بحوث في علم الأصول - ج5

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
533 /
453

متضادان، لأن ظرف العجز هو الآن الثاني، و الأمر بالأهم يسقط في الآن الثاني، بينما الأمر بالأهم موجود في الآن الأول، و لا موجب لسقوطه، إذن فيجتمع الأمران لأنهما فعليّين.

و إن شئت قلت: إنّ العصيان ليس علة لسقوط الأمر، و إنّما العلة لسقوطه إنّما هو العجز عن- امتثال التكليف: إذن فظرف العصيان ليس هو ظرف العجز، إذ العصيان هو إعمال القدرة في الترك، و ظرف إعمال القدرة هو ظرف القدرة، إذن يستحيل أن يكون ظرف العصيان هو ظرف العجز، لاستحالة اجتماع الضدين في زمان واحد، و لو كانا في رتبتين.

و بهذا يتّضح أنه في ظرف العصيان يكون الأمر باقيا على موضوعه، و غير ساقط، و لكنه يسقط بعد العجز الذي يكون في طول العصيان زمانا، و أمّا الامتثال فإنّه يعني إعمال القدرة في ظرف الفعل، فيكون في ظرفه موجودا غير ساقط.

و بهذا يجاب على الإشكال الأول عند ما ادّعي فيه أنه: يلزم تقدم الأمر على الامتثال زمانا بدعوى أن الامتثال علة لسقوط الأمر، و العلة معاصرة زمانا للمعلول، مع أنه لا يمكن أن يكون زمان فعلية الأمر هو زمان الامتثال، فالإشكال مندفع أيضا.

ثم أنه قد بقيت تتمة للإشكال الأول الجانبي حيث أننا تصورنا فيه أنّ العصيان سواء أخذ على نحو الشرط المتقدم، أو المقارن، أو المتأخر، فإنه في كل هذه الأنحاء يواجه مشكلة قد عرفتها فيما تقدّم. هذا كله فيما إذا كان الشرط هو العصيان، و أمّا إذا فرض أخذ العزم على العصيان شرطا في فعلية الأمر بالمهم، فيكون حينئذ من باب الشرط المتقدم أو المقارن، و بذلك قد تهون المشكلة.

و قد علّق كل من المحقق الأصفهاني و النائيني (قده) على ذلك، و كان‏

454

حاصل ما علقه المحقق الأصفهاني‏ (1) هو: إنّ أخذ العزم على عصيان الأمر بالأهم شرطا في فعلية الأمر بالمهم، يلزم منه محذور الواجب المعلّق مضافا إلى محذور الشرط المتقدم.

و توضيح ذلك، هو: إنّ الأمر بالمهم إنّ كان في زمن العزم على العصيان المتقدم على زمان العصيان نفسه، إذن نقع في محذور الواجب المعلّق، لأن زمان الواجب المهم إنّما هو زمان العصيان المتأخر بحسب الفرض عن زمان العزم على العصيان، فإذا كان زمان العزم على العصيان هو زمان الأمر بالمهم، إذن فهو الواجب المعلّق، و إن فرض أن زمانه زمان العصيان المتأخر عن زمان العزم، إذن وقع محذور الشرط المتقدم، لأن العزم متقدم زمانا على الوجوب «المهم» المشروط: و إن فرض أن زمان الوجوب المشروط يحدث وسطا بين زمان العزم و زمان العصيان، إذن لزم المحذوران معا.

و جوابنا هو: إنّ الوجوب الترتبي لا يعقل تصوره من دون أن تفترضه مشروطا بالعزم الثابت على العصيان، في آن العصيان لا مطلق العزم، إذ لا يكفي آن ما قبل العصيان، لأنه قد يرتفع هذا العزم «بالبداء» و مع الارتفاع يحصل التصادم بين الأمرين بالضدين، «الأهم و المهم»، و لا يكفي في ارتفاع التصادم بين المهم و الأهم، كون المهم مشروطا «بالعزم» قبل آن العصيان، إذ معناه إطلاق العزم لفرض ما إذا حدث عنده «بداء» على ترك عصيان الأمر بالأهم، و معنى ذلك، أنه يكون الأمر بالمهم فعليّا حتى مع «البداء» و تبدل العزم، و حينئذ تحصل المنافاة و المطاردة بين الأمرين بالضدين، إذن فلا بدّ معه من كون الأمر بالمهم مشروطا بالعزم الثابت على عصيان الأهم، حال عصيان الأهم، و آن عصيانه، و حينئذ إن أخذ العزم شرطا مقارنا، فلا يلزم شي‏ء ممّا ذكر من الإشكالات.

____________

(1) نهاية الدراية: ج 2 من المجلد الأول ص 24- المطبعة العلمية بقم.

455

و لكن التحقيق هو أنّ العزم على العصيان في حال و آن العصيان، هو كنفس العصيان، فإمّا أن يؤخذ بنحو الشرط المقارن للأمر بالمهم من حينه، أو بنحو الشرط المتأخر للأمر بالمهم من قبل.

و بهذا يظهر أن لا مكسب في تبديل الشرط و الانتقال من شرطية العصيان إلى شرطية العزم على العصيان، لأن العزم على العصيان، هو كالعصيان فما جرى فيه يجري فيه.

و أمّا ما علق به المحقق النائيني‏ (1) على فكرة أخذ العزم على عصيان الأهم شرطا في موضوع المهم، فمجمله هو: إنّه إذا كانت فكرة أخذ العصيان سيئة، فإنّ فكرة أخذ العزم على العصيان تكون أسوأ، فإنّها سوف تعمّق من محذور الاستحالة، و ترفع ببرهان إمكان الترتب إلى حد الاستحالة، بينما كانت مسألة المنافاة و المطاردة بين الأمرين بالضدين المهم و الأهم، ممكنة الاندفاع عند أخذ العصيان شرطا، إذن فأخذ العزم شرطا يعمّق الإشكال.

و توضيح ما قرّب به ذلك يتوقّف على استحضار و أفكار الميرزا (قده) في إمكان إثبات الترتب، فنذكر مجمل أفكاره هذه حيث يدّعي الميرزا (قده) أنّ الميزان في اندفاع المزاحمة و المصادمة بين الأهم و المهم، و الذي به يمكن تعقل إمكان الترتب، هو كون الأمر بالأهم يقتضي بذاته انهدام موضوع الأمر بالمهم و طرده، و هذا يتمّ فيما إذا فرض أنّ موضوع المهم كان هو عصيان الأهم، إذ إنّ الأمر بالأهم يقتضي بذاته طرد و هدم عصيان نفسه، و قد فرضنا أنّ عصيان نفسه هو موضوع الأمر بالمهم، إذن فمقتضى الأمر بالأهم هدم موضوع المهم، و معه يستحيل التزاحم بينهما للطولية الحاصلة بذلك.

فالخلاصة: إنّ الميزان الذي تعقّلنا به إمكان الترتب، يقتضي كون عصيان الأمر بالأهم ممّا يترتب عليه فعليّة الأمر بالمهم، و لا يكفي في دفع‏

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي: ج 1 ص 216- 238 أجود التقريرات الخوئي: ج 1 ص 306.

456

المحذور أخذ العزم على عصيان الأهم في موضوع الأمر بالمهم، إذ إنّ تلك النكتة عينها و هي كون موضوع المهم هو عصيان الأهم، و حينئذ فإنّ مجرد الأمر بالأهم يقتضي بذاته هدم و طرد عصيان نفسه أولا و بالذات، و مع عدم طرد العصيان يصبح الأمر بالمهم فعليا، و به يرتفع محذور المنافاة و المطاردة بين الأمرين بالضدين للطولية بينهما حينئذ.

أمّا لو أخذ «العزم» على عصيان الأهم شرطا في موضوع المهم، أو فقل بالتعبير السلبي، لو أخذ في موضوع المهم عدم البناء- الذي هو «العزم»- على امتثال الأهم، فإنّ هذا لا يقتضي بذاته طرد و هدم الأمر بالمهم، لأنّ الأمر بالأهم إنّما يقتضي طرد نقيض متعلّقه الذي هو العصيان، و إيجاد ذات متعلقه و هو ذات الفعل الأهم، و نقيض متعلّق الأهم هو «العصيان» دون «العزم»، إذ إنّ الأهم لا يقتضي بذاته طرد و هدم «العزم» على عصيان الأهم أي: «العزم» على تركه، و إلّا فإنّه لو أخذ «العزم» على «العصيان» شرطا في موضوع المهم، فإنّه حينئذ، يفقد الترتّب نكتته المستدعية لإمكانه، إذ لعلّ المكلّف «يعزم» على عصيان الأهم و لكنه «يبدو له» فلا يعصيه، فإنّه حينئذ لا يكون الأمر بالمهم فعليا.

و ما ذكره المحقق الميرزا (قده) غير صحيح، و فيه مواقع للنظر:

1- الموقع الأول: هو إنّ الأمر بالأهم لا يكون مقتضيا للفعل أو للترك ابتداء، كما هو الحال في المقتضيات التكوينية، فإنّه فيها الأمر كما ذكر، فإننا عند ما نجر شخصا بيدنا لنجعله يمشي، فإنّ يدنا مقتضيا تكوينيا لمشي الشخص.

لكن الأمر في محل الكلام ليس كما ذكر، فإنّ الأمر بالأهم في المقام، إنّما يكون محركا لإرادة المكلّف، و باعثا و داعيا في نفسه، إذن مقتضاه الأول هو إيجاد الداعي، و العزم على إيقاع الفعل، و عدم إيقاع الترك، بمعنى أنّ مقتضاه طرد عدم العزم على إيجاد متعلقه، أو طرد العزم على عصيان متعلقه، أولا و بالذات.

457

إذن فدعوى أنّ ما يقتضيه الأمر بالأهم بذاته هو ذات الفعل و المتعلق، إنّما هو قياس للأمر على المقتضيات التكوينيّة، بل إنّ ما هو مقتضى الأمر الأولي، إنّما هو اختيار الإنسان.

و عليه فيمكن القول: إنّ الأمر بذاته يتطلب «بناء العزم» على الامتثال.

2- الموقع الثاني: هو أن ما أشار إليه السيد الخوئي (قده) (1) من أن هذا المطلب، و هو أخذ العزم شرطا، لا يتم إذا كان الأهم عباديا، بحيث تكون الإرادة و الاختيار دخيلة و مأخوذة في الواجب العبادي الأهم.

و حاصله، هو: إنّنا لو سلّمنا- قطع النظر عن الأول- و فرضنا أنّ الأوامر التوصليّة، لا تقتضي إلّا إتيان متعلقها، فكل أمر لا يقتضي إلّا إيجاد متعلقه، و طرد نقيض متعلقه، حينئذ نقول:

إنّ العزم و الإرادة جزء المتعلّق في باب العبادات، إذن فيكون الأمر مقتضيا «للعزم».

بل يمكن أن نسلك ما سلكه الميرزا (قده) (2) من أنّ الاختيار دائما يكون قيدا في متعلق الأمر، لأنّ التكليف يقتضي بطبعه تخصيص متعلقه بالحصة الاختيارية.

و عليه، فيكون الأمر مقتضيا بذاته «للعزم» و الاختيار، و طاردا ذلك حتى في الواجبات التوصليّة.

3- الموقع الثالث: و هو الأساس في الجواب، و هو: إنّ نكتة إمكان الترتب لا تتوقف على كون الأمر بالأهم مقتضيا بذاته لطرد موضوع الأمر بالمهم، و إنّما نكتة إمكان الترتب محفوظة بمجرد صدق اقتضاء الأمر بالأهم، أمرا يساوق طرد موضوع الأمر بالمهم، أو يقتضي إيجاد شي‏ء ينافر المهم،

____________

(1) محاضرات فياض: ج 3 ص 150.

(2) فوائد الأصول: ج 1 ص 224.

458

سواء أ كانت هذه المساوقة عينيّة بحيث أن الأهم يقتضي شيئا هو بعينه موضوع الأمر بالمهم، حتى كما في اجتماع الضدين معا في الخارج، أو ملازم له بحيث لا يتصور الانفكاك بينهما.

إذن فنكتة إمكان الترتب هي أن يكون الأمر بالأهم مقتضيا لإيجاد شي‏ء ينافر موضوع الأمر بالمهم، و هو محفوظ على كل حال.

فلو فرض أخذ العزم على عدم الإتيان الواجب العبادي الأهم في وجوب فعل المهم، فإنّ هذا يساوق خارجا مع عدم الإتيان بالمهم، فيكون الأمر بالأهم مقتضيا بذاته، لعدم طرد الأهم و عصيانه، و بالملازمة لهدم و طرد «العزم» على عصيانه، أو عدم «العزم» على امتثاله، لأنه لا يتصور عزم على عدم الإتيان بالأهم إلّا ملازما مع عدم الإتيان، و هذا يكفي في تحقق نكتة الترتب.

و حينئذ، فإذا كان فعل الأهم سنخ فعل لا يوجد و يتحقق إلّا بالإرادة، فواضح أنّ العزم على تركه يساوق الإرادة لا محالة، كما لو كان فعل الأهم «السلام و التحيّة» فإنّه لا يتصور صدورها إلّا بالإرادة، إذن فالعزم على عدم «التحيّة» مساوق لعدم صدورها، فالأمر «بالسلام»، الواجب الأهم»، و هذا كاف لإمكان الترتب.

و إن كان فعل الأهم سنخ فعل يمكن صدوره بلا اختيار، فقد يقال بعدم إمكان الترتب، لأنه لو فرض أنّ هذا الإنسان عزم على ترك الأهم، و لكن صدفة صدر منه، و عمل بخلاف عزمه، لأنه قد يصدر منه بلا اختيار، ففي مثل هذه السنخيّة من الأفعال، يلزم التكليف بغير المقدور، لأنه بمجرد عزمه على ترك الأهم، يصير المهم فعليّا، و المفروض أنه تلبس بفعل الأهم، إذن فيكون المهم فعليا أيضا مع فعليّة تلبسه بالأهم.

و لكن يجاب عليه بأن يقال: إنّه بالإمكان تقييد «العزم» بقيد زائد عليه، و هو قيد القدرة و الاختيار، حيث يكون «العزم» على فعل الأهم أو «العزم»

459

على تركه مقيّدا بالقدرة أو الاختيار، فيكون موضوع المهم هو «العزم» مع القدرة على الفعل و الترك معا، فيكون المجموع المركب منهما مساوقا مع الترك لا محالة.

فالنتيجة أنه كلّما فرض عزم على الترك مقيّد بالقدرة على الفعل و الترك، كان لا بدّ من فعلية الأمر بالمهم خارجا، مع توفر العزم و القدرة.

و بناء على ما تقدم، يتضح أنّ اقتضاء أحد الأمرين، «الأهم و المهم» لإيجاد شي‏ء يساوق طرد و هدم موضوع الآخر بالعينية أو بالملازمة، كاف في إمكان الترتب، بل حتى لو فرض محالا اجتماع الضدين خارجا، و قد جرى اقتضاء الأمرين فيهما، فلا يتّصف واحد من الأمرين بالفعلية و المطلوبية خارجا.

