أنوار الأصول‏ - ج2

- الشيخ أحمد القدسي المزيد...
496 /
257

للنبي أو لجماعة من المؤمنين مثلًا، و أدرك عدم مزاحمة شي‏ء آخر لها، و أدرك أنّ الأحكام الشرعيّة ليست جزافيّة و إنّما هي لأجل ايصال العباد إلى المصالح و تبعيدهم عن المفاسد، كيف يعقل أن يتوقّف في استكشاف الحكم الشرعي بوجوبه و يحتمل مدخلية وساطتهم (صلوات اللَّه و سلامه عليهم) بل لا محالة يستقلّ بحسن هذا الكذب ويحكم بمحبوبيته، و الحاصل أنّ المدّعى هو تبعيّة الحكم الشرعي لما استقلّ به العقل من الحسن و القبح، و بعد الاستقلال لا يبقى مجال لهذا الاحتمال أصلًا» (1).

أقول: و لذلك نعتقد بأنّ من لم يصل إليه بلاغ من رسول فلا أقلّ من استحقاقه للعقاب على ترك ما يستقلّ به العقل، فلو قتل إنساناً عالماً عامداً كان مستحقّاً للعذاب عند اللَّه تعالى بلا إشكال، و لا يمكن أن يقال: إنّ هذا الحكم ما لم يصل إلى هذا القاتل من ناحية الشرع كان معذوراً في هذا الفعل.

ثمّ إنّ الاصوليين استدلّوا لحجّية العقل في قبال الأخباريين بوجوه:

الأوّل: الأخبار الواردة في هذا المجال:

منها: ما رواه محمّد بن عبد الجبّار عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال قلت له:

ما العقل؟ قال: «ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان»، قال: قلت فالذي كان في معاوية؟

فقال: «تلك النكراء، تلك الشيطنة و هي شبيهة بالعقل و ليست بالعقل» (2).

و منها: ما رواه هشام عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث طويل: «يا هشام أنّ للَّه على الناس حجّتين حجّة ظاهرة و حجّة باطنة فأمّا الظاهرة فالرسل و الأنبياء و الأئمّة (عليهم السلام) و أمّا الباطنة فالعقول» (3).

و منها: ما رواه إسماعيل بن مهران عن بعض رجاله عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «العقل دليل المؤمن» (4).

و منها: ما رواه محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لمّا خلق اللَّه العقل استنطقه ثمّ قال‏

____________

(1) أجود التقريرات: ج 2، ص 40.

(2) اصول الكافي: كتاب العقل و الجهل، ح 3.

(3) المصدر السابق: ح 12.

(4) المصدر السابق: ح 24.

258

له: أقبل فأقبل، ثمّ قال له أدبر فأدبر، ثمّ قال: و عزّتي و جلالي ما خلقت خلقاً هو أحبّ إليّ منك و لا أكملتك إلّا فيمن أُحبّ، اما أنّي إيّاك آمر و إيّاك أنهى و إيّاك اعاقب و إيّاك اثيب» (1).

أضف إلى ذلك لحن خطابات القرآن، حيث إنّها متوجّهة إلى اولي الألباب و قوم يعقلون و يتفكّرون، و هذا ينافي عدم حجّية العقل كما لا يخفى، و لا أقلّ فيها من التأييد للمراد.

الثاني: الأخبار التي استدلّ فيها الأئمّة (عليهم السلام) بوجوه عقليّة كما يظهر لمن تتبّع فيها.

الثالث: اتّفاق الاصوليين و الأخباريين على العمل بالأدلّة العقليّة في كلماتهم فمن راجع كلمات الأخباريين كصاحب الحدائق يجد صدق ما ذكرناه.

الرابع: عدم الخلاف في حجّيته في اصول الدين و هو يستلزم الحجّية في الفروع بالأولوية القطعيّة.

هذا تمام الكلام في العلم التفصيلي.

الكلام في العلم الإجمالي‏

كان البحث إلى هنا في العلم التفصيلي، و نبحث الآن في العلم الإجمالي و أنّه ما هو حكمه؟

فهل يترتّب عليه جميع آثار العلم التفصيلي أو لا؟ و بعبارة اخرى: كان العلم التفصيلي حجّة في مقامين، مقام التنجّز و مقام الامتثال، فيقع البحث في العلم الإجمالي أيضاً في مقامين:

الأوّل: في إثبات التكليف و تنجّزه به، فهل يجب موافقته و يحرم مخالفته قطعاً أو احتمالًا، أو لا؟

و الثاني: في أنّه هل يجوز الاكتفاء به في مقام الامتثال و إسقاط التكليف كما إذا صلّى الإنسان إلى أربع جهات مع كونه قادراً على تعيين القبلة تفصيلًا؟

و لا بدّ قبل‏ الورود في البحث من الإشارة إلى نكتة، و هي أنّه لما ذا يبحث عن العلم الإجمالي في موضعين من الاصول: مباحث القطع، و مبحث الاشتغال؟

ذهب المحقّق الخراساني (رحمه الله) في مقام بيان الفارق بين المقامين إلى أنّ البحث هنا بحث عن‏

____________

(1) اصول الكافي: كتاب العقل و الجهل، ح 1.

259

المقتضى، أي هل العلم الإجمالي مقتض لإثبات الحكم أو لإسقاط التكليف كالعلم التفصيلي أو لا؟ و هناك يبحث عن المانع، أي: هل يمنع مانع عن حجّية العلم الإجمالي في مقامين، أو لا؟

و أمّا شيخنا الأعظم (رحمه الله) فقد فرّق بين البابين بوجه آخر، و هو أنّ البحث هنا بحث في حرمة المخالفة القطعيّة، و هناك بحث في وجوب الموافقة القطعيّة.

و نحن نقول: لا يمكن القناعة بهذا المقدار من الفرق و التفاوت مع أنّ أدلّة المسألتين مرتبطتان، فلا وجه لتقطيع البحث و التكلّم هنا عن المقتضى و هناك عن وجود المانع، أو يبحث هنا عن حرمة المخالفة و هناك عن وجوب الموافقة.

بل الحقّ أنّ العلم الإجمالي يناسب كلا البابين، لأنّ ماهيّته علم مختلط بالشكّ، فهو من جهة شكّ يمكن أن يترتّب عليه آثار الشكّ، و من جهة اخرى علم يمكن أن يترتّب عليه آثار العلم، فيناسب أن يبحث عنه في مباحث القطع لجهة كونه علماً و في مباحث الشكّ لاختلاطه بالشكّ، نعم حيث إنّه لا وجه للبحث التفصيلي عنه في كلا الموضعين يبحث عنه هنا إجمالًا و هناك تفصيلًا.

إذا عرفت هذا فلنشرع في البحث عن المقامين:

أمّا المقام الأوّل: في تنجّز العلم الإجمالي و عدمه‏

و هو البحث عن تنجّز العلم الإجمالي ففيه أقوال أربعة:

الأوّل: ما ذهب إليه المحقّق الخراساني (رحمه الله) في المقام (مباحث القطع) من أنّ العلم الإجمالي خلافاً للعلم التفصيلي مقتضٍ للتنجّز بالنسبة إلى حرمة المخالفة القطعيّة و وجوب الموافقة القطعيّة معاً و ليس علّة تامّة لواحد منهما.

الثاني: ما ذهب إليه أيضاً المحقّق الخراساني (رحمه الله) لكن في مبحث الاشتغال و هو أنّه علّة تامّة لكلّ واحد من حرمة المخالفة القطعيّة و وجوب الموافقة القطعيّة، و لكن ألّا يؤدّي هذا إلى التناقض في كلامه (قدس سره) أو لا؟ فسيأتي إن شاء اللَّه في مبحث الاشتغال بيانه و توجيه كلامه.

الثالث: ما اختاره الشيخ الأعظم (رحمه الله) من كونه علّة تامّة بالنسبة إلى حرمة المخالفة القطعيّة و مقتضياً بالنسبة إلى‏ وجوب الموافقة القطعيّة.

الرابع: ما نسب إلى المحقّق الميرزا القمّي (رحمه الله) من أنّه مقتضي بالنسبة إلى‏ حرمة المخالفة

260

القطعيّة، و أمّا بالنسبة إلى‏ وجوب الموافقة القطعيّة، فليس بعلّة تامّة و لا مقتضياً.

أمّا القول الأوّل: فاستدلّ له بأنّه فرق بين العلم التفصيلي و العلم الإجمالي حيث إنّ الأوّل كشف تامّ بالنسبة إلى متعلّقه، و لذا لا مجال فيه لصدور حكم ظاهري بالترخيص و لا يمكن مخالفته، بخلاف العلم الإجمالي لأنّه مخلوط بالشكّ، فيمكن للشارع الترخيص في المخالفة الاحتماليّة بل في المخالفة القطعيّة أيضاً لمكان الشكّ.

إن قلت: العلم على كلّ حال لا يجتمع مع الترخيص و مانع عنه.

و قد أجاب عنه بجوابين: أحدهما: بالنقض بجواز الترخيص في أطراف الشبهة غير المحصورة كما قام عليه الإجماع، و هكذا في الشبهات البدويّة، لأنّ احتمال التناقض و اجتماع النقيضين محال كاليقين به.

و الثاني: بالحلّ و أنّ هنا حكمين: أحدهما: في مرحلة الإنشاء، و الآخر: في مرحلة الفعليّة، و لا تنافي بين المرحلتين، و بعبارة اخرى: الترخيص حكم ظاهري و المعلوم بالإجمال حكم واقعي، و لا منافاة بين الحكم الواقعي و الظاهري كما سوف يأتي في محلّه إن شاء اللَّه.

أقول: يمكن توجيه ما اختاره الشيخ (رحمه الله) و تقويته (أي تقوية أنّ العلم الإجمالي علّة تامّة بالنسبة إلى حرمة المخالفة القطعيّة لكنّه مقتضٍ بالنسبة إلى الموافقة القطعيّة) بأنّ الحكم الظاهري و إن كان موضوعه الشكّ و لذا لا منافاة بينه و بين الحكم الواقعي لكن متعلّق الشكّ في العلم الإجمالي إنّما هو خصوص أحد الطرفين لا كليهما.

و بعبارة اخرى: أنّ قوله «كلّ شي‏ء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام» و إن كان يشمل كلًا من الطرفين لكن مجموع الطرفين من حيث المجموع داخل في الغاية، أي قوله: «حتّى تعلم أنّه حرام» و إن شئت قلت: ظهور الذيل مانع عن انعقاد الإطلاق في صدره و شموله لموارد العلم الإجمالي.

إن قلت: فكيف تحكم بالجواز في الشبهة غير المحصورة؟ قلت: جواز ارتكاب الجميع فيها أيضاً أوّل الكلام، فلا يجوز فيها ارتكاب جميع الأطراف و المخالفة القطعيّة، و لذا عدّ بعضهم من ضوابطها أن لا تكون جميع الأطراف قابلة للارتكاب، هذا أوّلًا.

ثانياً: أنّه يمكن أن يقال: إنّ احتمال انطباق العمل بالحرام الواقعي في الشبهة المحصورة ضعيف جدّاً بحيث يعدّ عند العرف كالعدم، و حينئذٍ لا تنجّز للعلم الإجمالي الموجود فيها،

261

فقياس المقام بها مع الفارق، فتأمّل.

فظهر ممّا ذكرنا أنّه لا يجوز الترخيص في المخالفة القطعيّة و يكون العلم الإجمالي علّة تامّة لحرمة المخالفة القطعيّة و إن لم تكن الموافقة القطعيّة واجبة و جازت المخالفة الاحتماليّة.

نعم‏، يستثنى منها موردان يجوز للشارع الترخيص فيهما:

الأول: ما إذا كان القطع الإجمالي موضوعياً فيمكن للشارع أن يقيّد القطع الذي يأخذه في موضوع الحكم بقيد التفصيلي بلا إشكال، لكنّه خارج عن محلّ البحث لأنّ البحث هنا في القطع الطريقي المحض.

الثاني: إذا صادف الحكم أحد موانع الفعلية كالعسر و الحرج، و يؤدّي الاحتياط و تنجيز العلم الإجمالي للحفاظ على الحكم الواقعي إلى العسر و الحرج، لكنّه لا يختصّ بموارد العلم الإجمالي بل أنّه جارٍ في موارد العلم التفصيلي أيضاً.

لكن‏ لتهذيب الاصول في المقام كلام، و هو أنّ البحث في المقام عن القطع الوجداني بالتكليف الفعلي الذي لا يحتمل الخلاف و يعلم بعدم رضا المولى بتركه لكن اشتبه متعلّق التكليف بحسب المصداق أو غيره، كما أنّ البحث في باب الاشتغال إنّما هو عن العلم بالحجّة المحتمل صدقها و كذبها كإطلاق دليل حرمة الخمر الشامل لصورتي العلم بالتفصيل و الإجمال، و على ذلك فلا شكّ أنّ العلم و القطع الوجداني بالتكليف علّة تامّة لحرمة المخالفة و وجوب الموافقة القطعيّين و لا يجوز الترخيص في بعض أطرافه فضلًا عن جميعه إذ الترخيص كلًا أو بعضاً ينافي بالضرورة مع ذاك العلم الوجداني، فإنّ الترخيص في تمام الأطراف يوجب التناقض بين الإرادتين في نفس المولى، كما أنّ الترخيص في بعضها يناقض ذاك العلم في صورة المصادفة ... (إلى أن قال): و مما ذكر يظهر حال الأقوال المذكورة في الباب، فإنّ كلّ ذلك ناشٍ عن خلط ما هو مصبّ البحث مع ما هو مصبّه في باب الاشتغال» (1).

أقول يرد عليه:

أوّلًا: أنّه كيف يكون مصبّ البحث هنا هو العلم الوجداني بالتكليف الواقعي و هناك العلم بالحجّة و الحكم الظاهري مع أنّا لم نجد أحداً يلتزم بهذا الفرق؟ و الأمثلة في المسألتين واحدة

____________

(1) تهذيب الاصول: ج 2، ص 52- 53، طبع جماعة المدرسين.

262

كأدلّتهما، إلّا أن يقال: يدلّ على كون مصبّ البحث هنا العلم الوجداني قياسه بالعلم التفصيلي، فلا شكّ في أنّ المقصود منه هو العلم التفصيلي الوجداني، و لذلك يقال بأنّه حجّة ذاتاً و لا تناله يد الجعل.

اللهمّ أن يقال: إنّ هذا لا يمنع عن كون البحث عاماً في مبحث الاشتغال كما هو ظاهر كلماتهم، و حينئذٍ يكون بين المسألتين عموم مطلق فلا يبقى وجه أيضاً للتكرار.

ثانياً: لو كان المعلوم بالإجمال هو الحكم الفعلي من جميع الجهات الذي لا يرضى المولى بتركه، فكيف وقع البحث عن كونه علّة تامّة للحكم و عدمه و عن أنّه هل يكون الحكم فعلياً أو لا؟ و إن هو إلّا كالقضايا الضروريّة بشرط محمولاتها.

ثالثاً: كيف يحصل العلم الوجداني بالحكم مع أنّ الطرق الموجودة عندنا إطلاقات و عمومات التي هي طرق ظنّية توجب العلم بالحجّة لا العلم الوجداني.

و إن شئت قلت: جعل مصبّ البحث هنا العلم الوجداني يستلزم أن يكون البحث هنا بحثاً عن شي‏ء تكون مصاديقه نادرة.

هذا كلّه في أنّ العلم الإجمالي هل هو علّة تامّة لتنجّز التكليف أو يكون مقتضياً له؟ و قد اخترنا كونه علّة تامّة بالنسبة إلى حرمة المخالفة القطعيّة و مقتضياً بالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعيّة كما اختاره الشيخ الأعظم (رحمه الله).

ثمّ إنّه بعد كونه مقتضياً لحرمة المخالفة الاحتماليّة أو وجوب الموافقة القطعيّة، فهل يوجد مانع عنه من قبيل عموم قوله (عليه السلام) «كلّ شي‏ء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام» أو من قبيل أدلّة خاصّة تدلّ على وجود المانع، أو لا؟ فسيأتي البحث عنه في باب الاشتغال إن شاء اللَّه تعالى.

هذا كلّه في المقام الأوّل.

أمّا المقام الثاني: في كفاية العلم الإجمالي في مقام الامتثال و عدمه‏

و هو البحث عن كفاية العلم الإجمالي في مقام الامتثال و عدمه فهو ما تعرّضوا له في مباحث الاجتهاد و التقليد و أنّ الناس على ثلاثة أصناف: مجتهد و مقلّد و محتاط، فهل يمكن العمل بالاحتياط مع إمكان الاجتهاد أو التقليد أو لا؟ و هو تارةً يتصوّر في الشبهة الموضوعيّة كالإتيان بأربع صلوات إلى الجهات الأربعة، و اخرى‏ في الشبهة الحكميّة كما إذا علم إجمالًا بأنّ‏

263

الواجب عليه يوم الجمعة أمّا صلاة الظهر أو صلاة الجمعة، و محلّ الكلام ما إذا قدر على تحصيل العلم التفصيلي، و إلّا فلا ريب في تعيّن الاحتياط و كفاية الامتثال الإجمالي.

و يتصوّر للمسألة أيضاً أربع صور (و المهمّ منها هو الصورة الرابعة)، لأنّ المعلوم بالإجمال‏ تارةً يكون من التوصّليات، و اخرى‏ من التعبّديات، و في كلّ منهما تارةً يكون الامتثال الإجمالي مستلزماً للتكرار، و اخرى‏ لا يكون.

