أنوار الأصول‏ - ج2

- الشيخ أحمد القدسي المزيد...
496 /
357

2- حجّية الإجماع المنقول و فيه بحث حول الإجماع المحصّل أيضاً

و مما قيل بحجّيته و خروجه عن تحت أصالة حرمة العمل بالظّن الإجماع المنقول بخبر الواحد.

قال المحقّق الخراساني (رحمه الله): «أنّه حجّة عند كثير ممّن قال باعتبار الخبر بالخصوص من جهة أنّه من أفراده».

و في الحقيقة يستدلّ على هذا بدليل مركّب من صغرى و كبرى، أمّا الصغرى فهو: أنّ الإجماع المنقول بخبر الواحد مصداق من مصاديق خبر الواحد، و أمّا الكبرى فهو: كلّ خبر الواحد الثقة حجّة، فيستنتج أنّ الإجماع المنقول بخبر الواحد حجّة.

و بهذا يظهر أنّ الأنسب و الأولى تأخير هذا البحث عن بحث خبر الواحد لأنّه فرع من فروعه، و لكن نقتفي أثر القوم و نبحث فيه بناءً على حجّية خبر الواحد.

فنقول: تحقيق القول في المسألة يستدعي التكلّم في امور:

الأمر الأوّل: في الإجماع المحصّل.

و وجه البحث عن الإجماع المحصّل أنّه يمكن أن يكون الإجماع المنقول مشمولًا لأدلّة حجّية خبر الواحد على بعض المباني في الإجماع المحصّل دون بعض، فلا بدّ من البحث أوّلًا عن وجوه حجّية الإجماع المحصّل عندهم و المسالك التي سلكوها في ذلك، فنقول: يوجد في الإجماع المحصّل مبنيان معروفان: مبنى أهل السنّة، و مبنى الشيعة، فالمعروف و المشهور عند السنّة أنّ الإجماع في نفسه حجّة، أي للُامّة بما هي امّة عصمة تعصمها عن الخطأ، و لذلك عبّر شيخنا الأعظم الأنصاري (رحمه الله) عن إجماعهم بالإجماع الذي هو الأصل لهم و هم الأصل له، و أمّا

358

الشيعة فالإجماع عندهم حجّة بالعرض، أي بما هو كاشف عن قول المعصوم أو مشتمل عليه، فهو بحسب الحقيقة يرجع إلى السنّة و ليس دليلًا على حدة، فالأدلّة عندنا في الواقع ثلاثة لا أربعة.

و تنبغي الإشارة أيضاً إلى معنى الإجماع لغة و اصطلاحاً فنقول: أمّا لغة فهو بمعنى الاتّفاق، و أمّا في مصطلح الاصوليين فهو اتّفاق مخصوص.

و قد اختلف العامّة في تحديد الإجماع و تعريفه على أقوال: فقال بعضهم أنّه اتّفاق امّة محمّد (صلى الله عليه و آله) على أمر من الامور الدينيّة، و قال بعض آخر أنّه اتّفاق أهل الحلّ و العقد من امّة محمّد (صلى الله عليه و آله)‏ و ثالث: أنّه اتّفاق المجتهدين من امّة محمّد (صلى الله عليه و آله) في عصر على أمر، و رابع: أنّه اتّفاق أهل المدينة، و خامس: أنّه اتّفاق أهل الحرمين، بل يظهر من بعضهم أنّه اتّفاق الشيخين أو الخلفاء الأربعة.

و أمّا الشيعة فهو عندهم على أربعة أنواع: الدخولي (التضمّني) و الحدسي و التشرّفي و اللطفي، و لكلّ تعريف يخصّه سيأتي عند البحث عن كلّ واحد منها.

1- دليل حجّية الإجماع عند العامة

و قد استدلّ العامّة على حجّية الإجماع بالأدلّة الثلاثة: الكتاب و السنّة و العقل.

أمّا الكتاب‏ فاستدلّوا منه بآيات عديدة: الأهمّ منها قوله تعالى: «وَ مَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ سَاءَتْ مَصِيراً» (1) (الشقاق بمعنى العداوة).

تقريب دلالتها: أنّ اللَّه تعالى جمع بين مشاقّة الرسول (صلى الله عليه و آله) و اتّباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد، فيلزم أن يكون اتّباع غير سبيل المؤمنين محرّماً مثل مشاقّة الرسول، و إذا حرم اتّباع غير سبيل المؤمنين وجب اتّباع سبيلهم إذ لا ثالث لهما، و يلزم من اتّباع سبيلهم أن يكون الإجماع حجّة لأنّ سبيل الإنسان هو ما يختاره من القول أو الفعل أو الاعتقاد.

و لكن الإنصاف أنّ هذه الآية لا ربط لها بمسألة الإجماع في الأحكام الفرعيّة، بل إنّها تنهى‏

____________

(1) سورة النساء: الآية 115.

359

عن معصية الرسول و شقّ عصا المجتمع الإسلامي، و تتكلّم عن مخالفة الرسول و الكفر بعد الإيمان و ما يترتّب عليه من العذاب الاخروي، فالمقصود من اتّباع غير سبيل المؤمنين في قوله تعالى: «وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ» هو مخالفة الرسول و اتّباع الكفر بعد الإيمان، فإنّ سبيل المؤمنين بما هم مجتمعون على الإيمان هو الاجتماع على طاعة الرسول الذي طاعته طاعة اللَّه تعالى.

و الشاهد على ذلك امور:

1- ما ورد في شأن نزولها من أنّ قوماً من الأنصار من بني ابيرق اخوة ثلاثة كانوا منافقين: بشير و بشر و مبشّر، فنقبوا على عمّ قتادة بن النعمان، و أخرجوا طعاماً كان أعدّه لعياله و سيفاً و درعاً، فشكا قتادة ذلك إلى رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) و فضح بنو ابيرق، فكفر بشر و ارتدّ، و لحق بالمشركين بدل أن يستغفر اللَّه و يتوب إليه من ذنبه فأنزل اللَّه «و من يشاقق ..» حيث إن اتّباع بشر غير سبيل المؤمنين إنّما هو ارتداده و لحوقه بالمشركين لا مخالفته لإجماع المسلمين في حكم فرعي.

2- إنّ سبيل المؤمنين في قوله تعالى: «وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ» سبيلهم بما هم مجتمعون على الإيمان، فيكون المعنى، سبيل الإيمان، لأنّ تعليق حكم بوصف مشعر بعلّيته. فالمراد من الآية الخروج من الإيمان إلى الكفر لا المخالفة في المسائل الفرعيّة.

3- أنّ قوله تعالى: «و يتّبع ...» شرط في الجملة، و جزاؤه قوله تعالى: «نولّه ما تولّى» و لا إشكال في أنّ المقصود من الجزاء انّا نأخذه على ما جرى عليه من ولاية الطاغوت فوزانه وزان قوله تعالى في ذيل آية الكرسي: «وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ» و قوله تعالى: «يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ» (1) فليكن المقصود من الشرط (اتّباع غير سبيل المؤمنين) أيضاً قبول ولاية الطاغوت.

4- لو لم يكن قوله تعالى: «وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ» عطفاً تفسيريّاً لمشاقّة الرسول، و كان المراد منه مخالفة الإجماع في المسائل الفرعيّة، أي أمراً آخر وراء مشاقّة الرسول (صلى الله عليه و آله) فلتكن هي وحدها موجبة للدخول في جهنّم كما أنّ مشاقّة الرسول وحدها موجبة له، و لازمه‏

____________

(1) سورة الإسراء: الآية 71.

360

حينئذٍ العطف ب «أو» مع أنّه عطف بالواو، و هو ظاهر في مطلق الجمع، و لازمه التفسير و التوضيح.

5- قوله تعالى: «مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى» دليل آخر على المقصود، حيث إنّه يدلّ على أنّ الكلام في الضلالة بعد الهداية، فيوجب ظهور قوله: «و يتّبع ...» في كونه تفسيراً لاتّباع الضلالة بعد تبيّن الهداية.

فظهر من مجموع هذه القرائن و الشواهد أنّ الآية لا دخل لها بالإجماع في الأحكام الفرعيّة، بل ناظرة إلى المسائل الاصوليّة (اصول الدين).

و هاهنا آيات اخر استدلّوا بها على حجّية الإجماع أيضاً، منها قوله تعالى: «وَ كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً» (1) بتقريب أنّ الوسط هو العدل و الخير، و العدل أو الخير لا يصدر عنه إلّا الحقّ، و الإجماع صادر عن هذه الامّة العدول الخيار فليكن حقّاً.

و الجواب عنها واضح، لأنّ المراد من الوسط هو الاعتدال و السلامة من طرفي الإفراط و التفريط، و لا إشكال في أنّ هذه الامّة بالنسبة إلى أهل الكتاب و المشركين على هذا الوصف فإنّ بعضهم و هم المشركون و الوثنيّون مالوا إلى تقوية جانب الجسم محضاً لا يريدون إلّا الحياة الدنيا، و بعضهم كالنصارى اهتمّوا بتقوية جانب الروح لا يدعون إلّا الرهبانيّة، لكن اللَّه سبحانه جعل هذه الامّة وسطاً و جعل لهم ديناً يهدي إلى وسط الطرفين لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء، كما يهدي إلى أنّه لا تعطيل و لا تشبيه و لا جبر و لا تفويض.

و معنى «شهداء على الناس» أنّ هذه الامّة لكونها وسطاً يمكن لها أن تكون شهيدة على سائر الامم الواقعة في طرفي الإفراط و التفريط، و اسوة و مثالًا لهم يقاس و يوزن بها كلّ من الطرفين، كما أنّ النبي (صلى الله عليه و آله) هو الاسوة و المثال الأكمل لهذا الامّة و ميزان يوزن به حال الآحاد من الامّة.

فإذا كان هذا هو معنى الآية فلا ربط لها بمسألة الإجماع في الأحكام الفرعيّة كما هو ظاهر، مضافاً إلى أنّ الامّة عام أفرادي يشمل آحاد الامّة فيكون كلّ واحد من الامّة شاهداً

____________

(1) سورة البقرة: الآية 143.

361

و شهيداً، و لازم هذا الاستدلال حينئذٍ أن يكون كلّ فرد من أفراد الامّة معصوماً عن الخطأ، و هو كما ترى.

و لو سلّم كونها عاماً مجموعياً، أي كان النظر إلى الامّة من حيث إنّها امّة فغاية ما تقتضيه الآية هي إثبات العدالة لها لا العصمة، و الذي ينفع في المقام إنّما هو إثبات العصمة لا العدالة لتتمّ كاشفيتها عن الواقع.

و منها قوله تعالى: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَ أَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ» (1).

بتقريب أنّ اللَّه تعالى وصف الامّة في هذه الآية بأنّها خير الامّة و أنّها تأمر بالمعروف و تنهي عن المنكر، فلا يجوز أن يقع منها الخطأ، لأنّ ذلك يخرجها عن كونها خياراً و يخرجها عن كونها آمرة بالمعروف و ناهيّة عن المنكر.

و فيه: أنّه لا ملازمة بين عدم جواز وقوع الخطأ و بين كونهم خياراً، لأنّ الخيار قد يقع منهم الخطأ و إن كانوا معذورين، كما هو الشأن في غير المعصومين من العدول فإنّه يقال: إنّ الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه الله) مثلًا من الخيار أو أنّ أبا ذر رضى الله عنه كان من خيار الامّة مع عدم كونهما معصومين.

و منها قوله تعالى: «وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لَا تَفَرَّقُوا» (2) بتقريب أنّ الإجماع حبل اللَّه فيجب الاعتصام به و لا يجوز التفرّق عنه.

و فيه أوّلًا: أنّ الآية تأمر بإيجاد الاتّحاد بين المسلمين، و الاتّحاد شي‏ء و قبول كلّ رأي و عقيدة تعبّداً شي‏ء آخر، و لا ملازمة بينهما.

ثانياً: دلالة الآية على المدّعى موقوفة على أن يكون الإجماع مصداقاً لمفهوم حبل اللَّه، مع أنّ من الواضح أنّ الحكم لا يثبت موضوعه، بل تدلّ على لزوم الاعتصام بحبل ثبت كونه حبل اللَّه تعالى بدليل آخر.

هذا كلّه من ناحية استدلالهم بالكتاب و قد عرفت أنّها تكلّفات بعيدة و تشبّثات واهيّة.

و أمّا السنّة: فاستدلّوا منها بحديث نبوي نقل بطرق مختلفة على مضامين متفاوتة، فنقل‏

____________

(1) سورة آل عمران: الآية 110.

(2) سورة آل عمران: الآية 103.

362

من طريق عمر و ابن مسعود و أبي سعيد الخدري و أنس بن مالك و ابن عمر و أبي هريرة و حذيفة بن اليمان و غيرهم‏ (1).

ففي سنن ابن ماجة (2): حدّثني أبو خلف الأعمى قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) يقول: «إنّ امّتي لا تجتمع على ضلالة فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم» و في نقل آخر: «لم يكن اللَّه ليجمع امّتي على الضلالة» و في ثالث: «سألت اللَّه أن لا يجمع امّتي على الضلالة فأعطانيها» و في رابع: «لا تزال طائفة من امّتي على الحقّ ظاهرين لا يضرّهم من خالفهم» (و في تعبير آخر: لا يضرّهم خلاف من خالفهم).

و قد نوقش فيه: تارةً من ناحية السند، و اخرى‏ من ناحية الدلالة، أمّا السند فقد ناقش فيه أهل السنّة أنفسهم، منهم بعض شرّاح سنن ابن ماجة فإنّه قال في ذيل هذا الحديث: «و في إسناده ابو خلف الاعمى‏ و اسمه حازم ابن عطاء و هو ضعيف، و قد جاء الحديث بطرق في كلّها نظر».

أمّا الدلالة فلو كان في التعبير الوارد في الحديث كلمة «خطأ» كما هو المعروف في الألسنة أي كان الحديث هكذا: لا تجتمع امّتي على خطأ، فلا إشكال في دلالته لكن لم يرد الحديث بهذا التعبير في الجوامع الموجودة، بل التعبيرات منحصرة فيما نقلناه‏ (3)، و حينئذٍ لقائل أن يقول: إنّ التعبير بالضلالة الموجود فيها ظاهرة في الضلالة في اصول الدين لأنّ هذا هو المتبادر من الضلالة، فلا يثبت بها حجّية الإجماع في الأحكام الفرعيّة، هذا أوّلًا.

و ثانياً: سلّمنا الإطلاق و صحّة السند إلّا أنّ متعلّق الضلالة فيها هو لفظ الامّة، فيكون المفاد حينئذٍ أنّ جميع المسلمين لا يجتمعون على باطل (لأنّ الظاهر من الامّة هو تمام الامّة) و هذا لا يفيد إلّا من يقول بأنّ إجماع الامّة حجّة، أمّا سائر الأقوال كإجماع العلماء أو إجماع‏

____________

(1) راجع الاصول العامّة للفقه المقارن: ص 261.

(2) سنن ابن ماجة: ج 2، ح 1303.

(3) نعم في شرح ابن أبي الحديد: ج 8، الخطبة 128، ص 122: «قوله (عليه السلام): و الزموا السواد الأعظم» و هو الجماعة و قد جاء في الخبر من رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) هذه اللفظة التي ذكرها (عليه السلام) و هي: «يد اللَّه على الجماعة لا يبالي بشذوذ من شذّ» و جاء في معناها كثير نحو قوله (عليه السلام): «الشيطان مع الواحد و هو من الاثنين أبعد» و قوله: «لا تجتمع امّتي على خطأ» و قوله: «سألت اللَّه ألّا تجتمع على خطأ فأعطانيها» و قوله: «لم يكن اللَّه ليجمع امّتي على ضلالة و لا خطأ».

363

أهل الحرمين أو الصحابة أو أهل المدينة و غيرها من الأقوال، فإنّ هذا الحديث لا يصلح لإثباتها، فالذي يثبت به إنّما هو حجّية إجماع الامّة و هذا ممّا لا بأس بالالتزام به عند الإماميّة أيضاً لاعتقادهم بوجود المعصوم (عليه السلام) في الامّة في كلّ زمان، فلعلّ جعل الحجّية من ناحية النبي (صلى الله عليه و آله) لاشتمالها على المعصوم (عليه السلام) لا من حيث هي هي، و لا يخفى أنّ هذا الجواب يجري حتّى لو كان في متن الحديث كلمة «الخطأ» لا الضلالة.

و على كلّ، هذه الرّواية لا تصدق فيما إذا خالفت طائفة من الامّة فتنحصر طبعاً في خصوص الضروريات، و إذن يكون مفادها مقبولًا معقولًا بل يمكن تأييدها بدليل العقل لأنّ الخطأ في ما ثبتت ضرورته من الدين محال عادة.