أمّا عدم مطلوبية الضد المهم، فلعدم تحقق شرطه باعتبار الضديّة، و أمّا عدم مطلوبية الأهم، فباعتبار العزم على تركه، إذن فلا يكونان معا فعليين لو كان ممكنا الجمع بين الضدين.

نعم لو كان ملاك إمكان الترتب هو التعدّد الرتبي و الطولية بين الأمرين، فإنّه حينئذ لا يمكن الأمر بالمهم مترتبا على «العزم» على عصيان الأهم، أو عدم العزم على امتثاله و عدم طرده، بل قد يتعيّن حينئذ أخذ «العصيان» شرطا في موضوع الأمر بالمهم، لأنّ الأمر بالمهم في طول موضوعه، و العصيان في طول الأمر بالأهم، أو فقل: لأنّ «العزم» على عصيان الأهم، أو عدم «العزم» على امتثاله، ليس في طول الأمر، أمّا عدم العزم على الامتثال، فعدم طوليته للأمر واضحة، إذا لعلّ ذلك يكون من ناحية عدم الأمر أصلا، و أمّا «العزم» على العصيان، فلأن العزم على عصيان الأمر بالأهم، موقوف على وجود الأمر في أفق العزم و حاق النفس، وجودا علميا للأمر، و ليس وجودا واقعيا.

لو كان هذا هو ملاك الترتب، لأمكن القول بعدم إمكانه، لأنه فرق بين العصيان و بين «العزم» على العصيان، فإنّ العصيان بوجوده الخارجي متوقف‏

460

على الأمر، إذ لا عصيان خارجا إذا لم يكن أمر، و حينئذ، إذا أخذ عصيان الأهم بوجوده الخارجي، أمكن القول: إنّ المهم في طول العصيان الخارجي للأهم، و العصيان الخارجي للأهم في طول الأمر بالأهم.

و لكن إذا أخذ «العزم» على عصيان الأمر بالأهم، أو عدم «العزم» على امتثاله، فهذا واضح، لأنّ عدم «العزم» ملائم مع عدم وجوده، و أمّا «العزم» على عصيانه فإنّه أيضا كذلك، إذ إنّ عزم إنسان على عصيان أمر إنّما هو فرع ثبوت الأمر في أفق عزمه في عالم نفسه على العصيان، لا فرع ثبوت الأمر خارجا، إذ كلّ متجرّ هو عازم على عصيان مولاه، فالعزم إنّما يتحقق من المتجرّين، و هو في طول ثبوت الأمر بوجوده العنواني، لا الحقيقي، إذن فلا طوليّة حينئذ بينهما.

إذن فينبغي أن يقال بالتفصيل بين العزم على العصيان و نفس العصيان.

و لكن الوجدان شاهد على خلاف ذلك، إذ إنّ كل مطلب يقتضي التفصيل فهو بنفسه كاشف وجداني عن بطلان المسلك الذي يقتضي هذا التفصيل، لأنّ نفس الوجدان القاضي بإمكان الترتب، هو نفسه قاض بعدم الفرق فيه بين الشرطين: بين أن يؤخذ في موضوع الأمر بالمهم ترك الأهم و عصيانه، أو «العزم» على تركه، إذن فهو كاشف إنّيّ عن قصور هذا المسلك، و إنّما الفذلكة الحقيقية لإمكان الترتب هي ما ذكرناه.

* 6- الجهة السادسة: في تحقيق المقدمات الخمس التي أفادها المحقق النائيني‏ (1) (قده)

لإثبات إمكان الأمر بالضدين على نحو الترتب.

و هذه المقدمات و إن كانت لا تخلو من مؤاخذات و مناقشات في بعض خصوصياتها و نكاتها، إلّا أنّ جوهر و روح إمكان الترتب، و إبطال شبهات المحيلين له، إنّما كانت بفضل توضيحات و تحقيقات هذا المحقق العظيم‏

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 198.

461

(قده)، و ها نحن نستعجل استعراض هذه المقدمات تباعا مجملا كفهرست لها، قبل الدخول في مناقشتها و بيانها.

أمّا المقدمة الأولى: فقد كانت تتكفّل ببيان ثمرة القول بالترتب، و ثمرة القول بعدم الترتب و توضيحا لحال الدليلين المتزاحمين «صلّ، و أزل» على القولين المختلفين، إمكانا و امتناعا.

و أمّا المقدمة الثانية: فقد كانت تتكفل ببيان أن الترتب لا يتوقف على الواجب المعلّق، و لا على الشرط المتأخر، كما تقدم في دفع الإشكالات الجانبيّة و أن القول بإمكان الترتب لا يلزم القائل به، لا بالواجب المعلّق، و لا بالشرط المتأخر.

و أمّا المقدمة الثالثة: فقد تكفلت بتوضيح و دفع بعض الشبهات و الإشكالات الجانبية و إنّ الأمر بالمهم مشروط بعصيان الأهم، لا يزاحم الأمر بالأهم، و لا يعقل أن يخاصمه و ينافيه.

و أمّا المقدمة الرابعة: فهي تتكفل ببيان أن الأمر بالأهم لا يعقل أن يزاحم الأمر بالمهم، أو ينافيه.

و أمّا المقدمة الخامسة (1): فقد تكفلت ببيان كيفيّة استنتاج النتيجة، و اقتناصها، من مضمون هذه المقدمات، ما دام أن الأمر بالمهم لا يعقل أن يزاحم الأمر بالأهم، و لا الأمر بالأهم يعقل أن يزاحم الأمر بالمهم، بل يعقل اجتماعهما، هذا مع التعرض إلى بعض الإشكالات و جوابها.

أمّا المقدمة الثالثة من هذه المقدمات فقد تقدم الكلام عن مضمونها في جهة مستقلة تحت عنوان (الإشكالات الجانبية في الترتب و ملاحظتها).

و أمّا المقدمة الأولى‏ (2) من هذه المقدمات، فقد تقدّم الكلام عنها في‏

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 209.

(2) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 198- 199.

462

جهة مستقلة من الجهات السابقة تحت عنوان (ثمرة الترتب) و كنّا نقول فيها:

إنّ ثمرة القول بإمكان الترتب، هو عدم وقوع التعارض بين خطاب الأمر بالمهم و خطاب الأمر بالأهم، بينما بناء على القول بامتناع الترتب يقع التعارض لا محالة بين الخطابين و الدليلين.

و لعلّ المحقق النائيني (قده) في هذه المقدمة يعبّر عن روح ما قلناه في أكبر الظن، و إن كان تعبيره موهما و يختلف عن صيغة تعبيرنا، حيث يقول الميرزا (قده) في هذه المقدمة الأولى ما خلاصته: إنّه إن قلنا بإمكان الترتب، فيجب أن نرفع اليد عن إطلاق خطاب المهم، «صلّ» و يصبح خطاب المهم، «صلّ»، بمقدار ما نقيّده بعصيان خطاب الأهم «أزل»، و أمّا بناء على امتناع الترتب فيجب أن نرفع اليد عن خطاب «صلّ» بنحو أكثر من ذلك.

و توضيح ذلك، هو: إنّ خطاب «صلّ» في نفسه يقتضي إيجاب الصلاة، سواء زاحم وجوب الأهم، «الإزالة» أو لم يزاحم، و سواء وقعت «الإزالة» خارجا، أو لم تقع، و لكن بعد وقوع المزاحمة بين الخطابين، يستحيل أن يبقى خطاب المهم «صلّ» على حاله، و حينئذ يجب أن نرفع اليد عن مقدار «ما» من إطلاقه، لأجل التخلّص من محذور التكليف بالضدين، و بما لا يطاق، و هذا المقدار الذي نرفع اليد عنه من إطلاق خطاب «صلّ»، مردد بين القليل و الكثير، فإذا بنينا على إمكان الترتب، فإننا نرفع اليد عن خطاب و دليل «صلّ» بفرض وقوع «الإزالة» خارجا، فنقيّد خطاب «صلّ» بما إذا لم «يزل»، لا بما إذا لم تجب «الإزالة» فيقال مثلا: بأنّ من لم «يزل» يجب عليه الصلاة، سواء أ كانت الإزالة واجبة في حقه، أو لم تكن واجبة في حقه، و ذلك إنّما كان لأن هذا المقدار يكفي لرفع غائلة الأمر بالضدين.

و بناء على هذا يمكن القول بالترتب فيؤخذ عدم امتثال الأهم في موضوع المهم.

و أمّا بناء على كون الأمر بالضدين مستحيلا، و لو على هذا الوجه أيضا، حينئذ لا بدّ من تقييد يكون أزيد من ذلك، و ذلك بأن نلتزم بأن الأمر بالصلاة

463

في حال المزاحمة مع وجود الإزالة، ساقط رأسا، أي: إنّنا نقيّد خطاب «صلّ» بمن لم يخاطب «بالإزالة»، و لم يتنجز في حقه وجوب الإزالة، سواء أزال أو لم يزل، فمن خوطب بالإزالة، و تنجز في حقه وجوب الإزالة، لا تجب عليه الصلاة، سواء أزال أو لم يزل، و هذا تقييد أزيد يفرضه القول بامتناع الترتب.

هذه هي عبارة المحقق النائيني (قده)، و هي توحي بمطلب غير صحيح، و غير مقصود للميرزا (قده)، و هذا المطلب هو أن هناك تعارضا و تكاذبا بين خطابي و دليلي «صلّ و أزل» حتى بناء على القول بإمكان الترتب، لأن الكلام الذي نقلناه يعترف بأنه يجب رفع اليد عن إطلاق المهم بمقدار، و هذا معناه أن دليل «أزل» يطرد و يكذب جزءا من مدلول «صلّ»، غايته أن هذا الجزء المطرود و المهدوم من خطاب «صلّ»، يكون صغيرا بناء على القول بالترتب، و يكون كبيرا بناء على القول بامتناع الترتب، لكن أصل كون أحد الدليلين مكذبا و طاردا لجزء من مفاد الدليل الآخر، هذا محفوظ على كلا القولين، فكأنّ الدليلين يدخلان في باب التعارض على أيّ حال، سواء قلنا بإمكان الترتب، أو قلنا بامتناعه.

إلّا أنّ هذا المطلب الذي توحي به عبارة الميرزا (قده)، ليس صحيحا، و ليس مقصودا للميرزا (قده).

و إنّما الصحيح أنه بناء على إمكان الترتب، و كون خطاب «صلّ» ثابتا على تقدير عدم وقوع «الإزالة»، بناء على هذا، لا نلتزم بإسقاط أيّ جزء من خطاب «صلّ» سوى ما هو ساقط في نفسه بالقرينة و بالمخصّص اللبّي العام الدال على اشتراط القدرة، إذ إنّه يوجد هناك دليل عام يدل على اشتراط القدرة بمعنى سوف يأتي توضيحه في بحث التزاحم إن شاء اللّه، إذ هناك دلّ الدليل على اشتراط القدرة في تمام الخطابات و الأدلة، سواء أ كان تزاحم، أو لم يكن تزاحم، فكل خطاب يكون موضوعه القادر بقرينة هذا المخصّص اللبي العام.

و حينئذ فإن فرض أن الأمر بالصلاة لم يقيّد إلّا بمعنى عدم أخذ الإزالة في موضوع الأمر بالصلاة، فهذا لا يزيد على التقييد العام المفترض مسبقا،

464

بقطع النظر عن التزاحم، لأنه من الواضح أن من يزيل لا يمكنه أن يصلي، إذ إنّ من ينفق قدرته بالإزالة، لا قدرة له على الصلاة، إذن فالمكلف المزيل، بما هو مزيل، غير قادر على الصلاة، إذن فإخراجه عن خطاب «صلّ» ليس تقييدا جديدا، و إسقاطا جديدا للإطلاق، بل هو تفريع على ما هو المنقح للإطلاق.

إذن بناء على إمكان الترتب لا يوجد أي إسقاط جديد لمفاد إطلاق الخطاب، و هذا مطلب سوف يأتي تحقيقه بنحو أوسع و أعمق، حينما نتكلم عن (باب التزاحم).

و أمّا بناء على امتناع الترتب: فحينئذ نواجه إسقاطا للإطلاق غير ذاك الإسقاط المفترض عموما بقانون دليل اشتراط القدرة، لأن القائل بامتناع الترتب يشترط أن يكون خطاب «صلّ» مقيدا بعدم خطاب «أزل»، لا بعدم امتثال خطاب «أزل» و ذلك بأن لا يكون خطاب «أزل» ثابتا بنحو منجز عليه.

و من الواضح أن هذا تقييد أزيد من التقييد بالقدرة، لأنّ من كان خطاب «أزل» ثابتا و منجزا في حقه، فإنّ مجرد ثبوت الخطاب و تنجيزه في حقه، لا يعجزه عن الصلاة، و إنّما يكون عاجزا عن الصلاة بسبب إيجاد «الإزالة» بمخاطبته بالإزالة، إذن فهذا تقييد أزيد من التقييد العام مسبقا بذاك الدليل اللبّي كما عرفت.

و من هنا كان لا بدّ من إسقاط مقدار من الخطاب.

و من هنا يظهر أنه بناء على القول بإمكان الترتب، لا تعارض أصلا بين خطاب «صلّ و أزل»، لأن خطاب «أزل» لم يقتض هدم إطلاق جديد في خطاب «صلّ» أصلا، و لم يستوجب إسقاط جزء جديد من مفاد خطاب «صلّ» لكي يحصل التكاذب بين الخطابين الذي هو معنى التعارض، و هذا بخلافه بناء على القول بامتناع الترتب، إذ بناء على القول بامتناع الترتب، فإنّ دليل «أزل» يستوجب سقوط جزء من مفاد دليل و خطاب «صلّ» فيتعارضان و يتكاذبان.

465

و من هنا كانت الصيغة التي طرحناها نحن في الجهة الأولى التي عقدناها لتحقيق الثمرة، أفضل، حيث كنا نقول: إنّه بناء على القول بإمكان الترتب لا تعارض بين الدليلين، و أمّا بناء على القول بامتناع الترتب، فإنه يقع التعارض بين الدليلين، لا إنّه بناء على القول بإمكان الترتب، يسقط الإطلاق بهذا المقدار، و بناء على القول بالامتناع يسقط بهذا المقدار، فتعبيرنا إذن هو الأحسن، و الذي قلناه هو مقصود المحقق النائيني (قده)، لا ذاك التعبير الموهم و غير الصحيح، إذن فليس هناك اختلاف واقعي، و إن كان الاختلاف في دقة العبارة و تسامحها.

و أمّا المقدمة الثانية من المقدمات الخمس، فقد عقدها الميرزا (قده) (1)، لتوضيح أنّ الأمر بالمهم لا يزاحم الأمر بالأهم، و لا يطارده، و قد أعطى لهذه المقدمة عنوانا، هو أنّ الواجب المشروط لا يخرج بتحقّق شرطه عن كونه مشروطا.