أمّا التوصّليات فلا إشكال و لا كلام في كفاية العلم الإجمالي فيها في مقام الامتثال، سواء استلزم التكرار أو لم يستلزم، و هكذا في التعبّديات إذا لم يستلزم التكرار كما إذا شككنا في جزئيّة السورة.

إنّما البحث و الإشكال في العبادات إذا استلزم الامتثال الإجمالي فيها التكرار كمثال الصّلاة في أربع جهات، فأجازه قوم و منعه آخرون، و استدلّ المانعون بوجوه متفرّقة في كتبهم يمكن جمعها و تلخيصها في ثمانية:

الوجه الأوّل: الإجماع بإحدى الصور التالية:

الاولى: الإجماع قولًا على المنع في خصوص ما إذا استلزم التكرار في العبادات، أي في خصوص محلّ النزاع.

الثانية: الإجماع قولًا على المنع مطلقاً، استلزم التكرار أو لم يستلزم.

الثالثة: الإجماع عملًا في خصوص العبادات، و المقصود منه أنّ سيرة علماء السلف استقرّت على عدم تكرار العبادة.

الوجه الثاني: أصالة الاشتغال، فإنّه إذا شككنا في حصول الامتثال و براءة الذمّة مع ترك العلم التفصيلي فالاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينيّة.

الوجه الثالث: أنّه يوجب اللعب بأمر المولى خصوصاً فيما إذا تداخل علمان إجماليّان أو أكثر في مورد واحد، كما إذا أراد أن يصلّي كلّ واحد من صلاة الظهر و صلاة الجمعة في أربع جهات للحصول على القبلة و في أثواب متعدّدة، للعلم إجمالًا بطهارة واحد منها بحيث يوجب الإتيان بصلوات كثيرة بدل صلاة واحدة.

الوجه الرابع: لزوم الاخلال بقصد الوجه.

الوجه الخامس: لزوم الاخلال بقصد التمييز فلا يمكن أن يأتي بصلاة الظهر بقصد أنّها هي‏

264

المأمور بها متميّزة عن غيرها.

الوجه السادس: أدلّة وجوب تحصيل العلم كقوله تعالى‏ «فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ» و قوله (صلى الله عليه و آله): طلب العلم فريضة على كلّ مسلم» فإنّها ظاهرة في الوجوب التعييني فلا يجوز العمل بالاحتياط.

الوجه السابع: ظاهر أدلّة حجّية الأمارات و الطرق فإنّ ظاهرها هو الوجوب التعييني أيضاً لا التخيير بين العمل بمفادها و بين الاحتياط.

الوجه الثامن: ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله) في المقام ملخّصه: أنّ الإطاعة هي الانبعاث عن بعث المولى و التحرّك عن تحريكه خارجاً و هو لا يتحقّق مع الامتثال الإجمالي، بداهة أنّ المحرّك لخصوص صلاة الظهر أو الجمعة يستحيل أن يكون هو إرادة المولى و بعثه، فإنّ المفروض الشكّ في تعلّقها بكلّ منها بل المحرّك هو احتمال تعلّق الإرادة بكلّ منهما، و مع التمكّن من التحرّك عن نفس الإرادة يستقلّ العقل بعدم حسن التحرّك عن احتمالها، فإنّ مرتبة الأثر متأخّرة عن مرتبة العين (المقصود من العين هو نفس الإرادة و من الأثر احتمالها) فكلّ ما أمكن التحرّك عن نفس الإرادة في مقام الإطاعة فلا حسن في التحرّك عن احتمالها» (1).

فملخّص كلامه استقلال العقل بعدم حسن التحرّك عن احتمال الإرادة الموجود في الامتثال الإجمالي في المقام.

هذا- و الحقّ هو جواز العمل بالاحتياط و إن استلزم التكرار كما عليه أكثر المتأخّرين و المعاصرين، و لا يتمّ أحد هذه الوجوه.

أمّا الإجماع‏ فجوابه واضح، لأنّ استناد المجمعين إلى الأدلّة السابقة محتمل أو معلوم فلا يكشف عن قول المعصوم.

و أمّا أصالة الاشتغال‏ فلأنّ الأصل الجاري في المقام هو البراءة لا الاشتغال لأنّ الشكّ هنا يرجع إلى الشكّ في الشرطيّة أو الجزئيّة حيث يشكّ في اعتبار قيد عدم تكرار العمل، و هو قيد أو شرط زائداً على الشروط و الأجزاء المتيقّنة تفصيلًا، فينحلّ العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي بسائر الأجزاء و الشرائط و الشكّ البدوي في القيد المذكور، و لا ريب في أنّه مجرى‏

____________

(1) أجود التقريرات: ج 2، ص 44.

265

لأصالة البراءة لا الاشتغال، و الاشتغال مصبّه غير ذلك، و هو ما إذا كان أصل المأمور به معلوماً و شكّ في وجوده خارجاً.

قال المحقّق النائيني (رحمه الله)‏ هنا ما حاصله: أنّ أدلّة أصل البراءة كحديث الرفع جارٍ فيما كان وضعه و رفعه بيد الشارع و يكون قاصراً عن الشمول لما يتحمّل اعتباره في الطاعة عقلًا كما في المقام، حيث إن الشكّ فيه راجع إلى اعتبار أمر في الطاعة العقليّة، ضرورة أنّ حسن الاحتياط من الأحكام التي يستقلّ العقل بها، فمع الشكّ في تحقّقه لا يمكن التمسّك بحديث الرفع‏ (1).

أقول: إن كان حسن الاحتياط في المقام من المستقلّات العقليّة فلا معنى للشكّ فيه، لأنّ لا عقل لا يشكّ في حكم نفسه، فإمّا أن يحكم بكفاية الامتثال الإجمالي أو يحكم بعدمها، و لا تردّد له فيه، و حينئذٍ فلو كان هناك شكّ كان شكّاً في حكم الشرع، أي شكّاً في الجزئيّة أو الشرطيّة الشرعيّة فيرجع إلى الأقلّ و الأكثر الارتباطيين الذي يكون مجرى لأصل البراءة.

و أمّا الدليل الثالث‏ و هو لزوم اللعب بأمر المولى فاجيب عنه بجوابين:

أحدهما: أنّ التكرار لا يعدّ لعباً بأمر المولى إذا نشأ من دواعٍ عقلائيّة.

ثانيهما: سلّمنا ذلك، و لكنّه لعب في كيفية الإطاعة لا في أصلها، و اللعب في كيفية العمل لا يوجب بطلان أصله.

لكن الإنصاف أنّ هذا الجواب غير تامّ، لأنّ كيفية العمل ليست منفكّة عن أصل العمل بل هي متّحدة معه عرفاً.

و للمحقّق الأصفهاني (رحمه الله)‏ هنا كلام و إليك نصّه: «إنّ المانع إمّا عدم صدور العمل عن داعٍ إلهي بل من غيره، أو التشريك في الداعي بحيث لا يكون الأمر مستقلًا في الدعوة، أو تعنون الفعل بنفسه بعنوان اللعب، أو تعنون الفعل المأتي بداعي الأمر بعنوان اللعب، و الكلّ مفقود، أمّا الأوّل‏ فلأنّ المفروض أنّ المحرّك لفعل كلّ من المحتملات هو الأمر المحتمل تعلّقه به، و أمّا الثاني‏ فلأنّ المفروض عدم محرّك إلى ذات كلّ واحد من المحتملات سوى الأمر المحتمل فلا تشريك في الداعي، و إلّا فلو فرض التشريك لم يكن فرق بين الداعي العقلائي و غيره في المفسدية و عدم صدور العمل عن داعٍ إلهي مستقلّ في الدعوة، و أمّا الثالث‏ فلأنّ المفروض أنّ‏

____________

(1) راجع أجود التقريرات: ج 2، ص 45.

266

ذات العمل صلاة و اتّصافها باللعب و العبث باعتبار صدورها عن داعٍ نفساني شهواني و مع فرض صدورها عن داع الأمر المستقلّ في الدعوة لا معنى لتعنون ذات الصّلاة باللعب و العبث، و أمّا الرابع‏ فبأنّ اتّصاف المأتي به بداع الأمر بوصف اللعب و العبث بأن يكون الداعي إلى جعل الأمر داعياً غرضاً نفسانياً غير عقلائي و المفروض أنّ داعيه إلى امتثال أمر المولى ما هو الداعي في غيره من توقّع الثواب أو تحصيل مرضات المولى أو غيرها» (1).

أقول: الحقّ عدم الحاجة إلى هذا التفصيل بل روح الكلام و العمدة في المقام هو ما ذكرنا من أنّ التكرار لا يكون لعباً إذا نشأ من دواع عقلائيّة.

أمّا الدليل الرابع: و هو اعتبار قصد الوجه ففيه: أوّلًا: أنّه قد ثبت في محلّه عدم اعتباره في صحّة العبادة.

و ثانياً: لو سلّمنا اعتباره فإنّه حاصل في المقام لأنّه على قسمين: قصد الوجه الغائي و قصد الوجه الوصفي، و الغائي حاصل في المقام لأنّ صلاته إنّما هي لغاية وجوب تلك الصّلاة الواجبة إجمالًا، و كذلك الوصفي لأنّه بصدد الإتيان بالصلاة المتّصفة بالوجوب المتردّد بين الأربعة.

و أمّا قصد التمييز فهو ممّا لا دليل على اعتباره إلّا في مورد واحد، و هو ما إذا توقّف عليه حصول عنوان من العناوين القصديّة، حيث إن العنوان القصدي لا يحصل إلّا بتمييزه عن سائر العناوين كما إذا اشتغل مثلًا ذمّة المكلّف بصيام يوم للكفّارة و بصيام يوم آخر للنذر و بصيام يوم ثالث للقضاء، و كلّ واحد من هذه الثلاثة عنوان من العناوين القصديّة يحتاج تحقّقه في الخارج إمّا إلى تمييز تفصيلي له بالنسبة إلى سائر العناوين كما إذا قال مثلًا: أصوم للكفّارة، أو تمييز إجمالي كما إذا نوى ما اشتغلت به ذمّته أوّلًا، و أمّا في غير هذه الصورة فلا يجب التمييز لا إجمالًا و لا تفصيلًا بل يكفي قصد ما في الذمّة، و ما نحن فيه من هذا القبيل كما لا يخفى.

ثالثاً: أنّه لم يأت بدليل على مقالته إلّا ما أفاده من أنّ التحرّك عن الأثر متأخّر عن التحرّك عن العين، و هذا ما لا محصّل له لأنّه إن كان المراد منه التأخّر في عالم الخارج فهذا مسلّم لكنّه لا يثبت المدّعى، و إن كان المراد التأخّر في الداعويّة و البعث فهو أوّل الكلام لأنّه ربّما يتحرّك الإنسان عن الأثر من دون أن يتحرّك عن العين كما إذا أمر الطبيب بالحمية فنهى عن أكل‏

____________

(1) نهاية الدراية: ج 2، ص 39.

267

بعض الأغذية و شرب بعض آخر لرفع المرض و الحصول على السلامة، و المريض يتركها لكن لا لجهة مرضه و تحصيل السلامة عنه بل لما يترتّب عليها من العواقب و الآلام.

بقي هنا امور:

الأوّل: إنّه هنا كان البحث في جواز الامتثال الإجمالي مع القدرة على تحصيل العلم التفصيلي و اخترنا فيه الجواز، أمّا إذا لم يقدر على تحصيل العلم التفصيلي بل كان قادراً على الظنّ التفصيلي الذي هو الغالب في الفقه كما مرّ وعليه يدور رحى الاجتهاد و التقليد فالكلام فيه أظهر، بل يجوز الامتثال الإجمالي فيه بطريق أولى كما أشرنا إليه سابقاً.

الثاني: أنّ ما يقال من «أنّ الاحتياط في ترك الاحتياط» فهو صحيح على الإطلاق في بعض الموارد، و هو ما إذا كان قادراً على العمل التفصيلي، و الوجه فيه هو الخروج عن القول بالخلاف، أمّا إذا لم يقدر على العلم بل كان قادراً على الظنّ التفصيلي المعتبر، فحينئذٍ لعلّ الاحتياط من بعض الجهات كان في العمل بالاحتياط لا في تركه، و ذلك لأنّ الاحتياط حينئذٍ يوصل الإنسان إلى الواقع قطعاً، و الظنّ المعتبر يوصله إليه ظنّاً (مع قطع النظر عن ما يستلزم التكرار من مخالفة الاحتياط).

الثالث: لا يخفى أنّ ما اخترناه من جواز الاحتياط لا يجري في نفس المسألة و هي «هل يجوز العمل بالعلم الإجمالي و الاحتياط مع إمكان الاجتهاد أو التقليد؟» بل لا بدّ فيها من الاجتهاد أو التقليد و هو واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان.

الرابع: كثيراً ما لا يمكن العمل بالاحتياط لكونه من موارد الدوران بين المحذورين، و يرشدنا إلى هذه الموارد الرجوع إلى أبواب الحدود و التعزيرات و القصاص و كذلك باب الإرث و كثير من أبواب المعاملات، و حينئذٍ لا بدّ من الاجتهاد أو التقليد و على هذا العمل بالاحتياط مطلقاً غير ممكن.

الخامس: أنّ العمل بالاحتياط قد يوجب العسر و الحرج لشخص الإنسان و قد يوجب اختلال النظام أو الاضرار بالغير كما إذا استلزم من احتياط إنسان الاضرار بعياله أو صديقه مثلًا، فعلى الأوّل لا إشكال في جوازه و عدم حرمته لأنّه ليس ناشئاً من جانب الشارع بل هو نشأ من ناحية شخصه و اختياره، و لا كلام في أنّ المرفوع في أدلّة العسر و الحرج هو الإلزام‏

268

الحاصل من حكم الشرع لا الجواز، و على الثاني فلا إشكال أيضاً في حرمة الاحتياط حينئذٍ و وجوب العمل بالاجتهاد أو التقليد. و اللَّه العالم.

تمّ الكلام إلى هنا عن مباحث القطع.

269

المقام الثاني في مباحث الظنّ (حجّية الأمارات الظنّية)

و قبل الدخول في هذا البحث لا بدّ من رسم امور ثلاثة:

الأمر الأول: أنّ الظنّ و بتعبير آخر: أنّ الأمارات الظنّية ليست بحجّة ذاتاً، أي ليست الحجّية من لوازمها الذاتيّة كما في القطع (مع قطع النظر عمّا مرّ منّا في مبحث القطع من أنّه لا معنى لحجّية القطع بمعنى كونه طريقاً إلى الواقع بل هو نفس النظر إلى الواقع و مشاهدته و الإحاطة به).

الأمر الثاني: أنّه يمكن التعبّد بها و جعلها حجّة.

الأمر الثالث: في تأسيس الأصل في المسألة، فهل الأصل فيها أنّ جميع الأمارات الظنّية حجّة إلّا ما خرج بالدليل أو العكس، أي ليس شي‏ء منها بحجّة إلّا ما ثبت خروجه بالدليل؟

و بعبارة اخرى: هل يكون إثبات الحجّية و إقامة الدليل عليها على عهدة المنكر للحجّية أو على عهدة المثبت المدّعى لها؟ فإن كان الأصل هو الأوّل فلا بدّ للمنكر إقامة الدليل و هو مدّعٍ في الواقع، و إن كان هو الثاني فعلى المثبت.

و لا يخفى أنّ البحث في الأمرين الأوّلين بحث في مقام الثبوت، و في الأخير بحث في مقام الإثبات.

أمّا الأمر الأوّل: أنّ الأمارات الظّنية ليست بحجّة ذاتاً

فاستدلّ له:

أوّلًا: بإجماع العقلاء و اتّفاقهم على أنّ الظنّ ليس بحجّة ذاتاً بل لا بدّ من جعلها بيد جاعل كجعل الحجّية لخبر الواحد، أو من حصول مقدّمات توجب الحجّية له إمّا عقلًا بناءً على تماميّة

270

مقدّمات الانسداد على تقرير الحكومة، و أمّا شرعاً بناءً على تماميتها بنحو الكشف.

و ثانياً: بحكومة الوجدان، فإنّ الوجدان شاهد على عدم حجّية الظنّ ذاتاً إذ لا كشف تامّاً لها عن الواقع كما في القطع فلا بدّ لجبران نقصها في الكشف إلى جعل جاعل من ناحية الغير، نظير ما يقال في الوجود الممكن من أنّه ليس ذاتياً له و لذلك لا بدّ من حصوله له بسبب أمر خارج خلافاً للوجود الواجب.

بقي هنا شي‏ء:

و هو أنّ المحقّق الخراساني (رحمه الله) في الكفاية ذكر لتصوّر الحجّية المجعولة للظنّ طريقين: جعل الجاعل و حصول مقدّمات الانسداد، و لكن هنا طريق ثالث و هو إخبار الشارع بعدم العقاب لمن عمل بالظنّ من دون أن يكون في مقام الجعل، فإنّ إخباره بذلك كافٍ في حصول الأمن عن العذاب الذي هو نتيجة الحجّية.