و أما قوله (صلى الله عليه و آله) في ذيل النقل الأوّل: «فعليكم بالسواد الأعظم» فقد ورد مثل هذا التعبير في نهج البلاغة في كلام الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قال: «و الزموا السواد الأعظم فإنّ يد اللَّه مع الجماعة و إيّاكم و الفُرقة فإنّ الشاذّ من الناس للشيطان كما أنّ الشاذّ من الغنم للذئب» (1).

و الإنصاف أنّه لا ربط له بمسألة الإجماع في الفروع بل هذا الذيل بقرينة صدره و هو: «لا تجتمع على ضلالة» منصرف إلى الاصول كما مرّ.

كما أنّ ذيل ما نقلناه من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو: «إيّاكم و الفُرقة فإنّ الشاذّ من الناس للشيطان» شاهد على أنّ المقصود من صدره أيضاً المسائل الاعتقاديّة و لا ربط له بالفروع لأنّه لا إشكال و لا خلاف في أنّه لو خالف بعض الفقهاء بعضاً في بعض الفروع الدينيّة لم يكن فيه محذور و ليست هذه الفرقة مذمومة ناشئة من الشيطان، و كم له من نظير في المباحث الفقهيّة.

هذا كلّه بالنسبة إلى دليل السنّة.

2- دليل حجّية الإجماع عند الأصحاب‏

أمّا الخاصّة فلهم في حجّية الإجماع المحصّل مسالك أربعة:

____________

(1) نهج البلاغة: صبحي الصالح، خ 127.

364

المسلك الأوّل: الإجماع الدخولي‏

و هو دخول الإمام (عليه السلام) في المجمعين و المتّفقين بشخصه، و إن كان لا يعرفه المحصّل للإجماع، فيخبر بالحكم عنه بصورة الإجماع، فملاك حجّيته دخول المعصوم بنفسه في المجمعين، و لذلك قال المحقّق (رحمه الله) في المعتبر: «فلو خلا المائة من فقهائنا من قوله لما كان حجّة و لو حصل في اثنين كان قولهما حجّة» (1).

و لا إشكال في هذا النوع من الإجماع من ناحية الكبرى، إنّما الكلام في الصغرى لأنّ الإجماعات المنقولة الموجودة في الكتب الفقهيّة ليست من هذا القبيل قطعاً، فإنّ الناقل لم يسمع الحكم من جماعة بحيث يعلم بأنّ الإمام (عليه السلام) أحدهم قطعاً، نعم هذا المعنى كان ممكناً في عصر حضور الإمام (عليه السلام) و لكن نقلة الإجماع و أرباب الكتب الفقهيّة متأخّرون عن ذلك العصر يقيناً.

المسلك الثاني: الإجماع اللطفي‏

و صاحب هذا المسلك هو شيخ الطائفة (رحمه الله) فإنّه قال فيما حكي عنه: اجتماع الأصحاب على الباطل و على خلاف حكم اللَّه الواقعي خلاف اللطف، فيجب لطفاً القاء الخلاف بينهم بإظهار الحقّ و لو لبعضهم، فلو حصل إجماع و اتّفاق من الكلّ نستكشف بقاعدة اللطف إنّه حقّ و هو حكم اللَّه الواقعي.

أقول: تنبغي الإشارة إجمالًا إلى قاعدة اللطف التي تفيدنا هنا و في أبواب العقائد أيضاً فنقول: قال العلّامة (رحمه الله) في شرح التجريد: «اللطف هو ما يكون المكلّف معه أقرب إلى فعل الطاعة و أبعد من فعل المعصية و لم يكن له حظّ في التمكين (أي القدرة) و لم يبلغ حدّ الإلجاء (أي الإجبار)» (2)، و حاصله أنّ اللطف عبارة عمّا يقرّب العبد نحو الطاعة و يبعّده عن المعصية ما دام لم يسلم العبد لقدرته فقط و لم يجبره أيضاً على الطاعة أو ترك المعصية بل كان هناك مضافاً إلى قدرة العبد على الفعل أو الترك معاونة على الطاعة و ترك المعصية، مع عدم وصولها إلى حدّ الإلجاء و الإجبار.

____________

(1) المعتبر: ص 6، الطبع الحجري.

(2) كشف المراد: المقصد الثالث، الفصل الثالث، المسألة الثانية عشرة.

365

و قال بعض المحقّقين ممّن قارب عصرنا: أنّ مراد المتكلّمين من قاعدة اللطف هو ما يسمّى عند علماء الحقوق في يومنا هذا بضمانة الإجراء، فإنّهم بعد وضع القوانين يضعون لإجرائها ضامناً من الحبس و الجريمة و غيرها ممّا يوجب الحركة نحو امتثال الواجبات و الاجتناب عن المحرّمات، فهي بحسب الحقيقة لطف بالنسبة إلى من يكون مكلّفاً بهذه القوانين، فكذلك في ما نحن فيه.

و لكن الإنصاف أنّ المراد من اللطف في كلماتهم معنى أوسع من ذلك، لأنّه يشمل أيضاً ما يوجب إيجاد ظروف ثقافيّة و فكريّة لتكميل النفوس القابلة و الإرشاد إلى مناهج الصلاح من بعث الرسل و إنزال الكتب و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الإنذار و التبشير، و لذلك يعدّ من أهمّ أدلّة لزوم بعث الرسل قاعدة اللطف، و لا إشكال في أن الغرض من إنزال الكتب السماويّة و إرسال الرسل الإلهية ليس منحصراً في الإنذار و الوعد و الوعيد بل يعمّ إيجاد تلك الظروف التربويّة أيضاً.

و كيف كان، لا بدّ من البحث‏ أوّلًا: في كبرى القاعدة و ثانياً: في تطبيقها على المقام.

أمّا الكبرى‏ فاستدلّ لها بلزوم نقض الغرض، لأنّ المولى أو المقنّن المشرّع عليه أن يوجد شرائط و مقدّمات إجراء أحكامه و قوانينه، و لو كان الغرض من الجعل إنفاذها في الخارج فهو، و إلّا لنقض غرضه، و هذا كمن يدعو رجلًا إلى داره و يريد إكرامه و مع ذلك لا يهيئ مقدّماته من إرسال رسالة إليه مثلًا و غيرها من سائر المقدّمات التي يعلم أنّه لولاها لما استجاب دعوته فيعدّ عند العقلاء ناقضاً للغرض، كذلك في المقام فإنّ اللَّه سبحانه و تعالى خلق الإنسان ليوصله إلى الكمال بطاعته و ترك معصيته، و هذا يحتاج إلى بعث الرسل و إنزال الكتب و الإرشادات المستمرّة و جعل تكاليف كالصلاة و الصّوم و الحجّ، و إلّا فقد نقض غرضه.

قلنا: أنّ هذا مقبول تامّ و لكنه بالنسبة إلى الشرائط و المقدّمات التي يوجب عدمها نقض الغرض لا غير.

و بعبارة اخرى: المقدّمات على ثلاثة أقسام: قسم منها يعدّ من شرائط القدرة، و لا إشكال في لزوم حصول هذا القسم.

و قسم آخر منها يوجب حصولها الإجبار في العمل أو الترك، و لا إشكال في منافاته للتكليف لأنّ المفروض كون العبد مختاراً.

366

و قسم ثالث ليس لا من هذا و لا من ذاك، و هو بنفسه على قسمين: قسم يرجع إلى العبد، و قسم يرجع إلى المولى، فالأوّل كالتعلّم إمّا اجتهاداً أو تقليداً، و لا ريب في أنّ تحصيل هذا يكون على عهدة العبد، فلو لم يحصّله يعدّ عند العقلاء مقصّراً، و أمّا الثاني فهو أيضاً يكون على قسمين: قسم منه يجب إيجاده من جانب المولى بحيث لو لم يفعله يعدّ مقصّراً و ناقضاً لغرضه، و قسم آخر ليس إلى‏ هذا الحدّ فلا يصدق عليه نقض الغرض.

و إن شئت فمثّل لهذين القسمين بالقوانين المجعولة للسياقة و حركة المرور حيث إنّه لا إشكال في أنّها يمكن أن تكون على نوعين: منها ما يكون نظير بسط الشوارع و رسم الخطوط و أخذ الغرامة و نصب العلامات فإنّها من المقدّمات التي لو لم يحقّقها المسئولون و حصل من هذه الناحية الهرج و المرج كانوا مقصّرين في أداء وظائفهم، و منها ما ليس على هذا المستوى كنصب مراقب على كلّ سيارة فلا ريب في عدم لزومه عليهم.

كذلك في ما نحن فيه، فإنّ إرسال الرسل و إنزال الكتب و تعيين الثواب و العقاب و الحدود و التعزيرات و إيجاد ظروف التعليم و التعلّم يكون من القسم الأوّل، و هي مقتضى قاعدة اللطف، فإنّ اللطف يقتضي إيجاد المقدار اللازم من المقدّمات، و أمّا الأكثر من ذلك فلا يستفاد لزومه من هذه القاعدة.

فتحصّل من جميع ذلك أنّ اللطف الواجب هو ما يعدّ تركه من المولى الحكيم نقضاً للغرض.

هذا كلّه بالنسبة إلى الكبرى.

أمّا الصغرى‏ و تطبيق القاعدة على المقام فلم يقبلها أكثر الفقهاء لعدم وضوح المصلحة التي اقتضت اختفاء الإمام (عليه السلام)، فلعلّها هي امتحان الناس بالغيبة كما امتحن قوم بني إسرائيل بغيبة موسى (عليه السلام) و ذهابه إلى جبل طور في فترة من الزمان، أو أنّها حفظ نفس الإمام (عليه السلام) كما ورد في بعض الرّوايات، و اقتضت الحكمة الإلهيّة حصر عددهم في اثني عشر، أو عدم قابلية الناس و عصيانهم، فلو صلحوا و أطاعوا أوامرهم لظهر الإمام (عليه السلام).

و على كلّ حال نفس المصلحة التي تقتضي خفاءه و غيبته قد تكون موجودة في اختفاء بعض الأحكام فتقتضي عدم إظهارها على كلّ حال.

و بعبارة اخرى: نفس السبب الذي أوجب غيبة الإمام (عليه السلام) يشمل بعض الأحكام الفرعيّة التي أجمع العلماء على الخطأ فيها في عصر واحد.

367

و لقد أجاد المحقّق الطوسي (رحمه الله) حيث قال: «وجوده لطف و تصرّفه لطف آخر و عدمه منّاً» (1) يعني أنّ لوجود الإمام (عليه السلام) ألطافاً عديدة:

أحدها: أصل وجوده الشريف و قوام نظام الكون به، و هذا باقٍ في عصر الغيبة أيضاً فإنّه خزينة أسرار الشرع في كلّ عصر و زمان، و العلّة الغائيّة لخلقة العالم لأنّه من أتمّ مصاديق الإنسان الكامل الذي خلق الكون لأجله، و نور اللَّه الذي يهتدي به المهتدون بولايته على القلوب.

ثانيها: ظهوره و تصرّفه فإنّ حكومته و قيادته لطف آخر، و لكن عدم هذا اللطف و انقطاعه منّا، «فقوله: عدمه منّا» أي عدم تصرّفه لا عدم وجوده، و لا يلازم قطع هذا القسم من اللطف قطع القسم الأوّل منه.

و إن شئت قلت: من شئون تصرّف الإمام و ظهوره أن يمنع العباد عن الخطأ و إذا لم يكن عدم أصل الظهور و التصرّف مخالفاً للّطف على المفروض فليكن عدم ما هو من شئونه أيضاً كذلك. هذا أوّلًا.

و ثانياً: سلّمنا أنّ مقتضى القاعدة، القاء الخلاف إلّا أنّه لا تحلّ المشكلة ما لم يمنع الأكثر عن الوقوع في الخطأ (على الأقل) لأنّ مجرّد إلقاء الخلاف لبعض شاذّ لا يهدي إلى سبيل، و هذا يستلزم حجّية الشهرة أيضاً مع أنّ المستدلّ لا يلتزم به على الظاهر.

المسلك الثالث: الإجماع التشرّفي‏

و هو تشرّف الأوحدي من العلماء بمحضر الإمام (عليه السلام) في زمان الغيبة و استفساره عن بعض المسائل المشكلة، ثمّ إعلانه رأي الإمام (عليه السلام) بشكل الإجماع لأنّه يعلم أنّ مدّعي الرؤية لا يقبل قوله بل لا بدّ من تكذيبه كما في الحديث، فيعلن حكم الإمام بصورة الإجماع و يقول مثلًا: هذا ثابت بالإجماع.

إن قلت: كيف يمكن الجمع بين ما حكي متظافراً أو متواتراً من تحقّق رؤيته (عليه السلام) لبعض عدول الثقات، و بين ما ورد في بعض الرّوايات من الأمر بتكذيب مدّعى الرؤية.

____________

(1) كشف المراد: المقصد الخامس، المسألة الاولى.

368

قلنا: لا يبعد أن تكون الرّوايات الآمرة بالتكذيب ناظرة إلى من يدّعي نيابة أو رسالة أو حكماً، و أمّا مجرّد دعوى الرؤية بدون ذلك فلا دليل على تكذيبه.

و لكن غاية ما يقتضيه هذا البيان هو إمكان الإجماع التشرّفي ثبوتاً، و أمّا في مقام الإثبات فلم نجد مصداقاً له في ما بأيدينا من الإجماعات المنقولة.

المسلك الرابع: الإجماع الحدسي‏

و هو كما قال في الفصول: «أن يستكشف عن قول المعصوم (عليه السلام) أو عن دليل معتبر باتّفاق علمائنا الأعلام الذين كان ديدنهم الانقطاع إلى الأئمّة (عليهم السلام) في الأحكام، و طريقتهم التحرّز عن القول بالرأي و مستحسنات الأوهام فإنّ اتّفاقهم على قول و تسالمهم عليه مع ما يرى من اختلاف أنظارهم و تباين أفكارهم ممّا يؤدّي بمقتضى العقل و العادة عند أُولي الحدس الصائب و النظر الثاقب إلى العلم بأنّ ذلك قول أئمّتهم و مذهب رؤسائهم و أنّهم إنّما أخذوه منهم إمّا بتنصيص أو بتقرير» (1).

و قال شيخنا العلّامة الحائري (رحمه الله) في الدرر: «و لا اختصاص لهذه الطريقة باستكشاف قول المعصوم (عليه السلام) بل قد يستكشف بها عن رأي سائر الرؤساء المتبوعين، مثلًا إذا رأيت تمام خدمة السلطان (الذين لا يُصدرون إلّا عن رأيه) اتّفقوا على إكرام شخص خاصّ يستكشف منه إنّ هذا إنّما هو من توصيته» (2).

أقول: يمكن تقريب هذا المسلك بثلاثة وجوه:

الوجه الأوّل: ما ذهب إليه المحقّق النائيني (رحمه الله) في فوائد الاصول و هو أن نقول بوجود الملازمة العادية بين اتّفاق المرءوسين على أمر و رضا الرئيس إن كان نشأ الاتّفاق عن تواطئهم على ذلك‏ (3) فكما يكشف قول الشافعي من العلماء الشافعيين و قول أبي حنيفة من تلامذته و كذا غيرهم، كذلك يكشف من إجماع علماء الشيعة قول الإمام المعصوم (عليه السلام).

و يرد عليه: إنّ هذا ثابت في زمان الحضور و لا يفيدنا اليوم لأنّ كشف قول الرئيس أو

____________

(1) حكي عنه في عناية الاصول: ج 3، ص 153.

(2) درر الفوائد: ج 2، ص 372.

(3) راجع فوائد الاصول: ج 3، ص 150، طبع جماعة المدرّسين.

369

الإمام أو الاستاذ من أقوال المرءوسين أو المأمونين أو التلامذة مبني على وجود صلة بين الطرفين، و هي حاصلة في خصوص عصر الحضور.

لكن الحقّ هو وجود هذه الملازمة في زمن الغيبة أيضاً، لأنّ الصلة مع الواسطة حاصلة، و يكفي في ذلك الفترة التي كان ديدنهم في الفتوى على التعبّد بمتون الرّوايات و على أساس الكتب المتلقّاة من كلمات المعصومين من دون تفريع و استنباط.

الوجه الثاني: ما حكي عن السيّد محمّد المجاهد صاحب مفاتيح الاصول و هو: أنّ تراكم الظنون من الفتاوى تنتهي بالأخرة إلى القطع، فمن فتوى كلّ واحد منهم يحصل ظنّ ما بحكم اللَّه الواقعي، فإذا كثرت فمن تراكم تلك الظنون يحصل القطع بالحكم الواقعي الصادر عن الإمام (عليه السلام) كما هو الوجه في حصول القطع من الخبر المتواتر.

أقول: إنّ هذا ممكن في نفسه و لكن لا يندرج تحت ضابط كلّي، إذ يختلف ذلك باختلاف مراتب الظنون و الموارد و الأشخاص، فقد يحصل القطع من تراكم الظنون لشخص و لا يحصل لآخر، إذن فيمكن قبول الصغرى و الكبرى في الجملة لا بالجملة.

