أنوار الأصول‏ - ج2

- الشيخ أحمد القدسي المزيد...
496 /
407

و اخرى‏ بأنّه سلّمنا كون منصرف الآية الإخبار بلا واسطة إلّا أنّ العرف يلغي الخصوصيّة.

و ثالثة: بأنّ الإجماع المركّب قام على أنّ خبر الواحد إمّا حجّة مطلقاً (سواء كان مع الواسطة أو بلا واسطة) أو ليس بحجّة كذلك.

و فيه: بما أن هذه المسألة معلومة المدرك فلا فائدة في الإجماع البسيط فيها فضلًا عن الإجماع المركّب.

و رابعة: بأنّ المحال إنّما هو إثبات الحكم موضوع شخص الحكم لا إثباته موضوع فرد آخر من الحكم، فإنّ خبر الشيخ المحرز بالوجدان يجب تصديقه و بتصديقه يحصل لنا موضوع آخر، و هو خبر المفيد (رحمه الله)، و له وجوب تصديق آخر و هكذا.

و خامسة: بأنّه يكفي في صحّة التعبّد كون المتعبّد به ممّا له دخل في موضوع الحكم و لا دليل على لزوم ترتّب تمام الأثر عليه، ففي ما نحن فيه حيث تنتهي سلسلة الأخبار إلى قوله (عليه السلام) فلكلّ واحد منها دخل في إثبات قوله الذي له الأثر الشرعي، و هذا المقدار كافٍ في صحّة التعبّد به، فليس هنا أحكام متعدّدة حتّى يستشكل باتّحاد الحكم و الموضوع و غير ذلك بل هنا حكم واحد، و كلّ ما في سلسلة السند من الرجال جزء لموضوعه.

2- آية النفر:

قوله تعالى‏: «وَ مَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» (1) و قد وقع البحث عنها في ثلاث مقامات: الأوّل: في تفسير الآية، الثاني: في كيفية الاستدلال بها، الثالث: في الإشكالات الواردة عليها و الجواب عنها.

أمّا المقام الأوّل: فقد ذكر في تفسيرها وجوه خمسة:

الوجه الأوّل: أن يكون المراد من النفر فيها الخروج إلى الجهاد غاية الأمر إنّها تنهى‏

____________

(1) سورة التوبة: الآية 122.

408

المؤمنين أن ينفروا إلى الجهاد كافّة و تأمرهم بالانقسام إلى طائفتين: فطائفة منهم تنفر إلى الجهاد، و طائفة اخرى‏ تبقى عند الرسول للتفقّه في الدين.

و القائلون بهذا الوجه استشهدوا له بصدر الآية و هو قوله تعالى: «وَ مَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً» فإنّه يدلّ على أنّهم كانوا ينفرون كافّة إلى الجهاد و ذلك لكي لا تشملهم الآيات النازلة في المنافقين القاعدين، فتنهاهم الآية عن هذا النحو من الخروج و تقول: الجهاد مع الجهل واجب كالجهاد مع العدوّ.

و هذا الوجه مخالف لظاهر الآية من بعض الجهات: أوّلًا: أنّه يحتاج إلى تقدير جملة «و تبقى طائفة» و ثانياً: لا بدّ من رجوع الضمير في قوله «ليتفقّهوا» إلى الطائفة الباقية مع أنّ الظاهر رجوعه إلى الفرقة النافرة المذكورة في الآية، و ثالثاً: من ناحية رجوع الضمير في «و لينذروا» إلى الطائفة الباقية أيضاً مع أنّ ظاهره أيضاً الرجوع إلى النافرة.

الوجه الثاني: أن يكون المراد من النفر النفر إلى الجهاد أيضاً مع عدم التقدير المذكور في الوجه الأوّل، فيرجع الضميران إلى الطائفة النافرة، أي التفقّه و الإنذار يرجعان إليهم، و اللَّه تعالى حثّهم على التفقه في ميدان الحرب لترجع إلى الفرقة المتخلّفة فتحذّرها.

إن قلت: كيف يمكن التفقّه في ميدان الجهاد.

قلت: يحصل التفقّه هناك بالتبصّر و التيقّن بما يريهم اللَّه من الظهور على المشركين و نصرة الدين و ظهور صدق قوله تعالى: «كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ» (1) و كذلك قوله تعالى: «إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ» (2).

و هذا الوجه أيضاً مخالف للظاهر من وجهين:

الوجه الأوّل‏ أنّه خلاف ظاهر التفقّه في الدين و خلاف قوله: «ليتفقّهوا» بصيغة المضارع، فإنّه ظاهر في الاستمرار لا في التفقّه في مقطع خاصّ و زمان معيّن (هو زمان الجهاد) كما أنّ كلمة الدين أيضاً ظاهرة في جمّ غفير من المسائل و المعارف الدينيّة لا في خصوص صفة من صفات الباري تعالى كقدرته و نصرته.

الوجه الثاني: أنّه يبقى السؤال في الآية بعدُ من أنّه لما ذا منع من نفر الجميع للتفقّه في الدين؟

____________

(1) سورة البقرة: الآية 249.

(2) سورة الأنفال: الآية 65.

409

لأنّ المفروض عدم وجود تقدير في الآية، فالواجب على الجميع النفر للتفقّه هناك.

الوجه الثالث: أن يكون المراد من النفر النفر إلى محضر الرسول (صلى الله عليه و آله) لتحصيل الدين، و معنى الآية: لا يجوز لمؤمني البلاد أن يخرجوا كافّة من أوطانهم إلى المدينة للتفقّه للزوم اختلال النظام.

و هذا الوجه و إن يوجب التخلّص من إشكال التقدير و لكن يرد عليه:

أوّلًا: أنّ النهي عن شي‏ء إنّما يصحّ فيما إذا كان الشخص في معرض ارتكاب ذلك الشي‏ء، و هو ممنوع في مورد الآية، لأنّا لا نرى من نفر جميع المسلمين إلى محضر الرسول للتفقّه أثراً في الأخبار و التاريخ.

ثانياً: أنّه خلاف اتّحاد سياق هذه الآية مع الآية السابقة و اللاحقة لأنّ موردها هو الجهاد.

الوجه الرابع: أن تكون الآية ناظرة إلى جماعة من الصحابة كانوا يتوجّهون من المدينة إلى القبائل لتبليغ الأحكام و الناس يهدون إليهم هدايا و عطايا، و صار هذا الأمر سبباً لاتّهامهم بعدم الخلوص في نيّاتهم فتركوا هذه الرسالة، فنزلت الآية.

و يرد على هذا الوجه أيضاً أنّه لا يساعد صدر الآية الظاهر في أنّ جميع المؤمنون كانوا يخرجون من المدينة، بينما المفروض في هذا الوجه خروج جماعة منهم، هذا أوّلًا.

و ثانياً: لازم هذا الوجه أن يكون النفر للتعليم لا للتفقّه.

الوجه الخامس: أن نلتزم بالتفكيك بين النفر الأوّل و بين النفر الثاني، فيكون الأوّل بمعنى النفر إلى الجهاد، و الثاني بمعنى النفر إلى التفقّه، فمعنى الآية: أيّها المؤمنون لا يخرج جميعكم إلى الجهاد بل تخرج طائفة إليه و طائفة إلى التعلّم و التفقّه.

و فيه: أنّه خلاف وحدة السياق فإنّها تقتضي أن يكون النفر في الآية بمعنى واحد.

فقد ظهر من جميع ما ذكرنا أنّه يلزم ارتكاب خلاف الظاهر على كلّ حال.

لكن الإنصاف أنّ أخفّها مئونة و أقلّها محذوراً هو التفسير الأوّل كما يؤيّده ما ورد في ذيل الآية من شأن النزول فإنّها وردت بعد نزول آيات الجهاد و ذمّ المنافقين لأجل تركهم الجهاد، فكان المؤمنون يخرجون إلى الجهاد جميعاً لئلا يعمّهم ذمّ الآيات، فنزلت الآية و نهت عن خروج الجميع‏، هذا أوّلًا.

و يؤيّده ثانياً: ما رواه الشيخ الطبرسي (رحمه الله) في مجمع البيان (و أسنده إلى الإمام الباقر (عليه السلام)

410

مباشرةً و بقوله: «قال الباقر (عليه السلام)» مع أنّه ممّن لا يقول بحجّية خبر الواحد) قال: قال الباقر (عليه السلام):

«كان هذا حين كثر الناس فأمرهم اللَّه سبحانه أن تنفر منهم طائفة و تقيم طائفة للتفقّه و أن يكون الغزو نوباً» (1).

فقد صرّحت هذه الرّواية بما قدّرت في الآية بناءً على هذا التفسير، أي قوله (عليه السلام): «و تقيم طائفة» و قد اختار هذا التفسير كثير من المفسّرين.

هذا كلّه بالنسبة إلى نفس الآية مع قطع النظر عن الرّوايات الواردة في ذيلها.

و هنا إشكال مهمّ ينشأ من روايات كثيرة تبلغ اثنتا عشرة رواية تشهد بأنّ النفر في الآية بمعنى النفر إلى التفقّه لا الجهاد، و أكثرها واردة في مورد قوم أخبروا بموت إمامهم المعصوم فيسأل الراوي عن أنّهم كيف يصنعون؟ فيتلو الإمام في الجواب هذه الآية لبيان أنّ الوظيفة حينئذٍ هي الخروج في الطلب و النفر إلى التفقّه في معرفة الإمام اللاحق.

منها: ما رواه يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت: ليسوا إذا هلك الإمام فبلغ قوماً له بحضرته؟ قال: «يخرجون في الطلب فإنّهم لا يزالون في عذر ما داموا في الطلب، قلت:

يخرجون كلّهم أو يكفيهم أن يخرجوا بعضهم؟ قال إنّ اللَّه عزّ و جلّ يقول: «فَلَوْ لَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» قال هؤلاء المقيمون في السعة حتّى يرجع إليهم أصحابهم» (2).

و منها: ما رواه عبد الأعلى قال: قلت: لأبي عبد الله (عليه السلام) بلغنا وفاة الإمام؟ و قال: «عليكم النفر. قلت: جميعاً؟ قال: إنّ اللَّه يقول: «فَلَوْ لَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ» الآية. قلت: نفرنا فمات بعضنا في الطريق؟ قال فقال: «وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ‏- إلى قوله- أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ» قلت: فقدمنا المدينة فوجدنا صاحب هذا الأمر ... الخ» (3).

إلى غير ذلك ممّا ورد في هذا المعنى.

و يمكن الجواب عنه بأنّ استدلال الإمام (عليه السلام) في هذه الرّوايات ربّما يكون بما يستنتج من‏

____________

(1) مجمع البيان: ج 3، ص 83.

(2) البرهان: ج 2، ص 172.

(3) المصدر السابق: ص 173.

411

الآية و بملاك يستفاد منها، و هو أنّ تحصيل العلم و التفقّه في الدين واجب كفائي (كما أنّ الجهاد واجب كفائي و النفر مقدّمة له) فالرواية تقول حينئذٍ: إذا كان التعلّم واجباً و وجب امتثال هذا الوجوب فلا فرق بين الإقامة و الخروج لأجل تحقّق الامتثال، و لا يخفى أنّ هذا لا ينافي التفسير الأوّل و كون النفر بمعنى النفر إلى الجهاد، هذا أوّلًا.

و ثانياً: غاية ما تقتضيه هذه الرّوايات كونها قرينة على أنّ النفر في الآية استعمل في النفر إلى الجهاد و النفر إلى التفقّه معاً، أي أنّه استعمل في أكثر من معنى، و هو جائز على المختار عند وجود القرينة أو استعمل في معنى جامع بينهما.

هذا كلّه في تفسير الآية، أي المقام الأوّل من البحث، و ستعرف إن شاء اللَّه أنّ الاختلاف في هذا المقام ليس له أثر كثير في ما نحن بصدده.

أمّا المقام الثاني: فهو في كيفية الاستدلال بهذه الآية لحجّية خبر الواحد ...

فنقول: الاستدلال بها يكون منّا يقوم على أساس دلالة قوله تعالى: «لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» على وجوب الحذر عند إنذار المتفقّه في الدين مطلقاً سواء حصل منه العلم أو لا، و هو معنى حجّية خبر الواحد تعبّداً.

و أمّا كيفية دلالة كلمة «لعلّ» على الوجوب فهي من وجوه شتّى:

الوجه الأول: أن يقال: إنّ كلمة «لعلّ» و إن كانت مستعملة في معناها الحقيقي، و هو إنشاء الترجّي حتّى فيما إذا وقعت في كلامه تعالى، و لكن بما أن الداعي إلى الترجّي يستحيل في حقّه تعالى لأنّ منشأه عبارة عن الجهل و العجز فلا محالة تكون مستعملة بداعي طلب الحذر، و إذا ثبت كون الحذر مطلوباً ثبت وجوبه لأنّه لا معنى لحسن الحذر و رجحانه بدون وجوبه، فإنّ المقتضي للحذر إن كان موجوداً فقد وجب الحذر و إلّا فلا يحسن من أصله.

أقول: إنّ هذا الوجه تامّ إلّا من ناحية ما ذكر في مقدّمته من استحالة الترجّي في حقّه تعالى لأنّ المأخوذ في مادّة الترجّي هو الحاجة إلى شرائط غير حاصلة، و عدم حصول الشرائط تارةً يكون من جانب المتكلّم و هو اللَّه تعالى في الآية، و اخرى‏ من ناحية المخاطب و هو الناس فيها، ففي ما نحن فيه و إن كانت الشرائط حاصلة من جانبه تعالى إلّا أنّها غير حاصلة من جانب الناس، فاستعملت «لعلّ» في معناها الحقيقي.

و على كلّ حال يستفاد من كلمة «لعلّ» في الآية مطلوبيّة الحذر (و هي مساوقة مع‏

412

الوجوب) سواء كانت مستعملة في معناها الحقيقي أو في معناها المجازي.

الوجه الثاني: أنّ الحذر جعل غاية للإنذار الواجب (لظهور الأمر بالإنذار في قوله تعالى‏ «وَ لِيُنذِرُوا» في الوجوب) و غاية الواجب إذا كانت من الأفعال الاختياريّة واجبة كما أنّ مقدّمة الواجب واجبة لوجوب الملازمة بينهما.

الوجه الثالث: أنّ وجوب الإنذار و التفقّه مع عدم وجوب الحذر يستلزم اللغو.

الوجه الرابع: الإجماع المركّب، فإنّ الامّة بين من لا يقول بحجّية خبر الواحد أصلًا، و بين من يقول بوجوب العمل به، فالقول برجحان العمل به دون وجوبه قول بالفصل.

أقول: لا إشكال في بطلان بعض هذه الوجوه أو كونها قابلة للمناقشة، و هو الوجه الثالث و الرابع، أمّا الرابع فلعدم حجّية الإجماع البسيط في مثل المقام الذي يكون- على الأقل- محتمل المدرك فضلًا عن الإجماع المركّب.

و أمّا الوجه الثالث: فلعدم لزوم اللغويّة لإمكان أن يكون وجوب الإنذار لغاية حصول العلم، و يكفي، في نفي اللغوية ترتّب الأثر في الجملة فيبقى الوجه الأوّل و الثاني، و لا بأس بهما.

لكن يرد على الاستدلال بهذه الآية إشكالات عديدة لا يتمّ الاستدلال بها من دون دفعها:

الأوّل: أنّ الآية وردت في مقام بيان وظيفة المتفقّهين النافرين لا وظيفة قومهم بعد الرجوع إليهم.

و يمكن الذبّ عنه مضافاً إلى عدم وروده على الوجه الثاني من الوجوه المذكورة في تفسيرها (لأنّ غاية الواجب واجبة على الباقين) بأنّ ظاهر الآية أنّها في مقام بيان وظيفة كلتا الطائفتين طائفة المنذرين بالكسر و طائفة المنذرين بالفتح، فتطلب من الاولى الإنذار لظهور الأمر (و لينذروا) في الوجوب و من الثانية القبول لما مرّ في الوجه الأوّل من دلالة كلمة «لعلّ» على معنى الطلب.

الثاني: أنّ الظاهر من الآية هو حجّية قول المجتهد بالنسبة إلى مقلّديه، لأنّ التفقّه و الإنذار بما تفقّه من وظيفة المجتهد لا الناقل للرواية، لأنّ وظيفة الناقل النقل و الإخبار لا تعيين تكليف المخبر به، فلا ربط للآية بحجّية خبر الواحد الذي هو محلّ الكلام.