و أمّا الأمر الثاني: في إمكان التعبّد بالظّن‏

و هو إثبات قابلية الظنّ لأن يصير حجّة و إمكان جعل الحجّية له. فنقول: المراد من الإمكان هنا هو الإمكان الوقوعي، بمعنى أنّه لا يلزم من وقوعه محذور عقلي من أمر ممتنع ذاتي كاجتماع الضدّين أو أمر ممتنع عرضي كالقبيح الذي يستحيل صدوره من الحكيم.

توضيح ذلك: المعروف من معاني الإمكان أربعة:

أحدها: الإمكان الذاتي و في مقابله الامتناع الذاتي كاجتماع النقيضين.

ثانيها: الإمكان الوقوعي و في مقابله الامتناع الوقوعي و هو ما يلزم من وقوعه محال كامتناع اجتماع الآلهة في العالم و هو مفاد قوله تعالى: «لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا».

ثالثها: الإمكان العادي بمعنى عدم الامتناع بحسب العادة في مقابل الامتناع العادي كامتناع بلوغ عمر الإنسان إلى آلاف سنين عادةً.

رابعها: الإمكان الاحتمالي و هو ما أشار إليه الشيخ الرئيس بقوله: كلّ ما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإمكان ما لم يضدّك عنه قاطع البرهان.

أمّا القسم الأخير فلا شكّ في عدم كونه مقصوداً في المقام لأنّه إنّما يكون في النظر البدوي،

271

و سيزول بالتأمّل و يرجع إلى أحد الأقسام الاخر، و لذلك عبّر الشيخ ب «كلّما قرأ سمعك».

و كذلك الإمكان العادي لأنّ العادة لا يمكن أن تقع موضوعاً للأدلّة العقليّة، و أيضاً الإمكان الذاتي لأنّه لا شكّ لأحد في أنّه لا مانع في إمكان التعبّد بالظنّ ذاتاً و أنّ حجّية الظنّ ليست كاجتماع النقيضين، فيتعيّن حينئذٍ الإمكان الوقوعي، فالمراد بالإمكان في المقام هو الوقوعي في مقابل من يدّعي الامتناع الوقوعي كابن قبّة (1) من قدماء الأصحاب.

و من العجب‏ أنّ المحقّق النائيني (رحمه الله) ذهب إلى «أنّ المراد من الإمكان المبحوث عنه في المقام هو الإمكان التشريعي، بمعنى أنّ من التعبّد بالأمارات هل يلزم محذور في عالم التشريع من تفويت المصلحة و الإلقاء في المفسدة، و استلزامه الحكم بلا ملاك، و اجتماع الحكمين المتنافيين و غير ذلك من التوالي الفاسدة المتوهّمة في المقام، أو أنّه لا يلزم شي‏ء من ذلك؟ ثمّ قال: و ليس المراد من الإمكان هو الإمكان التكويني بحيث يلزم من التعبّد بالظنّ أو الأصل محذور في عالم التكوين، فإنّ الإمكان التكويني لا يتوهّم البحث عنه في المقام و ذلك واضح» (2).

و لكن لا يخفى‏ ما فيه من أنّ كون موضوع الإمكان و الاستحالة أمراً تشريعياً لا يقتضي خروج إمكانه عن التكوين إذا كان المحذور على كلّ لزوم اجتماع الضدّين في عالم التكوين أو صدور القبيح من الحكيم الذي يستحيل صدوره منه تكويناً أيضاً.

و بعبارة اخرى: المحذورات الخمسة التي سيأتي في بحث اجتماع الحكم الظاهري و الواقعي و كذلك شبهة ابن قبّة، كلّها ترجع إلى محذورات تكوينية ناشئة عن تشريع العمل بالظنّ فراجع و تدبّر.

و الإنصاف أنّه لا معنى للإمكان التشريعي في مقابل الامتناع التشريعي إلّا حكم الشارع بالإباحة في مقابل الحرمة، و أين هذا ممّا نحن بصدده.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ ابن قبّة خالف إمكان حجّية خبر الواحد و استدلّ له بدليلين:

أحدهما مختصّ بخبر الواحد، و الآخر عام يشمل جميع الأمارات الظنّية.

أمّا الأوّل: فهو أنّه لو جاز التعبّد بخبر الواحد في الإخبار عن النبي (صلى الله عليه و آله) لجاز التعبّد به في‏

____________

(1) هو من عيون الأصحاب و صالحيهم و كان معاصراً للشيخ المفيد (رحمه الله) و الشيخ كان يروي عنه و كان من تلاميذه و هو صاحب كتاب الإنصاف، و كان فقيهاً متكلّماً، و قيل أنّه كان معتزلياً ثمّ استبصر.

(2) فوائد الاصول: ج 3، ص 88، طبع جماعة المدرّسين.

272

الإخبار عن اللَّه تعالى، و التالي باطل إجماعاً، و وجه الملازمة أنّ حكم الأمثال فيما يجوز و فيما لا يجوز واحد.

و الصحيح في الجواب عنه (كما سيأتي في مبحث خبر الواحد) أنّه قياس مع الفارق، لأنّ التعبّد بخبر الواحد في الإخبار عن اللَّه تعالى ملازم لدعوى النبوّة، و هي من اصول الدين، التي تحتاج إلى دليل قطعي.

و أمّا الثاني: فهو أنّ جواز التعبّد بالظنّ موجب لتحليل الحرام و تحريم الحلال إذ لا يؤمن أن يكون ما أخبر مثلًا بحلّيته حراماً و بالعكس.

أقول: كلامه هذا مبهم يحتاج إلى مزيد توضيح‏ فنقول: إنّ تحليل الحرام أو تحريم الحلال اللازم من جواز التعبّد بالظنّ يستبطن بنفسه محاذير خمسة عقليّة:

أحدها: اجتماع النقيضين في صورة عدم إصابة الظنّ بالواقع، و اجتماع المثلين في صورة الإصابة، و هذا بالنسبة إلى نفس الحكم.

ثانيها: اجتماع الضدّين في نفس المولى في صورة الخطأ و هو اجتماع الإرادة و الكراهة لأنّ الأمر ينشأ من الإرادة و النهي ينشأ من الكراهة و هذا يكون بالنسبة إلى مبادئ الحكم.

ثالثها: اجتماع الضدّين من المصلحة و المفسدة في صورة الخطأ، و يكون بالنسبة إلى متعلّق الحكم.

رابعها: التكليف بما لا يطاق، لأنّ الحكم الواقعي يكلّف الإنسان بالفعل في مفروض الكلام، و الظاهري يكلّفه بالترك مثلًا، و الأمر بهما يستحيل على الحكيم الخبير.

خامسها: الإلقاء في المفسدة و تفويت المصلحة في صورة الخطأ.

و لا يخفى أنّ جميع هذه المحاذير مبني على بقاء الحكم الواقعي في مورد الأمارة على قوّته كما هو الصحيح لأنّ ارتفاع الحكم الواقعي يستلزم التصويب الباطل عندنا.

و لقد حاول جميع العلماء بعد ابن قبّة رفع هذه المحاذير، و كلّ سلك في حلّها طريقاً خاصاً، و هذا هو الذي يسمّى عندهم بمسألة الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي.

و من الطرق طريق المحقّق الخراساني (رحمه الله)، و منها ثلاث طرق ذكرها في درر الفوائد التي حكى اثنين منها من استاذه السيّد السند المحقّق الفشاركي (رحمه الله)، و منها طريق المحقّق النائيني (رحمه الله) و طريق سادس ذكره في تهذيب الاصول، و هاهنا طريق سابع يستفاد من كلمات شيخنا الأنصاري (رحمه الله) و هو المختار.

273

و نحن نذكرها واحداً بعد واحد ثمّ نبيّن المختار في المقام (و هو نفس ما يستفاد من كلمات شيخنا الأعظم):

1- قال المحقّق الخراساني (رحمه الله) ما حاصله: أنّ أغلب هذه المحاذير نشأ من توهّم أنّ التعبّد بالأمارة و اعتبار الأمارة شرعاً معناه أنّ للشارع أحكاماً ظاهريّة على طبق مؤدّياتها، فإذا قامت الأمارة على وجوب شي‏ء فيحكم الشارع ظاهراً بوجوب ذلك الشي‏ء، و إذا قامت على حرمة شي‏ء فيحكم ظاهراً بحرمة ذلك الشي‏ء و هكذا، و بعبارة اخرى: أنّ هذه المحاذير نشأت من القول بجعل أحكام ظاهريّة على وفق مؤدّى الأمارة مع أنّنا لا نلتزم بإنشاء الأحكام الظاهريّة في مورد الأمارات بل المجعول فيها هو نفس المنجزيّة و المعذّريّة عند الإصابة و الخطأ، و هذا لا يستتبع إنشاء أحكام تكليفية ظاهريّة على طبق مؤدّيات الطرق في قبال الأحكام الواقعيّة كي يلزم منها اجتماع المثلين عند إصابة الأمارات و مطابقتها للواقع، و اجتماع الضدّين من إيجاب و تحريم و إرادة و كراهة و مصلحة و مفسدة بلا كسر و انكسار في البين عند خطأ الأمارات و مخالفتها للواقع، بل إنّما يلزم منها تنجّز التكليف الواقعي بقيام الأمارة المعتبرة عند اصابتها و صحّة الاعتذار بها عند خطأها.

نعم، يبقى في البين إشكال واحد و هو تفويت المصلحة و الإلقاء في المفسدة عند خطأ الأمارة، و هذا ممّا لا محذور فيه إذا كان في التعبّد بالظنّ الذي اعتبره الشارع مصلحة غالبة على مفسدة التفويت أو الإلقاء كما لا يخفى.

أقول: الظاهر أنّ مراده من المصلحة الغالبة هو الوصول إلى الواقعيات غالباً مع تسهيل الأمر للمكلّفين و رفع التضييق عنهم، فحيث إنّها كانت أهمّ بنظر الشارع من تفويت المصلحة و الإلقاء في المفسدة عند خطأ الأمارة أحياناً قدّمها عليه.

ثمّ قال: هذا كلّه إذا كانت الحجّية بمعنى المنجّزيّة و المعذّريّة و لو فرضنا كونها بمعنى جعل الحكم المماثل فلا يلزم محذور أيضاً، لأنّ هذه الأحكام المجعولة على طبق مؤدّيات الأمارات أحكام طريقيّة مقدّمة للوصول إلى الواقعيات لا توجب إلّا تنجّز التكليف إذا أصابت الواقع، و صحّة الاعتذار إذا أخطأت، من دون أن تكون ناشئة عن مصلحة أو مفسدة.

ثمّ‏ إنّه (قدس سره) نظر إلى أنّ هذا البيان كلّه يصحّ بالنسبة إلى الأمارات و لكن الإشكال باقٍ بعدُ في بعض الاصول الشرعيّة مثل الإباحة الشرعيّة التي توجب جعل حكم ظاهري بلا ريب‏

274

و ليست طريقاً إلى الواقع، لأنّ المفروض عدم كونها أمارة، فقال ما نصّه: «فلا محيص في مثله (بعض الاصول العمليّة كأصالة الإباحة الشرعيّة) إلّا عن الالتزام بعدم انقداح الإرادة أو الكراهة في بعض المبادئ العالية أيضاً كما في المبدأ الأعلى لكنّه لا يوجب الالتزام بعدم كون التكليف الواقعي بفعلي، بمعنى كونه على صفة و نحوٍ لو علم به المكلّف لتنجّز عليه كسائر التكاليف الفعليّة التي تنجّز بسبب القطع بها، و كونه فعلياً إنّما يوجب البعث و الزجر في النفس النبويّة أو الأولويّة فيما إذا لم ينقدح فيها الإذن لأجل مصلحة».

و حاصل ما أفاده: أنّ الحكم الواقعي في مورد هذه الاصول ليس فعليّاً تامّاً لأنّ الفعليّة موقوفة على حصول الإرادة و هو موقوف على عدم صدور إذن من جانب الشارع على الخلاف، و إلّا لو صدر إذن من ناحيته كما في الاصول العمليّة فالحكم فعلي تقديري، بمعنى أنّه لو تعلّق به العلم أو قامت أمارة عليه لتنجّز، بخلاف الإنشائي الذي لا تنجّز و إن تعلّق به العلم خارجاً، و بهذا ترتفع المنافاة بين الحكم الواقعي و الظاهري، لأنّ الحكم الواقعي فعلي تقديري، و الحكم الظاهري فعلي تحقيقي و لا منافاة بينهما.

فظهر إلى هنا أنّ المحقّق الخراساني (رحمه الله) اختار لحلّ إشكال الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي ثلاثة طرق:

الأوّل: إنكار أن يكون مؤدّى الأمارة حكماً بل هو مجرّد المنجّزيّة و المعذّريّة.

الثاني: كونه حكماً طريقيّاً.

الثالث: أنّ الواقعي فعلي تقديري أي فعلي لو لا الترخيص و الإذن، و الظاهري فعلي مطلقاً.

و لا يخفى أنّ هذا الكلام منه مبني على ما ذهب إليه من أن للأحكام مراتب أربعاً كما مرّت الإشارة إليه منّا في باب اجتماع الأمر و النهي، و كما أشار إليه في تعليقته على رسائل شيخنا الأعظم (رحمه الله):

أحدها: الاقتضائيّة و الشأنية، و هي عبارة عن كون الشي‏ء ذا ملاك يقتضي الحكم الفلان على طبق ذلك الملاك.

ثانيها: الحكم الإنشائي و هو عبارة عن إنشاء الحكم على طبق المصالح و المفاسد الكامنة في الأشياء ضرباً للقاعدة و القانون، من دون أن يكون في البين إرادة أو كراهيّة فعلية.

ثالثها: الحكم الفعلي، و هو عبارة عن تعلّق الإرادة الفعلية أو الكراهة الفعلية بشي‏ء أي البعث و الزجر.

275

رابعها: مرتبة التنجّز و هي عبارة عن حكم العقل باستحقاق العقاب على مخالفة حكم المولى و عصيانه بعد وصوله إليه بعلم أو علمي.

هذا- و قد عرفت أنّه بعد تقسيمه الفعلي إلى الفعلي التامّ و غير التامّ، أو الفعلي التقديري و الفعلي المطلق صارت الأقسام خمسة.

و لكنك قد عرفت سابقاً أنّ مرتبة الاقتضاء (التي يسمّيها بالحكم الاقتضائي أو الحكم الشأني) و مرتبة التنجّز لا ينبغي أن يعدّا من الأحكام الشرعيّة و مجعولات الشارع، لأنّ الحكم الاقتضائي و الشأني ليس إلّا مجرّد اقتضاء الحكم و شأنيته له و ليس هذا أمراً مجعولًا، و التنجّز حكم عقلي لا حكم شرعي، فإطلاق الحكم الشرعي عليهما لا يخلو من مسامحة، فلم يبق للحكم إلّا مرتبتين: مرتبة الإنشاء و مرتبة الفعليّة.

نقد كلام المحقّق الخراساني (رحمه الله):

و في كلامه مواقع للنظر:

1- إنّ ما ذكر من تفسير الحجّية بالمعذّريّة و المنجّزيّة خلاف ظاهر أدلّة حجّية الأمارات، فإن المستظهر منها هو جعل الأحكام على وفق مؤدّيات الأمارات، و يشهد لذلك فهم الفقهاء بأجمعهم و تعبيرهم في كتبهم الفقهيّة و رسائلهم العمليّة عن مفاد الأمارات بالوجوب و الحرمة و غيرهما من الأحكام.

أضف إلى ذلك أنّ لحن بعض أدلّة الأمارات و تعبير الإمام (عليه السلام) فيها بحكم من الأحكام الخمسة بدلًا عن التعبير بالحجّية من أقوى الأدلّة على ذلك:

منها: ما ورد في باب حجّية أمارة السوق من ما رواه فضيل و زرارة و محمّد بن مسلم أنّهم سألوا أبا جعفر (عليه السلام) عن شراء اللحوم من الأسواق و لا يدري ما صنع القصّابون فقال: «كُلْ إذا كان ذلك في سوق المسلمين و لا تسأل عنه» (1).

و أيضاً ما رواه أبو نصر قال سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبّة فراء لا يدري أ ذكيّة هي أم غير ذكيّة أ يصلّي فيها؟ فقال: «نعم ليس عليكم المسألة ...» (2).

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 16، كتاب الصيد و الذباحة، الباب 29، ح 1.

(2) المصدر السابق: أبواب النجاسات: الباب 50، ح 3.

276

و منها: ما ورد في باب حجّية خبر الواحد ممّا رواه حفص بن البختري عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يشتري الأمة عن رجل فيقول: إنّي لم أطأها، فقال: «إن وثق به فلا بأس أن يأتيها» (1).

فهذه الرّوايات تعبّر عن مفاد الأمارات بالحكم (بقوله «كُل» و «يصلّي» و «يأتيها») مع أنّه بناءً على مبنى المحقّق الخراساني (رحمه الله) كان ينبغي أن يجيب الإمام (عليه السلام) في مقام الجواب بتعبير آخر من قبيل: «إذا كان حراماً فأنت معذور» مثلًا.

و لو سلّمنا عدمه بالدلالة المطابقية فلا أقل من أنّها تدلّ على حكم الترخيص بالالتزام كما هو مفاد الاصول الشرعيّة بلا ريب.