الوجه الثالث: ما مرّ بيانه من صاحب الفصول، و نقول توضيحاً لذلك: أنّ اتّفاق العلماء كاشف على وجود دليل معتبر عندهم، لكن هذا إذا لم يكن في مورد الإجماع أصل أو قاعدة أو دليل على وفق ما اتّفقوا عليه، فإنّه مع وجود ذلك يحتمل أن يكون مستند الإجماع أحد هذه الامور، فلا يكشف اتّفاقهم عن وجود دليل آخر وراء ذلك.

كما إذا اتّفقوا على أنّ حدّ الكرّ في باب المياه ثلاثة أشبار و نصف في ثلاثة أشبار، و المفروض في هذا الفرع عدم وجود أصل أو قاعدة عقليّة أو دليل معتبر نقلي يدلّ على ذلك، فإنّ هذا الاتّفاق يكشف عن وجود دليل آخر معتبر عند الكلّ، سيّما إذا لاحظنا ديدن قدماء أصحابنا فإنّه كان على التعبّد بالرجوع إلى الإخبار و الإفتاء على وفق متون الرّوايات حتّى كانوا معرضين عن النقل بالمعنى إلّا بمقدار ثبت جوازه في نقل الرّواية.

و يشهد على هذا ما ورد في مقدّمة كتاب المبسوط (1) لشيخ الطائفة (رحمه الله) الذي كانت لسيّدنا الاستاذ البروجردي (رحمه الله) عناية خاصّة بها و كان يقول: إنّ هذه المقدّمة تمثّل لنا الجوّ الفكري‏

____________

(1) و هو كتاب كثير الفروع في فقه الشيعة، و يدلّ على تسلّط مؤلّفه على فقه الإماميّة و المذاهب الأربعة، و لا نجد قبله كتاباً يحتوي على هذه الكثرة من التفريعات.

370

و الاجتماعي الموجود في عصر الشيخ الطوسي (رحمه الله)، و إليك نصّها: «أمّا بعد فإنّي لا أزال أسمع معاشر مخالفينا من المتفقّهة و المنتسبين إلى علم الفروع يستحقرون فقه أصحابنا الإماميّة و يستنزرونه و ينسبونهم إلى قلّة الفروع و قلّة المسائل، و يقولون: إنّهم حشو و مناقضة، و إنّ من ينفي القياس و الاجتهاد لا طريق له إلى كثرة المسائل و لا التفريع على الاصول، لأنّ جلّ ذلك و جمهوره مأخوذ من هذين الطريقين، و هذا جهل منهم بمذاهبنا و قلّة تأمّل لُاصولنا، و لو نظروا في أخبارنا لعلموا أنّ جلّ ما ذكروه من المسائل موجود في أخبارنا و منصوص عليه تلويحاً من أئمّتنا ... (إلى أن قال): و كنت على قديم الوقت و حديثه مشوق النفس إلى عمل كتاب يشتمل على ذلك (التفريعات) تتشوّق نفسي إليه فيقطعني عن ذلك القواطع و تشغلني الشواغل و تضعف نيّتي أيضاً فيه قلّة رغبة هذه الطائفة فيه و ترك عنايتهم به لأنّهم ألفوا الأخبار و ما رووه من صريح الألفاظ حتّى أنّ مسألة لو غيّر لفظها و عبّر عن معناها بغير اللفظ المعتاد لهم لعجبوا منها و قصر فهمهم عنها، و كنت عملت على قديم الوقت كتاب النهاية و ذكرت جميع ما رواه أصحابنا في مصنّفاتهم و اصولها من المسائل و فرّقوه في كتبهم، و رتّبته ترتيب الفقه و جمعت من النظائر، و رتّبت فيه الكتب على ما رتّبت للعلّة التي بيّناها هناك و لم أتعرّض للتفريع على المسائل و لا لتعقيد الأبواب و ترتيب المسائل و تعليقها و الجمع بين نظائرها بل أوردت جميع ذلك أو أكثره بالألفاظ المنقولة حتّى لا يستوحشوا من ذلك» (1) (انتهى).

فالمستفاد من هذه العبارات و صريحها أنّ المقبول من التأليفات في ذلك العصر و ما تقدّمه إنّما هو ما كان مأخوذاً من متون الرّوايات و صريح ألفاظها، فإذا اتّفق علماء ذلك الزمان على مسألة فالإنصاف أنّه يمكن الحدس القطعي من ذلك عن وجود دليل معتبر سنداً و دلالة (أمّا من ناحية السند فلو فرض ضعفه لجبر بعملهم، و أمّا من ناحية الدلالة فلأنّه لو كان له من هذه الناحية خفاء لخالف بعضهم على الأقل) أو يكشف ذلك عن أخذ هذا الحكم عن المعصوم (عليه السلام) جيلًا بعد جيل و إن لم يذكر في رواياتهم.

فقد ظهر ممّا ذكرناه‏ أوّلًا: أنّ ثلاثة من الأقسام الأربعة للإجماع تامّة كبرى، و هي الإجماع‏

____________

(1) المبسوط: ج 1، ص 1- 3، الطبعة الثانية، طبع المطبعة الحيدرية.

371

الدخولي و الحدسي و التشرفي، و أمّا الإجماع اللطفي فلا يتمّ من ناحية الكبرى فضلًا عن الصغرى، و أنّ قسمين من هذه الثلاثة و هما: الدخولي و التشرّفي ليس لهما صغرى معروفة، فالذي يكون تاماً صغرى و كبرى هو الإجماع الحدسي، و هو المقصود من الإجماعات المنقولة في الكتب الفقهيّة بين المتأخّرين.

ثانياً: لا بدّ في كشف مراد ناقل الإجماع من ملاحظة التعبير الذي ذكره، فلو قال مثلًا:

«مخالفة فلان لا تضرّ بالإجماع لأنّه معلوم النسب» فنعلم أنّ مبناه على الإجماع الدخولي، و إذا قال مثلًا: «مخالفة الفلان لا تضرّ لانقراض عصره حين الإجماع» أو قال: «انعقد الإجماع قبله و بعده» فنعلم أنّ مبناه على الإجماع اللطفي لاعتبارهم اتّفاق أهل عصر واحد على حكم، و إن قال: «لا أصل و لا قاعدة في هذه المسألة» (1) فنستكشف كون المبنى على الحدس، نعم لا يوجد تعبير يناسب الإجماع التشرّفي في الكلمات.

ثالثاً: أنّه لا يعدّ الإجماع دليلًا مستقلًا في مقابل الأدلّة الثلاثة الاخرى بناءً على مذاق الإماميّة.

هذا تمام الكلام في الأمر الأوّل من الامور التي نذكرها بعنوان المقدّمة للبحث عن الإجماع المنقول.

الأمر الثاني: حجّية الخبر المنقول ...

إنّ حجّية الإجماع المنقول مبنية على دخوله تحت مصاديق خبر الواحد فلا بدّ من توفّر شرائط حجّية خبر الواحد فيه، و هي ثلاثة:

أحدها: أن يكون الخبر عن حسّ فلا تشتمل أدلّة حجّية خبر الواحد الخبر الصادر عن الحدس (كما إذا قال مثلًا: يستنبط من قرائن عقليّة أنّ الإمام (عليه السلام) قال كذا و كذا) إمّا لأنّ سيرة العقلاء التي هي عمدة دليل الحجّية لم تقم إلّا على قبول خبر الثقة فيما إذا كان إخباره عن حسّ و سائر الأدلّة تقرير و إمضاء لتلك السيرة، و إمّا من جهة أنّ أدلّة حجّية خبر العادل و الثقة تنفي‏

____________

(1) كما أنّه كذلك في كثير من المسائل الفقهيّة فلا يوجد فيها دليل معتبر غير الإجماع بل إنّها انتهت إلى خمسمائة مورد على ما سمعته من السيّد الاستاذ المحقّق البروجردي (رحمه الله).

372

احتمال تعمّد الكذب، فبضميمة أصالة عدم الخطأ و الغفلة في المحسوسات أو ما يكون قريباً من الحسّ (لقلّة الخطأ و الغفلة فيها) يتمّ المطلوب، أي حجّيته و وجوب تصديقه و لزوم العمل على طبق قوله، و أمّا في الحدسيات فلكثرة الخطأ و الغفلة فيها، فلا تجري أصالة عدم الخطأ و الغفلة عند العقلاء، فلا تشملها أدلّة حجّية خبر الواحد، و لا شكّ أنّ ناقل الإجماع لا ينقل الحكم عن الإمام (عليه السلام) عن حسّ خصوصاً في زمن الغيبة.

الثاني: كون الإخبار عن المعصوم (عليه السلام) في الأحكام الشرعيّة لا في الموضوعات الخارجيّة، بل يعتبر في الموضوعات التعدّد و العدالة (و لا يكفي الوحدة و الوثاقة) و هذا هو المشهور، و لكن المختار عدم اعتبار هذا الشرط كما سيأتي.

الثالث: أن لا يكون الخبر من الامور الغريبة و المستبعدة، فلو كان أمراً غريباً فقد لا يكفي فيه خبر الواحد بل لا بدّ من استفاضته.

و هنا شرط رابع، و هو أن لا يكون الخبر عن مسائل مهمّة كاصول الفقه، لأنّ سيرة العقلاء لم تثبت في المسائل المهمّة التي تترتّب عليها آلاف المسائل، و لذلك قد يقال: إنّ خبر الواحد ليس بحجّة في الاصول، و المراد من الاصول هنا هو اصول الفقه لا اصول الدين كما زعمه بعض.

بقي هنا شي‏ء:

و هو أنّه إذا شككنا في نقل المسبّب أو السبب هل هو مستند إلى الحسّ حتّى تشمله أدلّة حجّية خبر الواحد، أو إلى الحدس حتّى لا تشمله الأدلّة، فما هو مقتضى القاعدة؟

قال المحقّق الخراساني (رحمه الله): لا يبعد أن يقال بشمول أدلّة حجّية الواحد لهذه الصورة أيضاً، لأنّ عمدة أدلّة الحجّية هو بناء العقلاء، و هم كما يعملون بخبر الثقة إذا علم أنّه عن حسّ يعملون به أيضاً فيما يحتمل كونه عن حدس، فليس بناؤهم فيما إذا أخبر بشي‏ء التوقّف و التفتيش في أنّه هل يكون عن حدس أو عن حسّ بل يعملون على طبقه بدون ذلك.

أقول: كلامه هذا صحيح بالنسبة إلى الموارد التي كانت طبيعة الإخبار عنها مبنية على الحسّ، و أمّا الموارد التي يخبر فيها كثيراً عن حدس فقد يقال بعدم ثبوت بنائهم على الحجّية في مورد الشكّ.

373

و لهذا قال المحقّق الخراساني (رحمه الله) بعد هذا الكلام: «لكن الإجماعات المنقولة في ألسنة الأصحاب غالباً مبنية على حدس الناقل أو على اعتقاد الملازمة عقلًا لقاعدة اللطف فلا اعتبار لها ما لم ينكشف أنّ نقل السبب كان مستنداً إلى الحسّ».

الأمر الثالث: في تقويم الإجماعات المنقولة من جانب كيفية النقل و الإخبار

المنقول في حكاية الإجماع‏ تارةً يكون هو المسبّب و هو قول الإمام (عليه السلام) كما إذا قال: «أجمع المسلمون عامّة» أو «المؤمنون كافّة» أو «امّة محمّد» أو نحو ذلك إذا كان ظاهره إرادة الإمام (عليه السلام) معهم، و يسمّى حينئذٍ بنقل المسبّب أو بنقل السبب و المسبّب معاً، و اخرى‏ السبب، أي قول من سوى الإمام الكاشف عن قوله كما إذا قال: أجمع علمائنا أو أصحابنا أو فقهائنا أو نحو ذلك ممّا ظاهره من سوى الإمام (عليه السلام) و يسمّى بنقل السبب فقط.

و يستفاد كون المنقول سبباً أو مسبّباً من طريقين:

أحدهما: المسلك الذي اختاره الناقل و المدرك الذي اعتمد عليه، فإن كان مسلكه الإجماع الدخولي أو التشرّفي و كان مدرك نقله هو الحسّ و السماع من الإمام بنفسه و لو ضمن اشخاص يعلم إجمالًا أنّ الإمام (عليه السلام) أحدهم و لا يعرفه بشخصه كان المنقول حينئذٍ المسبّب أو السبب و المسبّب جميعاً، و إن كان مبناه الإجماع الحدسي أو اللطفي، أي كان مدرك نقله هو الحدس المقابل للحسّ كان المنقول هو السبب لا محالة.

ثانيهما: اختلاف ألفاظ النقل من حيث الصراحة و الظهور و الإجمال في أنّه نقل للسبب، أي نقل قول من عدى الإمام (عليه السلام)، أو أنّه نقل للسبب و المسبّب جميعاً.

إذا عرفت‏ هذا فلنرجع إلى أصل المسألة، و هو حجّية الإجماع المنقول، فأي قسم من أقسام نقل الإجماع حجّة شرعاً بأدلّة حجّية خبر الواحد نظراً إلى كونه من أفراده و مصاديقه و أي قسم منها لا يكون حجّة شرعاً لعدم كونه كذلك؟

فنقول: إذا كان المنقول السبب و المسبّب جميعاً عن حسّ كما إذا حصّل السبب و هو قول من عدى الإمام (عليه السلام)، و هكذا المسبّب و هو قول الإمام (عليه السلام) بالسمع من المنقول عنه شخصاً كأن يقول: أجمع المسلمون أو المؤمنون أو أهل الحقّ قاطبة- إن قلنا أنّ ظاهره إرادة الإمام (عليه السلام)

374

معهم- فهذا القسم حجّة قطعاً نظراً إلى كونه من أفراد خبر الواحد و من مصاديقه، إذ لا فرق في الأخبار عن قول الإمام (عليه السلام) بين أن يكون إخباراً عنه بالمطابقة أو التضمّن، غايته أنّه في الأوّل سمع من شخص الإمام (عليه السلام) و هو يعرفه فيقول: سمعته يقول كذا و كذا، و في الثاني سمع عن جماعة يعلم إجمالًا أنّ الإمام أحدهم.

و لكن اعتبار هذا القسم بالنسبة إلى زمان الغيبة موهون جدّاً، فلا نجد له مصداقاً، لأنّ الإجماع المنقول عن حسّ في هذا الزمان إنّما هو الإجماع التشرّفي أو الدخولي، و هما غير تامّين من ناحية الصغرى كما مرّ، فالحجّة غير الموجود، و الموجود غير الحجّة.

و إذا كان المنقول السبب و المسبّب جميعاً و لكن المسبّب و هو قول الإمام (عليه السلام) ليس عن حسّ بل بملازمة ثابتة عند الناقل و المنقول إليه جميعاً كما إذا حصّل مثلًا أقوال العلماء من الأوّل إلى الآخر عن حسّ و قطع برأي الإمام (عليه السلام) للملازمة العادية بينهما فقال: أجمع المسلمون أو المؤمنون أو نحو ذلك ممّا ظاهره إرادة الإمام (عليه السلام) معهم و كان المنقول إليه يعتقد بهذه الملازمة، فهذا القسم أيضاً حجّة لأنّ الإخبار عن الشي‏ء (و لو لم يكن عن حسّ) إذا كان مستنداً إلى أمر محسوس لو أحسّه المنقول إليه لحصل له القطع أيضاً بالمخبر به، فهو حجّة بلا كلام كالإخبار عن حسّ عيناً.

و هكذا إذا كان المنقول هو المسبّب فقط و كان نقله عن حسّ، و السبب تامّ في نظر الناقل و المنقول إليه جميعاً كما إذا نقل اتّفاق جميع الفقهاء عن حسّ، و المنقول إليه أيضاً يرى أنّ لازمه العادي هو قول الإمام (عليه السلام)، فيكون هذا القسم أيضاً حجّة لأنّ المخبر في هذا القسم و إن لم يخبر إلّا عن السبب فقط و لكن السبب حيث كان بنظر المنقول إليه تامّاً ملازماً لقول الإمام (عليه السلام) عادةً فهو مخبر عن قوله بالالتزام، و من المعلوم أنّه لا فرق في نقل قول الإمام (عليه السلام) بين أن يكون بالمطابقة كما في الرّوايات المصطلحة، أو بالتضمّن كما في القسمين السابقين، أو بالالتزام كما في المقام، فالكلّ إخبار عن قوله و حكاية لرأيه فتشمله أدلّة حجّية الخبر.

نعم‏، إذا كان المنقول السبب و المسبّب جميعاً و لم يكن المسبّب و هو قول الإمام (عليه السلام) عن حسّ، بل بملازمة ثابتة عند الناقل دون المنقول إليه، فليس هذا بحجّة، لأنّ المتيقّن من بناء العقلاء هو الرجوع إلى خبر الثقة في المحسوسات أو الحدسيّات القريبة بالحسّ، أي الحدسيّات المستندة إلى امور لو أحسّوها بأنفسهم لقطعوا بالمخبر به مثل قطع الناقل.

