أنوار الأصول‏ - ج2

- الشيخ أحمد القدسي المزيد...
496 /
307

و هي تدلّ على أنّ خصوصيّات الناسخ و المنسوخ و شبهها عند الأئمّة (عليهم السلام) فقط، و هذا ردّ على الذين استغنوا بآرائهم عن مسألتهم، و لا يشمل من يعمل بظواهر الكتاب و يأخذ المشكلات من أهله، و لا أقلّ من أنّ هذا طريق الجمع بينها و بين ما دلّ على ارجاع الناس عموماً إلى القرآن الكريم.

فالمراد من قوله في رواية قتادة: «إنّما يعرف القرآن من خوطب به» هو معرفة تفسير البطون و الأسرار و المتشابهات، كما يشهد عليه صدرها: «بلغني أنّك تفسّر القرآن» و قد عرفت أنّ التفسير عبارة عن كشف المغطّى، و كما يشهد عليه أيضاً ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في احتجاجه على زنديق سأله عن آيات متشابهة من القرآن فأجابه- إلى أن قال-: «ثمّ إنّ اللَّه قسّم كلامه ثلاثة أقسام فجعل قسماً منه يعرفه العالم و الجاهل، و قسماً لا يعرفه إلّا من صفا ذهنه و لطف حسّه و صحّ تمييزه ممّن شرح اللَّه صدره للإسلام، و قسماً لا يعلمه إلّا اللَّه و ملائكته و الراسخون في العلم، و إنّما فعل ذلك لئلّا يدّعي أهل الباطل المستولين على ميراث رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) من علم الكتاب ما لم يجعله اللَّه لهم، و ليقودهم الاضطرار إلى الايتمام بمن ولّي أمرهم فاستكبروا عن طاعته» (1).

هذا كلّه في الصغرى.

و أمّا الكبرى‏ فلما مرّ في جواب كلام المحقّق القمّي (رحمه الله) من عدم اختصاص حجّية الظواهر بالمقصودين بالإفهام و أنّ بناء العقلاء استقرّ على الأعمّ منهم.

الوجه الخامس: أنّ ظاهر الكتاب و إن لم يكن ذاتاً مندرجاً في المتشابه لكنّه مندرج فيه بالعرض، فسقط عن الظهور، و ذلك لأجل العلم الإجمالي بطروّ التخصيص و التقييد و التجوّز في الكتاب.

و اجيب عن هذا الوجه بجوابين: أحدهما: بالنقض، و الآخر بالحلّ، أمّا الأوّل‏ فبالنقض بالإخبار فلا بدّ من القول بعدم حجّية ظواهرها أيضاً.

و أمّا الثاني‏ فبأنّ سببية العلم الإجمالي (بإرادة خلاف الظاهر في جملة من الآيات) للإجمال مشروطة بعدم انحلاله بالظفر في الرّوايات بالمخصّصات و غيرها من موارد إرادة خلاف‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ح 44، الباب 13، من أبواب صفات القاضي.

308

الظاهر بمقدار المعلوم بالإجمال، و مع الانحلال لا إجمال.

و إن شئت قلت: إنّ دائرة المعلوم بالإجمال ليست مطلق الأمارات حتّى يقال ببقاء احتمال التخصيص و نحوه حتّى بعد الظفر بمخصّصات و نحوها فيما بأيدينا من الرّوايات و غيرها، بل خصوص ما لو تفحّصنا عنه لظفرنا به، و هذا العلم الإجمالي يمنع عن التمسّك بالظواهر قبل الفحص لا بعده، فبعد الفحص إذا لم يظفر بما يخالف ظاهر الكتاب من تخصيص أو تقييد أو قرينة مجاز يكون ذلك الظاهر ممّا علم خروجه تفصيلًا عن أطراف الشبهة، فلا مانع حينئذٍ من إجراء أصالة الظهور فيه.

الوجه السادس: ما يبتني على مزعمة تحريف القرآن، و هو أن يقال: إنّا نعلم إجمالًا بوقوع التحريف في الكتاب، و كلّ ما وقع فيه التحريف يسقط ظهوره عن الحجّية، فظواهر كلام اللَّه تسقط عن الحجّية.

و هو باطل صغرى و كبرى، و نقدّم البحث عن الكبرى لاختصاره، فنقول: سلّمنا وقوع صغرى التحريف في الكتاب لكنّه لا يوجب المنع عن حجّية ظواهر القرآن الكريم، و ذلك لُامور:

الأوّل: أنّ التحريف على فرض وقوعه لا يوجب التغيير في المعنى دائماً كالتحريف بإسقاط آية أو سورة لا ارتباط لها بما قبلها و ما بعدها.

الثاني: أنّ محلّ الكلام هو آيات الأحكام، و دواعي التحريف فيها ضعيفة، و إنّما الدواعي في ما له ربط بسياسياتهم أعني مسألة الولاية و الحكومة، فتأمّل.

الثالث: أنّه لو فرضنا وجود العلم الإجمالي بالتحريف في مجموع الآيات من الأحكام و غيرها لكنّه غير ضائر بحجّيتها لكونه من موارد الشبهة غير المحصورة أي من قبيل العلم الإجمالي بالقليل في الكثير و هو لا يوجب الاحتياط على ما قرّر في محلّه.

الرابع: سلّمنا كون الشبهة محصورة، و أنّ العلم الإجمالي في المقام من قبيل العلم بالكثير في الكثير إلّا أنّه لا يوجب أيضاً عدم حجّية الظواهر لأنّه من موارد عدم ترتّب أثر شرعي على بعض أطراف العلم الإجمالي لو كان المعلوم بالإجمال محقّقاً فيه، فإنّ الخلل المعلوم بالإجمال إن كان في ظواهر غير آيات الأحكام من القصص و الحكايات و الاعتقادات و الأخلاقيات لم يؤثّر شيئاً لعدم تكليف شرعي عملي فيها و ليست هي أحكاماً تعبّديّة بل إنّها إرشادات إلى عدّة من الأحكام العقليّة، و إن كان في ظواهر آيات الأحكام فهو شكّ بدوي فتكون أصالة

309

الظهور في الأحكام باقية على حجّيتها.

و قد اجيب عن هذا الوجه في كلمات بعض الأعاظم بأنّ جميع آيات القرآن داخلة في محلّ الابتلاء في العمل بناءً على ما هو المشهور من لزوم قراءة سورة كاملة في الركعتين الأوّليين من كلّ صلاة، و لو وقع التحريف في سورة لا يصحّ قراءتها في الصّلاة لعدم كونها كاملة سواء كان المحتوى فيها من الأحكام أم غيرها، و إذن يصير كلّ سورة من سور القرآن محلًا للابتلاء في العمل فيؤثّر العلم الإجمالي أثره من عدم الحجّية.

كما يمكن إثبات دخول جميع القرآن في موضع الابتلاء من طرق اخرى أيضاً كاعتبار الطهارة في مسّها سواء كانت من الأحكام أم غيرها.

أقول: الإنصاف هو عدم الاعتماد بشي‏ء من هذه الوجوه، و ذلك لأنّ أصالة حجّية الظواهر ليست من الاصول التعبّديّة بل هي كأصالة الحقيقة من الاصول العقلائيّة الطريقيّة التي استقرّ عليها بناء العقلاء من باب أنّها طريق لكشف الواقع لا من باب مجرّد التعبّد، و حينئذٍ لا بدّ من ملاحظة بناء العقلاء في المقام و أنّه هل هو ثابت على حجّية ظواهر كتاب حتّى بعد وقوع التحريف فيها أو لا؟ الإنصاف أنّ بناءهم لم يستقرّ عليها في هذه الصورة من دون فرق بين كونها داخلة في محلّ الابتلاء و عدمه، و من دون فرق بين أن يترتّب عليها أثر شرعي أو لا يترتّب.

و الحقّ‏ في الجواب أن نقول: أنّ الطوائف العشرة الدالّة على لزوم الأخذ بظواهر كتاب اللَّه التي مرّت سابقاً لا تدعونا إلّا إلى العمل بهذا القرآن الموجود في أيدي المسلمين، و تلاوة آيات هذا القرآن الذي وصل إلينا من عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) و الصادقين (عليهما السلام) سواء قلنا بتحريفه بعد رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) في مدّة قصيرة قبل جمعه في عهد عثمان أو لم نقل به كما هو الحقّ، و سيأتي تفصيله إن شاء اللَّه، لأنّه لا يقول أحد بوقوع التحريف بعد جمع عثمان إلى زماننا هذا.

و بالجملة لو فرضنا وقوع التحريف فيه و عدم بناء العقلاء على حجّية كتاب محرّف فلا كلام و لا إشكال في حجّية القرآن الموجود بأيدينا شرعاً و إنّا مأمورين بالعمل به بمقتضى تلك الرّوايات الكثيرة.

هذا كلّه في كبرى الوجه السادس من الوجوه التي استدلّ بها لعدم حجّية ظواهر القرآن الكريم، أمّا الصغرى (و هي صغرى وقوع التحريف) فلا بدّ من البحث فيه بحثاً لا يكون فيه اقتصار مخلّ و لا تطويل مملّ فنقول و من اللَّه التوفيق و الهداية:

310

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

311

الكلام في عدم تحريف الكتاب العزيز

و لا بدّ فيه من رسم مقدّمات:

المقدمة الاولى: في أشكال التحريف‏

إنّ التحريف على قسمين: لفظي و معنوي، فاللفظي ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: التحريف بالزيادة، و الثاني: التحريف بالنقصان، و الثالث: التحريف بالتبديل و التغيير.

و المعنوي ينقسم أيضاً إلى قسمين: فتارةً يكون بتغيير المعنى كما إذا قيل: إنّ الوليّ في قوله تعالى: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ و المؤمنون ...» بمعنى الصديق و الحبيب لا بمعنى المولى الحاكم و الولي في التصرّف، و اخرى‏ بتطبيقه على غير مورده نظير ما يحكى عن معاوية في قصّة سمرة بن جندب في قوله تعالى: «وَ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رءوفٌ بِالْعِبَادِ» فطلب منه أن يعلن أنّ هذه الآية نزلت في عبد الرحمان بن ملجم أشقى الآخرين و قاتل علي (عليه السلام) بالسيف و إنّ قوله تعالى: «وَ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ» نزل- العياذ باللَّه- في علي (عليه السلام) و قد فعله سمرة بعد أن أخذ منه مائة الف من الدراهم من بيت مال المسلمين‏ (1).

و التحريف اللفظي بالزيادة أيضاً على أقسام: التحريف بزيادة حرف، و التحريف بزيادة كلمة، أو زيادة جملة، أو آية أو سورة، و هكذا التحريف بالنقيصة، كما أنّ التحريف بالتغيير على أنواع: التحريف بتغيير حركة (اعراب) و التحريف بتغيير حرف أو حروف (كما يحكى في قصّة أهل انطاكية في عهد أحد الخلفاء حيث قدموا إليه و طلبوا منه أن يبدّل قوله تعالى في سورة الكهف: «فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا» بقولهم «فأتوا أن يضيّفوهما» حتّى يرتفع النقص‏

____________

(1) راجع القواعد الفقهيّة، قاعدة لا ضرر.

312

و الازراء عن أهل بلدهم) و التحريف بتقديم كلمة أو آية أو تأخيرهما.

هذه هي الأقسام الخمسة الأصلية من التحريف.

و لا إشكال في وقوع التحريف المعنوي بكلا قسميه في مرّ التاريخ بأيدي الأعداء و الطواغيت، و في يومنا هذا ببعض الطوائف الضالّين المضلّين المنحرفين.

أمّا التحريف اللفظي فالتحريف بالزيادة مجمع على بطلانه و لم يقل به أحد، و الظاهر أنّ سببه كون القرآن في حدّ من النظم و الاعجاز بحيث لو اضيف إليه شي‏ء يعرف عادةً، و أمّا التحريف بالتغيير فهو ممنوع أيضاً بالنسبة إلى التغيير بالحركة و الاعراب إن قلنا بتواتر القراءات السبعة و أنّ جميعها نزل بها الروح الأمين و أنّ سلسلة إسنادها تصل إلى النبي (صلى الله عليه و آله)، و أمّا إن قلنا بأنّ القرآن نزل على قراءة واحدة فلا يمكن نفس هذا النوع لأنّه كان على قراءة واحدة في السابق و صار الآن على قراءات سبعة، و منشأ هذا أنّه كان يكتب بلا إعراب ثمّ اعربت ألفاظها في الأزمنة اللاحقة فوقع فيه هذا الاختلاف قهراً.

بقى التحريف بالنقصان أو بتغيير كلمة أو حرف، و هو المشهور في محلّ النزاع و محوراً للبحث في الكلمات فقد يقال بوقوعه في القرآن إمّا بنقصان كلمة ككلمة «يا أيّها الرسول» أو بنقصان آية أو سورة أو سورتين، أو نقصان ثلث الكتاب أو أكثر من ذلك بما يأتي فيه من الأقوال و الاستدلالات.

المقدمة الثانية: في الأقوال في المسألة

المشهور و المعروف بين الفريقين عدم وقوع التحريف مطلقاً في القرآن، و منهم قالوا بوقوعه، و لذلك نقول في جواب من نسب التحريف من أهل العامّة إلى الشيعة: إن كان المراد الشاذّ منهم فلا فرق بين الشيعة و السنّة لأنّ شاذّاً من السنّة أيضاً قالوا بالتحريف، و إن كان المقصود جمهور المحقّقين من الشيعة فهو كذب و مخالف لتصريحات أكابر علمائهم من المتأخّرين و القدماء كالشيخ الصدوق و المفيد و السيّد المرتضى و الشيخ الطوسي و الطبرسي (قدّس اللَّه أرواحهم).

فقال الشيخ المفيد (رحمه الله) رئيس المذهب في أوائل المقالات: «أنّه قال جماعة من أهل الإمامة أنّ القرآن لم ينقص من كلمة و لا من آية و لا من سورة، و لكن حذف ما كان مثبتاً في مصحف‏

313

أمير المؤمنين (عليه السلام) من تأويله و تفسير معانيه على حقيقة تنزيله من مقال من ادّعى نقصان الكلمة من نفس القرآن دون تأويله» (1).

و قال الصدوق (رحمه الله) في اعتقاداته: «اعتقادنا أنّ القرآن الذي أنزل اللَّه على نبيّه هو ما بين الدفّتين و ليس بأكثر من ذلك و من نسب إلينا بأنّا نقول أنّه أكثر من ذلك فهو كاذب» (2).

و قال السيّد المرتضى (رحمه الله): «أنّه لم ينقص من القرآن، و أنّ من خالف في ذلك من الإماميّة و الحشوية (الأخباريين من أهل العامّة) لا يعتدّ بخلافهم فإنّ الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخباراً ضعيفة ظنّوا صحّتها» (3).

و قال الشيخ الطوسي (رحمه الله) في التبيان: «و أمّا الكلام في زيادته و نقصانه فمما لا يليق به أيضاً لأنّ الزيادة فيه مجمع على بطلانها، و النقصان منه فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، و هو الأليق بالصحيح من مذهبنا» (4).

و قال الطبرسي (رحمه الله) في مجمع البيان: «و من ذلك الكلام في زيادة القرآن و نقصانه فإنّه لا يليق بالتفسير، فأمّا الزيادة فيه فمجمع على بطلانها، و أمّا النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا و قوم من حشوية العامّة أنّ في القرآن تغييراً و نقصاناً، و الصحيح من مذهب أصحابنا خلافه و هو الذي نصره المرتضى (قدّس اللَّه روحه) و استوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء في جواب المسائل الطرابلسيات، و ذكر في مواضع أنّ العلم بصحّة نقل القرآن كالعلم بالبلدان و الحوادث الكبار و الوقائع العظام و الكتب المشهورة و أشعار العرب المسطورة، فإنّ العناية اشتدّت و الدواعي توفّرت على نقله و حراسته و بلغت إلى حدّ لم يبلغه فيما ذكرناه لأنّ القرآن معجزة النبوّة و مأخذ العلوم الشرعيّة و الأحكام الدينيّة، و علماء المسلمين قد بلغوا في حفظه و حمايته الغاية حتّى عرفوا كلّ شي‏ء اختلف فيه من اعرابه و قراءته و حروفه و آياته فكيف يجوز أن يكون مغيّراً أو منقوصاً مع العناية الصادقة و الضبط الشديد» (5).