إن قلت: كيف، مع أنّه لم يكن للفقه و الاجتهاد بالمعنى المصطلح في عصر الأئمّة عين و لا أثر؟

413

قلنا: لا إشكال في وجود هذا المعنى في ذلك الزمان على حدّه البسيط و في دائرة تخصيص العام و تقييد المطلق و تقديم النصّ على الظاهر و شبه ذلك، و الإنصاف أنّ مفاد الآية ليس على حدّ الاجتهاد المصطلح و لا على حدّ البيان الساذج للخبر، بل المستفاد منها عرفاً كون الناقلين للأخبار من قبيل ناقلي فتاوي المجتهدين و المنصوبين من قبلهم لنقل المسائل العمليّة و توضيحها لمقلّديهم في يومنا هذا، و لا إشكال في قابليتهم للإنذار و لا إشكال أيضاً في تحقّق الإنذار بتوسّطهم أي يتحقّق الإنذار بمجرّد نقل الرواة عن الأئمّة (عليهم السلام) و لا يشترط فيه التفقّه بالمعنى المصطلح كما لا يشترط في وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بلا ريب.

الثالث: أنّ المأخوذ في التفقّه و الإنذار في الآية عنوان الطائفة، و هي عبارة عن الجماعة و إخبار الجماعة يوجب العلم، فتكون الآية خارجة عن محلّ البحث.

و الجواب عنه واضح، لأنّ المقصود من الطائفة هو معناها الحقيقي نظير المراد في قوله تعالى: «فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ» و في قولك: «سل العلماء ما جهلت» و قولك: «راجع الأطباء في مرضك» و قوله تعالى: «وَ لَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ» و قوله تعالى: «وَ لَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا» و نظيرها ممّا لا شكّ في أنّ المخاطب فيه كلّ واحد من الأفراد و المصاديق مستقلًا لا الجماعة بما هي جماعة.

الرابع: أنّ الآية ناظرة إلى اصول الدين و تحصيل المعارف الدينيّة بقرينة الرّوايات التي وردت في ذيلها الدالّة على وظيفة المؤمنين في تعيين الإمام اللاحق بعد وفاة الإمام السابق، و قد مرّ بعضها في البحث عن المقام الأوّل، و لا إشكال في اعتبار حصول العلم في الاصول، فتكون الآية خارجة عن محلّ البحث.

و الجواب عنه: أنّ الآية عامّة تعمّ الفروع أيضاً لأنّه لا وجه لتخصيصها بالاصول، أمّا الرّوايات فإنّها غاية ما تثبته أنّ اصول الدين مشمولة للآية و لا تدلّ على انحصارها بها.

3- آية الكتمان‏

و هي قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَ الْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ‏

414

لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُم اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُم اللَّاعِنُونَ» (1)، و قوله: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكِتَابِ وَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلّا النَّارَ ...» (2).

و تقريب الاستدلال بهما: أنّ حرمة الكتمان و وجوب الإظهار يلازم وجوب القبول و ألّا يكون لغواً.

نعم إنّه تامّ بالنسبة إلى الآية الاولى، لأنّ الموضوع فيها هو مجرّد الكتمان، و أمّا الآية الثانية فيمكن الإشكال فيها بأنّ مجرّد الكتمان فيها ليس موضوعاً للحرمة بل أخذ في الموضوع أنّهم يشترون بكتمان الحقّ ثمناً قليلًا، فالصالح للاستدلال هو الآية الاولى فقط.

و استشكل فيها أوّلًا: بأنّها واردة في اصول العقائد كما يشهد به شأن نزولهما.

و اجيب عنه: بأنّها مطلقة تعمّ الفروع و الاصول معاً لأنّ الآية تشمل ما إذا كتم فقيه حرمة الربا مثلًا بالوجدان، و لا دخل لخصوصيّة المورد لأنّ المورد ليس مخصّصاً.

و ثانياً: أنّه من الممكن أن تكون فائدة حرمة الكتمان و وجوب الإظهار هو حصول العلم من قولهم لأجل تعدّدهم لا العمل بقولهم و إن لم يحصل العلم من إخبارهم.

و إن شئت قلت: إنّا فهمنا وجوب القبول من برهان اللغويّة لا من اللفظ حتّى يدّعي الإطلاق بالنسبة إلى مورد عدم حصول العلم.

4- آية أهل الذكر

و هي قوله تعالى: «فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ» و قد وردت في موضعين من الكتاب الكريم: أحدهما: سورة النحل: «وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ» (3)، و الثاني: سورة الأنبياء: «وَ مَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ» (4)، (و الفرق بين الآيتين منحصر

____________

(1) سورة البقرة: الآية 159.

(2) سورة البقرة: الآية 174.

(3) سورة النحل: الآية 43.

(4) سورة الأنبياء: الآية 7.

415

في كلمة «من» فإنّها وردت في الاولى لا الثانية).

و هاتان الآيتان بشهادة صدرهما نزلتا في من كانوا يعترضون على النبي (صلى الله عليه و آله) بأنّه لِمَ خلق بشراً أو لا يكون معه ملك، فأجابتا عن هذا الإشكال بأنّ هذا ليس أمراً جديداً بل كان الأمر كذلك في الأنبياء السلف، و إن أردتم شاهداً على هذا فاسألوا أهل الذكر، فمورد الآية مسألة من مسائل أصل النبوّة (الذي هو من جملة اصول الدين) و هي أنّه هل يمكن أن يكون النبي (صلى الله عليه و آله) بشراً أو لا؟

و الاستدلال بهذه الآية لحجّية خبر الواحد يرجع أيضاً إلى برهان اللغويّة، و تقريبه: أنّ ظاهر الأمر بالسؤال هو وجوبه، و وجوبه ملازم لوجوب القبول، و إلّا يكون وجوب السؤال لغواً، و إطلاقه يشمل السؤال الذي يحصل من جوابه العلم و ما يحصل من جوابه الظنّ، أي يجب القبول سواء حصل العلم أم لا؟

و لكن يرد عليه:

أوّلًا: ما أورده كثير من الأعلام و هو أنّه يمكن أن تكون فائدة وجوب السؤال هي حصول العلم بالسؤال فيخرج عن اللغويّة.

و يمكن دفع هذا الإشكال بإطلاق وجوب السؤال، لأنّ لازمه إطلاق وجوب القبول.

و ثانياً: أنّ مفادها أخصّ من المدّعى، لأنّها تدلّ على وجوب القبول في خصوص مورد السؤال، بينما محلّ النزاع مطلق أخبار الثقة سواء كان في قبال سؤال أم لم يكن.

و الجواب عنه واضح و هو أنّ الفهم العرفي يوجب إلغاء الخصوصيّة عن مورد السؤال.

و ثالثاً: أنّ قوله تعالى «أهل الذكر» ظاهر في أهل الخبرة، فيدلّ على حجّية قول أهل الخبرة لوجود تفاسير مختلفة لأهل الذكر في كلمات المفسّرين فبعضهم فسّره بالقرآن لأنّ من أسامي القرآن الذكر كما ورد في قوله تعالى: «وَ هَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ» (1) و بعضهم فسّره بأهل الكتاب من علماء اليهود و النصارى، و المقصود من السؤال منهم حينئذٍ هو السؤال عن علائم النبوّة الموجودة في التوراة و الإنجيل، و ثالث فسّره بأهل العلم بأخبار الماضين، و رابع فسّره بالأئمّة (صلوات اللَّه عليهم) لأنّ من أسامي الرسول أيضاً الذكر كما ورد في قوله تعالى:

____________

(1) سورة الأنبياء: الآية 50.

416

«قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا» (1) و قد أُيّد هذا التفسير بروايات وردت في هذا المعنى.

لكن الصحيح أنّ المراد منه أهل العلم عامّة و أنّ كلّ واحد من هذه الاحتمالات بيان لمصداق من المصاديق و تفسير للآية بالمصداق كما هو المتداول في كثير من كتب التفسير و كذا الرّوايات، و ذلك باعتبار أنّ الذكر في اللغة بمعنى العلم مطلقاً و من دون تقيّد و خصوصيّة، و يشهد عليه ملاحظة موارد استعمال هذه المادّة و مشتقّاتها في القرآن الكريم كقوله تعالى:

«لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» فيكون المراد من كلمة «الأهل» كلّ من كان عالماً و خبيراً في موضوع من الموضوعات و مسألة من المسائل، و لا وجه لتخصيصه بمصداق دون مصداق.

وعليه يكون الاستدلال بهذه الآية في باب التقليد أولى ممّا نحن فيه.

لكن المحقّق الخراساني (رحمه الله) حاول الجواب عن هذا الإشكال بأنّ مثل زرارة و محمّد بن مسلم و غيرهما من أجلّاء الرواة كانوا من أهل العلم، فيجب قبول روايتهم، و إذا وجب قبول روايتهم وجب قبول رواية من ليس من أهل العلم بالإجماع المركّب.

و الإنصاف أنّه غير تامّ، لأنّ المستفاد من الآية وجوب السؤال عن مثل زرارة و قبول روايته من حيث إنّه من أهل العلم و الخبروية لا بما أنّه راوٍ و ناقل للرواية حتّى يتعدّى عنه إلى سائر الرواة.

و إن شئت قلت: هو دليل على جواز رجوع الجاهل إلى العالم و إمضاء لبناء العقلاء في هذا الأمر، و أمّا الإجماع المركّب فلا إشكال في عدم حجّيته في مثل هذه المسألة.

و رابعاً: أنّ الآية وردت في اصول العقائد و لا كلام في عدم حجّية خبر الواحد فيها.

و يمكن الجواب عن هذا أيضاً بأنّ الآية مطلقة تشمل الاصول و الفروع، غاية الأمر لا بدّ في الاصول من إضافة قيد من الخارج و هو اعتبار حصول العلم.

فقد ظهر أنّ جميع ما اورد على الاستدلال بهذه الآية مدفوعة إلّا الإشكال الثالث، و هو أنّها واردة في حجّية قول أهل الخبرة، و لهذا استدلّ كثير من العلماء بها في باب الاجتهاد و التقليد بل هي من أهمّ أدلّة ذلك الباب.

هذا كلّه في الاستدلال لحجّية خبر الواحد بالكتاب، و هو الدليل الأوّل.

____________

(1) سورة الطلاق: الآية 10- 11.

417

الدليل الثاني: السنّة

و يتضمّن الاستدلال بروايات متواترة وردت أكثرها في الباب التاسع و الباب الحادي عشر من أبواب صفات القاضي في الوسائل، إلّا أنّ مضامينها مختلفة، و هي طوائف:

الطائفة الاولى: الأخبار الآمرة بالرجوع إلى أشخاص معينين من الرواة و الأصحاب أو إلى كتبهم:

منها: ما رواه شعيب العقرقوفي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ربّما احتجنا أن نسأل عن الشي‏ء فمن نسأل؟ قال: «عليك بالأسدي يعني أبا بصير» (1).

و منها: ما رواه يونس بن عمّار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال له في حديث: «أمّا ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) فلا يجوز لك أن تردّه» (2).

و منها: ما رواه المفضّل بن عمر أنّ أبا عبد الله (عليه السلام) قال للفيض بن المختار في حديث: «فإذا أردت حديثنا فعليك بهذا الجالس، و أومى إلى رجل من أصحابه فسألت أصحابنا عنه.

فقالوا: زرارة بن أعين» (3).

و تقريب الاستدلال بهذه الطائفة أنّها و إن لم تصرّح بحجّية خبر الثقة بنحو الكبرى الكلّية و لكن يستفاد ذلك من مجموعها بل من كلّ فرد منها لضرورة عدم خصوصيّة لأشخاصهم فلم توجب حجّية كلامهم إلّا وثاقتهم و أمانتهم على الدين و الدنيا، فمن كان من غير هؤلاء و كان بصفاتهم كان خبره حجّة و معتبراً.

الطائفة الثانية: الأخبار التي تدلّ على حجّية خبر الثقات بنحو الكبرى الكلّية من دون اختصاص بأشخاص معينين:

منها: ما جاء في مقبولة عمر بن حنظلة من قوله (عليه السلام): «الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما، و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر» (4).

فيستفاد من تعبيره ب «أصدقهما» أنّ الصدق يوجب الحجّية و لذلك يكون مرجّحاً عند التعارض.

____________

(1) وسائل الشيعة: الباب 11، من أبواب صفات القاضي، ح 15.

(2) المصدر السابق: ح 17.

(3) المصدر السابق: ح 19.

(4) المصدر السابق: الباب 9، من أبواب صفات القاضي، ح 1.

418

و منها: ما رواه محمّد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: ما بال أقوام يروون عن فلان و فلان عن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) لا يتّهمون بالكذب فيجي‏ء منكم خلافه؟ قال: «إنّ الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن» (1).

و منها: ما رواه الحسن بن الجهم عن الرضا (عليه السلام) قال: قلت له: تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة، فقال: «ما جاءك عنّا فقس على كتاب اللَّه عزّ و جلّ و أحاديثنا، فإن كان يشبههما فهو منّا و إن لم يكن يشبههما فليس منّا»، قلت: يجيئنا الرجلان و كلاهما ثقة بحديثين مختلفين و لا نعلم أيّهما الحقّ، قال: «فإذا لم تعلم فموسّع عليك بأيّهما أخذت» (2).

فلا يخفى أنّ الحكم في هذه الرّوايات تعلّق بعناوين كلّية و هي: «الصادق في الخبر» في الرّواية الاولى، و «غير المتّهم بالكذب» في الرّواية الثانية، و «الثقة» في الرّواية الثالثة، فصدر الحكم على نهج القضيّة الحقيقيّة.

و منها: ما رواه عبد العزيز بن المهتدي و الحسن بن علي بن يقطين جميعاً عن الرضا (عليه السلام):

قال: قلت: لا أكاد أصل إليك أسألك عن كلّ ما أحتاج إليه من معالم ديني، أ فيونس بن عبد الرحمان ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ فقال: «نعم» (3).

فقد أمضى الإمام في هذه الرّواية ما كان مرتكزاً في ذهن الراوي من حجّية قول الثقة لأنّ الراوي سأل عن وثاقة يونس بن عبد الرحمان و عن أخذ معالم دينه منه لكونه ثقة، و الإمام (عليه السلام) أجاب عن كلا السؤالين بقوله «نعم»، فكأنّه أمضى الصغرى و الكبرى جميعاً.

و منها: ما ورد في التوقيع الشريف الوارد على القاسم بن العلاء: «فإنّه لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فما يرويه عنّا ثقاتنا، قد عرفوا بأنّا نفاوضهم سرّنا و نحملهم إيّاه إليهم» (4).

فإنّ الحكم فيها بعدم جواز التشكيك أيضاً تعلّق بموضوع الثقة.

و منها: ما رواه أحمد بن إسحاق عن أبي الحسن (عليه السلام) سألته و قلت: من اعامل؟ و عمّن آخذ؟ و قول من أقبل؟ فقال: «العمري ثقتي فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي و ما قال لك عنّي‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ح 4، الباب 9 من أبواب صفات القاضي.

(2) المصدر السابق: ح 40.

(3) المصدر السابق: الباب 11، من أبواب صفات القاضي، ح 33.

(4) المصدر السابق: ح 40.

419

فعنّي يقول، فاسمع له و أطع فإنّه الثقة المأمون» قال: و سألت أبا محمّد (عليه السلام) عن مثل ذلك فقال:

«العمري و ابنه ثقتان فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان، و ما قالا لك فعنّي يقولان، فاسمع لهما و أطعهما فإنّهما الثقتان المأمونان» (1).

الإنصاف أنّ قوله (عليه السلام): «فإنّه الثقة المأمون» أو قوله (عليه السلام) في ذيل الحديث: «فإنّهما الثقتان المأمونان» بمنزلة تعليق حرمة الخمر بقولك: «لأنّه مسكر» فيدلّ على أنّ الميزان في حجّية خبر الواحد كون المخبر ثقة.

الطائفة الثالثة: روايات اخرى ذات تعابير مختلفة تدلّ على كلّ حال على حجّية خبر الثقة:

منها: ما رواه إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمّد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ، فورد التوقيع بخطّ مولانا صاحب الزمان (عليه السلام): «أمّا ما سألت عنه أرشدك اللَّه و ثبّتك- إلى أن قال-: و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللَّه و أمّا محمّد بن عثمان العمري فرضى اللَّه عنه و عن أبيه من قبل، فإنّه ثقتي و كتابه كتابي» (2).

فهذه الرّواية و إن استدلّ بها في باب التقليد و باب ولاية الفقيه لكن يمكن أن يستدلّ بها أيضاً في باب الحديث و الأخبار بالأحاديث خصوصاً مع ملاحظة التعبير الوارد فيها ب «رواة أحاديثنا»، فإنّها في الجملة تدلّ على حجّية خبر الواحد و إن اعتبرنا فيها شرائط و خصوصيّات، و لا يخفى أنّ محلّ النزاع حجّية خبر الواحد في الجملة، كما يمكن إدراج هذه الرّواية في الطائفة الثانية لما ورد في ذيلها: «فإنّه ثقتي و كتابه كتابي».