2- ما الفرق بين الفعلي التقديري و الإنشائي؟ فإنّ الفعلي التقديري ليس هو إلّا الحكم الإنشائي، لأنّ في مورد الأمارة إذا لم ينقدح إرادة أو كراهة و بعث أو زجر بالنسبة إلى الحكم الواقعي فلا يتجاوز عن مرتبة الإنشاء، و هذا ما سيأتي من ما ذهب إليه شيخنا الأنصاري (رحمه الله) في الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري الذي لم يقبله هو (أي المحقّق الخراساني (رحمه الله).

3- (و هو العمدة في الإشكال عليه) أنّ ما أجاب به عن إشكال تفويت المصلحة و الإلقاء في المفسدة من وجود مصلحة غالبة- ينافي ما ذهب إليه من بقاء الحكم الواقعي على الفعليّة لأنّ فعلية الحكم تابعة للمصلحة الغالبة الأقوى فإذا كان مؤدّى الأمارة ذا مصلحة أقوى يكون مفادها هو الحكم الفعلي، و يسقط الحكم الواقعي عن الفعلية نظير سقوط حرمة الدخول في الدار المغصوبة لإنقاذ الغريق، لأنّ المصلحة الأقوى توجد في إنقاذ الغريق، و هو رجوع إلى ما فرّ منه.

4- أنّه ليس لطريقية الحكم معنى محصّل، لأنّ الطريق إنّما هو الظنّ أو القطع لا الحكم، فالحكم الطريقي الذي أشار إليه في كلامه لا معنى له.

هذا كلّه في بيان ما اختاره المحقّق الخراساني (رحمه الله) في الجواب عن إشكال ابن قبّة و نقده.

2- ما نسبه في الدرر إلى استاذه المحقّق السيّد محمّد الفشاركي (قدس سره الشريف) و حاصله: أنّ الموضوع في الحكم الظاهري غير الموضوع في الحكم الواقعي، أي أنّهما حكمان‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ح 1، الباب 6، من ابواب النكاح العبيد و الاماء.

277

على موضوعين مختلفين لا على موضوع واحد لكي يستلزم مثلًا اجتماع الضدّين أو المثلين.

توضيح ذلك: أنّه لا إشكال في أنّ الأحكام لا تتعلّق ابتداءً بالموضوعات الخارجيّة بل إنّما تتعلّق بالمفاهيم المتصوّرة في الذهن لكن لا من حيث كونها موجودة في الذهن بل من حيث إنّها حاكية عن الخارج، فالشي‏ء ما لم تتصوّر في الذهن لا تتّصف بالمحبوبيّة و المبغوضيّة، و هذا واضح، ثمّ إنّ المفهوم‏ تارةً يكون مطلوباً على نحو الإطلاق‏ و اخرى‏ على نحو التقييد، و الإطلاق و التقييد عنوانان لا يجتمعان في الذهن في آنٍ واحد، فإذا فرضنا كون صلاة الجمعة حراماً بمقتضى دلالة أمارة مع أنّها واجب في الواقع فموضوع الوجوب هو صلاة الجمعة المتصوّرة على نحو الإطلاق، و أمّا موضوع الحرمة فهو صلاة الجمعة المتصوّرة على نحو التقييد، أي صلاة الجمعة المشكوك حكمها الواقعي فهما في رتبتين متفاوتتين: رتبة التقسيمات الأوّليّة السابقة، و رتبة التقسيمات الثانويّة اللاحقة، و الأوصاف المتأخّرة عن الحكم لا يمكن ادراجها في موضوعه، و حينئذٍ إذا فرضنا بعد ملاحظة اتّصاف الموضوع بكونه مشكوك الحكم تحقّق جهة المبغوضيّة فيه، فيصير مبغوضاً بهذه الملاحظة لا محالة و لا يزاحمها جهة المطلوبيّة الملحوظة في ذاته لأنّ الموضوع بتلك الملاحظة لا يكون متعقّلًا فعلًا، لأنّ تلك الملاحظة ملاحظة لذات الموضوع مع قطع النظر عن الحكم، و هذه ملاحظة مع الحكم.

فإن قلت: العنوان المتأخّر و إن لم يكن متعقّلًا في مرتبة تعلّق الذات و لكن الذات ملحوظة في مرتبة تعقّل العنوان المتأخّر، فعند ملاحظة العنوان المتأخّر يجتمع العنوانان في اللحاظ، فلا يعقل المبغوضيّة في الرتبة الثانية مع محبوبيّة الذات.

قلت: إن تصوّر ما يكون موضوعاً للحكم الواقعي الأوّلي مبني على قطع النظر عن الحكم (أي بنحو الماهيّة بشرط لا) و تصوّره بعنوان كونه مشكوك الحكم لا بدّ و إن يكون بلحاظ الحكم (أي بنحو الماهيّة بشرط شي‏ء) و لا يمكن الجمع بين لحاظ التجرّد عن الحكم و لحاظ ثبوته‏ (1).

أقول: و كلامه أيضاً قابل للمناقشة من جهات:

أوّلًا: من ناحية اعترافه بأنّ المفاهيم المتصوّرة في الذهن تتعلّق بها الأحكام من حيث إنّها حاكية عن الخارج- فيرد عليه أنّه لا اعتبار بما في الذهن حينئذٍ بل الاعتبار كلّه بما هو في‏

____________

(1) راجع درر الفوائد: ج 2، ص 351- 353، طبع جماعة المدرّسين.

278

الخارج و هو المتعلّق للحبّ و البغض و الإرادة و الكراهة و فيه المصلحة و المفسدة لا في الذهن، و هو (أي ما في الخارج) يكون واحداً لا اثنين، و حينئذٍ يستلزم اجتماع الإرادة و الكراهة في محلّ واحد، كما أنّ المفسدة و المصلحة أيضاً متعلّقهما هو الخارج، و هما لا يجتمعان في شي‏ء واحد خارجي، و قد مرّ نظير هذا الكلام في مبحث اجتماع الأمر و النهي، و أجبنا عنه بهذا الجواب.

و ثانياً: من ناحية قوله: «أنّ صلاة الجمعة بشرط لا بالنسبة إلى الانقسامات السابقة و بشرط شي‏ء بالنسبة إلى الانقسامات اللاحقة».

فيرد عليه: أنّ متعلّق الأحكام الواقعيّة كما أنّها لا تتقيّد بوجود الانقسامات اللاحقة فلا تكون بالنسبة إليها بشرط شي‏ء، كذلك لا تقبل التقييد بالنسبة إلى عدمها، فلا تكون بشرط لا بالنسبة إليها أيضاً، بل أنّها من قبيل اللّابشرط المقسمي، فيمكن أن يكون ذات الموضوع (و هو عنوان الصّلاة مثلًا) ملحوظة في مرتبة تعقّل العنوان المتأخّر (و إن لم يمكن ملاحظة العنوان المتأخّر في مرتبة تعقّل ذاته) فيجتمع العنوانان في اللحاظ فلا تعقل المبغوضيّة في الرتبة الثانية مع محبوبيّة الذات.

فبهذا يظهر أنّ ما ذكره أيضاً لا يكفي في حلّ مشكلة التضادّ لا في الخارج و لا في الذهن.

3- ما نسبه أيضاً في الدرر إلى المحقّق الفشاركي (رحمه الله) و هو «أنّ الأوامر الظاهريّة ليست بأوامر حقيقية بل هي إرشاد إلى ما هو أقرب إلى الواقعيات، و توضيح ذلك:- على نحو يصحّ في صورة انفتاح باب العلم و لا يستلزم تفويت الواقع من دون جهة- أن نقول: إنّ انسداد باب العلم كما أنّه قد يكون عقليّاً كذلك قد يكون شرعياً، بمعنى أنّه و إن أمكن للمكلّف تحصيل الواقعيات على وجه التفصيل لكن يرى الشارع العالم بالواقعيات أنّ في التزامه بتحصيل اليقين مفسدة، فيجب بمقتضى الحكمة دفع هذا الالتزام عنه، ثمّ بعد دفعه عنه لو أحاله إلى نفسه يعمل بكلّ ظنّ فعلي من أي سبب حصل، فلو رأى الشارع بعد أن صار مالك أمر المكلّف إلى العمل بالظنّ أنّ سلوك بعض الطرق أقرب إلى الواقع من بعض آخر فلا محذور في إرشاده إليه، فحينئذٍ نقول: إمّا اجتماع الضدّين فغير لازم لأنّه مبني على كون الأوامر الطرقيّة حكماً مولويّاً، و أمّا الإلقاء في المفسدة و تفويت المصلحة فليس بمحذور بعد ما دار أمر المكلّف بينه و بين الوقوع في مفسدة أعظم» (1).

____________

(1) درر الفوائد: ج 2، ص 354- 355، طبع جماعة المدرّسين.

279

و عمدة الإشكال في هذا الطريق إنّا لا نقبل كون المجعول في الأمارات حكماً إرشاديّاً إلى ما هو أقرب إلى الواقعيات لأنّه خلاف ظاهر أدلّة حجّية الأمارات كما مرّ آنفاً. مضافاً إلى ما مرّ من فهم الفقهاء و تعبيرهم عن مفاد الأمارات بحكم مولوي من وجوب و حرمة و غيرهما.

4- ما أفاده المحقّق الحائري (رحمه الله) بنفسه في الدّرر، بقوله: «إنّ بطلان ذلك مبني على عدم جواز اجتماع الأمر و النهي لأنّ المورد من مصاديق ذلك العنوان فإنّ الأمر تعلّق بعنوان العمل بقول العادل مثلًا، و النهي تعلّق بعنوان آخر مثل شرب الخمر، و حيث جوّزنا الاجتماع و بيّناه في محلّه فلا إشكال هنا أيضاً، لا يقال: جواز اجتماع الأمر و النهي على تقدير القول به إنّما يكون فيما تكون هناك مندوحة للمكلّف كالأمر بالصلاة و النهي عن الغصب لا فيما ليس له مندوحة، و ما نحن فيه من قبيل الثاني، لأنّ العمل بمضمون خبر العادل مثلًا يجب عليه معيّناً حتّى في مورد يكون مؤدّى الخبر وجوب شي‏ء مع كونه حراماً في الواقع بخلاف الصّلاة لعدم وجوب تمام أفرادها معيّناً بل الواجب صرف الوجود الذي يصدق على الفرد المحرم و على غيره، لأنّا نقول: اعتبار المندوحة في تلك المسألة إنّما كان من جهة عدم لزوم التكليف بما لا يطاق، و فيما نحن فيه لا يلزم التكليف بما لا يطاق من جهة عدم تنجّز الواقع، فلم يبق في البين إلّا قضية اجتماع الضدّين و المثلين و هو مدفوع بكفاية تعدّد الجهة» (1).

ثمّ استشكل على هذا الطريق بما حاصله: إنّ ما نحن فيه ليس من باب تعدّد الجهة و العنوان حتّى يكون من باب اجتماع الأمر و النهي لأنّ جعل الخبر طريقاً إلى الواقع معناه أن يكون الملحوظ في عمل المكلّف نفس العناوين الأوّليّة، مثلًا لو قام الخبر على وجوب صلاة الجمعة في الواقع فمعنى العمل على طبقه أن يأتي بها على أنّها واجبة واقعاً، فيرجع إيجاب العمل به إلى إيجاب الصّلاة على أنّها واجبة واقعاً، فلو فرضنا كونها محرّمة في الواقع يلزم كون الشي‏ء الواحد من جهة واحدة محرّماً و واجباً، فليس من جزئيات مسألة اجتماع الأمر و النهي التي قلنا بكفاية تعدّد الجهة فيه.

أقول: ما أورده على هذا الطريق وارد جدّاً، إلّا أنّ هنا إشكالًا آخر يرد على ردّه، و هو الذي نقله في ضمن كلامه (أي ما ذكره في حكم المندوحة) و هو أنّه إن كان المراد من عدم تنجّز

____________

(1) درر الفوائد: ج 2، ص 355، طبع جماعة المدرّسين.

280

الواقع في جوابه كونه في مرتبة الإنشاء فقط فلا حاجة حينئذٍ إلى التمسّك بذيل باب اجتماع الأمر و النهي و تعدّد الجهتين لعدم المنافاة بين الحكم الإنشائي و الحكم الفعلي، و إن كان المراد كون الواقع فعلياً أيضاً فلا وجه لعدم كونه منجزاً لأنّ عدم التنجّز إنّما يكون لمانع عن الفعليّة كالعجز و الجهل، و المفروض عدمهما.

5- هو ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله) و حاصله: أنّ الأحكام الظاهريّة على ثلاثة أقسام:

الأمارات و الاصول التنزيلية نحو الاستصحاب، و الاصول غير التنزيلية، أمّا في الأمارات: فيرتفع الإشكال بأنّ الشارع لم يجعل فيها غير صفة المحرزيّة و الوسطية في الإثبات شيئاً فلم يجعل فيها حكماً حتّى ينافي الحكم الواقعي و ذلك لأنّ الأمارات إمضائيّة و ليست عند العقلاء أحكام تكليفية و لازمه أن لا يكون بعد إمضاء الشرع للأمارات تكليفة ظاهريّة في مواردها.

فحال الأمارات حال العلم الوجداني في أنّه ليس في موردها أحكام تكليفية.

و أمّا الاصول التنزيلية: فالمجعول فيها هو الوسطية في الإثبات من حيث الجري العملي مع أخذ الشكّ في موضوعها خلافاً للأمارات.

و أمّا الاصول غير التنزيلية: فليست ناظرة إلى الواقع أصلًا فلا يمكن أن يكون المجعول الوسطية في الإثبات بل لا بدّ فيها من الالتزام بجعل الأحكام التكليفية فيها فلتوهّم لزوم اجتماع الضدّين حينئذٍ مجال، و طريق دفعه أنّ الأحكام التكليفية فيها متأخّرة رتبة من التكاليف الواقعيّة فهي متفرّعة عليها و ليس بينهما منافاة أصلًا فلا يكون بينهما تضادّ، و هذا مراد سيّد أساتيذنا العلّامة الشيرازي (قدس سره) من عدم كون الحكم الظاهري منافياً للواقع لترتّبه عليه‏ (1).

نقد كلام المحقّق النائيني (رحمه الله):

أقول: إنّ كلامه قابل للمناقشة بجميع أقسامه:

أمّا القسم الأوّل: فلأنّ القطع أمر تكويني غير قابل للجعل كالبرودة و الحرارة و ليس من قبيل الملكيّة و الزوجيّة و غيرهما من المجعولات الاعتباريّة، فلا يمكن للشارع أن يجعل ما

____________

(1) راجع فوائد الاصول: ج 3، ص 105- 112، طبع جماعة المدرّسين.

281

ليس بعلم علماً، فإن كان المراد من جعل صفة المحرزيّة إلغاء احتمال الخلاف و جعل صفة العلم تكويناً فهو محال، و إن كان المراد الجري العملي على طبق مؤدّيات الأمارات كما يظهر من بعض كلماته في المقام فهذا معناه إيجاب الجري العملي على وفق الأمارة، و ليس هذا إلّا جعل وجوب العمل على مؤدّى الأمارة، و هذا حكم تكليفي ظاهري.

و أمّا ما أفاده من أنّ حجّية الأمارات ليست بشي‏ء إلّا إمضاء لطريق العقلاء، و العقلاء ليس لهم حكم على طبق مؤدّى الأمارة بل يعدّونها فقط طريقاً إلى الواقع.

ففيه: أنّ العقلاء أيضاً إذا علموا مثلًا بأنّ هذا ليس لزيد من طريق أخبار خبر الثقة مثلًا يحكمون بأنّه لزيد، و يكون مؤدّى الأمارة عندهم حكماً من الأحكام و قانوناً من القوانين، فكيف لم يكن عندهم أحكام ظاهريّة قانونيّة؟ و عدم وجود التكاليف المولويّة بينهم ليس دليلًا على عدم وجود التكاليف القانونية.

و أمّا القسم الثاني: فلأنّ الاصول موضوعها الشكّ في الحكم الواقعي، و لا معنى لكون الشكّ طريقاً إلى الواقع، و حينئذٍ كيف يمكن جعل الشارع الوسطيّة في الإثبات و الطريقيّة إلى الواقع لما ليس طريقاً أبداً؟ و لو قلنا أنّ الاستصحاب لا يخلو من طريقيّة إلى الواقع فلازمه عدّ الاستصحاب من الأمارات لا من الاصول، و هو خلاف المفروض.

و أمّا القسم الثالث: ففيه: أنّ تأخّر الموضوع و التفرّع لا يحلّ المشكلة في المقام، لأنّه و إن كان الموضوع متعدّداً في الذهن إلّا أنّ الخارج واحد، و المفروض أنّ الصورة الذهنيّة مأخوذة في الموضوع بما هي حاكية عن الخارج، فيلزم حينئذٍ اجتماع حكمين فعليين على محلّ واحد، و يعود الإشكال.

6- ما أفاده في تهذيب الاصول و حاصله بالنسبة إلى شبهة التضادّ «أنّهم عرفوا الضدّين بأنّهما الأمران الوجوديان غير المتضائفين المتعاقبان على موضوع واحد، لا يتصوّر اجتماعهما فيه، بينهما غاية الخلاف، وعليه فما لا وجود له لا ضدّية بينه و بين شي‏ء آخر كما لا ضدّية بين أشياء لا وجود لها كالاعتباريات التي ليس لها وجود إلّا في وعاء الاعتبار ... و الإنشائيات و بالتبع الأحكام التكليفيّة كلّها من الامور الاعتباريّة لا تحقّق لها إلّا في وعاء الاعتبار» (1).