و توضيح هذه المقدمة يقع في نقطتين:

1- النقطة الأولى: و هي في بيان محتوى هذه المقدمة، و بيان معنى شرائط الحكم، إذ هناك تفسيران لشرائط الأحكام من قبيل شرطيّة الاستطاعة لوجوب الحج، و شرطيّة الزوال لوجوب صلاة الظهر.

1- التفسير الأول: هو إنّ هذه الشرائط تكون شرائط حقيقية بحيث أنها تكون مؤثرة في وجود الحكم على حدّ مؤثرية سائر الشرائط في وجود مشروطاتها.

و هذا التفسير يمكن تصوره بأحد ثلاثة أوجه:

أ- الوجه الأول هو أن يقال: إنّ هذه الشرائط شرائط بوجوداتها الواقعية الخارجية تكوينا للأحكام بنحو ينسلخ الشارع عن كونه موجدا لهذه الأحكام،

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 200.

466

و تكون هذه الأحكام مسبّبات عن هذه الشرائط بوجوداتها الخارجية على حدّ نشوء احتراق الورقة بالنار من شرط توفر الملاقاة بين الورقة و النار، من دون دخل للجعل فيها.

ب- الوجه الثاني: في هذا التفسير هو أن يقال: إنّ هذه أسباب بوجوداتها الخارجية لهذه الأحكام، إلّا أنّ دور الشارع هنا، هو أنّ هذه السببيّة مجعولة له بناء على أنّ السببيّة حكم وضعي قابل للجعل من قبل الشارع.

فالفرق بين شرطيّة الاستطاعة لوجوب الحج، و شرطية الملاقاة مع النار للاحتراق، الفرق هو: إنّ شرطيّة الاستطاعة بنفسها جعلت من قبل الشارع، بينما شرطية الملاقاة مع النار لم تجعل من الشارع بما هو شارع، إذن فدور الشارع هو أن يجعل الاستطاعة سببا لوجوب الحج، و من ثمّ تشتغل المسألة آليّا، حينئذ متى ما وجدت الاستطاعة خارجا، تحدث معها وجوبا بفضل جعل الشارع لها سببا لوجوب الحج.

ج- الوجه الثالث: لهذا التفسير هو أن يقال: إنّ شرائط الأحكام تكون شرائط حقيقية بوجوداتها العلميّة، لا بوجوداتها الخارجية، و معنى كونها كذلك أنها تكون بالنسبة إلى الحكم من دواعي جعل الحكم، من قبيل جعل الحكم من قبل المولى على أساس تشخيصه للمصلحة، أو تشخيصه للمفسدة، فيكون تشخيص المولى للمصلحة، أو المفسدة، له دخل في جعل الحكم، و هنا كذلك، يكون للاستطاعة بوجودها العلمي، دخل في جعل الحكم بوجوب الحج، لأن الدواعي دائما تكون مؤثرة في حكم الحاكم بوجودها العلمي، لا بوجودها الخارجي، فمثلا: عند ما يحصل لك العلم بحاجة الفقير، فتأمر بإعطائه درهما، هنا أمرك بإعطائه درهما، استند إلى اعتقادك بحاجته، فكان فقره بوجوده العلمي من دواعي جعل الحكم بوجوب التصدق بدرهم.

و هذا النحو من الشرطية يختلف عن النحوين السابقين، إذ هنا أثّر الشرط بوجوده العلمي دون وجوده الواقعي.

467

2- التفسير الثاني: للشرائط هو في مقابل التفسير الأول، فيقال: انّ الحكم لا يوجد بالشرط، و إنّما يوجد بنفس الجعل الصادر من قبل الحاكم، و لهذا يكون الحكم فعلا للحاكم، و شأنا من شئونه، و كذلك الشرائط تكون موضوعا لهذا الجعل، و تكون مأخوذة مفروضة الوجود في عالم الجعل، ثم ينشئ الحكم عليها، و على عالمها، و وعائها.

إذن، فالجعل الذي هو فعل الحاكم، هو الذي يوجد الحكم، و تكون وظيفة الشرائط في أنها تحقق موضوع هذا الجعل، لأنها تؤخذ مفروضة الوجود في أفق إنشاء هذا الحكم، و تكون وظيفة الحاكم إيجاد هذا الحكم، و جعله على هذا الموضوع المفروض الوجود، مع تمام خصوصياته و شئونه.

و بهذا يتضح أنّ الشرط ليس شرطا و مؤثرا في وجود شي‏ء في الخارج، و إنّما هو بحسب الحقيقة دخيل في موضوع الحكم و الجعل، إذ كل صفة من الصفات النفسانية ذات الإضافة، تحتاج إلى مصب و موضوع، فالبغض يحتاج إلى مبغوض، و الحب إلى محبوب، و الجعل كذلك يحتاج إلى مصب و موضوع.

فتمام هذه الشرائط ترجع إلى قيود في موضوع و مصب هذا الجعل، و هذا هو معنى أن كل شرط يرجع إلى الموضوع، و كل موضوع يرجع إلى الشرط.

فالخلاصة هي إنّ الشرائط تشكّل قيودا في مصب الجعل و موضوعه.

و المحقق النائيني (قده) (1) يختار التفسير الثاني من هذين التفسيرين لحقيقة شرائط الحكم، بمعنى كون شرائط الحكم دخيلة في المصب الذي يقع موضوعا للجعل، و بهذا صحّ أن يقال: إنّ كل شرط موضوع للحكم، كما تقدّم شطر من تحقيق ذلك و تفصيلاته في بحث الواجب المطلق و المشروط.

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 200.

468

و خلاصة الكلام هي: إنّ الميرزا (قده) اختار التفسير الثاني للشروط (1)، و هو كون الشروط دائما حيثيات تقييدية، تؤخذ مفروضة الوجود في مقام جعل الحكم على موضوعه، و هي ليست شرائط حقيقية، و يستخلص من كلامه أنّ الصحيح إنّما هو التفسير الثاني للشروط في مقابل التفسير الأول الذي يذهب إلى كون الشرائط حقيقية.

و بعد الإحاطة بمذهب الميرزا في الشروط، ندخل في النقطة الثانية لنتعرف إلى كيفية الانتفاع بهذا المذهب في إثبات إمكان الترتب، و ما هو دخله في المدّعى.

2- النقطة الثانية: هي في بيان دور المقدمة الثانية في إثبات إمكان الترتب، و قد يقرّب هذا المدّعى بعدة تقريبات كلّها تصلح مرادا للميرزا (قده)، و إن كان مراده أظهر في بعضها.

1- التقريب الأول: هو أن يقال: إنّ الشرط لو فرض كونه شرطا حقيقيا، و سببا للحكم كبقية الأسباب الطبيعية بالنسبة لمسبباتها، إذن لكان حيثية تعليلية في ثبوت الحكم على موضوعه الذي هو ذات المكلف، غاية الأمر أن علة ثبوته هو الشرط، و لازم ذلك كون موضوع الأمر بالمهم، و موضوع الأمر بالأهم هما ذات المكلّف، غايته أنّ عصيان الأمر بالأهم علّة في ثبوت الأمر لوجوب المهم لذات المكلف، إذن فالعصيان حيثية تعليليّة لعروض الأمر و الحكم على ذات المكلف. إذن فذات المكلّف يكون معروضا لكلا الحكمين و الأمرين، و بهذا يلزم اجتماع الضدين على موضوع واحد، هو ذات المكلّف، و هو مستحيل. هذا لو بنينا على الشرطية الحقيقية.

و هذا بخلاف ما إذا بنينا على أن الشرط حيثية تقييدية مرجعه إلى الموضوع، و أنّه موضوع للحكم يؤخذ مفروض الوجود في عالم الجعل، و أنّ‏

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 200.

469

تقوّم الجعل به على حدّ تقوّم الصفة بموصوفها و موضوعها، فإنه حينئذ سوف يكون موضوع الأمر بالمهم مغايرا لموضوع الأمر بالأهم، لأنّ موضوع الأمر بالأهم هو ذات المكلف، و موضوع الأمر بالمهم هو عنوان العاصي للأمر بالأهم، و بهذا يختلف الموضوعان إذن، و بذلك جاز اجتماع الأمرين.

و هذا التقريب غير صحيح، إذ يرد عليه على الأقل: بأنّ الميزان في رفع محذور اجتماع الأمرين، ليس هو مجرد تعدّد عنوان الموضوع مع فرض تطابق عنواني الضدين على فرض واحد بحسب الخارج، إذ بعد فرض تصادق عنواني المكلّف و العاصي على مكلف واحد، يلزم محذور التقارب بين الأمرين في عالم الفعليّة و المحركيّة.

و إنّ شئتم قلتم: إنّ التنافي بين الأمرين بالضدين، ليس في مرحلة عروض الأحكام على عناوينها في أفق النفس، لكي يتخيّل أن لا اجتماع باعتبار تعدّد العناوين في أفق النفس على موضوعاتها، و إنّما التعدّد لا محالة يكون بلحاظ عالم محركيتهما في الخارج و مؤثريتهما.

و من الواضح أن المحركيّة إنّما تكون للمصداق الخارجي، و هو إنسان واحد نطبّق عليه كلا العنوانين، فيحصل التنافي حينئذ بين الأمرين في مقام المؤثرية و المحركية. و بناء على هذا، لا يندفع محذور اجتماع الأمر بالضدين، سواء افترض أنّ الشرط علة للحكم و سببا حقيقيا، أو افترض موضوعا له.

2- التقريب الثاني: لبيان فائدة المقدمة الثانية في تخريج الترتب هو أن يقال: إنّه إذ افترض كون الشرط شرطا حقيقيا، فمعنى هذا أنه بوجود الشرط يزول التوقف عليه لا محالة، و لا تبقى حالة منتظرة، إذ الحالة المنتظرة لا تتصور مع وجود العلة، لوضوح كون الشرط بمثابة العلة، و المعلول يتوقف على وجود علته، فإذا اوجدت علّته خرج عن كونه متوقفا على شي‏ء، بل يزول توقفه لا محالة، و هذا معناه أن الواجب المشروط يخرج عن كونه مشروطا بعد تحقق شرطه، حيث أن الواجب المشروط نسبته إلى شرطه- بناء على التفسير

470

الأول المرفوض- نسبة المعلول إلى العلة، و المفروض أن كل معلول يزول توقفه بوجود علته، إذ لا معنى للتوقف مع وجود العلّة.

و هذا معناه إنّ الوجوب المشروط بالاستطاعة، أو بعصيان الأمر بالأهم، لا يبقى له توقف على الشرط بعد وجود الاستطاعة أو العصيان، أي: إنّه يخرج الواجب المشروط من كونه مشروطا، و إذا خرج من كونه مشروطا، افتقدنا بذلك النكتة التي من أجلها نثبت أن الأمر بالمهم لا يزاحم الأمر بالأهم، حيث كانت النكتة في عدم مزاحمة المهم للأهم هي: كون المهم مشروطا و مترتبا على عصيان الأمر بالأهم، و باعتباره كون المهم مشروطا بذلك. إذن يستحيل أن يكون مؤثرا في نفس ذلك العصيان، و بهذا نفتقد النكتة باعتبار أن المشروط يخرج من كونه مشروطا إلى كونه مطلقا بتحقق شرطه.

و إن شئت قلت: إنّه بناء على كون الشرائط أسبابا حقيقية و مؤثرات في إيجاد الأحكام، معناه، أن المؤثر يقتضي إيجاد أثره و يطلبه ما دام أن هذا الأثر لم يوجد بعد، و لكن إذا وجد الأثر و صار فعليا، فمعنى هذا، أنه انتهى دور المؤثر، لأنّ معلوله وجد. و هذا بخلاف ما إذا بنينا على أن الشرائط مجرد موضوع للجعل و الحكم، فإنّه من الواضح حينئذ أنه بوجود الموضوع لا يخرج المحمول على ذلك الموضوع، و المرتبط به، لا يخرج عن كونه منوطا و مشروطا به، كما أن الموضوع لا يزول عن الموضوعيّة بتحققه خارجا، و كذلك الجسم الذي هو موضوع للبياض، فإنّه لا يقول أحد إنّه إذا وجد جسم و وجد فيه بياض، إذن بوجود الجسم يزول كونه موضوعا، و يخرج عن كونه موضوعا.

إذن ففرق بين العلة و الموضوع، إذ إنّه من الواضح أن الموضوع لا يخرج عن كونه موضوعا بوجوده و تحققه خارجا، بل ظرف وجوده هو ظرف موضوعيته، بينما العلة مع وجودها لا يبقى توقف أصلا.

إذن فعند ما نقول: إنّ الشرط يرجع إلى الموضوع، فحينئذ هذا الواجب المشروط لا يخرج عن كونه مشروطا بتحقق الشرط، لأن تحقق الشرط بالنسبة

471

إليه يكون كتحقق الجسم بالنسبة إلى البياض، فكما أن تحقق الجسم بالنسبة إلى البياض، لا يخرج الأبيض عن كونه أبيض، فكذلك في المقام فإن الواجب المشروط لا يخرج عن كونه مشروطا، فإذا كان العصيان شرطا بمعنى الموضوع، فإن تحققه لا يخرج الأمر بالمهم عن كونه مشروطا بالشرط، بعد وجود الشرط، و مترتبا عليه، إذن فيستحيل أن يكون الأمر بالمهم مقتضيا و مستدعيا لعصيان الأمر بالأهم، بل هو دائما منوط و مربوط به، و موقوف عليه.

و هذا الكلام متناسب مع جزء من عبارة تقريرات المحقق النائيني (قده).

و لكن هذا الكلام لا يتحصّل منه معنى معقول، و ذلك لأنّ الواجب المشروط لا يخرج عن كونه مشروطا، سواء فسّرنا الشرط بالموضوعية، أو فسرناه بالعليّة، إذ كما أنّ العرض لا يخرج موضوعه عن الموضوعيّة بوجوده، و لا يخرج عن كونه منوطا بوجود موضوعه، كذلك المعلول، لا تخرج معلوليّته عن العليّة بوجوده، و لا يخرج عن كونه منوطا بالعلّة بفرض وجود تلك العلّة.

و تمام النكتة التي يحتاجها القائل بالترتب، هي عبارة عن: أن الأمر بالمهم لا يعقل أن يكون حافظا لشرطه الذي هو عصيان الأهم، لئلا يقع تزاحم بين الأمرين.

و إنّ شئت قلت: إنّ الإناطة كما لا ترتفع عن الحكم و موضوعه بتحقق و وجود موضوعه، كذلك لا ترتفع عن الأثر و مؤثره بوجودهما، فكما أن العرض بحاجة إلى موضوعه حتى بعد وجوده، كذلك المعلول بحاجة إلى علته حتى بعد وجوده، و كما أنّ الحكم يستحيل أن يحقّق موضوعه و يقتضيه، كذلك المعلول يستحيل أن يحقق علته و يقتضيها.