و منها: ما رواه أبو العبّاس الفضل بن عبد الملك قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «أحبّ الناس إليّ أحياءً و أمواتاً أربعة: يزيد بن معاوية الجبلي، و زرارة، و محمّد بن مسلم، و الأحول و هم أحبّ الناس إليّ أحياءً و أمواتاً» (3).

فإنّها تدلّ على حجّية خبر الثقة في الجملة بالدلالة الالتزاميّة كما لا يخفى.

____________

(1) وسائل الشيعة: ح 4، الباب 11، من أبواب صفات القاضي.

(2) المصدر السابق: ح 9.

(3) المصدر السابق: ح 18.

420

و منها: ما رواه علي بن مهزيار قال: قرأت في كتاب لعبد اللَّه بن محمّد إلى أبي الحسن (عليه السلام) اختلف أصحابنا في رواياتهم عن أبي عبد الله (عليه السلام) في ركعتي الفجر في السفر فروى بعضهم صلّها في المحمل و روى بعضهم لا تصلّها إلّا على الأرض، فوقّع (عليه السلام): «موسّع عليك بأيّة عملت» (1).

هذه هي الطوائف الثلاثة من الأخبار الدالّة على حجّية خبر الواحد.

و استشكل فيها أوّلًا: بإمكان المنع عن كونها متواترة لأنها مع كثرتها منقولة عن عدّة كتب خاصّة لا تبلغ حدّ التواتر مع أنّ الشرط في تحقّق التواتر كونها متواترة في جميع الطبقات، و التواتر في جميعها ممنوع مع ما عرفت.

و ثانياً: بأنّه لو سلّمنا كونها متواترة إلّا أنّه لا يوجد بين الأخبار خبر يكون جامعاً لعامّة الشرائط، أي دالًا على حجّية قول مطلق الثقة، لأنّ القدر المتيقّن من تلك الأخبار هو الخبر الحاكي من الإمام بلا واسطة مع كون الراوي من الفقهاء نظراء زرارة و محمّد بن مسلم و أبي بصير، و معلوم أنّه ليس بينها خبر واجد لجميع الشرائط حتّى شرط عدم الواسطة.

و لكن يمكن الجواب عن كلا الإشكالين: أمّا عن‏ الأوّل: فبأنّه لو لم تكن الأخبار متواترة فلا أقلّ من وجود خبر بينها محفوف بالقرائن القطعيّة أو الاطمئنانيّة يدلّ على حجّية خبر مطلق الثقة، و هذا المقدار لا يضرّنا و لا بأس به لأنّ المهمّ هو القطع بالصدور.

و أمّا عن الثاني: فبأنّه‏ أوّلًا: كلّ واحدة من الطوائف الثلاثة للأخبار قطعية الصدور و إن لم يكن بينها مصداق للخبر المتواتر في المصطلح، و لا إشكال في دلالة بعض هذه الطوائف على حجّية خبر الثقة مطلقاً.

ثانياً: أنّ جميع الرّوايات (باستثناء روايتين أو ثلاث روايات ممّا ورد فيها نظير مضمون:

«ما أدّيا عنّي فعنّي يؤدّيان») ظاهرة في الأعمّ من الأخبار مع الواسطة و يكون القدر المتيقّن حينئذٍ ما كانت سلسلة الرواة فيها من الفقهاء نظراء زرارة من دون فرق بين كونها مع الواسطة أو بلا واسطة، فلو ظفرنا على رواية جامعة لهذه الشرائط و يكون مفادها حجّية خبر الثقة مطلقاً يثبت المطلوب سواء كانت مع الواسطة أو بدون الواسطة.

____________

(1) وسائل الشيعة: ح 44، الباب 9، من أبواب صفات القاضي.

421

و يمكن أن تكون من هذا القبيل رواية أحمد بن إسحاق المذكورة آنفاً، لأنّ رجال السند فيها كلّهم من أجلّاء الأصحاب الذين يعتنى بشأنهم، و لا إشكال أيضاً أنّ قوله (عليه السلام): «فإنّه الثقة المأمون» و ما ورد في ذيل هذا الحديث من قوله (عليه السلام): «فإنّهما الثقتان المأمونان» بمنزلة الكبرى الكلّية يدلّ على حجّية خبر الثقة مطلقاً.

فقد ثبت من جميع ما ذكرنا أنّ الاستدلال على حجّية خبر الثقة بالسنّة في محلّه.

الدليل الثالث: الإجماع‏

و تارةً يراد به الإجماع القولي من العلماء، و اخرى‏ الإجماع العملي منهم بل من كافّة المسلمين و يمكن التعبير عنه بسيرة المسلمين أيضاً، و ثالثة السيرة العقلائيّة.

أمّا الإجماع بالمعنى الأوّل فهو ممنوع لكون المسألة خلافيّة، و كذا الإجماع بالمعنى الثاني، و لو سلّمنا تحقّق صغرى الإجماع لكنّه ليس بحجّة لأنّ مدارك المسألة معلومة، فطائفة منهم تمسّكوا بالدليل العقلي، و اخرى بالأدلّة النقليّة من الآيات و الرّوايات.

أمّا الإجماع بمعنى السيرة العقلائيّة: فهو استقرار طريقة العقلاء طرّاً على الرجوع إلى خبر الثقة مطلقاً، و هو حجّة ما لم يردع عنه الشارع.

إن قلت: يكفي في الردع الآيات الناهية عن اتّباع غير العلم.

قلنا: قد مرّ جوابنا عن هذه الآيات بأنّ المقصود من الظنّ الوارد فيها الوهم و الخرافة.

إن قلت: إنّ استقرار سيرة العقلاء على العمل بخبر الثقة إنّما هو من جهة حصول الوثوق و الاطمئنان منه نوعاً و إلّا فلا خصوصيّة لخبر الثقة و لا لغيره أصلًا فعملهم بخبر الثقة خصوصاً في الامور المهمّة إنّما يكون فيما إذا أفاد الوثوق و الاطمئنان لا بما هو هو، فلا يثبت بها حجّية الظنّ مطلقاً و لو لم يحصل إلى حدّ الوثوق، و لو سلّمنا شمولها لمطلق الظنّ إلّا أنّ دائرتها تختصّ بالأخبار بلا واسطة، و لو فرضنا شمولها للأخبار مع الواسطة أيضاً في زماننا هذا، إلّا أنّ رجوعها إلى عصر الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) غير ثابت.

قلنا: لو راجعنا سيرة العقلاء في امورهم العامّة غير الشخصية كتقسيم ضريبة ماليّة و توزيعها بين الفقراء و نحو ذلك ممّا يصنع به في دائرة واسعة لعلمنا أنّهم يكتفون في تعيين‏

422

الفقراء و تشخيص الموضوعات و المصاديق بأخبار الثقات مطلقاً و لو لم يحصل الاطمئنان المقارب للعلم، بل و لو كان الخبر مع الواسطة فيكتفي مثلًا بوثيقة لتعيين الفقير الفلاني التي ارسلت من جانب شخص موثّق، كما أنّه المتعارف في الحوالات البنكيّة فإنّها تقبل من حامليها بمجرّد كونهم موثّقين مع أنّ احتمال مجعوليتها موجود، بل على هذا يدور رحى الحياة الاعتياديّة اليوميّة، وعليه أيضاً مدار المراجعات إلى التاريخ و الأخبار الماضية فيكتفي فيها بتأليفات الموثّقين و الكتب المعتبرة الموجودة من دون الاتّكاء على حصول يقين أو اطمئنان و إلّا لا طريق لنا للوصول إلى أخبار الماضين و الاعتبار منها أصلًا.

و إن شئت فاختبر نفسك فيما إذا أردت تقسيم غلّة الأوقاف أو سهم الإمام و شبهها في مصارفها لا سيّما إذا كانت كثيرة فإنّك سوف تعرف أنّه لا مناصّ لك من قبول خبر الثقات في هذه الامور و لو لم يحصل العلم أو الاطمئنان.

و أمّا وجود هذه السيرة في عصر الأئمّة (عليهم السلام) فيشهد له ملاحظة الأسئلة الواردة من الرواة و تقريرات الأئمّة لهم التي مرّت جملة منها ضمن نقل الأخبار الدالّة على حجّية خبر الثقة.

ثمّ إنّ مخالفة أمثال السيّد المرتضى (رحمه الله) لا تضرّنا في المقام، أي ليست مضرّة بالإجماع المصطلح و ذلك لجهتين:

الاولى: لعلّ مخالفتهم كانت من ناحية الضغط الوارد من جانب المخالفين و اعتراضهم بأنّه لو كان خبر الواحد حجّة عندكم فكيف لا تعملون بأخبار الآحاد الواردة من طرقنا مع عدم إمكان جرح رواتهم من جانب هؤلاء؟

الثانية: أنّه يمكن حمل مخالفتهم بالنسبة للأخبار غير نقيّة السند المرويّة من غير الثقات من أصحاب الأئمّة أو في الكتب غير المعتمدة، لأنّه لا شكّ في أنّهم كانوا يعملون بالأخبار الموجودة في الكتب المعتبرة للشيعة و يستندون إليها في فتاويهم، نعم كان وجه عملهم بها اعتقادهم بأنّها محفوفة بقرائن قطعية أو اطمئنانيّة و هي ممنوعة عندنا فهم مشتركون معنا في أصل حجّية أخبار الثقات الموجودة في الكتب المعتبرة المعتمدة عليها للشيعة (التي هي محلّ الكلام في ما نحن فيه) إنّما الاختلاف في وجه الحجّية فمخالفتهم ليست مضرّة بثبوت الإجماع على العمل بها.

ثمّ إنّ المهمّ في الجواب عن الآيات الناهية التي قد يتوهّم رادعيتها للسيرة العقلائيّة هو ما

423

مرّ من أنّ المراد من الظنّ الوارد فيها هو الوهم و الخرافة التي ليست مبنية على أساس برهاني متين.

و أجاب عنه المحقّق الخراساني (رحمه الله) بوجوه كلّها غير تامّة:

أحدها: أنّها واردة إرشاداً إلى عدم كفاية الظنّ في اصول الدين.

و قد مرّ سابقاً أنّ هذا الجواب صحيح بالنسبة إلى بعض الآيات لا جميعها.

ثانيها: أنّها منصرفة عن الظنّ الذي قام الدليل على حجّيته.

و فيه: أنّه مجرّد دعوى بلا شاهد.

ثالثها: أنّ رادعيّة الآيات عن سيرة العقلاء دوريّة لأنّ رادعيّة الآيات بعمومها متوقّفة على حجّية هذا العموم، و حجّيته موقوفة على عدم كون السيرة مخصّصة له إذ لو كانت مخصّصة له لم يبق لها عموم حتّى تكون بعمومها حجّة رادعة عن السيرة، و عدم كون السيرة مخصّصة لعموم الآيات أيضاً موقوف على عموميتها فكون الآيات رادعة عن السيرة متوقّف على عدم كون السيرة مخصّصة، بينما عدم كون السيرة مخصّصة لها أيضاً متوقّف على كون الآيات رادعة عنها، و هو دور محال.

أقول: العجب من هذا البيان لأنّ القضيّة على العكس فإنّ المقتضى لحجّية العمومات و الإطلاقات خصوصاً في المخصّص المنفصل موجود و المانع عنها يحتاج إلى دليل بخلاف السيرة لأنّها ليست حجّة في حدّ ذاتها بل يتحقّق المقتضي لحجّيتها بإمضاء الشارع و عدم ردعها.

و إن شئت قلت: السيرة العقلائيّة في حدّ ذاتها ناقصة من حيث الحجّية لا تتمّ إلّا بإمضاء الشارع و لكن ظهور العام حجّة تامّة إلّا أن يمنع عنه مانع، فما دام لم يثبت المانع نأخذ بهذا الظهور، و أمّا السيرة فليست كذلك، فإنّها إذا لم يثبت إمضاء الشارع بقيت غير حجّة، فحجّية العمومات ليست متوقّفة على إثبات عدم كون السيرة مخصّصة، و لكن حجّية السيرة تتوقّف على إثبات إمضاء الشارع و عدم كون الآيات رادعة.

424

الدليل الرابع: العقل‏

و تقريره من وجوه:

الوجه الأوّل: العلم الإجمالي بصدور جملة كثيرة من الأخبار الموجودة في الكتب المعتبرة المشتملة على الأحكام الإلزاميّة الوافية بمعظم الفقه بحيث لو علم تفصيلًا ذاك المقدار لانحلّ علمنا الإجمالي بثبوت التكاليف بين الرّوايات و سائر الأمارات إلى العلم التفصيلي بالتكاليف في مضامين الأخبار الصادرة المعتبرة و الشكّ البدوي في ثبوت التكليف في مورد سائر الأمارات غير المعتبرة، و لازم ذلك وجوب العمل على وفق جميع الأخبار المثبتة و جواز العمل على طبق النافيّة منها فيما إذا لم يكن في المسألة أصل مثبت للتكليف من قاعدة الاشتغال أو الاستصحاب.

و يرد على هذا الوجه:

أوّلًا: أنّ مقتضى هذا الوجه هو الأخذ بالأخبار احتياطاً لا حجّيتها بالخصوص و أنّ العلم الإجمالي يقتضي هذا المقدار من العمل، و من المعلوم أنّ الأخذ من باب الاحتياط يختلف عن الأخذ بها من باب الحجّية فإنّ الحجّة تخصّص و تقيّد و تقدّم على معارضها مع الرجحان و توجب جواز إسناد الحكم إلى الشارع و جواز قصد الورود، بخلاف الأخذ بها احتياطاً فإنّه لا يترتّب عليه هذه الآثار.

و ثانياً: أنّه يقتضي حجّية أخبار الثقات و غير الثقات جميعاً مع أنّ المدّعى هو حجّية خبر الثقة فقط.

و لكن يمكن الجواب عن هذا الإشكال بأنّ هنا دائرتين من العلم الإجمالي الكبير و الصغير، و إذا ظفرنا بالمقدار المعلوم بالإجمال في الدائرة الصغيرة لانحلّ العلم الإجمالي من دائرته الكبيرة إلى الدائرة الصغيرة، نظير ما إذا علمنا إجمالًا بوجود شاة محرّمة في خصوص السود من الغنم، و علمنا أيضاً بوجود شاة محرّمة في مجموع القطيع من السود و البيض جميعاً، فإذا عزلنا الشاة المحرّمة من السود تنحلّ دائرة العلم الإجمالي من مجموع القطيع إلى مقدار السود منها.

و قد يتوهّم انحلال هذا العلم الإجمالي الكبير بالعلم الإجمالي الصغير، أي بالظفر على القدر المتيقّن و المعلوم بالإجمال في أخبار الثقات.

425

و أجاب عنه شيخنا الأعظم الأنصاري (رحمه الله) بدعوى أنّه لو عزلنا بمقدار المعلوم بالإجمال من أطراف الصغير، أي الأخبار الموجودة في الكتب المعتبرة، و ضممنا الباقي إلى باقي الأطراف من العلم الإجمالي الكبير (أي سائر الأمارات الظنّية) لكان العلم الإجمالي باقياً، و هذا دليل على عدم انحلاله.

و لكن شيخنا العلّامة الحائري (رحمه الله) في الدرر قال: بعدم صحّة هذه الدعوى (دعوى الشيخ (رحمه الله) و اعتبر لعدم الانحلال المذكور وجود علم إجمالي آخر بالنسبة إلى سائر الأمارات و إليك نصّ كلامه: «و من المعلوم عدم صحّة هذه الدعوى إلّا بعد العلم بالتكاليف زائدة على المقدار المعلوم في الأخبار الصادرة إذ لو لا ذلك لما حصل العلم بعد عزل طائفة من الأخبار لإمكان كون المعلوم بتمامه في تلك الطائفة التي عزلناها ... إلى أن قال: نعم يمكن منع العلم زائداً على ما حصل لنا من الأخبار الصادرة» (1).

أقول: الإنصاف صحّة دعوى الشيخ (رحمه الله) في بيان ما هو المعيار في تشخيص ما هو من أطراف العلم الإجمالي و المعرفة بعدم انحلاله، إذ لا حاجة إلى ملاحظة سائر الأمارات مستقلًا و على حدّها بل يمكن أن لا يحصل العلم الإجمالي بملاحظتها مستقلًا و لكنّه يحصل بعد الضمّ من باب تراكم الظنون و عدم كونه من قبيل ضمّ العدم إلى العدم.