____________

(1) راجع تهذيب الاصول: ج 2، ص 65- 66، طبع جماعة المدرّسين.

282

أقول: لو كان المراد من عدم وجود التضادّ في الأحكام التكليفيّة عدم التضادّ في مرحلة الإنشاء فلا بأس به، و لكن المدّعى ليس هو اجتماع الضدّين في تلك المرتبة بل أنّه بالنسبة إلى مرتبة الفعليّة، و في هذه المرتبة و إن كان الإنشاء أو الحكم أمراً اعتباريّاً و لكن له مبادٍ و لوازم حقيقية، حيث إن الحكم الفعلي لا بدّ فيه من وجود مصلحة أو مفسدة في متعلّقه كما يحتاج إلى انقداح إرادة أو كراهة في نفس المولى و بعث أو زجر، و لا يخفى أنّ المصلحة أو المفسدة و الإرادة أو الكراهة أمران حقيقيان لهما وجودان في عالم التكوين كما مرّت الإشارة إليه حينما تعرّضنا لمعنى الإمكان في هذا المبحث في جواب ما اختاره المحقّق النائيني (رحمه الله) من الإمكان التشريعي.

بيان المختار في المقام:

المختار في حلّ المشكلة هو الطريق السابع: و هو ما أفاده الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه الله) في رسائله، و يرجع إليه كلام كثير من الأعلام، و إليك نصّ عبارته: «أنّه (ابن قبّة) إن أراد امتناع التعبّد بالخبر في المسألة التي انسدّ فيها باب العلم بالواقع فلا يعقل المنع عن العمل به فضلًا عن امتناعه، و إن أراد الامتناع مع انفتاح باب العلم و التمكّن منه في مورد العمل بالخبر فنقول: إنّ التعبّد بالخبر حينئذٍ بل بكلّ أمارة غير علميّة يتصوّر على وجهين:

الوجه الأوّل: أن يكون ذلك من باب مجرّد الكشف عن الواقع فلا يلاحظ في التعبّد بها إلّا الايصال إلى الواقع، فلا مصلحة في سلوك هذا الطريق وراء مصلحة الواقع، و الأمر بالعمل في هذا القسم ليس إلّا للإرشاد، و هذا الوجه غير صحيح مع علم الشارع العالم بالغيب بعدم دوام موافقة هذه الأمارة للواقع.

الوجه الثاني: أن يكون ذلك لمدخلية سلوك الأمارة في مصلحة العمل بها و إن خالف الواقع فإنّ العمل على طبق تلك الأمارة يشتمل على مصلحة فأوجبه الشارع، و تلك المصلحة لا بدّ أن تكون ممّا يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع و إلّا كان تفويتاً لمصلحة الواقع و هو قبيح، و المراد بالحكم الواقعي الذي يلزم بقائه هو الحكم المتعيّن المتعلّق بالعباد الذي يحكي عنه الأمارة و يتعلّق به العلم أو الظنّ و إن لم يلزم امتثاله فعلًا في حقّ من قامت عنده أمارة على خلافه، و يكفي في كونه الحكم الواقعي أنّه لا يعذر فيه إذا كان عالماً به أو جاهلًا مقصّراً.

و الحاصل: أنّ المراد بالحكم الواقعي هي مدلولات الخطابات الواقعيّة غير المقيّدة بعلم‏

283

المكلّفين و لا بعدم قيام الأمارة على خلافها، و لها آثار عقليّة و شرعيّة يترتّب عليها عند لا علم بها أو قيام أمارة حكم الشارع بوجوب البناء على كون مؤدّاها هو الواقع، نعم هذه ليست أحكاماً فعلية بمجرّد وجودها الواقعي» (انتهى ملخّصاً).

فالمستفاد من كلامه هذا بل عصارة بيانه في المقام أمران:

أحدهما: وجود مصلحة في سلوك الأمارة يتدارك بها فقدان المصلحة الواقعيّة في صورة الخطأ.

ثانيهما: أنّ الحكم الواقعي الفعلي ينقلب إنشائيّاً إذا قامت أمارة معتبرة على خلافه ما- دام لم ينكشف خلافها.

أقول: يمكن أن يكون المراد من المصلحة السلوكيّة في كلامه هو مصلحة التسهيل و عدم لزوم الحرج الشديد و اختلال النظام من اعتبار حصول القطع في صورة الانفتاح و اعتبار الاحتياط التامّ في صورة الانسداد بل عدم لزوم رغبة الناس عن الدين الحنيف و خروجهم من الدين أفواجاً، و إن شئت فاختبر ذلك بالعمل بالقطع يوماً و ليلة واحدة، لا تأكل إلّا الحلال القطعي و لا تلبس و لا تشرب و لا تسكن إلّا ذلك، و لا تصلّي إلّا في الحلال و الطاهر الواقعيين، و لا تعتمد على سوق مسلم و لا على يده و لا غير ذلك من الأمارات الظنّية.

و لا يخفى‏ أنّه ترتفع بهاتين النكتتين جميع المحاذير المتوهّمة في الأحكام الظاهريّة:

أمّا المحذور الأوّل‏ (و هو لزوم اجتماع الضدّين أو المثلين) فلأنّه لا منافاة بين الحكم الفعلي و الإنشائي، و المراد من الإنشائي ما يكون فيه مصلحة أو مفسدة لكن يمنع عن فعليته و عن صدور البعث أو الزجر مانع أو مصلحة أقوى.

و أمّا المحذور الثاني‏ (أي لزوم اجتماع المصلحة و المفسدة في متعلّق واحد) فلأنّه لا مصلحة في متعلّق الأمارة حتّى يلزم اجتماع المصلحة و المفسدة في محلّ واحد.

و أمّا المحذور الثالث‏ (أي لزوم اجتماع الإرادة و الكراهة في متعلّق واحد) فأوّلًا: إنّ المتعلّق للإرادة و الكراهة متعدّد، فإحداهما متعلّقة بالفعل و الاخرى متعلّقة بنفس السلوك لا بمتعلّق الأمارة، و ثانياً: لو سلّمنا كون المتعلّق واحداً إلّا أنّ إحداهما تقع تحت شعاع الاخرى فتسقط عن الفعليّة و ترجع إلى مقام الإنشاء لأنّ المفروض أنّ مصلحته أعمّ.

و أمّا الرابع‏ (أي لزوم التكليف بما لا يطاق) فلأنّه إنّما يلزم فيما إذا كان الحكم الواقعي أيضاً

284

فعلياً مع أنّ المفروض كونه إنشائيّاً.

و أمّا المحذور الخامس‏ (أي تفويت المصلحة و الإلقاء في المفسدة) فلأنّ مصلحة السلوك أهمّ فتجبر بها ما فاتت من المصلحة الواقعيّة.

إن قلت: «إنّ ما هو المجعول واقعاً طبقاً للمصالح و المفاسد و يكون مشتركاً بين العالم و الجاهل و تدلّ الأدلّة على اشتراكه بينهما و انحفاظه في مرتبة الجهل به- هو الحكم الفعلي الذي لو وصل إلى المكلّف كان داعياً له نحو الفعل أو الترك، و إنكار مثل هذا الحكم في ظرف الجهل بالحكم الواقعي و القول بأنّ الموجود في هذا الظرف مجرّد الإنشاء فقط تصويب لا تقول به الإماميّة» (1).

قلت: الباطل من التصويب على قسمين: أحدهما: محال عقلي، و الآخر: محال شرعي، أمّا المحال العقلي فهو أن يقال: إنّ اللَّه تعالى يجعل الحكم بعد اجتهاد المجتهد مع خلوّ الواقع عن الحكم قبله فإنّ هذا محال عقلًا لأنّ معناه أنّ المجتهد يجتهد و يتفحّص عن شي‏ء لا وجود له في الواقع و الخارج، و لا إشكال في أنّ لازمه الدور المحال، و أمّا المحال الشرعي فهو أن يقال: إنّ اللَّه يجعل بعدد آراء المجتهدين أحكاماً شرعيّة، و هذا باطل إجماعاً عند أصحابنا (رضوان اللَّه عليهم)، و أمّا لو قلنا بوجود حكم إنشائي مشترك بين جميع المكلّفين و لكنّه بالنسبة إلى بعضهم بلغ حدّ الفعلية و بالنسبة إلى الباقين بقى على حاله فلا دليل على كونه من التصويب المحال بل الدليل على خلافه.

إن قلت: ما الفائدة في جعل حكم و إنشائه من دون أن يكون فعليّاً على المكلّفين؟

قلنا: فائدة هذا الحكم هي فائدة المقتضي في جميع المقامات، فإذا اجتمعت فيه شرائط الفعلية و انتفت الموانع صار فعليّاً، و لذلك لا يكون الجاهل المقصّر في الفحص اجتهاداً أو تقليداً معذوراً، و من هنا أيضاً يجب على المكلّف الإعادة بعد كشف الخلاف (بناءً على القول بعدم الإجزاء).

ثمّ إنّه في تهذيب الاصول أورد على المصلحة السلوكيّة إشكالات أربع:

أحدها: «أنّ حجّية أمارة في الشرع ليس إلّا إمضاء ما كان في يد العقلاء في معاشهم‏

____________

(1) راجع منتهى الاصول للمحقّق البجنوردي (رحمه الله): ج 2، ص 71- 72.

285

و معادهم، من غير أن يزيد عليه شيئاً أو ينقص منه شيئاً، و من المعلوم أنّ اعتبار الأمارات لأجل كونها طريقاً إلى الواقع فقط من دون أن يترتّب على العمل بها مصلحة وراء إيصالها إلى الواقع، فليس قيام الأمارة عند العقلاء محدثاً للمصلحة لا في المؤدّى و لا في العمل بها و سلوكها، وعليه فالمصلحة السلوكيّة لا أساس لها».

و فيه: أنّ للعقلاء أيضاً في تشريعاتهم و تقنيناتهم مصلحة تتعلّق بسلوك الأمارات بلا إشكال لأنّ عدم حجّية الظنّ في ما بينهم أيضاً يوجب الحرج الشديد و اختلال نظامهم و معاشهم الدنيويّة و لا نعني بالمصلحة السلوكيّة إلّا هذا، فالإنسان إذا لم يعتمد على اليد كالدليل على الملكية و على قول المشهور، و كذا ظواهر الألفاظ و خبر الثقة و غير ذلك من الأمارات العقلائيّة لا يقدر على أن يعيش و لو شهراً إلّا في حرج شديد و ضيق أكيد.

ثانيهما: ما حاصله: أنّه لا يتصوّر لسلوك الأمارة و تطرّق الطريق معنى وراء العمل على طبق مؤدّاها، فلا يتصوّر له مصلحة وراء المصلحة الموجودة في الإتيان بالمؤدّى.

و إن شئت قلت: الإتيان بالمؤدّى و السلوك على طبق الأمارة من المفاهيم المصدريّة النسبية لا يعقل أن تصير متّصفة بالمصلحة أو المفسدة، بل المصلحة و المفسدة قائمتان بنفس الخمر و الصّلاة مثلًا.

و فيه أيضاً: إنّ المصلحة السلوكيّة ليس معناها أنّ صلاة الجمعة مثلًا (التي يدلّ خبر الواحد على وجوبها) تصير ذا مصلحتين بالسلوك بل المقصود أنّ جعل الحجّة للأمارة و جعلها طريقاً إلى الواقع يوجب التسهيل و عدم رغبة الناس عن الدين و شبه ذلك.

ثالثها: «إنّ ظاهر عبارة الشيخ و شارح مراده أنّ المصلحة قائمة بالتطرّق و السلوك بلا دخالة للواقع في حدوث تلك المصلحة، وعليه فلو أخبر العادل عن الامور العادية لزم العمل على قوله في هذه الموارد أيضاً لأنّه ذا مصلحة سلوكيّة، و هو كما ترى».

أقول: ظاهر هذه العبارة أنّ وجود المصلحة السلوكيّة في الامور الشرعيّة يستلزم وجودها في الامور العادية أيضاً (لأنّ المفروض أنّ حجّية الأمارات إمضاء لطريق العقلاء، و المصلحة قائمة بنفس السلوك بلا دخالة للواقع في حدوث تلك المصلحة) مع أنّه كما ترى، أي لا معنى لحدوث المصلحة في سلوك الأمارة في الامور العادية.

و الجواب عنه واضح، لأنّ المراد من طريقة العرف و العقلاء الممضاة عند الشارع هي‏

286

طريقيتهم في دائرة القوانين العرفيّة العقلائيّة، و لا شكّ في وجود المصلحة السلوكيّة فيها أيضاً كما مرّ آنفاً، لأنّ اعتبار حصول القطع عندهم أيضاً يوجب لزوم الاختلال في نظامهم الاجتماعي و معاشهم.

رابعها: «أنّ لازم تدارك المصلحة الواقعيّة بالمصلحة السلوكيّة هو الاجزاء و عدم لزوم الإعادة و القضاء إذ لو لم يتدارك مصلحة الواقع لزم قبح الأمر بالتطرّق، و لو تدارك سقط الأمر، و المفروض أنّ المصلحة القائمة بتطرّق الطريق ليست مقيّدة بعدم كشف الخلاف، فما يظهر من التفصيل من الشيخ الأعظم (رحمه الله) و بعض أعاظم العصر ليس في محلّه» (1).

و فيه أيضاً: إنّ ما يتصوّر من المصلحة في الأمارات على نوعين: تارةً هي مصلحة تقوم مقام المصلحة الواقعيّة فإشكاله حينئذٍ وارد، فلا بدّ من القول بالإجزاء مطلقاً سواء انكشف الخلاف أو لم ينكشف، و اخرى‏ ليست هي مصلحة تقوم مقامها و لكن في نفس الحال تكون أهمّ منها نظير العثور على الكنز لمن يحفر البئر للوصول إلى الماء، مع أنّها لا تقوم مقامها أصلًا و لا يرتفع بها الظمأ، و من هذا القبيل مصلحة التسهيل و عدم خروج الناس عن الدين في المقام، و حينئذٍ لو انكشف الخلاف و ظهرت المصلحة الواقعيّة لا بدّ من إحرازها و الحصول عليها بالإعادة أو القضاء على القول بعدم الاجزاء.

و العجب من قوله أخيراً: «و المفروض أنّ المصلحة القائمة بتطرّق الطريق ليست مقيّدة بعدم كشف الخلاف» لأنّه ليس في البين إطلاق حتّى يتمسّك به و يستفاد منه وجود المصلحة في السلوك في كلتا الصورتين بل الدليل في المقام هو حكم العقل و القدر المتيقّن منه صورة عدم انكشاف الخلاف.

بقى هنا شي‏ء: و هو أنّه قد ظهر ممّا ذكرنا أنّه لا فرق في إمكان الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي و رفع المحاذير المتوهّمة بين الأمارات و الاصول فنقول في موارد الاصول العمليّة أيضاً: أنّ الحكم الواقعي إنشائي و الظاهري (أي مفاد الأصل) فعلي مع وجود المصلحة في سلوكها و من دون فرق بين التنزيلية منها و غير التنزيليّة.

هذا تمام الكلام في الأمر الثاني (أي في إمكان التعبّد بالظنّ).

____________

(1) تهذيب الاصول: ج 2، ص 64- 65، طبع جماعة المدرّسين.

287

الأمر الثالث: في تأسيس الأصل في المسألة

إنّ الأمارة الظنّية قد يعلم حجّيتها و قد يعلم عدم حجّتها، و قد يقع الشكّ فيها فإذا وقع الشكّ، فهل الأصل حجّيتها إلّا ما خرج بالدليل أو العكس، أي أنّ الأصل عدم حجّيتها إلّا ما خرج؟

لا خلاف في أنّ الأصل هو الثاني، أي عدم الحجّية، إنّما الخلاف في طريق الاستدلال عليه، فذكر شيخنا الأعظم الأنصاري (رحمه الله) له طريقاً، و للمحقّق الخراساني (رحمه الله) طريق آخر، فاستدلّ الشيخ (رحمه الله) بأنّ أصالة حجّية الظنّ معناها جواز الاستناد إلى الظنّ و الالتزام بكون مؤدّاه حكم اللَّه في حقّه، مع أنّ هذا الاستناد عند الشكّ حرام بالأدلّة الأربعة ما لم يدلّ دليل على جوازه.

و قال المحقّق الخراساني (رحمه الله) تضعيفاً لذلك ما ملخّصه: أنّ صحّة الالتزام بما أدّى إليه الظنّ من الأحكام و صحّة نسبته إليه تعالى لا دخل لهما بمسألة الحجّية كي إذا لم تصحّ الالتزام و النسبة كشف ذلك آناً عن عدم الحجّية، و ذلك كما في الظنّ على الانسداد و الحكومة فإنّه حجّة عقلًا كالعلم في حال الانفتاح مع عدم صحّة الالتزام بما أدّى إليه و عدم صحّة نسبته إليه تعالى، إذ المفروض عدم القول بالكشف و أنّ الظنّ طريق منصوب من الشرع، بل هو حجّة عقلًا يجب العمل على طبقه و الحركة على وفقه، أي يقبح عقاب العبد على أزيد من ذلك، و لو فرض صحّة الالتزام و النسبة فيما شكّ في اعتباره لم يُجد في إثبات حجّيته ما لم يترتّب عليه آثار الحجّية من المنجّزيّة و المعذّريّة، و مع فرض ترتّب آثار الحجّية لم يضرّ عدم صحّتهما كما عرفت في الظنّ على الانسداد و الحكومة فالمدار في الحجّية و عدمها على ترتّب آثارها و عدم ترتّبها لا على صحّة الالتزام و النسبة و عدمهما.