____________

(1) أوائل المقالات: ص 30، الطبع الاولى لجامعة طهران.

(2) اعتقادات الصدوق (رحمه الله).

(3) راجع مقدّمة تفسير آلاء الرحمن: للشيخ الجواد البلاغي.

(4) التبيان: ج 1، ص 3.

(5) مجمع البيان: ج 1، ص 15.

314

و قال كاشف الغطاء (رحمه الله) في كشف الغطاء: «لا ريب أنّه (أي القرآن) محفوظ في النقصان بحفظ الملك الديّان كما دلّ عليه صريح القرآن و إجماع العلماء في كلّ زمان و لا عبرة بنادر، و ما ورد من أخبار النقص تمنع البديهة من العمل بظواهرها فلا بدّ من تأويلها» (1).

و قال الرافعي في إعجاز القرآن: «ذهب جماعة من أهل الكلام ممّن لا صناعة لهم إلّا الظنّ و التأويل و استخراج الأساليب الجدليّة من كلّ حكم و كلّ قول إلى جواز أن يكون قد سقط من القرآن شي‏ء حملًا على ما وصفوا من كيفية جمعه» (2).

هذا- و قد عرفت أنّه لا اعتبار بقول الشاذّ من أصحابنا و من أهل السنّة بعد شهادة هؤلاء الأكابر بنفي التحريف مطلقاً، كما أنّك قد عرفت أنّ قول الشاذّ لا ينحصر بالشيعة بل في بعض الكتب المعروفة من السنّة ما يبدو منه أنّ هذا القول الشاذّ نشأ من قبلهم، فقد ورد في صحيح البخاري: روى ابن عبّاس: أنّ عمر قال فيما قال و هو على المنبر: «أنّ اللَّه بعث محمّداً (صلى الله عليه و آله) بالحقّ و أنزل عليه الكتاب فكان ممّا أنزل اللَّه آية الرجم فقرأناها و عقلناها و وعيناها فلذا رجم رسول اللَّه و رجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: و اللَّه ما نجد آية الرجم في كتاب اللَّه فيضلّوا بترك فريضة أنزلها اللَّه، و الرجم في كتاب اللَّه حقّ على من زنى إذا أحصن من الرجال ... ثمّ إنّا كنّا نقرأ فيما نقرأ من كتاب اللَّه: أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفرٌ بكم أن ترغبوا عن آبائكم أو: أنّ كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم ...» (3).

و آية الرجم التي ادّعى عمر أنّها من القرآن و لم يقبل منه أبو بكر لعدم دليل عليه: «إذا زنى الشيخ و الشيخة فارجموهما البتة نكالًا من اللَّه و اللَّه عزيز حكيم».

و روى عروة بن الزبير عن عائشة قالت: «كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن النبي (صلى الله عليه و آله) مأتي آية، فلمّا كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلّا ما هو الآن» (4).

____________

(1) راجع مقدّمة تفسير آلاء الرحمن: ص 25.

(2) المصدر السابق: ص 49.

(3) صحيح البخاري: ج 8، ص 26، نقلًا من كتاب التبيان: ص 0 22، و في صحيح مسلم: ج 3، ص 1317، المطبوع في بيروت دار إحياء التراث العربي، و في موطأ مالك: ج 2، ص 824، طبع بيروت دار إحياء التراث العربي.

(4) راجع البيان: ص 221.

315

إلى غير ذلك من الرّوايات الشاذّة التي لا يقام لها وزن عندنا و عندهم، و أمّا العذر بأنّ ذلك من قبيل نسخ التلاوة فسيأتي عدم صحّته فانتظر.

المقدمة الثالثة: متى جمع القرآن؟

فقال بعض بأنّه جمع على عهد أبي بكر، و قال بعض آخر أنّه جمع على عهد عمر، و جماعة كثيرة يقولون بأنّه جمع في زمن عثمان.

و هاهنا قول رابع و هو أنّ القرآن جمع على عهد رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) و لم يقبض رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) إلّا بعد أن جمع تمامه، و أمّا عثمان فهو إنّما نظّم القراءات المختلفة و جمع المسلمين على قراءة واحدة و هي القراءة التي كانت مشهورة بين المسلمين التي تلقّوها عن النبي (صلى الله عليه و آله) و أنّه منع عن القراءات الاخرى المبتنية على أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف، و أمّا نسبة بعضهم الجمع إلى أبي بكر و بعضهم الآخر إلى عمر و بعضهم الثالث إلى عثمان فلعلّ ذلك من حرص بعض الناس على تكثير مناقبهم و إلّا فلا دليل يعتدّ به عليه.

و ينبغي هنا ذكر ما نقله الطبرسي (رحمه الله) في مقدّمة المجمع عن السيّد المرتضى (رحمه الله) في هذا المجال:

«إنّ القرآن كان يدرس و يحفظ جميعه في ذلك الزمان حتّى عيّن على جماعة من الصحابة في حفظهم له و إن كان يعرض على النبي (صلى الله عليه و آله) و يتلى عليه، و إنّ جماعة من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود و ابيّ بن كعب و غيرهما ختموا القرآن على النبي (صلى الله عليه و آله) عدّة ختمات و كلّ ذلك يدلّ بأدنى تأمّل على أنّه كان مجموعاً مرتّباً غير مبتور و لا مبثوث» (1).

و يدلّ على صدق هذه الدعوى شواهد كثيرة:

منها: قضيّة كتّاب الوحي و شدّة اهتمام النبي (صلى الله عليه و آله) بكتابة القرآن، و قد نقل أنّه كان عنده لهذه المهمّة كتّاب كثيرون، و الرّوايات في عددهم مختلفة من أربعة عشر كاتباً إلى ثلاثة و أربعين، قال في تاريخ القرآن‏ (2): «كان للنبي (صلى الله عليه و آله) كتّاب يكتبون الوحي و هم ثلاثة و أربعون أشهرهم الخلفاء الأربعة و كان ألزمهم للنبي زيد بن ثابت و علي بن أبي طالب» و هذا يوجب عادةً أن يكون القرآن مجموعاً على عهده (صلى الله عليه و آله).

____________

(1) مقدّمة المجمع: ص 15.

(2) لأبي عبد الله الزنجاني.

316

و منها: ما يشبه الدليل العقلي، و هو عبارة عن عظمة القرآن في نفسه و أنّه بمنزلة القانون الأساسي لجميع أبعاد حياة الإنسان و المجتمع البشري و تمام رأس مال المسلمين، و هذا يقتضي اهتمام النبي (صلى الله عليه و آله) بحفظه و قراءته و اهتمام المسلمين بما يهتمّ به النبي (صلى الله عليه و آله).

و إن شئت قلت: إذا قلنا بأنّ النبي (صلى الله عليه و آله) كان لازماً عليه تعيين الإمام بعده لكونه حافظاً للشرع فبطريق أولى كان واجباً عليه أن يجمع القرآن الذي هو متن الشرع و قانون الشريعة و معارف الإسلام و مصابيحه.

و ينبغي هنا نقل ما ذكره في هذا المجال في كتاب البيان من «أنّ في القرآن جهات عديدة كلّ واحد منها تكفي لأن يكون القرآن موضعاً لعناية المسلمين و سبباً لاشتهاره حتّى بين الأطفال و النساء منهم فضلًا عن الرجال و هذه الجهات هي:

1- بلاغة القرآن: فقد كانت العرب تهتمّ بحفظ الكلام البليغ و لذلك يحفظون أشعار الجاهلية و خطبها فكيف بالقرآن الذي تحدّى ببلاغته كلّ بليغ و أخرس بفصاحته كلّ خطيب لسن؟ و قد كانت العرب بأجمعهم متوجّهين إليه سواء في ذلك مؤمنهم و كافرهم، فالمؤمن يحفظه لإيمانه، و الكافر يتحفّظ به لأنّه يتمنّى معارضته و إبطال حجّته.

2- إظهار النبي (صلى الله عليه و آله) رغبته بحفظ القرآن و الاحتفاظ به، و كانت السيطرة و السلطة له خاصّة، و العادة تقضي بأنّ الزعيم إذا أظهر رغبته بحفظ كتاب أو بقراءته فإنّ ذلك الكتاب يكون رائجاً بين جميع الرعيّة الذين يطلبون رضاه لدين أو دنيا.

3- أنّ حفظ القرآن سبب لارتفاع شأن الحافظ بين الناس و تعظيمه عندهم فقد علم كلّ مطّلع على التاريخ ما للقرّاء و الحفّاظ من المنزلة الكبيرة، و المقام الرفيع بين الناس، و هذا أقوى سبب لاهتمام الناس بحفظ القرآن جملة أو بحفظ القدر الميسور منه.

4- الأجر و الثواب الي يستحقّه القارئ و الحافظ بقراءة القرآن و حفظه.

هذه أهمّ العوامل التي تبعث على حفظ القرآن و الاحتفاظ به، و قد كان المسلمون يهتمّون بشأن القرآن و يحتفظون به أكثر من اهتمامهم بأنفسهم و بما يهمّهم من مال و أولاد، و قد ورد أنّ بعض النساء جمعت جميع القرآن ... و إذا كان هذا حال النساء في جميع القرآن فكيف يكون حال الرجال؟ و قد عدّ من حفّاظ القرآن على عهد رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) جمّ غفير، قال القرطبي:

«قد قتل يوم اليمامة سبعون من القرّاء و قتل في عهد النبي (صلى الله عليه و آله) ببئر معونة مثل هذا العدد، و قد

317

تقدّم في الرّواية العاشرة أنّه قتل من القرّاء يوم اليمامة أربعمائة رجل» (1).

و منها: أنّ من الأسامي المشهورة لسورة الحمد هو فاتحة الكتاب، و الرّوايات التي لعلّها بالغة إلى حدّ التواتر تدلّ على أنّ الرسول (صلى الله عليه و آله) نفسه سمّاها بهذا الاسم، و قد جمعت هذه الرّوايات في تفسير البرهان و نور الثقلين و غيرهما سيّما في درّ المنثور نذكر هنا من الأخير أربعة منها:

أحدها: أنّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) قال: «كلّ صلاة لا تقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي حداج (يعنى ناقص).

ثانيها: قال رسول اللَّه: «لو أنّ فاتحة الكتاب جعلت على كفّة الميزان و جعل القرآن في كفّته الاخرى لفضلت فاتحة الكتاب».

ثالثها: أنّ رسول اللَّه قال: «فاتحة الكتاب شفاء من كلّ داء».

رابعها: قال رسول اللَّه: «إذا وضعت جنبك على الفراش و قرأت فاتحة الكتاب و قل هو اللَّه أحد فقد آمنت من كلّ شي‏ء إلّا الموت» (2).

هذا من ناحية، و من ناحية اخرى أنّ سورة الحمد لم تكن أوّل سورة نزلت من القرآن، بل قال بعض: أنّها من السور المدنية لا المكّية فلو لم يكن القرآن قد جمع في عهد رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) لم يكن وجه لتسميتها بفاتحة الكتاب، و بالجملة أنّ ظاهر هذه التسمية من قبل النبي (صلى الله عليه و آله) جمع القرآن على عهده (صلى الله عليه و آله).

و يؤيّده‏ أنّ ظاهر حديث الثقلين (لو خلّينا و هذا الحديث) يؤكد أنّ القرآن كان مكتوباً مجموعاً منظّماً في زمن صدور هذا الحديث لأنّه لا يصحّ إطلاق الكتاب عليه و هو في الصدور.

و منها: إطلاق لفظ الكتاب على القرآن في كثير من آياته الكريمة فإنّها دالّة على أنّ سور القرآن كانت متميّزة في الخارج بعضها عن بعض و منتشرة بين الناس حتّى المشركين و أهل الكتاب، و لذلك قد تحدّاهم على الإتيان بمثله أو بعشر سور مثله مفتريات أو بسورة من مثله.

و منها: روايات صرّح فيها بأنّ القرآن قد جمع على عهد رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) و من جملتها ما

____________

(1) البيان في تفسير القرآن: ص 272.

(2) درّ المنثور، فراجع.

318

رواه البخاري‏ (1) في صحيحه عن قتادة: سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد النبي (صلى الله عليه و آله)؟ قال: «أربعة كلّهم من الأنصار، ابي بن كعب، و معاذ بن جبل، و زيد بن ثابت، و أبو زبيد».

و من هذه الرّوايات ما رواه النسائي بسند صحيح عن عبد الله بن عمر قال: «جمعت القرآن فقرأت به كلّ ليلة فبلغ النبي (صلى الله عليه و آله) فقال اقرأه في شهر ...».

و منها: ما رواه منتخب كنز العمال‏ (2) عن الطبراني و ابن عساكر عن الشعبي قال: «جمع القرآن على عهد رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) ستّة من الأنصار: ابي بن كعب و زيد بن ثابت و معاذ بن جبل و أبو الدرداء و سعد بن عبيد و أبو زيد، و كان مجمع بن جارية قد أخذه إلّا سورتين أو ثلاث».

هذه هي الوجوه و القرائن التي تدلّ على أنّ القرآن قد جمع على عهد رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، و لو أُورد على بعض هذه القرائن فلا أقلّ من أنّ في مجموعها بما هو المجموع غنىً و كفاية في الدلالة على المقصود.

بقي هنا أمران:

أحدهما: جمع القرآن من قِبل أمير المؤمنين (عليه السلام).

و الثاني: جمع القرآن من قِبل عثمان.

أمّا الأمر الأول: فقد ورد في الرّوايات أنّ أمير المؤمنين علي (عليه السلام) لزم بيته بعد وفاة رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) و لم يخرج من بيته حتّى جمع القرآن مع تنزيله و تأويله و الناسخ منه و المنسوخ، و هو بحسب الواقع جمع لتفسير القرآن الكريم، و يشهد لذلك عدّة من الرّوايات:

منها: ما رواه في البحار عن كتاب سليم بن قيس: أنّ أمير المؤمنين لمّا رأى غدر الصحابة و قلّة وفائهم لزم بيته، و أقبل على القرآن يؤلّفه و يجمعه فلم يخرج من بيته حتّى جمعه، و كان في المصحف و الشظاظ و الأسيار و الرقاع فلمّا جمعه كلّه و كتبه بيده تنزيله و تأويله و الناسخ منه و المنسوخ بعث إليه أبو بكر أن اخرج فبايع فبعث إليه أنّي مشغول فقد آليت على نفسي يميناً

____________

(1) صحيح البخاري: ج 6، ص 102، نقلًا من كتاب البيان: ص 269.

(2) كنز العمال: ج 2، ص 48، نقلًا من كتاب التبيان: ص 269.

319

أن لا برداء إلّا للصلاة حتّى اؤلّف القرآن و أجمعه‏ (1).

و هذه الرّواية بقرينة قوله «تنزيله و تأويله و الناسخ منه و المنسوخ» الذي هو بدل عن الضمير في قوله «جمعه و كتبه» و كذلك سائر الرّوايات الواردة في الباب تدلّ على أنّ القرآن الذي جمعه أمير المؤمنين كان تفسيراً للقرآن و شرحاً لمعاني آياته و مواقع بيّناته لا أنّه كان فيه زيادة على هذه الآيات الموجودة أو تغيير.

