة في حال حيضها دون الصّيام و قد أوجب اللَّه عليها قضاء الصّوم دون الصّلاة، ثمّ قال له: البول أقذر أم المني؟ فقال البول أقذر فقال: يجب على قياسك أن يجب الغسل من البول دون المني، و قد أوجب اللَّه تعالى الغسل من المني دون البول- إلى أن قال (عليه السلام): تزعم أنّك تفتي بكتاب اللَّه و لست ممّن ورثه و تزعم أنّك صاحب قياس، و أوّل من قاس إبليس و لم يُبْنَ دين اللَّه على القياس و زعمت أنّك صاحب رأي و كان الرأي من الرسول (صلى الله عليه و آله) صواباً و من غيره خطأً لأنّ‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ح 12، من الباب 6، من أبواب صفات القاضي.

(2) المصدر السابق: ح 14.

(3) المصدر السابق: ح 21.

253

اللَّه تعالى قال: «فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ» و لم يقل ذلك لغيره» (1). الحديث.

و منها: ما رواه يحيى البكّاء عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): «ستفترق امّتي على ثلاث و سبعين فرقة منها ناجية و الباقون هالكون و الناجون الذين يتمسّكون بولايتكم، و يقتبسون من علمكم و لا يعملون برأيهم فاولئك ما عليهم من سبيل» (2). الحديث.

و منها: ما رواه معاوية بن ميسرة بن شريح قال: شهدت أبا عبد الله (عليه السلام) في مسجد الحنيف و هو في حلقة فيها نحو من مائتي رجل و فيهم عبد الله بن شبرمة فقال له: يا أبا عبد الله إنّا نقضي بالعراق فنقضي بالكتاب و السنّة ثمّ ترد علينا المسألة فنجتهد فيها بالرأي- إلى أن قال-: فقال أبو عبد الله (عليه السلام): فأيّ رجل كان علي بن أبي طالب (عليه السلام)؟ فأطراه ابن شبرمة و قال فيه قولًا عظيماً. فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): «فإنّ علياً أبى أن يدخل في دين اللَّه الرأي و أن يقول في شي‏ء من دين اللَّه بالرأي و المقاييس- إلى أن قال-: لو علم ابن شبرمة من أين هلك الناس ما دان بالمقاييس و لا عمل بها» (3).

و منها: ما رواه طلحة بن زيد عن أبي عبد الله عن أبيه (عليه السلام) قال، قال: أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا رأي في الدين» (4).

و منها: ما رواه أبو بصير قال قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ترد علينا أشياء لا نجدها في الكتاب و السنّة فنقول فيها برأينا فقال: «أما إنّك إن أصبت لم تؤجر و إن أخطأت كذبت على اللَّه» (5).

و منها: ما رواه زيد في حديث أنّه لمّا نزل قوله تعالى: «إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ» السورة قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): «إنّ اللَّه قضى الجهاد على المؤمنين في الفتنة بعدي- إلى أن قال-: يجاهدون على الأحداث في الدين إذا عملوا بالرأي في الدين و لا رأي في الدين إنّما الدين من الربّ أمره و نهيه» (6).

____________

(1) وسائل الشيعة: ح 28، الباب 6، من أبواب صفات القاضي.

(2) المصدر السابق: ح 30.

(3) المصدر السابق: ح 33.

(4) المصدر السابق: ح 34.

(5) المصدر السابق: ح 35.

(6) المصدر السابق: ح 50.

254

و منها: ما رواه حبيب قال: قال لنا أبو عبد الله (عليه السلام): «ما أحد أحبّ إليّ منكم إنّ الناس سلكوا سبلًا شتّى منهم من أخذ بهواه و منهم من أخذ برأيه و إنّكم أخذتم بأمر له أصل» (1).

و منها: ما روي عن أبي محمّد الحسن بن علي (عليه السلام) أنّه سئل عن كتب بني فضّال، فقال:

«خذوا بما رووا و ذروا ما رأوا» (2).

