بحوث في علم الأصول - ج5

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
533 /
53

بالجامع، و هي فعلية من أول الأمر، و قبل تحقق الشرط، و غير مشروطة، و تتطور إلى إرادة تعيينية عند وجود الشرط خارجا.

هذا تمام تحقيق حال الإرادة المشروطة.

بناء على هذا، فإن التزمنا في باب الأحكام بأن الحكم في عالم الثبوت له مرحلتان فقط هما: مرحلة الملاك و مرحلة الإرادة و الشوق، دون الالتزام بمرحلة الجعل و الاعتبار ثالثة، بل هاتان المرحلتان هما روح الحكم و ملاكه، و عند اكتمالهما يبرز المولى هذه الإرادة للمكلفين، تارة بجملة خبرية بأن يقول أريد منك كذا، و أخرى بجملة إنشائية بأن يقول: صلّ، «صم» و شبه ذلك من التّفنّن في إبراز الإرادة، و يبقى مدلول الإبراز التصديقي في كل هذه الصيغ هو هذه الإرادة.

و بناء على هذا لم يبق مجال لكلام آخر بلحاظ عالم الثبوت في الواجب المشروط، و حينئذ يكون الحكم عبارة عمّا يستكشف من إبراز المولى الإخباري، أو الإنشائي، لإرادته بخطابه.

و هذا الخطاب الذي به يبرز المولى إرادته، له كشفان: أحدهما كشف عن الإرادة المشروطة، و الآخر كشف عن الإرادة المطلقة طبقا لما تقدّم من التلازم بين الإرادتين. و هذان الكشفان لخطاب المولى ثابتان حتى لو كان الخطاب بالصيغة الشرطية، كما في قوله: «إذا استطعت فحج» فإنه يكشف بالمطابقة عن الإرادة المشروطة، و بالالتزام عن الإرادة المطلقة الفعلية، و بكشف المولى بخطابه عن تلكما الإرادتين، ينتزع عنوان الباعثية و المحركية، إذ إنّ الباعثية و المحركية ينتزعهما العقل من خطاب المولى باعتبار كشفه عن إرادة المولى التي هي موضوع تحرّك العبد و انبعاثه نحو مراد المولى، و حيث أن خطاب المولى يكشف عن إرادتين له، حينئذ ينتزع العقل منه باعثيتين بلحاظ كل من الكشفين، و تكون كل باعثية على طبق الإرادة المنكشفة، فالباعثية المنتزعة من الخطاب باعتبار كشفه عن الإرادة المشروطة، تكون باعثية مشروطة، و إن كانت الإرادة المنكشفة بالدلالة الالتزامية، إرادة مطلقة

54

تكون الباعثية باعثية مطلقة، هذا كله بناء على الالتزام بوجود مرحلتين في عالم الثبوت هما: مرحلة الملاك، و مرحلة الإرادة و الشوق.

و أمّا إذا التزمنا في عالم الثبوت بوجود مرحلة ثالثة اسمها «الجعل و الاعتبار»، حينئذ يقع البحث ثبوتا في حقيقة الواجب المشروط بلحاظ مرحلة الجعل و الاعتبار.

و لكن قبل الدخول في بحث حقيقة الواجب المشروط بلحاظ مرحلة الجعل و الاعتبار، ينبغي أن نوضح إشكالا سابقا في برهان النظرية الأولى مع جوابه، حيث أنهم كانوا قد ذكروا هناك: بأن المولى، قبل أن تتحقق الاستطاعة و العطش خارجا، فهو يصدر الخطاب، مع أن الخطاب إنما يصدره المولى توصلا إلى مراده، و استطراقا إلى مطلوبه، و هذا يكشف عن فعلية الإرادة، و قد أجبنا هناك بجواب إجمالي حيث قلنا إنّ صدور الخطاب- كما ذكر- إنما كان من باب المقدمات المفوّتة.

و لكن تفصيل هذا الجواب الإجمالي، هو أن يقال: إنّ صدور الخطاب من المولى قبل الاستطاعة و العطش، إنما كان بمحركية الإرادة الثانية لا الأولى، حيث قلنا فيما تقدّم: إنّ المولى له إرادة فعلية مطلقة متعلقة بجامع «أن لا يوجد عطش لا ماء معه». و من الواضح أنه لو لم يجعل هذا الخطاب من أول الأمر، إذن فسوف يوجد عطش لا ماء معه، و حينئذ، فباعتبار التحفظ من ناحية هذه الإرادة الفعلية غير المنوطة يصدر الخطاب، فالخطاب إذن من شئون محركيّة الإرادة الثانية دون الأولى.

3- المرحلة الثالثة: من مراحل الحكم هي مرحلة الجعل و الاعتبار بعد مرحلتي الملاك و الإرادة، و هذه المرحلة و إن لم يكن لها أي أثر في مقام الثبوت، لأن تمام الأثر في نظر العقل إنما هو عالم الملاك و الإرادة مع تصدّي المولى لإبرازهما و تحصيلهما، و لكن رغم هذا فقد يقال إنّ هذه المرحلة هي صياغة عقلائية

55

جرى عليها العقلاء في مقام صياغة العالم الأول و الثاني، حيث يصوغون إراداتهم و كراهاتهم بلسان الجعل و الاعتبار، كتنظيم عقلائي بين الموالي و المكلفين. و حينئذ بناء على هذه المرحلة أيضا، يقع البحث في أن الشرط في الواجب المشروط هل هو قيد في متعلق الإلزام، أو هو قيد في الإلزام نفسه بالضبط، كما جرى هذا السؤال في عالم الملاك و الإرادة؟.

و الصحيح في المقام: أن القيد قيد في نفس الإلزام و الوجوب، و ليس في متعلقه، و قد يبرهن على هذا بمجموع أمرين:

أ- الأمر الأول: هو أن كل قيد اختياري أخذ قيدا في متعلق الإلزام، أي: في الواجب، لا بد أن يكون محرّكا نحوه من قبل ذلك الوجوب، لأن فرض كون القيد قيدا في الواجب، هو فرع فعلية الوجوب قبله، و مع فعلية الوجوب قبله، يكون الوجوب محرّكا نحو متعلقه، و متعلقه هو المقيّد، و التحريك نحو المقيّد، تحريك نحو القيد. إذن فكل قيد اختياري أخذ قيدا في الواجب، لا بدّ من كون الوجوب محرّكا نحوه.

ب- الأمر الثاني: هو أن القيود غير الاختيارية، يستحيل أن تؤخذ قيدا في الواجب، بل يجب أخذها قيدا في الوجوب، لأنها لو أخذت قيدا في الواجب للزم محركية الواجب نحوها، كما يلزم أيضا كون الوجوب فعليا قبل وجودها و قد قلنا: إنّ فعلية الوجوب مساوقة مع محركيته نحو متعلّقه، و متعلقه هو المقيّد، و التحريك نحو المقيّد تحريك نحو القيد، و قد فرض أن القيد غير اختياري، و التحريك نحو غير الاختياري غير معقول.

و بناء على هذين الأمرين نقول: إنّ الاستطاعة التي هي شرط في الواجب المشروط، لو أنها أخذت قيدا في الواجب لا في الوجوب، حينئذ فإمّا أن تكون مأخوذة قيدا في الواجب بمطلق وجودها، و إمّا أن تكون قد أخذت قيدا بوجودها الاتفاقي الغير ناشئ من الوجوب.

فإن كانت هذه الاستطاعة قد أخذت في الواجب بمطلق وجودها، إذن‏

56

يلزم بحكم الأمر الأول، أن يكون الوجوب محرّكا نحوها، كما يلزم أن يعاقب المكلف إذا لم يسع لتحصيلها، و قد عرفت أن التحريك نحوها خلف، لأننا نريد أن نتصور وجوب الحج بنحو لا يحرّك نحو الاستطاعة.

و إن كانت هذه الاستطاعة قد أخذت قيدا في الواجب بوجودها الاتفاقي اللّااختياري الغير ناشئ من الوجوب لا بمطلق وجودها، إذن فوجودها الاتفاقي غير اختياري للمكلف، و لا يعقل التحريك نحوه، و حينئذ يلزم محذور الأمر الثاني، و هو أخذ القيد غير الاختياري قيدا في الواجب، و هو غير معقول، كما برهن في الأمر الثاني. و بهذا يتعيّن أن تكون الاستطاعة مأخوذة قيدا في الوجوب، لا في الواجب.

و الخلاصة هي: إنّه بعد أن تبيّن إمكان تصور المطلق و المشروط في المرحلة الثالثة من مراحل مقام الثبوت، و هي مرحلة الجعل و الاعتبار، و تبيّن أن جملة من القيود لا بدّ أن تكون قيودا للوجوب، لا للواجب محضا.

حينئذ يمكن رسم و تأسيس ضابطة كلية قائمة على أصل موضوعي، نكتته و روحه هي: إنّ كل قيد لم يؤخذ قيدا في الوجوب، بل أخذ محضا في الواجب، يلزم محركية الوجوب نحوه.

و قد عرفت أنّ محركيّة الوجوب نحو قيد الواجب، فرع فرض فعلية الوجوب قبل وجوده، و هو فرع فرض فاعلية هذا الوجوب و محركيته، و بمحركية الوجوب نحو قيد الواجب غير الاختياري، يلزم المحذور المتقدم،

و بهذا يمكن أن نؤسس لضابطة كلية بها، يمكن أن نعرف أيّ القيود يجب أن تؤخذ في الوجوب، و أيّ القيود يجب أن تؤخذ في الواجب و حينئذ نقول:

إن الشروط و القيود على قسمين بلحاظ عالم الملاك:

أ- القسم الأول: شروط في أصل اتصاف الفعل إنّه ذو ملاك، و في أصل‏

57

احتياج المكلف إلى الفعل، من قبيل برودة الهواء بالنسبة إلى النار، و الاستطاعة بالنسبة إلى الحج.

ب- القسم الثاني: هو ما يكون قيدا في ترتب المصلحة خارجا، مع فرض فعليّة الاتصاف قبله، من قبيل سدّ المنافذ بالنسبة للدف‏ء، و التحريك الخارجي بالنسبة لوقوع الحج.

أمّا القسم الأول من القيود، فهي تارة تكون اختيارية، بمعنى أنه يمكن الإلزام بها من قبل المولى، و أخرى يفرض أنها ليست اختيارية، بمعنى أنه لا يعقل الإلزام بها من قبل المولى.

فإن فرض كون هذه القيود في أصل اتصاف الفعل بأنه ذو مصلحة، فإن فرض كونها قيودا اختيارية، فهذه القيود لا يمكن سحبها من الوجوب، و أخذها في الواجب محضا، و ذلك ببرهان عدم المقتضي لذلك، لأن هذه القيود هي التي بها يتحقق الملاك، فلو فرض أنها سحبت عن الوجوب، و أخذت في الواجب، لزم بناء على الأصل الموضوعي المتقدم، أن يكون الوجوب محرّكا نحوها، لأنها سحبت عن الوجوب، و أخذت في الواجب، مع أنه لا مقتضي للتحريك نحوها، إذ إنّ المولى لا مقتضي عنده لكي يحرك نحو شي‏ء يكون دخيلا في أصل اتصاف الفعل في كونه ذا مصلحة، بل المولى يحرك نحو المصلحة لو اتصف الفعل بها، لا أنه يحرك نحو أن يتصف الفعل في أنه ذو مصلحة.

إذن فالتحريك نحو هذا القيد بلا مقتضي، و بهذا البرهان يستحيل جر القيود من دائرة الوجوب، و أخذها في دائرة الواجب إنّها للزوم التحريك نحوها، مع أن هذا التحريك بلا مقتض، و بهذا يتعيّن أن تكون قيودا في الوجوب.

و إن فرض كون هذه القيود الاتصافية إنّها ليست اختيارية، بمعنى عدم معقولية الإلزام بها مولويا، إمّا لأنها خارجة عن الاختيار محضا كالزوال،

58

و طلوع الفجر، و إمّا لكون هذه القيود، و إن كانت اختيارية في نفسها، و لكن قيّدت بكونها اتفاقية، حينئذ لا يعقل التكليف بالحصة الاتفاقية من قبل المولى، و حينئذ أيضا، البرهان قائم على أنه لا يمكن سحب هذا القيد من دائرة الوجوب، و أخذه في الواجب محضا، و ذلك لعدم المقتضي، و لوجود المانع معا.

أمّا عدم المقتضي فلنفس البيان السابق، إذ إنّ هذه القيود لو سحبت من دائرة الوجوب، و أخذت في الواجب محضا، يلزم محركية الوجوب نحوها بناء على الأصل الموضوعي السابق، و التحريك نحوها بلا مقتض، لأن المولى لا يهمه أن يحدث ملاك، و إنما الذي يهمه أنه لو حدث الملاك، فيجب أن يستوفى. و أمّا المانع، فلأن هذه القيود قيود غير اختيارية، و التكليف بغير الاختياري غير معقول، فلو فرض أن هذا القيد أخذ في الواجب محضا دون الوجوب، إذن يلزم فعلية الوجوب قبل وجوده، و فعلية الوجوب مساوقة مع محركيته، إذن فيكون محركا نحو متعلقه، و متعلقه المقيّد، و التحريك نحو المقيّد بما هو مقيّد، تحريك نحو القيد أيضا، مع أن القيد غير اختياري في المقام. إذن فالمانع موجود.

و عليه فقيود الاتصاف أجمع، لا يمكن سحبها من دائرة الوجوب، و أخذها في دائرة الواجب، أمّا ما كان منها اختياريا فلعدم المقتضي، و أمّا ما كان منها غير اختياري فلعدم المقتضي و لوجود المانع أيضا. و بهذا يتعين أن قيود الاتصاف سواء أ كانت اختيارية، أو غير اختيارية، يتعين أخذها قيودا في الوجوب، و لكن بعد أخذها هكذا، لا مانع من أخذها قيدا في الواجب، فيقول: من استطاع يجب عليه الحج المقرون مع الاستطاعة، بحيث لو أخّر الحج إلى أن زالت عنه الاستطاعة، و حجّ متسكعا بعد ذلك، لم يقبل منه، فيكون القيد للوجوب و للواجب و هذا أمر معقول لو فرض أن وقوع الفعل مقارن مع هذا القيد دخيل في ترتب المصلحة خارجا، بحيث أن المصلحة المطلوبة من الحج لا تقع إلّا إذا وقع الحج قبل زوال الاستطاعة، فحينئذ لا

59

بأس بأن تؤخذ الاستطاعة قيدا في الوجوب، و قيدا في الواجب، لوجود المقتضي و عدم المانع.