أقول: إنّه إشكال وارد في بدء النظر، بل يمكن تأييده بأنّ مسألة صحّة الإسناد و الالتزام من الأحكام الفرعيّة الفقهيّة، و مسألة الحجّية مسألة اصوليّة لا ربط بينهما، و لكن عند الدقّة و التأمّل يمكن الجواب عنه و الدفاع عن مقالة الشيخ (قدس سره) بأنّ مراده من صحّة الإسناد و الالتزام و عدمها هو مدلولها الالتزامي أي الحجّية، حيث إن الحجّية الشرعيّة تلازم جواز الإسناد و الالتزام، و البحث في الحجّية الشرعيّة لا الحجّية العقليّة، و طرح المسألة بهذا النحو و إن كان يجعلها من المسائل الفقهيّة لكن تثبت به الحجّية آناً.

و إن شئت قلت: أنّ صحّة الالتزام و النسبة و إن لم يكونا من آثار الحجّية لما عرفت من‏

288

جواز انفكاك الحجّة عنهما كما في الظنّ الانسدادي على الحكومة و لكن لا يكاد يجوز تحقّقهما في غير الحجّة، فليس كلّ حجّة ممّا صحّ الالتزام بكون مؤدّاه حكم اللَّه و صحّ نسبته إليه تعالى، و لكن كلّما صحّ الالتزام بكون مؤدّاه حكم اللَّه و صحّ نسبته إليه تعالى كان حجّة قطعاً.

أضف إلى ذلك أنّه لا حاجة بناءً على مبنى المحقّق الخراساني (رحمه الله) في تفسير الحجّية إلى التمثيل بالظنّ الانسدادي على الحكومة، لأنّه بناءً على ذلك المبنى في تمام الحجج الشرعيّة لا يجوز الإسناد و الالتزام لأنّ الحجّية عنده بمعنى المنجّزيّة و المعذّريّة، و هما في الواقع قضيتان شرطيتان، أي لو وافق مؤدّى الأمارة الواقع كان منجزاً و لو خالفه كان عذراً، و ليستا حاكيتين عن حكم واقعي أو ظاهري حتّى يصحّ الإسناد، فظهر أنّ مآل الطريقين إلى أمر واحد.

ثمّ‏ إنّ المحقّق الخراساني (رحمه الله) استدلّ للمسألة بالضرورة فقال: «ضرورة أنّه بدونه لا يصحّ المؤاخذة على مخالفة التكليف بمجرّد إصابته و لا يكون عذراً لدى مخالفته مع عدمها و لا يكون مخالفته تجرّياً و لا يكون مخالفته بما هي موافقة انقياداً».

و مقصوده من الضرورة هنا هو الضرورة العقليّة و البداهة الوجدانيّة، و هو كذلك، لأنّ الوجدان حاكم على عدم ترتّب آثار الحجّية على أمارة ما لم تتّصف بالحجية الفعليّة في مقام الإثبات.

و أمّا شيخنا الأنصاري (رحمه الله) فاستدلّ لحرمة الإسناد و الإلزام التي يستفاد منها عدم الحجّية بالدلالة الالتزاميّة كما مرّ بالأدلّة الأربعة و قال: «التعبّد بالظنّ الذي لم يدلّ على التعبّد به دليل، محرّم بالأدلّة الأربعة و يكفي من الكتاب قوله تعالى: «قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ» دلّ على أنّ ما ليس بإذن من اللَّه من إسناد الحكم إلى الشارع فهو افتراء، و من السنّة قوله (صلى الله عليه و آله) في عداد القضاة من أهل النار «رجل قضى بالحقّ و هو لا يعلم» (1)، و من الإجماع ما ادّعاه الفريد البهبهاني في بعض رسائله من كون عدم الجواز بديهيّاً عند العوام فضلًا عن العلماء، و من العقل تقبيح العقلاء من يتكلّف من قبل مولاه بما لا يعلم بوروده من المولى و لو كان جاهلًا مع التقصير».

____________

(1) وسائل الشيعة: الباب 4، من أبواب صفات القاضي، ح 6.

289

أقول: أمّا الإجماع فلا يخفى أنّه في مثل المقام مدركي يرجع إلى سائر الأدلّة فلا اعتبار به مستقلًا، و أمّا السنّة فقد نوقش فيها بأنّ مقام القضاء مقام خاصّ، و للشارع اهتمام خاصّ به، فيكون الدليل أخصّ من المدّعى، كما ناقش فيها في تهذيب الاصول بأنّ مقام القضاء مقام إنشاء الحكم لا إسناده إلى اللَّه تعالى، أي أنّ القاضي إنّما يقول: «حكمت و قضيت بكذا و كذا» و لا يقول: «اللَّه يقول كذا و كذا» (1).

لكن يرد عليه (على مناقشة تهذيب الاصول): أنّ القضاء إنشاء يلازم الإخبار عن الشارع، لأنّ القاضي قام على منصب القضاء الشرعي، و كأنّه يقول: أنّي أحكم بكذا و كذا لأنّي من قضاة الشرع و منصوباً من قبل الشارع، فإنشاؤه حينئذٍ لا ينفكّ عن الإخبار.

و لكن الأنسب و الأولى للشيخ (قدس سره) أن يستدلّ بما ورد في نفس الباب (أي الباب 4 من أبواب صفات القاضي) من دون أن يكون مختصّاً بباب القضاء، و هي ثلاث روايات:

أوّلها: ما رواه زياد بن أبي رجاء عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «ما علمتم فقولوا: و ما لم تعلموا فقولوا: اللَّه أعلم، أنّ الرجل ينتزع الآية يخرّ فيها أبعد ما بين السماء» (2).

ثانيها: ما رواه مفضّل بن فريد (يزيد) قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «أنهاك عن خصلتين فيهما هلك الرجال: أنهاك أن تدين اللَّه بالباطل و تفتي الناس بما لا تعلم» (3).

ثالثها: ما رواه عبد الرحمان بن الحجّاج قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): «إيّاك و خصلتين ففيهما هلك من هلك: إيّاك أن تفتي الناس برأيك أو تدين بما لا تعلم» (4).

و أمّا دليل العقل فهو شبيه بما استدلّ به المحقّق الخراساني (رحمه الله)، يعني ضرورة العقل و الوجدان، و على أي حال فقد ظهر ممّا ذكر أنّ الأصل هو عدم حجّية الظنّ إلّا ما خرج بالدليل.

____________

(1) راجع تهذيب الاصول: ج 2، ص 85، طبع جماعة المدرّسين.

(2) وسائل الشيعة: الباب 4، من أبواب صفات القاضي، ح 5.

(3) المصدر السابق: ح 2.

(4) المصدر السابق: ح 3.

290

كلام في التشريع:

ثمّ إنّه لمّا انتهى الكلام إلى هنا ينبغي البحث عن حقيقة التشريع و أنّه هل هو عبارة عن الالتزام القلبي أو مجرّد الإسناد إلى اللَّه تعالى مطلقاً؟ فنقول هنا امور ثلاثة لا بدّ من البحث فيها:

الأوّل: في حقيقة التشريع.

الثاني: في الدليل على حرمته ..

الثالث: في أنّ المحرّم هل هو خصوص التديّن و التعبّد، أو يسري القبح إلى الفعل المتشرّع به أيضاً فيصير الفعل الخارجي قبيحاً عقلًا و حراماً شرعاً؟

أمّا الأمر الأوّل: فنقول: إنّ حقيقة التشريع و معناه ادخال ما ليس من الدين في الدين بحسب الاعتقاد القلبي و هو غير الإسناد إلى اللَّه تعالى، و النسبة بينهما هي العموم المطلق، فالمعروف بين العلماء أنّ حقيقة التشريع تصدّق في الوحدة أيضاً بمجرّد بناء القلب من دون الإظهار و الإسناد، كما إذا صام يوم عيد الفطر بنيّة استحبابه من قبل اللَّه تعالى من دون أن يسندها في محضر غيره إلى اللَّه فيتحقّق حينئذٍ التشريع من دون تحقّق الإسناد الذي هو نوع من الإخبار.

ثمّ‏ إنّه هل التشريع يصدق في صورة الشكّ أيضاً؟ فإذا شككنا مثلًا في وجوب سجدتي السهو، فهل يصدق التشريع إذا أتى بهما بنيّة الوجوب أو لا يصدق، بل الصادق حينئذٍ مجرّد التجرّي؟

الصحيح عندنا هو الثاني، لأنّ المسلّم من حرمة التشريع هو إدخال ما ليس من الدين في الدين اعتقاداً، و إن كان المعروف عند العلماء أنّ التديّن و الاعتقاد بالمشكوك فيه أيضاً تشريع محرّم.

و كيف كان، فالمعروف أنّ التشريع عبارة عن الالتزام القلبي كالالتزام قلباً بأنّ هذا واجب أو حرام و لذا يقال: لا يجوز إتيان الذكر الفلان بقصد الورود، أو يقال: يجوز إتيان الذكر الفلان بقصد الرجاء.

لكن قد أورد بعض الأعاظم على هذا إشكالًا حاصله: «أنّ الالتزام الجزمي بما شكّ كونه من المولى أمر ممتنع، و كيف يمكن التعبّد الحقيقي بما لا يعلم أنّه عبادي، فإنّ الالتزامات‏

291

النفسانيّة ليست واقعة تحت اختيار النفس حتّى توجدها في أي وقت شاء» (1).

أقول: الحقّ أن التعبّد الحقيقي بما لا يعلم أنّه عبادي أمر ممكن كما هو المعروف في الألسنة و الكتب الفقهيّة لأنّه من قبيل قوله تعالى‏ «وَ جَحَدُوا بِهَا وَ اسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ» فلا إشكال في أنّ فرعون مثلًا كان كافراً باللَّه تعالى مع علمه به، و ليس هذا إلّا أنّه بنى في قلبه و التزم قلباً بأنّه ليس في العالم إله يسمّى ب «اللَّه»، هذا في الاصول الاعتقاديّة، و كذلك في الفروع فيمكن الالتزام القلبي بأنّ الشي‏ء الفلان حرام مع العلم بحلّيته.

و إن شئت قلت: ليس التشريع هو العلم بل هو اعتقاد و عقد في القلب، و الاعتقاد غير العلم لأنّ العلم، هو مجرّد الإدراك، و أمّا الاعتقاد فإنّه من عقد القلب و البناء القلبي، و كم من شي‏ء يعلمه الإنسان (أي يدركه) و لكن لا يقبله و لا يلتزم به في قلبه و بالعكس.

و بعبارة اخرى: عقد القلب هو التسليم الباطني تجاه شي‏ء، علم به أو لم يعلم، كما يدلّ عليه ما مرّ سابقاً، و هو ما رواه إبراهيم بن أبي محمود عن الرضا (عليه السلام) في حديث طويل قال: أخبرني أبي عن آبائه عن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) قال: «من أصغى إلى ناطق فقد عبده، ... إلى أن قال: فإنّ أدنى ما يخرج به الرجل عن الإيمان أن يقول للحصاة، هذه نواة ثمّ يدين بذلك و يبرأ ممّن خالفه، يا ابن أبي محمود احفظ ما حدّثتك به فقد جمعت لك فيه خير الدنيا و الآخرة» (2).

هذا كلّه في الأمر الأوّل.

أمّا الأمر الثاني: و هو الدليل على حرمة التشريع، فيدلّ عليها أوّلًا: جميع ما يدلّ على حرمة البدعة من الإجماع و الآيات و الأخبار الواردة في باب البدعة و تحريمها لأنّ التشريع مصداق من مصاديقها.

و ثانياً: حكم العقل بقبح التشريع، لأنّ من المستقلّات العقليّة أنّ التشريع نوع تلاعب بأحكام المولى و مخالف لحقّ الطاعة و رسم العبوديّة.

أمّا الأمر الثالث: و هو أنّ المحرّم هل هو خصوص التديّن و الالتزم القلبي أو يسري قبح التشريع إلى الفعل المتشرّع به بحيث يصير الفعل قبيحاً عقلًا و حراماً شرعاً؟ فذهب المحقّق النائيني (رحمه الله) إلى الثاني و قال: «إنّه من الممكن أن يكون القصد و الداعي من الجهات و العناوين‏

____________

(1) راجع تهذيب الاصول: ج 2، ص 85، طبع جماعة المدرّسين.

(2) وسائل الشيعة: الباب 10، من أبواب صفات القاضي، ح 13.

292

المغيّرة لجهة حسن العمل و قبحه فيكون الالتزام و التعبّد و التديّن بعمل لا يعلم التعبّد به من الشارع موجباً لانقلاب العمل عمّا هو عليه و تطرأ عليه بذلك جهة مفسدة تقتضي قبحه عقلًا و حرمته شرعاً، و ظاهر قوله: «رجل قضى بالحقّ و هو لا يعلم» حرمة القضاء و استحقاق العقوبة عليه، فيدلّ على حرمة نفس العمل» (1).

أقول: كلامه في محلّه لأنّ أدلّة حرمة التشريع لا تعمّ مجرّد الالتزام القلبي من دون تحقّق عمل في الخارج، و بعبارة اخرى: ليس التشريع من قبيل اصول الدين التي تتقوّم بنفس الاعتقاد في القلب بل القدر المتيقّن من الأدلّة هو الفعل الخارجي الناشئ من الالتزام القلبي، و إن شئت فعبّر «الفعل الخارجي مع هذه النيّة».

____________

(1) فوائد الاصول: ج 3، ص 122- 121، طبع جماعة المدرّسين.

293

حجّية الأمارات الظنّية

1- حجّية الظواهر

بعد أن ثبت إمكان التعبّد بالظنّ و بعد ثبوت أنّ الأصل هو عدم حجّية الظنّ إلّا ما خرج، تصل النوبة إلى البحث عمّا وقع التعبّد به خارجاً، أي ما خرج من الظنون عن هذا الأصل، فنقول: من جملة الظنون التي خرجت عن تحت أصالة حرمة العمل بالظنّ و دلّ الدليل على حجّيتها ظواهر الألفاظ مطلقاً من دون اختصاصها بالألفاظ الواردة في الكتاب و السنّة كما ذهب إليه المحقّق الخراساني (رحمه الله)، فلا إشكال في حجّية ظواهر الألفاظ التي وردت في كتب الوصايا و الأوقاف و رسائل العقود و العهود و إسناد المعاملات، فلا زال البحث عنها بين الناس ثمّ يرسلونها إلى الفقهاء و يستفتون عن حكمها، و كان عليه سيرة المسلمين في الماضي و الحال، مع أنّها من الموضوعات لا الأحكام (خلافاً لأغلب الألفاظ الواردة في الكتاب و السنّة) لكن لا بأس به لما مرّ سابقاً من أنّ تشخيص الموضوعات المعقّدة المشكلة على عهدة الفقيه، و لا يقول فقيه: أنّه خارج عن شئون الفقاهة و لست مكلّفاً بالجواب عنه حيث إنّ الأعظم من الفقهاء كانوا بل لا زال كانوا يستقبلون عن الأسئلة المربوطة بالموضوعات و يجيبون عنها كما يظهر لمن راجع فروعات كتاب العروة الوثقى فإنّ كثيراً من فروعاتها من هذا القبيل.

و كيف كان، لا إشكال في حجّية ظواهر الألفاظ إجمالًا، (إنّما الإشكال و الكلام في بعض خصوصيّاته و جزئياته) و استدلّوا لها ببناء العقلاء الذي لم يردع الشارع عنه، و يمكن أيضاً الاستدلال بلزوم نقض الغرض لو لم نقل بالحجّية، و ذلك لأنّ الغرض الأصلي في وضع الألفاظ التفهيم و التفهّم، فلو اكتفى بالألفاظ الصريحة و القطعيّة الدلالة مع ملاحظة تلك المجازات و الاستعارات الكثيرة، و التصرّفات الحاصلة في الألفاظ التي توجب طبعاً تضييق دائرة الألفاظ الصريحة يلزم نقض غرض الواضع بلا ريب.

294

لكن للمحقّق الحائري (رحمه الله) هنا بياناً يليق بالذكر و حاصله: أنّه إذا ثبت عندنا أمران نقطع بأنّ مراد المتكلّم هو ما يستفاد من ظاهر اللفظ:

أحدهما: أن نعلم بأنّ المتكلّم يكون في مقام البيان و تفهيم المراد.

ثانيهما: أن نعلم أنّه لم ينصب قرينة توجب انصراف اللفظ عن ظاهره.

و استدلّ له بأنّه لو لا ذلك لزم نقض الغرض، أي لزم الالتزام بأنّه تصدّي لنقض غرضه عمداً و هذا مستحيل، و لذلك لا يختصّ ذلك بمورد يكون المتكلّم حكيماً لأنّ العاقل لا يعمل عملًا يكون فيه نقض غرضه سواء كان حكيماً أم لا، و هذا واضح.