و يؤيّد هذا ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله) في المقام و حاصله: إنّ هاهنا علوم إجماليّة ثلاثة:

العلم الإجمالي الأكبر، و العلم الإجمالي الكبير، و العلم الإجمالي الصغير، و المراد بالعلم الإجمالي الأكبر ما كان دائرة احتمال انطباق المعلوم بالإجمال مطلق مظنون التكليف الإلزامي و مشكوكه و موهومه سواء كان منشأ هذه الاحتمالات هي الأخبار الموجودة في الكتب المعتبرة أو سائر الأمارات الظنّية أو شي‏ء آخر، و المراد بالعلم الإجمالي الكبير هو ما كان أطرافه خصوص الأمارات الظنّية، و المراد بالعلم الإجمالي الصغير هو خصوص ما كان أطرافه موجودة في الكتب المعتبرة، و الصحيح هو أنّ الإجمالي الأكبر ينحلّ بالكبير لأنّه لو عزلنا بمقدار المعلوم بالإجمال عن أطراف العلم الإجمالي الكبير و ضممنا الباقي إلى باقي أطراف العلم الإجمالي الأكبر الذي أطرافه عبارة عن جميع ما هو مظنون الحرمة و الوجوب‏

____________

(1) درر الفوائد: ج 2، ص 396، طبع جماعة المدرّسين.

426

و مشكوكهما و موهومهما سواء كان من الأخبار أو من سائر الأمارات الظنّية أو من أي سبب آخر لا يبقى علم إجمالي آخر في البين و ينعدم، و هذا علامة انحلال العلم الإجمالي الأكبر بالكبير، و أمّا الكبير فلا ينحلّ بالصغير، لأنّه لو عزلنا بمقدار المعلوم بالإجمال من أطراف العلم الإجمالي الصغير- أي الأخبار الموجودة في الكتب المعتبرة- و ضممنا الباقي إلى باقي الأطراف من العلم الإجمالي الكبير، أي سائر الأمارات الظنّية، لكان العلم الإجمالي باقياً، و هذا علامة عدم انحلاله‏ (1).

الوجه الثاني: و هو ما حكي عن صاحب الوافية من أنّه لا شكّ في تكليفنا بالأحكام الشرعيّة و خصوصاً الواجبات الضروريّة مثل الصّلاة و الصّوم و الحجّ و الزّكاة و غير ذلك من الضروريات، و لا شكّ أيضاً في بقاء التكليف بهذه الامور إلى قيام يوم القيامة، و من المعلوم أنّ أجزاء هذه الامور و شرائطها و موانعها لا تثبت إلّا بالخبر الواحد الموجود في الكتب، و لو لم يكن حجّة و جاز ترك العمل به لخرجت هذه الامور عن حقائقها و ما كنّا نعرف أنّ هذه الامور ما هي؟ و هذا ينافي كونها ضروريّة و بقاء التكليف بها إلى يوم القيامة.

أقول: إنّ كلامه هذا مشتمل على مقدّمتين: الاولى: كون سلسلة من العبادات واجبة بضرورة من الدين إلى يوم القيامة، الثانية: أنّ لها أجزاء و شرائط مبثوثة في كتب الأخبار.

و يرد عليه:

أوّلًا: أنّه لا فرق بينه و بين الوجه السابق إلّا أنّ دائرته أضيق منه مع أنّه لا دليل على هذا التضييق لأنّا نعلم بدخول غير العبادات أيضاً في أطراف العلم الإجمالي.

و إن شئت قلت: لازم كلامه انحصار حجّية خبر الواحد بالعبادات و عدم حجّيته في مثل المعاملات و الحدود و الدّيات، و هو كما ترى.

و ثانياً: ما مرّ في الجواب عن الوجه الأوّل من أنّ هذا الدليل لا يثبت إلّا لزوم الأخذ بخبر الواحد من باب الاحتياط لا الحجّية بالمعنى الذي يكون مخصّصاً للعمومات و مقيّداً للمطلقات و الذي لأجله يكون الإسناد إلى اللَّه تعالى جائزاً.

و ثالثاً: عدم شمولها للأخبار النافيّة و اختصاصها بالمثبتة.

____________

(1) فوائد الاصول: ج 3، ص 199- 200، طبع جماعة المدرّسين.

427

و رابعاً: حجّية أخبار غير الثقات و عدم اعتبار الوثاقة مع أنّ كلّ من قال بحجّية خبر الواحد اعتبر، قيوداً مثل قيد الوثاقة أو كون الخبر في الكتب المعتبرة، اللهمّ إلّا أن يقال بانحلال العلم الإجمالي بخصوص أخبار الثقات أو ما في الكتب المعتبرة.

و خامساً: ما مرّ أيضاً في الوجه الأوّل من أنّ دائرة العلم الإجمالي أوسع من هذا المقدار لكون جميع الأمارات الظنّية من الشهرات و الإجماعات المنقولة داخلة فيها.

الوجه الثالث: ما ذكره المحقّق النحرير صاحب الحاشية (الشيخ محمّد تقي (رحمه الله) أخو صاحب الفصول) في حاشيته على المعالم و هو أنّ وجوب العمل بالكتاب و السنّة ثابت بالإجماع و الضرورة و الأخبار المتواترة، و لا شكّ في بقاء هذا التكليف بالنسبة إلينا أيضاً بنفس الأدلّة المذكورة، و حينئذٍ فإن أمكن الرجوع إليهما على نحو يحصل منهما العلم بالحكم أو الظنّ الخاصّ به فهو، و إلّا فالمتّبع هو الرجوع إليهما على وجه يحصل الظنّ بالطريق أو بالحكم، و إذاً يجب العمل بالروايات التي يظنّ بصدورها للظنّ بوجود السنّة فيها (1).

و الفرق بين هذا الوجه و الوجهين السابقين أنّ متعلّق العلم الإجمالي في هذا الوجه هو ما ورد في الكتاب و السنّة، و في الوجهين السابقين هو الأحكام الواقعيّة.

و الصحيح في الجواب عنه أن يقال: إن كان المراد من السنّة هذه الأخبار الحاكية لقول المعصوم (عليه السلام) أو فعله أو تقريره الموجودة في كتب الحديث بما هي هي، أي أنّ لهذه الأخبار موضوعيّة فوجوب الرجوع إليها بهذا الوجه أوّل الكلام، و إن كان المراد أنّها بما هي طريق إلى أحكام اللَّه الواقعيّة و بما أنّا نعلم بصدور كثير منها فإن أمكن الاحتياط و الإتيان بجميع الأخبار فيرجع إلى الوجه الأوّل و يكون الجواب هو الجواب، و إن لم يمكن الاحتياط فيرجع إلى دليل الانسداد الآتي.

نتيجة البحث في حجّية خبر الواحد:

قد تلخّص من جميع ما ذكرنا من أدلّة حجّية خبر الواحد أنّ الأدلّة التامّة الدلالة أو المقبولة عندنا أربعة:

____________

(1) هداية المسترشدين: ص 391، (حكى عنه في فرائد الاصول: ج 1، ص 172، طبع جماعة المدرّسين).

428

أحدها: آية النبأ حيث تدلّ على حجّية خبر العادل من باب مفهوم الوصف بل تدلّ على حجّية خبر الثقة بقرينة التعليل الوارد فيها.

ثانيها: آية النفر، و هي منصرفة إلى حجّة خبر الثقة.

ثالثها: الأخبار التي إن لم نقل بتواترها فلا أقلّ من كونها محفوفة بالقرائن القطعيّة، و هي تدلّ على حجّية مطلق خبر الثقة أيضاً.

رابعها: (و هو العمدة) بناء العقلاء، فإنّه قائم على حجّية الأخبار الموثوق بها و إن لم يكن المخبر ثقة، أي الملاك عندهم هو الوثوق بالمخبر به لا المخبر، و هذا الوثوق يثبت‏ تارةً من طريق وثاقة المخبر، و اخرى‏ من طريق وثاقة الكتب، و ثالثة يحصل من عمل المشهور (الشهرة الفتوائيّة أو الروائيّة)، و رابعة من طريق علوّ المضامين كما في الصحيفة السجّاديّة و نهج البلاغة، و خامسة من طريق أنّ الخبر يكون من الأخبار التي لا داعي فيها على الكذب.

ثمّ إنّه هل الملاك عندهم هو الوثوق الشخصي أو النوعي؟

لا إشكال في أنّ الميزان في الاحتجاجات و المسائل الاجتماعيّة هو الوثوق النوعي، و أمّا المسائل الشخصية فيكون الملاك فيها هو الوثوق الشخصي.

429

5- حجّية مطلق الظنّ‏

و استدلّ له بوجوه:

الوجه الأوّل: وجوب دفع الضرر المظنون عقلًا

ما يتشكّل من صغرى و كبرى، أمّا الصغرى فهي أنّ في مخالفة المجتهد لما ظنّه من الحكم الوجوبي أو التحريمي مظنّة للضرر، و أمّا الكبرى فهي أنّ دفع الضرر المظنون لازم عقلًا.

و الدليل على الصغرى أنّ الظنّ بالوجوب ظنّ باستحقاق العقاب الاخروي على الترك كما أنّ ظنّ الحرمة ظنّ باستحقاق العقاب الاخروي على الفعل، أو لأنّ الظنّ بالوجوب أو الحرمة ظنّ بوجود المفسدة (الضرر الدنيوي) في الترك أو الفعل بناءً على قول العدليّة بتبعية الأحكام للمصالح و المفاسد.

و أمّا الدليل على الكبرى فليس من باب الحسن أو القبح العقلي بل باب أنّ طبيعة الإنسان أن اجتناب الضرر و جلب إلى المنفعة.

و الإشكالات متوجّهة غالباً إلى كبرى هذا الوجه، و الظاهر قبولهم للصغرى مع أنّ كلّ واحد منهما غير تامّ.

أمّا الصغرى‏ فبالنسبة إلى الضرر الاخروي نقول: نحن نعلم بعدمه لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، لأنّ العقاب الاخروي يتوقّف على البيان، و القول بأنّ البيان هو نفس قاعدة دفع الضرر يستلزم الدور المحال لأنّ هذه القاعدة متوقّفة على وجود ضرر في البيان و وجود الضرر متفرّع على البيان، فالعقاب يتوقّف على جريان قاعدة دفع الضرر، و هي متوقّفة على وجود البيان في الرتبة السابقة بينما وجود البيان أيضاً متوقّف على جريان القاعدة.

و بالنسبة إلى الضرر الدنيوي فاجيب عنها بوجهين غير تامّين:

أحدهما: نفي الملازمة بين المصلحة و المفسدة الدنيويتين و بين النفع و الضرر الدنيويين، فليس كلّ مصلحة ملازمة مع المنفعة و كلّ مفسدة ملازمة مع الضرر بل كم من شي‏ء ذي‏

430

المفسدة كأكل الربا ليس فيه ضرر دنيوي بل هو ذو منفعة، و كم من شي‏ء ذو المصلحة كالصدقة ليس فيها نفع دنيوي.

ثانيهما: أنّه قد تكون المصلحة أو المفسدة في نفس إنشاء الأمر أو النهي لا في متعلّقهما، و الملازمة بين الظنّ بالحكم أو الظنّ بالمفسدة أو فوات المصلحة مبنية على حصر المصالح و المفاسد في متعلّقات التكاليف لأنه إذا كانتا في نفس الجعل فهما حاصلتان بنفس الجعل و لا ربط لهما بمخالفة العبد و موافقته للحكم المظنون.

أقول: كلا الوجهين غير تامّ، أمّا الوجه الأوّل: فلأنّه لا إشكال في وجود الملازمة العاديّة بين المصلحة و المفسدة و بين النفع و الضرر أمّا عاجلًا أو آجلًا و في طول الزمان، و من تأمّل في آثار الربا كيف يمكن أن يشكّ في الأضرار و الخسارات الناشئة منها في المجتمع، كما أنّ من تأمّل في تأثير الإنفاق في حفظ المجتمع عن البغضاء و الفساد و العدوان على الأموال و الأنفس لا يشكّ في ترتّب هذه الامور على ترك الإنفاق و شبهها، و قد قال اللَّه تبارك و تعالى: «وَ أَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» (1) و كذلك في سائر الواجبات و المحرّمات، و من الواضح أنّ منافع الفرد لا تنفكّ عن منافع المجتمع، و إن شئت مزيد توضيح لذلك فراجع ما كتبنا في تنبيهات قاعدة لا ضرر من القواعد الفقهيّة.

و أمّا الوجه الثاني: فلأنّه و إن كان ممكناً عقلًا و في مقام الثبوت و لكن قد لا يمكن الحصول على مصداق واحد ممّا تكون المصلحة أو المفسدة في نفس جعله إثباتاً في أحكام الشرع، وعليه يبقى الظنّ بوجود المفسدة أو تفويت المصلحة في متعلّق الحكم على حاله.

فظهر أنّه بالنسبة إلى الضرر الدنيوي تكون الصغرى تامّة فلا بدّ من البحث في الكبرى‏ فنقول:

يمكن إنكار الكبرى في الضرر الدنيوي في الجملة في صورة العلم بالضرر فضلًا عن صورة الظنّ و الاحتمال، فلا يحكم العقل بالقبح في مورد الضرر الدنيوي مطلقاً بل إنّما يحكم به فيما إذا كان الضرر كثيراً هامّاً كالانتحار و قطع عضو من الأعضاء، و أمّا في المضارّ الجزئيّة كالضرر الموجود في التدخين و في الإكثار من الأكل فليس حكم العقل بالقبح ثابتاً فيها، نعم بالنسبة

____________

(1) سورة البقرة: الآية 195.

431

إلى الضرر الاخروي يحكم العقل به فيما إذا كان محتملًا فضلًا عمّا إذا كان مظنوناً أو مقطوعاً، و لذلك يجب الاحتياط في الشبهات الحكمية قبل الفحص مع أنّ الضرر و هو العقاب الاخروي يكون فيها محتملًا.

فظهر ممّا ذكرنا أنّه بالنسبة إلى الضرر الاخروي فالكبرى تامّة دون الصغرى، و أمّا الضرر الدنيوي فتكون القضيّة فيه بالعكس، أي الصغرى تامّة دون الكبرى.

هذا كلّه في‏ الدليل الأوّل‏ لحجّية الظنّ.

الوجه الثاني: لزوم ترجيح المرجوح على الراجح‏

إنّه لو لم يؤخذ بالظنّ لزم ترجيح المرجوح على الراجح و هو قبيح.

و اجيب عنه: بأنّ هذه الملازمة تتحقّق فيما إذا لم يمكن العمل بطريق ثالث غير الظنّ و أخويه مع أنّه يتصوّر هنا طريق ثالث و هو العمل بالاصول العمليّة أو الاحتياط.

و إن شئت قلت: أنّ هذا مقدّمة من مقدّمات الانسداد و لا يوجب لزوم العمل بالظنّ إلّا بعد تماميّة مقدّمات الانسداد، و معها لا يكون هذا الوجه دليلًا مستقلًا.

هذا- و المحقّق الحائري (رحمه الله) استشكل أيضاً في كبرى استحالة ترجيح المرجوح على الراجح في درر الفوائد ببيان: «أنّه إن أراد من الراجح ما هو راجح بملاحظة أغراض الفاعل و يقابله المرجوح كذلك فترجيح المرجوح بهذا المعنى غير ممكن (لا أنّه قبيح) لأنّه راجع إلى نقض الغرض، و مجرّد الأخذ بالطرف الموهوم ليس ترجيحاً بهذا المعنى (حتّى يقال بإمكان وقوعه تكويناً) إذ ما لم يترجّح بملاحظة اغراضه لم يمل إليه في خلاف جهة غرضه، و إن لم يرد من الراجح ما هو راجح بملاحظة أغراض الفاعل بل أراد من الراجح الظنّ (أي الراجح بملاحظة أغراض الشارع) فترجيح الموهوم عليه و إن كان قبيحاً لكن قبحه موقوف على تماميّة سائر مقدّمات الانسداد و معها ليس هذا الوجه وجهاً مستقلًا» (1).

أقول: الصحيح هو عدم استحالة ترجيح المرجوح على الراجح و كذلك الترجيح بلا

____________

(1) درر الفوائد: ج 2، ص 399، طبع جماعة المدرّسين.

