بحوث في علم الأصول - ج5

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
533 /
103

الوجوب فعليا حين غروب الشمس، و يكون الواجب متأخرا، و إمّا بنحو الوجوب المشروط، بأن يكون الوجوب فعليا و مشروطا «بطلوع الفجر» على نحو الشرط المتأخر، بناء على إمكانه، و إنكار الواجب المعلّق.

ب- الموقف الثاني: هو موقف من لا يرى إمكان الواجب المعلّق، و من لا يرى إمكان الشرط المتأخر، و حينئذ يقول: إنّ «طلوع الفجر» الذي هو من قيود الترتب، فاقد للوجوب قبله الذي هو المرحلة الثالثة من مراتب فعليّة الحكم، لأنه لو وجد وجوب قبله، للزم محذور الواجب المعلّق، أو محذور الشرط المتأخر، و لكن يوجد قبل «طلوع الفجر» ملاك و إرادة، و حينئذ يقال:

إنّ الواجب المعلّق إذا كان مستحيلا على مستوى المرحلة الثالثة، «أي الوجوب قبله»، فهو على الأقل غير مستحيل على مستوى المرحلة الأولى، «أي الملاك». إذن فمبادى الحكم موجودة «قبل طلوع الفجر»، و إذا كانت مبادئ الحكم موجودة قبله، فهذا يكفي في تنجيز الإتيان بالمقدمة المفوّتة، باعتبار أن هذه المبادئ الموجودة قبل «طلوع الفجر»، تصلح موضوعا لحكم العقل بالمنجّزية و الإلزام بالفعل.

- الإتجاه الثاني: و هو في قبال هذين الموقفين، و هو اتجاه من يسلّم و يعترف بأن «طلوع الفجر» من قيود الاتصاف دون الترتب، و عليه، فقبله لا يوجد ملاك، و لا إرادة، و لا خطاب فعلي أصلا، و لكن رغم هذا، تتنجّز عنده المقدّمات المفوّتة. و يكون القيد حينئذ قيدا و شرطا مقارنا للوجوب، و به يكون الوجوب مشروطا بطلوع الفجر.

و هنا يوجد محاولتان للجواب:

أ- المحاولة الأولى: هي محاولة المحقق العراقي‏ (1) القائلة: إنّ‏

____________

(1) بدائع الأفكار: العراقي ج 1 ص 340- 341- 342- 246.

مقالات الأصول: ج 1 العراقي ص 108- 109- 110.

104

الوجوب المشروط له، نحو فعلية قبل وجود شرطه بالجملة، بحيث يمكن أن يترشّح منه وجوب على المقدمات.

ب- المحاولة الثانية: و هي للمحقق النائيني‏ (1)، حيث ذكر، أن لزوم المقدمات المفوتة ليس بلحاظ أنها توجب مخالفة في التكليف لو لم يأت بها، و إنما لزومها بلحاظ الملاك المحبوب في وقته.

و بهذا يتحصّل إلى الآن أن هناك خمسة أجوبة على شبهة المقدمات المفوتة، نتكلم عليها واحدة واحدة:

1- الجواب الأول: و هو الالتزام بالواجب المعلّق، حيث يقال: إنّ وجوب الغسل قبل «طلوع الفجر» إنما هو باعتبار أنّ وجوب صوم شهر رمضان قد أنشئ بنحو الواجب المعلّق، حيث يكون الوجوب فعليا عند غروب الشمس، و يكون الواجب استقباليا منوطا «بطلوع الفجر». و بناء عليه يكون الوجوب فعليا عند الغروب فلا غرو بأن يترشّح منه وجوب غيري على المقدمات، كالغسل الذي هو مقدمة مفوتة، و هذا الوجه يتوقف على ثلاثة أمور:

أ- الأمر الأول: هو أن يكون هذا القيد المتأخر، «كطلوع الفجر» الذي أخذ الواجب معلقا بالنسبة إليه، أن يكون من القيود المعلومة التحقّق عند المولى، بحيث أن هذا القيد سوف يتحقّق عند تمام المكلفين، و أمّا لو لم يكن معلوم التحقّق في تمام فروض هذا التكليف، للزم أخذه قيدا في الوجوب و لو بنحو الشرط المتأخر، لئلّا يؤدي التكليف- بدون أن يتقيّد به- إلى التكليف بغير المقدور كما تقدّم سابقا، و بهذا يرجع حينئذ إلى الواجب المشروط، فتعقل الواجب المعلّق هو: أن يكون القيد الذي قيّد به الواجب، معلوم التحقق لدى المولى عند جميع المكلّفين.