375

و كذلك إذا كان المنقول السبب فقط و كان عن حسّ و لكن السبب لا يكون تامّاً بنظر المنقول إليه، كما إذا نقل أقوال علماء عصر واحد عن حسّ و لكن المنقول إليه لا يراه سبباً لكشف قول المعصوم لعدم تماميّة قاعدة اللطف عنده، أو كان المنقول السبب فقط لكن كان نقله عن حدس، كما إذا تتبّع أقوال جمع من مشاهير الأصحاب فحصل له الحدس باتّفاق الكلّ و ادّعى الإجماع في المسألة، فليس الإجماع في هاتين الصورتين بحجّة بل على المنقول إليه في الصورة الاولى أن يضيف إلى المنقول ما يتمّ به السبب في نظره بأن يحصّل أقوال سائر الفقهاء لبقيّة الأعصار و يرتّب على المجمع لازمه العادي، و هو قول الإمام (عليه السلام)، و في الصورة الثانية أن يأخذ بالمتيقّن من ذلك الحدس، و هو اتّفاق المشاهير مثلًا و يضيف إليه أقوال سائر العلماء ليتمّ به السبب ويحكم بثبوت اللازم و هو قول الإمام (عليه السلام).

إن قلت: إنّ نقل السبب و القول بأنّ الشيخ الطوسي (رحمه الله) مثلًا قال كذا و كذا يكون من الموضوعات لا من الأحكام، فلا بدّ من توفّر شروط الشهادة فيه من التعدّد و العدالة.

قلنا: ليس هذا من الموضوعات المجرّدة، بل من الموضوعات التي يستفاد منها الحكم الإلهي، لأنّها تجعل مقدّمة لفهم قول المعصوم (عليه السلام) و لا تقبل بما هي هي أي لا يقبل كلام الشيخ الطوسي (رحمه الله) بما أنّه كلامه بل بما أنّه جزء السبب لاستفادة رأي الإمام (عليه السلام)، و من هنا يكون الخبر حجّة في تعيين حال السائل من أنّه ثقة أو ممدوح أو ضعيف، و في خصوصيّة القضيّة التي وقعت مسئولة عنها و نحو ذلك ممّا له دخل في ثبوت كلام الإمام (عليه السلام) أو في تعيين مرامه بعد ثبوت أصل كلامه، و بعبارة اخرى: لا فرق في اعتبار الخبر بين ما إذا كان المخبر به تمام السبب أو ما له دخل في السبب.

بقي هنا امور ثلاثة:

الأمر الأول: الإجماع القاعدة

و هو مهمّ في المقام و إن لم يتكلّم المحقّق الخراساني (رحمه الله) عنه بشي‏ء، و لكن شيخنا الأعظم الأنصاري (رحمه الله) بحثه و أدّى حقّه.

إنّ ممّا يوجب قلّة الاعتماد بالنسبة إلى الإجماعات المنقولة عن قدماء الأصحاب سواء من ناحية السبب أو المسبّب اكتفاؤهم في دعوى الإجماع في مسألة خاصّة بوجود الإجماع على‏

376

قاعدة أو أصل أو عموم أو إطلاق أو غير ذلك ممّا يؤدّي إلى هذا الحكم في نظرهم.

و من ذلك الإجماعات المتعارضة من شخص واحد أو من معاصرين أو متقاربي العصر، و من ذلك أيضاً رجوع المدّعى للإجماع عن الفتوى التي ادّعى الإجماع فيها، و كذلك دعوى الإجماع في مسائل غير معنونة في كلام من تقدّم على المدّعى، أو في مسائل قد اشتهر خلافها بعد المدّعي بل في زمانه بل قبله، فكلّ ذلك مبني على هذا الوجه من الاستناد في نسبة القول إلى العلماء.

و قد ذكر الشيخ الأنصاري (رحمه الله) لهذا القسم من الإجماعات موارد كثيرة نذكر ثلاثة منها أوضح من غيرها:

أحدها: ما وجّه به المحقّق (رحمه الله) دعوى السيّد المرتضى (رحمه الله): «إنّ مذهبنا جواز إزالة النجاسة بغير الماء من المائعات» (أي المائعات المضافة) فقال: إنّه إنّما أضاف ذلك إلى مذهبنا لأنّ من أصلنا العمل بالأصل ما لم يثبت الناقل و ليس في الشرع ما يمنع الإزالة بغير الماء من المائعات، ثمّ قال: و أمّا المفيد (رحمه الله) فإنّه ادّعى في مسائل الخلاف إنّ ذلك مروي عن الأئمّة (إشارة إلى قوله (عليه السلام): كلّ شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي).

فظهر أنّ نسبة السيّد (قدس سره) الحكم المذكور إلى مذهبنا من جهة الاتّفاق على الأصل مع أنّ تطبيقه على هذا المورد خطأ لأنّه‏ أوّلًا: أنّ المورد من موارد استصحاب النجاسة لا الرجوع إلى البراءة، و ثانياً: أنّه من الموارد التي يوجد فيها الدليل الاجتهادي، و هو في المقام ظاهر قوله (عليه السلام) «اغسل» في روايات كثيرة، فإنّ ظاهره وجوب الغسل بالماء المطلق فلا تصل النوبة إلى الأصل العملي.

ثانيهما: ما عن المفيد (رحمه الله) في فصوله حيث إنّه سئل عن الدليل على أنّ المطلّقة ثلاثاً في مجلس واحد يقع منها واحدة، فأجاب بموافقته لقوله تعالى: «الطلاق مرّتان» (1)، ثمّ استدلّ بالإجماع نظراً إلى أنّهم مطبقون على أنّ ما خالف الكتاب فهو باطل، فحصل الإجماع على إبطاله.

فقد ادّعى ثبوت إجماع الامّة على المسألة لأنّ الكبرى المنطبقة عليها مجمع عليها الامّة.

ثالثها: ما ادّعاه ابن إدريس الحلّي (رحمه الله) من الإجماع على وجوب فطرة الزوجة و لو كانت‏

____________

(1) و قد أفتى الشيخ الشلتوت بمقتضى مذهب الشيعة بعدم وقوع ثلاث تطليقات في مجلس واحد نظراً إلى موافقته لظاهر هذه الآية و لم يعتن بمخالفة جمّ غفير من علماء السنّة له.

377

ناشزة على الزوج، و ردّه المحقّق (رحمه الله) بأنّ أحداً من علماء الإسلام لم يذهب إلى ذلك، فإنّ الظاهر أنّ الحلّي إنّما اعتمد في استكشاف أقوال العلماء على تدوينهم للروايات الدالّة بإطلاقها على وجوب فطرة الزوجة على الزوج متخيّلًا أنّ الحكم معلّق على الزوجة من حيث هي زوجة، و لم يتفطّن لكون الحكم من حيث العيلولة أو وجوب الإنفاق.

فنستنتج ممّا ذكرناه عدم إمكان الاعتماد على الإجماعات المنقولة في كلمات القدماء و سقوطها عن الحجّية، و بعكس الإجماعات المنقولة في كلمات المتأخّرين كصاحب الجواهر و صاحب الحدائق و صاحب مفتاح الكرامة فإنّها ليست من قبيل الإجماع على القاعدة بل ناظرة إلى حكاية أقوال العلماء في خصوص المسألة المبحوث عنها.

الأمر الثاني: في لزوم ملاحظة الفاظ الإجماعات‏

لا بدّ في الإجماعات المنقولة من ملاحظة مقدار دلالة ألفاظها، فإنّ دلالة ألفاظ الإجماع تختلف في القوّة و الضعف، فقد يقال: «أجمع الأصحاب» و قد يقال: «لا خلاف بينهم» و قد يقال «لم نعرف مخالفاً» و هكذا.

و لا بدّ أيضاً من ملاحظة حال الناقل فإنّه قد يكون في أعلى درجة التتبّع، و قد يكون دون ذلك، و قد يكون ضعيفاً في تتبّعه، و كذلك لا بدّ من ملاحظة حال المسألة التي نقل فيها الإجماع فإنّها قد تكون مشهورة معروفة عند الأصحاب مدوّنة في كتبهم تصل إليها الأيدي غالباً، و قد تكون دون ذلك، و قد تكون في غاية الخفاء ليس لها مكان مضبوط و إنّما عنونها الأصحاب في مواضع مختلفة لا تصل إليها إلّا يد الأوحدي من الأعلام، فإذا استفيد من مجموع ذلك أنّ السبب المنقول هو سبب تامّ فهو، و إلّا فلا بدّ من الأخذ بالمتيقّن و ضمّ سائر الأقوال إليه ليكون سبباً تامّاً تترتّب عليه الثمرة و النتيجة.

الأمر الثالث: في التواتر المنقول بخبر الواحد

إذا قيل: تواترت الأخبار على كذا، فهل يمكن التمسّك بأدلّة حجّية خبر الواحد لإثبات‏

378

حجّية مثل هذا التواتر؟ و هل يجري فيه القياس المتقدّم في الإجماع المنقول المتشكّل من صغرى و كبرى؟

لا بدّ لتحقيق المسألة من الرجوع إلى ماهيّة الخبر المتواتر و أنّه ما هو؟ و قد ذكر له تعريفان:

أحدهما: «أنّه خبر جماعة يفيد بنفسه العلم»

و استشكل عليه بأنّه لا يوجد خبر يفيد بنفسه العلم بل يدخل في حصول العلم امور أربعة: نوع الخبر (المخبر به)، حال المخبرين، حالة المخبر له و كيفية الإخبار (مثل كون الخبر مكتوباً في كتاب مطبوع أو مخطوط معتبر و عدمه) و إلّا لا بدّ من اعتبار عدد خاصّ في التواتر مع أنّه ممّا لم يقل به أحد.

و لذلك ذكر بعض من ذهب إلى هذا التعريف هذا القيد فيه: «إلّا القرائن الملازمة للخبر» و مراده منها هذه الامور الأربعة، فيكون المراد من القرائن الخارجيّة حينئذٍ شيئاً غيرها، كاعتضاد مضمون الخبر بخبر ظنّي آخر أو دليل عقلي كذلك.

ثانيهما: «أنّه خبر جماعة يؤمن تواطؤهم على الكذب عادةً»

و قد اورد على هذا التعريف أيضاً أوّلًا: بأنّه لا ينفي احتمال الخطأ فلا بدّ تقييد ذيله بهذا القيد: «و يحصل من قولهم العلم».

و ثانياً: بأنّه ما المراد من التواطؤ؟ فإن كان المقصود منه التوافق على أمر فلا وجه لاعتباره لإمكان كذب كلّ واحد من المخبرين على حدة و مستقلًا بدواع شتّى أو كانوا بداعٍ واحدٍ على نشر اكذوبة خاصّة من غير التواطؤ.

فالصحيح في التعريف أن يقال: «إنّه خبر جماعة كثيرة يؤمن اجتماعهم على الكذب و الخطأ عادةً» و التقييد بقيد «كثيرة» لازم لأنّه لو حصل القطع مثلًا من اجتماع ثلاثة أفراد على خبر لا يقال أنّه متواتر في مصطلحهم بل إنّه خبر واحد محفوف بقرائن قطعية أو مستفيض.

و إذا كان هذا هو معنى الخبر المتواتر فإنّه يختلف بحسب الأشخاص، فيمكن أن يكون خبر متواتراً عند شخص و غير متواتر عند شخص آخر.

وعليه بما أنّ التواتر المنقول من حيث المسبّب لا يكون مشمولًا لأدلّة حجّية خبر الواحد

379

لأنّ المسبّب و هو قول الإمام (عليه السلام) لا يكون عن حسّ و لا شبيهاً بالحسّ فلا بدّ و أن يكون نقل التواتر إخباراً نقطع منه بقول الإمام.

و أمّا من ناحية السبب فإنّه و إن كان عن حسّ، أي أنّ الشيخ الطوسي (رحمه الله) مثلًا إذا قال:

«تواترت عليه الأخبار» يحصل العلم بمشاهدته عدداً من الأخبار، لكن حيث إنّه مردّد عند المنقول إليه بين الأقل و الأكثر يأخذ بالقدر المتيقّن، و يلاحظ ما أشرنا إليه سابقاً من الامور التي لها دخل في حصول التواتر و عدمه من ألفاظ النقل من حيث القوّة و الضعف و حال الناقل من حيث الضبط و الدقّة أو المسامحة و المبالغة، و حال الأمر المتواتر (أي المخبر به) من حيث شيوع الأخبار به لسهولة الاطّلاع عليه أو ندرة الإخبار به لصعوبة الاطّلاع عليه أو لغير ذلك من الخصوصيّات و الجهات، فإن كان مجموع ذلك كافياً عند المنقول إليه في إثبات التواتر فهو نقل للسبب التامّ و يثبت به المسبّب، و إلّا فلا بدّ من إلحاق مقدار آخر من إخبار المخبرين ليكمل به السبب و يثبت به المسبّب، لأنّه ليس حينئذٍ على حدّ خبر واحد مسند أيضاً، لعدم وجود الإسناد فيه، فليس داخلًا لا في باب الخبر المتواتر و لا في باب خبر الواحد، بل يعدّ حينئذٍ بحكم الخبر المتظافر.

380

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

381

3- حجّية الشهرة الظنّية

و المراد منها الشهرة الفتوائيّة، فإنّ الشهرة الروائيّة و العمليّة أجنبيتان عن مقامنا، لأنّ الاولى عبارة عن اشتهار الرّواية بين أرباب الحديث و نقلها في كتبهم و هي من المرجّحات عند تعارض الخبرين، و الثانية عبارة عن عمل المشهور بالرواية، أي فتواهم مستنداً إلى تلك الرّواية، فتكون جابرة لضعفها إذا كانت عند القدماء، كما أنّ اعراضهم عن العمل بها يكون كاسراً لقوّتها كما سوف يأتي في محلّه.

و أمّا الشهرة الفتوائيّة فهي عبارة عن فتوى المشهور بحكم بحيث يعدّ قول المخالف شاذّاً سواء وجدت في البين رواية أو لم توجد، و سواء كانوا متّفقين في المدرك أو مختلفين.

و النسبة بينها و بين الإجماع الحدسي هي العموم من وجه، موضع اشتراكهما ما إذا حدس بالشهرة قول المعصوم (عليه السلام) فإنّه يصدق حينئذٍ الإجماع الحدسي أيضاً لوجود ملاكه، و هو الحدس من كلام جمع من الفقهاء بقول الإمام (عليه السلام)، و موضع افتراق الإجماع الحدسي عن الشهرة ما إذا وصل الإجماع إلى اتّفاق الكلّ، و عكسه الشهرة التي حصل منها مجرّد الظنّ.

إذا عرفت‏ هذا فاعلم أنّه اختلف في حجّية الشهرة الفتوائيّة على أقوال: فقال بعض بحجّيتها مطلقاً سواء كانت شهرة القدماء أو المتأخّرين، و قال بعض بعدمها مطلقاً، و فصّل ثالث بين الموردين، و قال بحجّية شهرة القدماء فقط.

و استدلّ القائلون بالحجّية مطلقاً بأُمور:

الأمر الأول: أنّ الظنّ الحاصل من الشهرة الفتوائيّة بالحكم أقوى من الظنّ الحاصل من خبر الواحد فتكون حجّة بطريق أولى.

و يجاب عنه:

أوّلًا: بأنّه قياس مع الفارق، لأنّ الظنّ الحاصل من خبر الواحد ينشأ عن الحسّ و في الشهرة عن الحدس.

382

ثانياً: أنّ هذا يتمّ لو كان مناط حجّية خبر الواحد هو حصول الظنّ منه بالحكم الشرعي، و حينئذٍ لا خصوصيّة للظنّ الحاصل من الشهرة بل إنّه يدلّ على حجّية كلّ ظنّ كان في مرتبة ذلك أو أقوى منه، و أمّا لو كان مناط حجّيته مجهولًا فلا يتمّ ذلك.

إن قلت: هذا إذا كان دليل حجّية خبر الواحد من الأدلّة النقلية فحينئذٍ و إن علمنا إجمالًا أنّ الشارع جعل حجّية الظنّ لكاشفيته و أماريته على الواقع لكن لا نعلم كونها تمام الملاك، فلا يقاس بخبر الواحد غيره، و أمّا إذا قلنا أنّ دليل الحجّية هو بناء العقلاء فلا ريب أنّ الملاك كلّ الملاك عندهم هو الكشف الظنّي عن الواقع و المفروض أنّ هذا الكشف موجود في الشهرة بدرجة أقوى.