أمّا وجود المقتضي: فلما افترض من أن المصلحة لا تترتب خارجا إلّا على الحصة من الحج المقرونة بالاستطاعة.

و أمّا عدم المانع فباعتبار أن المانع كان هو التكليف بغير المقدور، و هنا أخذ الاستطاعة التي هي غير مقدورة في الواجب، لا يلزم منها التكليف بغير المقدور، لأنها قد أخذت قيدا في الوجوب أيضا.

إذن ففرض فعلية الوجوب هو فرض وجود القيد خارجا، و مع وجود القيد خارجا حينئذ يكون تحريك الوجوب تحريكا نحو المقيّد الذي وجد قيده، و التحريك نحو المقيد الموجود قيده، هو تحريك نحو ذات المقيد، و التقيّد، لا نحو القيد، لأن المقيّد هو عبارة عن ذات المقيّد و التقيّد و القيد، فإذا فرضنا أن القيد أخذناه في الوجوب، فأيضا نكون قد أخذناه في الواجب، و حينئذ فرض فعلية الوجوب هو فرض وجود القيد، و مع وجود القيد، يكون التحريك نحو المقيد تحريكا نحو ذات المقيّد و التقيّد، لا نحو القيد، لأن القيد مفروض الوجود في المقام، و ذات المقيّد و التقيّد كلاهما اختياري في المقام، فالتحريك نحوهما أمر معقول، و لا يلزم منه محذور.

و أما القسم الثاني، و هي القيود الدخيلة في وقوع المصلحة خارجا، فهي على قسمين:

أ- القسم الأول: منها، ما يكون اختياريا.

ب- القسم الثاني: منها، ما لا يكون اختياريا.

و حينئذ فإن فرض كونها اختيارية: إذن فلا تؤخذ في الوجوب، بل تؤخذ محضا في الواجب، لأن المقتضي موجود و المانع مفقود، أمّا كون المقتضي موجودا لأخذها في الواجب، فلأنها دخيلة في وجود المصلحة بعد فرض فعلية المصلحة، فيكون التحريك نحوها موافقا مع المقتضي المولوي‏

60

في نفس المولى، و أمّا كون المانع مفقودا، فلأن المانع هو لزوم التحريك نحو أمر غير اختياري، و المفروض أن هذا النوع من القيود اختياري، إذن فلا يلزم التحريك نحو أمر غير اختياري، و إن فرض كون قيود هذا القسم أنها غير اختيارية و لكنها قيود في ترتب المصلحة خارجا، لا في اتصاف الفعل في كونه ذا مصلحة، كما لو فرض أن طلوعا من نهار شهر رمضان قيد في ترتب المصلحة و وجودها، لا في اتصاف الصوم بأنه ذو مصلحة، و لكن هذا القيد غير اختياري، في مثل ذلك لا يعقل سحبه من دائرة الوجوب، و أخذه محضا في الواجب، بل لا بدّ من أخذه في دائرة الوجوب، مضافا إلى أخذه في الواجب، إذ لا يعقل إطلاق الوجوب من ناحيته، و إن كان مقتضي إطلاق الوجوب موجودا، لأن المفروض أن هذا القيد ليس دخيلا في اتصاف الفعل في كونه ذا مصلحة، إذ لو كان يمكن للمولى أن يجعل الوجوب مطلقا لجعله، و لكن لوجود المانع.

و ذلك لأن الوجوب إذا كان مطلقا و غير مقيد بذلك القيد، إذن سوف يكون مطلقا من ناحيته، و إذا كان مطلقا من ناحيته، يلزم كونه محركا نحو المقيّد حتى في حالات عدم وجود القيد، و هو تحريك نحو أمر غير اختياري، و هو غير معقول.

نعم هناك استثناء واحد لهذا الحكم و هو فيما إذا أحرز المولى في نفسه، أن القيد سوف يوجد خارجا في حق جميع المكلفين الذين جعل الخطاب في حقهم، و أن الفجر طالع يقينا، حينئذ و إن كانت قيود الترتب و الوجود قيودا غير اختيارية، و لكن لمّا كان المولى في نفسه يعلم بوجودها، حينئذ لا بأس بجعل الوجوب مطلقا من ناحيتها، لأن إطلاق الوجوب من ناحيتها غاية ما يلزم منه هو محركية الوجوب نحو المقيّد، بقيد غير اختياري، و لكن المقيد بقيد غير اختياري سيكون وجوده اختياريا، و إنما يكون القيد بغير الاختياري غير اختياري فيما إذا لم يضمن وجود القيد الغير اختياري، و أمّا في حالة ضمان وجود القيد غير الاختياري حينئذ يكون المقيّد به اختياريا لا محالة.

61

و عليه فلا يلزم محذور من إطلاق الوجوب من ناحيته.

بقي بعد هذا، الإشارة إلى نكتة و هي: إن ما تعقلناه في المرحلة الثالثة من الوجوب المشروط، لا يعني مقايسة باب الأحكام الشرعية بباب القضايا الحقيقية كما هو ظاهر المحقق النائيني‏ (1) (قده)، فإنه بعد أن تعقّل الواجب المشروط، ذهب إلى أنّ حال الواجب المشروط هو حال القضايا الحقيقية.

فكما يوجد في القضايا الحقيقية مرحلتان، مرحلة القضية الشرطية الصادقة حتى مع كذب طرفيها، و مرحلة القضية الفعلية، الحملية في طرف الجزاء، و التي تكون فعلية عند فعلية الشرط، فكذلك الحال في الواجب المشروط فإنه تكون للحكم الشرعي مرحلتان:

مرحلة جعل الوجوب على المستطيع التي ترجع إلى قضية حقيقية شرطية.

و مرحلة المجعول التي ترجع إلى قضية فعلية للوجوب عند فعلية و تحقق الشرط في الخارج، فإذا قال المولى: إذا استطعت فحج، فهذه قضية شرطية لا تختلف في روحها عن القضية الحقيقية، فكما أن القضية الحقيقية ترجع في روحها إلى قضية شرطية كما في قوله «النار حارة» فإنها ترجع إلى قضية شرطية مفادها أنه إذا كان شي‏ء «ما» نارا فهي حارة، و كذلك هنا في القضايا الشرطية فقضية «إذا استطعت فحج» مفادها قضية حقيقية، تعني أنه إذا كان إنسان «ما» مستطيعا، فهو يجب عليه الحج، و بهذا يكون (المحقق النائيني) قد قاس القضية الحكمية الشرعية بقضية حقيقية تكوينية كما في «النار حارة» بلحاظ المرحلة الأولى و الثانية، و هو بهذا تصوّر للحكم عالمين: عالم الجعل، و عالم المجعول، فعالم الجعل هو عالم المرحلة الأولى، أي: عالم القضية الشرطية، بينما عالم المجعول هو عالم المرحلة الثانية، أي: عالم القضية الفعلية، يعني عالم فعلية الجزاء بفعلية شرطه.

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي ج 1 ص 224.

62

و هذه المقايسة، بلحاظ المرحلة الأولى و هي مرحلة القضية الشرطية، هي صحيحة، و لكنها بلحاظ المرحلة الثانية، مرحلة القضية الفعلية، هي غير صحيحة، فإن قضية «النار حارة» لها مرحلة فعلية، و هي مرحلة فعلية الجزاء بفعلية الشرط، و لكن قضية المستطيع يجب عليه الحج، هذه القضية ليس لها وراء عالمها وجود فعلي، و مرحلة فعلية لكي تقاس هذه بتلك كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في الشرط المتأخر. فإن القضية الحقيقية يكون لجزائها مرحلة فعلية حقيقية، و هذا بخلاف القضية المجعولة، فإنها لا يكون لجزائها مرحلة فعلية حقيقية بالدقة بل وهمية تصورية.

و الخلاصة هي: إنّ الوجوب المشروط في مرحلة الجعل و الاعتبار- المرحلة الثالثة- و إن كان ينشأ على نهج القضايا الحقيقية، بمعنى أنه يقدّر وجود الشرط تقديرا، ثمّ ينشأ الوجوب على أساس هذا التقدير، كما يقدر وجوب النار، و ينشأ الحكم بالحرارة على أساسه.

و لكن الفرق بين الاعتبار الذي يتمثل فيه الحكم في المرحلة الثالثة، و بين القضايا الحقيقية في الأمور الخارجية، هو: إنّ القضايا الحقيقية لها وراء عالم القضية الشرطية فعلية لجزائها في ظرف فعلية موضوعها، و لكن الاعتبار الذي تتمثل فيه قضايا الأحكام في المرحلة الثالثة، فهو ليس له وراء عالم القضية الشرطية المجعولة بذلك الاعتبار، ليس له فعلية للجزاء بفعلية الشرط، كما أشرنا إلى ذلك في بحث الشرط المتأخر.

و حاصل الكلام في ذلك هو: إنّ المولى حينما يعتبر وجوب الحج على المستطيع، فإنه يحدث بهذا الاعتبار شيئا لم يكن قبله- سواء أ كان مستطيعا في الخارج أو لم يكن، و هذا الشي‏ء الذي يحدث هو عبارة عن نفس الجعل و الاعتبار، إذ إنّ الجعل و الاعتبار حادثان بعد العدم، فالحادث قضية شرطية مجعولة و مفترضة، و هي قضية أنه لو كان مستطيعا لوجب عليه الحج، و هذه القضية الشرطية تكون ثابتة بالجعل و الاعتبار، بعد أن لم يكن لها ثبوت قبل ذلك، ثم بعد ذلك، يفرض أن الشرطية- الاستطاعة- توجد خارجا، حيث‏

63

يصح السؤال هنا، بأنه: هل حدث شي‏ء جديد عند وجود الشرط حيث يقال:

إنّ ذلك الجزاء في القضية الشرطية كان موجودا بوجود تقديري، و الآن أصبح موجودا بوجود فعلي تبعا لفعلية وجود الشرط، فهل هذا التساؤل و هذا القول، له واقع أو لا؟

قد سبق و ناقشنا هذا الوجود الثاني حيث قلنا هنا: إنه في ظرف وجود الاستطاعة خارجا، لا يحدث شي‏ء آخر وراء عالم الجعل و الاعتبار غير الذي كان ثابتا من أول الأمر.

و كان برهاننا على ذلك هو أن ثبوت شي‏ء و حدوثه عند وجود الاستطاعة خارجا، إمّا أن يكون نسبته إلى الجعل نسبة المجعول إلى الجعل، و إمّا أن يكون نسبته إلى الجعل نسبة المقتضى إلى المقتضي، و المسبّب إلى السبب، فإن فرض أن هذا الشي‏ء نسبته نسبة المجعول إلى الجعل، بمعنى أن الجعل جعل و إيجاد له، فقد سبق و قلنا: إنّ هذا غير معقول، لأن المجعول مع الجعل كالوجود مع الإيجاد، فكما أن الوجود عين الإيجاد، فكذلك المجعول و المعتبر عين الجعل و الاعتبار، و لا تعقل المغايرة بينهما.

و لكن في المقام يوجد مغايرة بينهما، لأن الاعتبار كان موجودا، و لم يكن هذا المجعول موجودا ثم وجد، و مع فرض وجود هذه المغايرة بينهما، يستحيل أن تكون نسبة أحدهما إلى الآخر نسبة المجعول إلى الجعل، و المعتبر إلى الاعتبار، لما برهن عليه من العينية و الاتحاد بينهما.

و في مقام توضيح هذا المطلب و تعميقه يقال: إن الاعتبار صفة من الصفات النفسانية ذات الإضافة، إذ إنّه يوجد في عالم النفس صفات ذات إضافة، و صفات ليست بذات إضافة، و من جملة الصفات القائمة في عالم النفس، و هي ذات إضافة، الاعتبار، و الحب، و البغض، و القدرة، و العلم، فإن الاعتبار يحتاج إلى معتبر، و الحب إلى محبوب، و القدرة إلى مقدور و هكذا. و أمّا الصفات النفسانية التي ليست بذات إضافة فهي من قبيل الجبن،

64

و الكرم، و البخل، فإن كل واحدة من هذه الصفات لا يحتاج إلى طرف بحسب الخارج.

و حينئذ يقال: إنّ الصفات النفسانية ذات الإضافة، ليست الإضافة فيها إلى المحبوب و المقدور و غيره، إضافة زائدة على ذاتها، بل هي إضافة مستبطنة في حاق ذاتها و جوهرها، إذ لو كانت إضافة العلم إلى المعلوم، و هكذا الحب إلى المحبوب، زائدة على ذات الحب، و طارئة عليه، إذن كان حالها حال زيادة البياض على الجسم، و لازم ذلك أنه كما يمكن أن نتعقّل الجسم كما هو هو في مرتبة ذاته، في المرتبة السابقة على طرو البياض عليه، فكذلك هنا يمكن أن نتعقل الحب في مرتبة ذاته من دون إضافته إلى محبوب، لأن هذه الإضافة طارئة و متأخرة عن مرتبة ذات الحب، بينما هذا غير معقول بالوجدان، فإن الحب في أي مرتبة تصوّرناه، لا بدّ له من محبوب، و لا العلم، و لا الاعتبار أيضا في أي مرتبة دون إضافة معلوم له، فإن هذا بخلاف الجسم و البياض فإنه يمكن تصوره بحد نفسه من دون إضافة إلى البياض أو السواد، و هذا يبرهن أن إضافة العلم إلى المعلوم، و الاعتبار إلى المعتبر، ليست إضافة زائدة على الذات و إلّا لزم ما تقدّم، إذن فهذه الإضافة مقومة لذات الحب، و لذات العلم و الاعتبار في مرتبة ذوات هذه الأشياء.