و أمّا الأمر الأوّل‏ فقد وردت روايات صريحة طائفة منها أنّ القرآن جمع على عهد أبي بكر، و صريحة طائفة اخرى منها أنّ الجمع كان على عهد عمر، و ظاهر طائفة ثالثة منها أنّه كان في زمن عثمان فهي متناقضة في أنفسها فلا يمكن الاعتماد على شي‏ء منها، و لعلّ صدورها من باب تكثير المناقب كما مرّت الإشارة إليه سابقاً.

هذا- مضافاً إلى أنّ المستفاد من بعض الرّوايات أنّ عثمان إنّما أمر بجمع القرآن لحمل الناس على القراءة بوجه واحد، و هي القراءة المشهورة بين الناس (كما أشرنا إليه سابقاً)، و المنع عن القراءات الاخرى، لا أنّه جمع الآيات و السور في مصحف، ففعل ما لم يفعل في زمن النبي (صلى الله عليه و آله)، و اختلاف القراءات لم يكن مقصوراً على مجرّد اختلاف الاعراب و الحركات بل يعمّ التغيير لبعض الكلمات أيضاً كما روي أنّ عمر كان يقرأ في سورة الجمعة: «فامضوا» بدلًا عن قوله تعالى: «و اسعوا».

ففي بحار الأنوار عن البخاري و الترمذي عن الزهري عن أنس بن مالك: «أنّ حذيفة بن اليمان قدم على عثمان و كان يغازي أهل الشام في فتح ارمينية و آذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القرآن فقال حذيفة لعثمان: أدرك هذه الامّة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود و النصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف، ننسخها في المصاحف، ثمّ نردّها إليك فأرسلت بها إليه فأمر زيد بن ثابت و عبد اللَّه بن الزبير و سعيد بن العاص و عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، و قال عثمان للرهط القرشيّين: إذا اختلفتم أنتم و زيد بن ثابت في شي‏ء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش‏

____________

(1) بحار الأنوار: ج 92، ص 40، الطبع الحديث، و ج 19، ص 11، الطبع القديم، و كتاب سليم بن قيس: ص 81.

320

فإنّما نزل بلسانهم ففعلوا حتّى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، ردّ عثمان الصحف إلى حفصة، و أرسل إلى كلّ افق بمصحف ممّا نسخوا، و أمر بما سوى ذلك من القرآن في كلّ صحيفة أو مصحف أن يحرق» (1).

فإنّ هذه الرّواية صريحة في أنّ جمع عثمان كان لأجل رفع الاختلافات الواردة في القراءات لا جمع الآيات و السور في مصحف.

هذا كلّه في المقدّمات الثلاث التي كان يجب ذكرها قبل الخوض في أصل البحث عن التحريف و أدلّة الطرفين.

أدلّة القائلين بعدم تحريف كتاب اللَّه:

إذا عرفت ذلك‏ فنقول: أمّا القائلون بعدم تحريف القرآن فاستدلّوا بوجوه عمدتها ثلاثة:

الوجه الأوّل: ما يشبه الدليل عقلي و هو مجموعة (2) من القرائن التي توجب اليقين الباتّ بعدم التحريف، و هي ما مرّ سابقاً في مقام إثبات وقوع جمع القرآن على عهد النبي (صلى الله عليه و آله) ضمن الشواهد الدالّة على جمعه في ذلك العهد من اهتمام النبي (صلى الله عليه و آله) بحفظه و قراءته و اهتمام المسلمين بما يهتمّ به النبي (صلى الله عليه و آله) و غيرهما من الجهات العديدة المذكورة هناك فراجع.

و نؤكّد هنا على ذلك أيضاً بما ورد في القرآن نفسه من قوله تعالى: «إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ وَ طَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ وَ اللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ» (3). فهذه تدلّ على شدّة اهتمام النبي و المسلمين بقراءة القرآن من الصدر الأوّل حتّى إنّهم كانوا يقومون كثيراً من الليل لم يكن لهم همّ إلّا تلاوة القرآن.

و بما ورد في الأخبار ممّا يدلّ أيضاً على اهتمام المسلمين بتلاوته فإذا مرّ عليهم أحد يسمع‏

____________

(1) بحار الأنوار: ج 92، ص 76.

(2) و هذا بنفسه طريق لإثبات حكم في يومنا هذا، فمثلًا في باب القضاء إذا لم يحصل القاضي على إقرار أو بيّنة لكن حصلت له مجموعة من القرائن توجب بمجموعها اليقين فانّه يأخذ بها ويحكم بمقتضاها و نحن في البحث عن النبوّة العامّة أخذنا بهذا المنهج لإثبات النبوّة.

(3) سورة المزمّل: الآية 20.

321

لهم دويّاً كدويّ النحل، و اهتمامهم بالتبرّك به حتّى صاروا يجعلون تعليمه مهراً لأزواجهم.

فمع ملاحظة هذه الجهات و القرائن يحكم العقل بعدم إمكان أن تنال أيدي التحريف إليه.

الوجه الثاني: آيات من نفس الكتاب العزيز كالصريحة في الدلالة على عدم التحريف، و لا يخفى أنّ الاستدلال بها ليس دوريّاً لأنّ المدّعى يدّعي التحريف بالنقيصة لا الزيادة و القرآن الموجود في يومنا هذا بما فيه من الآيات مقبول عند الجميع:

منها قوله تعالى: «وَ قَالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لمجْنُونٌ لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلّا بِالْحَقِّ وَ مَا كَانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ» (1) و لتقريب دلالة هذه الآية على المقصود لا بدّ من تفسير كلمتين: «الذكر» و الحفظ» فما المراد من الذكر؟ و ما المراد من الحفظ؟

فنقول: أمّا معنى كلمة الذكر فواضح لأنّ قوله تعالى: «وَ قَالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ» شاهد قطعي على أنّ المراد من الذكر في قوله تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ» هو القرآن بل هذه الآية تدلّ على شهرة هذا الاسم للقرآن بحيث يستعمله الكفّار المنكرون للوحي أيضاً.

أضف إلى ذلك وجود آيات كثيرة تطلق هذا الاسم على القرآن: منها قوله تعالى: «وَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» (2)، و منها قوله تعالى: «وَ هَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَ فَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ» (3)، و الأوضح منها قوله تعالى: «إِنْ هُوَ إِلّا ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ» (4)، و قوله تعالى: «أَ أُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي» (5)، و قوله تعالى: «وَ إِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ» (6) و قوله تعالى: «وَ مَا هُوَ إِلّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ» (7).

____________

(1) سورة الحجر: الآية 6- 9.

(2) سورة النحل: الآية 44.

(3) سورة الأنبياء: الآية 50.

(4) سورة يس: الآية 69.

(5) سورة ص: الآية 8.

(6) سورة القلم: الآية 51.

(7) سورة القلم: الآية 52.

322

و ما قد يقال: من أنّ المراد منه هو النبي (صلى الله عليه و آله) و قوله تعالى: «نَزَّلْنَا» بمعنى «أرسلنا» و ذلك بقرينة قوله تعالى: «فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ» (1) حيث إن كلمة «رسولًا» وقعت في هذه الآية بدلًا عن كلمة «ذكراً» فيكون الذكر بمعنى الرسول.

فجوابه‏ أوّلًا: لو سلّم استعمال الذكر في خصوص هذه الآية في الرسول مجازاً فهو لا يوجب استعماله فيه مجازاً أيضاً في سائر الآيات من دون نصب قرينة عليه مع صراحته في تلك الآيات في القرآن.

ثانياً: إنّ استعماله في الرسول في هذه الآية أيضاً محلّ كلام، لأنّه لا مناصّ في الآية من ارتكاب أحد خلافي الظاهر: أحدهما إطلاق الذكر على الرسول مع عدم كونه في اللغة بمعنى الرسول كما هو واضح، و ثانيهما كون الرسول مفعولًا به لفعل محذوف أعني «أرسل»، و كثير من المفسّرين رجّحوا الثاني على الأوّل و هو المختار في كتابنا في التفسير.

ثالثاً: لو سلّمنا أنّ الذكر في الآية المبحوث عنها في محلّ النزاع بمعنى الرسول لكن لا بأس أيضاً بالاستدلال بها على المطلوب ببيان إنّه إذا دلّت الآية على محافظته تعالى عن الرسول فتدلّ على حفظه للقرآن الكريم بطريق أولى.

و أمّا كلمة الحفظ: فيحتمل فيها وجوه عديدة:

أحدها: أن يكون المراد منها الحفظ المنطقي و الاستدلالي، و يكون المقصود حينئذٍ أنّه لا يصير مغلوباً لأي منطق و استدلال.

الثاني: أن يكون بمعنى العلم، أي «و إنّا له لعالمون».

الثالث: أن يكون المراد منه الحفظ من جميع الجهات من الزيادة و النقصان و من المقابلة بالمثل و الغلبة بالمنطق و غيرها، و هذا هو الظاهر، و لا دليل على التحديد و التقييد.

إن قلت: إن كان المراد من الحفظ الحفظ العامّ و من جميع الجهات فهو متيقّن العدم لما وقع في التاريخ بالنسبة إلى مصاحفه من الاندراس و الصبّ في البحر و إحراقها من جانب عثمان و غيره أحياناً بأي غرض كان، و إن كان المراد منه حفظ ما، فهو حاصل و لو بالقرآن المحفوظ عند

____________

(1) سورة الطلاق: الآية 10.

323

الحجّة (عليه السلام) و حينئذٍ لا تدلّ الآية على المدّعى.

قلنا: إنّ للحفظ معناً عرفياً لا يصدق على شي‏ء من المعنيين (الحفظ الكلّي و الحفظ الجزئي) و هو كون الكتاب في أيدي الناس و وجوده بينهم، فالمراد من قوله تعالى «لحافظون» لحافظونه عند الناس و بينهم لا بمعنى حفظ جميع المصاديق أو مصداق من مصاديقه، كما أنّه إذا قيل «إنّ ديوان الشاعر الفلان موجود و محفوظ إلى اليوم» لا يكون المقصود منه أنّ جميع مصاديقه بقيت محفوظة أو مصداق من مصاديقه محفوظ في متحف من المتاحف بل المراد منه بقاؤه بين الناس و بين أيديهم كما لا يخفى.

إن قلت: إنّ هذه الآية مكّية تشمل الآيات النازلة إلى زمان نزولها لا غيرها.

قلنا: لا خصوصيّة للآيات المكّية قطعاً لأنّ القرآن كتاب هداية يحتاج إليه الناس في هدايتهم، و لا فرق في هذه الجهة بين آية و آية، و حفظ بعضها دون بعض من جانب الحكيم لغو و ترجيح بلا مرجّح.

و بالجملة هذا الإشكال من أضعف الإشكالات و أردئها.

و منها: قوله تعالى‏ «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَايَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ» (1).

و قبل تقريب الاستدلال بها لا بدّ من تعيين خبر «إنّ» في قوله تعالى: «إنّ الذين كفروا ...» فنقول: فيه ثلاث وجوه:

الأوّل: (و هو أحسنها الذي ذهب إليه الطبرسي (رحمه الله) في مجمع البيان) أن يكون الخبر في التقدير، أعني «سوف يجازيهم اللَّه» أو «سيجازيهم اللَّه».

الثاني: أن يكون الخبر قوله تعالى في بعض الآيات اللاحقة «اولئك ينادون من مكان بعيد»، لكن هذا المقدار من الفصل بين المبتدأ و الخبر بعيد في الكلام الفصيح.

الثالث: أن يكون الخبر قوله تعالى: «و إنّه لكتاب عزيز» بأن يكون المقصود منه أنّه لا يقدر أحد على أن يغلب كتاب اللَّه لكونه عزيزاً، فوقع علّة الخبر موقعه.

و كيف كان فتقريب الاستدلال بهذه الآية على عدم التحريف يتوقّف على بيان معنى‏

____________

(1) سورة فصّلت: الآية 41- 42.

324

الباطل في قوله تعالى: «لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لَا مِنْ خَلْفِهِ» فقد ذكر فيه وجوه عديدة:

أحدها: كونه بمعنى المقابلة بالمثل فيكون المعنى حينئذٍ «لا يأتيه مثل له حتّى يبطله».

ثانيها: أن يكون بمعنى الشيطان، فيكون المراد أنّ الشيطان لا يمكنه أن يحرّفه أو يمحوه من القلوب.

ثالثها: كونه بمعنى النسخ، أي لا تضادّه الكتب السماويّة من قبل و لا ينسخه كتاب سماوي من بعد.

رابعها: أن يكون بمعنى الكذب في الأخبار كما نقل الطبرسي (رحمه الله) عن الإمام الباقر (عليه السلام):

«ليس في أخباره عمّا مضى باطل و لا عمّا يكون في المستقبل باطل» (1).

خامسها: كونه بمعنى مطلق البطلان، فيكون المقصود: لا يأتيه أي باطل من أي جهة من الجهات كما ورد في مجمع البيان: «لا تناقض في ألفاظه و لا كذب في أخباره و لا يعارض و لا يزداد و لا يغيّر» (2).

و هذا هو المختار لأنّه لا وجه للتقييد ما دام لم توجد قرينة عليه، و قوله تعالى في الذيل:

«تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ» بمنزلة التعليل للصدر، أي كما أنّ المنزل منه يكون عالماً حكيماً و منعماً حميداً إلى الأبد لا بدّ أن يكون المنزل الذي هو حكمة من جانب و نعمة من جانب آخر باقياً بين الناس أيضاً.

و أمّا تفسير الباطل بالكذب في الرّواية فهو من باب ذكر أحد المصاديق الواضحة و ما كان محلًا لحاجة الناس.

إن قلت: إن كان المراد من عدم إتيان الباطل عدمه على نهج القضيّة الكلّية فهو قطعي البطلان (كما مرّ نظيره في الآية السابقة) و إن كان المراد عدم الإتيان على نهج القضيّة الجزئيّة فهو يصدق بالنسبة إلى المصحف الموجود عند الإمام الحجّة (عليه السلام) فلا يثبت عدم إتيانه الباطل بالإضافة إلى غيره من المصاحف.

قلنا: الجواب هو الجواب، و هو أنّ الحفظ أو عدم إتيان الباطل مفهوم عرفي و القرآن كتاب‏

____________

(1) مجمع البيان: ج 9، ص 23، طبع دار المعرفة في بيروت.

(2) المصدر السابق:

325

للهداية فلا يصدق هذا العنوان إذا لم يكن القرآن محفوظاً بين الناس لهدايتهم و إن كان محفوظاً عند الإمام الحجّة (عليه السلام).

و أمّا الإشكال الآخر الذي أورد على الآية السابقة المبنى على كون الآية مكّية فلا يرد هنا لأنّ ذيل الآية: «من بين يديه و من خلفه» يعمّ عدم الإيتان في المستقبل أيضاً.

الوجه الثالث: روايات لا إشكال في دلالتها على عدم التحريف قطعاً:

منها: حديث الثقلين المتواتر من طرق العامّة و الخاصّة (1) حيث إنّه ورد في ذيلها: «ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا» و في بعض الطرق «لن تضلّوا أبداً».

فاستدلّ بها بملاحظة هذا الذيل بأحد وجهين:

الأوّل: أنّ مقتضى الذيل بقاء ما يمكن أن يتمسّك به بعد رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) إلى الأبد مع أن التحريف بحذف بعض الآيات يوجب سلب الاعتماد عن سائر الآيات بمقتضى ما روي أنّ القرآن يفسّر بعضه بعضاً، فتسقط بقيّة الآيات عن الحجّية.

الثاني: (و هو العمدة) أنّ مقتضاه عدم ضلالة الامّة إذا تمسّكوا بهذا الكتاب العزيز، و القول بالتحريف بالنقيصة من شأنه سلب المصداقيّة الاهتداء بالقرآن فلا يأمن من الضلالة، لأنّ الآيات المحذوفة لا بدّ و أن تكون ممّا يرتبط بباب الولايات و السياسيات كما مرّ، و القرآن المجرّد عنها لا يمكن أن يمنع عن الضلالة.