قلنا: أوّلًا: يمكن أن يكون شي‏ء حجّة عند العقلاء بملاك و لكن الشارع أمضى بنائهم بملاك آخر، كما أنّ الكعبة مثلًا كانت في عصر الجاهلية محترمة عند الناس لأنّها مكان أصنامهم، و الشارع أيضاً عدّها محترمة بملاك آخر قطعاً، و كذلك الصفا و المروة فإنّهما كانا محترمين عندهم لأنّهما مكان نصب صنمين معروفين من أصنامهم: أساف و نائلة، و لكن الإسلام جعلهما من شعائر اللَّه بملاك آخر قطعاً، و لعلّ ما نحن فيه كذلك، فكان خبر الواحد حجّة عند العقلاء بملاك و عند الشارع بملاك آخر، كما يشهد له حكم الشارع في الخبرين المتعارضين المتساويين بالتخيير مع أنّهما يتساقطان في الحجّية و الاعتبار عندهم، و على كلّ حال لا ملازمة بين إمضاء النتيجة و إمضاء الملاك.

ثانياً: نحن لا نقبل كون ملاك الحجّية عند العقلاء أيضاً حصول مطلق الظنّ من خبر الواحد، بل الحجّية عندهم ظنّ خاصّ حاصل من منشأ خاصّ، و لذلك لا يُعتنى عندهم بظنّ القاضي و لو كان أقوى من الظنّ الحاصل من شهادة الشهود.

الأمر الثاني: ما ورد في مقبولة و مشهورة:

أمّا الاولى: ما ورد في مقبولة: فهي ما رواه عمر بن حنظلة قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما ... (إلى أن قال): فإن كان كلّ واحد اختار رجلًا من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما و اختلف فيما حكما و كلاهما اختلفا في حديثكم (حديثنا) فقال: «الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما، و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر»، قال فقلت: فإنّهما عدلان مرضيّان عند

383

أصحابنا لا يفضل (ليس بتفاضل) واحد منهما على صاحبه، قال: فقال: «ينظر إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه عند أصحابك فيؤخذ به من حكمنا و يترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك فانّ المجمع عليه لا ريب فيه» (1).

و تقريب الاستدلال بها: أنّ المجمع عليه في الموضعين منها هو المشهور بقرينة إطلاق المشهور عليه في قوله (عليه السلام) بعد ذلك: «و يترك الشاذّ الذي ليس بمشهور» بل و في قول الراوي أيضاً: «فإن كان الخبران عنكم مشهورين» وعليه فالتعليل بقوله: «فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه» يكون دليلًا على أنّ المشهور مطلقاً سواء كان رواية أو فتوى هو ممّا لا ريب فيه و يجب العمل به، و إن كان مورد التعليل خصوص الشهرة في الرّواية.

و أمّا ضعف سندها فإنّه يجبر بعمل الأصحاب بها و لذلك يعبّر عنها بالمقبولة.

و أمّا الثانية: ما ورد في المشهورة: فهي مرفوعة العلّامة (رحمه الله) المنقولة في غوالي اللئالي (و من العجب أنّها غير موجودة في كتب العلّامة (رحمه الله) كما قيل) قال: روى العلّامة (رحمه الله) مرفوعة عن زرارة قال سألت الباقر (عليه السلام) قلت جعلت فداك يأتي عنكم الخبران و الحديثان المتعارضان بأيّهما نعمل؟ قال (عليه السلام): «خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذّ النادر» (2).

فاستدلّ بقوله (عليه السلام) «خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذّ النادر» لأنّ الموصول فيها عام يشمل الشهرة بأقسامها.

لكن يرد عليه امور لا يتمّ الاستدلال به من دون الجواب عنها:

الأوّل: أنّ هذا الاستدلال دوري لأنّ حجّية هاتين الروايتين أيضاً متوقّفة على عمل المشهور بهما.

و يمكن الجواب عنه بأنّ الموقوف هنا غير الموقوف عليه، لأنّ ما يكون حجّيته متوقّفة على هاتين الروايتين هي الشهرة الفتوائيّة بما أنّها دليل مستقلّ يكشف عن قول المعصوم (عليه السلام) بينما المتوقّف عليه حجّية الروايتين هو الشهرة الفتوائيّة بما أنّها جابرة لضعف السند فإنّه سيأتي في البحث عن حجّية خبر الواحد أنّ المهمّ فيها حصول الوثاقة بالرواية و إن لم تكن الرواة موثوقاً بهم، و من الامور التي توجب الوثوق بالرواية (أي كون الرّواية موثوقاً بها) شهرة الفتوى على وفقها.

____________

(1) وسائل الشيعة: أبواب صفات القاضي، الباب 9، ح 1.

(2) غوالي اللئالي: ج 4، ص 133، و مستدرك الوسائل: ج 17، ص 303.

384

الثاني: ما أورده المحقّق الخراساني (رحمه الله عليهما) من أنّ المراد من الموصول (كلمة «ما» في المشهورة و الألف و اللام الموصولة في المقبولة) فيهما هو الرّواية لا ما يعمّ الفتوى‏ (1).

و يمكن أيضاً الجواب عن هذا بأنّه تامّ بالنسبة إلى المشهورة لا المقبولة لأنّ الكبرى فيها عام و إن كانت الصغرى خاصّة و لا سيّما أنّه كدليل عقلي.

الثالث: ما أورده في درر الفوائد: من أنّ غاية ما تدلّ عليه هاتان الروايتان كون الشهرة مرجّحة من المرجّحات مع أنّ النزاع في كونها حجّة مستقلّة في قبال سائر الحجج و لا ملازمة بين المرجّحية و الحجّية مستقلّة (2).

هذا أيضاً يمكن الجواب عنه بأنّ التعليل عام.

الرابع: ما ذكره المحقّق النائيني (رحمه الله) و هو أنّ التعليل الوارد في المقبولة ليس من العلّة المنصوصة ليكون من الكبرى الكلّية التي يتعدّى عن موردها فإنّ المراد من قوله «فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه» إن كان هو الإجماع المصطلح فلا يعمّ الشهرة الفتوائيّة و إن كان المراد منه المشهور فلا يصحّ حمل قوله (عليه السلام) «ممّا لا ريب فيه» عليه بقول مطلق، بل لا بدّ من أن يكون المراد منه عدم الريب بالإضافة إلى ما يقابله، و هذا يوجب خروج التعليل عن كونه كبرى كلّية لأنّه يعتبر في الكبرى الكلّية صحّة التكليف بها ابتداءً بلا ضمّ المورد إليها كما في قوله:

«الخمر حرام لأنّه مسكر» فإنّه يصحّ أن يقال: لا تشرب المسكر بلا ضمّ الخمر إليه، و التعليل الوارد في المقبولة لا ينطبق على ذلك لأنّه لا يصحّ أن يقال: «يجب الأخذ بكلّ ما لا ريب فيه بالإضافة إلى ما يقابله» و إلّا لزم الأخذ بكلّ راجح بالنسبة إلى غيره و بأقوى الشهرتين و بالظنّ المطلق و غير ذلك من التوالي الفاسدة التي لا يمكن الالتزام بها فالتعليل أجنبيّ عن أن‏

____________

(1) و قد أخذ محقّق الخراساني (رحمه الله) هذا الإشكال من الشيخ أعلى اللَّه مقامه حيث قال: أمّا الاولى (يعني بها المرفوعة) فيرد عليها مضافاً إلى ضعفها- حتّى أنّه ردّها من ليس دأبه الخدشة في سند الرّوايات كالمحدّث البحراني- أنّ المراد من الموصول هو خصوص الرّواية المشهورة من الروايتين دون مطلق الحكم المشهور، أ لا ترى أنّك لو سألت عن أنّ أي المسجدين أحبّ إليك قلت: «ما كان الاجتماع فيه أكثر» لم يحسب للمخاطب أن ينسب إليك محبوبيّة كلّ مكان يكون الاجتماع فيه أكثر بيتاً كان أو خاناً أو سوقاً، و كذا لو أجبت عن سؤال المرجّح لأحد الرمّانين فقلت ما كان أكبر. (انتهى).

(2) درر الفوائد: ج 2، ص 379، طبع جماعة المدرّسين.

385

يكون من الكبرى الكلّية التي يصحّ التعدّي عن مورده» (1).

و حاصل كلامه: أنّ نفي الريب هاهنا ليس المراد به نفي الريب بقول مطلق لوجود الريب قطعاً و إلّا لم يكن مورداً للسؤال، بل المراد به نفي الريب بالنسبة إلى ما يقابله من الخبر الشاذّ النادر، و مثل هذا المعنى ليس قابلًا لأن يكون علّة سارية لوجوب الأخذ في جميع الموارد، للقطع بعدم حجّية بعض ما يكون الريب فيه أقلّ بالنسبة إلى ما يقابله (كاختلاف مراتب الكذّاب في الكذب).

و أجاب عنه بعض الأعاظم: «أنّ الكبرى ليست مجرّد كون الشي‏ء مسلوباً عند الريب بالإضافة إلى غيره حتّى يتوهّم سعة نطاق الكبرى بل الكبرى كون الشي‏ء ممّا لا ريب فيه بقول مطلق عرفاً بحيث يعدّ الطرف الآخر شاذّاً نادراً لا يعبأ به عند العقلاء و هذا غير موجود في الموارد التي أشار إليها (قدس سره)، فإنّ ما ذكره من الموارد ليس ممّا لا ريب فيه عند العرف» (2) و هو جيّد.

الخامس: (و هو العمدة) أنّ المراد من الشهرة فيها هو الشهرة بمعنى الوضوح، أي الشهرة اللغويّة لا الشهرة المصطلحة (و في الواقع وقع الخلط بينهما، و نظيره كثير في طيّات كتب الفقه و الاصول) ففي مقاييس اللغة: «الشهرة وضوح الأمر، و شهر سيفه إذا انتضاه» و في النهاية:

«الشهر الهلال سمّي به لشهرته و ظهوره» و في لسان العرب: «الشهرة ظهور الشي‏ء في شنعة حتّى يشهره الناس».

و في مفردات الراغب: «شهر فلان و اشتهر يقال في الخير و الشرّ» و في الصحاح (نقلًا من لسان العرب): «الشهرة وضوح الأمر».

و في مجمع البحرين: «الشهرة ظهور الشي‏ء في شَنعة حتّى شهره الناس».

إذن فيكون معنى قول الإمام في الروايتين: «خذ بما صار واضحاً عند أصحابك» و لا إشكال في أنّ هذا المعنى من الشهرة أو أنّ هذه الدرجة من الشهرة تصل إلى مرتبة القطع العرفي العادي، فليس المراد من عدم الريب عدم الريب بالنسبة إلى ما يقابله، بل عدم الريب مطلقاً،

____________

(1) فوائد الاصول: ج 3، ص 154- 155.

(2) تهذيب الاصول: ج 2، ص 171، من الطبع القديم، و ص 102، من طبع جماعة المدرّسين.

386

و إذن لا يصحّ الاستدلال بهما في محلّ البحث، لأنّ المفروض أنّ محلّ النزاع هو الشهرة في الاصطلاح، أي الشهرة الفتوائيّة التي توجب الظنّ بقول المعصوم (عليه السلام).

هذا كلّه بالنسبة إلى الأمر الثاني لحجّية الشهرة.

الأمر الثالث: فهو ما نقله المحقّق النائيني (رحمه الله) و هو الاستدلال بذيل آية النبأ من التعليل بقوله تعالى: «أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ» بتقريب أنّ المراد من الجهالة السفاهة و الاعتماد على ما لا ينبغي الاعتماد عليه، و معلوم أنّ العمل بالشهرة و الاعتماد عليها ليس من السفاهة و فعل ما لا ينبغي‏ (1).

و فيه: أنّ غاية ما يقتضيه هذا التعليل هو عدم حجّية كلّ ما فيه جهالة و سفاهة، و هذا لا يقتضي حجّية كلّ ما ليس فيه جهالة و سفاهة إذ ليس له مفهوم حتّى يتمسّك به، أ لا ترى أنّ قوله «لا تأكل الرمّان لأنّه حامض» لا يدلّ على جواز أكل كلّ ما ليس بحامض.

و الإنصاف أنّ هذا الدليل لشدّة وهنه لا يليق بالذكر.

هذا كلّه بالنسبة إلى القول بحجّية الشهرة مطلقاً، و أمّا القول بالتفصيل بين الشهرة عند القدماء و الشهرة عند المتأخّرين فيستدلّ القائلون به بتعبّد القدماء بالعمل بالأخبار و متون الرّوايات و عدم الاعتناء بالأدلّة العقليّة و الاستحسانات (كما مرّ ضمن بيان مقدّمة كتاب المبسوط) و يتّضح لنا ذلك ببيان التطوّرات الفقهيّة التي مرّ بها تاريخ الفقه الشيعي‏ فنقول: كان فقه الشيعة ينتقل من الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) إلى شيعتهم يداً بيد و جيلًا بعد جيل من دون وجود حلقة مفقودة، لكن بطيّ مراحل مختلفة، ففي أوائل عصر الأئمّة (عليهم السلام) كانت الشيعة تأخذ الرّوايات من أئمّتهم من دون أن يكون لهم تدوين و تأليف، ثمّ في مرحلة اخرى جمعوها في كتب و رسائل عديدة انتهت إلى أربعمائة كتاب، و سمّيت بالاصول الأربعمائة، لكن كلّ هذا من دون تنظيم و ترتيب و تبويب مطلوب، ثمّ في مرحلة ثالثة تصدّوا لتنظيمها و تبويبها مع ذكر إسنادها و كانوا يكتفون بها للفتوى، ثمّ وصلت النوبة إلى مرحلة رابعة و هي مرحلة الفتوى، فكانوا يفتون في المسألة في بدء هذه المرحلة بألفاظ الأحاديث و متونها، و ذلك بحذف الإسناد و تخصيص العمومات بمخصّصاتها و تقييد المطلقات بمقيّداتها و حمل التعارضات و الجمع أو الترجيح بين المتعارضات نظير ما صنع به علي بن بابويه والد الصدوق (رحمه الله)، و لذلك كان‏

____________

(1) فوائد الاصول: ج 3، ص 155، طبع جماعة المدرّسين.

387

الأصحاب يرجعون إليها عند اعوزاز النصوص، ثمّ انتهى الأمر في المرحلة الخامسة إلى التفريعات و تطبيق الاصول و القواعد على الفروع و الموضوعات الجديدة و المصاديق المستحدثة.

و حينئذٍ لو تحقّقت شهرة الأصحاب قبل المرحلة الخامسة على مسألة فحيث إنّهم كانوا متعبّدون بالعمل بمتون الأخبار، و لم يكن لهم تفريع و استنباط من عند أنفسهم يحصل الوثوق و الاطمئنان بقول المعصوم (عليه السلام) أو وجود دليل معتبر، و تكون هذه الشهرة بنفسها كاشفة عن الحكم، بخلاف الشهرة عند المتأخّرين لكونها مبنية على آرائهم الشخصية من دون أن يكون معقدها متلقّاة من كلمات المعصومين و ألفاظ الرّوايات، فتكون الشهرة عند القدماء حينئذٍ كالإجماع الحدسي و كاشفة عن قول الإمام (عليه السلام) أو مدرك معتبر كشفاً قطعيّاً، بل هي ترجع في الواقع إلى الإجماع الحدسي و تكون من مصاديقه لعدم اشتراط إجماع الكلّ فيه، و عندئذٍ يخرج عن محلّ النزاع لأنّ البحث كان في الشهرة الفتوائيّة الظنّية.

هل الشهرة جابرة لضعف السند؟

بقي هنا شي‏ء:

قد مرّ في أوّل البحث أنّ الشهرة على ثلاثة أقسام: الشهرة الفتوائيّة و الشهرة الروائيّة و الشهرة العمليّة، و مرّ أيضاً تعريف كلّ واحدة منها، و لكن وقع البحث بين الأعلام في أنّ وقوع الشهرة العمليّة على وفق رواية ضعيفة هل يوجب جبر ضعفها أو لا؟ فذهب الأكثر إلى كونها جابرة، و خالف بعض الأعلام و استشكل في المسألة كبرى و صغرى، و حاصل كلامه في مصباح الاصول: «أنّ الخبر الضعيف لا يكون حجّة في نفسه كما هو المفروض و كذلك فتوى المشهور غير حجّة على الفرض أيضاً، و انضمام غير الحجّة إلى غير الحجّة لا يوجب الحجّية فإنّ انضمام العدم إلى العدم لا ينتج إلّا العدم، و دعوى: أنّ عمل المشهور بخبر ضعيف توثيق عملي للمخبر به فيثبت به كونه ثقة، فيدخل في موضوع الحجّية، مدفوعة: بأنّ العمل مجمل لا يعلم وجهه فيحتمل أن يكون عملهم به لما ظهر لهم من صدق الخبر و مطابقته للواقع بحسب نظرهم و اجتهادهم، لا لكون المخبر ثقة عندهم، فالعمل بخبر ضعيف لا يدلّ على توثيق المخبر به، و لا سيّما أنّهم لم يعملوا بخبر آخر لنفس هذا المخبر، و أمّا آية النبأ فالاستدلال بها أيضاً غير

388

تامّ، إذ التبيّن عبارة عن الاستيضاح و استكشاف صدق الخبر، و هو تارةً يكون بالوجدان، و اخرى‏ بالتعبّد، و إن فتوى المشهور لا تكون حجّة فليس هناك تبيّن وجداني و لا تبيّن تعبّدي يوجب حجّية خبر الفاسق.