فتمام ما نحتاجه، هو أن نثبت أن الأمر بالمهم لا يمكن أن يحفظ عصيان الأمر بالأهم و يوجده، بحيث ينشأ هذا العصيان من قبل الأمر بالمهم،

472

و ذلك لأنه لو نشأ عصيان الأمر بالأهم من قبل الأمر بالمهم، للزم الدور على كل حال، لأن عصيان الأمر بالأهم متقدم رتبة على نفس الأمر بالأهم، سواء أ كان علة، أو كان موضوعا، و حينئذ فلو أثر الأمر بالمهم في إيجاد عصيان الأمر بالأهم، للزم تأثير المتأخر في المتقدم، و هو محال.

إذن يستحيل أن يؤثر الأمر بالمهم في إيجاد عصيان الأمر بالأهم، و هذا تمام ما نريده في المقام، و هو محفوظ، سواء قلنا بكون الشرط بمعنى السبب و المؤثر، أو قلنا، بأنه بمعنى الموضوع، فالتفرقة بين معنيي الشرط بالمؤثرية و الموضوعية، لا محصّل لها.

3- التقريب الثالث: لتصوير فائدة المقدمة الثانية و تفسيرها الثاني لمعنى شرائط الحكم، هو أن يقال: إنّه لعلّ مقصود الميرزا (قده) من إثبات كون الشرط بمعنى الموضوعية من اختيار التفسير الثاني، هو إبطال التفسير الأول بوجوهه الثلاثة لمعنى شرائط الحكم، بمعنى كونها شرائط حقيقية و مؤثرة في الحكم، لا سيّما خصوص الوجه الثالث من التفسير الأول للشرط، حيث كان يرى أن الشرط بوجوده العلمي، و إحراز المولى له، يكون مؤثرا في إيجاد الحكم، و على هذا الأساس من الوجه الثالث يكون الشرط مجرد داع للمولى كما هو الحال في تشخيص المولى للمصلحة و المفسدة، فإنّه بناء على تشخيصه هذا، يجعل الحكم، و معنى هذا أن تشخيصه هذا هو السبب في إنشاء الحكم، و اعتباره على ذمة المكلّف، و لا يمكن للمكلّف إعمال تشخيصه في شي‏ء من ذلك.

و نظر الميرزا (قده) في هذا التقريب هو إبطال هذا الوجه الثالث، لأنّ هذا الوجه الثالث من تفسير الشرط، لو تمّ لأبطل القول بإمكان الترتب.

و توضيح ذلك هو إنّه مبنيّ على هذا الوجه الثالث، لو فرض أنه كان عصيان الأمر بالأهم شرطا، بمعنى «الداعي»، إلى الحكم، كان معناه أن عصيان الأمر بالأهم بوجوده العلمي، كان سببا في جعل المولى للحكم، نظير ما لو كان المولى جالسا بين عبيده، و هو بنفسه يتصدّى لإحراز توفر الشرائط

473

و الخصوصيات فيهم، و قد أحرز منهم أنهم يعصون الأوامر بالأهم، فيأمرهم بالمهم، فيقول: «صلّوا»، دون أن يأخذ العصيان قيدا أو شرطا في الحكم.

فهو لا يقول لعبيده: «صلّوا» إذا عصيتم، و إنّما يقول لهم: «صلّوا» مطلقا، و تكون وظيفة العبد هنا، إطاعة و امتثال أمر مولاه في هذه الجعول التي يشخّص المولى ظروفها، و ملابساتها، و المصلحة فيها، دون أن يكون للعبد دور في هذا التشخيص، حتى لو كان يعلم بخطإ مولاه في هذا التشخيص، كما لو كان المولى سنخ مولى يمكن في حقه الخطأ و الاشتباه.

حينئذ إذا تصوّرنا هذا النحو من الحكم، سيكون من الواضح حصول التزاحم و التنافر بين الأمر بالأهم و الأمر بالمهم، لأنّ الأمر بالمهم في عالم الجعل، لم يفرض عصيان الأمر بالأهم في موضعه، فيكون مطلقا من هذه الناحية، و يكون عصيان الأمر بالأهم من جملة الأمور التي يحفظها نفس خطاب الأمر بالمهم، فيحصل التناحر و التنافر بين محركيّة الأمر بالمهم لأنه مطلق لحالة محركيّة الأمر بالأهم، لأنّ وظيفة العبد هو التحرك نحو المهم بمقتضى إطلاقه بدلا عن الأهم.

و من الواضح أنّ هذا التحرك نحو المهم على خلاف طبع الأمر بالأهم، و لهذا يحصل التنافر بينهما، و يكون الأمر أمرا بالضدين.

و كذلك لو قيل: بأن معنى «صلّ»، عبارة تخبر عن وجود إنشاءات و خطابات بالمهم مطلقة، رغم كونها مشروطة بعصيان الأهم، لكن على نحو، العمدة فيه، تشخيص المولى للمصلحة و المفسدة، مع كون هذه الشروط بوجودها العلمي عند المولى، سببا في جعل الحكم من قبله، كما لو كان يعلم بأنّ عبيده سوف يعصون الأمر بالأهم، فتكون الأحكام المجعولة هي مجرد تعبير و تجميع لتلك الخطابات الخاصة.

لو قيل هكذا، حينئذ أيضا يحصل التنافي و التنافر بين الأمر بالمهم و الأمر بالأهم، لأنه يكون تكليفا مطلقا بالضدين.

474

و هذا التقريب، يناسب جزءا آخر من عبائر تقريرات الميرزا (قده)، لذلك كان أحسن التقريبات المتقدمة في تفسير فائدة المقدمة الثانية، و هي كون الشروط بمعنى الموضوع.

إلّا أنّ القائل بامتناع الترتب، لم يك يتوهم هذا أو يحتاج إليه، و لذلك كان ينبغي الدخول في البحث عن امتناع الترتب، بعد الفراغ عن إبطال كون التكاليف المشروطة أنها مجعولة على نهج القضايا الحقيقية، أو على نحو غيرها، و أنها ليست عبارة عن الجمع بين تكاليف و جعول مطلقة، لخصوص من تتوفّر الشروط في حقهم توفرا علميا، بحسب تشخيص المولى.

و هذه المقدمة التي كانت وظيفتها إثبات أن الأمر بالمهم لا يزاحم الأمر بالأهم، لم تتفرغ و تشتغل بإثبات عدم المزاحمة بين الأمرين بالضدين، و إنّما هي اشتغلت بمسألة جانبية، هي بيان معاني الشرط في الأحكام.

بينما النكتة التي كان لا بدّ من التفرغ لها و تنقيحها، هي إثبات كون الأمر بالمهم، حال كونه مشروطا بعصيان الأمر بالأهم، في عالم الجعل، لا يمكن أن يكون مقتضيا للأمر بالأهم، أو مانعا عنه، لأنّ مانعيّته أو سببيّته للأمر بالأهم يلزم منه الدور كما سنوضّحه عند ما نتعرض إلى لباب ما ينبغي أن يقال لإثبات إمكان الترتب.

و أمّا المقدمة الرابعة (1): لإثبات إمكان الترتب و بيان عدم المنافرة بين الأهم و المهم، فتوضيحها يمكن في ثلاث نقاط:

1- النقطة الأولى: هي أنّ ثبوت الحكم و انحفاظه في أيّ حالة من الحالات، يكون على أحد ثلاثة أنحاء:

أ- النحو الأول: هو أن يثبت الحكم بإطلاق الخطاب، أو بالتقييد بنفس‏

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 206.

فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 206.

475

الجعل الأول و الخطاب الأول، و هو الذي يسمّيه الميرزا (قده) (1) بالإطلاق و التقييد اللحاظي، فوجوب إكرام العالم في خطاب «أكرم العالم»، شامل للحالات المختلفة للعالم من حيث كونه عادلا، إمّا بالتقييد اللحاظي، أي:

بأخذ العدالة قيدا فيكون مفاده، «أكرم العالم» إذا كان عادلا، و إمّا بالإطلاق اللحاظي، أي: بأخذ الخطاب مطلقا من هذه الناحية، فيكون مفاد «أكرم العالم» وجوب إكرام العالم، سواء أ كان عادلا أو لم يكن.

و هذا النحو لثبوت الحكم يجري في كل الانقسامات الأوليّة لمتعلّق الخطاب، إذ لمتعلق الخطاب انقسامات ثابتة في نفسها بقطع النظر عن تعلق الخطاب، فالعالم بقطع النظر عن وجوب إكرامه ينقسم إلى «عالم عادل»، و «عالم غير عادل»، إلى «هاشمي و غير هاشمي»، فهذه انقسامات أوّلية ثابتة للمتعلق، أو الموضوع، بقطع النظر عن عروض الحكم عليه.

و هناك انقسامات ثانوية تثبت للشي‏ء بلحاظ عروض الحكم عليه، من قبيل كونه معلوم الحكم، أو مجهول الحكم.

و هذا النحو الأول هو شأن كل الانقسامات الأوليّة، باستثناء انقسام و قسم واحد من هذه الانقسامات، لا يعقل حفظ الحكم و ثبوته فيه بالإطلاق و التقييد اللحاظي، سوف يأتي إن شاء اللّه، الكلام عليه.

ب- النحو الثاني: من ثبوت الحكم بالتقييد و الإطلاق هو: ثبوته لا بالجعل الأول، بل بالجعل الثاني بمتمّم الجعل، و هو ما يسمّيه الميرزا (قده) بالإطلاق الذاتي، أو الإطلاق الملاكي، أو يسمّى بنتيجة الإطلاق‏ (2) و بنتيجة التقييد، و كلّ هذه عبائر تستعمل لإفادة هذا النحو الثاني من ثبوت الحكم، و ذلك فيما إذا لم يك ممكنا ثبوت الحكم بالإطلاق و التقييد في الجعل الأول، بل كان لا بدّ من جعل آخر لحفظه و ثبوته، و يسمّى ذلك بمتمم الجعل.

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 207.

(2) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 207.

476

و هذا النحو من حفظ الحكم و الخطاب، يكون عند الميرزا (قده)، بلحاظ الحالات التي يكون انقسام المتعلق أو الموضوع إليها انقساما ثانويا، أي: في طول حفظ الحكم بالجعل الأول، باعتبار استحالة حفظه و ثبوته بالجعل الأول، و إنّما يحفظ و يثبت في الانقسامات الثانوية كثبوت الحكم في حالة جهل المكلّف بالحكم، أو علمه به، أو انقسام الفعل إلى ما يؤتى به بقصد امتثال الأمر، أو إلى ما لا يؤتى به بقصد امتثال الأمر مثلا: بناء على أنه الانقسامات الثانوية الواقعة في طول الحكم، فمثلا انحفاظ خطاب «أكرم العلماء» في صورة العالم بالحكم، لا يمكن أن يكون بالتقييد و الإطلاق بالجعل الأول، و ذلك لاستحالة التقييد و الإطلاق بالجعل الأول، أمّا التقييد فلاستحالة أخذ العلم بالحكم في موضوع الجعل الأول، لأنّ العلم بالحكم في طول الحكم، فلا يعقل أن يؤخذ في موضوع الحكم، و أمّا استحالة الإطلاق فلأنه إذا استحال التقييد استحال الإطلاق عند الميرزا (قده)، إذن فثبوت الحكم و الخطاب بوجوب «إكرام العالم» غير معقول في صورة العلم بالحكم بالجعل الأول للحكم، أي: بالتقييد اللحاظي، أو بالإطلاق اللحاظي بالجعل الأول، و عليه، فلا بدّ أن يكون حفظ الحكم و ثبوته بالتقييد و الإطلاق بمتمم الجعل، أي: بالجعل الثاني، أي: إنّ المولى يجعل جعلا ثانيا يتمم التقييد للجعل الأول، أو يتمم الإطلاق للجعل الأول، و أمّا الجعل الأول فيبقى مهملا، لا مطلقا و لا مقيّدا، بلحاظ هذه الانقسامات الثانوية، و إنّما يكتسب الإطلاق و التقييد ببركة الجعل الثاني، حيث يحفظ و يثبت بالتقييد و الإطلاق بالجعل الثاني، و هذا شأن جميع الحالات التي ينشأ الانقسام إليها في طول الحكم.

ج- النحو الثالث: من حفظ الحكم و ثبوته، هو: أن يكون‏ (1) الخطاب محفوظا حفظا ذاتيا، لا يتوسط الإطلاق، و لا التقييد، لا بالجعل الأول، و لا

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 208.

477

بالجعل الثاني، أي: بمتمم الجعل، أو بنتيجة الإطلاق و التقييد، و ذلك لاستحالة ذلك كما عرفت.

و هذا النحو من الحفظ و ثبوت الحكم، يكون في حالة واحدة فقط، و هي حالة الامتثال و العصيان للفعل، و اللذان هما منشأ انتزاع عنوان الامتثال و العصيان، فخطاب «أكرم العالم»، بلحاظ ثبوته لحالة العدالة في «العالم» يكون محفوظا و ثابتا بالحفظ الأول، لأن انقسامه إلى ذلك أولى، و بلحاظ حفظه في حالة معلوم الحكم، يكون هذا الحفظ من النحو الثاني، أي: نتيجة الإطلاق و التقييد.

و لكن هناك انقسام آخر في المقام و هو انقسام الإكرام، في «أكرم» إلى حالة وجود الإكرام، و حالة عدم الإكرام، إذ إنّ «أكرم» كما تقاس إلى حالة العدالة و الفسق، و كما تقاس إلى حالة العلم بالحكم و الجهل به، فإنّها كذلك تقاس إلى حالة وجود المتعلق خارجا، و عدم وجود المتعلق خارجا.

و هذا الانقسام إلى حال وجود المتعلق و عدمه، يكون انقسام الإكرام فيه حال وجوده أو عدمه، انقساما أوّليا و ليس ثانويا، لأنّ كل طبيعة في نفسها يمكن تصنيفها إلى حال وجودها و حال عدمها، بقطع النظر عن طرو الحكم عليها، يكون انقسامها هذا أوّليا.

و كان مقتضى القاعدة أن يكون دخوله تحت النحو الأول من الحفظ، لكن مع هذا يكون عدم دخوله مستثنى من النحو الأول من الحفظ و الثبوت، و إنّما يكون له حفظ و ثبوت آخر ثالث، و هو الحفظ الذاتي المغاير لكلا النحوين من الحفظ، إذ لا يعقل أن يكون وجوب الإكرام محفوظا في حال وجوب الإكرام، أو محفوظا في حال عدم وجوب الإكرام بالتقييد اللحاظي بالجعل الأول، و لا بالتقييد النتيجي بالجعل الثاني، و لا بالإطلاق المقابل لأي واحد من هذين التقييدين.