هذا كلّه إذا أحرزنا المقدّمتين كلتيهما، أمّا إذا شككنا في أنّ المتكلّم أراد من اللفظ معناه الظاهر أو غيره، فإمّا أن يكون الشكّ من جهة الشكّ في كونه في مقام التفهيم، و إمّا من جهة الشكّ في وجود القرينة، و إمّا من جهة كليهما، فيقول بالنسبة إلى الصورة الاولى: أنّ الأصل المعوّل عليه عند العقلاء كونه في مقام تفهيم مراده، و هذا الأصل لا شبهة لأحد منهم فيه، و بالنسبة إلى الصورة الثانية يقول: هل الأصل المعوّل عليه فيها هو أصالة عدم القرينة أو أصالة الحقيقة (أصالة الظهور)؟ و تظهر الثمرة بينهما فيما لو اقترن بالكلام ما يصلح لكونه قرينة، فعلى الأوّل يوجب إجمال اللفظ لعدم جريان أصالة عدم القرينة مع وجود ما يصلح للقرينيّة، و على الثاني يؤخذ بمقتضى المستفاد من الوضع و المستظهر من اللفظ حتّى يعلم خلافه.

ثمّ قال: «فاعلم أنّ اعتبار الظهور الثابت للكلام و إن شكّ في احتفافه بالقرينة ممّا لا إشكال فيه في الجملة، و أمّا كون ذلك من جهة الاعتماد على أصالة الحقيقة كي لا يرفع اليد عنها في صورة وجود ما يصلح للقرينيّة فغير معلوم، و إن كان قد يدّعي أنّ بناء العقلاء على الجري على ما يقتضيه طبع الأشياء ما داموا شاكّين في الصحّة و الفساد لأنّ مقتضى طبع كلّ شي‏ء إن يوجد صحيحاً، و الفساد يجي‏ء من قبل أمر خارج عنه، و لعلّه من هذا القبيل القاعدة المسلّمة عندهم «كلّ دم يمكن أن يكون حيضاً فهو حيض» فإنّ مقتضى طبع المرأة أن يكون الدم الخارج منها دم حيض و غيره خارج عن مقتضى الطبع».

ثمّ قال: «و على هذا نقول: أنّ مقتضى طبع اللفظ الموضوع أن يستعمل في معناه الموضوع له لأنّ الحكمة في الوضع تمكّن الناس من أداء مراداتهم بتوسّط الألفاظ فاستعماله في غيره إنّما جاء من قبل الأمر الخارج عن مقتضى الطبع ... إلى أن قال: و كيف كان فالمتيقّن من الحجّية هو

295

الظهور المنعقد للكلام خالياً عمّا يصلح لأن يكون صارفاً» (انتهى) (1).

هذا كلّه في حجّية الظواهر إجمالًا.

و أمّا بالنسبة إلى خصوصيّاتها و جزئياتها فوقع النزاع في امور ثلاثة:

1- هل الحجّية هنا مقيّدة بحصول الظنّ الشخصي على الوفاق؟

2- هل هي مقصورة على من قصد إفهامه؟

3- هل تكون ظواهر الكتاب حجّة مستقلًا أو بعد تفسير الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) كما ذهب إليه الأخباريون؟

أمّا الأمر الأوّل: فاختلفوا فيه على أربعة أقوال:

1- قول من يقول بتقييدها بالظنّ بالوفاق.

2- قول من يقول بتقييدها بعدم الظنّ بالخلاف.

3- قول من لا يعتبر الظنّ الشخصي مطلقاً.

4- تفصيل المحقّق النائيني (رحمه الله) بين الألفاظ التي تتردّد بين العبيد و الموالي و في مقام الاحتجاج، و الألفاظ التي لا تصدر في هذا المقام كالمتردّدة بين صديقين مثلًا فاعتبر حصول الظنّ (بل حصول أعلى مراتبه و هو الاطمئنان) بالوفاق في الثاني دون الأوّل.

و استدلّ القائلون بالقول الثالث، أي عدم اعتبار الظنّ الشخصي مطلقاً، بإطلاق بناء العقلاء (الذي كان هو المدرك في أصل حجّية الظواهر) القائم على الأخذ بالظواهر و اتّباعها إلى أن يعلم بالخلاف، و الدليل على هذا الإطلاق هو عدم صحّة الاعتذار عن مخالفتها بعدم إفادتها الظنّ بالوفاق و لا بوجود الظنّ بالخلاف.

أقول: الحقّ صحّة هذا الإطلاق و إنّ استدلالهم به في محلّه و لا بأس به.

و أمّا تفصيل‏ المحقّق النائيني (رحمه الله) و هو عدم اعتبار حصول الظنّ بالوفاق في موارد الاحتجاج و اعتباره في غيره فهو دعوى بلا دليل و إن كان بناء كثير من الناس في غير الموالي و العبيد على الاحتياط في هذه الموارد، لا سيّما إذا كان في الامور المهمّة و الأموال الضخمة.

نعم، يستثنى منه بعض ما ثبتت أهميّته في نظر الشارع المقدّس كباب الحدود و الدّيات من‏

____________

(1) راجع درر الفوائد: ج 2، ص 359- 362، طبع جماعة المدرّسين.

296

باب أنّ الحدود تدرءوا بالشبهات.

نعم، هاهنا تفصيل آخر (و هو المختار) بين ما إذا كان الظنّ الشخصي مخالفاً لقرينة توجب الظنّ على الخلاف، لمن اطّلع عليها غالباً بحيث تكون قابلة للإراءة و الاستناد بها على الخلاف، و ما إذا لم يكن كذلك، فيمكن أن يقال: إنّ العقلاء لا يعتمدون على الكلام في الصورة الاولى و إن كان ظاهراً في المراد عرفاً.

هذا كلّه في الأمر الأوّل.

و أمّا الأمر الثاني: و هو تفصيل المحقّق القمّي (رحمه الله) بين من قصد إفهامه بالكلام و غيره و أنّ ظواهر الكتاب حجّة بالنسبة إلى الأوّل دون الثاني، فتظهر ثمرته في الخطابات الشفاهيّة في القرآن الكريم حيث إنّه بناءً على هذا التفصيل يختصّ هذا القبيل من الخطابات بالمشافهين دون الغائبين و المعدومين لعدم كونهم مقصودين بالإفهام، كما تظهر الثمرة أيضاً في الرّوايات التي كان شخص الراوي لها مقصوداً بالإفهام كما إذا سئل زرارة مثلًا مسألة شخصية خاصّة بنفسه فليست ظواهر هذا القبيل من الرّوايات حجّة بالنسبة إلينا بناءً على التفصيل المذكور بل تنحصر الحجّة منها في الرّوايات التي يكون المخاطب فيها أعمّ من المشافهين كالتي ورد فيها قوله (عليه السلام): «فليبلّغ الشاهد الغائب» و هي من قبيل خطبة النبي (صلى الله عليه و آله) في مسجد الخيف و خطبته في منى.

و على كلّ حال استدلّ الميرزا القمّي (رحمه الله) بما حاصله (على ما ذكر المحقّق الأصفهاني (رحمه الله) لكلامه من التوجيه) أنّ دليل حجّية ظواهر الكتاب إنّما هو عدم تحقّق نقض الغرض (لأنّ عدم حجّية الظاهر مع كون المتكلّم في مقام البيان و مع أنّه لم ينصب قرينة على الخلاف يوجب نقض الغرض) و هو خاصّ بالمقصودين بالإفهام فقط لأنّه يكفي نصب القرائن الحاليّة أو المقاليّة لمن قصد إفهامه فحسب و أمّا اختفائها ممّن لم يقصد إفهامه فلا يوجب نقض غرضه من الكلام، و بعده لا يبقى دليل لحجّية ظاهر كلامه بالنسبة إلى غيرهم‏ (1).

أقول: الإنصاف كما ذهب إليه المحقّقون هو عدم الفرق بين من قصد إفهامه و غيره، و ذلك لعدم انحصار دليل حجّية الظواهر في لزوم نقض الغرض، بل العمدة فيها إنّما هي بناء العقلاء،

____________

(1) نهاية الدراية: ج 2، ص 62، الطبع القديم.

297

و لا فرق عندهم بين الصورتين كما تشهد عليه شواهد كثيرة:

منها: أنّ القضاة لا يزالون يستندون إلى الشرائط التي حصلوا عليها من ناحية شخص أقرّ صديقه بشي‏ء عنده مع أنّه هو المقصود بالإفهام.

و منها: اعتمادهم بسجلّات الأوقاف حتّى في ما إذا كان المخاطب فيها شخص المتولّي أو خصوص إنسان آخر.

و منها: اعتمادهم بالمكالمات التلفونية أو المكاتبات السرّية التي يكون غير المخاطب فيها مقصوداً بالإخفاء فضلًا عن عدم كونه مقصوداً بالإفهام و استدلالهم بها. هذا أوّلًا.

و ثانياً: سلّمنا باختصاص حجّية الظواهر بمن قصد إفهامه إلّا أنّه لا تترتّب عليه ثمرة بالنسبة إلى خطابات القرآن و الرّوايات.

أمّا الاولى: فلأنّ القرآن خاتم الكتب السماويّة و لا إشكال في أنّ المقصود بالإفهام من خطاباتهم جميع الناس إلى الأبد، و لذلك ورد الأمر بالترتيل عند قراءتها و إجابة خطاباتها بقول القاري «لبّيك ربّنا».

و أمّا الثانية: فلأنّها على قسمين: قسم يكون من قبيل تأليف المؤلّفين للكتب التي ليس المقصود بالإفهام فيها شخصاً خاصّاً أو أشخاصاً معينين، و لا إشكال فيها للمحقّق القمّي (رحمه الله) نفسه أيضاً، و قسم آخر لا يكون كذلك إلّا أنّ عدالة الراوي أو وثاقته و أمانته في النقل تقتضي نقل القرائن التي دخيلة في الفهم من الرّواية أيضاً بحيث يعدّ عدم نقله إيّاها من الخيانة في النقل.

فتلخّص أنّ كلامه مضافاً إلى عدم تناسبه مع الدليل المعتبر في حجّية الظواهر لا تترتّب عليه ثمرة في ما بأيدينا من آيات الكتاب و أخبار السنّة.

هذا كلّه في الأمر الثاني.

أمّا الأمر الثالث: و هو حجّية ظواهر كتاب اللَّه مستقلًا فالمعروف و المشهور بين أصحابنا الإماميّة هو الحجّية، و أنكرها جماعة من الأخباريين، و قالوا بعدم حجّيتها قبل ورود تفسير الأئمّة المعصومين، و هذا التفريط الذي يقصر الحجّة في الرّواية انعكاس في الواقع لإفراط من قال: «حسبنا كتاب اللَّه»، و كلّ واحد منهما جائر عن سواء السبيل.

و كيف كان، قبل بيان أدلّة الأخباريين لا بدّ من ذكر الأدلّة التي تدلّ على حجّية ظواهر

298

الكتاب، فنقول: دليلنا على ذلك امور:

الأوّل: أنّها مقتضى القاعدة الأوّليّة لأنّ بناء العقلاء استقرّ على حجّية الظواهر مطلقاً، و منها ظواهر القرآن الكريم، و استثناؤها منها بغير دليل معتبر ممّا لا وجه له.

و إن شئت قلت: المقصود في الآيات تفهيم معانيها للناس من طريق ظواهرها فعدم حجّية ظواهرها يستلزم نقض الغرض كما لا يخفى.

الثاني: آيات من القرآن نفسه: منها قوله تعالى: «قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (1).

و منها: قوله تعالى: «وَ إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُبِينٍ» (2).

إن قلت: إثبات حجّية ظواهر الكتاب بالكتاب يستلزم الدور المحال.

قلنا: أنّه كذلك إذا كان الاستدلال بظواهر الآيات مع أنّه في المقام استدلال بنصوصها التي لا ينكرها الأخباريون أيضاً.

الثالث: (و هو العمدة) دلالة طوائف من الأخبار على حجّيتها:

الطائفة الاولى: حديث الثقلين‏ (3)، فإنّ ظاهره أنّ كلًا من الكتاب و العترة حجّة مستقلًا، و إنّ الكتاب هو الثقل الأكبر، و العترة الطاهرة (عليهم السلام) هو الثقل الأصغر، و إن كان كلّ واحد منهما يؤيّد الآخر و يوافقه، نظير حكم العقل و حكم الشرع في قاعدة الملازمة فليست حجّية حكم العقل مقيّدة بدلالة الشرع و بالعكس، و إن كان يؤيّد أحدهما بالآخر، فكذلك في ما نحن فيه، و إلّا لو كانت حجّية دلالة الكتاب مقيّدة بدلالة الرّوايات لكانت دلالة الرّوايات أيضاً مقيّدة بدلالة الكتاب مع أنّه لم يقل به أحد.

الثانية: ما يدلّ على أنّ القرآن هو الملجأ عند المشاكل و الحوادث، و المرجع عند التباس‏

____________

(1) سورة المائدة: الآية 15 و 16.

(2) سورة الشعراء: الآية 192- 195.

(3) و قد جمع إسناد هذا الحديث القيّم من طرق العامّة و الخاصّة في كتاب جامع أحاديث الشيعة الذي جمع تحت إشراف سيّدنا الاستاذ المحقّق البروجردي (رحمه الله) فراجع: ج 1، الباب 4، من أبواب المقدّمة.

299

الامور، نظير ما نقله الطبرسي (رحمه الله) في مقدّمة تفسيره عن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): «إذا التبس عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فمن جعله أمامه قاده إلى الجنّة و من جعله خلفه ساقه إلى النار».

و غير ذلك ممّا ورد في نهج البلاغة نحو قوله (عليه السلام): «فاستشفوه من أدوائكم فإنّ فيه شفاء من أكبر الداء»، إلى غير ذلك ممّا هو كثير، و كثرتها تغني عن ملاحظة أسنادها.

الثالثة: ما يدلّ على وجوب عرض الرّوايات على كتاب اللَّه، التي جمعها في الوسائل الباب 9 من أبواب صفات القاضي:

منها: ما رواه السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): «إنّ على كلّ حقّ حقيقة و على كلّ صواب نوراً فما وافق كتاب اللَّه فخذوه و ما خالف كتاب اللَّه فدعوه» (1).

فكيف يمكن أن يكون القرآن معياراً لتعيين الحجّة عن اللّاحجّة، و لا يكون بنفسه حجّة.

الرابعة: ما ورد عند تعارض الخبرين الآمرة بأخذ ما وافق كتاب اللَّه‏ (2).

الخامسة: ما يدلّ على أنّه يجب الوفاء بكلّ شرط إلّا ما خالف كتاب اللَّه، و هو ما ورد في ج 12- من الوسائل باب 12- من أبواب الخيار، التي ظاهرها حجّية ظواهر الكتاب لكونها ملاكاً لتشخيص الشروط الحقّة عن الشروط الباطلة» (3).

السادسة: ما ورد في باب صلاة القصر في ذيل آية التقصير عن زرارة و محمّد بن مسلم قالا: قلنا لأبي جعفر (عليه السلام): رجل صلّى في السفر أربعاً أ يعيد أم لا؟ قال: «إن كان قرأت عليه آية التقصير و فسّرت له فصلّى أربعاً أعاد، و إن لم يكن قرأت عليه و لم يعلمها فلا إعادة عليه» (4).

إن قلت: ما المراد من قوله (عليه السلام): «فسّرت»؟ أ ليس هذا مشيراً إلى مقالة الأخباريين؟

قلنا: كلّا، بل المراد- على الظاهر- تفسير قوله تعالى: «لا جناح» بما يقتضي الوجوب.

و أيضاً ما ورد في أبواب حدّ شرب الخمر و أنّ الشارب إذا لم يسمع آية التحريم لكونه‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ح 10 من ذلك الباب، و راجع أيضاً: ح 11 و 12 و 14 و 15.

(2) المصدر السابق: أبواب صفات القاضي، الباب 9، و 19 و 21 و 35.

(3) المصدر السابق: ج 12، الباب 6، من أبواب الخيار.

(4) المصدر السابق: ج 5، باب 17، من أبواب صلاة المسافر، ح 4.

300

حديث العهد بالإسلام يدرأ عنه الحدّ (1).

السابعة: ما ورد في الرّوايات من إرجاع الناس في فهم أحكام اللَّه إلى القرآن، نظير ما ورد في باب الوضوء عن عبد الأعلى مولى آل سام قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): عثرت فانقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارة فكيف أصنع بالوضوء؟ قال: «يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللَّه عزّ و جلّ، قال اللَّه تعالى: «مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ»، امسح عليه» (2).

الثامنة: ما يدلّ على لزوم إرجاع المتشابهات من الأخبار و القرآن إلى محكماتها، نظير ما رواه أبو حيون مولى الرضا عن الرضا (عليه السلام) قال: «من ردّ متشابه القرآن إلى محكمه فقد هدي إلى صراط مستقيم، ثمّ قال (عليه السلام): إنّ في أخبارنا محكماً كمحكم القرآن و متشابهاً كمتشابه القرآن، فردّوا متشابهها إلى محكمها و لا تتّبعوا متشابهها دون محكمها فتضلّوا» (3).

إن قلت: لعلّ المراد من المحكم هو خصوص النصوص من الكتاب و الرّوايات.

قلنا: إنّ المحكم ما يقابل المتشابه، و المتشابه بمعنى المبهم و المجمل فكلّ ما لا يكون مبهماً محكم، فيعمّ المحكم النصّ و الظاهر معاً لأنّ الظاهر أيضاً لا يعدّ عند العرف و العقلاء من المبهم، و يشهد لذلك ذيل الخبر لأنّه يدلّ على أنّ الأخبار أيضاً تنقسم إلى المحكم و المتشابه، و لم يقل أحد حتّى من الأخباريين بأنّ ظواهر الأخبار داخلة في المتشابه.