و حينئذ إذا كانت هذه الإضافة ثابتة في مرتبة ذات الحكم، فهي لا تخلو من إحدى حالتين: فإمّا أن تكون هذه الإضافة ثابتة بلا طرفها المضاف إليه، و هو أمر غير معقول، لأن الإضافة نسبة تتقدم بالطرفين، إذن فلا بدّ أن تكون ثابتة مع طرفها المضاف إليه، و هو الحالة الثانية، إذن فتكون الإضافة إلى المحبوب ثابتة في مرتبة ذات الحب، و كذلك المحبوب، فإنه ثابت في نفس المرتبة و هذا معناه، إنّ متعلق الحب و المحبوب بالذات، كما متعلق العلم و المعلوم بالذات، هو نفس الصورة و المفهوم الثابت في أفق نفس العلم، و أفق نفس الحب، و هذا هو المسمّى بالمعلوم بالذات و المحبوب بالذات، لأنه هو طرف الإضافة حقيقة، و هو متعلق الحب في الحب، و متعلق العلم في‏

65

العلم و متعلق الاعتبار في الاعتبار، و أمّا ما يحاكيه في الخارج و يماثله فيسمّى بالمعلوم بالعرض، و المحبوب بالعرض، و المعتبر بالعرض، بمعنى أن هذا المعلوم بالعرض ليس هو متعلق الحب حقيقة، و لا للاعتبار حقيقة، و إنما هو أمر يماثل ما تعلّق به الحب و الاعتبار.

و بهذا يتبرهن على أن المعتبر بالذات دائما موجود في أفق نفس الاعتبار، و يستحيل أن يكون موجودا خارج أفق نفس الاعتبار لما تقدّم من أن الاعتبار من صفات ذات الإضافة، و الإضافة صفة ثابتة في مرتبة ذاتها، و ثبوتها هكذا مساوق لثبوت المضاف إليه.

و عليه فيستحيل أن يكون المعتبر بالذات ثابتا وراء أفق الاعتبار.

و هذا بخلاف المعتبر بالعرض، فإنه ليس معتبر حقيقة، و إنما يسمّى معتبر بالعرض، بمعنى أنه هو المحكي عنه، و المرئي، و المشابه للصورة الذهنية، لوضوح أن الصور الذهنية المقوّمة للحب في أفقه، و للاعتبار في أفقه، هذه الصور، إنما يلحظها المحب، و العالم، و المعتبر، باعتبار حكايتها للخارج، و مرآتيتها للخارج، حيث لا يرى بها إلّا الخارج، و إن كان في الواقع لا يرى الخارج، و إنما يراها هي، و لكن بالنظر الإفنائي يرى بها الخارج، فذاك الخارج بالنظرة الإفنائية المسامحية كأنه هو المحبوب، و المعلوم، و المعتبر، و إن كان بالنظرة التدقيقيّة هو مطابق للمحبوب، لا نفسه هو المحبوب، و كذلك للمعلوم و المعتبر، لا إنّه هو المعلوم و المعتبر.

و على ضوء هذا لا يعقل القول بأن المعتبر يكون موجودا في عالم فعلية الاستطاعة، و تكون نسبته إلى الاعتبارية نسبة المعتبر إلى الاعتبار، و إن كانت نسبة المجعول في وجوب الحج على المستطيع عند الاستطاعة، نسبة المسبّب إلى السبب، و المقتضى إلى مقتضيه، فقد تقدمت الإشارة إلى عدم صحة ذلك أيضا، لأن هذا المسبّب إمّا أن يدّعى أنه موجود خارجي أو موجود نفساني، و كلاهما باطل.

66

أمّا كونه باطلا فيما إذا ادّعي أنه موجود خارجي، فلوضوح أن الأحكام الشرعية ليست موجودات خارجية، إذ لا شي‏ء في الخارج اسمه الوجوب.

و أمّا كونه باطلا فيما إذا ادّعي إنه موجود نفساني فكذلك هو أمر غير معقول، لأن هذا المجعول تابع لواقع وجود الاستطاعة خارجا، مع أنه من الواضح أنه لا يعقل أن يحدث شي‏ء في نفس المولى الجاعل تبعا لوجود الشرط- الاستطاعة- خارجا، سواء علم بتحققها، أو لم يعلم، لوضوح أن فعلية المجعول تابعة لوجود الاستطاعة خارجا، سواء علم بتحققها، أو لم يعلم.

و بهذا يتبيّن أن الشقوق كلها باطلة، و به يتضح أنه لا يوجد في الأحكام و القضايا المجعولة و المعتبرة، شي‏ء حقيقي له وجود خارجا، أو في نفس المولى نسميه بالمجعول الفعلي، إلّا نفس وجوده الثابت في نفس الجعل و الاعتبار على نهج القضية الشرطية و التقديرية.

نعم هذه القضية الشرطية و التقديرية، لا تكون محركة و فاعلة قبل تحقق الشرط و وجوده، و إنما تصبح محركة و فاعلة بعد وجود الشرط و تحققه، لوضوح أنه لا مستطيع حتى تحركه، فلم يبق إلّا الفقراء، إذن فهي لا تكتسب المحركية في شخص خارج إلّا إذا انطبقت عليه لا محالة. إذن فظرف الاستطاعة هو ظرف المحركية و الفاعلية لهذه القضية الخارجية، لا أنه يحدث شي‏ء حقيقة في ظرف وجود الموضوع.

لكن لا بأس بأن يقال: بأنه يحدث شي‏ء مسامحة عند تحقق الشرط خارجا، فنعبّر عنه مسامحة بفعلية المجعول، و تحقق الوجوب، يعني بالنظر الإفنائي، حيث أن المولى و المعتبر كأنه يرى الصورة الذهنية فانية في الخارج و مرآة له، فهو كأنه يرى شيئا يحدث في الخارج، لكنها رؤية تصورية إفنائية، و ليست نظرا حقيقيا، فحينما يقال: بأن وجوب الحج قد ثبت على زيد، فهذا القائل يجري حسب هذه النظرة، و هذه النظرة و إن كانت كاذبة بحسب‏

67

البرهان، لكنها نظرة عرفية ارتكازية قد جرى عليها العقلاء، و جرى عليها، (المحقق النائيني) نفسه، في تصويره لعالم الجعل و المجعول.

إذن فتصوير عالم المجعول تصوير عرفي عقلائي، و إن كان بحسب الواقع ليس موجودا، و لكن قد تطابق الفهم العرفي على أن المجعول و المعتبر حينما يرى بالنظرة الإفنائية، فإنه يرى كأنه الخارج، فكأنه جعل الخارج.

و نحن و إن كنّا لا ننكر عالم المجعول بحسب النظر العرفي و العقلائي، لكننا ننكر واقعه بحسب النظر البرهاني.

و بإنكار المجعول بحسب النظر البرهاني، حلّ إشكال الشرط المتأخر كما تقدم معنا، كما أنه بناء على قبول المجعول بالنظر التصوري، صحّ استصحاب بقاء المجعول في الشبهات الحكمية، كما سيأتي. و قد تبيّن بعد كل هذا إمكان الواجب المشروط في مقام الثبوت في تمام المراحل الثلاث للحكم، كما اتضح بما ذكرناه أخيرا، الجواب على إشكال (المحقق‏ (1) الخراساني) في الواجب المشروط من استلزامه التفكيك المحال بين الاعتبار و المعتبر، و الإنشاء و المنشأ، إذ قد تبيّن عدم لزوم التفكيك بين الاعتبار و المعتبر بالذات، و الإنشاء و المنشأ بالذات، لما عرفت من العينية، و عدم الوجود الحقيقي لهما خارج أفق نفس الاعتبار و الإنشاء.

و أمّا المعتبر و المنشأ بالعرض، فليس بالمنشإ و المعتبر حقيقة، و إن كان يماثل ما تعلق به الحب و الاعتبار و الإنشاء.

هذا هو تمام الكلام في تعقل الوجوب المشروط في المرحلة الأولى، مرحلة مقام الثبوت.

المرحلة الثانية: في تعقل الوجوب المشروط في مرحلة مقام الإثبات‏

، و ما يرد

____________

(1) كفاية الأصول: مشكيني ج 1 ص 154.

68

إشكالات في هذا المقام، حيث أشكل على رجوع الشرط إلى الوجوب في مرحلة الإثبات و الدلالة، فيما إذا استفيد الوجوب من صيغة الأمر، كما إذا قال:- حج و أكرمه- دون أن يكون لعلماء الأصول إشكال على ذلك فيما إذا استفيد الوجوب من مفهوم اسمي، كما إذا قال. وجوب الحج مشروط بالاستطاعة- و منشأ الإشكال هو أن صيغة الأمر و هيئته تدل على مفهوم حرفي نسبي.

و قد تقدّم في بحث المعاني الحرفية، إنّ الهيئات ملحقة بالحروف، و عليه، يكون مدلول الهيئة هو النسبة ببعض المعاني كالنسبة الطلبية و الإرسالية القائمة بن المكلف و المادة، فإذا كان الوجوب مستفادا بنحو المعنى الحرفي النسبي، و النسب لا تقبل التقييد باعتبار أنها سنخ مدلول حرفي، إذن فالشرط، أي المجي‏ء في قوله: «إذا جاء زيد فأكرمه» لا يعقل رجوعه إلى مفاد هيئة «أكرمه»، و الأصوليون و إن بحثوا هذا الإشكال في مقام الثبوت، و اعترفوا بإمكانية رجوع الشرط إلى مدلول الهيئة، بحسب الفهم العرفي و القواعد اللغوية، لكن بعد فرض عدم إمكان ذلك باعتبار كون مدلول الهيئة سنخ مدلول حرفي نسبي، و كون المداليل الحرفية و النسبية لا تقبل التقييد، من هنا ذهبوا في إرجاع الشرط إلى مدلول المادة، و صار القيد قيدا للواجب باعتبار هذا الإشكال، و قد قرّر الإشكال بأحد تقريبين:

التقريب الأول: هو إنّ الإطلاق و التقييد إنما يعرضان على المفاهيم الكلية القابلة للانطباق على كثيرين في أنفسها، كالمفاهيم التي تتّسع بالإطلاق تارة، و تضيق بالتقيد أخرى، دون المفاهيم التي لا تقبل الانطباق على كثيرين، و إنما هي أفراد متعيّنة متشخصة لا يعقل فيها، إطلاق و لا تقييد.

و قد تقدّم في بحث الوضع، أن المعاني الحرفية موضوعة بالوضع العام، و الموضوع له الخاص، و أنها أمور خاصة جزئية، و عليه، فهي لا تقبل الإطلاق و التقييد.

و تحقيق الجواب على هذا التقريب، هو: إنّ منشأ هذا التقريب إنما هو

69

الخلط بين مدلولين للجزئية، إذ إنّ هناك جزئية حقيقية لا تقبل الصدق على كثيرين، و بالتالي فهي لا تقبل الإطلاق و كذلك التقييد، و هناك جزئية فرغنا عنها في بحث الوضع في باب المعنى الحرفي، فهي لا تنافي الكلية القابلة للصدقة على كثيرين.

و توضيح ذلك، هو: أنّنا قلنا في باب الحروف إنّ هناك استعمالين لحرف «من» أحدهما كما في قولك: «سرت من البصرة إلى النجف»، و الاستعمال الآخر كما في قولك، «سرت من النجف إلى كربلاء» فهناك نسبة ابتدائية قائمة بين البصرة و النجف، و هناك نسبة ابتدائية قائمة بين النجف و كربلاء، و كل من هاتين النسبتين تغاير الأخرى في طرفيها، فطرفا الأولى هما عبارة عن «السير من البصرة إلى النجف» فالبصرة مبتدأ منه، و السير مبتدأ به، و النجف هي المنتهى إليه السير، و طرفا النسبة الأخرى هي عبارة عن «السير من النجف إلى كربلاء»، فالسير مبتدأ به، و النجف مبتدأ منه، و كربلاء منتهى إليه السير، فهاتان نسبتان متغايرتان من حيث الطرفين.

و قد وقع الكلام حول إمكانية جعل مدلول «من» موضوعا لجامع النسبتين بعد إلغاء خصوصية الطرفين فيهما، فيقال: إنّ «من» موضوع لجامع النسبة الابتدائية في كلتا القضيتين، سواء أ كان الابتداء من البصرة أو من النجف، كما نصنع في أسماء الأجناس حينما نلفي فيها سواد زيد و بياض عمر، و نضع نقطة «إنسان» لجامع الإنسان، سواء أ كان أسود أو أبيض، و مثل هذا نصنع في باب الحروف.

و قد أجاب المستشكلون في رجوع القيد إلى الهيئة بالمنع من ذلك، بل باستحالة ذلك في باب الحروف و منها الهيئات، و ذلك لأن كلتا النسبتين متقومة ذاتا بطرفيها، فإن النسبة باعتبارها أمرا اندكاكيا، و متقومة ذاتا و اندكاكا بطرفيها، و كذلك النسبة الأخرى باعتبارها أمرا اندكاكيا، و متقومة ذاتا و اندكاكا بطرفيها، و حينئذ يستحيل تكوين الجامع بين النسبتين، لأننا إن ألغينا خصوصية الطرفين هنا، و خصوصية الطرفين هناك، إذن فقد ألغينا أصل ماهية

70

النسبة في كلتا النسبتين، و إن لم نلغ الطرفين في كلتا النسبتين، إذن فتبقى كلتا النسبتين متغايرتين.

و بهذا لا يمكن تحصيل الجامع مع التحفظ على خصوصيات طرفي النسبة، إذن يستحيل تكوين جامع بين النسبتين بإلغاء طرفي النسبة.