أمّا أنّه يعقل كونه محفوظا بالتقييد، سواء أ كان لحاظيا بالجعل الأول،

478

أو تقييدا نتيجيّا بالجعل الثاني، فهذا واضح باعتبار أنه لا يعقل أن يقيّد الأمر بالإكرام بوجود الإكرام، كما لو قال: «أكرم إن لم يكن الإكرام موجودا» فإنّ هذا واضح الاستحالة، لأن طلب الإكرام في كونه مقيّدا بالإكرام تحصيل للحاصل، أو لغو، و كذلك لو كان طلب الإكرام حال كونه مقيّدا بعدم الإكرام، فإنّه لغو أيضا، لأنه طلب للممتنع، إذن فحفظ الحكم و ثبوته بكل من التقييدين غير معقول، و إذا امتنع تقييده كذلك، امتنع الإطلاق المقابل له حينئذ كما هو مسلك الميرزا، سواء أ كان إطلاقا بالجعل الأول أو إطلاقا بالجعل الثاني، و ذلك لأحد تقريبين:

أحدهما: هو كون استحالة التقييد توجب استحالة الإطلاق، كما برهن عليه الميرزا (قده)، باعتبار كون التقابل بين الإطلاق و التقييد من تقابل العدم و الملكة، فالإطلاق هو عدم التقييد في الموضع القابل للتقييد، فإذا امتنع التقييد امتنع عدم التقييد في الموضع القابل للتقييد، إذن امتنع الإطلاق.

و ثانيهما في المقام، هو: إنّ الإطلاق يستبطن كلا المحذورين، يعني محذور التقييد بفرض وجود الفعل، و محذور التقييد بفرض عدم الفعل، لأن الإطلاق يشتمل على إثبات الحكم، في كلتا الحالتين، فإذا كان إثبات الحكم في حال وجود الفعل، تحصيلا للحاصل، و كان إثباته، في حال عدم وجوده، تحصيلا للممتنع، إذن يكون الإطلاق المشتمل على كلا الإثباتين، مستبطنا لكلا المحذورين فيكون مستحيلا حينئذ لا محالة، و بهذا يتبرهن عند «الميرزا» أن حفظ الحكم و ثبوته في حالتي وجود الفعل و عدمه، لا يمكن أن يكون لا بالتقييد بالجعل الأول و لا بالتقييد بالجعل الثاني، و لا بالإطلاق المقابل لكل واحد منهما، إذن لا بدّ من اختراع حفظ ثالث غير الحفظين السابقين، و هو الحفظ الذاتي، فإنّه يحفظ وجود الحكم في حال وقوع الفعل، و في حال عدم وقوعه.

و معنى كونه حافظا للحكم بذاته هو: أنه بذاته متعرض لهذه الحالة، دون أن يحتاج إلى تقييد أو إطلاق، ليتعرض لهذه الحالة، فإنّ خطاب «أكرم»

479

بذاته يتعرض لمسألة وقوع الإكرام و لا وقوعه، فيبني أحدهما و يهدم الآخر، بينما هذا الخطاب نفسه «أكرم» لا يتعرض بذاته إلى مسألة عدالة العالم و فسقه، و مسألة وصول الحكم أو عدم وصوله، و من هنا كان بحاجة إلى تقييد و إطلاق، و هذا بخلافه في مسألة وقوع الفعل و عدم وقوعه، فإنّ الحكم بذاته يتعرض لبناء أحد هذين الفرعين و طرد الآخر، و حينئذ لا يحتاج إلى حفظ من الخارج، بل هو بذاته يحفظ نفسه في هذه الحالة.

إذن معنى الحفظ الذاتي هو: كون الحكم محفوظا بذاته في فرض الامتثال و العصيان،، و هذا نحو ثالث من الحفظ يختص به خصوص هذا القسم من الانقسامات الأولية.

هذا تمام ما أفاده «الميرزا» في النقطة الأولى من هذه المقدمة.

2- النقطة الثانية: لبيان‏ (1) النقطة الرابعة في إمكان الترتب و عدم المنافرة بين الأهم و المهم هي: أنّه تبيّن بالتدقيق في الأنحاء الثلاثة لحفظ الحكم و ثبوته، أن النحوين الأول و الثاني يفترقان عن النحو الثالث بفارقين:

أ- الفارق الأول: هو أن الحفظ في النحو الأول و الثاني نسبته إلى التقادير التي يحفظ في ضمنها الخطاب، نسبة المعلول إلى العلة، إذ هذا الحفظ مبني على وجود تلك التقادير، و مجهول على أساس المفروغية عنها واقعا في مرتبة متأخرة عنها، فمثلا حفظ خطاب «أكرم» في فرض العدالة، هو حفظ للمعلول في فرض علته، سواء أ كان هذا الحفظ بالتقييد أو بالإطلاق، فحفظه بالتقييد كما إذا قال المولى: «أكرم العالم» إذا كان عادلا، فيكون قد حفظ هذا الخطاب بالتقييد بالعدالة، فيكون الخطاب في طول العدالة، و معلولا لها، فتكون نسبته إلى التقييد نسبة المعلول إلى العلة، و أمّا انحفاظ الحكم و ثبوته بالإطلاق، كما لو قال المولى: «أكرم العالم» سواء أ كان عادلا، أو لم يكن عادلا، فالأمر كذلك، لأن الإطلاق بديل التقييد فهو في مرتبته،

____________

(1) فوائد الأصول- الكاظمي 1/ 208

480

فإذا كان حفظه في مرتبة متأخرة عن التقييد، فحفظه هنا في المقام في مرتبة متأخرة عن الإطلاق أيضا، و بهذا يثبت أن نسبة الحكم و الخطاب إلى التقييد و الإطلاق أي: إلى التقادير التي حفظ في ضمنها في الحفظ الأول و الثاني، نسبة المعلول إلى العلة.

و هذا على خلاف الحفظ الثالث، إذ إنّ نسبة خطاب «أكرم» إلى فرض وقوع الإكرام و لا وقوعه، نسبة العلة إلى المعلول، ذلك أن الخطاب هنا في النحو الثالث يتعرض بنفسه إلى إقامة بناء و هدم بناء، إذ يكون وقوع الإكرام الذي هو التقدير هنا، يكون في طول الخطاب، لا إنّ الخطاب في طوله، كما في الحفظين السابقين، إذا فيهما كان الخطاب في طول العدالة التي هي التقدير، بينما هنا في النحو الثالث، فإن التقدير الذي هو وقوع الإكرام في طول الخطاب، و كذلك يكون في طول الخطاب «ترك الإكرام» لأن ترك الإكرام بديل الإكرام.

و الخلاصة: إنّ الخطاب، بالنسبة إلى تقديرات الحفظ الأول و الثاني، يكون بمثابة المعلول، و بالنسبة إلى تقديرات الحفظ الثالث، يكون بمثابة العلة.

ب- الفارق الثاني: بين الحفظ الثالث و الحفظين الأولين، هو أنه:

حيث أنّ نسبة الخطاب في الحفظين الأولين إلى التقادير التي تحفظه، نسبة المعلول إلى تلك التقادير، فمعنى هذا أنّ الخطاب لا يتعرض لهذه التقادير، لا هدما و لا بناء، و لا رفعا، و لا وضعا، و لا إيجادا، و لا إعداما، لأنه بمثابة المعلول لها، و المعلول ليس له أن يتصدّى لإيجاد علته، و إنّما هو تابع لعلته، و خاضع لها.

و هذا بخلاف، الخطاب المحفوظ في التقدير بالحفظ الثالث، فإنّ هذا الخطاب هنا هو بنفسه يتعرض و يتصدّى لإيجاد التقدير الذي حفظ في ضمنه بالحفظ الثالث، لأن هذا الخطاب بمثابة العلة لهذا التقدير، و شأن العلة هو

481

التصدّي و التصرف في معلولها إثباتا و نفيا، هدما و بناء، إذن فهذا الفارق مترتّب على الفارق الأول.

3- النقطة الثالثة: لبيان المقدمة الرابعة في إمكان الترتب، هو أن يقال:

إنّ نتيجة هذه البيانات هو فعليّة كلا الخطابين، «الأهم و المهم» و اجتماعهما في حق العاصي التارك «للإزالة» حال عصيانه و تركه للأمر بالأهم، لأنّ الأمر بالأهم هنا مطلق لهذا الفرض، و الأمر بالمهم تحقّق شرطه، و هو ترك الإزالة.

إذن فقد اجتمع على المكلف أمران بالضدين: أمر بالإزالة و أمر بالصلاة، و لكن هذا لا يستلزم التنافر و المطاردة بين الخطابين، لأنّ سنخ ثبوتها و حفظهما مختلف، إذ إنّهما محفوظان بنحوين مختلفين من الحفظ، فإنّ الأمر بالمهم، «الصلاة» محفوظ في فرض ترك الأهم، «الإزالة»- بنحو الحفظ الأول من قبيل محفوظيّة وجوب إكرام العالم في فرض العدالة، فهو محفوظ بالتقييد اللحاظي بالجعل الأول، بينما الأمر بالأهم، «الإزالة»، محفوظ- في فرض ترك «الإزالة»- بالحفظ الثالث، لأن ترك الإزالة بالنسبة إلى الأمر بالإزالة لا يعقل انحفاظه فيهما، لا بالإطلاق و التقييد اللحاظي، و لا بالإطلاق و التقييد النتيجي، بل هو محفوظ بالحفظ الذاتي، الحفظ الثالث، إذن فهما سنخان متغايران من الحفظ.

و يترتب على ذلك التغاير، أن الأمر بالمهم هنا، حيث كونه محفوظا بالحفظ الأول، حينئذ فهو لا يتعرض إلى حالة تقدير ترك الإزالة أصلا، لأن نسبته إلى هذا التقدير، نسبة المعلول إلى العلة، و قد عرفت أن المعلول لا يتعرض إلى حال العلة فكأنّ لسانه يقول: إذا وجدت علتي- و هي ترك الإزالة- فأنا موجود، دون أن يتعرض إلى حال هذا التقدير، و هو أنه هل سوف يترك الإزالة، أو لا يترك الإزالة، لأنه ليس من شأنه كمعلول أن يتعرض إلى حال علته، لا هدما، و لا بناء، و لا رفعا و لا وضعا.

و أمّا الأمر بالإزالة، «بالأهم»، فهو يتعرض بنفسه لهدم هذا التقدير، باعتبار أن انحفاظه في هذه الحالة، يكون بالحفظ الثالث، و بذلك ترتفع‏

482

المنافاة بين الخطابين و الأمرين بالمقتضيين، لارتفاع المنافاة بين المقتضيين- بالفتح- لأن التنافي بين هذين الأمرين المقتضيين، فرع التنافي بين المقتضيين، بالفتح، و المفروض أنه لا تنافي بين المقتضيين- بالفتح- و ذلك لأن الأمر بالأهم يتعرض إلى هدم ترك الأهم، «الإزالة» و إيجاد الأهم، الإزالة، لما عرفته سابقا، بينما الأمر بالمهم، «الصلاة» لا يتعرض إلى هدم الأهم لما عرفته سابقا، لأنّ انحفاظ الأمر بالصلاة في فرض ترك الإزالة، انحفاظ من قبيل انحفاظ المعلول في فرض وجود علته، فهو لا يتعرض إلى ترك الإزالة، أو عدم تركها، و إنّما يتعرض إلى أنه لو فرض ترك الإزالة، فحينئذ يأتي بالصلاة، و أمّا الأمر بالأهم فإنّه لا يقتضي نفي الصلاة و تركها، على تقدير فعل الإزالة، لكي يكون على خلاف مقتضى الأمر بالمهم، و إنّما يهدم ترك الإزالة نفسها، دون أن يهدم شيئا آخر على تقدير ترك الإزالة. إذن لا تنافي بين المقتضيين- بالفتح- و إنّما مقتضى الأمر بالأهم هو هدم ترك الإزالة دون أن يقتضي هدم الصلاة المهم، على تقدير ترك الإزالة، و كذلك الأمر بالصلاة فإنه بالعكس لا يقتضي هدم ترك الإزالة، و إنّما يقتضي إيقاع الصلاة على تقدير ترك الإزالة، إذن فما يقتضيه أحد الأمرين متعاكس مع ما يقتضيه الآخر، فما يقتضي الأمر بالأهم هدمه، لا يقتضي الأمر بالمهم إثباته، و ما يقتضي الأمر بالمهم هدمه، لا يقتضي الأمر بالأهم إثباته.

و بناء على هذا، فإنّه لا تعارض بين الأمرين، و يكون الترتب معقولا.

و هذا الكلام، و إنّ لم يكن صريحا في عبائر المحقق النائيني (قده)، لكنّه صريح في عبائر السيد الخوئي (قده).

و الآن نعلّق على المقدمة الرابعة بعد استعراض نقاطها الثلاث تباعا:

1- أمّا النقطة الأولى: فقد كان موجزها يصور ثلاثة أنحاء من حفظ الحكم و ثبوته:

483

فكان الحفظ الأول للحكم، بالإطلاق و التقييد بالجعل الأول، و هذا شأن الانقسامات الأولية.

و كان الحفظ الثاني للحكم، بالإطلاق و التقييد النتيجي بالجعل الثاني، و هذا شأن انحفاظ الحكم و ثبوته في الانقسامات الثانوية.

و كان الحفظ الثالث للحكم و ثبوته حفظا ذاتيا، و هذا شأن حفظ الخطاب و ثبوته، بالنسبة إلى ما يتعرّض له بذاته من بناء و هدم، في فرضي الامتثال و العصيان.

هذه خلاصة النقطة الأولى و قد تقدمت براهينها مفصّلة.

و أمّا تعليقنا فهو: إنّ الحفظ الأول للخطاب و ثبوته بالتقييد و الإطلاق اللحاظيين بالجعل الأول، أمر صحيح و معقول، رغم أننا نختلف مع المحقق النائيني (قده) في فهم الإطلاق، و كونه لحاظيا دائما، أو إنّه يمكن أن يكون ذاتيا و من دون لحاظ للإطلاق كما تذكر هذا فيما تقدم في أبحاث التعبدي و التوصلي.

و أمّا ثبوت الحكم و حفظه بمتمم الجعل، و نتيجة الإطلاق في الانقسامات الثانوية، فقد تقدم الكلام عنه مفصلا أيضا في بحث التعبدي و التوصلي، عند ما جعله المحقق النائيني (قده) أحد الموارد التي طبّق فيها حفظ الحكم لجهة أخذ قصد امتثال الأمر في متعلق الأمر، على أساس أنّ انقسام الصلاة إلى صلاة مع قصد الامتثال، و صلاة دون قصد الامتثال، انقسام ثانوي، حيث ذكر هناك بأن حفظ الحكم بالإطلاق و التقييد بالجعل الأول غير معقول، لأن التقييد مستحيل فيه، و إذا استحال التقييد استحال الإطلاق، و من هنا اضطرّ إلى تصور متمم الجعل، و أن حفظ الحكم و ثبوته يكون بالجعل الثاني تقييدا بحسب النتيجة، أو إطلاقا بحسب النتيجة، كما تقدم الكلام مفصلا حول ذلك.