432

مرجّح في الفاعل المختار (كما هو محلّ البحث في المقام) لأنّ الاستحالة تنافي الاختيار و توجب سلب الإرادة، و إرادة الإنسان ليست بمنزلة كفّتي الميزان حتّى يحتاج تقديم أحدهما على الآخر إلى سبب و مرجّح من الخارج، فالجائع الذي وضع بين يديه إناءين من الطعام لا يكون لأحدهما ترجيح على الآخر يتوقف عن الأكل حتّى يموت بل يختار أحدهما و يأكل منه، و كذلك في الإنسان الذي يفرّ من سبع حتّى يصل إلى منشعب طريقين لا ترجيح لأحدهما على الآخر فهل يحكم وجدانك بأنّه يقف و لا يختار أحد الطريقين حتّى يأكله السبع؟ كلّا.

نعم لا إشكال في قبح الترجيح بلا مرجّح في غير موارد الضرورة كالأمثلة المذكورة آنفاً.

الوجه الثالث: رأي السيد المجاهد (رحمه الله)

ما حكي عن السيّد المجاهد (رحمه الله) من أنّنا نعلم بوجود واجبات و محرّمات كثيرة بين المشتبهات، و مقتضى ذلك وجوب الاحتياط بالإتيان بكلّ ما يحتمل الوجوب و لو موهوماً و ترك كلّ ما يحتمل الحرمة كذلك، لكن لمّا كان هذا الاحتياط موجباً للعسر و الحرج فمقتضى الجمع بين قاعدتي الاحتياط و الحرج هو العمل بالاحتياط في المظنونات و طرحه في المشكوكات و الموهومات، لأنّ الجمع على غير هذا الوجه بإخراج بعض المظنونات و إدخال بعض المشكوكات و الموهومات باطل إجماعاً (1).

و أجاب عنه كلّ من تعرّض لهذا الوجه بأنّ هذا متضمّن لبعض مقدّمات الانسداد، و هي المقدّمة الاولى (العلم الإجمالي بوجود واجبات و محرّمات في الشريعة) و المقدّمة الرابعة (عدم وجوب الاحتياط التامّ) و المقدّمة الخامسة (و هي لزوم ترجيح المظنونات على المشكوكات و الموهومات في مقام رفع العسر) فيحتاج في تماميته إلى سائر المقدّمات و ليس وجهاً آخر في قبال دليل الانسداد.

____________

(1) فرائد الاصول: ج 1، ص 182، طبع جماعة المدرّسين.

433

الوجه الرابع: دليل الانسداد

الدليل الرابع: الانسداد، و هو مركّب من مقدّمات:

الاولى: العلم الإجمالي بوجود تكاليف كثيرة فعليه في الشريعة في دائرة المشتبهات و محتملات التكاليف الإلزاميّة.

الثانية: انسداد باب العلم و العلمي إلى معظم الأحكام.

الثالثة: عدم جواز إهمال التكاليف و الرجوع إلى أصالة البراءة.

الرابعة: عدم جواز الرجوع إلى الوظائف المقرّرة للجاهل، و هي الرجوع في كلّ مسألة إلى الأصل الجاري فيها من البراءة و الاستصحاب و التخيير و الاحتياط، أو التقليد عن المجتهد القائل بالانفتاح أو الرجوع إلى الاحتياط في جميع الوقائع المشتبهة.

الخامسة: أنّ ترجيح المرجوح على الراجح، قبيح و هو أن يأخذ بالمشكوكات و الموهومات و يترك المظنونات.

فإذا تمّت هذه المقدّمات وجب العمل على مطلق الظنّ بالحكم الإلزامي و لزوم الأخذ به و ترك العمل بالمشكوك و الموهوم و هو المطلوب في المقام.

لكن قد شيخنا الأعظم الأنصاري (رحمه الله) ترك المقدّمة الاولى و اعتذر له المحقّق النائيني (رحمه الله) بأنّ عدّ هذه المقدّمة من جملة مدارك المقدّمة الثالثة (أعني عدم جواز إهمال الوقائع و الرجوع إلى أصالة العدم) أولى من عدّها مقدّمة مستقلّة و في عرض سائر المقدّمات‏ (1).

أقول: الصحيح هو إدغام المقدّمات الثلاثة الأوّل في مقدّمة واحدة، لأنّ المقدّمة الاولى- أي وجود العلم الإجمالي بتكاليف كثيرة- متوقّفة على عدم انحلال هذا العلم الإجمالي، و عدم الانحلال يحتاج إلى انسداد باب العلم و العلمي، و هو المقدّمة الثانية، و هكذا بالنسبة إلى المقدّمة الثالثة، لأنّ (كما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله) وجود العلم الإجمالي في المقدّمة الاولى يتوقّف على عدم جواز الإهمال في المقدّمة الثالثة، فالأولى إدغام هذه الثلاثة في مقدّمة واحدة بأن يقال: إنّ المقدّمة الاولى عبارة عن وجود علم إجمالي بتكاليف كثيرة لا ينحلّ إلى العلم و العلمي التفصيليين و لا يجوز إهماله.

____________

(1) راجع فوائد الاصول: ج 3، ص 226.

434

إذا عرفت هذا فلا بدّ من البحث عن صحّة كلّ واحدة من المقدّمات و عدمها فنقول: أمّا المقدّمة الاولى: فأورد عليها المحقّق الخراساني (رحمه الله) بحقّ بأنّ أصل العلم الإجمالي بوجود تكاليف كثيرة و إن كان بديهياً إلّا أنّه ينحلّ إلى دائرة صغيرة و هي الأخبار الموجودة في الكتب المعتبرة لأنّ المقدار المعلوم في العلم الإجمالي الكبير موجود فيها، و معه لا موجب للاحتياط إلّا في نفس الرّوايات.

و أمّا المقدّمة الثانية: أي انسداد باب العلم و العلمي إلى معظم الأحكام فاجيب عنه بأنّه و إن كان معلوماً بالنسبة إلى انسداد باب العلم إلّا أنّه بالنسبة إلى انسداد باب العلمي إلى معظم الأحكام غير ثابت لما تقدّم من نهوض الأدلّة على حجّية خبر يوثق بصدوره و لو لم يكن الراوي عدلًا بل ثقة، و مثل هذا الخبر كثير وافٍ بحمد اللَّه بمعظم الفقه.

و أمّا المقدّمة الثالثة: أي عدم جواز الإهمال فقد ذكر لإثباتها ثلاثة وجوه:

أحدها: الإجماع على عدم جواز الإهمال، إن قلت: الإجماع هو اتّفاق الكلّ مع أنّ أكثر العلماء يقولون بانفتاح باب العلم أو العلمي.

قلنا: المراد من الإجماع هو الإجماع التقديري لا التحقيقي، و المراد بالإجماع التقديري هو أنّه لو فرضنا انسداد باب العلم و العلمي عند الأكثر لما خالف أحد منهم في عدم جواز الإهمال.

ثانيهما: حكم العقل بتنجّز العلم الإجمالي و وجوب الاحتياط في مورده.

ثالثها: لزوم الخروج عن الدين لأنّ إهمال معظم الأحكام مستلزم له و من المعلوم أنّ الشارع راغب عنه.

أقول: التامّ من هذه الوجوه الثلاثة هو الأخيران، أي تنجّز العلم الإجمالي و استلزام الخروج عن الدين، و أمّا الوجه الأوّل أي الإجماع فضعفه واضح لأنّ الإجماع هنا مدركي.

إن قلت: (بالنسبة إلى الوجه الثاني و هو تنجّز العلم الإجمالي)، سيأتي في محلّه أنّ العلم الإجمالي ينحلّ بحصول الاضطرار بالنسبة إلى بعض أطرافه، و بما أن الاحتياط في جميع الوقائع المشتبهة مخلّ بالنظام أو سبب للمشقّة المجوّزة للاقتحام في بعض الأطراف، فيكون المقام من موارد الاضطرار إلى بعض الأطراف فلا يكون العلم الإجمالي منجزاً فيه.

قلنا: الصحيح في الجواب أنّ الاضطرار إنّما يوجب الانحلال فيما إذا كان المضطرّ إليه بمقدار

435

المعلوم بالإجمال، و المقام ليس من هذا القبيل قطعاً.

و معه لا تصل النوبة إلى ما أجاب به المحقّق الخراساني (رحمه الله) و حاصله: أنّ العلم الإجمالي في خصوص المقام لا ينحلّ بالاضطرار إلى بعض أطرافه لوجود الدليل الخاصّ على وجوب الاحتياط، و تنجّز العلم الإجمالي أي الاحتياط هنا شرعي، و قد عرفت آنفاً أنّ إهمال معظم الأحكام يوجب الخروج عن الدين، و هو دليل عقلي لا شرعي.

أمّا المقدّمة الرابعة: و هي عدم جواز الرجوع إلى الوظائف المقرّرة للجاهل (و هي ثلاثة:

الرجوع إلى الاحتياط التامّ و الرجوع إلى الاصول العمليّة الأربعة و التقليد عن المجتهد الانفتاحي):

امّا الطرق الأول: الرجوع إلى الاحتياط التام‏

فاستدلّ لها بالنسبة إلى عدم وجوب الاحتياط التامّ بوجهين: أحدهما: لزوم اختلال النظام، ثانيهما: قاعدة نفي الحرج فإنّ أدلّة نفي العسر و الحرج حاكمة على قاعدة الاحتياط.

امّا الوجه الأول: لكن لزوم اختلال النظام عندنا غير ثابت و إن تلقّوه بالقبول، و الظاهر أنّه وقع الخلط بين الشبهات الموضوعيّة و الشبهات الحكميّة، و ما يوجب الاختلال في النظام إنّما هو الاحتياط التامّ في الشبهات الموضوعيّة، و أمّا الشبهات الحكميّة (التي هي محلّ البحث في المقام) فحيث إنّ مواردها محدودة معدودة بالنسبة إلى الشبهات الموضوعيّة فلا يوجب الاحتياط التامّ فيها اختلال النظام، و يشهد عليه و على إمكان الاحتياط عملًا في الخارج تصريح كثير منهم في مباحث الاجتهاد و التقليد على جواز الاحتياط التامّ للمكلّف من دون تقليد أو اجتهاد.

و أمّا الوجه الثاني: أي قاعدة نفي الحرج، فيرد عليه: أنّ المرفوع في أدلّتها هو العسر الناشئ من نفس جعل الشارع و حكمه، أي المنفي هو نفس الحكم الذي ينشأ منه الحرج مع أنّ العسر في ما نحن فيه ناشٍ من الاشتباه الخارجي و حكم العقل.

و قد وقعوا في الجواب عن هذا في حيص و بيص، و الأولى في مقام الدفع أن يقال: إنّ الحرج في المقام ينشأ على كلّ حال من ناحية التكليف الشرعي إذ لولاه لما حكم العقل بوجوب الاحتياط و الجمع بين المحتملات، كي يلزم منه العسر و الحرج.

هذا- مضافاً إلى ما مرّت الإشارة إليه من أنّ الضرورات تتقدّر بقدرها فالعسر يوجب‏

436

عدم الاحتياط بقدره لا مطلقاً.

فتلخّص‏ أنّ الدليل على نفي وجوب الاحتياط هو قاعدة نفي الحرج و لكنّها لا تقتضي ترك الاحتياط إلّا في الجملة.

و أمّا الطريق الثاني: الرجوع إلى الاصول العمليّة الأربعة

فقد ذهب المحقّق الخراساني (رحمه الله) إلى أنّ العلم الإجمالي بالتكليف ربّما ينحلّ ببركة جريان الاصول المثبتة بضميمة ما نهض عليه علم أو علمي، فلا موجب حينئذٍ للاحتياط عقلًا و لا شرعاً أصلًا كما لا يخفى، و أنّه لو لم ينحلّ بذلك فاللازم هو الاحتياط في خصوص مجاري الاصول النافيّة مطلقاً و لو من موهومات التكليف (إلّا بمقدار رفع اختلال النظام أو رفع العسر) لا الاحتياط في محتملات التكليف مطلقاً، و لو كانت في موارد الاصول المثبتة فإنّ العمل بالتكليف فيها يكون من باب قيام الحجّة عليها، و هي الاصول العمليّة لا من باب الاحتياط كما لا يخفى.

أقول: الإنصاف هو انسداد هذا الطريق أيضاً لقلّة موارد الاصول المثبتة و عدم كونها بمقدار المعلوم بالإجمال، و لو انضمّ إليها ما علم حكمه تفصيلًا أو نهض عليه الظنّ الخاصّ المعتبر كما لا يخفى على الخبير بموارد هذه الاصول في الفقه.

و أمّا الطريق الثالث: الرجوع إلى العالم القائل بالانفتاح‏

فلا إشكال في عدم جوازه قطعاً، لأنّ الانسدادي يعتقد بخطإ الانفتاحي و أنّ مستنده غير صالح للاعتماد عليه، فالانفتاحي جاهل في نظره فليس رجوعه إليه من باب رجوع الجاهل إلى العالم حتّى يشمله دليله.

أمّا المقدّمة الخامسة: و هي استحالة ترجيح المرجوح على الراجح فقد مرّ البحث عنها و قلنا بأنّه قبيح و إن لم يكن مستحيلًا.

فقد ظهر من جميع ما ذكرنا أنّ المقبول من المقدّمات عندنا إنّما هو المقدّمة الثالثة و الخامسة بتمامهما، و الطريق الثاني من المقدّمة الرابعة و الثالث منها في الجملة، و نتيجته عدم تماميّة مقدّمات الانسداد لإثبات وجوب الاحتياط لأنّه يكفي في عدم إنتاجها بطلان واحدة منها.

437

تنبيهات:

التنبيه الأوّل: ما هي نتيجة مقدمات الحكمة؟

إنّ نتيجة مقدّمات الانسداد (بناءً على تماميتها) هل هي حجّية الظنّ في خصوص الفروع من الفقه كالظنّ بالوجوب أو الحرمة، أو خصوص الاصول من الفقه، أو كليهما؟ الأقوال فيه ثلاثة:

القول الأوّل: حجّية الظنّ في خصوص الفروع لاختصاص المقدّمات بالفروع فلتكن نتيجتها أيضاً مختصّة بها.

الثاني: حجّية الظنّ في الاصول فقط لأنّا نعلم بأنّ الشارع لم يجعل أحكام الشرع بدون طريق يوصل إليها، فعلى المكلّف أن يرجع إلى الطرق المعيّنة للأحكام و يحصل الظنّ بحجّيتها و طريقتها سواء حصل الظنّ بنفس الأحكام أو لم يحصل.

الثالث: حجّيته في كليهما، فيكفي حصول الظنّ بكلّ واحد منهما، أي يكفي الظنّ بالحكم و لو لم يكن الطريق المنتهي إليه ظنّياً، كما يكفي الظنّ بالطريق و لو لم يكن الحكم الحاصل منه مظنوناً.

و الأقوى هو القول الثالث: و وجهه واضح لأنّ اللازم هو أداء التكليف و تحصيل الأمن من العذاب و هو يحصل بأحد وجهين: أحدهما هو الحصول على نفس الواقع، و الثاني الإتيان ببدله، و هو مفاد الأمارات و الطرق التي تكون عذراً، فكما أنّ القطع بالطريق كافٍ في حال الانفتاح سواء كانت الشبهة موضوعيّة كالقطع بقيام البيّنة على إزالة النجاسة عن المسجد بدلًا عن القطع بنفس الإزالة أو كانت الشبهة حكميّة كالقطع بكفاية العمل بالاحتياط في يوم الجمعة بالجمع بين صلاة الجمعة و الظهر بدلًا عن القطع التفصيلي بأحدهما، كذلك في حال الانسداد فيكفي الظنّ بالطريق بدلًا عن الظنّ بالواقع.

و إن شئت قلت: كما أنّ الأحكام ليست مقيّدة بالطرق فيكفي القطع بالواقع أو الظنّ به سواء كان مدلول أمارة أم لا كذلك الأمارات ليست مقيّدة بمطابقة مدلولها للواقع فيكفي العمل بمفاد أمارة كانت حجّة بدليل قطعي (في حال الانفتاح) أو بمقدّمات الانسداد سواء كان مطابقاً للواقع أم لم يكن.

438

التنبيه الثاني: في الكشف و الحكومة

و المراد من الكشف أن نستكشف من مقدّمات الانسداد على تقدير القول بسلامة جميعها أنّ الشارع جعل الظنّ حجّة في هذا الحال، فيمكن حينئذٍ إسناد الحكم المكشوف إلى الشارع و ترتّب سائر الآثار المترتّبة على شرعيّة الحكم من إمكان قصد الورود و تخصيص العمومات و تقييد المطلقات به.

و المراد من الحكومة هو أنّه و إن لم نكشف من هذه المقدّمات حكم الشارع فلا تترتّب الآثار المذكورة لكن لا إشكال في أنّ العقل يحكم عند حصولها بكفاية العمل بالظنّ بحيث يكون مأموناً معه، نظير ما يقال به في مقام بيان الفرق بين الإباحة الشرعيّة (كلّ شي‏ء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام) و الإباحة العقليّة (قبح العقاب بلا بيان) من أنّها إذا كانت شرعيّة يترتّب عليها آثارها من الأمن من العقاب من دون أن يثبت بها حكم شرعي.