____________

(1) أجود التقريرات: ص 149- 150- 151.

105

ب- الأمر الثاني: الذي يتوقف صحة فرضيّة الواجب المعلّق عليه هو:

أن يكون القيد الذي أخذ الواجب معلقا بالنسبة إليه، «كطلوع الفجر» أن يكون هذا القيد من قيود الترتب لا الاتصاف، و ذلك لوضوح أنه إذا كان من قيود الاتصاف، إمّا بنحو الشرط المقارن، أو بنحو الشرط المتأخر، فإنه حينئذ لا يبقى موجب و مقتض لإطلاق الوجوب من ناحيته، و عدم أخذه قيدا كما هو معنى الواجب المعلّق، فإنّ معناه هو: أنّ الوجوب جعل مطلقا من ناحية طلوع الفجر، و لا يقيّد به، و حينئذ يكون هذا الوجوب بلا مقتض لو فرض كون القيد قيد اتصاف.

نعم لو لم يكن من قيود الاتصاف، و كان الاتصاف مطلقا، إذ إنّ الوجوب يتبع الاتصاف المطلق، إذن «فطلوع الفجر» إذا كان من قيود اتصاف الفعل بالملاك، فلا معنى لجعل الوجوب المطلق، و عليه، فلا بدّ من أخذه قيدا في الوجوب، و معه، يرجع إلى الوجوب المشروط حينئذ.

و أمّا إذا كان من قيود الترتب لا الاتصاف، فيعقل حينئذ، أخذ الوجوب مطلقا من ناحيته، لأنّ المقتضي للإطلاق موجود، و المانع مفقود، أمّا المقتضي لإطلاق الوجوب من ناحيته، فهو عدم تقيّد اتصاف الملاك به، و أمّا عدم المانع، فلأنه لا يلزم منه التكليف بغير المقدور، لأننا فرضنا أن المولى ضمن وجود هذا القيد.

ج- الأمر الثالث: الذي ينبغي توفره هو: إمكان الشرط المتأخر، و ذلك لأن الوجوب الحادث عند الغروب، و إن لم يكن «بطلوع الفجر» بنحو الشرط المتأخر، إذ فرضنا أنه مطلق من ناحية الطلوع، و لكنه مشروط لا محالة بقدرة المكلّف على تقدير «طلوع الفجر» على ما بيّناه سابقا، مشروط بأن يبقى المكلّف حيا قادرا إلى طلوع الفجر، لوضوح أن هذا الشرط ليس مضمون الوجود عند المولى، لأنه لا يعلم من سوف يموت، و من لا يموت قبل الفجر. فالوجوب إذن من ناحية الطلوع ليس مشروطا به، و هذا هو معنى كونه معلقا، و لكن من ناحية القدرة و الحياة على تقدير الطلوع يكون مشروطا به،

106

لأن هذا قيد غير اختياري، و غير مضمون الحصول خارجا، و كل قيد غير اختياري، و غير مضمون الحصول، يجب أخذه قيدا في الوجوب، و لو بنحو الشرط، و كثيرا ما تكون الأمور الثلاثة هذه تامة، و كلّما تمّت، حينئذ يكون هذا الجواب صحيحا.

2- الجواب الثاني:

و هو ما ذكره المحقق الخراساني في الكفاية (1)، و هو الالتزام بالوجوب الفعلي قبل «طلوع الفجر»، و لكنه وجوب مشروط «بطلوع الفجر» على نحو الشرط المتأخر، و هذا ليس بابه باب الواجب المعلّق، لأنّ الواجب المعلّق عبارة عن أن لا يكون الوجوب مشروطا «بطلوع الفجر»، و هنا فرض أن الوجوب مشروط «بطلوع الفجر» على نحو الشرط المتأخر، إذن فيكون الوجوب فعليا قبل «طلوع الفجر»، و لا غرو حينئذ في ترشّح الوجوب منه على المقدمات المفوتة.