و بهذا يتعيّن أن يكون حرف «من» موضوعا بالوضع العام، و الموضوع له خاصا أي: إنّ «الموضوع له» إنما هو النسبة المتقومة «بالبصرة و النجف» بخصوصها في القضية الأولى، و «الموضوع له» في القضية الثانية، إنما هو النسبة المتقومة «بالنجف و كربلاء» بخصوصها، إذن فمعنى أن الموضوع له خاص و جزئي، يعني جزئيا و خاصا بلحاظ طرفي النسبة، بمعنى أن الموضوع له هو النسبة المحفوظ لها شخص طرفيها، لا النسبة المأخوذة لا بشرط من حيث طرفيها، حيث أننا يمكن ن نسمي النسبة الأولى، بالنسبة الجزئية الطرفية، في مقابل من يتوهم أن «الموضوع له» هو النسبة التي لم يؤخذ فيها طرف أصلا، كما برهنا على هذه المدّعيات في بحث الوضع. حيث قلنا: إنّ النسبة الجزئية الطرفية بالمعنى المتقدم، لا تتنافى مع كون النسبة أمرا كليا قابلا للصدق على كثيرين، بلحاظ صدقها على الخارج.

فالمعنى الحرفي هو جزئي، بمعنى الجزئية الطرفية، و هو كلي، بمعنى أنه قابل للصدق على كثيرين.

و بناء على هذا، فإنه يعقل فيه الإطلاق و التقييد إذ إنّهما من شئون الكلي، بمعنى القابل للصدق على كثيرين.

التقريب الثاني: للإشكال هو أن يقال: إن الإطلاق و التقييد لشي‏ء هو حكم من قبل المتكلم على ذلك الشي‏ء، إذن هو فرع لحاظ ذلك الشي‏ء الذي هو موضوع الإطلاق و التقييد، و التوجه إليه توجه تفصيلي استقلالي، و المفروض أن المعاني الحرفية معان آليّة لا يمكن التوجه إليها توجها استقلاليا، و ما دامت هكذا، فلا يمكن الحكم عليها بالإطلاق، و لا بالتقييد.

71

و جواب هذا التقريب، هو: إنّه إن أريد بالآليّة معنى المرآتية على حدّ مرآتية المرآة، كما في مثل نظر الإنسان إلى وجه في المرآة، فهو ينظر إلى المرآة نظرا إعفائيا، و لكن تمام نظره نحو الصورة الموجودة في المرآة حتى مع يقينه أنه إنما ينظر إلى زجاج، فهو حينئذ إن أراد أن يحكم على ما في المرآة، فسوف ينصبّ حكمه على المرئي، لأنه غافل عن نفس المرآة، فإن أريد أن المعاني الحرفية تكون هكذا، فهذا في غير محلّه، لأنه كثيرا ما يكون التوجه إلى المعنى الحرفي مستقلا، و ذلك كمن يسأل عن شخص فيقول: في المسجد، فيكون التوجه هنا إلى الحالة الكائنة، أي إلى الكون في المسجد، و النظر إلى النسبة القائمة ما بين «زيد» و ما بين كونه في «المسجد» بناء على تقدير «كائن» فهنا السؤال ليس عن «زيد» و لكن عن ربط كونه في «المسجد»، فهذا هو محطّ نظر السائل.

و عليه، فلم يقم برهان إذن على أن المعاني الحرفية يكون مغفولا عنها.

و إن أريد بالآليّة الوجود التبعي الاندكاكي، و هو كون المعنى الحرفي باعتباره أمرا نسبيا، و النسبة مندكة ذاتا و وجودا في طرفيها، فلا يعقل أن توجد بوجود استقلالي أصلا، لا في عالم الخارج، و لا حتى في عالم الذهن، حيث تخرج عن كونها نسبة، و تصير أمرا منسوبا لا نسبة، فالنسبة الحقيقية بالحمل الشائع، لا يعقل أن توجد لا في الخارج، و لا في الذهن بوجود استقلالي، و أنما توجد مندكة دائما في غيرها، و تبعا له، كما برهن على هذا في بحث المعاني الحرفية.

فإن أردتم هذا المعنى من الآلية فهو صحيح، و لكن حينئذ يصاغ الإشكال بشكل آخر فيقال:

إن المعنى الحرفي إذا كان موجودا تبعا و اندكاكا، إذن، فلا يعقل التوجه نحوه، لأن توجه النفس نحوه، هو عبارة أخرى عن وجوده في النفس، و حيث أن الإطلاق و التقييد فرع توجه النفس، و حيث أن توجه النفس لشي‏ء استقلالا

72

يساوق وجوده استقلالا، و حيث أن المعنى الحرفي لا يعقل فيه الوجود الاستقلالي، إذن فيمتنع فيه الإطلاق و التقييد، لأنه يلزم منه أن يكون للمعنى الحرفي وجود استقلالي، و هو خلف كون المعنى الحرفي اندكاكيا.

و جوابه، هو إنّه لو سلّم في المقام أن التوجه الاستقلالي نحو هذا الوجود التبعي خلف، و فرض أنه لا بدّ من كون التوجه توجها تبعيا، فغاية الأمر، أن نلتزم بأن الإطلاق و التقييد ينصبّ على المعنى الحرفي كعنوان اسمي مشيرا إلى المعنى الحرفي، إذ إنّه تارة يتوجه إلى المعنى الحرفي مستقلا، و تارة أخرى يتوجه إلى المعنى الحرفي بواسطة عنوان مشير، و ذلك كالواضع الذي لاحظ المعنى الحرفي، لكن لا مباشرة، بل بواسطة عنوان مشير.

كذلك هنا، فيقال: إن الإطلاق و التقييد ينصبّ على المعنى الحرفي بواسطة عنوان مشير إليه.

و بهذا تبيّن، أن الواجب المشروط ليس فيه إشكال، لا ثبوتا، و لا إثباتا.

و بهذا تمّ بحث مقام الثبوت و مقام الإثبات.

و هناك كلام آخر، يقرّب تارة بحسب مقام الثبوت، و أخرى بحسب مقام الإثبات، و يسجّل إشكالا على الواجب المشروط.

فإذا لوحظ بحسب مقام الثبوت، فيقال: إنّ الوجوب المشروط تفكيك بين الاعتبار و المعتبر.

و إذا قرّب بلحاظ مقام الإثبات، فحينئذ، بناء على أن الإنشاء إيجاد للمعنى باللفظ، يقال: إنّ الوجوب المشروط تفكيك بين الإنشاء و المنشئ.

و هذا الإشكال، ظهر جوابه ممّا تقدّم في مناقشة الميرزا (1)، حيث تبيّن،

____________

(1) المصدر السابق.

73

أن المعتبر موجود بعين وجود الاعتبار، و أن المنشأ موجود بعين وجود الإنشاء.

و عليه، فلا تفكيك بين الاعتبار و المعتبر، و بين الإنشاء و المنشأ.

فإن أرادوا أن المعتبر بالذات و المنشأ بالذات، قد انفك عن الاعتبار و الإنشاء، فقد برهنا فيما تقدّم على بطلان ذلك.

و إن أرادوا أن المعتبر بالعرض أو المنشأ بالعرض، أي: ما هو المطابق للمعتبر و للمنشإ قد انفك، فالجواب إنه لا بأس بذلك، لأن المعتبر بالعرض ليس معتبرا حقيقة، و المنشأ بالعرض ليس منشأ حقيقة.

و بهذا تمّ البحث في الواجب المطلق و المشروط، و نستأنف البحث في المعلّق و المنجز.

74

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

75

الواجب، المعلّق، و المنجّز

و من تقسيمات الواجب، تقسيمه إلى: الواجب المعلّق، و الواجب المنجز.

و الأصل في هذا التقسيم هو صاحب الفصول (قده) (1)، حيث ذكر أن القيود التي تؤخذ في الواجب على نحوين:

أ- النحو الأول: أن تكون هذه القيود مأخوذة في الواجب بنحو يترشح عليها الإلزام و التحريك من قبل المولى.

ب- النحو الثاني: أن تكون هذه القيود مأخوذة بنحو لا يترشح عليها الإلزام و التحريك، و لذلك جعل القسمة ثلاثية، و ذلك بأن يقال:

إنّ القيد إمّا أن يكون مأخوذا قيدا للوجوب، فيكون الواجب مشروطا، و إمّا أن يكون مأخوذا قيدا للواجب، و على الثاني، فإمّا أن يكون هذا القيد مأخوذا في الواجب بنحو يترشح عليه الإلزام و التحريك من قبل المولى، حيث يجب تحصيله، فهو المنجّز، و أخرى يكون مأخوذا قيدا في الواجب بنحو لا يترشح عليه الإلزام و التحريك، حيث لا يجب تحصيله، فهو المعلّق، و ذلك بأن يؤخذ بوجوده الاتفاقي الصدفتي.

____________

(1) الفصول في الأصول: محمد حسين بن محمد رحيم ص 80- 81.

76

و من المعلوم أنّ الوجود المقيّد بالصدفة و الاتفاق، لا يعقل التحريك نحوه، لأنّ وقوعه بسبب التحريك نحوه خلف، كونه صدفة و اتفاقا، و قد سمّي هذا القسم الثالث بالمعلّق.

و بهذا يتبيّن، أن المعلّق الذي ذكره صاحب الفصول هنا، هو عين الواجب المشروط عند الشيخ الأنصاري «(قدّس سرّه)» (1) على ما نسب إليه في تقريراته، كما تقدّم في المسألة السابقة، حيث أرجع الواجب المشروط إلى هذا المطلب، عند ما ادّعى أن القيود تؤخذ في الواجب، لا في الوجوب، إلّا أنها مأخوذة في الواجب بنحو لا يترشح عليها الإلزام و التحريك.

و قد استعمل الشيخ «(قدّس سرّه)» هذه الصياغة بلحاظ قيود الاتصاف، حيث ادّعى أن القيود الدخيلة في اتصاف الفعل بكونه ذا مصلحة، من قبيل تحقق الشتاء بالنسبة إلى النار في كونه ذا مصلحة، أو تحقق الاستطاعة الدخيلة في اتصاف الحج بكونه ذا مصلحة، فقد ادّعى أن هذه القيود هي التي تؤخذ قيدا في الواجب، و لا تؤخذ قيودا في الوجوب.

بينما صاحب الفصول «(قدّس سرّه)» لا يدّعي هذه الدعوى، إذ إنّه يعترف بأن قيود الاتصاف مأخوذة قيودا في الوجوب لا في الواجب، و إنما كلامه في القيود الدخيلة في ترتب المصلحة خارجا بعد فرض فعلية اتصاف الفعل بكونه ذا مصلحة. و هذه المسمّاة بالمقدمات الوجودية الدخيلة في ترتب المصلحة خارجا هي التي قسّمها إلى قسمين:

أ- قسم يمكن تحصيله، فيؤخذ قيدا في الواجب بنحو يمكن تحصيله.

ب- و قسم غير ممكن التحصيل، فيكون قيدا في الواجب، لكن بنحو لا يترشح عليه الإلزام من المولى، إمّا لكونه بحسب طبعه غير اختياري كالزمان‏

____________

(1) مطارح الأنظار ص 45- 46.

77

مثلا، و إمّا لاعتبار عناية أخذه على نحو الصدفة و الاتفاق، فيكون غير اختياري أيضا.

و عليه، فالصياغة التي ذكرها صاحب الفصول «للمعلّق» ناظرة إلى قيود الترتب، لا إلى قيود الاتصاف. و من هنا كان هذا التقسيم الثلاثي صحيحا، و لا إشكال في تعقّله ثبوتا بالنسبة إلى العالم الأول و العالم الثاني من العوالم الثلاثة، أي: بالنسبة إلى عالم الملاك، و عالم الشوق و المحبوبية و المبغوضية، أمّا بالنسبة إلى عالم الملاك، فإنّ القسمة الثلاثية صحيحة، لأن الملاك، إذا نسب إلى قيد، فتارة يكون القيد قيدا في أصل اتصاف الفعل بكونه ذا مصلحة، و أخرى يكون قيدا في ترتب المصلحة خارجا، و حينئذ، إن فرض أن هذا القيد قيد اختياري يمكن التحريك نحوه، «كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة» فهذا هو المنجز، و إن كان هذا القيد غير اختياري مع كونه من قيود الترتب، فهذا هو المعلّق.

و كذلك تكون هذه القسمة معقولة بحسب عالم الحب و البغض، فإن اشتياق المولى و حبّه لفعل إذا لوحظ بالنسبة إلى قيد من القيود:

تارة يكون هذا القيد دخيلا في أصل اشتياق المولى، فهذا هو الإرادة المشروطة التي تقدّم تفسيرها، و أرجعناها لبا إلى إرادتين: إحداهما مشروطة، و الأخرى مطلقة.

و تارة يكون هذا القيد قيدا في المحبوب لا في الحب، و حينئذ تارة يكون اختياريا، و أخرى يكون غير اختياري، و الأخير هو المعلّق.

و هذه قسمة ثلاثية معقولة لا إشكال فيها.

و عليه لا يرد على هذا المعلّق ما أوردناه على الشيخ الأعظم «(قدّس سرّه)» هناك في الواجب المشروط، حيث أوردنا عليه، بأن لازم جعل القيد قيدا في المتعلق و في المحبوب، لا في الحب، لازمه ترشّح الحب الغيري على هذا القيد.

78

و هذا الإشكال، إنما أوردناه، لأنّ الشيخ «(قدّس سرّه)» يقول: إن قيود الاتصاف مأخوذة قيدا في المحبوب، و من الواضح أن قيود الاتصاف لا يعقل انقداح الشوق نحوها، بل قد تكون مبغوضة.

و من هنا كان هذا الإشكال على مبنى الشيخ الأعظم «(قدّس سرّه)».

بينما صاحب الفصول «(قدّس سرّه)» يقول بأن قيود ترتب الملاك على الفعل، هي التي تؤخذ تارة بنحو يترشح إليها التحريك، و أخرى بنحو لا يترشح، لعدم اختياريتها في الواجب، أو لأخذ وجودها الاتفاقي قيدا، فلا يرد عليه إشكال لزوم ترشح الشوق الغيري نحو هذا القيد إذا كان قيدا للمراد، و كان أمرا غير اختياري، إذ لا مانع من الاشتياق إلى أمر غير اختياري.

و لكن يبقى الكلام في تعقّل الواجب المعلّق بالنسبة إلى مرحلة ما بعد عالم الملاك و الإرادة من مراتب الحكم، أي: مرتبة الوجوب و التحريك.

و بعبارة أخرى، بعد أن تعقّلنا الواجب المعلّق في عالم الملاك و عالم الحب، فهل نتعقله بنحو يسري في تمام عوالم الحب، فيكون الحب بما هو حب، منطبقا على صيغة صاحب الفصول في الواجب المعلّق، أو لا؟.