و قد قلنا هناك: إنّ أيّ انقسام من الانقسامات الثانوية، إن لم يقم برهان‏

484

على استحالة تقييد الحكم بإحدى الخصوصيتين المنقسم إليهما الحكم انقساما ثانويا، إن لم يقم برهان على استحالة التقييد بالجعل الأول، حينئذ يكون التقييد معقولا و يصبح الإطلاق معقولا و ضروريا بنفس الجعل الأول، و إنّ فرض أنه قام برهان على استحالة التقييد بالجعل الأول، فهذا يوجب ضرورية الإطلاق، فيكون الحكم محفوظا بالحفظ الأول، لكن بالإطلاق.

و ليس من الصحيح أن يقال: إنّه إذا استحال التقييد استحال الإطلاق، بدعوى أن التقابل بينهما تقابل العدم و الملكة، إذ إنّنا أوضحنا فيما سبق، أن التقابل بينهما هو تقابل السلب و الإيجاب، فإذا استحال التقييد بقيد يصبح الإطلاق ضروريا بنفس الجعل الأول، أي: إنّه إذا استحال الإيجاب تعيّن السلب، إذن فالحكم يحفظ و يكون دائما إمّا بالتقييد بالجعل الأول، أو بالإطلاق بالجعل الأول، إن أمكن التقييد، إذن فيعقل حفظ الحكم بكلا النحوين تقييدا أو إطلاقا بالجعل الأول، كما عرفته مبرهنا عليه في بحث التعبّدي و التوصّلي.

و أمّا النحو الثالث من أنحاء الحفظ، و هو: كون الخطاب بذاته حافظا لنفسه في الفروض التي هو بذاته يتعرض لها، كما في فرض الفعل و فرض الترك.

و هنا قال المحقق الميرزا (قده): إنّ انحفاظ الحكم و الخطاب في فرض الفعل و الترك، يستحيل أن يكون بالإطلاق و التقييد، بل يجب أن يكون انحفاظه انحفاظا ذاتيا، إذن فكلامه هنا له شقان:

1- شق سلبي و هو أنه يستحيل أن يكون انحفاظ الحكم و الخطاب في فرض الفعل و الترك بالإطلاق و التقييد.

2- و شق إثباتي، و هو أن الحكم و الخطاب ينحفظ انحفاظا ذاتيا في تقديري الامتثال و العصيان.

أمّا الشق السلبي من كلام الميرزا (قده): فهو صحيح، إذ لا إشكال في‏

485

استحالة انحفاظ الحكم في فرضي الامتثال و العصيان بالتقييد، إذ لا يمكن تقييد الأمر بوقوع الإكرام، أو بعدم وقوعه، لما تقدّم سابقا.

و بقي أن نعرف أنّ حفظ الحكم و ثبوته بالإطلاق عند ما يستحيل التقييد هو أيضا مستحيل عند المحقق الميرزا (قده).

و كنّا قد استفدنا من كلام المحقق الميرزا (قده) وجهين لاستحالة ثبوت الحكم بالإطلاق عند ما يستحيل التقييد.

و كان مفاد الوجه الأول هو: إنّه إذا استحال التقييد، استحال الإطلاق، تطبيقا للقاعدة التي أسّسها و عليها بنى عدم انحفاظ الحكم و ثبوته بالإطلاق، بعد أن كان التقييد مستحيلا.

و قد ذكرنا في (بحث التعبدي و التوصلي) أنّ هذه القاعدة غير صحيحة، لأن التقابل بين الإطلاق و التقييد ليس تقابل العدم و الملكة، كما ذهب إليه الميرزا (قده)، و لا تقابل التضاد كما يقول به السيد الخوئي (قده)، و إنّما التقابل بينهما هو تقابل السلب و الإيجاب، و عليه نبني أنه إذا استحال أحدهما تعيّن الآخر، كما تقدم برهانه سابقا.

و كان مفاد الوجه الثاني لاستحالة ثبوت الحكم بالإطلاق عند الميرزا (قده) كما تقدم ذكره، هو: إنّ الإطلاق جمع بين القيود، فإذا استحال تقييد الأمر بفرض وقوع الفعل، و استحال تقييده بفرض عدم وقوعه، أنتج أن الأمر في كلا الحالين، الذي هو معنى الإطلاق، جمع بين المقيّدين، فيكون مستبطنا لكلا المحذورين، إذن فيستحيل الإطلاق أيضا.

و قد تقدم منّا في بحث (التعبّدي و التوصّلي) مناقشة هذا الوجه و إبطاله.

و خلاصة ما ذكرناه هو: إنّ الأمر بالمقيّد إذا كان مستحيلا، فالاستحالة تارة يكون مصبّها ذات الأمر المتعلق بذات المقيّد، و أخرى يكون مصبّها التقييد لا ذات المقيّد.

486

فإن كان مصبّها ذات الأمر، بمعنى كون استحالة حفظ الحكم على الحصة الخاصة من قبيل توجيه التكليف إلى المكلّف العاجز، فإنّ هذه الاستحالة ثابتة في الإطلاق أيضا، لأن مصبها ذات المقيّد، و في مثله إذا استحال المقيّد استحال المطلق أيضا، لأن المطلق يشتمل على ثبوت الحكم للعاجز، فكما يستحيل تخصيص العاجز للأمر، فأيضا يستحيل إطلاق الأمر للعاجز أيضا.

و أمّا إذا كان مصبّ الاستحالة هو التقييد، لا ذات المقيّد، حينئذ ليس إذا استحال التقييد استحال الإطلاق، لأنّ مركز التقييد ليس في المطلق، إذ الإطلاق ليس هو الجمع بين التقييدين، بل الإطلاق إلغاء للتقييدات كلها.

و مقامنا من قبيل الثاني لا الأول، لأنّ الاستحالة ليست في توجه الأمر بالإزالة حين وقوعها، و إنّما الاستحالة في تخصيص الأمر و تقييده بفرض الوقوع.

أو فقل: إنّ مقامنا من الثاني لا الأول، إذ لا محذور في حفظ الحكم و ثبوته في حالتي العصيان و الامتثال، و إنما المحذور في نفس تقييد الحكم بحالة العصيان، أو حالة الامتثال، فيرتفع بالإطلاق. إذن فالوجه الثاني لإبطال الإطلاق أيضا غير صحيح.

و بهذا يتضح أنه لا موجب لدعوى استحالة إطلاق الخطاب لحالتي «الامتثال و العصيان»، و «الفعل و الترك»،، هذا حال الشق السلبي من كلام الميرزا (قده).

و أمّا الشق الإيجابي من كلامه، فهو: كون الحكم محفوظا و ثابتا في حالتي الامتثال و العصيان، بدعوى أن الخطاب و الحكم بذاته يتعرض لهاتين الحالتين هدما و بناء، و حينئذ لا حاجة إلى حافظ من الخارج، بل يكون محفوظا بذاته.

هذا الكلام أيضا لا يمكن المساعدة عليه، لأننا لم نحصّل معنى معقولا

487

من الحفظ الذاتي، لأنّ الحكم المجعول، هو بحسب الحقيقة، تابع لموضوعه الذي جعل عليه هذا الحكم، فكلّما انطبق موضعه على مورد، ثبت الحكم في ذلك المورد، و انطباق الموضوع على مورد فرع كون ذلك الموضوع مقيّدا بذلك المورد، أو مطلقا، لم تؤخذ فيه خصوصيّة عدم ذلك المورد، إذن فالحكم المجعول من ناحية أنه هل يثبت في مورد، أو لا يثبت في مورد، ليس له نظر، و ليس له حول أو قوة، دائما هو تابع في ثبوته لانطباق موضوعه، و ثبوته لموضوعه فرع الإطلاق و التقييد، و أمّا أنّ الحكم بذاته يتعرض للعصيان و الامتثال، فهو صحيح. فإن الحكم بذاته، يحرّك نحو الفعل، أي: نحو متعلقه، و يطرد تركه ذاتا.

إلّا أنّ هذا التحريك و التقريب نحو متعلقه، و طرد و هدم تركه ذاتا، هو فرع وجوده في نفسه، و وجوده حين يوجد تابع لموضوعه لا محالة، إذ كلّما انطبق موضوعه وجد، و موضوعه إنّما ينطبق على حالة، إذا كان مقيّدا بها، أو مطلقا من ناحيتها لا محالة.

أو فقل: إنّ الحكم يحرك نحو متعلقه، و يهدم تركه ذاتا، إلّا أنّ هذا التحريك فرع ثبوته، و ثبوته أول الكلام، إذ إنّنا نتكلم فيما يحفظ ثبوته.

إذن ففرق بين النحوين من التعرض، بين كون الحكم المجعول متعرضا للفعل و الترك، بمعنى كونه مقرّبا نحو أحدهما و مبعدا عن الآخر، و بين كونه بذاته متعرضا إلى حفظ وجوده في حالتي الامتثال و العصيان.

فإن كان المراد هو النحو الأول من التعرّض، فهو صحيح، لكنّه ليس بمفيد، إذ كلامنا في أنه كيف يحفظ وجوده في نفسه، إذ إنّ تعرّضه فرع ثبوته أولا، و كلامنا في ما يحفظ وجوده و ثبوته.

و إنّ كان المراد من التعرض أنه بذاته يتعرض إلى حفظ وجوده في حالتي الامتثال و العصيان، فهذا أمر غير معقول، و كونه مقربا و مبعّدا بذاته، هذا لا يكون دليلا على أنه يكون حافظا لذاته.

488

و الخلاصة، هي: إنّ مقربيته و مبعديته بذاته عن متعلقه، أمر صحيح، لكن ذلك فرع وجوده بذاته، و كلامنا في أنه كيف وجد بذاته في المقام، و حيث أنه حكم مجعول على موضوع مقدّر الوجود، فهو لا محالة تابع لوجود ذلك الموضوع المقدّر الوجود، و وجوده و انطباقه لا يكون إلّا مع التقييد و الإطلاق، لا محالة، إذن فالانحفاظ بذاته أمر غير معقول.

2- النقطة الثانية: من المقدمة الرابعة، حيث ادّعى الميرزا (قده) أنّ نسبة الحكم إلى التقدير الذي يحفظ الحكم ضمنه بالنحو الأول، أو بالنحو الثاني، هو نسبة المعلول إلى العلة، و نسبة الحكم إلى التقدير الذي يحفظ فيه بالنحو الثالث هو نسبة العلّة إلى المعلول فهنا كلامان:

أمّا الكلام الأول: فهو كما أفاده المحقق الميرزا (قده)، من أنّ نسبة الحكم إلى التقدير الذي يحفظ الحكم ضمنه، بالنحو الأول، أو بالنحو الثاني من أنحاء الحفظ بالتقييد أو بالإطلاق، فهو صحيح كما أفاده «الميرزا» فإنّ نسبة الحكم في ذلك، نسبة المعلول إلى العلة.

أمّا إذا كان حفظه بالتقييد، فنسبته نسبة المعلول إلى العلة كما قيل، فإنّ وجوب الحج محفوظ في فرض الاستطاعة بالتقييد بالاستطاعة، لأنه مقيّد بها، فيكون بمثابة المعلول إلى الاستطاعة.

و أمّا إذا كان حفظ الحكم بالإطلاق بالجعلين الأول و الثاني، فقد قال الميرزا (قده): إنّه إذا كان الحكم محفوظا بالتقييد، و كان على نحو المعلول مع العلة، فإنّ حفظ الحكم بالإطلاق يكون كذلك على نحو المعلول مع العلة، لأن الإطلاق بديل التقييد، فيكون في مرتبته، فيكون نسبة الحكم إلى الإطلاق أيضا نسبة المعلول إلى العلة.

و هنا نختلف مع الميرزا (قده): فإنّه إنّ أراد بالإطلاق، الإطلاق الذي هو عمل المولى في عالم الجعل المقابل للتقييد، فهو صحيح، لأنّ الحكم يكون ثبوته لسائر الحصص فرع الإطلاق.

489

لكن هذه الفرعيّة و المعلوليّة لا تحتاج إلى دعوى أنّ الإطلاق في رتبة التقييد، و أنه كما أن الحكم في طول التقييد فيكون في طول الإطلاق، لأن الإطلاق في رتبة التقييد و بديله، بل ابتداء يكون هذا المطلب خارجا، فإنّ ثبوت الحكم بوجوب الحج على المستطيع في طول التقييد بالاستطاعة.

و كذلك فإنّ ثبوت الحكم بوجوب الصلاة على المستطيع في طول إطلاق الحكم من قبل المولى، و إلّا لو قيّده «بالفقير» لما شمل وجوب الصلاة، المستطيع غير الفقير، فيكون ثبوت حكم وجوب الصلاة للمستطيع، غير الفقير، فرع الإطلاق أيضا، لا محالة، و هذه الفرعية أصيلة، و لكن لا بدعوى، أن الإطلاق بديل عن التقييد.

هذا إذا لوحظ الإطلاق الذي هو عمل المولى في عالم الجعل المقابل للتقييد، لكن ليس هذا هو الملحوظ.

و إن أراد بالإطلاق الإطلاق بلحاظ التقادير المنسوب إليها الحكم، كما في إطلاق حكم و وجوب صلاة الظهر، لناحية الاستطاعة المالية و عدمها، حينئذ لا يوجد أي تأخّر رتبي لوجوب صلاة الظهر عن الاستطاعة، إذ وجوب صلاة الظهر على المكلّف المستطيع، ليس في طول استطاعته أصلا، و إن كانت تصح في طول إطلاق جعل المولى، لا في طول الاستطاعة للفقير و الغني، و كون الإطلاق بديلا عن التقييد، كما يكون في طول الإطلاق، يكون في طول التقييد أجنبيا عن محل الكلام، لأن ما هو بديل عن التقييد، إنّما هو الإطلاق حينما يلحظ الإطلاق و التقييد بما هما عملان للمولى في عالم جعل الحكم، إذ لا معنى لما يقال من أن وجوب صلاة الظهر على المستطيع في طول الإطلاق، لو أريد بالإطلاق الذي يكون الإطلاق بلحاظه كما في تقدير الاستطاعة، بينما إذا كان المراد بالإطلاق عمليّة الإطلاق من قبل المولى، فلا إشكال في أنّ ثبوت الحكم للمستطيع في طول تلك العملية ابتداء بلا حاجة إلى توسيط دعوى أن الإطلاق بديل عن التقييد، إذ أن ما نريد أن نثبته هو طولية الحكم بالنسبة إلى التقدير.

490

و الخلاصة هي: إنّ الحكم الثابت بالتقييد هو كما أفاده الميرزا (قده)، يكون ثبوته فرع ثبوت القيد و في طوله، و أما الحكم الثابت بالإطلاق الشامل التقدير من التقادير، فلا يكون ثبوته فرع ذلك التقدير كما تقدم، إذ إنّ وجوب الصلاة الثابتة للمستطيع الغني بسبب إطلاق «صلّ»، لا يكون فرع غنى الغني أو فقره.