إن قلت: لا فرق في هذه الجهة بين الثقل الأكبر و الأصغر، فكما أنّ الحرمان عن هداية الثقل الأصغر بغيبة الإمام (عليه السلام) لا ينافي هذه الرّواية كذلك الحرمان عن هداية الثقل الأكبر.

قلنا: الفرق بينهما واضح، و ذلك لأنّ غيبة الإمام (عليه السلام) لا تنافي بقاء اهتداء الناس به لأنّهم (عليهم السلام) أراءوا طرق الهداية في أكثر من مأتي سنة ضمن رواياتهم، و قد أودعوا هداياتهم في طيّات أخبارهم فهم متمثّلون ضمن هذه الأخبار، و كأنّهم إحياء بحياتها و بقائها، بينما تحريف القرآن يقتضي الحرمان عن هدايته بعد وفاة النبي (صلى الله عليه و آله) من دون فصل، لأنّ القائل بالتحريف يقول بوقوعه بعد رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) إلى زمن جمع عثمان له من دون أن يقوم مقامه شي‏ء، نعم هذا القياس يتمّ لو وقعت الغيبة أيضاً بمجرّد وفاة النبي (صلى الله عليه و آله).

____________

(1) مرّت الإشارة إلى أسنادها إجمالًا عند الاستدلال بها لحجّية ظواهر الكتاب فراجع.

326

و منها: روايات ظاهرها أنّ القرآن معيار لتشخيص الحقّ و الباطل في الرّوايات مطلقاً، و تأمرنا بعرض الرّوايات جميعها عليه، و هي تنافي تحريف القرآن لأنّ تحريفه يلازم حذف ما كان معياراً للعديد من الرّوايات، و لازمه كون القرآن معياراً نسبياً لا مطلقاً بحيث يعمّ جميع الرّوايات.

و منها: روايات تأمرنا و تشوّقنا باتّباع القرآن، و هي ظاهرة في أنّه وسيلة جامعة كاملة للهداية، منها ما ورد في نهج البلاغة في ذمّ الأخذ بالأقيسة و الاستحسانات و الآراء الظنّية:

«أم أنزل اللَّه سبحانه ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه أم كانوا شركاء له، فلهم أن يقولوا، وعليه أن يرضى؟ أم أنزل اللَّه سبحانه ديناً تامّاً فقصّر الرسول (صلى الله عليه و آله) عن تبليغه و أدائه، و اللَّه سبحانه يقول: ما فرّطنا في الكتاب من شي‏ء و فيه تبيان لكلّ شي‏ء» (1).

و كذلك قوله (عليه السلام) فيه أيضاً: «و أنزل عليكم الكتاب تبياناً لكلّ شي‏ء و عمّر فيكم نبيّه أزماناً حتّى أكمل له و لكم فيما انزل من كتابه دينه الذي رضى لنفسه» (2).

و قوله فيه أيضاً: «و كتاب اللَّه بين أظهركم ناطق لا يعيا لسانه و بيت لا تهدم أركانه و عزّ لا تهزم أعوانه» (3).

و كذلك قوله فيه أيضاً: «كأنّهم أئمّة الكتاب و ليس الكتاب إمامهم» (4).

و هكذا قوله (عليه السلام): «و عليكم بكتاب اللَّه فإنّه الحبل المتين و النور المبين و الشفاء النافع و الري الناقع و العصمة للتمسّك و النجاة للمتعلّق لا يعوّج فيقام و لا يزيغ فيستعتب و لا تخلقه كثرة الردّ ولوج السمع، من قال به صدق و من عمل به سبق» (5).

و قوله (عليه السلام): «ثمّ أُنزل عليه الكتاب نوراً لا تطفأ مصابيحه و سراجاً لا يخبو توقّده و بحراً لا يدرك قعره، و منهاجاً لا يضلّ نهجه و شعاعاً لا يظلم ضوؤه و فرقاناً لا يخمد برهانه و تبياناً لا تهدم أركانه ...» (6).

____________

(1) نهج البلاغة: صبحي الصالح، خ 18.

(2) المصدر السابق: خ 86.

(3) المصدر السابق: خ 133.

(4) المصدر السابق: خ 147.

(5) المصدر السابق: خ 156.

(6) المصدر السابق: خ 168.

327

فإنّ المستفاد من جميع ذلك أنّ كتاب اللَّه بجميع ما أُنزل على رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) موجود بين الناس يستضاء بنور هدايته و يهتدي بهداه، و لو كان الكتاب محرّفاً أو ناقصاً في شي‏ء من آياته لما كان له هذه المنزلة و تلك الآثار.

أضف إلى ذلك: أنّ قوله: «كتاب اللَّه بين أظهركم» بلفظه شاهد لوجود جميع الكتاب بين أظهر الناس.

فتلخّص من جميع ذلك أنّ الأدلّة العقليّة و النقليّة متظافرة على بطلان مزعمة التحريف و أنّ كتاب اللَّه محفوظ بين الامّة كما نزل على رسول اللَّه مضافاً إلى الشهرة القطعيّة بين علماء الفريقين و محقّقيهم.

أدلّة القائلين بالتحريف و نقدها

و أمّا أدلّة القائلين بالتحريف فالمهمّ منها روايات كثيرة جمعها المحدّث النوري في كتابه الموسوم بفصل الخطاب، و هي على طوائف:

الطائفة الاولى: روايات لا شكّ في كونها مجعولة غير معقولة

منها: ما روي عن الاحتجاج‏ (1) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في جواب زنديق الذي سأله عن عدم التناسب بين الشرط و الجزاء في قوله تعالى في صورة النساء: «وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ» (2): «و أمّا ظهورك على تناكر قوله: فإن خفتم ألّا تقسطوا في اليتامى و ليس يشبه القسط في اليتامى بنكاح النساء و لا كلّ النساء أيتاماً فهو ممّا قدّمت ذكره من اسقاط المنافقين من القرآن و بين القول في اليتامى و بين نكاح النساء من الخطاب و القصص أكثر من ثلث القرآن» (3).

____________

(1) و قد نقل هذه الرّواية الميرزا القمّي (رحمه الله) في القوانين و الميرزا الآشتياني (رحمه الله) في تعليقته على الرسائل و كلّ من كتب في ردّ تحريف الكتاب شيئاً.

(2) سورة النساء: الآية 3.

(3) الاحتجاج: ج 1، ص 377؛ و بحار الأنوار: ج 92، ص 47.

328

فإنّ هاهنا نكات لا بدّ من ملاحظتها:

أوّلًا: كيف يمكن أن يحذف من القرآن الذي كان يقرأ ليلًا و نهاراً و كان له أربعة عشر أو أكثر من أربعين كاتباً و مئات من القرّاء و الحفّاظ، الآلاف من آياته فإنّ هذا أمر مستحيل عادةً لا يتفوّه به عاقل.

ثانياً: ما هو الوجه و الداعي لحذف هذه الآيات في خصوص ذلك المورد و هو ما بين شرط و جزاء، فلا يتصوّر له وجه و لا يوجد له داع.

ثالثاً: يوجد هنا ربط واضح بين الشرط و الجزاء يتّضح لنا بملاحظة شأن نزول هذه الآية فقد ذكر له وجوه ستّة (1) عمدتها أربعة:

الوجه الأوّل: أنّهم كانوا في الجاهلية يأخذون إليهم الأيتام الصغيرة من النساء، و ذلك لقلّة صداقهنّ أو عدم صداق لهنّ‏ أوّلًا، و لأنّ لهم أموالًا كثيرة ثانياً فيتزوّجون بهنّ و يأكلون أموالهنّ إلى أموالهم ثمّ لا يقسطون فيهنّ و ربّما أخرجوهنّ بعد أكل مالهنّ فيصرن عاطلات ذوات مسكنة لا مال لهم يرتزقن منه و لا راغب فيهنّ فيتزوّجن، و قد شدّد القرآن الكريم النكير على هذا الدأب الخبيث و الظلم الفاحش و أكّد النهي عن ظلم اليتامى و أكل أموالهم ضمن آيات عديدة فأعقب ذلك أنّ المسلمين أشفقوا على أنفسهم و خافوا خوفاً شديداً حتّى أخرجوا اليتامى من ديارهم خوفاً من الابتلاء بأموالهم و التفريط في حقّهم، فنزلت هذه الآية و هي واقعة موقع التأكيد بالنسبة إلى النهي الواقع في تلك الآيات، و المعنى: «اتّقوا أمر اليتامى و لا تتبدّلوا خبيث أموالكم بطيّب أموالهم و لا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم حتّى أنّكم إن خفتم أن لا تقسطوا في اليتيمات منهم و لم تطب نفوسكم أن تنكحوهنّ و تتزوّجوا بهنّ فدعوهنّ و انكحوا نساءً غيرهنّ ما طاب لكم مثنى و ثلاث و رباع، فقول‏ «فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ» في معنى قولنا «إن لم تطب لكم اليتامى للخوف من عدم القسط فلا تنكحوهنّ و انكحوا نساءً غيرهنّ».

الوجه الثاني: أنّهم كانوا يشدّدون في أمر اليتامى و لا يشدّدون في أمر النساء فيتزوجون منهنّ عدداً كثيراً و لا يعدلون بينهنّ فقال تعالى: إن كنتم تخافون أمر اليتامى فخافوا في النساء

____________

(1) راجع تفسير مجمع البيان: ذيل هذه الآية.

329

أيضاً فانكحوا منهنّ واحدة إلى أربع.

الوجه الثالث: أنّه كان الرجل منهم يتزوّج بالأربع و الخمس و أكثر، و يقول: ما يمنعني أن أتزوّج كما تزوّج فلان فإذا فنى مال نفسه مال إلى مال اليتيم الذي في حجره فنهاهم اللَّه عن أن يتجاوز و الأربع لئلّا يحتاجوا إلى أخذ مال اليتيم ظلماً.

الوجه الرابع: أنّ المعنى «إن خفتم أن لا تقسطوا في اليتيمة المربّاة في حجوركم فانكحوا ما طاب لكم من النساء ممّا أُحلّ لكم من يتامى قراباتكم مثنى و ثلاث و رباع».

فعلى هذا يكون ربط الشرط و الجزاء هنا ظاهر لمن تدبّر الآيات السابقة و اللاحقة عليها و ما ورد في شأن نزولها، فلا يبقى موضع لتقدير واحدة من الآيات فضلًا عن القول باسقاط ثلث القرآن بينها و العياذ باللَّه.

و منها: ثلاث روايات تدلّ على حذف اثنى عشر ألف آية، و قد نقل بعضها حتّى في مثل كتاب الكافي للكليني (رحمه الله) و ذكرها المحدّث النوري في فصل الخطاب ضمن الدليل الحادي عشر على التحريف:

أحدها: ما رواه هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إنّ القرآن الذي جاء به جبرئيل إلى محمّد (صلى الله عليه و آله) سبعة عشر ألف آية» (1).

ثانيها: ما رواه المولى محمّد صالح المازندراني في شرح الكافي عن كتاب سليم بن قيس الهلالي أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد وفاة رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) لزم بيته و أقبل على القرآن يجمعه و يؤلّفه فلم يخرج به من بيته حتّى جمعه كلّه و كتب على تنزيله الناسخ و المنسوخ منه و المحكم و المتشابه و الوعد و الوعيد و كان ثمانية عشر ألف آية (2).

ثالثها: ما رواه أحمد بن محمّد السياري في كتاب القراءات عن علي بن الحكم عن هشام بن سالم قال قال أبو عبد الله (عليه السلام): «القرآن الذي جاء به جبرئيل (عليه السلام) إلى محمّد (صلى الله عليه و آله) عشرة ألف آية».

قال المحدّث النوري (رحمه الله) بعد نقل هذه الرّواية في فصل الخطاب: «كذا في نسختي و هي سقيمة و الظاهر سقوط كلمة سبعة لاتّحاده متناً و سنداً لما في الكافي بل لا يبعد كون ما فيه‏

____________

(1) فصل الخطاب للمحدّث النوري (رحمه الله): أوائل الدليل الحادي عشر.

(2) المصدر السابق:

330

مأخوذاً منه فإنّ محمّد بن يحيى يروي عن السياري، أو ثمانية لمطابقته للموجود في كتاب سليم» (1).

منها: ما رواه زرّ قال: قال ابي بن كعب يا زرّ: كأيّن تقرأ سورة الأحزاب؟ قلت: ثلاث و سبعين آية و قال: «إن كانت، لتضاهى سورة البقرة أو هي أطول من سورة البقرة ...» (2). فسقطت منها 213 آية و هي تعادل 34 مجموع هذه السورة.

و منها: سورة نقلها المحدّث النوري (رحمه الله) في فصل الخطاب عن كتاب يسمّى بدبستان المذاهب و حكاها الميرزا الآشتياني (رحمه الله) في حاشيته على الرسائل (بحر الفوائد) أيضاً.

ففي فصل الخطاب: «صاحب كتاب دبستان المذاهب بعد ذكر اصول عقائد الشيعة ما معناه: و بعضهم يقولون أنّ عثمان أحرق المصاحف و أتلف السور التي كانت في فضل علي و أهل بيته (عليهم السلام) منها هذه السورة (ثمّ ذكر ما سمّاه بعضهم بسورة الولاية التي تلوح منه آثار الجعل و التزوير كما يأتي الكلام فيه)، ثمّ ذكر بعد ذلك ما نصّه: قلت ظاهر كلامه أنّه أخذها من كتب الشيعة و لم أجد لها أثراً فيها غير أنّ الشيخ محمّد بن علي بن شهرآشوب المازندراني ذكر في كتاب المثالب على ما حكي عنه أنّهم أسقطوا من القرآن تمام سورة الولاية و لعلّها هذه السورة و اللَّه العالم» (3).

أقول: لم تنقل هذه السورة (كما صرّح به المحدّث نفسه) في كتاب آخر غير كتاب دبستان المذاهب، و صاحب هذا الكتاب مجهول مجهول، و قيل: لعلّه مجوسيّ لأنّ أكثر مطالب كتابه ناظرة إلى مقالات المجوس، و كأنّه أراد بذلك الازراء على المسلمين و إيراد النقص على الكتاب العزيز الذي هو أساس الإسلام و الدعوة المحمّديّة.

و يؤيّد ذلك ما حكى مؤلّف كتاب «برهان روشن» (4) عن بعض الأعاظم من العلماء أنّ مؤلّف هذا الكتاب (دبستان المذاهب) من الملاحدة، و كان مقصوده من تأليفه هذا- إيجاد الاختلاف بين المسلمين.

____________

(1) فصل الخطاب للمحدّث النوري (رحمه الله): أوائل الدليل الحادي عشر.

(2) البيان: ص 222، نقلًا عن منتخب كنز العمّال بهامش مسند أحمد: ج 2، ص 43.

(3) فصل الخطاب: أواخر الدليل الثامن.

(4) للحاج الميرزا البروجردي.

331

كما أنّ من تأمّل في محتوى هذه السورة و كان له أنس مع سياق آيات القرآن الكريم يرى تعبية ما يقرب من ثلاثين آية من آيات الكتاب الكريم ضمنها بدون تناسب و لا تلائم بينها و بين بقية آيات السورة ممّا يشير إلى‏ أنّه أضافها إليها.

و منها: ما رواه سعد بن عبد الله القمّي (رحمه الله) قال: «و قرأ أحد سورة الحمد على أبي عبد الله فردّ عليه و قال: اقرأ: صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم و غير الضالّين» (1).

منها: ما رواه سعد بن عبد الله القمّي قال: و قوله تعالى في سورة عمّ يتساءلون: «وَ يَقُولُ الْكَافِرُ يا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً» إنّما هو: «يا ليتني كنت ترابيّاً» و ذلك أنّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) كنّى أمير المؤمنين (عليه السلام) بأبي تراب‏ (2).