إذن فالإشكال يقع في الواجب المعلّق بلحاظ ما بعد عالم الملاك و الحب، من مراحل حقيقة الحب، أي: مرحلة الوجوب و التحريك.

و الإشكال في الواجب المعلّق يرجع إلى أحد اعتراضين:

الاعتراض الأول: [على الواجب المعلق‏]

و هو المهم، و حاصله: إنّ القيد غير الاختياري، أو الاتفاقي، كالزمان الاستقبالي المأخوذ في الواجب المعلّق، كطلوع الفجر مثلا، فهنا نسأل، بأن طلوع الفجر هل يؤخذ أيضا قيدا في الواجب، إمّا بنحو الشرط المقارن، أو بنحو الشرط، المتأخر بحيث يكون الوجوب حادثا و فعليا من أول الليل، لكن‏

79

مشروط بنحو الشرط المتأخر بطلوع الفجر بعد ذلك، و إمّا أنّه لا يكون طلوع الفجر مأخوذا قيدا في الوجوب بنحو الشرط المتأخر، بل يكون متمحضا في القيدية للواجب، و يكون الوجوب فعليا قبل وجود القيد من دون ارتباط به؟.

فإن فرض الشق الأول، و هو أن طلوع الفجر أخذ قيدا في الواجب بنحو الشرط المقارن، و أخذ أيضا شرطا في الوجوب بنحو الشرط المتأخر، بحيث يكون الوجوب فعليا من حين غروب الشمس لكن منوطا بطلوع الفجر بعد ذلك.

إذا فرض هذا، فمعناه أن الوجوب مشروط بنحو الشرط المتأخر، و حينئذ من يقول باستحالة الشرط المتأخر مثل الميرزا (1)، يقول بأنّ هذا مستحيل، إذ يستحيل أن يكون الوجوب حادثا من الغروب، و منوطا بأمر متأخر و هو طلوع الفجر بعد ذلك، بل لا بدّ من أن يكون طلوع الفجر شرطا مقارنا حيث يحدث الوجوب عند الطلوع، و عليه يكون الواجب و الوجوب في وقت واحد.

و من يقول بإمكان الشرط المتأخر، يقول بأن هذا معقول، لأنه قسم من الواجب المشروط، و ليس قسما آخر في مقابل الواجب المشروط، إذن فالأولى حينئذ أن يقال:

إنّ الواجب المشروط، تارة، يكون الوجوب فيه مشروطا بشرط مقارن، و أخرى مشروطا بشرط متأخر، دون أن يكون هذا قسما آخر في مقابل الواجب المشروط.

و إن قيل بالشق الثاني، و هو: إنّ قيد «طلوع الفجر» لم يؤخذ في الوجوب أصلا، حتى بنحو الشرط المتأخر، و عليه يكون الوجوب فعليا من‏

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 157- 158- 159.

80

حين «الغروب»، و مطلقا من ناحية «طلوع الفجر» و إذا كان الوجوب فعليا من حين «الغروب» فتكون فاعليته أيضا فعلية لا محالة، لما قلناه سابقا من أن فاعليته مساوقة لفعليته، فيكون فاعلا و محركا بالفعل حين «الغروب» نحو «صوم شهر رمضان».

و من الواضح أن هذا المقيّد غير اختياري فعلا، فيكون تحريكا نحو أمر غير اختياري، و هو غير معقول.

و حاصل الإشكال هو: إنّ الواجب المعلّق، إمّا أن نرجعه إلى الواجب المشروط، و إمّا أن يكون غير معقول.

فإن قلنا بأن «طلوع الفجر» شرط متأخر للوجوب، فهذا إرجاع للمعلّق إلى المشروط.

و إن قلنا بأن «طلوع الفجر» ليس شرطا للوجوب، بل الوجوب مطلق من ناحيته، و عليه، فالتحريك نحو المقيّد من حين «الغروب» غير اختياري لعدم اختيارية قيده.

و الجواب على هذا الإشكال، هو أن يقال، بأنه يوجد في المقام قيدان:

أ- قيد «طلوع الفجر».

ب- و قيد أن يكون المكلّف على تقدير «طلوع الفجر»، قادرا على «الصوم» بأن يكون حيّا لا ميتا، صحيحا لا مريضا. و لا إشكال في أن الوجوب الذي نفترض فعليّته من حين «الغروب» هو مشروط بنحو الشرط المتأخر لكن بالقيد الثاني، و لكننا ننكر أن يكون مشروطا بالشرط الأول و هو «الطلوع».

و الفرق بين هذين القيدين من حيث لزوم أخذ القيد الثاني شرطا في الوجوب بنحو الشرط المتأخر، و عدم لزوم أخذ القيد الأول قيدا بنحو الشرط المتأخر في الوجوب، الفرق بينهما إنما هو، أنّ القيد الثاني قيد، لا يمكن‏

81

للمولى أن يتصدّى لإحرازه و إيقاعه خارجا، لأن المولى يجعل الحكم على نحو القضية الحقيقية، و لا يضمن للمكلفين تحقق هذا القيد خارجا، إذن فهذا القيد في معرض أن يقع، و في معرض أن لا يقع.

و في هذه الحالة، لو فرض أن المولى جعل الوجوب مطلقا من هذه الناحية، ناحية «الحياة و القدرة على الصوم عند الطلوع»، للزم منه فعليّة الوجوب في حق من لا يكون قادرا عند «طلوع الفجر»، و لا حيّا، و لا حاضرا.

و هذا تكليف بغير المقدور، و هو غير معقول.

و عليه كان لا بدّ للمولى من تقييد الوجوب بهذا الأمر الثاني، و هو كون المكلف بالصوم حيّا قادرا على تقدير «طلوع الفجر».

لا يقال، بأنه بناء على ذلك، يرد محذور التحريك نحو غير المقدور، و ذلك لأن الأمر بالمقيّد ليس أمرا بالقيد، و إنما هو أمر بالتقيّد و ذات المقيّد مقدور، و التقيّد بالقيد أيضا مقدور إذا كان تحقق القيد مضمون التحقق خارجا، و عليه، فلا يلزم من الأمر بالمقيّد أي محذور، إذن فالأمر بالصوم المقيّد «بطلوع الفجر منذ الليل» بنحو الواجب المعلّق، لا محذور فيه.

و مقامنا من هذا القبيل، فإن «طلوع الفجر» أمر مضمون الحصول خارجا، و ما دام يوم القيامة مثلا لا يتحقق، حينئذ سوف يطلع الفجر، و إنما الشي‏ء غير المضمون، أن أبقى أنا حيّا إلى حين «طلوع الفجر».

نعم المقيّد فعلا و في آن «الغروب»، يكون غير اختياري، و حيث أن المفروض أن كل أمر لا يقتضي الفورية، و إنما الأمر يقتضي امتثال متعلقه في عمود الزمان، و امتداده، لا فورا، و في عمود الزمان يكون المقيّد اختياريا لا محالة، و عليه، فلا يلزم التقييد بأمر غير اختياري.

و بعبارة أخرى يقال: إنّه إذا فرض كون الأمر على نحو الفورية، حينئذ لم يعقل الأمر «بالصوم المقيّد بطلوع الفجر» منذ «الليل» إلّا أن هذا غير لازم،

82

فإن الأمر لا يدل إلّا على مطلوبية متعلقه على عمود الزمان.

نعم لو قلنا بأن الأمر بالمقيّد أمر بذات المقيّد، و بالتقيّد، و بالقيد، للزم في المقام التكليف بأمر غير اختياري، و هو القيد لأنه غير اختياري بحسب الغرض، و مجرد أنه سوف يقع خارجا، لا يجعله اختياريا، فمثلا: تكليف الإنسان بأن «يطلع الفجر» تكليف بغير الاختياري حتى مع العلم بأنّ الفجر سوف يطلع».

و لكنّ الصحيح أن الأمر بالمقيّد ليس أمرا بالقيد، بل هو أمر بذات المقيّد و بالتقيّد، و كلاهما اختياري.

أمّا ذات المقيّد فواضح، و أمّا التقيّد فاختياريته تكون: إمّا بضمان وقوع القيد، أو اختيارية إيقاعه، و المفروض في المقام ضمان وقوع القيد.

و عليه، فلا يلزم من الإطلاق من هذه الناحية التكليف بغير الاختياري.

فوجوب «الصوم» الذي نفرضه فعليا حين الغروب، إنما هو بلحاظ بعض القيود، كالقدرة و الحياة على تقدير «طلوع الفجر»، إنما هو واجب مشروط بشرط متأخر، و لكن بلحاظ «طلوع الفجر» هو واجب معلّق.

و بهذا يتضح أن هناك ثلاثة أقسام من القيود بالنسبة إلى هذا الوجوب:

الأول: قيد نفس الوجوب، من قبيل القدرة و الحياة على تقدير «طلوع الفجر» على نحو القضية الشرطية.

الثاني: قيد للواجب على نحو يترشّح عليه الإلزام، و هو اختياري، من قبيل قيد «الطهارة من الجنابة».

و الثالث: قيد للواجب مع عدم أخذه قيدا للوجوب بنحو لا يترشح عليه الإلزام، من قبيل «طلوع الفجر» من دون أن يلزم من ذلك محذور التكليف بأمر غير اختياري، و لا إرجاع الواجب المعلّق إلى الواجب المشروط.

83

الاعتراض الثاني:

على الواجب المعلّق، هو أن يقال: إن القول بالواجب المعلّق، يلزم منه انفكاك المراد التشريعي عن الإرادة التشريعية، بمعنى فرض فعليّة الإرادة التشريعية مع عدم فعلية المراد التشريعي، لأن المفروض أن وجوب «الصوم» فعلي من حين «الغروب» و لكن الواجب ليس فعليا مثله، بل منفك عنه، و انفكاك المراد التشريعي عن الإرادة التشريعية غير معقول.

و يتضح هذا البرهان بأحد تقريبين:

1- التقريب الأول: و هو ما أشار إليه صاحب الكفاية (1)، و أوضحه المحقق الأصفهاني‏ (2) و حاصله مركب من مقدمتين:

أ- المقدمة الأولى: هي أن الإرادة التكوينية لا يمكن أن يتخلّف عنها مرادها، إذ لا يراد بهذه الدعوى أن الإنسان فعّال لما يريد، و شأنه شأن من إذا أراد شيئا فيقول له كن فيكون، بل المقصود في المقام هو أنه حيث لا قدرة للإنسان على شي‏ء، فإنه لا يوجد ذلك الشي‏ء، فالإرادة التكوينية متى ما تعلّقت بشي‏ء، فقد فرغ عن القدرة، عليه بحيث لم يبق بعد فعليّة الإرادة إلّا فعلية المراد، إذ لا يمكن أن يتخلّف المراد عن الإرادة.

نعم هناك أمور كثيرة لا يمكن للإنسان إيجادها، إلّا أنّ معنى ذلك، أنه لا يريدها أيضا، لا إنّه يريدها و تتخلّف عن إرادته.

ب- المقدمة الثانية: هي أن الإرادة التشريعية على وزان الإرادة التكوينية، فكما يستحيل، بمعنى من المعاني، تخلّف المراد التكويني عن الإرادة التكوينية، كذلك يستحيل الانفكاك بين المراد التشريعي و الإرادة

____________

(1) كفاية الأصول: مشكيني ج 1 ص 161- 162.

(2) نهاية الدراية: ج 1 ص 305- 306- 307- 308.

84

التشريعية، بحيث تكون الإرادة التشريعية فعليّة، و لا يكون المراد التشريعي فعليا.

و إذا ثبتت هاتان المقدمتان ببرهان من البراهين، حينئذ يثبت استحالة الواجب المعلّق، حيث وجدت فيه الإرادة التشريعية فعلا، و لم يوجد المراد التشريعي.

و قبل بيان عدم تمامية كلا الاعتراضين، لا بدّ من بيان المدّعى في المقدمة الأولى و الثانية، و من ثمّ ندخل في مناقشة كلتا المقدمتين و بيان بطلانهما:

أمّا بيان المدّعى في المقدمة الأولى هو أن يقال:

إنّ الجسم تارة يتحرك كما يتحرك الحجر و الماء بدفع من شخص مثلا، و هذه الحركة ناشئة من أسباب خارجية، و لا ربط لها بالنفس الإنسانية المدبّرة لذلك الجسم المتحرك، و لا كلام في هذه الحركة. لأنها حركة بمؤثر غير اختياري، و إنما الكلام في الحركات الاختيارية.

و تارة أخرى، يفرض أن جسم الإنسان يتحرك بتحريك يتميز به عن الجمادات، كتحريك القوة العضلية المنبثّة في جسمه، فإنّ القوى التي أودعها اللّه في الجسم، تثيره و تدفعه و تحركه، و هذا التحريك بحسب الحقيقة من شئون النفس الإنسانية، و لكن في مرتبة القوى العضلية لها. باعتبار أن النفس لها مراتب و درجات، و واحدة منها هي مرتبة القوى العضلية، و هذا تحريك نفساني لكنه بهذه المرتبة، و مثل هذا التحريك النفساني في مرتبة القوى العضلية، ممّا لا إشكال في أنه لا يكفي في حصوله مطلق الشوق، إذ إنّه كثيرا ما يحدث الشوق بمرتبة من المراتب الضعيفة المبتلاة بالمانع، فلا يتحرك.

و هذا معناه أن مطلق الشوق ليس هو المقتضي لهذا التحريك النفساني في نفس عالم النفس، لأن هذا التحريك باعتباره من شئون مرتبة نازلة من‏

85

النفس، فإنه لا ينشأ من أسباب خارجية، لأنه خلف كونه تحريكا نفسانيا، بل ينشأ من مؤثر نفساني.

إذن لا بدّ أن يلتزم من أن المؤثر و المقتضي لهذا التحريك، ليس هو مطلق الشوق، بل يمكننا أن نصطلح عليه بالشوق الكامل، و نشير به إلى مرتبة معيّنة من الشوق تكون هي المؤثر في التحريك، و بالتالي تكون من باب تأثير أمر نفساني في أمر نفساني.