نعم ثبوته فرع ثبوت الإطلاق، و في طوله في عملية الإطلاق من قبل المولى، حين جعله و إنشائه و دون توسيط دعوى، كون الإطلاق بديلا عن التقييد، فإنّ هذه الطولية خارجة عن محل الكلام.

و أمّا الكلام الثاني، و هو كون نسبة الحكم إلى ما حفظ فيه بالنحو الثالث نسبة العلّة إلى المعلول: فإننا لو تعقلنا أن نسبة الحكم إلى الفعل هي نسبة العلة إلى المعلول، و لكن لا يمكننا تعقّل كون نسبته إلى ترك الفعل، نسبة العلة إلى المعلول، إلّا بدعوى كون الترك بديلا عن الفعل، و أنّ ما يكون بديلا عن المتأخر يكون متأخرا، و هو كما ترى بطلانه، إلّا إذا قيل بكون النقيضين في رتبة واحدة و هو أوضح بطلانا.

3- النقطة الثالثة: في المقدمة الرابعة لبيان إمكان الترتب، و هي: إنّه لا تنافي بين الأمر بالأهم، و الأمر بالمهم.

و خلاصة تعليقنا عليها، هو: إنّ الأمر بالمهم، و إنّ كان لا يقتضي ترك الأمر بالأهم كما ذكر، إلّا أنّ الصحيح هو أنّ الأمر بالأهم يقتضي ترك الأمر بالمهم، فيكون التنافر و المطاردة فيهما بين المقتضيين بالفتح ثابتا، فيثبت التنافر فيهما بين المقتضيين- بالكسر-.

و إنّ شئت قلت: إنّه إن كان المقصود في كلام الميرزا (قده) من عدم التنافي بين الأمرين، «الأهم و المهم» بدعوى أنه لا تنافي بين مقتضاهما- بالفتح- بتقريب أن الأمر بالمهم- «الصلاة»- يقتضي الصلاة على تقدير ترك الإزالة، و لا يقتضي إيجاد ترك الإزالة، و أن الأمر بالإزالة- «للأهم»- يقتضي‏

491

إيجاد «الإزالة»، و طرد ترك «الإزالة»، و لا يقتضي إعدام «الصلاة» على تقدير ترك الإزالة، إذن فلا تنافي بين المقتضيين.

إن كان هذا مقصود الميرزا (قده) من عدم التنافي بين الأهم و المهم، فإن هذا المقصود غير تام، و إنّما الصحيح هو وجود التنافي بين مقتضي الأمر بالأهم و مقتضي الأمر بالمهم، ذلك أن الأمر بالمهم يقتضي التقريب نحو فعل «الصلاة» في فرض ترك الإزالة، و نفس هذا الفرض يقال في الأمر بالأهم، فإن الأمر «بالإزالة» يقتضي التبعيد عن «الصلاة» لأنه يقتضي التقريب نحو فعل الإزالة.

و قول الميرزا (قده): إنّ الأمر بالأهم لا يقتضي هدم المهم على تقدير ترك الأهم،، و إنّما جل ما يقتضيه الأمر بالأهم هو هدم ترك الأهم، هذا الكلام مدفوع.

بأنه إن كان قصدكم من ذلك هو أن الأمر بالأهم ليس له اقتضاء لهدم المهم يكون هذا الاقتضاء لترك المهم مشروطا بترك الأهم، فهذا صحيح، فإنّ الأمر بالأهم ليس له اقتضاء مشروط بترك الأهم، بل لا يمكن إثبات الأمر بالأهم مقيّدا بتقدير ترك الأهم، كما تقدّم و عرفته، و لكن الأمر بالأهم له اقتضاء لترك المهم، «الصلاة»، في حال ترك الأهم، «الإزالة» لا مشروطا بترك الإزالة، لأنّ اقتضاءه هذا مطلق ثابت، حتى في حال ترك الأهم، «الإزالة»، إذ من الواضح أن الأمر بالأهم، «الإزالة»، يقتضي بقول مطلق التقريب نحو الأهم، و التقريب نحو أحد الضدين هو تبعيد عن الضد الآخر لا محالة، إذن فالأمر بالأهم يقتضي بقول مطلق حتى في حال تركه، يقتضي التبعيد عن المهم، «الصلاة».

فكون الأمر بالأهم يقتضي طرد ترك الأهم، و لا يقتضي طرد المهم مشروطا بعدم الأهم، هو صحيح.

و لكن مدّعى الميرزا أنّ الأمر بالأهم في حال عصيانه يقتضي هدم‏

492

المهم دون أن يكون مشروطا هذا الاقتضاء بترك الأهم و عصيانه، بل اقتضاؤه مطلق ثابت حتى في حال ترك الأهم.

و إن كان مقصودكم أن الأمر بالأهم،- «الإزالة»، لا يقتضي هدم و طرد المهم، «الصلاة»، حيث لا يكون له اقتضاء مقيد في هذا الحال، و لا اقتضاء مطلق لهذا الحال، إن كان هذا مقصودكم، فهو غير صحيح، فإن الأمر بالأهم يقتضي التقريب نحو الأهم، و هذا التقريب نحو الأهم مساوق للتبعيد عن المهم، لا محالة، و هذا اقتضاء مطلق ثابت في حال فعل الأهم، و في حال تركه معا، و هذا كاف في وقوع المنافرة و المطاردة بين المقتضيين- بالفتح-، و يكون كلام الميرزا (قده) أشبه بالمغالطة، حيث يقال، بأنّ الأمر بالمهم يقتضي المهم على تقدير ترك الأهم، و لا يقتضي طرد ترك الأهم، و هذا صحيح، كما يقال أن الأمر بالأهم يقتضي الأهم و لا يقتضي، مشروطا بترك الأهم، هدم المهم، و هذا صحيح أيضا.

و لكنّه مع هذا فهو يقتضي طرد المهم اقتضاء ثابتا في حال ترك الأهم، لا اقتضاء مشروطا بترك الأهم، و هذا يكفي لتصور التنافر بين هذا المقتضي و ذاك المقتضي، لأنّ الأمر بالأهم له مقتض، و هو التبعيد عن المهم بقول مطلق حتى في حال ترك الأهم، و الأمر بالمهم له مقتض، و هو التقريب نحو المهم في حالة واحدة من الحالات التي يشملها الأمر بالأهم، إذن في تلك الحالة يوجد مقتضيان- بالفتح- متنافران لا محالة.

و النتيجة هي: إنّ حلّ الترتب و توجيه إمكانه، بدعوى أنه لا تنافي بين مقتضي الأمر بالأهم و مقتضي الأمر بالمهم، هذا الحل غير صحيح، لوجود التنافي بين المقتضيين «بالفتح».

و إن كان مقصودكم- كما هو الصحيح- بأنه و إن كان هناك تناف بين المقتضيين- بالفتح- فإنّ هذا لا يضر بعملية الترتب، ما دام أنه لا يوجد تناف بين نفس الاقتضاءين، بسبب كون أحدهما مترتبا على عدم تأثير الآخر، إذ كلّ‏

493

اقتضاءين كان أحدهما مترتبا على عدم تأثير الآخر، يستحيل أن يكون بينهما مزاحمة و ممانعة.

و هذه هي نكتة إمكان الترتب، كما سيأتي توضيحه، إن شاء اللّه تعالى.

و هذه النكتة لا يتوقف بيانها على كل هذه الكلمات و المطالب المعقّدة في نفسها، فضلا عن كون تصورها أصعب بكثير من التصديق بإمكان الترتب، إذ إمكان الترتب يكاد يكون مسلّما عند الناس، دون تجشّم هذه المقدمة التي ليس لها دخل في إمكان الترتب أصلا، لأن نكتته في كون اقتضاء الأمر بالمهم مترتبا على عدم تأثير اقتضاء الأمر بالأهم، مهما كان سنخ حفظهما و نوعه.

5- المقدمة الخامسة: من مقدمات إمكان الترتب في كلام المحقق النائيني (قده) هي: ما مهّد به الميرزا (قده) لدفع بعض إشكالات المنكرين للترتب، كما سنعرض لها بعد بيان دليل إمكان الترتب و فذلكته، كما أراد بها اقتناص إمكان الترتب من مقدمات أربع مهد بها لذلك، لا سيّما خصوص المقدمة الثانية و الرابعة، حيث أنه في المقدمة الثانية، أثبت عدم مطاردة المهم للأهم من خلال إثبات أن الواجب المشروط لا يخرج عن كونه مشروطا بتحقق شرطه، و في المقدمة الرابعة أثبت أن الأمر بالأهم هو أيضا لا يطارد الأمر بالمهم.

و لكنّ المحقق النائيني (قده) ذكر هنا نكتة جديدة لتعزيز برهان إمكان الترتب، مضافا إلى ما ذكره في تلك المقدمات.

و حاصل هذه النكتة الجديدة هو أن يقال: إنّنا لا نتعقل وجها لامتناع الأمر بالضدين إلّا كون الأمر بينهما يؤدّي إلى طلب الجمع بينهما، فلو أمكننا أن نثبت أن الأمر بالضدين على نحو الترتب، لا يؤدّي إلى طلب الجمع بينهما ترتبيا، و إن أدّى إلى الجمع في الطلب، حينئذ لا يبقى محذور بالأمر بهما على نحو الترتب.

494

و هنا ذكر الميرزا (قده)، أنّ الأمر بالضدين إنّما يلزم منهما المحذور في حالتين:

أ- الحالة الأولى: هي أن يكون الأمر متعلقا بعنوان الجمع بحيث يكون الجمع، بينهما مطلوبا بعنوانه.

ب- الحالة الثانية: هي أن يكون كلا من الأمرين، أو أحدهما، مقيّدا بفرض امتثال الآخر، أو أن كلا منهما مطلق من حيث امتثال الآخر، أو عدم امتثاله، إذ هنا أيضا يؤدّي الطلبان إلى طلب وقاع الجمع، و إن لم يكن عنوان الجمع تحت الطلب، لكن واقع الجمع، أي: إنّ هذا و ذاك يكون تحت الطلب فيكون مستحيلا، لأنه من طلب الجمع بين الأمرين بالضدين.

و أمّا لو فرض وجود طلبين أحدهما مشروط بترك امتثال الآخر، ففي مثل ذلك لا يتصوّر كون مثل هذا الطلب من طلب الجمع بين الضدين.

و ذلك ببرهان أنه لو تعلّق أحد الأمرين بالإزالة، و تعلّق الأمر الآخر بالصلاة مشروطا بترك الإزالة، فإنّه حينئذ لو فرض محالا جمع المكلف بين هذين الضدين في وقت واحد، بحيث يكون مرجعهما إلى طلب الجمع بينهما، للزم من ذلك إمّا اجتماع النقيضين، و إمّا وجود المعلول بلا علّة، لأن مطلوبيّة الصلاة مع فرض وجود الإزالة، إنّ كان مع فرض حفظ موضوعها، و هو ترك الإزالة أيضا، فيلزم اجتماع النقيضين، و إن كان من دون فرض حفظ موضوعها، فيلزم وجود الحكم من دون موضوعه، و هو على حدّ وجود المعلول بلا علة.

إذن على فرض وقوع الفعلين، و اجتماعهما خارجا، يستحيل أن يتّصفا بالمطلوبيّة و الوجوب، بل الأمر بالأهم هو الذي يتصف بالوجوب، و يكون المهم غير واجب لعدم تحقق شرطه، و هو ترك الأهم، و إذا استحال طلب جمعهما معا، فهذا معناه، أن الأمرين الترتبيّين ليس مرجعهما إلى طلب الجمع، و إنّما إلى الجمع في الطلب.

495

و بهذا البرهان يتبرهن أنّ الأمر بالأهم على الإطلاق، و الأمر بالمهم مشروط بترك الأهم، هذان الأمران ليسا من طلب الجمع بين الضدين، إذن فلا محذور في جمع طلبهما على نحو ما عرفت، و عليه فثبوتهما على وجه الترتب معقول.

و هذه الدعوى، إذا لم نرجعها إلى النكتة المنوّه عنها سابقا، و التي هي ملاك إمكان الترتب، فلا تكون هذه الدعوى كافية في إثبات المدّعى.

و تلك النكتة هي الطولية بين الاقتضاءين، بمعنى كون اقتضاء الأمر بالمهم منوطا بعدم تأثير اقتضاء الأمر بالأهم، و حينئذ يستحيل وقوع التنافي و التزاحم بين هذين الاقتضاءين، كما سيأتي توضيح ذلك، إن شاء اللّه.

و أمّا بيان الميرزا (قده) بمفرده مجردا عن تلك النكتة، فهو معرّض للنقض و المغالطة.

إذ قد يغالط مغالط و يقول: إنّه بعد فرض فعليّة الأمرين بالضدين معا، لا محالة يكون مرجعهما إلى طلب الجمع بينهما و هو محال.

و أمّا برهانكم على أنّ الأمر بهما ليس من طلب الجمع بينهما، بدعوى أنّه لو فرض محالا وقوع الضدين معا لما اتّصفا بالمطلوبيّة.

هذا البرهان منقوض، و ذلك لأنّ فرض وقوع الضدين معا، تارة يكون بلا فرض وقوع النقيضين أيضا معا، و هما «فعل الإزالة و ترك الإزالة»، و أخرى نفرض وقوع الضدين معا، و هما «الصلاة و الإزالة» و وقوع النقيضين معا أيضا، و هما «الإزالة و ترك الإزالة».

و حينئذ فإن فرض اجتماع الضدين فقط، من دون اجتماع النقيضين، حينئذ يكون عدم اتصاف المهم بالمطلوبية، باعتبار أنه ليس مصداقا للمطلوب، لا باعتبار كونه غير مطلوب، إذ الأمر بالمهم مقيّد بحسب الفرض بترك الأهم، إذن فترك الأهم قيد لوجوب المهم، و كل قيد يؤخذ في الوجوب‏

496

يؤخذ في الواجب، بمعنى أنه يستحيل إطلاق المادة لحال فقده، فيكون الواجب، و لو بحسب النتيجة، بهذا المعنى مقيدا أيضا بنفس ذلك القيد حيث ترجع قيود الهيئة و الوجوب إلى المادة و الواجب، و حينئذ يكون عندنا واجبان: أحدهما ذات الإزالة، و الآخر الصلاة المقيدة بترك الإزالة، كما لو فرض أنّ المولى أمر بهذين العنوانين صريحا فقال: «أزل النجاسة من المسجد»، و «صلّ صلاة مقيدة بترك الإزالة»، و حينئذ لو اقتصرنا على فرض وقوع الضدين فقط محالا في الخارج، فمعنى هذا، أننا لم نفرض وقوع المطلوبين، لأن المطلوبين هنا أحدهما مقيّد بترك الآخر، و المفروض أنه لم يترك الآخر، بل وقعا معا، فيكون هذا لغوا، إذن فالجمع الخارجي لم يكن مطلوبا، لأنه لم يكن مصداقا لما تعلّق به الطلب، و ليس لقصور في المطلوبيّة.