التاسعة: ما يعبّر من الرّوايات بقوله (عليه السلام): «أما سمعت قول اللَّه ...» (4).

فإن ظاهرها أيضاً أنّ ظاهر الكتاب حجّة كما لا يخفى.

العاشرة: ما دلّ على «أنّ اللَّه لا يخاطب الخلق بما لا يعلمون» (5)، فإنّه ظاهر في أنّ خلق اللَّه تعالى يدركون ما أنزله و يكون ظاهره حجّة عليهم.

هذه هي الطوائف العشرة يدلّ كلّ واحدة منها على المقصود مستقلًا، و لو سلّمنا عدم دلالته كذلك فلا أقلّ من أنّ في المجموع بما هو المجموع غنىً و كفاية.

____________

(1) وسائل الشيعة: ح 1، ج 18، أبواب حدّ المسكر، باب 10.

(2) المصدر السابق: ح 5، ج 1، باب 39، من أبواب الوضوء.

(3) المصدر السابق: ح 22، ج 18، باب 9، من أبواب صفات القاضي.

(4) المصدر السابق: ح 82، الباب 13، من أبواب صفات القاضي.

(5) المصدر السابق: ح 81.

301

ثمّ‏ إنّه اعتذر بعض الأخباريين عن بعض ما ذكرنا بما فيه تكلّف ظاهر، مثل ما ذكره صاحب الوسائل في ذيل الطائفة العاشرة من أنّ المراد من الخلق فيها هم الأئمّة (عليهم السلام) أو جميع المكلّفين (باعتبار دخول الأئمّة (عليهم السلام) فيهم و أنّه إذا علم بعضهم معنى القرآن فهو كافٍ في صدق قوله (عليه السلام) «لا يخاطب الخلق بما لا يعلمون») (1).

و لكن لا يخفى ما فيه من ارتكاب خلاف الظاهر و التعسّف و التكلّف، كما أنّ توجيهه روايات العرض على القرآن بأنّ المراد منها العمل بالكتاب و السنّة معاً- أيضاً واضح البطلان لأنّ ظاهرها أنّ تمام المعيار في معرفة الحقّ و الباطل في الرّوايات هو الكتاب الكريم لا أنّ الخمسين في المائة مثلًا منه للقرآن، و الخمسين في المائة الاخر للروايات، بل ظاهر هذه الطائفة أنّ للقرآن ما هو أعظم و أهمّ من الحجّية و هو أنّه نور في نفسه و منوّر لغيره.

و أجاب عن روايات الطائفة التاسعة بأنّ «وجهها أنّ من سمع آية ظاهرها دالّ على حكم نظري لم يجز له الجزم بخلافها، لاحتمال إرادة ظاهرها، فالإنكار هناك لأجل هذا، و إن كان لا يجوز الجزم بإرادة الظاهر أيضاً، لاحتمال النسخ و التخصيص و التأويل و غير ذلك».

و هذا الكلام أيضاً مخالف لظاهر ما مرّ من الرّواية كما لا يخفى على الناظر فيها.

و أمّا الوجوه‏ التي استدلّوا بها على عدم حجّية ظواهر الكتاب فهي ستّة بعضها ينفي كبرى الحجّية بعد قبول صغرى الظهور، و بعضها الآخر ينفي الصغرى أعني ظهور الآيات في معانيها.

أمّا الوجه الأوّل: (و لعلّه العمدة) فهي الرّوايات الناهية عن التفسير بالرأي بتقريب أنّ العمل بالظواهر من مصاديق التفسير بالرأي.

منها: ما رواه الريّان بن الصلت عن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال اللَّه عزّ و جلّ: «ما آمن بي من فسّر برأيه كلامي» (2).

و منها: ما رواه عبد الرحمان بن سمرة قال: قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): «لعن اللَّه المجادلين في دين اللَّه على لسان سبعين نبيّاً، و من جادل في آيات اللَّه كفر، قال اللَّه: «مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلّا الَّذِينَ كَفَرُوا»، و من فسّر القرآن برأيه فقد افترى على اللَّه الكذب ...» (3).

____________

(1) وسائل الشيعة: ذيل ح 81، الباب 13، من أبواب صفات القاضي.

(2) المصدر السابق: ح 28.

(3) المصدر السابق: ح 37.

302

و منها: ما رواه أبو بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «من فسّر القرآن برأيه إن أصاب لم يؤجر، و إن أخطأ خرّ أبعد من السماء» (1).

و غير ذلك من بعض روايات الباب الثالث عشر من أبواب صفات القاضي‏ (2).

و الجواب عن هذا الوجه مبني على بيان معنى التفسير و الرأي الواردين في هذه الرّوايات و أنّهما هل يشملان العمل بالظواهر أو لا؟

أمّا كلمة التفسير ففي القاموس: «الفسر و التفسير الإبانة و كشف المغطّى، و التفسير هو نظر الطبيب إلى الماء فإنّ الطبيب بنظره إلى الماء و هو البول يكشف عن نوع المرض».

و في مفردات الراغب «الفسر إظهار المعنى المعقول، و التفسير قد يقال في ما يختصّ بمفردات الألفاظ و غريبها و ما يختصّ بالتأويل و لذا يقال تفسير الرؤيا و تأويلها».

و في لسان العرب: «الفسر كشف المغطّى و التفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل، قيل التفسرة (على وزن التذكرة) البول الذي يستدلّ به على المرض».

فبناءً على هذا المعنى ينحصر تفسير القرآن ببطونه و بمتشابهاته، و لا يشمل الأخذ بظواهر الآيات نظير قوله تعالى: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» و قوله تعالى: «الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ» كما لا يخفى.

و أمّا معنى الرأي‏ فالظاهر منه هو الآراء الباطلة التي لا أساس لها.

ففي مفردات الراغب: «الرأي اعتقاد النفس أحد النقيضين عن غلبة الظنّ» و ليس المراد من الظّن إلّا الآراء و الظنون الباطلة كما يشهد به الرّوايات:

منها: ما روي عن الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) في تفسيره بعد كلام طويل في فضل القرآن قال: «أ تدرون من المتمسّك به الذي له بتمسّكه هذا الشرف العظيم؟ هو الذي أخذ القرآن و تأويله عنّا أهل البيت عن وسائطنا السفراء عنّا إلى شيعتنا لا عن آراء المجادلين و قياس الفاسقين» (3).

و منها: ما رواه عمّار بن موسى عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئل عن الحكومة فقال: «من‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ح 66، الباب 13، من أبواب صفات القاضي.

(2) و هي: ح 64 و 43.

(3) المصدر السابق: ح 63، من الباب 3، من أبواب صفات القاضي.

303

حكم برأيه بين اثنين فقد كفر، و من فسّر آية من كتاب اللَّه فقد كفر» (1).

فالمراد من الرأي على ضوء مثل هاتين الروايتين هو قول العامّة: بأنّ هذا ممّا لا نصّ فيه فليتمسّك بذيل القياس أو الاستحسان.

الوجه الثاني: الرّوايات الناهية عن العمل بالمتشابهات بتقريب أنّ الظواهر من المتشابهات لأنّ المحكمات منحصرة في النصوص.

منها: ذيل ما رواه علي بن الحسين المرتضى في رسالة المحكم و المتشابه نقلًا عن التفسير النعماني عن إسماعيل بن جابر عن الصادق (عليه السلام): «و إنّما هلك الناس في المتشابه لأنّه لم يقفوا على معناه و لم يعرفوا حقيقته فوضعوا له تأويلًا من عند أنفسهم بآرائهم و استغنوا بذلك عن مسألة الأوصياء و نبذوا قول رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) وراء ظهورهم» (2).

و منها: ما رواه أبو بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: «نحن الراسخون في العلم و نحن نعلم تأويله» (3).

و منها: ما رواه عبد الرحمان بن كثير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الراسخون في العلم أمير المؤمنين (عليه السلام) و الأئمّة من ولده» (4).

و الجواب عن هذا الوجه واضح لأنّ المتشابه (كما مرّت الإشارة إليه في ذيل الطائفة الثامنة من الرّوايات الدالّة على حجّية ظواهر الكتاب) هو ما يتشابه بعضه بعضاً، أي ما يشابه فيه أحد احتمالين احتمالًا آخر و بالعكس، و لذلك يوجب الحيرة للإنسان فيصير مجملًا و مبهماً، و إلّا ما لم يكن فيه تشابه بين الاحتمالين بل كان أحدهما ظاهراً و الآخر مخالفاً للظاهر فلا يكون متشابهاً حتّى يكون داخلًا في هذه الرّوايات.

و الشاهد على ذلك ما مرّ من ذيل رواية إسماعيل بن جابر: «لأنّهم لم يقفوا على معناه و لم يعرفوا حقيقته فوضعوا له تأويلًا من أنفسهم بآرائهم» و هو يعني أنّ المتشابه ما لا يفهم الإنسان معناه، و لذلك يرى نفسه مضطراً إلى أن يؤوّله من عند نفسه، و هذا لا يكون صادقاً في‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ح 67، الباب 3 من ابواب صفات القاضي.

(2) المصدر السابق: ح 62، الباب 13، من أبواب صفات القاضي.

(3) المصدر السابق: ح 53.

(4) المصدر السابق: ح 7.

304

العمل بالظواهر و المطلقات و العمومات لأنّ المعنى فيها مفهوم واضح.

هذا مضافاً إلى ما ورد في ذيل آية المحكم و المتشابه و هو قوله تعالى: «فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ» حيث لا يخفى أنّ العمل بالظواهر لا يكون فيه ابتغاء الفتنة، بل الفتنة تنشأ من ناحية اتّباع الذين في قلوبهم المرض أحد الاحتمالين، و هو يصدق في ما ليس له ظهور أو ما يخالف الظهور.

الوجه الثالث: روايات تدلّ على أنّ للقرآن مفاهيم عالية لا تصل إليها الأيدي العادية و الأفهام القاصرة للناس، و لذلك لا ظهور لها بالنسبة إليهم.

منها: ما رواه عبد العزيز العبدي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول اللَّه عزّ و جلّ: «بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ» قال: «هم الأئمّة (عليهم السلام)» (1).

و منها: ما رواه أبو بصير قال: قرأ أبو جعفر (عليه السلام) هذه الآية: «بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ» ثمّ قال: «أما و اللَّه يا أبا محمّد ما قال ما بين دفّتي المصحف» قلت:

من هم جعلت فداك؟ قال: «من عسى أن يكونوا غيرنا» (2).

و منها: ما رواه أبو بصير أيضاً قال سمعت أبا جعفر يقول في هذه الآية: « «بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ» فأوى بيده إلى صدره» (3).

و منها: ما رواه سدير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «علم الكتاب كلّه و اللَّه عندنا علم الكتاب كلّه و اللَّه عندنا» (4).

و منها: ما رواه الطبرسي في التفسير الصغير عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: «وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ» قال: «إيّانا عنى و علي أوّلنا» (5).

و الجواب‏ عن هذا الوجه أنّ المقصود من هذه الرّوايات أنّ للقرآن بطوناً في مقابل الظواهر، و المختصّ بالأئمّة هي تلك البطون خاصّة لا الظواهر، و لنا على هذا شواهد من نفس الرّوايات:

____________

(1) وسائل الشيعة: ح 10، الباب 13، من ابواب صفات القاضي.

(2) المصدر السابق: ح 11.

(3) المصدر السابق: ح 9.

(4) المصدر السابق: ح 16.

(5) المصدر السابق: ح 58.

305

منها: ما رواه جابر قال قال أبو عبد الله (عليه السلام): «يا جابر أنّ للقرآن بطناً و للبطن ظهراً و ليس شي‏ء أبعد من عقول الرجال منه، أنّ الآية لينزل أوّلها في شي‏ء و آخرها في شي‏ء و هو كلام متصرّف على وجوه» (1).

فإنّ الضمير في قوله «منه» يرجع إلى القرآن فيكون المقصود أنّ القرآن بجميع شئونه من الظاهر و الباطن لا يفهمه غير الأئمّة، و لا أقلّ من أنّ هذا طريق الجمع بينها و بين ما دلّ على إرجاع آحاد الناس إلى الكتاب العزيز، و قد عرفت أنّها متواترة.

و منها: ما رواه فضيل بن يسار قال: سألت أبا جعفر عن هذه الرّواية: ما من القرآن آية إلّا و لها ظهر و بطن، قال: «ظهره و بطنه تأويله، و منه ما قد مضى و منه ما لم يكن، يجري كما تجري الشمس و القمر كلّما جاء تأويل شي‏ء يكون على الأموات كما يكون على الأحياء، قال اللَّه:

«وَ مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ»» (2). و معنى قوله «ظهره و بطنه تأويله» أنّ ظهره واضح و أمّا بطنه فهو تأويله.

و منها: ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «تفسير القرآن على سبعة أوجه، منه ما كان و منه ما لم يكن بعد، تعرفه الأئمّة (عليهم السلام)» (3)، و ظاهر الرّواية أنّ التفسير (و هو الكشف عن المغطّى) عندهم (عليهم السلام).

و منها: ما روي عن الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى: «وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ» قال: «هم الأئمّة المعصومون (عليهم السلام)» (4).

فإنّ آية «و لو ردّوه إلى الرسول ... الخ» نزلت في ما لا يكون له ظهور، و لذلك وقع الاختلاف فيه فتدلّ هذه الرّواية على أنّ هذا السنخ من الآيات علمها عند الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) فقط.

و منها: ما رواه إسماعيل بن جابر عن الصادق (عليه السلام) قال: «إنّ اللَّه بعث محمّداً فختم به الأنبياء فلا نبي بعده، و أنزل عليه كتاباً فختم به الكتب فلا كتاب بعده- إلى أن قال-: فجعله النبي (صلى الله عليه و آله)

____________

(1) وسائل الشيعة: ح 74، الباب 13، من ابواب صفات القاضى.

(2) المصدر السابق: ح 49.

(3) المصدر السابق: ح 51.

(4) المصدر السابق: ح 61.

306

علماً باقياً في أوصيائه فتركهم الناس و هم الشهداء على أهل كلّ زمان حتّى عاندوا من أظهر ولاية ولاة الأمر و طلب علومهم، و ذلك أنّهم ضربوا القرآن بعضه ببعض ... و لهذه العلّة و أشباهها لا يبلغ أحد كنه معنى حقيقة تفسير كتاب اللَّه تعالى و لا نبيّه و أوصياؤه» (1) و دلالتها أيضا على المطلوب ظاهرة.

الوجه الرابع: روايات تدلّ على أنّ مخاطب القرآن إنّما هو الرسول (صلى الله عليه و آله) و الأئمّة الهادين، و هذه صغرى إذا انضمّت إلى كبرى اختصاص حجّية الظواهر بمن خوطب به يستنتج منها أنّ ظواهر الكتاب ليست حجّة لغير الأئمّة (عليهم السلام):

منها: ما رواه زيد الشحّام قال: دخل قتادة بن دعامة على أبي جعفر (عليه السلام) فقال: «يا قتادة أنت فقيه أهل البصرة؟» فقال: هكذا يزعمون فقال أبو جعفر (عليه السلام): «بلغني أنّك تفسّر القرآن- إلى أن قال أبو جعفر (عليه السلام)- ويحك يا قتادة إن كنت إنّما فسّرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت و أهلكت، و إن كنت قد فسّرته من الرجال فقد هلكت و أهلكت، ويحك يا قتادة إنّما يعرف القرآن من خوطب به» (2).

و فيه إشكال صغرى و كبرى: أمّا الصغرى‏ فلأنّ اختصاص مخاطبي القرآن بالرسول (صلى الله عليه و آله) و الأئمّة (عليهم السلام) كلام غير معقول، لما ورد من أنّ النبي (صلى الله عليه و آله) كان يحتجّ مع المشركين بهذه الآيات، و كان المشركون و الكافرون يخاطبون بها بمثل قوله تعالى: «يا أهل الكتاب» و «يا أيها الكافرون» و «يا أيّها الناس» و لا يكاد ينتظرون تفسير النبي (صلى الله عليه و آله) الذي لم يؤمنوا به.

و أمّا رواية قتادة فهي تفسّر بما رواه شبيب بن أنس عن بعض أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث أنّ أبا عبد الله قال لأبي حنيفة: «أنت فقيه العراق؟» قال: نعم قال «فبم تفتيهم؟» قال:

بكتاب اللَّه و سنّة نبيّه (صلى الله عليه و آله) قال: «يا أبا حنيفة: تعرف كتاب اللَّه حقّ معرفته؟ و تعرف الناسخ و المنسوخ؟» قال: نعم، قال: «يا أبا حنيفة لقد ادّعيت علماً ويلك ما جعل اللَّه ذلك إلّا عند أهل الكتاب الذي انزل عليهم، ويلك و لا هو إلّا عند الخاصّ من ذرّية نبيّنا محمّد (صلى الله عليه و آله)، و ما ورّثك اللَّه من كتابه حرفاً» (3).

____________

(1) وسائل الشيعة، ح 62، الباب 13، من ابواب صفات القاضي.

(2) المصدر السابق: ح 25.

(3) المصدر السابق: الباب 6، من أبواب صفات القاضي، ح 27.