و كيف كان، ذهب القوم إلى أنّ غاية ما تقتضيه مقدّمات الانسداد هو حكومة العقل بحجّية الظنّ، و الأكثر من هذا المقدار و إثبات كشف حكم الشرع وراءه يحتاج إلى دليل.

إن قلت: إنّ هذا يستلزم التفكيك بين حكمي العقل و الشرع و إنكار الملازمة بينهما.

قلنا: أنّ الملازمة بينهما إنّما هي في مورد يكون قابلًا لحكم الشرع، و المورد في المقام غير قابل له، لأنّ حجّية الظنّ معناها وجوب الإطاعة الظنّية في حال الانسداد، فترجع إلى كيفية الإطاعة، و كما أنّ نفس الإطاعة ممّا يمتنع تعلّق الحكم الشرعي بها إلّا إرشاداً لما بيّن في محلّه من محذور التسلسل، كذلك كيفية الإطاعة.

لكن لقائل أن يقول: إنّا نستكشف من دأب الشارع و ديدنه أنّه لا يترك الناس بلا تكليف و لا يسرحهم بلا إراءة طريق في كلّ ما يحتاجون إليه حتّى يستلزم منه خلأ قانوني في عالم التشريع كما تدلّ عليه روايات كثيرة وردت في هذا المجال، و قد عقد في الوافي باب في أنّه ليس شي‏ء ممّا يحتاج إليه الناس إلّا و قد جاء فيه كتاب أو سنّة، و في الوسائل باب في «إماطة الأذى عن طريق المسلمين» و يستفاد منه أنّ في الشريعة المقدّسة وضع لكلّ شي‏ء قانون حتّى لقشر البطيخ المطروح في الطريق، فهل يعقل من حكمة الباري الحكيم إهمال الامّة الإسلاميّة في زمن الغيبة و عدم تعيين طريق لهم للوصول إلى أحكام الشريعة و القوانين المجعولة من ناحيته المقدّسة مع علمه تعالى بقصر مدّة الحضور و طول عصر الغيبة و انسداد باب العلم (على‏

439

الفرض)؟ و مجرّد وجود أحكام واقعيّة لا تصل إليها أيدي الناس غير كافٍ، بل لا بدّ من جعل قوانين ظاهريّة لهم و عدم تركهم حائرين.

فيتلخّص من جميع ذلك أنّ طريق الكشف هو الأوفق بسيرة الشارع في الأحكام الفرعيّة.

التنبيه الثالث: نتيجة مقدّمات الانسداد هل هي مهملة، أو مطلقة

(فيكون الظنّ حجّة بالجملة) أو مقيّدة (فيكون الظنّ حجّة في الجملة)؟

ثمّ الإهمال و عدم الإهمال‏ تارةً يعتبران بالنسبة إلى الأسباب (من الأمارات و غيرها)، و اخرى‏ بالنسبة إلى مراتب الظنّ (من حيث الشدّة و الضعف) و ثالثة بالنسبة إلى الموارد (من العبادات و المعاملات و حقّ اللَّه و حقّ الناس).

و كيف كان فحاصل الكلام في المقام أنّ مقدّمات الانسداد على القول بصحّة جميعها هل تقتضي حجّية الظنّ بنحو القضيّة المهملة من حيث السبب و المورد و المرتبة حتّى تحتاج النتيجة إلى معمّم يعمّمها إلى جميع الأسباب و الأمارات و إلى جميع الموارد و المسائل الفرعيّة و إلى جميع مراتب الظنّ من الضعيف و القوي و الأقوى، أو إلى مخصّص يخصّصها ببعض الأسباب و بعض الموارد و المراتب، أو تقتضي حجّية الظنّ بنحو القضيّة الكلّية أو بنحو القضيّة الجزئيّة المختصّة ببعض الأسباب أو بعض المراتب أو بعض الموارد دون بعض آخر؟

و التحقيق‏ أن نقول أنّ المسألة مبتنية على المسألة السابقة، فبناءً على تقرير المقدّمات على نحو الحكومة لا إهمال في النتيجة أصلًا لا سبباً و لا مورداً و لا مرتبة إذ لا يعقل تطرّق الإهمال في حكم العقل بحيث يشتبه عليه سعة حكمه و ضيقه.

فبالنسبة إلى الأسباب تكون النتيجة كلّية إذ لا تفاوت في نظر العقل بين سبب و سبب.

و أمّا بالنسبة إلى الموارد فتكون النتيجة جزئيّة معيّنة حيث يستقلّ العقل بحجّية الظنّ و كفاية الإطاعة الظنّية إلّا فيما يكون للشارع فيه مزيد اهتمام كما في الفروج و الدماء، بل و سائر حقوق الناس من الأموال و غيرها ممّا لا يلزم من الاحتياط فيها العسر، فيستقلّ العقل بوجوب الاحتياط فيها.

و أمّا بالنسبة إلى المراتب فجزئيّة معيّنة أيضاً حيث يستقلّ العقل بأنّ الحجّة في خصوص‏

440

الظنّ بنفي التكليف هو الاطمئناني منه، فيرفع اليد عنده عن الاحتياط إلّا على تقدير عدم كفايته في دفع محذور العسر (فيرفع اليد حينئذٍ عن الاحتياط في سائر الظنون أيضاً بمقدار يدفع به محذور العسر).

هذا بناءً على تقرير الحكومة.

و أمّا بناءً على تقدير الكشف فتكون النتيجة مهملة مطلقاً سبباً و مورداً و مرتبة، و لا محيص حينئذٍ في وصولنا إلى ذلك الطريق من الاحتياط التامّ في أطراف الطرق فنأخذ بكلّ ما احتمل طريقيته سواء كان مظنون الطريقية أو مشكوكها أو موهومها، هذا إذا لم يكن بينها متيقّن الاعتبار بمقدار وافٍ و لم يلزم من الاحتياط فيها محذور العسر أو اختلال النظام و إلّا فإن كان بينها متيقّن الاعتبار بمقدار وافٍ فالأخذ به متعيّن.

نعم، لا إشكال في أنّه لا فرق بين الحكومة و الكشف في النتيجة بناءً على ما سلكناه في المراد من الكشف حيث قلنا بأنّا نستكشف من ديدن الشارع في عدم إهماله في كلّ ما يحتاج إليه الناس من دون فرق بين عصر و عصر، و مصر و مصر أنّه نصب طريقاً للوصول إلى أحكامه في فرض الانسداد و هو ما يحكم به العقل لا محالة، فالمرجع حينئذٍ في جميع الشئون و الفروع ما حكم به العقل، فيأتي حينئذٍ ما ذكرنا آنفاً (بناءً على تقرير الحكومة) بعينه من التفصيل بين الأسباب و المراتب و الموارد في الكلّية و الجزئيّة و عدم الإهمال مطلقاً.

التنبيه الرابع: القياس و عموم مقدّمات الانسداد

إنّ القياس هل هو خارج عن عموم نتيجة مقدّمات الانسداد أو لا؟

و إن شئت فعبّر: هل الظنّ الناشئ من القياس في فرض الانسداد حجّة أو ليس بحجّة؟

قد يقال: إنّ القياس ممنوع مطلقاً حتّى في فرض الانسداد لإطلاق الأدلّة الناهية عن القياس.

لكن لا إشكال فيه بناءً على تقرير الكشف بكلا المسلكين، مسلك القوم و المسلك المختار، لأنّ زمام الأمر حينئذٍ بيد الشارع و هو منع عن الظنّ القياسي مع جعل سائر الظنون حجّة.

و أمّا بناءً على تقرير الحكومة و أنّ العقل ممّا يستقلّ في الحكم بحجّية الظنّ في حال‏

441

الانسداد كحكمه بحجّية العلم في حال الانفتاح فيقع الإشكال حينئذٍ من ناحية خروج القياس عن تحت عموم حكم العقل بحجّية الظنّ و أنّه كيف يخرج عن تحت عمومه مع أنّ حكم العقل ممّا لا يخصّص، و لا يمكن رفع حكمه عن موضوعه، إلّا إذا انتفى الموضوع فينتفي الحكم بانتفائه، أو خرج الفرد عن تحت الحكم موضوعاً فيسمّى بالتخصّص، و أمّا تخصيص حكم العقل فلا يجوز، و ذلك باعتبار لزوم التناقض فإنّ العقل إذا حكم حكماً عاماً بنحو يشمل هذا الفرد بعينه ثمّ خصّصنا حكمه و رفعناه عن هذا الفرد لزم التناقض بين حكمه و بين التخصيص، نظير ما إذا خصّصنا نوعاً من القطع عن عموم حجّية القطع في حال الانفتاح، و هذا بخلاف التخصيص في العمومات اللفظية فإنّ التناقض فيها صوري لا جدّي.

و قد اجيب عن هذا الإشكال بوجوه عديدة، و قد ذكر الشيخ الأعظم وجوهاً سبعة في دفعه (بعضها منه و بعضها من غيره) و ذكر المحقّق الخراساني (رحمه الله) وجوهاً خمسة في هذا المقام لكن عمدتها ثلاثة:

الوجه الأوّل: أنّ الرّوايات الناهية عن القياس منصرفة عن حال الانسداد.

أقول: لقائل أن يقول بهذا الوجه كما سيأتي في البحث التفصيلي عن القياس لكن الإنصاف أنّ هذه الدعوى مشكلة لقوّة إطلاقات الأدلّة.

الوجه الثاني: إنكار موضوع الظنّ القياسي و أنّه لا يوجب القياس الظنّ بالحكم في شي‏ء من الموارد خصوصاً بعد ملاحظة أنّ الشارع جمع في الحكم بين ما يتراءى مخالفه، و فرّق بين ما يتخيّل مؤالفه، و كفاك في هذا عموم ما ورد «أنّ دين اللَّه لا يصاب بالعقول» و «إنّ السنّة إذا قيست محق الدين» و «إنّه لا شي‏ء أبعد من عقول الرجال من دين اللَّه» و غيرها ممّا دلّ على غلبة مخالفة الواقع في العمل بالقياس و خصوص رواية أبان بن تغلب المشهورة الواردة في دية أصابع الرجل و المرأة.

و يمكن الجواب عن هذا الوجه بشهادة الوجدان بحصول الظنّ من القياس في بعض الأحيان و إن كان ضعيفاً من حيث المرتبة و تقدّم عليه الظنّ الحاصل من غيره عند التعارض.

الوجه الثالث: (و هو الأساس في الجواب) أنّ مقدّمات الانسداد ليست علّة تامّة لحجّية الظنّ مطلقاً حتّى لا يمكن تخصيصها بمثل مورد القياس بل إنّها مقتضية لها، أي يحكم العقل بحجّية الظنّ مطلقاً عند الانسداد لو لا المانع، أي لو لا منع الشارع، و مع ورود النهي عنه لا أثر للمقتضي.

442

و منه يعلم أنّ تشبيه الظنّ حال الانسداد بالعلم حال الانفتاح أشبه بالمغالطة لأنّ العلم علّة تامّة للحجّية.

و إن شئت قلت: أنّ دليل الانسداد إنّما يثبت حجّية الظنّ حال الانسداد و عدم انفتاح باب العلم و العلمي، و في مورد القياس و مثله يكون باب العلم مفتوحاً، للعلم بأنّ الشارع أرجعنا في هذه الموارد إلى الاصول اللفظية أو العمليّة، فخروج القياس حينئذٍ يكون على وجه التخصّص و خروج الموضوع، لا التخصيص.

التنبيه الخامس: في الظنّ المانع و الممنوع‏

إذا قامت دليل ظنّي كالشهرة على عدم حجّية ظنّ آخر كالظنّ الحاصل من الاستحسان، كما إذا قام الاستحسان على وجوب الزّكاة في النقود الورقيّة في يومنا هذا تشبيهاً لها بالدرهم و الدينار، فحصل الظنّ بوجوب الزّكاة من ناحيته في حال الانسداد (و هذا هو الظنّ الممنوع) و الظنّ الحاصل من جانب قيام الشهرة على عدم حجّية الاستحسان بناءً على عدم العلم بعدم حجّية الاستحسان، كما قد يقال به في فرض الانسداد (و هذا هو الظنّ المانع) فهل مقتضى مقدّمات الانسداد هو الأخذ بالظنّ الممنوع و الحكم بوجوب الزّكاة في النقود الورقيّة في المثال، أو إنّها تقتضي تقديم الظنّ المانع فتصير النتيجة وجوب الأخذ بالظنّ الحاصل من الشهرة و الحكم بعدم وجوب الزّكاة؟ وجوه:

الأوّل: تقديم الظنّ المانع.

و الثاني: تقديم الظنّ الممنوع.

و الثالث: تساقط الظنّين و الرجوع إلى الاصول العمليّة.

و الرابع: أنّ المسألة مبنية على كون نتيجة مقدّمات الانسداد حجّية الظنّ في الفروع أو الاصول، فإن قلنا أنّ نتيجتها هي الحجّية في الفروع فالمقدّم هو الظنّ الممنوع، و إن قلنا أنّ النتيجة هي الحجّية في الاصول فالمقدّم هو الظنّ المانع، و إن قلنا بحجّية كليهما فيتساقطان.

نعم، لا يتصوّر هذا الوجه فيما إذا كان كلا الظنّين اصوليّاً كما إذا حصل الظنّ بعدم حجّية قول اللغوي، و حصل الظنّ أيضاً بعدم حجّية هذا الظنّ، فعلى القول بأنّ نتيجة مقدّمات‏

443

الانسداد هي حجّية الظنّ في خصوص الاصول لا بدّ حينئذٍ من الرجوع إلى سائر الوجوه.

الخامس: الأخذ بأقوى الظنّين لا سيّما إذا قلنا بأنّ نتيجة مقدّمات الانسداد جزئيّة من ناحية المراتب.

أقول: الحقّ في المسألة هو تقدّم الظنّ المانع و ذلك باعتبار ما مرّ من عدم كون مقدّمات الانسداد علّة تامّة لحجّية الظنّ حتّى لا يمكن منع الشارع في مورد خاصّ بل إنّها مقتضية لها، و حينئذٍ صحّ أن يقال: أنّه لا استقلال للعقل بحجّية ظنّ قد احتمل المنع عنه بالخصوص شرعاً فضلًا عمّا إذا ظنّ المنع عنه كذلك، و ذلك لعدم إحراز فقد المانع في هاتين الصورتين، فلا بدّ حينئذٍ من الاقتصار على ظنّ نقطع بعدم المنع عنه بالخصوص، فإن كفى بمعظم الفقه فهو، و إلّا فيضمّ إليه ما احتمل المنع عنه لا مظنون المنع.

نعم، يمكن تقديم الظنّ الممنوع أيضاً فيما إذا كان موافقاً للاحتياط فيكون حينئذٍ مخيّراً بين الأخذ بكلّ واحد منهما.

التنبيه السادس: عدم الفرق بين حصول الظنّ من الأمارة بلا واسطة أو مع واسطة

لا فرق في نتيجة دليل الانسداد بين حصول الظنّ بالحكم الشرعي من أمارة عليه بلا واسطة كما إذا قامت الشهرة على وجوب شي‏ء أو حرمته، و بين حصول الظنّ بالحكم الشرعي من أمارة عليه مع الواسطة كالظنّ الحاصل من أمارة قامت على تفسير لفظ من ألفاظ الكتاب أو السنّة (كما إذا قال اللغوي أنّ الصعيد هو مطلق وجه الأرض فأورث الظنّ في قوله تعالى:

«فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً» بجواز التيمّم بالحجر مثلًا مع وجود التراب الخالص) أو على وثاقة راوٍ ينقل الحكم عن الإمام المعصوم (عليه السلام) فأورث الظنّ بذلك الحكم.

و الوجه في عدم الفرق هو إطلاق حكم العقل بحجّية الظنّ حال الانسداد، فلا فرق عنده بين ظنّ يوصلنا إلى الحكم الواقعي بلا واسطة أو مع الواسطة فلا حاجة إلى إعمال انسداد آخر صغير في مثل هذه الموارد (أي موارد الرجوع إلى قول اللغوي و علماء الرجال) بل يكفي جريان مقدّمات الانسداد الكبير في معظم أحكام الفقه.

444

ثمّ إنّ الظنّ الحاصل من قول اللغوي حجّة إذا كان متعلّقاً بحكم شرعي و ليس بحجّة في تشخيص موضوعات الأحكام كالألفاظ الواردة في رسائل الوصيّة أو الوقف لأنّ المفروض هو انسداد باب العلم و العلمي في الأحكام فتكون مقدّمات الانسداد تامّة في خصوص الأحكام لا الموضوعات.