و الجواب عنها: أنّها خارجة عن محلّ النزاع أي القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة بل هي ناظرة إمّا إلى الآراء و القياسات الظنّية كما تشهد عليه ما مرّ من رواية مسعدة بن صدقة عن أبي جعفر (عليه السلام) حيث ورد فيها: «و من دان اللَّه بما لا يعلم فقد ضادّ اللَّه ففسّر الرأي فيها بما لا يعلم».

أضف إلى ذلك أنّ من لاحظ تاريخ فقه العامّة يرى أنّهم كانوا يعتقدون في الفقه بخلإ فقهي (خلافاً لما ذهب إليه علمائنا أجمع، فيتوهّمون أنّ هناك مسائل لم يبيّن حكمها في الكتاب و السنّة و لم يرد فيه نصّ و يعبّرون عنها بما لا نصّ فيه) و لعدم جريان البراءة فيها عندهم يتمسّكون أوّلًا بذيل القياس إن وجدوا لها شبيهاً و نظيراً في الفقه و إلّا يلتجئون إلى الاستحسان و الاجتهاد بمعنى جعل القوانين وفقاً لآرائهم، و هذا هو المقصود من الرأي الوارد في هذه الطائفة من الرّوايات فهي ناظرة إلى هذا المعنى بحسب الحقيقة، و في ضوء هذه النكتة التاريخيّة يتّضح المراد من هذه الأخبار.

و إن شئت قلت: هذا الارتكاز الذهني المتداول بينهم يكون بمنزلة قرينة لبّية لتعيين المراد من الرأي الوارد في هذه الطائفة.

و يشهد عليه أيضاً ترادف الآراء بالمقاييس في لسان الرّوايات، فمن المسلّم أنّ المقصود من القياس ليس هو قياس الأولويّة الذي يكون قطعيّاً بل المراد منه القياس الظنّي، فليكن مترادفها أيضاً كذلك.

و من هنا يظهر أيضاً أنّ المراد من التعبير بالاجتهاد الوارد في الرّوايات هو نفس العمل بالرأي و الظنّ، لا تطبيق الاصول على الفروع.

و أمّا أن تكون ناظرة إلى مقابلتهم الأئمّة و الاستغناء عن مسألتهم، و له أيضاً شواهد: منها

____________

(1) وسائل الشيعة: ح 31، الباب 6، من ابواب صفات القاضي.

(2) المصدر السابق: ح 13، الباب 11، من ابواب صفات القاضي.

255

ما رواه يونس بن عبد الرحمان قال: قلت لأبي الحسن الأوّل (عليه السلام): بما أُوحّد اللَّه؟ فقال:

«يا يونس لا تكوننّ مبتدعاً، من نظر برأيه هلك، و من ترك أهل بيت نبيّه ضلّ، و من ترك كتاب اللَّه و قول نبيّه كفر» (1).

و منها: ما مرّ من رواية حبيب ورد فيها: «منهم من أخذ برأيه و إنّكم أخذتم بأمر له أصل».

أمّا الطائفة الثانية: ما تدلّ على غاية بعد العقول عن دين اللَّه‏

فمنها: ما رواه عبد الرحمان بن الحجّاج قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «ليس شي‏ء أبعد من عقول الرجال عن القرآن» (2).

و منها: ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «ليس شي‏ء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، أنّ الآية ينزل أوّلها في شي‏ء، و أوسطها في شي‏ء و آخرها في شي‏ء» (3).

و منها: ما رواه جابر قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «يا جابر أنّ للقرآن بطناً و للبطن ظهراً، و ليس شي‏ء أبعد من عقول الرجال منه، أنّ الآية لينزل أوّلها في شي‏ء و أوسطها في شي‏ء، و آخرها في شي‏ء، و هو كلام متصرّف على وجوه» (4).