و المدّعى في المقام هو: إنّ كل فعل يكون له حالة منتظرة، فهي لا تنفك عنه، إذ شأنه شأن الإرادة التكوينية في ذلك.

و من الواضح بطلان هذا المدّعى، لأننا نمنع مقولة كون الإرادة التكوينية لا تنفك عن مرادها التكويني عند عدم وجود شوق كامل نحوه، و لا نمنع مقولة استحالة الانفكاك بين الإرادة التكوينية و المراد التكويني فيما إذا وجد الشوق الكامل نحوه.

و بعبارة أخرى، فإننا نمنع أن الإرادة التكوينية يستحيل انفكاكها عن المراد التكويني، إذا لم تكن تلك المرتبة المؤكدة من الشوق الكامل المستتبع في الإرادة لتحريك العضلات نحو الفعل، و المقتضي لتحققه خارجا إذا كانت بقية الشرائط متوفرة كقابلية القابل، و هذه المرتبة هي الإرادة التكوينية، إذن فالتخلف و الانفكاك إنما هو من جهة عدم اكتمال الإرادة، و بلوغها المرتبة العالية بفقدان قابلية القابل، و توقفه على طلوع الفجر، إذ بطلوع الفجر يكتمل الشوق بقابلية القابل، لا من أجل كون الأمر الخارجي علة في تحريك العضلات الذي هو أمر نفساني، بل لأن الإرادة متعلقة بالحصة الخاصة من التحريك، و هو التحريك عند طلوع الفجر، إذ قابلية العضلات للتحرك لا تتوفر إلّا عند طلوع الفجر الذي هو أمر خارجي عن النفس، لأن الإرادة ليست متعلقة بمطلق تحرك العضلات، و إلّا لو فرض وجود الشوق الكامل، و لم‏

86

يوجد متعلقه‏ (1)، فهذا أمر غير معقول، و لا يخلو من أحد احتمالات، كلها غير معقولة:

أ- الاحتمال الأول: هو كون العضلات لم تتحرك، رغم وجود الشوق الكامل، من باب انفكاك المعلول عن العلة، و هذا مستحيل.

ب- الاحتمال الثاني: هو أن التحريك لم يتحقق، لأن مقتضيه لم يتحقق، كما لو فرض، بأن المقتضي للتحريك شي‏ء آخر وراء عالم الشوق و عالم النفس، كنزول المطر مثلا، و هذا مستحيل أيضا، لأن نزول المطر إن حرّك الجسم، فإنه يحركه كما تتحرك الحجارة، و هذا بخلاف تحريك العضلات و تهيّجها، فإنه لا يخضع إلّا لمؤثرات عالم النفس، لأنه لا يأتمر بغير النفس.

ففرض أن التحريك لم يوجد لأن المقتضي لم يوجد، خلف لأن المقتضي يجب إن يكون نفسانيا، و في عالم النفس لا توجد حالة منتظرة وراء الشوق الكامل.

ج- الاحتمال الثالث: هو أن المقتضي للتحريك موجود، و لكن الشرط غير موجود، لأن الشرط هو طلوع الفجر مثلا.

و هذا الاحتمال أيضا ساقط، لأن طلوع الفجر لا يمكن أن يكون شرطا، لأن الشرط إمّا متمم لفاعلية المقتضي، أو متمم لقابلية القابل، و كلاهما غير متصور في المقام.

أمّا كونه ساقطا من ناحية كونه متمما لفاعلية المقتضي، أي: الشوق الكامل، فذلك لأنّ المتمم لفاعلية المقتضي، إنما هو قيد يحصّصه و ينوّعه،

____________

(1) و هذا من دون فرق بين كون الإرادة هي نفس الشوق الذي هو من مقولة الصفة، أو كونها من مقولة فعل النفس، و ذلك لرجوع ما بالعرض إلى ما بالذات، و منع التفكيك بين مقولات النفس و صفاتها. (مقرّر).

87

مثل أن يقال: إنّ ملاقاة النار متمّمة لاقتضائها للإحراق، لأنّ الملاقاة تحصّص النار، ذلك لأن النار الملاقية غير النار غير الملاقية، فالملاقاة من عوارض النار و شئونها، فيمكن أن تكون متمّمة لاقتضاء النار، و هذا بخلاف طلوع الفجر، فإنه ليس من محصّصات الشوق الكامل الموجود في عالم النفس حتى يتمّم فاعلية المقتضي.

و أمّا كونه ساقطا إذا قيل بأن الشرط يتمم قابلية القابل: ذلك لأن القابل في المقام هي القوى العضلية، و القوى المنبثة فيها، و هذه القوى قابليتها للتحرك تامة بالفعل، و ليس طلوع الفجر دخيلا في قابليتها للتحرك، حتى يلزم من تأخره و تعليقها عليه، عدم التحرك.

و عليه، فلا استحالة في تخلّف الشوق الكامل عن متعلّقه، لأن مثل هذا المتعلق يخضع لقوانين طبيعية خارجة عن اختيار النفس.

و أمّا بيان المدّعى في المقدمة الثانية فهو أن يقال: إنّ الإرادة التشريعية كذلك، لا يتخلّف فيها المراد عن الإرادة.

و من الواضح أنه ليس المراد من هذه المقدمة، أن كل إرادة تشريعية لا بدّ و أن يوجد مرادها، و إلّا لو كان هذا هو المراد في هذه المقدمة، إذن لما وجد عاص في الخارج، و إنما المقصود في هذه المقدمة، بيان الضعف و القصور في الإرادة التشريعية عن الإرادة التكوينية، حيث أن الإرادة التكوينية متجهة نحو تحريك نفس المريد بلا واسطة، بينما الإرادة التشريعية متوجهة نحو تحريك عضلات غير المريد، و من هنا نشأ ضعف الإرادة التشريعية عن الإرادة التكوينية.

لكن إذا فرضنا أن غير المريد منقاد للمريد انقيادا كاملا، و لا يتخلف عن إرادات مولاه، حينئذ تكون عضلاته كأنها عضلات مولاه، و هذه الواسطة قد فرغنا عنها بافتراض الانقياد، و حينئذ يصحّ القول إذن، بأنّ الإرادة التشريعية في حق العبد المنقاد لمولاه انقيادا كاملا، لا يتخلّف مرادها عنها.

88

و بهذا يتبيّن أيضا، إن الإرادة التشريعية لا يمكن أن تكون بنحو الواجب المعلّق، لأن الواجب المعلّق يلزم منه انفكاك الإرادة عن المراد، حتى في حق أشدّ الناس إطاعة لمولاه، فلو وجب «الصوم» من عند الغروب، لكنه مقيّد «بالطلوع» فإن أشدّ الناس انقيادا لمولاه لا يمكنه الالتزام، إذن فقد انفكت الإرادة عن المراد في حق المنقاد للمولى، و هذا على حدّ انفكاك الإرادة التكوينية عن المراد.

و في مقام مناقشة كلتا المقدمتين، نجد في المقدمة الأولى القائلة، باستحالة انفكاك المراد التكويني عن الإرادة التكوينية، بينما يلزم الانفكاك بينهما في الواجب المعلّق، نجد في هذه المقدمة مغالطتين أو مناقشتين.

1- المناقشة الأولى: هي أن تحريك العضلات لو فرض أنه قد تعلّق به شوق المريد، تعلقا مطلقا، من دون قيد، حينذاك يتم برهان المانعين من الواجب المعلّق، ما دام الشوق المتعلّق بتحريك العضلات غير مقيّد بوقت أو زمان مخصوص، و هو كامل، إذن لما ذا لم يحرّك، و طبعا ليس لعدم المقتضي بعد أن فرضناه موجودا، و ليس لعدم الشرط- و هو الوقت- المتمّم لفاعلية الفاعل، لأن الشوق كامل، و الوقت ليس من عوارضه و شئونه لكي يكمّله، و لا متمما لقابلية القابل، لأن القابل- و هو القوة العضلية- تام القابلية للتحريك، فهذا البرهان يتم.

إذن فهذا البرهان يتم، لكن في طول افتراض كون الشوق متعلّقا بالتحرك العضلي على الإطلاق، لا بتحرك مقيّد بقيد غير مقدور، و غير حاصل الآن، و من أجل ذلك، لا يصح هذا برهانا على عدم التقييد.

و أمّا لو فرضنا بأن الشوق قد تعلّق بتحريك العضلات المقيّد «بطلوع الفجر»، حينئذ نقول إنّه لا يمكن تحريك العضلات، و ليس ذلك لانفكاك المعلول عن العلة، بل لأن العلة لم تتم، و ليس ذلك لفقد المقتضي، بل لفقد الشرط، و هو الوقت، ذلك لأنّ الوقت دخيل في قابلية القابل، فإن القوة

89

العضلية قابليتها لمطلق التحرك، و إن كانت تامة، لكن قابليتها للتحرّك «الفجري»، هذه الحصة الخاصة من التحرك غير تامة فعلا.

و عليه يمكن أن يقال: إنّ هذا الوقت يكون متمّما لقابلية القابل، و لا يلزم من ذلك محذور.

إذن فهذا البرهان لو تمّ، فهو في طول أن يكون الشوق و الإرادة متعلقين بالتحريك العضلي على الإطلاق، و لا يعقل أن يكون هذا البرهان بنفسه، برهانا على استحالة تقيّد هذا التحريك العضلي.

و الخلاصة: إنّ هذا البرهان، يبرهن على أنه متى ما تعلّق الشوق بتحريك عضلي على الإطلاق، استحال انفكاك التحريك عن الإرادة.

و لكن هذا البرهان لا يمنع من أن يتعلّق شوق بالتحريك المقيّد، و حينئذ، ينفك المراد عن الإرادة.

و بعبارة أخرى: إن المستحيل، إنما هو تخلّف الشوق الكامل النفساني عن متعلّق له، يكون أيضا فعلا نفسانيا محضا. أمّا إذا كان متعلقه فعلا خارجيا مسبّبا عن حركة العضلات، أو كان مزيجا من فعل نفساني، و آخر خارجي، و ذلك بأن تقيّد تحريك العضلات «بطلوع الفجر»، حينئذ لا استحالة في تخلّف الشوق الكامل عن متعلقه، لأن مثل هذا المتعلق يخضع لقوانين طبيعية خارجة عن اختيار النفس و أشواقها.

2- المناقشة الثانية: هي إنّ المانعين للواجب المعلّق بحجّة التفكيك بين الإرادة التكوينية و متعلقها، كانوا قد تمسّكوا بعنوان تحريك العضلات، أي الفعل المباشري للقوة العضليّة، أي: التحريك.

و بطبيعة الحال، إن هناك أمورا أخرى توليدية تترتب على تحريك العضلات، فمثلا: إلقاء الورقة في النار، هذا تحريك عضلي، و فعل مباشري للعضلات، و لكن احتراق الورقة أمر مسبّب عن تحريك العضلات.

90

و حينئذ نسأل إنّكم حينما قلتم في الإرادة التكوينية، إنّ الشوق الكامل لا يتخلّف عن متعلّقه، كأنكم اصطلحتم و اتفقتم على جعل لفظ الإرادة اسما لخصوص الشوق الكامل المتعلّق بالفعل المباشري الحقيقي للعضلات، بينما الأشواق الأخرى المتعلقة بالمسببات التوليدية، أو بالعنايات الأخرى التي منها التقيّد بالوقت، لا تسمّونها إرادة، و رغم هذا تقولون: إنّ الشوق الكامل لا ينفك عن متعلقه ببرهانكم المتقدم، حينئذ، بقي أن نعرف موقفكم من تلك الأشواق الأخرى المتعلقة بالمسبّبات التوليدية، أو بالعنايات الأخرى التي منها التقيّد، فهل أيضا تقولون: إنّه لا ينفك فيها متعلقها، أو إنّكم لا تقولون ذلك؟. فإن قلتم أيضا: إنّه لا ينفك فيها متعلّقها عنها، حينئذ، يكون برهانكم غير ذي جدوى، إذ من الواضح أن تلك المسببات التوليدية ليست فعلا نفسانيا كالتحريك العضلي حتى تدّعوا كما سلف منكم، بأنه يحتاج إلى مقتض نفساني أيضا، بل المسبّب التوليدي، هو فعل طبيعي في عالم الكون، يخضع إلى عوامل طبيعية، منها مرور الزمان إلى أن تحترق الورقة، و حينئذ، لا يأتي فيه برهانكم المتقدم، و إن كنتم تسلّمون و تقولون: إنّ هذه الأشواق الأخرى ينفك عنها متعلقها، و لذا لا نسميها إرادة. حينئذ نقول: إنّه في باب الإرادة التشريعية، الأمر أيضا كذلك، فإنه قد يتعلّق الشوق التشريعي بمسبّبات من هذا القبيل.

إذن فكما أن الشوق التكويني المتعلّق باحتراق الورقة، تسلّمون بأنه ينفك المتعلّق عنه، كذلك يجب أن تسلموا بأن الأشواق التشريعية المتعلقة بالمسبّبات و العناوين التوليدية، ينفك بعضها عن بعض، و بهذا لا يتحصل من هذا البرهان شي‏ء.

2- التقريب الثاني: من البرهان الثاني على استحالة الواجب المعلّق‏ (1)، و حاصل هذا التقريب هو: إنّ الإرادة التشريعية هي عبارة عن شوق المولى إلى‏

____________

(1) نهاية الدراية: ج 1 ص 304- 305- 306.

91

فعل الغير، و صدور الفعل من الغير باختياره، و ليس كل شوق إلى فعل الغير باختياره يسمّى إرادة تشريعية، كما أنه ليس كل شوق من الإنسان إلى فعل نفسه يسمّى إرادة. و كما أن الشوق المتعلّق بنفس فعل الإنسان، لا يسمّى إرادة تكوينية، إلّا إذا وصل إلى درجة تكون كافية لتحريك عضلات الإنسان، فكذلك الإرادة التشريعية، أو الشوق التشريعي المتعلّق بفعل الغير، لا يسمّى إرادة، و لا يبلغ درجة الإرادة التشريعية، إلّا إذا وصل إلى مرتبة بحيث يحرك عضلات المولى المشتاق.