اللّهم إلّا أن يتمسّك بالانسداد الصغير في بعض الموارد، و هو انسداد باب العلم و العلمي في معرفة بعض الموضوعات.

التنبيه السابع: في عدم حجّية الظنّ في مقام الامتثال و التطبيق‏

إنّ الثابت بمقدّمات الانسداد إنّما هو حجّية الظنّ في تشخيص الأحكام الشرعيّة و تعيينها، لاختصاص انسداد باب العلم و العلمي به، لا حجّيته في الإتيان بها و تطبيق المأتي به عليها، لإمكان تحصيل القطع بتطبيق الحكم المظنون على الخارج فلا تجري فيه تلك المقدّمات، فإذا شككنا في وجوب صلاة الجمعة أو الظهر جاز لنا تعيين الواجب الواقعي بالظنّ على فرض الانسداد، و أمّا امتثال هذا الحكم خارجاً فلا بدّ أن يكون بالعلم و لا يكفي فيه الظنّ.

إن قلت: بعد العمل بالظنّ في تعيين الحكم الشرعي يصير الامتثال في النهاية ظنّياً فلا يجدي تحصيل العلم بالتطبيق.

قلنا: الظاهر إنّه وقع الخلط بين الظنّ بالحكم الواقعي و الظنّ بأداء الوظيفة، فإنّه و إن كان الإتيان بالواقع ظنّياً و لكن اليقين حاصل بأداء الوظيفة لا أنّ أدائها ظنّي، فإذا صلّى صلاة بعنوان الجمعة مثلًا (المظنون وجوبها) قاطعاً فقد أدّى ما عليه من الوظيفة قطعاً بخلاف ما إذا أتى بها مظنوناً.

نعم، ربّما يجري الانسداد الصغير في مقام التطبيق و الامتثال بالنسبة إلى بعض الموضوعات فيكون الظنّ حجّة في مقام الامتثال أيضاً، و هذا كما في موضوع الضرر الذي انيط به أحكام كثيرة من جواز الإفطار و التيمّم و جواز ترك الحجّ و غيرها، فيقال: أنّ باب العلم بالضرر منسدّ غالباً، إذ لا يعلم به في الأغلب إلّا بعد تحقّقه و وقوعه فيستلزم من اعتبار العلم به الوقوع في المخالفة الكثيرة.

445

و إن شئت قلت: إجراء أصل العدم في تلك الموارد يوجب المحذور، و هو الوقوع في الضرر كثيراً مع العلم بعدم رضا الشارع بذلك لشدّة اهتمامه بالضرر، و من جانب آخر: الاحتياط بترك كلّ ما احتمل كونه ضرريّاً يوجب العسر و الحرج بل في بعض الموارد غير ممكن عقلًا كما إذا دار الأمر بين الوجوب و الحرمة كصيام شهر رمضان فإن كان ضرريّاً فقد حرم، و إن لم يكن ضرريّاً فقد وجب، إذاً فلا محيص من حجّية الظنّ و اللزوم اتّباعه في تعيين موارد الضرر، فكلّ شي‏ء ظنّ كونه ضرريّاً وجب تركه، و كلّ ما شكّ كونه ضرريّاً جاز فعله، بل المدار في هذه الموارد هو خوف الضرر و إن لم يكن مظنوناً كما ذكر في محلّه.

خاتمة يبحث فيها عن امور

الأمر الأوّل: في الظنّ بالامور الاعتقاديّة

(المطلوب فيها أوّلًا عمل الجوانح من الاعتقاد و الانقياد خلافاً للفروع العمليّة، المطلوب فيها أوّلًا عمل الجوارح) فهل تجري مقدّمات الانسداد في اصول الدين على فرض انسداد باب العلم فيها فيكون الظنّ بها حجّة أو لا تجري فلا يكفي الاعتقاد الظنّي؟

قد أنكر الشيخ الأعظم و المحقّق الخراساني رحمهما الله جريان مقدّمات الانسداد في اصول الدين، و عصارة بيانهما (ببيان منّا): أنّ الامور الاعتقاديّة على أقسام ثلاثة:

القسم الأول: بعدم وجوب تحصيل العلم و اليقين به على المكلّف لا عقلًا و لا شرعاً إلّا إذا حصل له العلم به أحياناً، (فيجب بحكم العقل و الشرع الاعتقاد به و عقد القلب له و لا يجوز له الإنكار و الجحود، أو الوقف و التأمّل فيه) كما هو الحال في تفاصيل البرزخ و المعاد من سؤال القبر و الصراط و الحساب و الكتاب و الميزان و الجنّة و النار و غيرها، و كذلك في تفاصيل صفات الباري تعالى و صفات الإمام (عليه السلام) كعلم الباري و علم النبي (صلى الله عليه و آله) و الإمام (عليه السلام) بعالم الغيب و إنّهم عالمون بجميع ما كان و ما يكون إلى يوم القيامة فعلًا (أو «إذا أرادوا علموا» أو «إذا أرادوا يعلّمهم اللَّه تعالى» أو غير ذلك من الاحتمالات) ففي هذا القسم من الامور لا تجري مقدّمات الانسداد و لا يكون الظنّ فيها حجّة، لأنّه إذا انسدّ باب العلم فيها بتفاصيلها يمكن العلم بمطابقة عمل الجوانح مع الواقع بالاعتقاد الإجمالي بما هو واقعها و عقد القلب عليها من‏

446

دون عسر و لا شي‏ء آخر، و لا تقاس بالفروع العمليّة المطلوب فيها مطابقة عمل الجوارح مع الواقع لأنّ الفروع العمليّة إذا انسدّ باب العلم فيها لا يمكن العلم بمطابقة عمل الجوارح مع الواقع إلّا بالاحتياط التامّ في الشبهات، و هذا ما يوجب العسر، فلا يجب شرعاً، أو يوجب الإخلال بالنظام فيحرم عقلًا، و حينئذٍ لا شي‏ء أقرب إلى الواقع من العمل على وفق الظنّ.

القسم الثاني: ما يعلم بوجوب تحصيل العلم به تفصيلًا على المكلّف بحكم العقل ثمّ الاعتقاد به و عقد القلب عليه و هو كما في التوحيد و النبوّة و الإمامة و المعاد.

ففي هذا القسم لا ينبغي التأمّل في عدم جواز الاكتفاء بالظنّ، لأنّ الواجب عقلًا و شرعاً إنّما هو المعرفة، و الظنّ ليس بمعرفة قطعاً، فلا بدّ من تحصيل العلم لو أمكن، و مع العجز عنه يصير معذوراً، و لا دليل حينئذٍ على جريان مقدّمات الانسداد، أي لا استقلال للعقل بوجوب تحصيل الظنّ مع اليأس عن تحصيل العلم في المقام، لو لم نقل باستقلاله بعدم وجوبه بل بعدم جوازه.

القسم الثالث: ما يشكّ في وجوب المعرفة التفصيلية به و عدمه، فأصالة البراءة من وجوبها محكّمة (و لا تختصّ أصالة البراءة بالفروع العمليّة لعموم أدلّتها)، و حينئذٍ لا معنى لجريان مقدّمات الانسداد.

إن قلت: المرجع عند الشكّ هو عموم وجوب المعرفة المستفاد من قوله تعالى: «وَ مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنسَ إِلّا لِيَعْبُدُونِي» (1) الذي فسّرت العبادة فيه بالمعرفة، و قوله (صلى الله عليه و آله): «ما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصّلاة» (2) و عمومات وجوب التفقّه و طلب العلم من الآيات و الرّوايات.

قلنا: لا دلالة لشي‏ء ممّا ذكر من الآيات و الرّوايات بالعموم على وجوب المعرفة في جميع المسائل الاعتقاديّة تفصيلًا.

أمّا قوله تعالى: «و ما خلقت» فلأنّ المستفاد منه هو خصوص معرفة اللَّه لا معرفة من سواه، و أمّا النبوي المذكور فلأنّه في مقام بيان فضيلة الصّلاة و أهميّتها و لا يستفاد منه إطلاق و لا عموم لوجوب المعرفة.

____________

(1) سورة الذاريات: الآية 56.

(2) وسائل الشيعة: الباب 10، من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها، ح 1.

447

و أمّا آية النفر فلأنّها في مقام بيان كيفية النفر للتفقّه لا في مقام بيان ما يجب فقهه و معرفته كما لا يخفى.

و أمّا ما دلّ على وجوب طلب العلم فلأنّه في صدد الحثّ على طلب العلم لا في مقام بيان ما يجب علمه.

فظهر ممّا ذكر جميعاً عدم جريان مقدّمات الانسداد في الامور الاعتقاديّة بجميع أقسامها و صورها.

هذا ملخّص كلامهم و محصّل استدلالهم.

أقول: لا كلام لنا في هذه المقالة إلّا بالنسبة إلى القسم الثاني منها، حيث إنّهما أنكرا فيه استقلال العقل بحسن تحصيل الظنّ و الاعتقاد بالمظنون في الامور الاعتقاديّة في فرض الانسداد، و بالنتيجة رجّحا عدم الاعتقاد مطلقاً بالمذهب المظنون مع أنّه من المستبعد جدّاً حكم العقل به بل العقل يحكم بعدم التوقّف و السكون و اختيار أحد الطرق غير العلمي (و هو الظنّ لا محالة) لما يرى في التوقّف الاعتقادي من الضلالة و الهلاكة القطعيّة.

و يشهد بذلك شهادة صاحب كلّ مسلك من المسالك و شارع كلّ شريعة من الشرائع بعدم جواز التوقّف مضافاً إلى حكمه بوجوب طيّ طريقه الخاصّ به، فهم متّفقون على الهلكة على فرض التوقّف.

و هذا نظير السالك الذي قدم إلى مفترق الطرق، على رأس كلّ منها إنسان يدعو إلى سلوك طريقه و ينهى عن سلوك الطرق الاخر مع اتّفاق الجميع على وجوب استمرار المشي و وجود الهلكة و الضرر في التوقّف فلا إشكال حينئذٍ في حكم العقل بإدامة الحركة و السلوك في الطريق الذي يظنّ انتهائه إلى المقصود و نيل النجاح.

الأمر الثاني: عدم جواز الاكتفاء بالظنّ في حال الانفتاح‏

لا إشكال في عدم جواز الاكتفاء بالظنّ فيما يجب معرفته عقلًا أو شرعاً في حال الانفتاح، حيث إن الظنّ ليس بمعرفة قطعاً كما مرّ آنفاً في بيان الشيخ الأعظم و المحقّق الخراساني (رحمه الله)، فلا بدّ من تحصيل العلم فيما إذا كان المكلّف قادراً عليه و مع العجز يكون معذوراً إن كان عن قصور

448

لغفلة أو لغموضة المطلب مع قلّة الاستعداد، بخلاف ما إذا كان عن تقصير في الاجتهاد و الفحص فليس معذوراً بلا ريب.

لكن ربّما يتوهّم أنّه لا يتصوّر هنا العجز عن قصور، و ذلك لقوله تعالى: «وَ الَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا» (1) لدلالته على انفتاح الطريق في جميع الحالات، و الطريق هو الجهاد في سبيل الوصول إلى الحقّ، فقد وعد اللَّه تعالى في هذه الآية أنّ كلّ من جاهد في الحقّ و تفحّص عنه يهتدي إلى سبيل الهداية و يصل إلى مطلوبه و هو الحقّ، و أكّد على ذلك بتأكيدات عديدة من اللام و النون الواردين في قوله تعالى «لنهدينّهم» و فعل المضارع الدالّ على الاستمرار.

و أجاب بعضهم عن هذا بأنّه ليس المراد من المجاهدة الواردة في الآية النظر و الاجتهاد في تحصيل العلم و المعرفة بل هو المجاهدة مع النفس التي هي أكبر من الجهاد مع الكفّار فالآية أجنبية عن المقام.

أقول: قد ذكر في كتب التفاسير في معنى الجهاد الوارد في الآية احتمالات ثلاثة:

أحدها: أنّ المراد منه هو الجهاد مع الكفّار فيكون المعنى «و الذين جاهدوا مع عدوّنا لنهدينّهم سبل الفتح و الظفر».

و الثاني: أنّ المراد هو الجهاد مع النفس أي العدوّ النفساني كما مرّ.

الثالث: الجهاد في سبيل المعرفة، أي الجهاد العلمي في قبال الجهاد الأخلاقي و العسكري، (و قد وقع الخلط في بعض الكلمات حيث أورد فيها في مقام تفسير الآية بحث فلسفي معروف، و هو ما قال به بعض الفلاسفة من أنّه ليس التفكّر وسيلة للعلم بل أنّه يوجب استعداد النفس لإفاضة الصور العلمية عليها و قبولها من جانب الفيّاض المطلق).

قلت: الإنصاف أنّه لا دليل و لا قرينة على تقييد الآية و تحديد مفاد كلمة الجهاد فيها بمعنى خاصّ من المعاني الثلاثة بل مقتضى إطلاقها شمولها لجميع الثلاثة، فيبقى الإشكال على حاله خصوصاً مع الالتفات إلى ما نشاهده بوجداننا في كثير من الناس من القصور و عدم التقصير في سبيل معرفة اللَّه بين النصارى و اليهود و سائر المذاهب و في سبيل معرفة الإمام بين غير العارفين.

____________

(1) سورة العنكبوت: الآية 69.

449

و الذي يخطر بالبال في الجواب عن الإشكال (على العجالة إلى أن يتأمّل فيه) أحد وجهين:

الوجه الأوّل: أن يخصّص قوله «فينا» بخصوص معرفة اللَّه و نلتزم بعدم تصوّر القصور فيها لشهادة الوجدان و حكم الفطرة في هذا الباب.

الوجه الثاني: أن نقول: أنّ المراد بالجهاد هنا هو نهاية السعي و الاجتهاد لا مجرّد المقدار الواجب على الإنسان في هذه الامور بل أقصى جهده و آخر ما يمكن منه فيكون معنى الآية كلّ من بذل نهاية مجهوده و أقصى جهده يهتدي إلى سبيل الحقّ و يصل إلى المقصود و ليس جميع القاصرين يجهدون هذا المبلغ من الجهاد.

الأمر الثالث: في تأثير الظّنون غير الحجّة في الأدلة الظنيّة

و يتصوّر على خمسة وجوه:

الأوّل: جبران ضعف السند بدليل ظنّي كما إذا قامت الشهرة على العمل برواية ضعيفة.

الثاني: عكس الأوّل، أي وهن سند معتبر بدليل ظنّي قام على خلافه كإعراض المشهور عن العمل برواية معتبرة بحسب السند.

الثالث: تأثير الظنّ في تقوية الدلالة، كما إذا قامت الشهرة على أخذ أحد الاحتمالات في مدلول الرّواية.

الرابع: عكس الثالث، أي وهن الدلالة بإعراض المشهور مثلًا.

الخامس: ترجيح إحدى الروايتين على الاخرى بدليل ظنّي كالشهرة.

هذه موارد مبتلى بها في الفقه و يبحث عن الصورة الأخيرة في أبواب التعادل و التراجيح (فانتظر)، و قد أشرنا إلى باقي الوجوه إجمالًا في تضاعيف ما مرّت من الأبحاث السابقة، و ينبغي أن يبحث عنها في فصل مستقل و ينفتح لها عنوان على حدة، و لذلك نقول:

أمّا الوجه الأوّل: فالإنصاف أنّه لا إشكال في جبر ضعف الرّواية الضعيفة بعمل مشهور قدماء الأصحاب، و ذلك لما مرّ في مبحث حجّية خبر الواحد من أنّ السيرة العقلائيّة قامت على حجّية الخبر الموثوق به (و لو لم تكن رواته ثقات) و أنّ الملاك في الحجّية هو الوثوق بنفس الخبر و صدوره عن المعصوم لا الوثوق بالمخبر، و الإنصاف أنّ الشهرة القدمائيّة توجب‏

450

الوثوق بالصدور فتوجب جبر الضعف الناشئ من ناحية السند.

كما أنّها في‏ الوجه الثاني‏ توجب الوهن في السند إذا قامت على خلاف رواية معتبرة كانت بمرأى من الأصحاب، و هو المقصود من قولهم: «كلّما ازداد صحّة ازداد وهناً» كما أنّ في صورة العكس «كلّما ازداد وهناً ازداد صحّة» و قد مرّ بيانها، و بين الجواب عمّا ذهب إليه بعض أعاظم العصر من أنّه من قبيل ضمّ العدم إلى العدم فراجع.