هذا كلّه بالنسبة إلى الكبرى (و هي: أنّ عمل المشهور موجب لانجبار ضعف الخبر أو لا؟).

و أمّا الصغرى (و هي استناد المشهور إلى الخبر الضعيف في مقام العمل و الفتوى) فإثباتها أشكل، لأنّ القدماء لم يتعرّضوا للاستدلال في كتبهم ليعلم استنادهم إلى الخبر الضعيف، و إنّما المذكور فيها مجرّد الفتوى، فمن أين نستكشف عمل قدماء الأصحاب بخبر ضعيف و استنادهم إليه، فإنّ مجرّد مطابقة الفتوى لخبر ضعيف لا يدلّ على أنّهم استندوا في هذه الفتوى إلى هذا الخبر إذ يحتمل كون الدليل عندهم غيره» (1). (انتهى).

أقول: الإنصاف تماميّة الكبرى و الصغرى معاً، أمّا تماميّة الكبرى فليست لأجل آية النبأ بل لوجود ملاك حجّية خبر الواحد هنا، و هو حصول الوثوق بصدور الرّواية عن المعصوم (عليه السلام) و إن لم تكن رواتها موثوقين فإنّ عمل مشهور القدماء برواية و استنادهم إليها يوجب الاطمئنان و الوثوق بصدورها.

و أمّا قوله: «أنّه ضمّ للعدم إلى العدم».

ففيه: أنّه ليس كذلك، لأنّ ضمّ احتمال إلى احتمال آخر يوجب شدّة الاحتمال، و تراكم الاحتمالات توجب قوّة الظنّ، حتّى أنّه قد ينتهي إلى حصول اليقين، و إلّا يلزم من ذلك عدم حجّية الخبر المتواتر أيضاً لأنّه أيضاً ضمّ لا حجّة إلى لا حجّة، هذا بالنسبة إلى الكبرى.

و كذلك الصغرى، لأنّه و إن لم يستند الأصحاب في فتواهم إلى الرّواية مباشرة و لكن إذا ذكرت الرّواية في كتب مشهورة معتبرة، و كانت بمرأى و منظر الأصحاب و كان عملهم موافقاً لمضمونها، فإنّ ظاهر الحال يقتضي استناد فتواهم إليها.

و إن شئت قلت: يحصل الوثوق و الاطمئنان إجمالًا بأنّ فتواهم إمّا مستندة إلى هذه الرّواية أو ما في معناها، و على أي حال يحصل الوثوق إجمالًا بصدور هذا المعنى من الإمام (عليه السلام) فنأخذ به و يكون حجّة.

____________

(1) مصباح الاصول: ج 2، ص 202.

389

4- حجّية خبر الواحد

و هذه المسألة من أهمّ المسائل الاصوليّة لاستناد أكثر المسائل الفقهيّة إلى خبر الواحد بحيث لولاها و لو لا مسألة التعادل و التراجيح التي تعدّ تكملة لها لتعطّل عمل الاستنباط و الاجتهاد، فلا بدّ من الاهتمام بها.

و قبل الورود في أصل البحث لا بدّ من بيان مقدّمة: و هي أنّه مع وجود هذه الأهميّة الشديدة- مع ذلك- وقع البحث و النزاع بين الأعلام في أنّ هذه المسألة كيف يمكن أن تكون من مسائل الاصول، و منشأ الإشكال أنّ موضوع علم الاصول هو الأدلّة الأربعة، و من جانب آخر أن موضوع كلّ علم هو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة، مع أنّ البحث في هذه المسألة ليس من العوارض الذاتيّة للسنّة التي تكون من الأدلّة الأربعة، لأنّ البحث فيها يكون بحثاً عن حجّية خبر الواحد و دليلية الدليل، و هي بحث عن ذات الموضوع لا عن عوارضه، لأنّ الموضوع هو الأدلّة الأربعة بوصف أنّها أدلّة لا الأدلّة الأربعة بذواتها و بما هي هي.

و لحلّ هذه المشكلة ذكروا طرقاً عديدة نذكر هنا عدّة منها.

الأوّل: التسليم للإشكال و القول بكون البحث عنها استطراديّاً في الاصول كما ذهب إليه صاحب القوانين.

و لكنّه كما ترى لا يناسب كون المسألة من أهمّ مسائل الاصول.

الثاني: ما ارتكبه صاحب الفصول من التكلّف و القول بأنّ الموضوع في علم الاصول هو ذوات الأدلّة فيكون البحث عن وصف الدليلية حينئذٍ من العوارض.

و هذا التكلّف أيضاً خلاف ظاهر تعبيرهم بالأدلّة لأنّ ظاهره الأدلّة بما هي أدلّة.

الثالث: طريق الشيخ الأنصاري (رحمه الله) في الرسائل، و حاصله: أنّ الموضوع هو السنّة الواقعيّة، أي ما صدر واقعاً من ناحية المعصوم (عليه السلام) و البحث في خبر الواحد هو أنّ قول المعصوم (عليه السلام) أو فعله أو تقريره هل يثبت بخبر الواحد أو لا؟

390

إن قلت: إنّ الثبوت هنا هو بمعنى الوجود، فيكون البحث عن وجود الموضوع، و البحث عن وجود الموضوع ليس بحثاً عن عوارضه لأنّ المراد من العوارض ما يعرض الشي‏ء بعد وجوده.

قلت: إنّ الوجود الذي لا يكون من المسائل و العوارض بل يكون من المبادئ هو الوجود الحقيقي لا التعبّدي، أمّا الثبوت التعبّدي فهو من العوارض و هو المقصود في المقام، لأنّ البحث في ما نحن فيه بحسب الواقع في أنّه هل تثبت السنّة الواقعيّة بخبر الواحد تعبّداً أو لا؟ (انتهى).

و استشكل عليه المحقّق الخراساني (رحمه الله) بما حاصله: أنّ الثبوت التعبّدي ليس هو المبحوث عنه في المسألة بل لازم لما هو المبحوث عنه، و هو حجّية الخبر، فإنّ الخبر إن كان حجّة شرعاً لزمه ثبوت السنّة به تعبّداً و إلّا فلا، و الملاك في كون المسألة من المباحث أم من غيرها هو نفس عنوانها المبحوث عنه لا ما هو لازمه.

أقول: الإنصاف أنّ طريق الشيخ الأنصاري (رحمه الله) أيضاً خلاف تعبيرات القوم، فإنّا لم نجد أحداً منهم يعبّر عن عنوان المسألة بهذا التعبير، بل كلامهم يدور مدار عنوان حجّية خبر الواحد.

الرابع: ما ذهب إليه المحقّق الخراساني (رحمه الله) و هو ما مرّ منه في بداية الاصول من عدم اختصاص موضوع علم الاصول بالأدلّة الأربعة كي تكون المسألة الاصوليّة باحثة عن أحوالها و عوارضها بل إنّه الكلّي المنطبق على موضوعات مسائله المتشتّتة، و الملاك في كون المسألة اصوليّة أن تقع نتيجتها في طريق الاستنباط، و حينئذٍ مسألة حجّية خبر الواحد بحسب هذا الملاك تكون من المسائل الاصوليّة.

و يظهر الإشكال فيه ممّا مرّ في محلّه من ضعف المبنى.

ثمّ‏ إنّ المحقّق النائيني (رحمه الله) حاول إحياء طريق الشيخ الأنصاري (رحمه الله) ببيان حاصله: أنّ البحث في حجّية خبر الواحد يرجع إلى البحث عن أنّه هل تنطبق السنّة على مؤدّى الخبر أو لا (1)؟

و استشكل عليه المحقّق العراقي (رحمه الله) في الهامش بما حاصله: أنّ انطباق الماهيّة على مصداقها

____________

(1) راجع فوائد الاصول: ج 3 ص 157- 158.

391

هو عين البحث عن وجود الماهيّة، و مثل هذا البحث و إن كان من عوارض الماهيّة تصوّراً و لكنّه عين البحث عن وجودها خارجاً و البحث عن الوجود يكون من المبادئ.

أقول: يرد على المحقّق النائيني (رحمه الله) إشكال آخر، و هو أنّ هذا البيان أيضاً لا ينطبق على ما عنونه القوم لأنّ عنوانهم هو أنّ خبر الواحد حجّة أو لا؟

و الحقّ في المقام أن يقال: إنّه لا دليل على أنّ موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة حتّى لا يكون البحث عن وجود موضوعات المسائل من مسائل ذلك العلم، بل البحث عن الوجود أيضاً من مسائل العلوم كما نشاهد ذلك في كثير من العلوم كالنجوم و الجغرافيا و غيرهما.

هذا مضافاً إلى أنّ موضوع علم الاصول ليس الأدلّة الأربعة بل الموضوع هو الحجّة في الفقه مطلقاً و إلّا خرج كثير من المسائل (كمسائل الاصول العمليّة كالبراءة و الاستصحاب و غيرهما) عن مسائل علم الاصول.

إذا عرفت‏ هذا فلنرجع إلى بيان الأقوال في المسألة فإنّ المسألة ذات قولين: الأوّل (و هو المشهور بين المتأخّرين) الحجّية، و الثاني (و هو المشهور بين جمع من القدماء، منهم السيّد المرتضى و الشيخ المفيد و ابن زهرة و ابن برّاج و ابن إدريس رحمهم الله) عدم الحجّية، و سيأتي أنّه ليس بين الطائفتين فرق في العمل لأنّ ما يكون حجّة عند المشهور من أخبار الآحاد يكون عند القدماء محفوفاً بقرائن قطعية.

أدلّة القائلين بعدم الحجّية:

و استدلّ لعدم حجّية خبر الواحد بالأدلّة الأربعة: الكتاب و السنّة و الإجماع و العقل.

الدليل الأول: الكتاب‏

أمّا الكتاب فاستدلّ منه بالآيات الناهية عن العمل بالظنّ، و هي قوله تعالى: «إِنَّ الظَّنَّ لا

392

يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئاً» (1) و قوله تعالى: «وَ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئاً» (2) و قوله تعالى: «وَ لَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» (3).

و اجيب عنه بوجوه عديدة:

الوجه الأوّل: أنّ مدلول هذه الآيات عام، و ما من عام إلّا و قد خصّ، فتخصّص بأدلّة حجّية خبر الواحد.

و لكن هذا الجواب غير تامّ لأنّ لسان الآيات آبية عن التخصيص فإنّ قوله تعالى: «إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئاً» مثلًا بمنزلة قولك: «إنّ زيداً ممّن لا اعتبار له و لا يمكن الوثوق به أصلًا» الذي لا يناسب تخصيصك إيّاه بقولك مثلًا: «إلّا بالنسبة إلى هذه المسألة و هذه المسألة، فيمكن الاعتماد عليه فيها» كما لا يخفى.

الوجه الثاني: أنّ مورد هذه الآيات هو اصول الدين و لا ربط لها بالفروع.

و فيه: أنّه تامّ بالإضافة إلى بعضها كقوله تعالى: «وَ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئاً» فإنّه لا إشكال في أنّه بقرينة الآية السابقة وردت في مسألة الشرك و هي من الاصول، لكن بالنسبة إلى بعضها الآخر ليس بتامّ كقوله تعالى: «وَ لَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا» فلا ريب في أنّه مطلق يشمل الفروع أيضاً لأنّ السمع و البصر مربوطتان بفروع الدين كما يستفاد هذا من استشهاد المعصوم (عليه السلام) بهذه الآية في جواب من سأل عن حكم الغناء الذي يسمعه من دار جاره.

الوجه الثالث: ما أجاب به المحقّق النائيني (رحمه الله) عن هذه الآيات وفقاً لمبناه في باب الأمارات فإنّه قال: «نسبة تلك الأدلّة إلى الآيات ليست نسبة التخصيص بل نسبة الحكومة فإنّ تلك الأدلّة تقتضي إلغاء احتمال الخلاف و جعل الخبر محرزاً للواقع فيكون حاله حال العلم في عالم التشريع» (4).

أقول: قد مرّ عدم تماميّة هذا مبنى و بناءً، أمّا المبنى فلأنّ صفة العلم من الصفات التكوينيّة

____________

(1) سورة يونس: الآية 36.

(2) سورة النجم: الآية 28.

(3) سورة الإسراء: الآية 36.

(4) فوائد الاصول: ج 3، ص 161.

393

التي ليست قابلة للجعل فلا يمكن أن يقال: جعلت هذا حجراً أو شجراً، و أمّا البناء فلأنّه لو سلّمنا إمكان ذلك فإنّه لا يتمّ بالنسبة إلى أدلّة حجّية خبر الواحد، لأنّ لسانها ليس لسان جعل صفة العلم كما لا يخفى على من تأمّل فيها.

الوجه الرابع: ما نقله الطبرسي (رحمه الله) في مجمع البيان عن الجصّاص و حاصله: أنّ لسان أدلّة حجّية خبر الواحد لسان الدليل الوارد فيرفع بها موضوع النهي الوارد في الآيات الناهية (و هو الظنّ) حقيقة.

و الجواب عن هذا الوجه واضح، لأنّ قطعيّة أدلّة حجّية الخبر شي‏ء و قطعيّة نفس الخبر شي‏ء آخر، و الثابت هو الأوّل لا الثاني، فكأنّه وقع الخلط بين الأمرين.

فظهر إلى هنا أنّه لا تحلّ المشكلة بهذه الوجوه الأربعة.

و الإنصاف في حلّها أن نلاحظ الآيات السابقة على هذه الآيات و اللاحقة لها فإنّها تدلّ على أنّ الظنّ المستعمل في هذه الآيات ليس بمعناه المصطلح عند الفقهاء و الاصوليين، و هو الاعتقاد الراجح بل المراد منه معناه اللغوي الذي يعمّ الوهم و الاحتمال الضعيف أيضاً.

ففي مقاييس اللغة: «الظنّ يدلّ على معنيين مختلفين: يقين و شكّ» و استشهد لمعنى اليقين بقوله تعالى: «الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُوا رَبِّهِمْ» حيث إن معنى «يظنّون» فيه «يوقنون» و قال بالنسبة إلى معنى الشكّ ما إليك نصّه: «و الأصل الآخر: الشكّ، يقال ظننت الشي‏ء إذا لم تتيقّنه».

و في مفردات اللغة: «الظنّ اسم لما يحصل عن أمارة و متى قويت أدّت إلى العلم و متى ضعفت جدّاً لم يتجاوز حدّ التوهّم».

و بالجملة أنّ الظنّ الوارد في هذه الآيات إنّما هو بمعنى الوهم الذي لا أساس له و لا اعتبار به عند العقلاء.

أمّا الآية الاولى: فلأنّ الوارد قبلها هو: «إنّ الذين لا يؤمنون بالآخرة يسمّون الملائكة تسمية الانثى» فالتعبير ب «تسمية الانثى» إشارة إلى ما جاء في بعض الآيات السابقة: «إِنْ هِيَ إِلّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلّا الظَّنَّ وَ مَا

394

تَهْوَى الأَنْفُسُ وَ لَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى» (1) من أنّ هذه الأسماء أسماء لا مسمّى لها، و لا تتعدّى عن حدّ التسمية و لا واقعة لها و هي ممّا لا يتفوّه بها من له علم و عقل بل هو أمر ناشٍ عن الوهم و الخرافة و ما تهوى الأنفس.

فالمراد بالظنّ في الآية هو هذا المعنى الذي ليس له مبنى و لا أساس كسائر الخرافات الموجودة بين الجهّال، و حينئذٍ تكون أجنبيّة عمّا نحن فيه و هو الظنّ الذي يكون أمراً معقولًا و موجّهاً و مطابقاً للواقع غالباً و الذي يكون مبنى حركة العقلاء في أعمالهم اليوميّة كباب شهادة الشهود في باب القضاء و باب أهل الخبرة و باب ظواهر الألفاظ و نحوها ممّا يوجب إسقاط العمل به من حياة الإنسان و لزوم العمل باليقين القطعي فقط اختلال النظام و الهرج و المرج.

و أمّا الآية الثانية: فالآيات السابقة عليها: «قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ...» تشهد بأنّ الظنّ الوارد فيها إشارة إلى الذين يعدّونهم بأوهامهم شركاء للَّه تعالى كما يشهد بهذا قوله تعالى في نفس السورة: «أَلَا إِنَّ للَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَ مَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلّا الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلّا يَخْرُصُونَ» (2)، فقد جعل الظنّ في هذه الآية في عداد الخرص في أمر الشركاء، فالممنوع الظنّ الذي يعادل ما تهوى الأنفس و الخرص.

هذا كلّه بالإضافة إلى ما استعمل فيه كلمة الظنّ.