و الجواب‏ عنها هو الجواب عن الطائفة الاولى من أنّها ناظرة إلى الآراء الظنّية أو ناظرة إلى ترك أهل بيت النبي (صلى الله عليه و آله) كما يشهد له ما رواه ابن عبّاس عن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): قال: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوّأ مقعده من النار» (5).

و ما جاء في ما رواه إسماعيل بن جابر عن الصادق (عليه السلام): «و إنّما هلك الناس في المتشابه لأنّهم لم يقفوا في معناه و لم يعرفوا حقيقته فوضعوا له تأويلًا من عند أنفسهم بآرائهم و استغنوا بذلك عن مسألة الأوصياء و نبذوا قول رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) وراء ظهورهم» (6).

____________

(1) وسائل الشيعة: ح 7، الباب 6، من أبواب صفات القاضي.

(2) المصدر السابق: ح 69، الباب 13.

(3) المصدر السابق: ح 73.

(4) المصدر السابق: ح 74.

(5) المصدر السابق: ح 74.

(6) المصدر السابق: ح 62.

256

أمّا الطائفة الثالثة: التي تدلّ على انحصار الحجّة الشرعيّة بالنقل‏

فمنها: ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «من أخذ دينه من أفواه الرجال أزالته الرجال، و من أخذ دينه من الكتاب و السنّة زالت الجبال و لم يزل» (1).

و منها: ما روي عن حريز: «أنّ أبا حنيفة قال له: أنت لا تقول شيئاً إلّا برواية قال: أجل» فهو يدلّ على أنّ مثل حريز الذي كان من كبار أصحاب الصادق (عليه السلام) و خواصّهم لا يقول شيئاً إلّا برواية و لا حجّة عنده إلّا الرّواية (2).

و الجواب‏ عنها أيضاً هو الجواب عن الطائفتين السابقتين، فلا بدّ من ملاحظة خصوصيّات تلك الأعصار حتّى يثبت لنا أنّ مراد أبي حنيفة في قوله «أنت لا تقول شيئاً إلّا برواية» عدم اعتناء حريز بالقياس و الاستحسان، حيث إنّه لا ريب في أنّ الحريز أيضاً كان يعمل بحكم العقل في تقديم الأهمّ على المهمّ مثلًا و التمسّك بالكذب لنجاة مؤمن لو ابتلى به، و إن لم يصدر فيه من جانب الإمام (عليه السلام) رواية، كما أنّ المراد من أخذ الدين من أفواه الرجال أيضاً ليس إلّا أخذه من القياسات الظنّية و الاستحسانات غير القطعيّة.

أضف إلى ذلك ما رواه ابن أبي ليلى عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال لأبي حنيفة: «فدع الرأي و القياس و ما قال قوم في دين اللَّه ليس له برهان» (3) فإنّها تشهد على أنّ مقصود هذه الطائفة من الأخذ بالرواية هو الاجتناب عن الآراء الظنّية، حيث إنّها تعبّر عن الرأي القياس ب «ما ليس له برهان».

هذا كلّه في الوجوه التي استدلّ بها الأخباريون لمرامهم.

ثمّ إنّ المحقّق النائيني (رحمه الله) أضاف إليها وجهاً رابعاً، و حاصله: أنّا نحتمل كون حجّية دليل العقل من جانب الشارع مشروطاً بوساطة من جانب الأئمّة المعصومين (صلوات اللَّه عليهم)، و بعبارة اخرى: أنّ دليل العقل يدلّ على الحكم الشأني لا الفعلي و يصل إلى مرحلة الفعليّة إذا ايّد بالكتاب أو السنّة، و مجرّد وجود هذا الاحتمال يوجب بطلان الاستدلال بالأدلّة العقليّة.

و أجاب عنه بالقول: «أنّ العقل بعد ما أدرك المصلحة الملزمة في شي‏ء كالكذب المنجي‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ح 22، الباب 10، من أبواب صفات القاضي.

(2) المصدر السابق: ح 32، الباب 11.

(3) المصدر السابق: ح 33، الباب 10.