و هنا عند ما كان المولى يشتاق إلى صدور الفعل من الغير باختياره، كان لا بدّ من معرفة موقف عضلات المولى من هذه الناحية، و الشي‏ء الوحيد المعقول من المولى هو: أن تتحرك عضلاته نحو التحريك إلى المشتاق إليه، إذن فالشوق نحو صدور الفعل من الغير باختياره، هو شوق لا يكون إرادة إلّا إذا ترشّح من شوق تكويني متعلق بتحرك عضلات نفس المولى نحو أن يبعث إلى المشتاق إليه المكلّف، فمتى ما بلغ شوق المولى إلى صدور الصلاة من المكلّف إلى درجة بحيث يترشح منه شوق تكويني إلى أن يطلب الصلاة من المكلّف، حينئذ يطلق على الشوق نحو الصلاة بأنه إرادة تكوينية. و أمّا إذا كان شوقه إلى الصلاة موجودا، لكن لم يكن بدرجة بحيث يترشح منه شوق تكويني محركا لعضلات المولى، نحو أن يبعث العبد، و يحركه نحو المقصود، فلا يكون هذا الشوق إرادة تشريعية.

و هذا معناه، أن قوام صيرورة الشي‏ء إرادة تشريعية، و هو بأن يترشح منه شوق تكويني، نحو تحريك عضلات المولى إلى أن يحرك و يبعث العبد، فإيجاد الباعث في نفس المكلف نحو الفعل من قبل المولى، شرط أساسي في تحقق الإرادة التشريعية من قبل المولى.

و من الواضح، أن المقصود من إيجاد الباعث من المولى للمكلّف نحو الفعل، ليس هو الباعث الفعلي، لوضوح «المضايفة» بين الباعثية و الانبعاث، فلو فرض أن الباعث كان فعليا، للزم منه كون الانبعاث فعليا أيضا، فلو كان‏

92

من لوازم الإرادة التشريعية، إيجاد الباعث الفعلي، للزم أن يكون هناك انبعاث فعلي أيضا، مع أنه من الواضح، أنه ليس من لوازم الإرادة التشريعية الانبعاث الفعلي، كما هو الحال في حق العصاة الذين لا ينبعثون بالفعل، رغم بعث المولى لهم نحو الفعل بإرادته التشريعية.

إذن فالمقصود بإيجاد الباعث من المولى، هو ما يمكن أن يكون باعثا للمكلّف، و هذا ما يمكن أن يكون لازما للإرادة التشريعية، و هذا ما يكون مساوقا للانبعاث بالإمكان، أي: إمكان أن ينبعث العبد.

فالنتيجة: إنّ الإرادة التشريعية، حتى تكون إرادة تشريعية، لا بدّ و أن تستتبع إيجاد الباعث بالإمكان من قبل المولى.

و حينئذ هذه النتيجة نطبّقها على الواجب المعلّق فنقول: إنّ المولى إذا جعل الوجوب من أول الغروب، و كان متعلّق الوجوب هو «الصوم» المقيّد «بطلوع الفجر»، فحينئذ نقول: إنّ الوجوب لا يعقل أن يكون فعليا، كما أن الإرادة التشريعية لا يعقل‏ (1) وجودها من حين الغروب، و ذلك لأن الإرادة التشريعية متقومة بإيجاد الباعث بالإمكان، بينما خطاب المولى عند الغروب لا يمكن أن يكون باعثا، إذ لا يمكن الانبعاث حينذاك، فلو فرض أن المكلّف كان منقادا، و أراد أن ينبعث فعلا، فلا يمكنه أن ينبعث، و ما دام الانبعاث مستحيلا فالباعث مستحيل مثله، إذ قد ذكرنا أنه من خصائص الإرادة التشريعية، هو إيجاد الباعث بالإمكان، و ما دام أنه لا يوجد الباعث بالإمكان، فلا توجد الإرادة التشريعية (2)، و هذا البرهان من التقريب الثاني، غير تام حلا و نقضا.

____________

(1) الظاهر أن وجود الإرادة التشريعية و عدمه على هذا المبنى من حين الغروب على حد سواء، ما دام إن الوجوب لا يعقل أن يكون فعليا، و لا باعثا بالفعل، و إنما بوجود الباعث بالإمكان، و مع عدم الانبعاث ينعدم الباعث (المقرر).

(2) نهاية الدراية: ج 1 ص 304- 305- 306.

93

أمّا حلا: فإن قوله إنّ الشوق إلى فعل الغير لا يكون إرادة تشريعية إلّا إذا ترشح منه شوق تكويني يحرك عضلات المولى نحو تحريك العبد، و بعثه إلى ما يشتاق إليه، هذا الكلام صحيح، بمعنى أننا في المقام لا نبحث في أن الإرادة التشريعية، بحسب مفهومها اللغوي، أو العرفي، أو الفلسفي، هل هي متقومة بهذه النكتة، أو غير متقومة بها، لأن البحث ليس في مداليل الألفاظ، و لا في حقائق الأشياء، و إنما نبحث في أنه ما الذي يقع موضوعا لحكم العقل بلزوم الامتثال من أشواق المولى.

و من الواضح، أن موضوع حكم العقل بلزوم الطاعة و الامتثال، إنما هو كل شوق مؤكّد، يحرّك المولى نحو أن يطلب من العبد أن يتحرك عنه.

أمّا الشوق الذي لا يحرّك المولى نحو أن يطلب، فهو شوق لا يجب على العبد أن يتحرك عنه.

إذن، فشوق المولى إنما يصبح موضوعا لحكم العقل بلزوم الامتثال، عند ما يكون شوقا بدرجة مستتبعة لشوق من المولى، و تحرك منه نحو المقدمات المربوطة به، و هي طلبه و جعله و إنشاؤه، و ما لم يبلغ شوق المولى درجة تحرّكه نحو ما يشتاق إليه، فإن العقل لا يحكم على العبد بوجوب الطاعة و الانبعاث في وقت الواجب، لأن غاية ما تقتضيه العبودية في نظر العقل، هو أن تكون عضلات العبد و قواه كأنها عضلات المولى و قواه، لأنها امتداد للمولى، و المفروض أن المولى لم يتحرك، و حينئذ لا بدّ من البحث في أنه هل يشترط في شوق المولى المحرّك لعضلاته، و المحرّك بالتالي للعبد، هل يشترط فيه أن يكون محركا للعضلات نحو ما يكون باعثا بالإمكان من حين وجوده، أو أنّ ما تقتضيه هذه النكتة، هو أن يكون الشوق محركا للمولى نحو ما يصدق عليه أنه من مقدمات وجود المطلوب خارجا؟.

و من الواضح أن هذه النكتة غاية ما تقتضيه هو أن المولى يتحرك من ناحية هذا الشوق للإتيان ببعض مقدمات وجود المشتاق إليه.

94

و من الواضح أن الإنشاء و الطلب الفعلي، يكون من مقدمات وجود المشتاق إليه، سواء أ كان من أول لحظات فعليته يتصف بالباعثية بالإمكان، أو على امتداد الزمان يتصف بالفاعلية بالإمكان بلحاظ مجموع الظرف الذي يمتد فيه يتصف بذلك، فإن المسألة هنا مسألة نكات معنوية.

و النكتة المعنوية هنا هي: إنّ العقل يرى أن المولى إذا اشتاق إلى صلاة عبده، فإن هذا الشوق يقع موضوعا لحكم العقل بوجوب الامتثال فيما إذا حرّك هذا الشوق نفس المولى إلى بعض مقدمات هذه الصلاة.

و من الواضح أن إيجاد إنشاء في معرض الباعثية، و لو لم يكن بالفعل باعثا، فإن هذا مقدمة من المقدمات، و هذا يكفي في تحقق موضوع حكم العقل على العبد بوجوب الامتثال، و الانبعاث في وقت الواجب.

و بهذا يتضح، عدم تماميّة البرهان على أن هذه الإرادة التشريعية، لا تصدق، إلّا إذا كان شوق المولى شوقا تكوينيا، يحرك عضلات المولى نحو ما هو باعث بالإمكان فعلا.

و إنما المطلب، أن العقل يحكم بوجوب امتثال و تنفيذ أشواق المولى التي تحرك المولى نفسه، أمّا الأشواق التي لا تحرك المولى، فلا يحكم العقل بوجوب امتثالها، بل يكفي في محركية شوق المولى للمولى إيجاد المقدمة المناسبة له، سواء أ كانت هذه المقدمة ممّا هو باعث بالإمكان، أو ممّا هو في معرض أن يكون باعثا، ما دامت تتصف بصفة المقدميّة.

و أمّا الجواب النقضي على برهان استحالة الواجب المعلّق، و أن الوجوب ليس باعثا بالإمكان، النقض عليه بغير موارد الوجوب المعلّق، بل بموارد الواجب المنجّز، فيما إذا كان الواجب المنجّز مقيدا بفعل زماني لا بدّ و أن يقع قبله زمانا، من قبيل الأمر بالصلاة المقيّدة بوقوع الوضوء قبلها، فإن هذا الوجوب يكون فعليا في أول آنات الزوال بلا إشكال.

و حينئذ نسأل: إنّ هذا الوجوب هل هو باعث بالإمكان فعلا، أو ليس‏

95

باعثا بالإمكان فعلا في أول آنات الزوال؟.

و هنا لا إشكال في أنه ليس باعثا بالإمكان فعلا، باعتبار مقدمته و هي الوضوء، غير موجودة، فالانبعاث فعلا نحو الصلاة المقيّدة بالوضوء، غير معقول، و إنما الذي يعقل الانبعاث نحو الوضوء، و من ثمّ الانبعاث نحو الصلاة.

إذن فكما أنه لا يعقل في أول الغروب الانبعاث إلى الصوم المقيّد بطلوع الفجر فعلا، كذلك لا يمكن الانبعاث في أول الزوال نحو الصلاة المقيّدة بالوضوء قبلها، و إذا لم يمكن الانبعاث، فلا يمكن صرف عنوان الباعث بالإمكان على هذا الطلب، و قد التفت المحقق الأصفهاني‏ (1) إلى هذا النقض، و حاول دفعه في «حاشيته على الكفاية»، ثم التفت إلى أن هذا الدفع غير تام، فحاول دفعه في حاشيته على حاشيته، دون أن يجدي ذلك نفعا في دفع ما ذكرناه من نقض.

و توضيح ذلك هو إنّه إذا اشترطنا في حقيقة الحكم الباعثية بالإمكان، إذن فحيث لا باعث بالإمكان، فلا حكم، و هذا معناه، اشتراط إمكان الانبعاث فعلا، لأن إمكان الباعثية مساوق مع إمكان الانبعاث، و من هنا يقع الكلام في أنه ما المراد بهذا الإمكان للانبعاث؟.

و نحن نعرف أن الإمكان الذاتي، مقابل للامتناع الذاتي و أن الإمكان الوقوعي مقابل للاستحالة الوقوعية، و أن الإمكان بالغير مقابل للامتناع بالغير، كما عرفنا أيضا الإمكان الاستعدادي.

و الآن نسأل: أنه ما هو المراد من الباعثية بالإمكان هنا؟.

و قد أوضح المحقق الأصفهاني‏ (2) في حاشيته، إنّ المراد من الإمكان،

____________

(1) نهاية الدراية: ج 1 ص 304- 305- 306.

(2) المصدر السابق.

96

هو الإمكان الوقوعي، مقابل الاستحالة الوقوعية، و معنى الإمكان الوقوعي، هو أنه لا يلزم من وجوده محال، و ما يلزم من وجوده محال، فهو ممتنع بالامتناع الوقوعي، فمثلا: وجود «ولد لزيد» غير المتزوج، ممكن بالإمكان الوقوعي، حيث لا يلزم من وجوده محال، و إن كان ممتنعا بالغير، باعتبار أن علّته غير موجودة، و الامتناع بالغير لا ينافي الإمكان الوقوعي.

فميزان الإمكان الوقوعي، هو ما كانت علّته ممكنة فهو ممكن وقوعا، و ليس بممتنع وقوعا، سواء أ كانت علته موجودة خارجا، أو لم تكن موجودة خارجا.

و أمّا ميزان الإمكان بالغير و الامتناع بالغير: فهو وجود العلة و عدمها، فإذا كانت العلة موجودة، فهو ممكن بل واجب بالغير، و إن كانت العلة غير موجودة، فهو ممتنع بالغير.

فالفرق بين الامتناع بالغير و الاستحالة الوقوعية، هو: إنّ المستحيل الوقوعي علّته مستحيلة، و المستحيل بالغير علته غير موجودة، و لكنها غير مستحيلة، فوجود «ولد لزيد»، هذا ممتنع بالغير، و لكنه ممكن وقوعا، و أمّا وجود «ولد للباري سبحانه و تعالى» هذا مستحيل بالاستحالة الوقوعية، لأن علّته مستحيلة، فإنّ العلة هي تجسّم الباري بنحو من الأنحاء، و هو مستحيل عليه تعالى.

و حينئذ بناء على هذا، قال المحقق الأصفهاني‏ (1) في مقام دفع النقض:

إنّه فرق بين الصوم المقيّد بالنهار، و بين الصلاة المقيّدة بالوضوء، فإنه إذا فرض فعلية الوجوب عند غروب الشمس، و كان متعلّق هذا الوجوب هو «الصوم» المقيّد بشرط متأخر هو «النهار»، فهنا الباعثية بالإمكان غير موجودة، لأن الانبعاث بالإمكان غير موجود، و معنى هذا، إنّ وقوع «الصوم» المقيّد

____________

(1) المصدر السابق.

97

«بالنهار» فعلا، هو مستحيل بالاستحالة الوقوعية،، لأن وقوعه فعلا يساوق أن يجتمع الزمانان «النهار و الليل معا» و هو خلف، لأن المقيّد بالزمان التأخر إذا فرض وقوعه الآن، فإذا كان يقع بلا قيده، فهو خلف كونه مقيدا بالزمان المتأخر، و إن كان يقع مع قيده، فيلزم التناقض في المقام. و أمّا الصلاة المقيّدة بالوضوء، فلا تمكن، بل يمتنع أن توجد عند الزوال، لأن علتها لم توجد، و إن كانت علتها ممكنة، فهي إذن ممتنعة بالغير، فهي إذن غير مستحيلة استحالة وقوعية كالممتنع بالغير.