هذه هي الطائفة الاولى من الرّوايات التي استدلّ بها على التحريف، و هي روايات لا تعقل صحّتها و لا شكّ في كونها مجعولة مدسوسة.

أمّا رواية الاحتجاج و ما نقلناه من كتاب دبستان المذاهب فقد مرّ الجواب عنهما، و أمّا رواية ما قبل الأخيرة فلأنّ سورة الحمد لا تزال تقرأ بين المسلمين من أي فرقة كانوا ليلًا و نهاراً و في كلّ زمان و مكان، و لا أقلّ من قراءتها في كلّ يوم عشر مرّات في صلواتهم، فكيف يتصوّر تحريفها بما ذكر في هذه الرّواية؟ و كذلك رواية ابي بن كعب بالنسبة إلى سورة الأحزاب، لأنّه لا يعقل حذف هذا المقدار الكثير من سورة واحدة مع شدّة اهتمام المسلمين بها و حفظهم لها.

و أمّا رواية سعد بن عبد الله القمّي بالنسبة إلى قوله: «يا ليتني كنت تراباً» فلأنّ بيان هذا المعنى بتلك العبارة ركيك جدّاً لا يلائم فصاحة القرآن و بلاغته.

تبقى الرّوايات الدالّة على حذف آلاف من الآيات فالجواب عنها:

أوّلًا: ما مرّ من أنّه لا يعقل إسقاط عشرة آلاف بل أكثر من الآيات مع اهتمام كثير بحفظها و جمعها و تلاوتها ليلًا و نهاراً، و لا يتفوّه بذلك عاقل.

و ثانياً: ما يتمّ بيانه في ترجمة راوي بعض هذه الرّوايات و موقف كتاب فصل الخطاب:

أمّا الراوي‏ فهو أحمد بن محمّد السياري الذي نقل كثيراً من الرّوايات الواردة في كتاب‏

____________

(1) فصل الخطاب: الدليل الثاني عشر سورة الفاتحة.

(2) المصدر السابق: الدليل الثاني عشر سورة النبأ.

332

فصل الخطاب (و هي 188) رواية بناءً على إحصاء مؤلّف كتاب «برهان روشن») بحيث ينبغي أن يلقّب ببطل التحريف، و قد عبّر المحدّث النوري (رحمه الله) عن هذه الرّوايات بالروايات المعتبرة مع أنّ أحمد بن محمّد السياري كما صرّح به علماء الرجال: ضعيف فاسد المذهب مجهول الرّواية كثير المراسيل‏ (1)، فمع كونه بهذه الدرجة من فساد العقيدة و كذب الأقوال كيف يكون أميناً على التنزيل و يقبل قوله بعنوان كلمات المعصومين.

قيمة كتاب فصل الخطاب!!

و أمّا كتاب «فصل الخطاب» فقال المحدّث النوري (رحمه الله) في مقدّمته: «و بعد فيقول العبد المذنب المسي‏ء حسين بن محمّد تقي النوري الطبرسي جعله اللَّه تعالى من الواقفين ببابه المتمسّكين بكتابه: هذا كتاب لطيف و سفر شريف عملته في إثبات تحريف القرآن و فضائح أهل الجور و العدوان و سمّيته فصل الخطاب في تحريف كتاب ربّ الأرباب» ثمّ ذكر مباحثه ضمن ثلاث مقدّمات و بابين، و ذكر في الباب الأوّل اثنى عشر دليلًا بزعمه على وقوع التحريف في كتاب اللَّه العزيز، و في الباب الثاني أجاب عن أدلّة القائلين بعدم تطرّق التغيير فيه بأجوبة واهيّة لا تسمن و لا تغني.

و قام تلميذه المحدّث الطهراني (رحمه الله) في مقام الدفاع عن الاستاذ في موضعين: مقدّمة المستدرك و الذريعة (2)، و إليك عبارته في مقدّمة المستدرك ملخّصاً: «إنّ شيخنا النوري كان يقول (حسبما شافهناه به و سمعناه من لسانه في أواخر أيّامه) أخطأت في تسمية الكتاب و كان الأجدر أن يسمّى بفصل الخطاب في عدم تحريف الكتاب و ذلك لأنّي أثبتّ فيه أنّ كتاب الإسلام الموجود بين الدفتين المنتشر في أقطار العالم وحي إلهي بجميع سوره و آياته و جمله لم يطرأ عليه تغيير أو تبديل و لا زيادة و لا نقصان من لدن جمعه حتّى اليوم و قد وصل إلينا المجموع الأولي بالتواتر القطعي، و لا شكّ لأحد من الإماميّة فيه، فبعد ذا من الإنصاف أن يقاس الموصوف بهذه الأوصاف بالعهدين أو الأناجيل المعلومة أحوالها لدى كلّ خبير. هذا

____________

(1) راجع الفهرست للشيخ؛ و رجال النجاشي؛ و الخلاصة للعلّامة.

(2) فصل الخطاب: ج 16، مادّة الفاء.

333

ما سمعناه من قول شيخنا نفسه و أمّا عمله فقد رأيناه و هو لا يقيم لما ورد في مضامين الأخبار وزناً بل يراها أخبار آحاد لا تثبت بها القرآنيّة بل يضرب بخصوصيّاتها عرض الجدار سيرة السلف الصالح من أكابر الإماميّة كالسيّد المرتضى و الشيخ الطوسي و أمين الإسلام الطبرسي (قدس سرهم) و غيرهم، و لم يكن العياذ باللَّه- يلصق شيئاً منها بكرامة القرآن و إن ألصق ذلك بكرامة شيخنا من لم يطّلع على مرامه و قد كان باعتراف جميع معاصريه رجاليّ عصره و الوحيد في فنّه و لم يكن جاهلًا بأحوال تلك الأحاديث- كما ادّعاه بعض المعاصرين- حتّى يعترض عليه بأنّ كثيراً من رواة هذه الأحاديث ممّن لا يعمل بروايته، فإنّ شيخنا لم يورد هذه الأخبار للعمل بمضامينها بل للقصد الذي أشرنا إليه».

فاعتذر هو في هذه العبارة بأمرين:

أوّلًا: بأنّ استاذه أثبت عدم وقوع التحريف بالزيادة أو النقصان أو التغيير و التبديل من لدن جمع عثمان حتّى اليوم.

و ثانياً: بأنّ استاذه لم يرد هذه الأخبار للأخذ بها و العمل بمضامينها.

ثالثاً: يستفاد اعتذاره من بعض كلماته في الذريعة بأنّ استاذه أثبت أنّ ما وقع من التحريف في الكتاب العزيز قبل جمع عثمان إنّما هو خصوص التحريف بالنقيصة لا الزيادة أو التغيير و التبديل، و النقيصة لا تسمّى تحريفاً و لا يوجب سقوط الكتاب عن الاعتبار بل الموجب له إنّما هو الزيادة أو التغيير و التبديل.

أقول:- بالرغم من فائق الاحترام لكلّ من الاستاذ و التلميذ-: لا قيمة لشي‏ء من هذه الاعتبارات الثلاث أصلًا:

أمّا الاعتذار الثالث فلأنّ سقوط عدد كثير من الآيات عن الكتاب العزيز على فرض المحال مع ملاحظة ما أشرنا إليه سابقاً من أنّ القرآن يفسّر بعضه بعضاً- من أتمّ مصاديق التحريف حقيقة و لو فرض عدم تسميته به في العرف أو اللغة، و لا فرق بينه و بين التحريف بالزيادة أو التغيير، و ليس النزاع في صدق لفظ التحريف و عدمه، فإنّ الحكم هنا لا يدور مدار الألفاظ.

و أمّا الاعتذار الثاني فلأنّ من لاحظ كتاب فصل الخطاب يعلم أنّه لا يوافق ما يدّعي من أنّ استاذه كان بصدد نفي التحريف أصلًا.

334

و أمّا الأوّل فالحقّ إنّه أسوأ حالًا من الثاني و الثالث لأنّه لا خصوصيّة لمصحف عثمان بل محلّ البحث عن وقوع التحريف و عدمه إنّما هو القرآن النازل على النبي (صلى الله عليه و آله) و المفروض في كلامه أنّ استاذه ادّعى التحريف فيه.

و بالجملة: إنّ هذا من الموارد التي يكون الاعتذار فيها الخطأ، و لقد أجاد بعض الأعاظم في أمثال هذا المقال حيث قال: الاعتراف بالخطإ في كثير من الموارد أهون من الاعتذار، فإنّ الخطأ و النسيان كالطبيعة الثانية للإنسان.

الطائفة الثانية: وقع الخلط بين الرّوايات و الحديث القدسي ...

قد تكون الرّوايات تامّة من ناحية السند إلّا أنّه وقع الخلط فيها بين الحديث القدسي أو الدعاء المأثور من جانب النبي (صلى الله عليه و آله) أو الأئمّة و بين آيات القرآن العظيم.

و الفرق بين الحديث القدسي و القرآن يظهر بما ذكره المحقّق القمّي (رحمه الله) في القوانين و إليك نصّه: «المنزل من اللَّه على قسمين: قسم أنزل على سبيل الاعجاز و هو القرآن، و قسم أنزل لا على سبيل الاعجاز، و هو الحديث القدسي (و هذه الأحاديث نُزّل بعضها على موسى (عليه السلام) و بعضها على عيسى (عليه السلام) و بعضها على رسول اللَّه في ليلة المعراج و غيرها».

و من هذه الرّوايات ما رواه أبو حرب بن أبي الأسود عن أبيه قال: بعث أبو موسى الأشعري إلى قرّاء أهل البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل، قد قرءوا القرآن، فقال أنتم خيار أهل البصرة و قرّاؤهم، فاتلوه و لا يطولنّ عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم، و إنّا كنّا نشبّهها في الطول و الشدّة ببراءة فأنسيتها غير أنّي قد حفظت منها: «لو كان لابن آدم واديان من مال لأبتغى وادياً ثالثاً و لا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب» و كنّا نقرأ سورة كنّا نشبّهها بإحدى المسبّحات فأنسيتها، غير أنّي حفظت منها: «يا أيّها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقهم فتسألون عنها يوم القيامة» (1).

فإنّ هذه العبارات تنادي بأعلى صوتها بأنّها من الأحاديث القدسيّة لو ثبتت صحّة إسنادها.

____________

(1) البيان: نقلًا عن صحيح مسلم ج 3، ص 100؛ و في فصل الخطاب أوائل الدليل الثامن نقلًا عن السيوطي في درّ المنثور.

335

و منها: ما رواه عبد الله بن رزين الغافقي قال: قال لي عبد الملك بن مروان: لقد علمت ما حملك على حبّ أبي تراب إلّا أنّك أعرابي جافّ؟ فقلت: و اللَّه لقد جمعت القرآن من قبل أن يجتمع أبواك و لقد علّمني منه علي بن أبي طالب (عليه السلام) سورتين علّمهما إيّاه رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) ما عُلِّمتهما أنت و لا أبوك: «اللهمّ إنّا نستعينك و نستغفرك و نثني عليك و لا نكفّرك و نخلع و نترك من يفجرك، اللهمّ إيّاك نعبد و لك نصلّي و نسجد و إليك نسعى و نحفد، نرجو رحمتك و نخشى عذابك الجدّ إنّ عذابك بالكفّار ملحق» (1).

و هذا أيضاً تنادي بأعلى صوتها بأنّها من الأدعية المأثورة كما لا يخفى.

و منها: ما أخرجه البيهقي من طريق سفيان الثوري عن ابن جريح عن عطا عن عبيد بن عمير: أنّ عمر بن الخطّاب قنت بعد الركوع فقال: بسم اللَّه الرحمن الرحيم اللهمّ إنّا نستعينك و نستغفرك و نثني عليك و لا نكفّرك و نخلع و نترك من يفجرك، بسم اللَّه الرحمن الرحيم اللهمّ إيّاك نعبد و لك نصلّي و نسجد و إليك نسعى و نحفد نرجو رحمتك و نخشى نقمتك إنّ عذابك بالكافرين ملحق، قال ابن جريح: حكمة البسملة إنّهما سورتان في مصحف بعض الصحابة» (2).

و قد سمّيت هاتين السورتين بسورة الحفر و سورة الخلع لورود هاتين الكلمتين فيهما.

فهذه العبارة واضحة الدلالة على ما ذكرنا، كما يشهد عليه قول ابن جريح في ذيلهما حيث إنّه يرشدنا إلى علّة الخلط و الاشتباه في هذا المورد، و هي وجود البسملة في صدر الدعائين.

مضافاً إلى أنّ قرآنيّتهما لا بدّ فيها من ذكر قائل لها لأنّهما صدرتا بلسان عبد من عباد اللَّه، و دأب القرآن في مثل هذه الموارد أن يذكر القائل إلّا سورة الحمد خاصّة، التي تواترت الأخبار بها.

الطائفة الثالثة: وقع الخلط بين روايات الفريقين‏

وردت روايات كثيرة من طرق الفريقين و وقع الخلط فيها بين القرآن نفسه و تفسيره و شأن نزوله:

____________

(1) فصل الخطاب: أوائل الدليل الثامن بالنقل من السيوطي في الإتقان.

(2) المصدر السابق:

336

منها: ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي يونس مولى عائشة أنّه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفاً و قالت: إذا بلغت هذه الآية فآذنّي‏ «حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى» قال: فلمّا بلغتها آذنتها فأملت عليّ «حافظوا على الصلوات و الصّلاة الوسطى و صلاة العصر قوموا للَّه قانتين» قالت: عائشة سمعتها من رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)(1).

أقول: لا أقلّ من احتمال صدق هذا الخبر و صدور العبارة المذكورة من جانب النبي (صلى الله عليه و آله) إلّا أنّه على فرض صحّة الصدور تكون هذه العبارة بمثابة تفسير للصلاة الوسطى بصلاة العصر من جانبه (صلى الله عليه و آله) لا من باب أنّها جزء للآية.

و منها: ما رواه البخاري في كتاب البيوع من صحيحه عن عمرو عن ابن عبّاس قال: كانت عكاظ و مخبة و ذو المجاز أسواق الجاهلية فتأثموا أن يتّجروا في المواسم فنزلت: «ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربّكم في مواسم الحجّ» (2).

فقوله «في مواسم الحجّ» ورد لتفسير الآية ظاهراً لا أنّه جزء للآية.

و منها: ما رواه الثعلبي عن تفسيره كما نقله الطبرسي و غيره بإسناده عن أبي نصرة قال:

سألت ابن عبّاس عن المتعة فقال: أما تقرأ سورة النساء؟ فقلت: بلى، قال: فما تقرأ «فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى» قلت: لا أقرأها هكذا. قال: ابن عبّاس: «اللَّه هكذا أنزلها اللَّه ثلاث مرّات» (3).

و الظاهر أنّ هذا أيضاً من و هم ابن عبّاس و لذا لم يذكره غيره.

و منها: ما رواه السيوطي في الإتقان عن ابن عبّاس «مثل نوره كمشكاة» (في سورة النور) قال هي خطأ من الكاتب، هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة إنّما هي: «مثل نور المؤمن كمشكاة» (4).

و ليس هذا إلّا اجتهاد منه في معنى الآية كما هو واضح.

و منها: ما رواه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه عن ابن عبّاس في حديث طويل‏

____________

(1) فصل الخطاب: أوائل الدليل الثامن.

(2) المصدر السابق:

(3) المصدر السابق:

(4) المصدر السابق:

337

أنّه كان يقرأ: «و كان أمامهم ملك يأخذ كلّ سفينة صالحة غصباً» و كان يقرأ: «و أمّا الغلام فكان كافراً و كان أبواه مؤمنين» (1).

و الكلام فيه كما في سابقه.

و منها: ما رواه علي بن عيسى الإربلي في كشف الغمّة عن طريق العامّة عن زرّ بن عبد الله قال: كنّا نقرأ على عهد رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): «يا أيّها الرسول بلّغ ما انزل إليك من ربّك أنّ عليّاً مولى المؤمنين فإن لم تفعل فما بلّغت رسالته و اللَّه يعصمك من الناس» (2).