أمّا الوجه الثالث: فالصحيح فيه ما هو المشهور من أنّ الشهرة الفتوائيّة لا توجب قوّة في الدلالة لأنّ الملاك في باب الدلالات عبارة عن الظهور العرفي، و لا إشكال في أنّ عمل المشهور على طبق رواية لا يوجب لها ظهوراً في نظر العرف، إلّا أن يكشف هذا عن وجود قرينة وصلت إليهم و لم تصل إلينا.

و أمّا الوجه الرابع: (و هو عكس الثالث) فلا بدّ أن تلحظ ما تبنّاه في باب حجّية الظواهر، فإن قلنا هناك أنّ الظنّ الشخصي على خلاف ظهور دليل يوجب سقوطه عن الحجّية ففي المقام توجب الشهرة الوهن في الدلالة و عدم كون الظاهر حجّة، لكن الصحيح في باب حجّية الظواهر كفاية الظنّ النوعي و بقاؤها على الحجّية و كونها قابلة للاحتجاج عند العرف و العقلاء و إن حصل الظنّ الشخصي على خلافها.

نعم، لو كان في البين قرائن تقتضي الظنّ النوعي على الخلاف، أي الالتفات إليها موجب للظنّ على الخلاف غالباً بحيث يكون الظنّ على خلاف الظاهر معتمداً على قرينة، ففي هذه الحالة لا إشكال في عدم قابلية مثل هذا الظهور اللفظي للاحتجاج فيسقط الظهور عن الحجّية.

هذا تمام الكلام في البحث عن حجّية مطلق الظنّ.

451

6- حجّية الدليل العقلي الظنّي‏

و يبحث فيه بالمناسبة أيضاً عن الأدلّة العقليّة القطعيّة، فيقع البحث في مقامين:

المقام الأوّل- الأدلّة العقليّة القطعيّة

و هو من المباحث التي سقطت عن الاصول في الفترة الأخيرة فحذفت من مثل رسائل الشيخ الأعظم و كفاية الاصول للمحقّق الخراساني رحمهما الله مع أنّهم عدّوا من الأدلّة دليل العقل و جعلوه أحد الأدلّة الأربعة للأحكام الشرعيّة، (كما أنّهم لم يبحثوا بصورة عامّة عن سائر الأدلّة بل اكتفوا في دليل الكتاب بالبحث عن حجّية ظواهره في قبال الأخباريين القائلين بعدم حجّيتها، و في دليل السنّة بالبحث عن حجّية خبر الواحد فقط، و في الإجماع بالبحث عن الإجماع المنقول فقط).

و لعلّ الوجه في ذلك كون حجّية العقل مفروغ عنها في نظرهم، مع أنّه ليس كذلك كما سيتّضح لك عند ما ننقل مقالة الأشاعرة و الأخباريين و الأدلّة التي استدلّوا بها على نفي حجّية العقل.

و كيف كان: الحقّ أنّ من الأدلّة الفقهيّة في أحكام الشرع دليل العقل و أنّ الملازمة ثابتة بين حكم العقل و الشرع، و في مقابل هذا القول أقوال اخر:

منها: قول الأشاعرة، و الظاهر أنّهم أنكروا الملازمة في تمام مراحلها الثلاثة التي ستأتي الإشارة إليها عن قريب.

و منها: قول الأخباريين‏، الذين أنكروا إدراك العقل للحسن و القبح بعد قبولهم حسن الأفعال و قبحها ذاتاً.

و منها: قول الاصوليين‏، الذين فصّلوا في هذه المسألة بما سيأتي البحث عنه.

ثمّ إنّ لدلالة العقل على الأحكام الشرعيّة مراتب ثلاثة:

452

إحداها: مرتبة علل الأحكام و مباديها.

الثانية: مرتبة معلولاتها.

الثالثة: مرتبة نفس الحكم.

توضيح ذلك: أنّه‏ تارةً يحكم العقل بحسن العدل و الاحسان و قبح الظلم، أي يدرك مصلحة العدل و الاحسان و مفسدة الظلم، و لا يخفى أنّ المصالح و المفاسد بمنزلة علل الأحكام، فنستكشف من ناحيتها الوجوب الشرعي أو الحرمة الشرعيّة.

و اخرى‏ يحكم العقل أوّلًا بقبح العقاب بلا بيان ثمّ يستكشف من ناحية عدم «العقاب» الذي هو من معلولات الأحكام عدم الوجوب و الحرمة الفعليين و يسمّى هذا بالبراءة العقليّة الدالّة على نفي حكم إلزامي شرعي، أو يحكم في موارد العلم الإجمالي في الشبهات المحصورة أولًا بتنجّزه و كونه منجّزاً للعقاب الاخروي ثمّ يستكشف منه فعلية الحكم الشرعي في أطراف الشبهة.

و ثالثة: يكشف العقل عن حكم شرعي مجهول من ناحية حكم شرعي آخر معلوم بوجود الملازمة بينهما عند العقل كالملازمة بين الأمر بشي‏ء و النهي عن ضدّه أو الملازمة بين وجوب المقدّمة و وجوب ذي المقدّمة.

و الظاهر أنّ الأشاعرة و الأخباريين خالفوا الاصوليين في جميع هذه المراتب و لكن بعض الاصوليين فصّلوا في المسألة بالنسبة إلى المرتبة الاولى كما اشير إليه آنفاً.

الكلام في مسألة الحسن و القبح‏

إذا عرفت هذا فلنشرع في أصل المسألة فنقول:

أمّا المرحلة الاولى: فيقع الكلام فيها في ثلاث مقامات:

الأوّل: في أنّه هل للأشياء حسن أو قبح ذاتاً قبل ورود الشرع أو لا؟

الثاني: في إمكان إدراك العقل لهما بعد أن ثبتت ذاتيّتهما للأشياء.

الثالث: في أنّه كلّما حكم به العقل حكم به الشرع.

فلا يخفى أنّ المقامين الأوّلين بمنزلة الصغرى، و المقام الثالث بمنزلة الكبرى لإثبات الحكم الشرعي.

453

المقام الأوّل: هل للأشياء حسن و قبح ذاتاً؟

فلا بدّ فيه أوّلًا من تعريف الحسن و القبح إجمالًا، فنقول: المراد من حسن الفعل و قبحه ما يستحقّ المدح أو الذمّ على إتيانه، فالنزاع عنهما مقصور في عالم الأفعال و لا يشمل عالم التكوين، فإنّه لا إشكال في أنّ هناك أشياء حسنة كحسن جمال يوسف و حسن صوت العندليب و حسن كواكب السماء و غيرها، كما أنّ هناك أشياء قبيحة من قبيل قبح صوت الحمير و غيره، فالبحث في المقام مرتبط بحسن الأفعال و قبحها لا حسن الأشياء التكوينيّة و قبحها.

نعم، لا إشكال في أنّ حسن الفعل أو قبحه ناشٍ من شي‏ء تكويني حسن أو شي‏ء تكويني قبيح لا محالة، فالاحسان حسن لأنّه موجب لكمال الفرد و المجتمع خارجاً، و الظلم قبيح لأنّه موجب لنقصانهما كذلك، و هذا هو الذي يعبّر عنه في أيّامنا هذه بأنّ لزوم الأفعال و لزوم تركها يرتبطان بالوجودات و الاعدام الخارجيّة التكوينيّة، و ينشآن منهما (و يعبّر عنه أيضاً بارتباط معرفة الكون و الايدئولوجي) فقتل النفس قبيح لأنّه يوجب حرمان إنسان من الوجود، و إشباع العطشان بالماء حسن لإيجابه إحياء النفس، و الأوّل نقص و الثاني كمال في عالم التكوين.

نعم، قد يختلف الكمال و النقص بحسب الآراء و الأنظار، فالإنسان الإلهي يرى الكمال في القرب إلى اللَّه تعالى و النقص في البعد عنه حينما يريهما الإنسان المادّي في رفاه العيش و عدمه، و هناك امور مشتركة بين جميع المذاهب البشريّة مثل حسن العدل و الإحسان و قبح الظلم و العدوان.

إذا عرفت‏ ما ذكرنا من معنى الحسن و القبح نقول: لا إشكال في حسن الأفعال و قبحها ذاتاً و يدلّ عليه امور:

الأوّل: الوجدان، فإنّ وجدان كلّ إنسان يحكم بأنّ هناك أفعالًا حسنة ذاتاً و أفعالًا اخرى قبيحة كذلك، و المنكر ينكره باللسان و قلبه مطمئن بالإيمان، نظير ما يقال في باب الجبر و الاختيار في علم الكلام في قبال الجبريّة، و في باب أصل وجود أشياء في عالم الخارج في الفلسفة من أنّ الوجدان أصدق شاهد على اختيار الإنسان و وجود الواقع الخارجي، و بالجملة إنّا ندرك حسن العدل و الإحسان و قبح الظلم و العدوان و لو لم تكن هناك شريعة.

454

و إن شئت فاختبر نفسك فيما إذا كنت عابر سبيل و مسافراً لمقصد بعيد فنفد زادك و ضللت عن الطريق مضطرباً حيران فإذا رجلان قد مرّا بك و لكن أحدهما استمر في سيرة و لم يَعتَنِ بك مع قدرته على نجاتك من هذه المهلكة بما عنده من الزاد و المركب، و توقّف الآخر و آثر بنفسه بقدر استطاعته و أنجاك من المهلكة و دلّك على الطريق و أوصلك إلى مقصدك، فهل هما حينئذٍ عندك سيّان؟ أ فلا يحكم وجدانك بقبح عمل الأوّل و حسن فعل الثاني؟ و هكذا في رجلين أحدهما أنقذ غريقاً من البحر و الآخر ألقى رضيعاً في البحر، فهل تجد في نفسك إنّهما يستويان من حيث القدر و القيمة؟ كلّا، بل يحكم وجدانك بحسن عمل الأوّل و قبح عمل الثاني بلا ريب، و لا ترتاب و لو للحظة واحدة في هذا الحكم.

الثاني: أنّ إنكار الحسن و القبح يستلزم إنكار الشريعة و عدم إمكان إثباتها لأنّه متوقّف على إظهار المعجزة على يد النبي الصادق (صلى الله عليه و آله) و هو لا يدلّ على صحّة النبوّة إلّا إذا قلنا بقبح إظهارها على يد الكاذب، و كذلك يستلزم عدم إمكان قبول الوعد و الوعيد الواردين في كتاب اللَّه لأنّه يتوقّف على قبح الكذب و عدم الوفاء بالوعد.

الثالث: إنّه يستلزم عدم وجوب النظر في معجزة المدّعى مع أنّه لا إشكال في وجوبه اتّفاقاً بحكم العقل لاحتمال كونه صادقاً، و هو يوجب احتمال وجود الضرر الاخروي الذي يقبح قبوله، و لذلك يوجب حكم العقل بالاحتياط و وجوب النظر و هكذا يستلزم عدم وجوب التحقيق في أصل التوحيد لأنّه متوقّف على قبح عدم دفع الضرر المحتمل و حسن شكر المنعم.

الرابع: أنّه يستلزم عدم إمكان إثبات وجوب الطاعة بعد ثبوت أصل وجود الباري تعالى و ثبوت نبيّه و الذي جاء به من الاصول و الفروع لأنّه متفرّع على ثبوت حسن لها في الرتبة السابقة فيحكم العقل بوجوبها، و أمّا إثباته بالشرع و بقوله تعالى: «أطيعوا» يوجب التسلسل المحال كما مرّ غير مرّة لأنّ وجوب الإطاعة عن نفس هذا الأمر (أطيعوا) أيضاً يحتاج إلى أمر آخر بالإطاعة إلى أن يتسلسل.

الخامس: ما يدلّ من الآيات على حسن بعض الأفعال و قبح بعض آخر قبل ورود الشرع من قبيل قوله تعالى: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَ الْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ‏

455

الْخَبَائِثَ» (1) و قوله تعالى: «أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ‏ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ» (2).

و قوله عزّ شأنه: «هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلّا الإِحْسَانُ» (3) و قوله جلّ جلاله‏ «قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ‏ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَ مَا بَطَنَ» (4) و قوله عظم قدره: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الإِحْسَانِ‏ وَ إِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَ يَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَ الْمُنكَرِ» (5) ففي هذه الآيات و أشباهها دلالة واضحة على ثبوت الحسن و القبح بحكم العقل، و قبل ورود الشرع، و لذا يحتجّ بها على إثبات الحقائق الواردة في الكتاب الكريم.

بقي هنا امور:

الأمر الأوّل: قد يقال: إنّ الحسن و القبح و إن كانا عقليين لكنّهما يختلفان بالوجوه و الاعتبار، فإنّ الضرب مثلًا حسن إن كان للتأديب، و قبيح إن كان للتعذيب، و كذلك القتل فإنّه حسن باعتبار القصاص، و قبيح باعتبار الجناية، و قد نسب هذا إلى قوم من العامّة و هم الجبائيون.

و لكن يرد عليه: أنّه من قبيل الأخذ لما بالعرض مكان ما بالذات، ففي مثال الضرب ليس عنوان الضرب حسناً أو قبيحاً ذاتاً بل حسنه في صورة التأديب يكون بالعرض و من باب أنّه مصداق للاحسان، كما أنّ قبحه في صورة التعذيب عرضي من باب أنّه مصداق للظلم، فالحسن و القبيح الذاتيان إنّما هما عنوانا الاحسان و الظلم لا عنوان الضرب.

و إن شئت قلت: الأفعال على ثلاثة أقسام:

قسم منها يكون بحسب الذات علّة تامّة للحسن أو القبح كالظلم و الاحسان.

____________

(1) سورة الأعراف: الآية 157.

(2) سورة ص: الآية 28.

(3) سورة الرحمن: الآية 60.

(4) سورة الأعراف: الآية 33.

(5) سورة النحل: الآية 90.

456

و قسم منها يكون مقتضياً و علّة ناقصة لأحدهما في حدّ ذاته كالصدق الذي يقتضي الحسن ذاتاً ما لم يمنع مانع كما إذا أوجب القاء النفس في التهلكة.

و قسم ثالث منها ليس علة تامّة للحسن أو القبح في حدّ ذاته و لا علّة ناقصة لأحدهما كذلك كالمباحات العقليّة، فما يكون حسناً أو قبيحاً بالوجوه و الاعتبار إنّما هو القسم الثاني و الثالث لا الأوّل.

و من هنا يظهر الجواب عن كثير من الإشكالات الواردة في المقام التي لا طائل تحتها و لا حاجة إلى ذكرها.

الأمر الثاني: لا إشكال في أنّ حكم العقل بالحسن أو القبح مقبول على حدّ الموجبة الجزئيّة لا الكلّية، و لا يقول أحد بأنّ العقل يدرك جميع المصالح و المفاسد و ما يتبعهما من الحسن و القبح، و لذلك فإنّ دلالته على الأحكام الشرعيّة تكون في الجملة لا بالجملة.

و إن شئت قلت: أنّ القضايا على ثلاثة أنواع:

نوع منها يدرك العقل الحسن أو القبيح فيها بالضرورة و البداهة كقضيتي «العدل حسن» و «الظلم قبيح».

و نوع آخر يكون درك العقل للحسن أو القبح فيها بالاستدلال و البرهان كقضية «الصدق حسن» و لو أضرّ بمنفعة الشخص، فيدرك حسن الصدق الضارّ بالتأمّل و النظر.

و نوع ثالث منها لا يدرك العقل الحسن أو القبح فيها لا بالضرورة و لا بالتأمّل و ذلك كما في جزئيات الأحكام الشرعيّة في أبواب العبادات و غيرها، و بعبارة اخرى: يحتاج العقل في إدراكه للحسن أو القبح فيها إلى توسّط من الشرع لأنّه يتوقّف على درك المصلحة أو المفسدة و عللها، و هي امور خارجيّة لا طريق للعقل إلى الحصول عليها إلّا من طريق الشرع، و هذا نظير إدراك العوام لمضارّ الأدوية و منافعها فإنّ إدراكهم لها جزئي صادق في جملة من الأدوية، و أمّا في غيرها فيحتاجون إلى نظر الطبيب.

و من هنا يظهر الجواب عن استدلال الأخباريين ببعض الرّوايات الدالّة على قصور العقل في إدراكه لمصالح الأحكام و مفاسدها كقوله (عليه السلام) «إنّ دين اللَّه لا يصاب بالعقول» أو قوله (عليه السلام) «و ما أبعد عقول الرجال عن دين اللَّه» فإنّ الظاهر أنّ هذه الرّوايات ناظرة إلى الغالب و القسم الثالث من القضايا، و لا تدلّ على نفي الإدراك مطلقاً، كيف و الشارع بنفسه يستدلّ بالعقل في‏