أمّا قوله تعالى: «وَ لَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» الذي نهى فيه عن اتّباع غير العلم، فإنّه و إن لم يأت فيه ما بيّناه بالنسبة إلى الآيتين السابقتين لكن يأتي فيه ما ذكر في الجواب الأوّل، و هو القول بالتخصيص، لأنّ لسان هذه الآية ليس آبياً عن التخصيص كما لا يخفى على المتأمّل فيها.

____________

(1) سورة النجم: الآية 23.

(2) سورة يونس: الآية 66.

395

الدليل الثاني: السنّة

و أمّا السنّة فلا بدّ من تواترها في المقام و ألّا يكون الاستدلال دوريّاً كما لا يخفى، و لا بدّ أيضاً من كون موردها في غير باب التعارض لأنّ البحث ليس في الخبرين المتعارضين.

و الأخبار الواردة في هذا المجال عمدتها نقلت في الباب 9 من أبواب صفات القاضي من الوسائل، و نذكر هنا أحد عشر رواية منها، و هي بنفسها على طوائف خمسة لكلّ واحدة منها لسان يختلف عن لسان غيرها:

الطائفة الاولى: ما يدلّ على حجّية ما علم أنّه قولهم (عليهم السلام) و هي ما رواه نضر الخثعمي قال:

سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «من عرف إنّا لا نقول إلّا حقّاً فليكتف بما يعلم منّا، فإن سمع منّا خلاف ما يعلم فليعلم إنّ ذلك دفاع منّا عنه» (1).

الطائفة الثانية: ما تدلّ على حجّية ما وافق الكتاب و هي عديدة:

منها: ما رواه عبد الله بن أبي يعفور قال: و حدّثني الحسين بن أبي العلاء أنّه حضر ابن أبي يعفور في هذا المجلس قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به، و منهم من لا نثق به، قال: «إذا أورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب اللَّه أو من قول رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، و إلّا فالذي جاءكم به أولى به» (2)، فإنّها و إن وقع السؤال فيها عن اختلاف الخبرين إلّا أنّ الجواب عام.

و منها: ما رواه عبد الله بن بكير عن رجل عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: «إذا جاءكم عنّا حديث فوجدتم عليه شاهداً أو شاهدين من كتاب اللَّه فخذوا به و إلّا فقفوا عنده ثمّ ردّوه إلينا حتّى يستبين لكم» (3).

و منها: ما رواه العياشي في تفسيره عن سدير قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) و أبو عبد الله (عليه السلام): «لا تصدّق علينا إلّا ما وافق كتاب اللَّه و سنّة نبيّنا (صلى الله عليه و آله)» (4).

الطائفة الثالثة: ما تدلّ على عدم حجّية ما لا يوافق كتاب اللَّه و هي ما رواه أيّوب بن راشد

____________

(1) وسائل الشيعة: الباب 9، من أبواب صفات القاضي، ح 3.

(2) المصدر السابق: ح 11.

(3) المصدر السابق: ح 18.

(4) المصدر السابق: ح 47.

396

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف» (1).

و ما رواه أيّوب بن الحرّ قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «كلّ شي‏ء مردود إلى الكتاب و السنّة، و كلّ حديث لا يوافق كتاب اللَّه فهو زخرف» (2).

و يمكن إدغام هذه الطائفة في الطائفة الثانية لأنها بمفهومها موافقة لها.

الطائفة الرابعة: ما تدلّ على عدم حجّية ما خالف كتاب اللَّه، و هي ما رواه ابن أبي عمير عن بعض أصحابه قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «من خالف كتاب اللَّه و سنّة محمّد (صلى الله عليه و آله) فقد كفر» (3).

الطائفة الخامسة: ما جمع فيها بين لسانين: طرح ما خالف الكتاب و أخذ ما وافقه، و هي ما رواه السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): إنّ على كلّ حقّ حقيقة، و على كلّ صواب نوراً فما وافق كتاب اللَّه فخذوه، و ما خالف كتاب اللَّه فدعوه» (4).

و ما رواه هشام بن الحكم و غيره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: خطب النبي (صلى الله عليه و آله) بمنى فقال:

«أيّها الناس ما جاءكم عنّي يوافق كتاب اللَّه فأنا قلته، و ما جاءكم يخالف كتاب اللَّه فلم أقله» (5).

و اجيب عن هذه الرّوايات بوجوه عديدة:

الوجه الأول: أنّه لا بدّ في دلالتها على المدّعى من كونها متواترة، لأنّها لو كانت أخبار آحاد يكون الاستدلال بها دوريّاً (كما مرّ) و حينئذٍ لا يكون متواترة (6) لفظاً و لا معنى بل إنّها

____________

(1) وسائل الشيعة: ح 12، الباب 9، من أبواب صفات القاضي.

(2) المصدر السابق: ح 14.

(3) المصدر السابق: ح 16.

(4) المصدر السابق: ح 10.

(5) المصدر السابق: ح 15.

(6) و ينبغي هنا توضيح كلّ واحد من أقسام التواتر فنقول: أمّا التواتر اللفظي فهو عبارة عن إخبار جماعة بلفظ واحد عن واقعة واحدة يوجب حصول العلم سواء كان ذلك اللفظ تمام الخبر مثل قوله (عليه السلام) «إنّما الأعمال بالنيّات» كما ادّعى تواتره، أو بعضه كلفظ «من كنت مولاه فعلي مولاه» و حديث الثقلين. و أمّا التواتر المعنوي فهو إخبار جماعة بألفاظ مختلفة مع اشتمال كلّ منها على معنى مشترك بينها سواء كان ذلك المعنى المشترك مدلولًا مطابقيّاً أو تضمنياً أو التزامياً، كالأخبار الواردة في غزوات مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) و حروبه فإنّ كلّ واحدة من تلك الحكايات خبر واحد لكن اللازم المترتّب على مجموعها و هي شجاعته (عليه السلام) متواترة. أمّ التواتر الإجمالي: فهو أن يكون هناك جملة من الأخبار مع اختلافها بحسب اللفظ و المعنى و العلم إجمالًا بصدور بعضها بحيث يستحيل عادةً أن يكون كلّها كاذبة كالعلم بصدور طائفة من الرّوايات الموجودة في الكافي إجمالًا مع ورودها في أبواب مختلفة.

397

متواترة إجمالًا يقتضي حصول العلم الإجمالي بصدور واحد من الأخبار على الأقلّ، فلا بدّ من الأخذ بالقدر المتيقّن منها، و هو أخصّها مضموناً، و من المعلوم أنّ أخصّها مضموناً هو المخالف للكتاب و السنّة (سنّة محمّد (صلى الله عليه و آله) معاً فيختصّ عدم الحجّية بذلك بنحو قضيّة السالبة الجزئيّة، و هذا لا يضرّ بمدّعى المثبتين، أي اعتبار خبر الواحد في الجملة لأنّ السالبة الجزئيّة لا تنافي الموجبة الجزئيّة.

ثمّ إنّ المراد من المخالفة هل هي المخالفة على نحو التباين، أو العموم من وجه؟

الصحيح هو الأوّل، لأنّه لا إشكال في صدور مخصّصات خصّصت بها عمومات الكتاب و يستلزم من طرحها رفع اليد عن كثير من الأحكام الشرعيّة، نظير ما ورد في قبال عموم قوله تعالى: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و يدلّ على شرطيّة عدم الجهل في المبيع و غير ذلك من الشرائط الشرعيّة المجعولة في العقود، و هي كثيرة جدّاً، و نظير ما ورد في قبال إطلاق قوله تعالى: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ» ممّا يدلّ على النصاب و المقدار و الحول و غيرها.

إن قلت: المخالفة على نحو التباين الكلّي لا يوجد لها مصداق في جوامع الحديث التي بأيدينا اليوم، و هذا لا يناسب كثرة الرّوايات الدالّة على طرح الخبر المخالف للكتاب و شدّة اهتمام الأئمّة (عليهم السلام) به.

قلنا: الأخبار الموجودة في كتب الحديث في يومنا هذا قد خرجت من مصافٍ عديدة تحت أيدي مؤلّفي هذه الكتب كالشيخ الطوسي (رحمه الله) و الشيخ الصدوق و الكليني (رحمه الله) فمن المسلّم صدور روايات متباينة مع الكتاب و السنّة قبل تأليف هذه الجوامع.

هذا مضافاً إلى وجود روايات متباينة بين الرّوايات الموجودة حاليّاً أيضاً مثل ما نسب إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أنّه قال: أنّي خالق السموات و الأرض ... الخ»، لأنّ هذا مخالف لصريح آيات الكتاب ممّا ينسب الخلق إلى اللَّه تعالى فقط، و مثل رواية تدلّ على «أنّ الميّت يعذّب ببكاء أهله» (1)، و هو مخالف لصريح قوله تعالى: «وَ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى» إلّا أن‏

____________

(1) يمكن أن يقال: إنّ هذه الرّواية ليست مخالفة لتلك الآية، لأنّ وزر الأهل ليس وزراً اخرى للإنسان بل يعدّ وزراً لنفس الإنسان و وزر عمله بالنسبة إلى أهله.

398

يقال: إنّ المراد هو العذاب التكويني الحاصل من بكاء الأهل لروح الميّت لا التشريعي الحاصل بفعل اللَّه تعالى.

الوجه الثاني: حملها على أنّها ناظرة إلى زمان الحضور، و لا إشكال في عدم حجّية خبر الواحد في ذلك الزمان كما يشهد عليه قول الإمام (عليه السلام) في بعضها: «و ما لم تعلموا فردّوه إلينا» و قوله (عليه السلام) «و ردّوه إلينا حتّى نشرح لكم من ذلك ما شرح لنا».

لكن الإنصاف أنّه غير تامّ و مخالف للسان أكثر الرّوايات مثل ما ورد في بعضها: «أنّ على كلّ حقّ حقيقة و على كلّ صواب نوراً» و ما ورد في بعضها الاخرى: «و لا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا و سنّة نبيّنا (صلى الله عليه و آله)» فإن هذا اللحن و هذا النحو من السياق عامّ يشمل زمن الحضور و الغيبة كما لا يخفى. هذا أوّلًا.

و ثانياً: أنّ الصحيح هو حجّية خبر الواحد في زمن الحضور أيضاً كما يدلّ عليه ما سيأتي من الرّوايات المتواترة التي ورد أكثرها في مورد عصر الحضور.

الوجه الثالث: حملها على الخبرين المتعارضين بقرينة سائر الرّوايات التي تجعل الموافقة مع الكتاب من المرجّحات.

و الإنصاف أنّ هذا الجواب أيضاً لا يناسب لحن كثير من الرّوايات مثل ما ورد فيها: «و كلّ حديث لا يوافق كتاب اللَّه فهو زخرف»، و ما رواه أيّوب بن راشد عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال:

«ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف»، و كذلك ما ورد فيها: «أنّ على كلّ حقّ حقيقة و على كلّ صواب نوراً» فإنّ هذا القبيل من الرّوايات وردت في مقام تمييز الحجّة عن اللّاحجّة، لا ترجيح إحدى الحجّتين على الاخرى، نعم إنّ هذا الجواب تامّ بالنسبة إلى بعض الرّوايات.

الوجه الرابع: أنّه لو فرض شمول هذه الرّوايات لخبر الواحد فإنّها معارضة لما هو أكثر و أظهر و سيأتي ذكرها عند ذكر أدلّة المثبتين.

فظهر أنّ الجواب الأوّل و الرابع تامّ لا إشكال فيه.

هذا كلّه هو الاستدلال بالسنّة على عدم حجّية خبر الواحد.

399

الدليل الثالث: الإجماع‏

و أمّا الإجماع‏ فقال الشيخ الأعظم (رحمه الله) في الرسائل: ادّعاه السيّد المرتضى (رحمه الله) و هو ظاهر المحكي عن الطبرسي في مجمع البيان، و السيّد المرتضى جعل بطلان حجّية خبر الواحد بمنزلة القياس في كون ترك العمل به معروفاً من مذهب الشيعة.

و اجيب عن هذا بأنّ حجّية خبر الواحد هو قول أكثر الأصحاب و عليها سيرة أصحاب الأئمّة كما يشهد عليها ما سيأتي من الرّوايات الحاكية عن أحوالهم خصوصاً ما ورد فيها التعليل بأنّه ثقة، الذي يدلّ على أنّ الملاك في الحجّية هو كون الراوي ثقة.

نعم لا بدّ هنا من توجيه و تأويل لكلام السيّد المرتضى (رحمه الله) (لأنّه ربّما يستشكل في السيرة بأنّها لو كانت فكيف لم يلتفت إليها السيّد المرتضى (رحمه الله) مع قرب عهده إلى زمن المعصومين) كما أوّله شيخ الطائفة (رحمه الله) بأنّ معقد هذا الإجماع ليس هو الأخبار التي محفوفة بقرائن تشهد على صدقها و إن لم تصل إلى حدّ حصول العلم بالصدور، كما إذا نقلت في الكتب المعتبرة و الاصول المتلقّاة من كلمات المعصومين (عليهم السلام) بل المراد من معقد الإجماع الأخبار التي يرويها المخالفون.

الدليل الرابع: العقل‏

و أمّا العقل فهو- كما أشار إليه المحقّق النائيني (رحمه الله)- ما ذكره ابن قبّة من أنّ العمل بخبر الواحد موجب لتحليل الحرام و تحريم الحلال، و العقل يستقلّ بقبحه.

و قد مرّ الجواب عن هذا في أوّل مباحث الظنّ في مقام الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري مستوفاً فراجع.

هذا كلّه في أدلّة القائلين بعدم حجّية خبر الواحد.

أدلّة القائلين بحجّية خبر الواحد

و بعد ذلك نذكر أدلّة القائلين بالحجّية، و هم أيضاً استدلّوا بالأدلّة الأربعة:

400

الدليل الأول: الكتاب:

فاستدلّوا منه بآيات:

1- آية النبأ

قال اللَّه تعالى: «إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ» (1).

قال الطبرسي (رحمه الله) في مجمع البيان: «قوله «إن جاءكم فاسق» نزل في الوليد بن عقبة بن أبي معيط بعثه رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) في صدقات بني المصطلق فخرجوا يتلقّونه فرحاً به و كانت بينهم عداوة في الجاهلية فظنّ أنّهم همّوا بقتله فرجع إلى رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) و قال إنّهم منعوا صدقاتهم، و كان الأمر بخلافه، فغضب النبي (صلى الله عليه و آله) و همّ أن يغزوهم فنزلت الآية» (2).

ثمّ قال: «عن ابن عبّاس و مجاهد و قتادة» ثمّ ذكر قولًا آخر في شأن نزول الآية و هو لا يناسب مضمون الآية و كلمة القوم المذكورة فيها.

و قد استشكل بعض العامّة في شأن النزول المذكور بأنّ الوليد آمن يوم فتح مكّة و كان صبيّاً.

و من المحتمل جدّاً كون الخبر مجعولًا لتنزيه الوليد و تبرئته من ناحية بعض من له صلة بالخلفاء لكونه أخاً لعثمان من جانب الامّ.

إن قلت: فكيف أرسله الرسول (صلى الله عليه و آله) لأخذ الزكوات مع أنّه كان فاسقاً؟

قلنا: لعلّ الوليد كان ظاهر الصلاح و كان فسقه أمراً مخفيّاً مستتراً و كان الرسول (صلى الله عليه و آله) أيضاً يعمل بحسب الظاهر و لم يكن بنائه على العمل بالغيب.

هذا مضافاً إلى أنّه يمكن أن يقال: إنّ معنى علمه (صلى الله عليه و آله) و علم الأئمّة (عليهم السلام) بالغيب إنّهم «إذا شاءوا أن يعلموا علموا» كما ورد في الحديث المشهور.

و أمّا الاستدلال بالآية فله ثلاثة وجوه: أحدها: الاستدلال بمفهوم الشرط، و الثاني: بمفهوم الوصف، و الثالث: بمناسبة الحكم و الموضوع.

و قبل ذكر هذه الوجوه و نقدها نقول: لو اعطيت هذه الآية بيد العرف يفهم منها حجّية

____________

(1) سورة الحجرات: الآية 6.

(2) مجمع البيان: ج 9، ص 132.

401

خبر العادل و أنّه لا ندامة في العمل به و لو لم يعلم منشأ هذه الدلالة.

ثمّ نقول: أمّا مفهوم الوصف: فإن قلنا بكبرى مفهوم الوصف فلا إشكال في مفهوم كلمة الفاسق في الآية، فتدلّ على عدم لزوم التبيّن في خبر العادل و حجّيته، لكن المشهور عدم حجّية مفهوم الوصف خصوصاً في الوصف غير المعتمد على الموصوف كما في المقام فإنّه حينئذٍ أشبه بمفهوم اللقب عندهم.

لا يقال: فما هو الفائدة في ذكر هذا الوصف، و لما ذا لم يرد في الآية هكذا: «إذا جاءك إنسان بنبإ ... الخ»؟ لأنّه يقال: إنّه ورد للتنبيه على فسق الوليد.