و منها: ما رواه البيهقي في سننه عن ابن عمر أنّه طلّق امرأته و هي حائض فذكر ذلك عمر رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، فتغيّظ فيه رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) ثمّ قال: «ليراجعها ثمّ يمسكها حتّى تطهر ثمّ تحيض فتطهر فإن بدا له أن يطلّقها فيطلّقها طاهرة قبل أن يمسّها فتلك العدّة التي أمر اللَّه تعالى أن يطلّق بها النساء و قرأ (صلى الله عليه و آله): يا أيّها النبي إذا طلّقتم النساء فطلّقوهنّ في قبل عدتهنّ» (3).

فعوّضت كلمة اللام في قوله تعالى «لعدتهنّ» بكلمة «في قبل» تفسيراً لها.

و منها: ما رواه الراغب الأصفهاني في المحاضرات من أنّه قرأ بعضهم: «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم و أزواجهم امّهاتهم و هو أب لهم» (4).

فقوله: «و هو أب لهم» تفسير لقوله تعالى: «و أزواجه امهاتهم» لأنّ لازم كون الأزواج امّهات كون الزوج أباً.

و منها: ما رواه الشيخ أبو الحسن الشريف في تفسيره عن عبد الرحمان السلمي قال: قال عمر بن الخطّاب: لا تغالوا في مهور النساء، فقالت: امرأة ليس ذلك لك يا عمر، إنّ اللَّه يقول:

و آتيتم إحداهنّ قنطاراً من ذهب، فقال عمر: «إنّ امرأة خاصمت عمراً فخصمته» (5).

إلى غير ذلك ممّا يعلم أو يحتمل فيه وقوع الخلط بين متون الآيات و التفاسير الواردة فيها عن النبي (صلى الله عليه و آله) أو الأئمّة الهادين أو غيرهم، فلا يصحّ الاستدلال بشي‏ء منها على وقوع‏

____________

(1) فصل الخطاب: أوائل الدليل الثامن.

(2) المصدر السابق:

(3) المصدر السابق:

(4) المصدر السابق:

(5) المصدر السابق:

338

التحريف حتّى إذا فرضنا صحّة إسنادها و اللَّه العالم بحقائق الامور.

الطائفة الرابعة: في روايات تدل على مطلق التحريف ...

هذه الطائفة من الرّوايات تدلّ على مطلق التحريف، و لكن حملها المحدّث النوري (رحمه الله) على التحريف اللفظي مع أنّ المعنوي منه أيضاً معنى شائع له- كما مرّ- مضافاً إلى وجود شواهد في نفس هذه الرّوايات تشهد على أنّ المراد من التحريف فيها هو التحريف المعنوي.

فمنها: ما رواه الصدوق في الخصال بإسناده عن جابر عن النبي (صلى الله عليه و آله): «يجي‏ء يوم القيامة ثلاثة يشكون: المصحف و المسجد و العترة، يقول المصحف: «يا ربّ حرّفوني و مزّقوني» و يقول المسجد: «عطّلوني و ضيّعوني» و تقول العترة: «يا ربّ قتلونا و شرّدونا» (1).

فقوله: «مزّقوني» قرينة على أنّ المراد من التحريف هو التحريف المعنوي لأنّ تمزيق أوراق الكتاب لم يكن أمراً شائعاً في مرّ التاريخ بل لم يرد وقوعه من أحد إلّا القليل مثل الوليد، فيكون التمزيق حينئذٍ كناية عن التحريف في المعنى.

و منها: ما رواه علي بن إبراهيم القمّي بإسناده عن أبا ذرّ قال: لمّا نزلت هذه الآية: «يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ» قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): «ترد عليّ امّتي يوم القيامة على خمس رايات، فراية مع عجل هذه الامّة فأسألهم: ما فعلتم بالثقلين من بعدي فيقولون: أمّا الأكبر فحرّفنا و نبذناه وراء ظهورنا، و أمّا الأصغر فعاديناه و أبغضناه ...» (2).

فقوله «و نبذناه وراء ظهورنا» أيضاً قرينة على أنّ المراد هو التحريف المعنوي لأنّ نبذ القرآن وراء الظهور كناية عن عدم العمل به.

و منها: ما رواه ابن شهرآشوب في المناقب- كما في البحار- عن أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) في خطبته يوم عاشوراء و فيها: «فإنّما أنتم من طواغيت الامّة و شذّاذ الأحزاب و نبذة الكتاب و نفثة الشيطان و عصبة الآثام و محرّفو الكتاب ... الخطبة» (3).

____________

(1) فصل الخطاب: أوائل الدليل الثامن.

(2) المصدر السابق: أواسط الدليل الحادي عشر.

(3) المصدر السابق:

339

فإنّ المخاطب في هذا الكلام هم أهل الكوفة الذين جاءوا لقتل الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء، و لا إشكال في أنّه لو فرض وقوع التحريف اللفظي فقد كان من آبائهم، و أمّا تحريف هؤلاء الحاضرين في كربلاء فكان معنويّاً قطعاً.

و من العجب ما قاله المحدّث النوري (رحمه الله) هنا من أنّه لا بدّ لنا من حمل التحريف في هذه الأخبار على التحريف اللفظي لا المعنوي، و استدلّ له بقرائن كثيرة. منها: «إنّا لم نعثر على التحريف المعنوي الذي فعله الخلفاء الذين نسب إليهم التحريف في تلك الأخبار في آية أو أكثر و تفسيرهم لها بغير ما أراد اللَّه تعالى منها، و لو وجد ذلك لكان في غاية القلّة» إلى غير ذلك ممّا ذكره في هذا المجال، مع إنّا نعلم أنّهم كانوا يحرّفون الكتاب ليلًا و نهاراً تحريفاً معنويّاً كتطبيقهم كلمة وليّ الأمر أو المؤمنين الواردة في آيات من الكتاب على أنفسهم، و قوله تعالى:

«وَ لَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ» على من خالفهم.

الطائفة الخامسة: في روايات تدلّ على حذف آيات الفضائل:

منها: ما رواه في الكافي عن الأصبغ بن نباتة قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «نزل القرآن ثلاثاً: ثلث فينا و في عدوّنا، و ثلث سنن و أمثال، و ثلث فرائض الأحكام» (1).

و منها: ما رواه في الكافي أيضاً عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إنّ القرآن نزل على أربعة أرباع:

ربع حلال، و ربع حرام، و ربع سنن و أحكام، و ربع خبر ما كان قبلكم و نبأ ما لم يكن إلّا بعدكم و فصل ما بينكم» (2).

و منها: ما رواه العيّاشي في تفسيره عن أبي الجارود قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «نزل القرآن على أربعة أرباع: ربع فينا، و ربع في عدوّنا، و ربع في فرائض و أحكام، و ربع سنن و أمثال و لنا كرائم القرآن» (3).

و وجه الاستدلال هو عدم وجود مثل هذه الأثلاث أو الأرباع في الكتاب الموجود بين أيدينا.

____________

(1) فصل الخطاب: أواسط الدليل الحادي عشر.

(2) المصدر السابق:

(3) المصدر السابق:

340

و الجواب عن هذه الطائفة واضح، لأنّ المراد من قوله (عليه السلام) «فينا» الانطباق عليهم على نحو انطباق الكلّي على مصداقه الأتمّ الأكمل، كما ورد في بعض الرّوايات بالإضافة إلى كلّ آية ورد فيها «الذين آمنوا»: أنّ عليّاً (عليه السلام) على رأسها و أميرها، أي إنّه أتمّ المصاديق كما أنّ أعدائهم أتمّ مصاديق الآيات التي وردت فيها «الذين كفروا»، و حيث إن ثلث القرآن ورد في بيان حالات المؤمنين و الكافرين فباعتبار انطباقها على الأئمّة (عليهم السلام) و على عدوّهم انطباق العنوان الجامع على أتمّ مصاديقه يصحّ أن يقال مثلًا: «نزل القرآن أثلاثاً ثلث فينا و في عدوّنا» لا أنّ أساميهم كانت مذكورة في الكتاب العزيز.

الطائفة السادسة: في اختلاف القراءات‏

وردت في اختلاف القراءات و من هذا القبيل كثير من الرّوايات التي أوردها المحدّث النوري (رحمه الله) في الدليل الثاني عشر:

منها: ما رواه السياري عن البرقي عن النصر عن يحيى بن هارون قال: صلّيت خلف أبي عبد الله (عليه السلام) بالقادسيّة فقرأ: من يعمل مثقال ذرّة خيراً يره (بضم الياء) و من يعمل مثقال ذرّة شرّاً يَره (بضمّ الياء أيضاً).

و سيأتي إن شاء اللَّه تعالى في البحث عن اختلاف القراءات عدم كونه من التحريف مطلقاً فانتظر.

الطائفة السابعة: في روايات ليست داخلة في الطوائف الستة ...

و هنا وردت روايات ليست داخلة في إحدى الطوائف الستّة السابقة و لا يرد عليه أحد من الإشكالات الواردة عليها و لكنّها مردودة من جهتين:

الاولى: أنّها مخالفة لكتاب اللَّه العزيز، و قد ورد في أحاديث أهل البيت «إنّ ما خالف كتاب اللَّه فذروه».

الثانية: اعراض الأصحاب عنها حتّى بالنسبة للمحدّث النوري (رحمه الله) نفسه كما يدلّ عليه ما

341

مرّ سابقاً من عبارة تلميذه المحدّث الطهراني في مقدّمة المستدرك: «و أمّا عمله فقد رأيناه و هو لا يقم لما ورد في مضامين (هذه) الأخبار وزناً بل يراها أخبار آحاد لا تثبت بها القرآنيّة بل يضرب بخصوصيّاتها عرض الجدار سيرة السلف الصالح من أكابر الإماميّة كالسيّد المرتضى و الشيخ الطوسي و أمين الإسلام الطبرسي رحمهم الله».

بقي هنا امور:

الأمر الأوّل: الرّوايات الواردة في كتاب فصل الخطاب‏

إنّ كثيراً من الرّوايات الواردة في كتاب فصل الخطاب سيّما في الدليل الثاني عشر مروية من طريق السياري و هي تبلغ 188 رواية بناءً على احصاء مؤلّف كتاب «برهان روشن»، و بالتالي نذكر نماذج من هذه الرّوايات التي يتجلّى فيها وقوع الخطأ:

فمنها: ما روي عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: و إذا المودّة (بدل الموؤدة) سئلت (في سورة الشمس) قال: «من قتل في مودّتنا».

و منها: ما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام): « «يا أيّتها النفس المطمئنة» (في سورة الفجر) إلى محمّد و أهل بيته ارجعي إلى ربّك راضية مرضيّة فادخلي في عبادي و ادخلي جنّتي غير ممنوعة».

و منها: ما روي عن أبي عبد الله قال: قرأ رجل بين يدي أبي عبد الله (عليه السلام): فإنّ مع العسر يسراً إنّ مع العسر يسراً (الانشراح) فقال (عليه السلام): إنّ مع العسر يسرين هكذا نزلت».

و منها: ما روي أبو بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: تنزّل الملائكة و الروح فيها بإذن ربّهم (سورة القدر) من عند ربّهم على محمّد و آل محمّد بكلّ أمر سلام».

و منها: ما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام): «إنّا أعطيناك يا محمّد الكوثر فصلّ لربّك و انحر إنّ شانئك هو عمرو بن العاص هو الأبتر».

و منها: ما روي عن عابر بن خداعة قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): علّمني قل هو اللَّه أحد، قال: أكتبها لك قال: لا، احبّ أن أتعلّمها إلّا من فيك. قال اقرأ: «قل هو اللَّه أحد اللَّه الصمد ثلاثاً آخرها كذلك اللَّه ربّنا».

342

و هذه هي نماذج من الرّوايات التي في سندها أحمد بن محمّد السياري الذي مرّ الكلام عنه إجمالًا و قد وقع الخلط فيها بين التفسير و التنزيل، هذا على فرض صدورها، و لكن قد عرفت كون الرجل من أضعف الضعاف، و لكن بما أنّ المحدّث النوري (رحمه الله) سلك في آخر المستدرك مسلك الدفاع عنه لا بدّ لنا من سرد كلمات الرجاليين فيه تفصيلًا، و إليك رأي عدّة كثيرة من كبار علماء الرجال فيه:

1- قال الشيخ الطوسي (رحمه الله) في الفهرست: «أحمد بن محمّد بن سيّار، أبو عبد الله الكاتب بصري من كتّاب أبي طاهر في زمن أبي محمّد (عليه السلام) و يعرف ب «السياري» ضعيف الحديث فاسد المذهب، مجفوّ الرّواية، كثير المراسيل» (1).

2- قال العلّامة في الخلاصة: «هو فاسد المذهب، كثير المراسيل، ضعيف الحديث، مجفوّ الرّواية حكى محمّد بن محبوب عنه» (2).

3- قال النجاشي في رجاله نظير ما سمعته من الطوسي في الفهرست‏ (3).

4- قال الكشّي في رجاله عن إبراهيم بن محمّد بن حاجب قال: «قرأت في رقعة مع الجواد (عليه السلام) يعلم من سأل عن السياري أنّه ليس في المكان الذي ادّعاه لنفسه و أن لا يدفعوا (إليه) شيئاً» (4).

5- قال العلّامة المامقاني الذي من دأبه تصحيح الرجل و إحياء ذكره مهما أمكن: «ضعف الرجل من المسلّمات» (5).

6- قال ابن شهرآشوب: «أنّه مجفوّ الرّواية» (6).

7- قال ابن داود في رجاله نظير ما سمعته من الخلاصة (7).

____________

(1) مجمع الرجال: ج 1، ص 151.

(2) تنقيح المقال: ج 1، ص 87.

(3) مجمع الرجال: ج 1، ص 151.

(4) المصدر السابق: ص 149.

(5) تنقيح المقال: ج 1، ص 87.

(6) المصدر السابق: ص 87، نقلًا من معالم ابن شهرآشوب.

(7) المصدر السابق: ص 87، نقلًا من رجال ابن داود.

343

8- و ضعّفه المجلسي (رحمه الله) في الوجيزة (1).

و المستفاد من هذه الكلمات أنّ ضعف السياري من المسلّمات، لكن المحدّث النوري (رحمه الله) دافع عن الرجل في خاتمة المستدرك بوجهين:

أحدهما: نقل رواياته في الكافي.

و الثاني: أنّ منشأ هذه التضعيفات إنّما هو ابن الغضائري الذي أمر فيه بأخذ توثيقاته و ردّ تضعيفاته لأنّه كان شديد الأخذ في الرجال يضعّف الرجل بأدنى شي‏ء.

و يردّ على الأوّل: بأنّا نعلم بورود روايات ضعيفة في الكافي لم يعمل أحد من العلماء بها.

و أمّا الوجه الثاني فيرد عليه: أنّه دعوى بلا دليل لأنّه لم يعتمد أحد من هؤلاء في كلماته على ابن الغضائري، نعم يشبه كلامه كلام النجاشي في قوله: «إنّه قال بالتناسخ» أي توجد نسبة الرجل إلى القول بالتناسخ في كلّ من رجال النجاشي و رجال ابن الغضائري، و لكنّه لا دليل على اعتماد النجاشي عليه، و إن كان هو (ابن الغضائري) من مشايخه، و لو سلّم اعتماده عليه لكنّه لا يحتمل ذلك بالنسبة إلى الشيخ الطوسي الذي لم يكن هو (ابن الغضائري) من مشايخه قطعاً، و بالنسبة إلى الكشّي أيضاً الذي يروي الرّواية عن الجواد (عليه السلام) في حقّه.