و إن فرض اجتماع النقيضين أيضا «الإزالة و عدم الإزالة» و أنّ الأهم موجود و معدوم في آن واحد مع فرض وجود المهم، «الصلاة»، فمعنى هذا، أنّ كلا الفعلين، واجبان و مطلوبان معا لتحقق شرط وجوبهما خارجا، فالصلاة تكون مطلوبة لأنّ وجودهما فعلي، و هذا (1) مصداق للواجب، و الإزالة أيضا تكون مطلوبة، لتحقق شرط (2) وجوبها كذلك خارجا.

إذن فدعوى الميرزا (قده) إن لم نرجعها إلى نكتة ملاك الترتب، لا تكون كافية لإثبات المدّعى، إذ يمكن لمغالط أن يقول: إن هذه الدعوى هي من طلب الجمع بين الضدين، لا من الجمع بين الطلبين.

لأنه إن كان هذا الجمع الذي تقولون إنّه يقع محالا، هو الجمع بين الضدين فقط، إذن فعدم وقوعه على وجه المطلوبيّة، لا يكشف عن عدم‏

____________

(1) صيرورة الواجب المهم فعليّا، إنما كان بسبب تحقق شرطه، و هو اجتماع النقيضين الإزالة و عدمها في آن.

(2) و هو نفس سبب وجوب المهم.

497

مطلوبية الجمع، إذ إنّ عدم وقوعه على هذه الصفة، لم ينشأ من ناحية أن الجمع ليس مطلوبا، بل نشأ من ناحية أن الواجب لم ينطبق على هذا المصداق الخارجي، لأن الواجب هو المهم المقيّد بترك الأهم، حيث أن ترك الأهم قيد للوجوب، فهو إذن قيد للواجب، لأنّ قيد الوجوب معناه عدم إمكان إطلاق المادة «الواجب» لحال فقد القيد، إذن فلا محالة لا ينطبق المطلوبان على النفسيين خارجا.

و إن كان هذا الجمع المحالي، جمعا بين الضدين و النقيضين معا، إذن فكلا الفعلين سوف يقع على صفة المطلوبية لا محالة، لتحقق شرط وجوبهما خارجا، فيمتثل الأمر بالإزالة و الأمر بالصلاة، لفعلية وجوبهما، و حينئذ يكون الجمع الخارجي مطلوبا، هذا الكلام قد يقوله المغالط.

و لكن في مقام دفع هذه المغالطة، لا بدّ من الرجوع إلى نكتة ملاك الترتب التي أشرنا إليها سابقا، حيث قلنا: إنّ هذين الفعلين الخارجيين لا يتّصفان معا بالمطلوبية، لأنّ المولى، في الترتب، لا يطلب الجمع حقيقة بين الضدين، و إنّما جعل الأمر بالمهم منهما منوطا، و في طول عدم اقتضاء الأمر بالأهم، بمعنى جعل الترتب بين الاقتضاءين و كون أحد الاقتضاءين مترتبا على عدم تأثير الاقتضاء الآخر، و معه يستحيل أن يكون الجمع بين الطلبين، مؤديا إلى طلب الجمع بين الضدين.

و هذا كاف لإثبات إمكان الترتب، حيث أنه ينشأ من ذلك، برهان على أنّ الأمر بالأهم يستحيل أن يكون مانعا عن تأثير اقتضاء الأمر بالمهم، و ينشأ برهان، على أنّ الأمر بالمهم يستحيل أن يكون مانعا عن تأثير اقتضاء الأمر بالأهم.

و كلا هذين البرهانين ينشآن من هذه النكتة فقط، بل و تمام المقدمات الخمس الآنفة مقتبسة من هذه النكتة التي هي أيضا من إفادات هذا المحقق العظيم (قده).

498

* 7- الجهة السابعة: و هي في بيان و تحقيق فذلكة القول في إمكان الترتب‏

، و ذلك ببيانين، ثانيهما تصعيد للأول:

1- البيان الأول: و هو مركب من نقطتين:

أ- النقطة الأولى: هي إنّ الأمرين بالضدين لا محذور في اجتماعهما، لو لا التصادم و التمانع بينهما، و كون أحدهما منافيا و مانعا عن تأثير الآخر في مقتضاه، إذ ليس هناك تناقض، أو اجتماع ضدين، أو تضاد ذاتي بين الأمر بالمهم، «الصلاة»، و الأمر بالأهم، «الإزالة»، سوى محذور مانعيّة كل من الأمرين عن تأثير الأمر الآخر في مقتضاه في مقام الامتثال.

ب- النقطة الثانية: هي إنّه إذا كان محذور اجتماع الأمر بالمهم و الأمر بالأهم، هو محذور مانعيّة كل واحد منهما عن تأثير الآخر في مقتضاه، فإنّ ذلك المحذور يرتفع من البين فيما إذا كان الأمر بالأهم مطلقا، و كان الأمر بالمهم مقيّدا و مشروطا بترك الأهم، إذ حينئذ يستحيل أن يكون الأمر بالمهم مانعا عن تأثير الأمر بالأهم.

و كذلك يستحيل منع الأمر بالأهم عن تأثير الأمر بالمهم، و ذلك للزوم الدور، فإن مانعيّة الأمر بالمهم فرع وجوده، و وجوده فرع تحقق موضوعه، و موضوعه هو ترك الأهم، فلو كان المهم مانعا عن تأثير الأهم، فمعنى هذا، استناد ترك الأهم إلى المهم، مع أنّ الأمر بالأهم سابق على الأمر بالمهم، و هو دور، لأنّ معناه أن المهم سبب في عدم وجود الأهم، و أن ترك الأهم معلول للأمر بالمهم، مع أنّ الأمر بالمهم معلول لترك الأهم و هو دور واضح.

كما أنّ مانعيّة الأمر بالأهم عن تأثير الأمر بالمهم في مقتضاه، هي مستحيلة أيضا، لأنّ الأمر بالأهم، ظرف مانعيّته عن تأثير الأمر بالمهم، إن كان ظرف عدم وجود الأمر بالمهم، بعد تحقّق موضوعه، و هو «عصيان الأهم»، فهذه المانعيّة غير معقولة، لأنّ مانعيّة شي‏ء عن تأثير شي‏ء، فرع وجود الممنوع «المهم»، لأنّ الأمر بالأهم لا يعقل أن يكون مانعا عن تأثير

499

المهم، حينما لا يكون هناك أمر بالمهم، إذ الأمر بالمهم فرع عصيان الأهم، فلو كان الأمر بالأهم مانعا عن تأثير المهم لكانت هذه المانعيّة في ظرف وجود الأمر بالمهم، و المفروض أنّ ظرف وجود المهم هو فرض تماميّة موضوعه الذي هو ترك و عصيان الأهم، و معنى هذا أنّ الأهم محروم و معدوم في نفسه في فرض وجود المهم.

و من الواضح حينئذ، أنّ المقتضي المعدوم و المحروم في نفسه، ليس له اقتضاء، فلا يكون مزاحما، لأنّ المزاحمة إنّما تكون بين مقتضيين لهما تأثير، و ليس بين مقتضيين أحدهما محروم عن التأثير و الاقتضاء في نفسه، إذ مثله يستحيل أن يكون مانعا و مؤثرا في غيره، إذ فاقد الشي‏ء لا يعطيه، و المعدوم لا يؤثر في غيره.

و نتيجة هذا إنّ مانعيّة الأمر بالأهم للمهم مستحيلة.

و بهذا يتبرهن استحالة مانعيّة كلا الأمرين «بالأهم و المهم» للآخر، فيما إذا كان الأمر بالمهم موقوفا و مشروطا بترك الأهم على نحو الترتب، و معه لا تصادم، و لا تزاحم بين الأمرين في مقام التأثير.

و حيث أننا قلنا بعدم المحذور سوى التزاحم، و حيث أنّ التزاحم هنا غير ثابت بينهما، إذن فلا محذور مطلقا.

2- البيان الثاني: و هو تصعيد للبيان الأول، و هو مبني على ما حقّقناه و بنينا عليه في بحث الواجب المطلق و المشروط.

و خلاصة هذا المبنى هو: إنّ الإرادة المشروطة و الوجوب المشروط، روحه يرجع إلى إرادة مطلقة للجامع بين إيجاد الفعل توأما مع الشرط، أو إعدام الشرط، فمثلا، وجوب إحضار الماء على تقدير العطش، و إن كان بحسب صياغته وجوبا مشروطا، لكن برهنّا هناك على أن كل مشروط مرجعه إلى وجوب تخييري مطلق، متعلق بالجامع بين الفعل مع الشرط، و بين نقيض‏

500

الشرط، أي: بالجامع بين أن لا يعطش، و بين أن يشرب الماء على تقدير العطش.

و بناء على هذا المبنى في الواجب المشروط، تنحل و ترتفع شبهة امتناع الترتب، حيث أن الأمر بالمهم مشروط بعصيان الأهم، فإذا طبّقنا عليه القاعدة الآنفة، في أنّ كل مشروط مرجعه إلى إرادة مطلقة متعلقة بالجامع بين وجود الفعل و نقيض شرطه، حينئذ يقال:

بأنّ الأمر بالمهم يرجع إلى وجوب مطلق تخييري متعلق بالجامع بين المهم، و نقيض عصيان الأهم و هو فعل الأهم، إذن فالأمر الثاني متعلق بالجامع بين المهم و الأهم، و ليس مضادا مع الأمر بالأهم، إذن فلا يكون هذان الأمران من باب الأمرين بالضدين أصلا، لأنّ التضاد ليس بين الأهم و الجامع، و إنّما هو بين المهم و الأهم، «الإزالة و الصلاة» بما هي صلاة، أي:

بين الأهم تعيينا، و المهم تعيينا.

و تمام الشبهة، كانت قد نشأت من تخيّل تعلق الأمرين بالضدين، و لكن ببرهاننا على كون الأمر بالمهم إنّما هو أمر تخييري مطلق متعلق بالجامع بين الأهم و المهم، ارتفعت شبهة التضاد بين الأمرين، و معه بطلت شبهة امتناع الترتب بين الخطابين، فيكون حال الخطابين حال ما لو أمر بزيارة الحسين، «ع» و أحد المعصومين «ع» في هذه الساعة، فيكون الحل كما عرفت آنفا.

و قد بقيت هناك إشكالات يردّدها القائلون بامتناع الترتب، نستعرض ما يستحق التعرض منها:

1- الإشكال الأول: هو إنّه‏ (1) لو التزمنا بأمرين بالضدين على وجه الترتب، حينئذ نسأل، أنه: لو عصى المكلّف كلا الأمرين، فإنّ كان يعاقب‏

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 217.

501

عقابا واحدا، فمعنى ذلك، أنه لا أثر للأمر الثاني الترتبي، و إنّ كان يعاقب عقابين، فلازمه كون أحد العقابين على أمر غير اختياري و غير مقدور له، لأنّ المكلف لم يك له قدرة إلّا على امتثال أحد الفعلين و الأمرين فقط، و العقاب على ما ليس بالاختيار، هو كالتكليف بغير المقدور، و هو قبيح عقلا.

و قد اختار المحقق النائيني (قده) الشق الثاني من الإشكال، و هو كون المكلّف مستحقا لعقابين، و مع ذلك لا يلزم منه كون أحد العقابين على أمر غير اختياري، و أجاب عنه بجوابين: نقضا و حلا.

أ- الجواب النقضي: هو بالواجب الكفائي‏ (1) الذي لا يتعقل إيجاده إلّا مرة واحدة مشروطة بترك الآخرين له، فإذا عصاه جميع المكلفين، فإنّ كل واحد منهم يستحق عقابا، مع أنه لا يترقّب إلّا تحرّك واحد و امتثال واحد من أحدهم.

و يدفع هذا النقض بإبراز الفرق بينه و بين محل الكلام، إذ في محل الكلام لا يوجد إلّا قدرة واحدة فقط للمكلّف، و هذه القدرة متعلقة بإيجاد الجامع بين المهم و الأهم في ضمن أحدهما فقط، بينما في مورد النقض، توجد قدرات متعددة بعدد أفراد المكلّفين، و كل واحدة منها مشروطة بعدم مزاحمة القدرة الأخرى لها، و حينئذ يقال: بأنه إذا عصى جميع المكلفين، فإنهم يعاقبون جميعا، بمعنى أنه يوزع عليهم العقاب، لأنّ عقاب أحدهم دون الباقي بلا موجب، إذ القدرة على الفعل قائمة في الجميع، غايته أنها مشروطة بعدم المزاحم من كل واحد، و تخصيص كونها في واحد ترجيح بلا مرجح ما دام أن متعلقها كفائي، و تعلّقها بالجامع بينهم يبقى بلا جدوى، لأنه خلف المقصود من التكليف، إذ الجامع لا وجود له بحدّه الجامعي في الخارج، إذن لا بدّ من القول بقيامها في كل واحد من المكلفين، و هو معنى تعددها خارجا.

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 218. أجود التقديرات- الخوئي ج 1 ص 308.

502

و بعبارة أخرى يقال: إنّ عصيان الجميع للواجب الكفائي، فيه عقاب واحد، نسبته إلى جميع المكلفين على حد سواء، لكون القدرة على الفعل في الجميع على حد سواء دون تخصيصها بواحد، و عليه فالجميع يستحق العقاب.

و مثل هذا الدفع للنقض، تفتقده في محل الكلام، إذ الخصم يدعي وجود قدرة واحدة و مقتدر واحد على الجامع بين الضدين.

و من هنا كان من الأفضل أن ينقض بما لو كان التكليف بالضدين المختلفين من حيث الزمان، كما لو أمر بأحد الضدين، و بعد عصيانه أمر بضده، فكان أمره بالثاني مترتبا على عصيان الأول، و هو تكليف جائز حتى عند المانع و المحيل للترتب، لأنه تكليف لا يلزم منه طلب الجمع بين الضدين في زمان واحد، حيث كان التكليف بأحدهما في زمان غير زمان الآخر، و حينئذ لو فرض عصيان المكلف للفعلين معا، فإن قيل: بأنه يستحق عقابا واحدا، فلازم ذلك كون التكليف الثاني بلا أثر، و إن قيل: بأنه يستحق عقابين، فلازم ذلك، كون أحدهما على تكليف غير اختياري، لأنّ المتوقع من المكلّف امتثال أحدهما فقط دون سواه، مع أنّ القائل بعدم إمكان الترتب يرى استحقاق المكلّف لعقابين، مع أنه يجري فيه نفس الإشكال الذي يردّده المانع للترتب.

و على كل حال فما تجيبون به هنا في النقض المقترح، نجيب به هناك في إشكالكم.

ب- الجواب الحلّي: الذي أفاده الميرزا (قده) (1)، و حاصله هو منشأ أن الإشكال إنّما هو تخيّل كون العقاب الثاني على عدم الجمع بين الأهم و المهم، أي: على عدم الجمع بين الضدين، و حينئذ رتّبوا على هذا المبنى‏

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 218.