لكن الإنصاف أنّ للوصف مفهوماً كما مرّ في مبحث المفاهيم خصوصاً في مثل ما نحن فيه حيث يكون في مقام إعطاء ضابطة كلّية بملاحظة صدر الآية (و هو قوله تعالى: «يا أيّها الذين آمنوا ...».

و القول بكونه تنبيهاً على فسق الوليد كلام غير وجيه لأنّ الآيات لا تكون مختصّة بعصر دون عصر و بشخص دون شخص بل إنّها هدى للناس في جميع الأعصار، و لعلّ هذا هو منشأ الفهم العرفي المذكور آنفاً.

و أمّا مفهوم الشرط: فللقائلين به بيانات مختلفة:

الأوّل: أنّه تعالى علّق وجوب التبيّن على مجي‏ء الفاسق بالنبإ، فإذا انتفى ذلك سواء انتفى بانتفاء الموضوع أي «إذا لم يجي‏ء أحد بخبر» أو انتفى بانتفاء المحمول أي «إذا جاء شخص بخبر و كان عادلًا» ينتفي وجوب التبيّن فيستدلّ بإطلاق المفهوم لعدم وجوب التبيّن في خبر العادل و أنّه حجّة.

لكن يرد عليه: أنّ القضيّة الشرطيّة هاهنا ليس لها مفهوم لأنّها سيقت لبيان تحقّق الموضوع مثل قولك: «إن رزقت ولداً فسمّه محمّداً» بمعنى أنّ الجزاء موقوف على الشرط عقلًا لا شرعاً و بجعل الشارع من دون توقّف عقلي في البين، فعند انتفاء الشرط حينئذٍ انتفاء الجزاء عقلي من قبيل قضيّة السالبة بانتفاء الموضوع لا السالبة بانتفاء المحمول مع وجود موضوعه (و انتفاء المحمول و الحكم يكون بواسطة انتفاء ما علّق عليه من شرط أو وصف).

الثاني: ما أفاده المحقّق الخراساني (رحمه الله) و حاصله: أنّ الحكم بوجوب التبيّن عن النبأ الذي جي‏ء به معلّق على كون الجائي به فاسقاً (لا على نفس مجي‏ء الفاسق بالنبإ) بحيث يكون‏

402

المفهوم هكذا: «إن لم يكن الجائي بالنبإ فاسقاً بل كان عادلًا فلا يجب التبيّن عنه».

و يمكن الجواب عنه: بأنّه كذلك لو كانت الآية هكذا: «النبأ إن جاء به الفاسق فتبيّنوا» بأن يكون الموضوع القدر المطلق المشترك بين نبأ الفاسق و العادل لأنّ القضيّة حينئذٍ ليست مسوّقة لبيان تحقّق الموضوع، لكن الإشكال في أنّ مفاد الآية ليس كذلك كما هو ظاهر فالإشكال بعدم المفهوم وارد.

الثالث: ما أشار إليه المحقّق الخراساني (رحمه الله) أيضاً بقوله: «مع أنّه يمكن أن يقال: إنّ القضيّة و لو كانت مسوقة لذلك إلّا أنّها ظاهرة في انحصار موضوع وجوب التبيّن في النبأ الذي جاء به الفاسق ...».

و حاصله: أنّ القضيّة الشرطيّة في الآية و إن كانت مسوقة لبيان تحقّق الموضوع و لكنّها ظاهرة في انحصار موضوع وجوب التبيّن بنبإ الفاسق فقط، و مقتضاه أنّه إذا انتفى نبأ الفاسق و تحقّق موضوع آخر مكانه كنبإ العادل لم يجب التبيّن عنه.

و هذا البيان و البيان السابق في مخالفتهما لظاهر الآية سيّان.

و أمّا مناسبة الحكم و الموضوع: فقد اشير إليها في كلمات الشيخ الأعظم (رحمه الله) و غيره و توضيحها: أنّ ظاهر الآية كون الفسق موجباً لعدم الاعتماد و الاعتبار، أي أنّ التبيّن يناسب عدم الاعتبار، و هذه المناسبة تقتضي عرفاً عدم وجوب التبيّن في خبر العادل المعتبر المعتمد.

هذا كلّه هو طرق الاستدلال بآية النبأ، و قد ظهر أنّ الطريق الأوّل و الثالث تامّ خلافاً للطريق الثاني.

لكن قد أورد على الآية إشكالات كثيرة ربّما تبلغ إلى نيف و عشرين كما قال به الشيخ الأعظم (رحمه الله) و قال أيضاً: «إلّا أنّ كثيراً منها قابلة للدفع»، و اختار المحقّق الخراساني (رحمه الله) أربعة منها و ذكرها في تعليقته على الرسائل و قد أضاف إليها بعض المعاصرين عدّة اخرى، و نحن نذكر هنا أهمّها و هي خمسة:

الإشكال الأوّل: ما يرتبط بالتعليل الوارد في ذيل الآية، و هو أنّ مقتضى عموم التعليل وجوب التبيّن في كلّ خبر ظنّي لا يؤمن الوقوع في الندم من العمل به و إنّ كان المخبر عادلًا فيعارض المفهوم، و الترجيح مع ظهور التعليل.

بيانه: لو قلنا أنّ الآية الشريفة تدلّ مفهوماً على أنّ خبر العادل حجّة مطلقاً و لو لم يفد

403

العلم لكن التعليل بقوله تعالى: «أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ» دليل على أنّ الخبر الذي لا يؤمن الوقوع في الندم من العمل به ليس بحجّة، و لو كان المخبر عادلًا (لأنّ العلّة قد تعمّم كما أنّها قد تخصّص) و حينئذٍ الترجيح مع ظهوره التعليل لكونه أقوى و آبياً عن التخصيص مضافاً إلى كونه منطوقاً لا مفهوماً.

و اجيب عنه بوجوه:

الوجه الأول: أنّ مقتضى التعليل ليس هو عدم جواز الاقدام على ما هو مخالف للواقع مطلقاً، لأنّ المراد بالجهالة هنا السفاهة و فعل ما لا يجوز فعله، لا ما يقابل العلم، و لا شبهة في أنّه لا سفاهة في الركون إلى خبر العدل و الاعتماد عليه.

إن قلت: يستلزم هذا كون اعتماد الصحابة على خبر الوليد الفاسق سفيهاً، و هو كما ترى.

قلنا: قد أجاب عن هذا المحقّق النائيني (رحمه الله) بأنّه ربّما يركن الشخص إلى ما لا ينبغي الركون إليه غفلةً أو لاعتقاده عدالة المخبر، و الآية هنا نزلت للتنبيه على غفلة الصحابة أو لسلب اعتقادهم عن عدالة الوليد، أي ركون الصحابة إلى خبر الوليد لم يكن من باب الإقدام على أمر سفهي بل من جهة عدم علمهم بفسق الوليد.

أقول: الجهالة في لغة العرب و إن كان قد تأتي بمعنى السفاهة و لكن الأصل في معناها هو ضدّ العلم كما نطقت به كتب اللغة، فحينئذٍ حمل الآية على المعنى الأوّل مشكل جدّاً، و يؤيّد ما ذكرنا ملاحظة موارد استعمال هذه الكلمة في القرآن الكريم.

الوجه الثاني: «أنّه على فرض أن يكون معنى الجهالة عدم العلم بمطابقة الخبر للواقع لا يعارض عموم التعليل للمفهوم، بل المفهوم يكون حاكماً على العموم لأنّه يقتضي إلغاء احتمال مخالفة خبر العادل للواقع و جعله محرزاً له و كاشفاً عنه، و كأنّه يقول: «نزّل خبر العادل بمنزلة العلم» فلا يشمله عموم التعليل لا لأجل تخصيصه بالمفهوم لكي يقال: إنّه يأبى عن التخصيص بل لحكومة المفهوم عليه» (1).

و يرد عليه: إنّ لسان الآية ليس لسان الدليل الحاكم و لا يساوق مفهومها قولك: «الغ احتمال الخلاف» بل تدلّ على أنّه إذا جاءكم عادل بنبإ فلا يجب التبيّن بل يجب القبول.

____________

(1) راجع فوائد الاصول: ج 3، ص 172.

404

نعم هذا صادق بالنسبة إلى جملة من سائر الأدلّة لحجّية خبر الواحد كقوله (عليه السلام): «ما أدّيا عنّي فعنّي يؤدّيان».

الوجه الثالث: ما أجاب به شيخنا العلّامة (رحمه الله) في الدرر و هو: «أنّ التعليل لا يدلّ على عدم جواز الاقدام بغير العلم مطلقاً بل يدلّ على عدم الجواز فيما إذا كان الاقدام في معرض حصول الندامة، و احتماله منحصر فيما لم يكن الاقدام عن حجّة فلو دلّت الآية بمفهومها على حجّية خبر العادل فلا يحتمل أن يكون الإقدام على العمل به مؤدّياً إلى الندم فلا منافاة بين التعليل و مفهوم الآية أصلًا» (1).

و يمكن أن يقال في توضيح ما أفاده بأنّ الموجب للندم هو ما كان معرضاً للندامة غالباً و خبر العادل ليس كذلك، و وقوع الخطأ فيه أحياناً كوقوع الخطأ في العلم لا يوجب الندم و لا ترك العمل به.

الوجه الرابع: أنّه فرق بين الجهل و العلم في مصطلح المنطق و في العرف و اللغة فالعلم المصطلح في المنطق هو درجة المائة في المائة من اليقين، و في مقابله الجهل المصطلح، و أمّا العلم العرفي الاصولي فليس بتلك الدرجة بل يعدّ العمل بالظواهر و ما أشبهها من العمل بالعلم عند العرف و إن لم يكن علماً قطعيّاً.

هذا كلّه بالنسبة إلى الإشكال الأوّل الوارد على الاستدلال بالآية.

الإشكال الثاني: أنّه على تقدير دلالة الآية على المفهوم يلزم خروج المورد عن مفهوم الآية لأنّ موردها و هو الإخبار عن ارتداد جماعة (و هم بنو المصطلق) من الموضوعات فلا يثبت بخبر العدل الواحد، و خروج المورد أمر مستهجن عند العرف فيكشف عن عدم المفهوم للآية المباركة.

و فيه: أوّلًا: نحن في فسحة عن هذا الإشكال، لأنّ المختار حجّية خبر الواحد حتّى في الموضوعات، (إلّا في باب القضاء لما ورد فيه من دليل خاصّ بل لا بدّ فيه في بعض الموارد من قيام أكثر من اثنين من الشهود).

ثانياً: أنّ هذا ينافي إطلاق المفهوم لا أصله حيث إنّه يدلّ على حجّية خبر العادل مطلقاً،

____________

(1) راجع فوائد الأصول، ج 2، ص 385- 386، طبع جماعة المدرّسين.

405

و قد قيّد هذا الإطلاق في موارد الموضوعات بضمّ عدل آخر و عدم الاكتفاء بعدل واحد، و هذا لا ينافي حجّية أصل المفهوم، فلو دلّت عليها الآية الشريفة لم يكن تقييد إطلاقه بالنسبة إلى مورده مانعاً عن تحقّقه، و الذي لا يجوز في الكلام إنّما هو خروج المورد برأسه لا ما إذا كان داخلًا مع قيد أو شرط.

الإشكال الثالث: أنّه لو دلّت الآية على حجّية خبر الواحد لكان الإجماع الذي إدّعاه السيّد (رحمه الله) على عدم حجّية خبر الواحد أيضاً حجّة لأنّه من مصاديق خبر الواحد، فيلزم من حجّية خبر الواحد عدم حجّيته، و هو من قبيل ما يلزم من وجوده عدمه و هو محال.

و الجواب عن هذا واضح صغرى و كبرى، أمّا الكبرى: فلما مرّ من أنّ خبر الواحد لا يعمّ هذا القبيل من الإجماعات لأنّها من أقسام الإجماع الحدسي لا الحسّي.

و أمّا الصغرى: فلأنّا نعلم بأنّ ما إدّعاه السيّد المرتضى (رحمه الله) من الإجماعات مبنيّة على أصل أو قاعدة، و ليست بمعنى الإجماع على مسألة خاصّة.

الإشكال الرابع: تعارض هذه الآية مع الآيات الناهية عن العمل بغير علم، و النسبة بينهما العموم من وجه فتتعارضان في مورد الاجتماع و هو خبر العادل الذي يوجب الظنّ بالحكم فتقدّم الآيات الناهية على هذه الآية لكونها أقوى ظهوراً.

و الجواب عن هذا ظهر ممّا سبق في مقام التعرّض للآيات الناهية، فقد قلنا هناك أنّ المقصود من الظنّ الوارد في تلك الآيات هو الأوهام و الخرافات التي لا أساس لها وعليه لا تعارض بينهما.

الإشكال الخامس: (و هو المهمّ) ما لا يختصّ بآية النبأ بل يرد على جميع أدلّة حجّية خبر الواحد، و هو عدم شمول أدلّة الحجّية للأخبار مع الواسطة مع أنّ المقصود من حجّية خبر الواحد هو إثبات السنّة بالأخبار التي وصلت إلينا مع الواسطة عن الحجج المعصومين (عليهم السلام).

و يمكن بيانه بوجوه:

الوجه الأوّل: دعوى انصراف الأدلّة عن الإخبار مع الواسطة.

الوجه الثاني: اتّحاد الحكم و الموضوع ببيان: أنّ حجّية الخبر التي يعبّر عنها بوجوب تصديق العادل إنّما هي بلحاظ الأثر الشرعي الذي يترتّب على المخبر به، إذ لو لم يكن له أثر شرعي كانت الحجّية لغواً و لا يصحّ التعبّد به، و من المعلوم لزوم تغاير كلّ حكم مع موضوعه‏

406

فإذا لم يكن في مورد أثر شرعي للخبر إلّا نفس وجوب التصديق الثابت بدليل حجّية الخبر لم يمكن ترتيب هذا الأثر، لما سبق من وحدة الحكم و الموضوع و هو محال و المقام من هذا القبيل لأنّه إذا أخبرنا الصدوق (رحمه الله) مثلًا بقوله: «قال الصفّار قال: «الإمام العسكري (عليه السلام) ...» لم يترتّب على إخبار الصدوق سوى وجوب تصديق قول الصفّار لأنّ الأثر العملي إنّما يترتّب على قول المعصوم فقط لا غير. و حينئذٍ فوجوب تصديق الصدوق بمقتضى آية النبأ حكم و موضوعه (أي الأثر المترتّب على خبر الصدوق) أيضاً وجوب تصديق الصفّار، فيلزم اتّحاد الحكم و الموضوع، و هو محال.

و إن شئت قلت: يلزم اتّحاد الحكم و الموضوع أو كون الحكم ناظراً إلى نفسه.

توضيحه: إذا قلنا بدلالة الآية على حجّية خبر الواحد يلزم أن يكون الأثر الذي بلحاظه وجب تصديق العادل (أي الأثر الذي يكون موضوعاً لحكم وجوب التصديق) نفس تصديقه من دون أن يكون في البين أثر آخر كان وجوب التصديق بلحاظه، مع أنّ وجوب التعبّد بالشي‏ء لا بدّ و أن يكون بلحاظ ما يترتّب على الشي‏ء من الآثار الشرعيّة، و إلّا فلو فرضنا خلوّ الشي‏ء عن الأثر الشرعي لما صحّ إيجاب التعبّد الشرعي به، وعليه فلو كان الراوي حاكياً قول الإمام فوجوب التصديق بلحاظ ما يترتّب على قول الإمام (عليه السلام) من الآثار، كحرمة الشي‏ء و وجوبه، و لو كان المحكي قول غيره كحكاية الصدوق (رحمه الله) قول الصفّار فالأثر المترتّب على قول الصفّار ليس إلّا وجوب تصديقه، فيلزم اتّحاد الحكم (وجوب التصديق) و الموضوع (الأثر الشرعي) و كون الحكم ناظراً إلى نفسه.

الوجه الثالث: لزوم إيجاد الحكم لموضوعه مع أنّه لا بدّ من وجود الموضوع في الرتبة السابقة على الحكم، فإنّ الشيخ إذا أخبر عن المفيد (رحمه الله) و هو عن الصدوق (رحمه الله) فالمصداق الوجداني لنا هو قول الشيخ، فيجب تصديقه، و أمّا قول المفيد (رحمه الله) إلى أن ينتهي إلى الإمام فإنّما يصير مصداقاً لموضوع قولنا: «صدق العادل» بعد تصديق الشيخ (قدس سره) فيلزم إثبات الموضوع بالحكم، و هو محال.

و قد اجيب عن هذا الإشكال: تارةً بأنّ لزوم وجود الموضوع في الرتبة السابقة على الحكم إنّما هو في القضايا الخارجيّة مع أنّ أدلّة الحجّية من القضايا الحقيقيّة الشاملة للموضوعات المحقّقة و المقدّرة، و لا مانع فيها من تحقّق الموضوع بها و شمولها لنفسها.