و لقد أجاد المحقّق المامقاني (رحمه الله) بعد نقل كلمات علماء الرجال في الرجل حيث قال ما نصّه:

«و بالجملة فضعف الرجل من المسلّمات و العجب كلّ العجب من الشيخ الماهر المحدّث النوري (رحمه الله) حيث إنّه رام في خاتمة المستدرك إثبات وثاقة الرجل و الاعتماد على كتابه بإكثار الكليني (رحمه الله) و الثقة الجليل محمّد بن العبّاس بن ماهيا الرّواية عنه ... إلى أن قال: و وجه التعجّب من هذا النحرير أنّه رفع اليد عن تصريحات من سمعت بنقل هؤلاء رواياته الذي هو فعل مجمل و جعل الإصغاء إلى التنصيصات المذكورة ممّا لا ينبغي، و هو كما ترى، إذ كيف يقابل القول الصريح بعدم الاعتماد عليه بالفعل الظاهر سيّما مع تأيّد أقوالهم بما سمعته من مولانا الجواد (عليه السلام) الظاهر في دعواه النيابة عنه من غير أصل؟» (2).

____________

(1) تنقيح المقال: ج 1، ص 87، نقلًا من الوجيزة.

(2) تنقيح المقال: ج 1، ص 87.

344

الأمر الثاني: في نسخ التلاوة

و هو أن تنسخ تلاوة آية من الآيات سواء نسخ حكمها أيضاً أو لم ينسخ فقد يكون الحكم باقياً من دون بقاء الآية الدالّة عليه، و في مقابله نسخ الحكم، و هو أن ينسخ الحكم من دون أن تنسخ الآية الدالّة عليه، أمّا نسخ الحكم مع بقاء التلاوة فهو أمر ظاهر مفهوماً و مصداقاً، و أمّا نسخ التلاوة بعد نزولها قرآناً فهو أمر لا معنى محصّل له، و لكن مع ذلك ذهب جماعة من العامّة إليه في موارد كثيرة، و الظاهر أنّهم أرادوا به توجيه بعض ما ورد في رواياتهم من التحريف في الكتاب العزيز:

منها: ما مرّ من رواية الليث بن سعد قال: «أوّل من جمع القرآن أبو بكر و كتبه زيد ... و إنّ عمر أتى بآية الرجم فلم يكتبها لأنّه كان وحدة» (1).

و منها: ما مرّ أيضاً من عائشة قالت: «كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن النبي (صلى الله عليه و آله) مأتي آية، فلمّا كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلّا ما هو الآن» (2).

و منها: ما مرّ أيضاً من سورتي الخلع و الحفد في ما حكوا عن مصحف ابن عبّاس و ابي بن كعب: «اللهمّ إنّا نستعينك و نستغفرك و نثني عليك و لا نكفّرك و نخلع و نترك من يفجرك اللهمّ إيّاك نعبد و لك نصلّي و نسجد و إليك نسعى و نحفد نرجو رحمتك و نخشى عذابك إنّ عذابك بالكافرين ملحق» (3).

إلى غير ذلك ممّا روي من طرقهم، فقد أرادوا بهذا إنكار نسبة القول بالتحريف إلى أنفسهم بتوجيه أنّ هذه الرّوايات من قبيل نسخ التلاوة لا من موارد التحريف.

و لا بدّ في الجواب عنه من تعيين معنى نسخ التلاوة و المراد منه‏ فنقول: إن كان المقصود منه أنّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) نهى عن تلاوة هذا القبيل من الآيات و أن نسخ التلاوة قد وقع من رسول اللَّه فهذا أمر غير معقول، و إن كان المراد وقوعه ممّن تصدّى للزعامة من بعد النبي (صلى الله عليه و آله) فهو عين القول بالتحريف بالنقصان واقعاً و إن لم يسمّ بالتحريف لفظاً، وعليه فيمكن أن يدّعي أنّ القول بالتحريف هو مذهب كثير من علماء أهل السنّة لأنّهم يقولون بجواز نسخ التلاوة، بل‏

____________

(1) البيان: ص 220.

(2) المصدر السابق:

(3) المصدر السابق:

345

يمكن أن يدّعي أنّ أوّل من قال عندهم بالتحريف هو عائشة، و الثاني عمر، و الثالث ابن عبّاس، و قد عرفت أنّ المحقّقين منّا و منهم رفضوا القول بالتحريف مطلقاً.

الأمر الثالث: في اختلاف القراءات‏

و يبحث فيه أنّ الاختلاف في القراءة هل يوجب سقوط حجّية القرآن في الآية المختلف في قراءتها، أو لا؟

فنقول: الاختلاف في القراءة على وجهين: تارةً لا يوجب تغييراً في المعنى كالاختلاف في قوله: «خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ» (1) بالنسبة إلى كلمة «ضعف» التي قرأت بالفتح في قراءة عاصم برواية الحفص، و بالضمّ في بعض القراءات الاخرى و قراءة عاصم برواية غير الحفص.

و اخرى‏ يكون مغيّراً للمعنى كالاختلاف في قوله تعالى: «فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الَمحِيضِ وَ لَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ» (2) بالنسبة إلى قوله «يطهرن» ففي قراءة الحفص و جماعة ورد بالتخفيف، و في قراءة جماعة اخرى بالتشديد، و هو على الأوّل ظاهر في النقاء عن الدّم، و نتيجته جواز الوقاع قبل الغسل و بعد انقطاع الدم، و على الثاني ظاهر في الاغتسال (و إن كان عندنا محلّ كلام) و نتيجته عدم جواز الوقاع قبل الغسل و بعد النقاء.

و كيف كان، فإنّ هنا ثلاث مسائل:

المسألة الاولى: في تواتر القراءات و عدمه، و فيه ثلاث احتمالات:

الأوّل: تواتر القراءات.

الثاني: عدم التواتر مع حجّية جميعها.

الثالث: عدم التواتر مع حجّية واحد منها فقط و إن كانت القراءة في الباقي جائزة.

فنقول: لا دليل على تواتر القراءات و كونها موجودة في زمن النبي (صلى الله عليه و آله) نزل بها جبرئيل (عليه السلام)، لأنّ تواترها يتوقّف على تحقّق التواتر في ثلاث مراحل: التواتر بيننا و بين القرّاء، و التواتر بين القرّاء أنفسهم، و التواتر بين القرّاء و بين النبي (صلى الله عليه و آله) بينما المعروف أنّ لكلّ واحد من القرّاء السبعة راويين فقط، فلا يتحقّق التواتر في المرحلة الاولى، مضافاً إلى أنّ هذين الراويين‏

____________

(1) سورة الروم: الآية 54.

(2) سورة البقرة: الآية 222.

346

ينقلان عن قارئهما مع واسطة إلّا راوى عاصم.

و هكذا بالنسبة إلى المرحلة الثانية لأنّه في عصر عاصم مثلًا لا يعيش من القرّاء المعروفين أحد إلّا شخص عاصم، و كذلك بالنسبة إلى المرحلة الثالثة لأنّ هؤلاء القرّاء تولّدوا بعد مدّة طويلة بعد النبي (صلى الله عليه و آله) و لا دليل على وجود التواتر بينه و بينهم.

نعم نعلم إجمالًا بكون كثير من هذه القراءات مشهورة بين الناس، و لكن هذا المقدار من الشهرة غير كافٍ في إثبات المقصود.

و على هذا فدعوى تواتر القراءات دعوى عجيبة بلا دليل، بل الدليل موجود على خلافه، و هو ما مرّ سابقاً أنّ عثمان جمع المسلمين على قراءة واحدة، لأنّ الاختلاف في القراءة من شأنه أن يؤدّي إلى الاختلاف بين المسلمين و تمزيق صفوفهم و لذلك لم يعترض أحد من الصحابة عليه مع أنّه لو كانت القراءات متواترة لم يكن وجه لسكوتهم.

هذا مضافاً إلى أنّ نزول القرآن على النبي (صلى الله عليه و آله) على سبعة أحرف في نفسه أمر غير ثابت بل غير معقول كما لا يخفى.

ثمّ إنّه لا معنى للاحتمال الثالث و هو جواز القراءة مع عدم الحجّية في العمل لأنّه إذا استفدنا من الرّوايات المتظافرة (التي تقول: اقرءوا كما قرأ الناس) جواز القراءة شرعاً نستفيد منها الحجّية بالملازمة العرفيّة، أي الحجّية حينئذٍ مدلول التزامي لتلك الرّوايات، فلا وجه لإنكار الملازمة من ناحية المحقّق الخراساني (رحمه الله) و صاحب البيان و استدلالهم بأنّ الرّواية تقول:

«اقرءوا» و لا تقول: «اعملوا».

المسألة الثانية: في مقتضى كلّ واحد من هذه الاحتمالات: فنقول: إذا قلنا بتواتر القراءات فلازمه حجّية جميعها و القطع بصدور الجميع، و حينئذٍ لا تعارض بينها من ناحية السند بل التعارض ثابت في دلالاتها، فلو كان واحد منها أظهر من الباقي يؤخذ به و إلّا تتعارض ثمّ تتساقط الجميع عن الحجّية.

و إن قلنا بالاحتمال الثاني فتكون المسألة من باب الخبرين المتعارضين اللذين كلاهما حجّة، و حينئذٍ بما أن أدلّة إعمال المرجّحات خاصّة بالسنّة الظنّية تكون النتيجة تساقط الخبرين عن الحجّية، و إن كان لأحدهما ترجيح على الآخر فتصل النوبة إلى الاصول العمليّة، و سيأتي ما تقتضيه هذه الاصول إن شاء اللَّه.

347

و إن قلنا بالاحتمال الثالث فتكون المسألة من قبيل اشتباه الحجّة بلا حجّة، فتصير حينئذٍ حجّية كلّ منهما ظنّية، و قد ثبت في محلّه أنّ احتمال العدم في باب الحجّية يساوق عدم الحجّية.

و إن شئت قلت: قد ثبت في محلّه أنّ الأصل في الظنون عدم الحجّية.

المسألة الثالثة: في مقتضى القاعدة الأوّليّة بعد التساقط فنقول: مقتضى القواعد العامّة الفقهيّة بعد الشكّ في حكم خاصّ و إجمال الدليل هو الرجوع إلى العمومات و الأدلّة الاجتهادية أوّلًا فإن ظفرنا بها فهو، و إلّا تصل النوبة إلى الاصول العمليّة، ففي المثال المعنون في محلّ البحث مثلًا لو فرض إجمال قوله تعالى: «فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الَمحِيضِ وَ لَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ» لا بدّ من الرجوع أوّلًا إلى العمومات الواردة في المسألة، و قيل أنّ العام فيها قوله:

«فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ» لأنّ عموم «أنّى شئتم» يشمل جميع الأزمنة (لأنّه بمعنى «متى شئتم» أو «أي زمان شئتم») و خرج عنه خصوص زمان وجود الدم فقط، فبمجرّد النقاء يأتي جواز الوقاع لذلك العموم و لا تصل النوبة إلى استصحاب الحرمة.

هذا إذا قلنا أنّ كلمة «أنّى» بمعنى «متى» فحسب، و أنّ معناها واضح لا إجمال فيه، و أمّا إذا قلنا بإجماله كما أنّه كذلك لأنّه ذكر لها في اللغة ثلاث معانٍ ففي المجمع البحرين «أنّى» بمعنى «متى» و «أنّى» بمعنى «كيف» و «أنّى» بمعنى «أين» (كقوله تعالى: أنّى لك هذا) بل بعض اللغويين لم يذكروا المعنى الأوّل، و هو الراغب في المفردات (الذي هو من أئمّة اللغة و كتابه مختصّ بلغات القرآن و محلّ البحث في المقام من جملتها) فيثبت حينئذٍ عدم تماميّة الدليل اللفظي الاجتهادي و تصل النوبة إلى الرجوع إلى الاصول العمليّة، و الأصل العملي في المثال هو استصحاب وجوب الاعتزال لأنّ موضوعه هو خصوص النساء و ليس سيلان الدم من مقوّماته حتّى يوجب تغيير الموضوع بعد الانقطاع بل هي من حالاته كاستصحاب النجاسة في الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره، و لو فرض كونه مقوّماً كما إذا قلنا بأنّ معنى قوله تعالى «اعتزلوا النساء» قولك «اعتزلوا الحائض» يجري الاستصحاب أيضاً لوحدة القضيّة المتيقّنة و المشكوك عند العرف في المقام لما عرفت من أنّ الحيض عند العرف ليس من مقدّمات الموضوع بل إنّه من حالاته بخلاف ما إذا صار المجتهد ناسياً لعلومه فلا يجوز تقليده بعد عروض النسيان تمسّكاً باستصحاب جواز التقليد لأنّ الاجتهاد عند العرف من مقوّمات الموضوع بالنسبة إلى هذا الحكم فيلزم تبدّل الموضوع بعد عروض النسيان.

348

نعم، هذا كلّه فيما إذا قلنا بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة، و سيأتي في مبحث الاستصحاب إن شاء اللَّه أنّ المختار خلافاً للمشهور عدمه، و حينئذٍ تصل النوبة إلى أصالة الإباحة (كلّ شي‏ء لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام) و لا إشكال في جريانها في الشبهات الحكمية، أو إلى البراءة العقليّة.

و لكن هذا كلّه فيما إذا كانت الآية من أمثلة النزاع في ما نحن فيه، أي كان اختلاف القراءة فيها موجباً لاختلاف المعنى و الحكم، مع أنّه أوّل الكلام، لأنّه لقائل أن يقول: أنّ قوله تعالى:

«يطهرن» على كلا الوجهين يكون بمعنى النقاء عن الدم لأنّ كون «يطهرن» على الوجه الثاني (أي كونها من باب التفعّل) مبني على اعتبار كون الفعل اختياريّاً في باب التفعّل و المطاوعة لأنّه بناءً على هذا الاعتبار لا يمكن أن يكون يطهّرن (بالتشديد) بمعنى النقاء لعدم كونه من الأفعال الاختياريّة بخلاف معنى الاغتسال.

لكن لا دليل على هذا الاعتبار، بل كثيراً ما يدخل في باب التفعّل ما لا يكون اختياريّاً كما في قوله تعالى: «وَ إِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ» و قوله تعالى: «تَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ». مضافاً إلى وجود قرينتين في الآية على كون «يطهرن» بمعنى النقاء: إحداهما: كلمة المحيض و أنّها موجبة لوجوب الاعتزال لأنّ الحيض بمعنى سيلان الدم، و التطهّر من الحيض يساوق عدم السيلان و انقطاع الدم. الثانية وحدة السياق فإنّها تقتضي كون الغاية في الجملة الاولى (و لا تقربوهنّ حتّى يطهرن) و الشرط في الجملة الثانية (فإذا تطهّرن فأتوهنّ) بمعنى واحد، و حيث إن «تطهّرن» في الجملة الثانية بمعنى النقاء بلا إشكال فلتكن «يطهرن» في ما نحن فيه أيضاً بهذا المعنى.

ثمّ‏ ليعلم أنّ لهذه المسألة في الفقه روايات خاصّة عديدة، بعضها تدلّ على جواز الوقاع قبل الغسل و بعضها تدلّ على عدم الجواز و مقتضى الجمع بينهما هو الجواز مع الكراهة، و الكراهة الشديدة إذا لم تغسل الموضع.

بقي هنا شي‏ء:

و هو أنّه كيف يجمع بين القول باختلاف القراءات مع سرايته إلى المعنى أحياناً و بين وعده تعالى بحفظ القرآن في آية الحفظ؟

349

و الجواب عنه: أنّ الاختلاف ينافي آية الحفظ فيما إذا ثبت عدم القراءة المشهورة المتداولة بين المسلمين.

و إن شئت قلت: يستفاد من الآية بالدلالة الالتزاميّة أنّ القراءة التي تنزل بها جبرئيل هي هذه القراءة و لا دليل على شهرة القراءات الاخرى و لو بالنسبة إلى فترة من الزمان.