و (المحقق الأصفهاني) بعد أن ذكر هذا الكلام، نقض‏ (1) عليه في حاشية حاشيته، حيث ذكر أن هذا الكلام هو مجرد كلام، و ذلك لأن الوضوء، و إن كان ممكنا على خط الزمان، و لكنه ليس ممكنا في الآن، بينما كلامنا في الآن لا على خط الزمان، و الوضوء باعتباره فعلا تدريجيا، تترتب أجزاؤه بعضها على بعض، فيستحيل أن يقع في آن، لأنّ هذا خلف‏ (2) كونه فعلا تدريجيا.

إذن فوقوعه في آن مستحيل استحالة وقوعية، بمعنى أنه لا يوجد علّة توجد الفعل التدريجي في آن واحد، لأنه تناقض، فاستحالة وقوع الوضوء في آن واحد يستحيل استحالة وقوعية، إذن فوجود الصلاة كذلك يكون مستحيلا استحالة وقوعية، إذن فالانبعاث في الآن الأول مستحيل استحالة وقوعية، فالباعثية أيضا مستحيلة استحالة وقوعية، و بهذا يعود الإشكال طردا.

فخلاصة مقصود الأصفهاني من كون المحرّك محركا بالإمكان، هو:

الإمكان الوقوعي، في مقابل الاستحالة الوقوعية.

و قد عرفت، أنّ مناط الإمكان الوقوعي، هو كون علة الشي‏ء ممكنة، سواء أ كانت علته موجودة خارجا، أو معدومة.

____________

(1) نهاية الدراية: الأصفهاني ج 1 ص 306- 307- 311- 312- 313.

(2) كونه خلف تصرّم الزمان، لا ينافي وقوع الوضوء في آن، إذ الآن هو من أجزاء الزمان، و إلّا لزم منه وقوع الوضوء خارج الزمان، و هو كما ترى من البطلان، بينما التصرم هو انقضاء آنات الزمان (المقرّر).

98

و مناط الاستحالة الوقوعية، هو: كون علة الشي‏ء مستحيلة، و حينئذ يقال: إنّ اكتساب الإرادة حقيقتها التشريعية، موقوف على حصول إنشاء باعث بالإمكان، و هذا موقوف على أن يكون الانبعاث ممكنا، لأن إمكان الباعث مساوق مع إمكان الانبعاث.

و كان حاصل نقضنا هو: إنّ الإتيان «بالصوم المقيّد بالنهار» إتيانه في أول الليل غير معقول، و مستحيل بالاستحالة الوقوعية، و كذلك الإتيان «بالصلاة المقيّدة بالوضوء قبلها» في أول آنات الزوال، هو أيضا مستحيل بالاستحالة الوقوعية.

و كأنّ المحقق الأصفهاني التفت إلى هذا، فعاد ليعلّق عليه في تعليقته‏ (1) على تعليقته على الكفاية، حيث قال: إن مقصودنا بإمكان الانبعاث، هو الإمكان الاستعدادي لا الوقوعي، و معنى الإمكان الاستعدادي هو: قابلية العضلات للتحرك نحو الشي‏ء، و ذلك في مقابل أن تكون القوة العضلية مشلولة و نحوه.

و بعد أن فسّر الإمكان بهذا المعنى، ذكر أنه في محل النقض أي: في «الصلاة المقيّدة بالوضوء»، الإمكان الاستعدادي ثابت فعلا، و في الآن الأول نحو القيد و المقيّد، فهنا إمكانان استعداديان: إمكان نحو «الوضوء»، و إمكان استعدادي آخر نحو «الصلاة». غاية الأمر، هو أن خروج هذين الإمكانين إلى عالم الفعليّة يكون بنحو الترتب، بمعنى أن الإمكان الأول يخرج إلى عالم الفعلية، ثم الإمكان الثاني. و أمّا ذات الإمكان، بمعنى تهيؤ القوى العضلية و كونها لا قصور فيها، فإنّ هذا ثابت بالنسبة إلى «الوضوء» و إلى «الصلاة» معا في الآن الأول، بمعنى أن القوة العضلية في الآن الأول متهيئة و قابلة لأن تتوضأ، و قابلة لأن تصلي، غاية الأمر أن إخراج هذين الإمكانين إلى عالم الفعليّة، يكون بنحو الترتب.

____________

(1) نهاية الدراية: ج 1 ص 308- 309- 310- 311- 312.

99

و أمّا في موارد الواجب المعلّق «كالصوم المقيّد بطلوع الفجر»، فلا يوجد هناك إمكان استعدادي، و قابلية للقوى العضلية، نحو القيد و المقيّد معا، لوضوح أن القيد و هو «طلوع الفجر» هو ليس ممّا يمكن للقوى العضلية أن تصنعه، فلا يوجد، إذ لا يوجد استعداد في القرى العضلية أن تحرك الفلك، و تطلع الفجر، إذن فلا يوجد استعداد و تهيؤ للفعل المنوط «بطلوع الفجر، و هو الصوم»، إذن فلا إمكان استعدادي في مورد الواجب المعلّق، و بذلك اختلف عن مورد النقض.

و بعبارة أخرى: إن الشرط هو إمكان الانبعاث نحو متعلق الأمر إمكانا وقوعيا، أي: لا يلزم من وقوعه المحال، لذلك كان وقوع الواجب المعلّق بالفعل غير ممكن وقوعا، للزوم التهافت في الزمان.

و هذا بخلاف وقوع الصلاة في كل آن من آنات الوقت، لإمكان إيقاعها فيه بوضوء قبله.

ثم إن (الأصفهاني) عدل عن تفسير الشرط هذا، فقال: إنّ الشرط هو الإمكان الاستعدادي، بمعنى وجود الاستعداد في الفاعل للقيام بالفعل، و تهيؤ عضلاته فعلا لذلك، و إن كان صدوره خارجا بحاجة إلى التّدرج في عمود الزمان.

و هذا الذي ذكره أيضا لا يرجع إلى محصّل، و ذلك لوضوح أن الإمكان الاستعدادي ليس دخيلا في تحقق الحكم أصلا، و لا موجب لجعله شرطا في تحقّق حقيقة الحكم، إذ إنّه لا إشكال في تعلّق التكليف في موارد لا يوجد فيها هذا الإمكان الاستعدادي.

و توضيحه هو: إنّنا لو فرضنا أن إنسانا، رجله مشلولة، بحيث لا يوجد فيها قوة عضلية مستعدة للتحرك أصلا، و لكنه قادر على أن يحرك رجله، و ذلك بوصله سلكا كهربائيا فيها يبثّ فيها الحرارة، و حينئذ تتهيّأ القوة العضلية للانطلاق و التحرك، و هنا يعقل للمولى أن يكلّف هذا الإنسان بالمشي، لأن‏

100

ذلك أصبح تحت سلطنة المكلّف، فلا يكون تكليفه بالمشي تكليفا تعجيزيا، أو قبيحا، مع أن متعلّق التكليف و هو المشي، لا يوجد إمكان استعدادي له في القوة العضلية، و إنما يكتسب هذا الإمكان الاستعدادي ببركة مقدمة، هي وصل السلك برجله، و حينئذ يوجد الإمكان الاستعدادي. فلو قلنا: إنّ الإمكان الاستعدادي دخيل في أصل التكليف، و في أصل تعقّله، للزم أن يكون التكليف بالمشي مشروطا بالإمكان الاستعدادي، أي: بإيصال السّلك، فيقول المولى حينئذ: «إذا أوصلت السلك امش» فيكون إيصال السلك مقدمة وجوبية لا وجودية، مع أننا نرى بالوجدان أنه بالإمكان جعلها مقدمة وجودية، و ذلك بأن يقول المولى للعبد: «أمش» بنحو يكون المكلّف مسئولا عن إيجاد هذه المقدمة، و هي إيصال السلك، و لا يكون حينئذ هذا الخطاب غير معقول من قبل المولى، لأن هذا ليس حكما، لأن الإمكان الاستعدادي غير موجود في قوى المكلّف العضلية.

و بعبارة أخرى: إن الواجب المقيّد بقيد زماني، و إن كان ممكنا في عمود الزمان وقوعا، و لكن وقوعه الآن دفعة واحدة لكونه تدريجيا، مستحيل استحالة وقوعية، إذ يوجب الخلف أو التناقض، إذ لا يعقل وجود التدريجي دفعة واحدة كاستحالة وقوع «الفجر» منتصف الليل. و أمّا الإمكان الاستعدادي فإن أراد به اشتراط استعداد و قابلية الفاعل، أي: كون عضلاته غير مشلولة، فمن الواضح أن هذا ليس شرطا في فعلّية الوجوب، و لهذا يصح تكليف المشلول الذي يمكنه علاج نفسه، دون أن يصبح علاج نفسه مقدمة وجوبية، و لو فرض شرطيته فهو محفوظ في الواجب المعلّق أيضا، إذ ليس القصور في استعداد الفاعل، و إن أراد به اشتراط استعداد و قابلية في القابل، بمعنى إمكان وقوعه، إذن فقد رجع إلى المعنى السابق. و بهذا يتضح بطلان هذا الكلام بلا إشكال.

فهذا دليل على أن الإمكان الاستعدادي ليس دخيلا في حقيقة الحكم.

101

و عليه، فهذا التخلّص من النقض غير وارد، إذن فما أفاده المحقق في تعليقته باطل، نقضا و حلا.

و بذلك نستخلص اندفاع كلا البرهانين على استحالة الواجب المعلّق.

و عليه، فقد تبيّن أن الواجب المعلّق معقول، و لكن في القيد الذي يمكن إحراز وجوده خارجا، كما هو الحال في مثل «طلوع الفجر» و أمثاله، و قد بقي لمسألة الواجب المشروط و المعلّق تنبيهات:

[تنبيهات الواجب المشروط و المعلق‏]

1- التنبيه الأول:

في المقدمات المفوّتة و هي التي من أجلها دخل الأصوليون في بحث الواجب المشروط و المعلّق، و هي مقدمات الواجب قبل تحقق زمانه، و المعروف بينهم هو أن الوجوب إذا ثبت شرعا، فإن كان وجوبا فعليا مطلقا ترشّح الوجوب على مقدمات هذا الواجب أيضا، فتتّصف بالوجوب الغيري.

و أمّا إذا كان وجوبا مشروطا، فمن الواضح أن المقدمة الوجوبية كالاستطاعة بالنسبة إلى وجوب «الحج»، لا تتصف بالوجوب الغيري كما تقدّم.

و أمّا المقدمات الوجودية: كالسير و السفر و نحو ذلك، فإنها قبل وجود شرط الوجوب و فعلّيته، لا تتصف بالوجوب الغيري، لأن الوجوب الغيري تابع عندهم للوجوب النفسي، فإذا لم يكن الوجوب بنفسه فعليا قبل الاستطاعة، فلا يكون الوجوب الغيري فعليا قبل الاستطاعة أيضا، و إنما تتصف المقدمات الوجودية بالوجوب الغيري، بعد فعليّة و تحقق الاستطاعة.

و بناء على هذا الأصل الموضوعي، وقع الإشكال بلحاظ ما ثبت شرعا في بعض الموارد، من وجوب إيقاع المقدمة الوجودية قبل زمان ذيها، مثل وجوب إيقاع «غسل الجنابة قبل طلوع الفجر» مقدمة للصوم، لأنه لو أخّر الغسل إلى حين طلوع الفجر، فإنه يفوته الواجب، فالغسل يتصف بالوجوب قبل زمان مجي‏ء الواجب، و كذلك عدة موارد أخرى في الفقه قيل فيها نفس القول.

102

و على هذا لأساس، أشكل بأنه اتصفت المقدمة بالوجوب، مع أن الواجب النفسي لم يصبح فعليا، فكيف سبق الوجوب الغيري الوجوب النفسي، مع أنه من تبعاته و ترشّحاته؟

و قد بحثوا هذه الموارد بحثا ثبوتيا عن كيفية تخريج وجوب هذه المقدمة و أمثالها، قبل زمان ذيها، بعد افتراض قيام الدليل عليها إثباتا، من الناحية الفقهية.

و بعد أن صار الأصوليون في مقام تفسير ذلك، و تبريره تبريرا يتفق مع الأصول الموضوعية، فقد استعرضوا في حل هذا الإشكال الثبوتي، عدة أجوبة تمثّلت في اتجاهين رئيسين:

1- الإتجاه الأول: هو أن القيد المفروض للواجب النفسي «كطلوع الفجر» مثلا، لو كان قيدا من قيود الاتصاف، أي: الدخيلة في اتصاف الفعل بكونه ذا مصلحة، إذن لتمّ الإشكال في المقام، لأنّ قيود الاتصاف، لا يوجد الحكم، و لا مبادئ الحكم قبلها، فلا ملاك، و لا إرادة، و لا جعل، و لا وجوب، قبلها، إذن كيف نشأ الوجوب الغيري في المقام؟. و حينئذ يسجّل الإشكال.

و لكن لو قيل: إنّ هذا القيد ليس من قيود الاتصاف الفعلي، بل هو من قيود ترتب المصلحة خارجا، حينئذ، إذا كان من قيود الترتب بمعنى أن نسبته إلى المصلحة نسبة سدّ المنافذ إلى حصول الدف‏ء، لا نسبة الشتاء إلى الاحتياج إلى النار، حينئذ، في داخل هذا الإتجاه القائل بأن «طلوع الفجر» من قيود الترتب، لا من قيود الاتصاف، ينشأ موقفان:

أ- الموقف الأول: هو، إنّ هذا القيد لمّا كان من قيود الترتب، إذن فالحكم بتمام مراتبه يكون فعليا قبله، ملاكا و إرادة و خطابا، قبل «طلوع الفجر» حتى مرحلة الوجوب و الخطاب التي هي المرحلة الثالثة، تكون فعلية قبل الفجر، و ذلك، إمّا بنحو الواجب المعلّق الذي تقدّم، بحيث يكون‏