هذه مضافاً إلى أنّ كون الاختلاف في القراءة التي بين أيدينا سبباً لتفاوت الأحكام أوّل الكلام كما عرفت في المثال المعروف في آية الحيض.

إلى هنا تمّ الكلام في مباحث حجّية ظواهر الألفاظ و اللَّه العالم بحقائق الامور.

350

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

351

إثبات صغرى الظهور (حجّية قول اللغوي)

إلى هنا قد فرغنا عن البحث عن كبرى حجّية ظواهر الألفاظ، و تصل النوبة إلى بحث صغروي، و هو إثبات صغرى الظهور و أنّ هذا اللفظ ظاهر في هذا المعنى أو لا؟ فبأيّ شي‏ء يثبت الظهور؟ و ما هو المرجع عند الشكّ فيه؟

فنقول: للمسألة خمس صور لا بدّ من التمييز بينها و البحث عن كل منها مستقلًا:

الاولى: إذا كان الشكّ في مادّة اللغة كمادّة الكنز أو الغنيمة.

الثانية: إذا كان الشكّ في هيئة المفرد، كما إذا شككنا في معنى الطهور، فهل هي بمعنى الطاهر في نفسه و المطهّر لغيره، أو بمعنى شديد الطهارة في نفسه بمقتضى صيغة المبالغة.

الثالثة: إذا كان الشكّ في هيئة الجملة كالشكّ في الجملة الشرطيّة و أنّها هل تدلّ على العلّية المنحصرة حتّى يكون لها المفهوم أو لا؟

الرابعة: إذا كان الشكّ في وجود قرينة توجب الاختلاف في الظهور.

الخامسة: إذا كان الشكّ في قرينيّة الموجود كقرينيّة الاستثناء بإلّا للجمل السابقة فيما إذا تعقّبت الجمل المتعدّدة باستثناء واحد.

و نبدأ في الجواب بالأخيرتين و نقول:

أمّا الصورة الرابعة: فلا إشكال و لا كلام في أنّ الأصل فيها عدم وجود القرينة، إنّما الكلام في أنّ أصالة عدم القرينة هل هي أصل تعبّدي و حجّة تعبّداً، أو أنّها ترجع إلى أصالة الظهور فتكون حجّيتها من باب حجّية أصالة الظهور؟ فعلى الأوّل يكون الأصل عدم وجود قرينة في البين فيؤخذ بالمعنى الظاهر العرفي، و أمّا على الثاني فلا بدّ من ملاحظة ظهور الكلام و أنّه هل يوجب احتمال وجود القرينة إجمال اللفظ أو الظهور باقٍ على حاله؟ فالملاك كلّه حينئذٍ هو

352

الظهور اللفظي و عدمه، و لكن لا فرق بين المبنيين بالنسبة إلى هذه الصورة فإنّ النتيجة واحدة.

أمّا الصورة الخامسة: و هي ما إذا شكّ في قرينية الموجود كالاستثناء المتعقّب للعمومات المتعدّدة فهي مبنيّة على ما مرّ من النزاع آنفاً، فبناءً على كون أصالة عدم القرينة حجّة تعبّداً فلا إشكال في الأخذ بالعمومات السابقة على العام الأخير، و بناءً على أصالة الظهور يصبح الكلام مجملًا و تسقط العمومات السابقة عن الحجّية لاحتفافها بما يحتمل القرينية، و بما أن بناء العقلاء استقرّ على حجّية الظواهر فقط فلا بدّ لإثبات حجّية أصالة عدم القرينة تعبّداً من دليل يدلّ عليها و إلّا لزم الرجوع إلى أصالة الظهور لا محالة.

أمّا الصورة الثالثة: و هي الشكّ في هيئة الجملة فالمرجع فيها هو علم النحو و المعاني و البيان، و لكن بما أن عدداً كثيراً من هيئات الجمل لم يبحث عنها في هذه العلوم بحثاً كافياً لا بدّ من البحث عنها في مبادئ علم الاصول، و المتداول اليوم التكلّم عنها في مباحث الألفاظ.

و أمّا الصورة الثانية: و هي الشكّ في هيئة المفردات فالمرجع فيها هو علم الصرف كالبحث عن الفرق بين اسم الفاعل و اسم المفعول، أو بين اسم الفاعل و الصفة المشبهة، أو الفرق بين أبواب الثلاثي المزيد.

نعم يبحث عن عدّة منها في علم الاصول كالبحث عن المشتقّ.

بقيت‏ الصورة الاولى‏ و هي الشكّ في مادّة اللغة، فالمعروف و المشهور أنّ المرجع فيها هو قول اللغوي و أنّه حجّة فيها بل ادّعى فيه إجماع العلماء، لكن خالف فيه المحقّق الخراساني (رحمه الله) و قال بعدم حجّية قول اللغوي، و سيأتي أنّ شيخنا الأعظم الأنصاري (رحمه الله) مال إلى الحجّية مع تأمّله فيها أخيراً، فعلينا أن نلاحظ الأدلّة و أنّه ما هو مقتضى الدليل؟

استدلّ للحجّية بوجوه ثلاثة:

الوجه الأوّل: إجماع العلماء (بل جميع العقلاء) على ذلك، فانّهم قديماً و حديثاً يرجعون في استعلام اللغات إلى كتب أهل اللغة، و لذلك ينقلون في الفقه أقوال اللغويين بالنسبة إلى موضوع من موضوعات الأحكام كالغنيمة و الكنز حتّى من أنكر حجّية قولهم كالمحقّق الخراساني (رحمه الله)، كما يرجعون إليهم في فهم الحديث و تفسير الكتاب الكريم.

لكن يرد عليه: أنّ الإجماع هذا لا يكون كاشفاً عن قول المعصوم (عليه السلام) بما أنّه دليل تعبّدي‏

353

خاصّ قبال الأدلّة الاخرى التي استدلّوا بها في المقام لإمكان نشوئه منها فلا بدّ من الرجوع إليها.

الوجه الثاني: بناء العقلاء و سيرتهم قديماً و حديثاً و في كلّ عصر و زمان و مكان على الرجوع إلى أهل الخبرة، و هذا أهمّ الوجوه في المقام.

لكن أُورد عليه إشكالات عديدة:

الأول: أنّ اللغوي ليس من أهل الخبرة، أي أهل الرأي و الاجتهاد بالنسبة إلى تشخيص المعاني الحقيقيّة عن المعاني المجازيّة، و إن شئت قلت: ليس شأن اللغوي إلّا بيان موارد الاستعمال لا تعيين المعنى الحقيقي من بين المعاني التي يستعمل اللفظ فيها.

و يمكن الجواب عنه: بأنّ المهم في تعيين مراد المتكلّم هو تشخيص ظهور اللفظ كما مرّ، و لا ريب في أنّ اللغوي يبيّن المعنى الظاهر للفظ سواء كان حقيقة أو مجازاً مشهوراً.

الثاني: ما اشير إليه في بعض كلمات المحقّق النائيني (رحمه الله) من أنّه يمكن أن يكون رجوع العقلاء إلى كتب اللغويين من جهة حصول الوثوق و الاطمئنان من قولهم في بعض الأحيان لا من جهة حصول الظن فقط و حجّية قولهم مطلقاً، و لا إشكال في أنّ الاطمئنان منزّل منزلة العلم أو أنّه علم عرفي فيكون حجّة (1).

قلنا: الإنصاف أنّ رجوعهم إلى أهل الخبرة ليس متوقّفاً على حصول الاطمئنان كما في الرجوع إلى قول المجتهد فإنّ المقلّد مع الالتفات إلى اختلاف آراء الفقهاء في كثير من الموارد التي لا يحصل الاطمئنان و الوثوق فيها عادةً بقول المجتهد- مع ذلك لا يتوقّف عن الرجوع كما أنّه كذلك في باب القضاء و رجوع القضاة إلى المتخصّصين و العارفين بالموضوعات التي هي محلّ الدعوى كالغبن و التدليس و غيرهما، مع أنّه لا يحصل لهم الاطمئنان بتشخيصهم في كثير من الأحيان.

الثالث: أنّ قول اللغوي من مصاديق خبر الواحد، و حجّيته في الموضوعات منوطة بحصول شرائط الشهادة.

أقول: إنّ اللغوي من أهل الخبرة، و حجّية أهل الخبرة لا تتوقّف على شرائط الشهادة كما في مرجع التقليد.

____________

(1) راجع فوائد الاصول: ج 3، ص 142، طبع جماعة المدرّسين.

354

و إن شئت قلت: الحسّ على نوعين: حسّ دقيق، و حسّ غير دقيق، و لا ريب في أنّ الشهادة و الإخبار عن حسّ دقيق تحتاج إلى التخصّص و الخبرويّة نظير إخبار الطبيب و شهادته على أنّ هذا المريض كذا و كذا، و ما نحن فيه من هذا القبيل لأنّ تشخيص الظهور و تعيين المتفاهم عرفاً بين المعاني و الاستعمالات المتعدّدة أمر مشكل دقيق يحتاج إلى دقّة و خبرويّة، و حينئذٍ يرجع قول اللغوي إلى قول أهل الخبرة لا إلى الشهادة عن حسّ.

هذا- مضافاً إلى ما أثبتناه في القواعد الفقهيّة (1) من أنّه لا يعتبر التعدّد في الإخبار عن الموضوعات بل في غير باب القضاء يكفي خبر الواحد الثقة.

رابعها: ما ورد في تهذيب الاصول من «أنّ مجرّد بناء العقلاء على الرجوع في هذه القرون لا يكشف عن وجوده في زمن المعصومين حتّى يستكشف من سكوته رضاهم، مثل العمل بخبر الواحد و أصالة الصحّة ... (إلى أن قال): و الحاصل: أنّ موارد التمسّك ببناء العقلاء إنّما هو فيما إذا احرز كون بناء العقلاء بمرأى و مسمع من المعصومين (عليهم السلام) و لم يحرز رجوع الناس إلى صناعة اللغة في زمن الأئمّة بحيث كان الرجوع إليهم كالرجوع إلى الطبيب» (2).

قلنا: لا حاجة في حجّية خصوص قول اللغوي الذي هو من مصاديق كبرى بناء العقلاء على الرجوع إلى أهل الخبرة إلى وجود خصوص هذا المصداق في زمن المعصومين (عليهم السلام) بل مجرّد وجود الكبرى في ذلك الزمان كافٍ، و إلّا يلزم من ذلك عدم جواز الرجوع إلى أهل الخبرة بالنسبة إلى المصاديق المستحدثة. هذا أوّلًا.

و ثانياً: أنّه لا ريب في رجوع غير أهل اللسان في زمن المعصومين إلى أهل اللسان في حاجاتهم اليوميّة التي كانت مربوطة بتعيين معاني اللغات و الألفاظ المتداولة في ذلك اللسان كرجوع أعجمي إلى أهل لسان العرب في تشخيص رسائل الوصايا و الأوقاف و أسناد المعاملات و المراسلات العادية التي كانت مكتوبة باللغة العربيّة، و على الأقلّ في فهم ما يتعلّق بالقرآن و الحديث في توضيحهما و تفسيرهما و تبيين مفرداتهما فلا تتوقّف إثبات اتّصال سيرة العقلاء إلى زمن المعصومين (عليهم السلام) على تدوين كتب في اللغة في ذلك الزمان و رجوع الناس إليها كذلك.

____________

(1) راجع القواعد الفقهيّة: المجلّد الثاني، ص 81، الطبعة الثانية.

(2) تهذيب الاصول: ج 2 ص 97، طبع جماعة المدرّسين.

355

الوجه الثالث: من الأدلّة هو التمسّك بالانسداد الصغير، و هو انسداد باب العلم و العلمي في بعض الموضوعات مقابل الانسداد الكبير الذي هو عبارة عن انسداد باب العلم و العلمي بالنسب إلى معظم الأحكام، و لذا يعتمد على قول المرأة في الطهر و الحيض و شبههما ممّا لا يعلم إلّا من قبلها، كما أنّ قول من يكون وكيلًا لعدّة من الأشخاص حجّة في تعيين نيّته و أنّه باع هذا المتاع مثلًا من جانب أي موكّل من موكّليه لأنّ النيّة أيضاً ممّا لا يعلم إلّا من قبله، كذلك في ما نحن فيه حيث إن الحاجة بقول اللغوي في المسائل الفقهيّة كثيرة جدّاً لأنّه (كما أفاد شيخنا الأعظم الأنصاري (رحمه الله) في رسائله) «يمكن الوصول الإجمالي إلى معاني اللغات بطريق العرف و التبادر و القواعد العربيّة المستفادة من الاستقراء القطعي و اتّفاق أهل العربيّة بضميمة أصالة عدم القرينة إلّا أنّه لا مناصّ من الرجوع إلى أهل اللغة في فهم تفاصيل المعاني و جزئياتها» كما في لفظ الكنز مثلًا فنعلم إجمالًا أنّه اسم لأمر مستند مخفي، و لكن هل يعتبر فيه أن يكون مستتراً تحت الأرض، أو يعمّ مثلًا المخفيّ في جوف الجدار أيضاً؟

و حينئذٍ يأتي الإشكال الذي بيّن في الانسداد الكبير، و هو محذور جريان الاحتياط مطلقاً أو جريان البراءة مطلقاً، فالأوّل يوجب العسر و الحرج و اختلال النظام، و الثاني يوجب تفويت المصالح الكثيرة الواقعيّة التي نعلم أنّ الشارع لا يرضى بتفويتها.

أقول: و إشكاله واضح ما لم يرجع إلى الانسداد الكبير، لأنّ الاحتياط في موارد الشكّ هنا ممكن أن لا يوجب اختلال النظام و لا العسر و الحرج.

فالأولى أن يقال: إنّ المهمّ و الأساس في المقام هو الدليل الثاني، أي بناء العقلاء على الرجوع إلى أهل الخبرة، فأنّ فلسفة كثير من بناءات العقلاء في كثير من الموارد و منها بناؤهم في الرجوع إلى الخبرة هو هذا الانسداد الصغير، ففي باب الأمارات مثلًا منشأ بنائهم على حجّية قول ذي اليد و أماريتها على الملك، أو حمل فعل الناس على الصحّة كحمل فعل الوكيل في المعاملة على صحّة العقد هو الانسداد الصغير كما لا يخفى.

فمنشأ بناء العقلاء في المقام هو هذا النوع من الانسداد كما أنّ منشأ اتّفاق العلماء على الرجوع إلى أهل الخبرة أيضاً لعلّه يكون هذا المعنى، و على هذا الأساس يرجع الدليل الأوّل و الثالث إلى الدليل الثاني.

و كان ينبغي للشيخ الأنصاري (رحمه الله) أن يتمسّك بهذا الوجه الثاني لا الوجه الأوّل و الثالث‏

356

حتّى ينفي أوّلًا حجّية قول اللغوي و يجيب عن استلزامه الانسداد الصغير، ثمّ يرجع أخيراً و يقبل الحجّية بنحو قوله «لعلّ» ثمّ يأمر بالتأمّل في النهاية، و إليك نصّ كلامه: «هذا و لكن الإنصاف أنّ موارد الحاجة إلى قول اللغويين أكثر من أن يحصى في تفاصيل المعاني بحيث يفهم دخول الافراد المشكوكة أو خروجها و إن كان المعنى في الجملة معلوماً من دون مراجعة قول اللغوي كما في مثل الفاظ الوطن و المفازاة و التمر و الفاكهة و الكنز و المعدن و الغوص و غير ذلك من متعلّقات الأحكام ممّا لا يحصى و إن لم تكن الكثرة بحيث يوجب التوقّف فيها محذوراً، و لعلّ هذا المقدار مع الاتّفاقات المستفيضة كافٍ في المطلب فتأمّل» (1).

هذا كلّه في تعيين الظهور و تشخيصه.

____________

(1) راجع هامش الرسائل: ص 47، الطبع القديم.