و هذه الفرضية لا تتوقف على الأمر الأول من الأمور الثلاثة التي توقفت عليها فرضيّة الواجب المعلّق، و هو أن يكون «طلوع الفجر» أمرا مضمون الحصول عند المولى في حق جميع المكلفين.

و لنفرض هنا أن «طلوع الفجر» لم يكن أمرا مضمون الحصول بحال، فإنه رغم هذا، تكون الفرضية الثانية معقولة، لأن المفروض أخذ الوجوب مقيدا «بطلوع الفجر» بنحو الشرط المتأخر، فلا يلزم أن يكون هذا القيد محرز التحقق على أي حال، بل حتى لو كان غير محرز التحقق، فإنه لا يلزم محذور التكليف بغير المقدور، بسبب كون الوجوب مقيّدا «بالطلوع»، كما أن لا تتوقف هذه الفرضية على الأمر الثاني من الأمور الثلاثة المتقدمة في الفرضية السابقة، و هو أن يكون «طلوع الفجر» من قيود الترتب دون الاتصاف، بل إنّ هذه الفرضية معقولة على أيّ حال، سواء أ كان «الطلوع» من قيود الاتصاف أو

____________

(1) كفاية الأصول: مشكيني ج 1 ص 164- 165- 166.

107

الترتب، فيعقل أن نفترض أن «طلوع الفجر» من قيود الاتصاف، و لكن بنحو الشرط المتأخر، بمعنى أن «طلوع الفجر» سبب فيما بعد، في اكتساب صوم شهر رمضان، بأنه من الآن هو ذو مصلحة على نحو الشرط المتأخر، و لا ضير في ذلك، لأن الوجوب قد فرضناه مقيّدا «بطلوع الفجر»، لأنّ الوجوب إذا كان مقيّدا «بطلوع الفجر»، و ليس مطلقا من ناحيته، فلا عيب و لا إشكال في أن يكون «طلوع الفجر» من قيود الاتصاف بنحو الشرط المتأخر، كما يعقل أن يكون من قيود الترتب لا الاتصاف، و لكنّه يكون مع هذا مأخوذا قيدا للوجوب بنحو الشرط المتأخر في حالة ما إذا فرض أنّ هذا القيد لم يكن مضمون الحصول عند المولى على كل حال، فالمولى فرارا من التكليف بغير المقدور، يأخذ «طلوع الفجر» قيدا للوجوب بنحو الشرط المتأخر، لا لأنه دخيل في اتصاف الفعل بكونه ذا مصلحة، إذ الفعل متّصف بكونه ذا مصلحة على الإطلاق، لكن باعتبار أن هذا القيد من قيود الترتّب غير الاختيارية، و هو غير مضمون الحصول بحسب الفرض، فلا بدّ للمولى أن يأخذه قيدا في الوجوب، لأننا قلنا: إنّ أخذ قيد قيدا للوجوب، إمّا أن يكون باعتبار كونه من قيود الاتصاف، و إمّا باعتبار كونه قيدا من قيود الترتب غير الاختيارية، و غير مضمونة الحصول، إذن فهذه الفرضية لا تتوقف على الأمر الثاني.

نعم هي تتوقف على الأمر الثالث، و هو إمكان الشرط المتأخر كما هو واضح، لأنّ هذا الوجوب قد فرضناه مشروطا «بطلوع الفجر» على نحو الشرط المتأخر.

و بهذا كانت الفرضية الثانية أوسع صدقا و علاجا من الفرضية الأولى.

و قد علّق المحق الأصفهاني‏ (1) في المقام، حيث ذكر أن الفرضية الثانية يحتاج تصحيحها إلى تصحيح الفرضية الأولى، و بدون ذلك لا تصح الفرضية الثانية، أي: إنّه بدون تصحيح الواجب المعلّق، لا يصح الواجب المشروط،

____________

(1) نهاية الدراية: الأصفهاني ج 1 ص 312- 313- 314- 315.

108

إذ أن الفرضيتين إمّا أن تصحّا معا، و أمّا أن تبطلا معا، و قد ذكر الأصفهاني في توجيه ذلك،، بأنّنا إن قلنا باستحالة انفكاك الواجب عن الوجوب، و باستحالة تأخر زمان الواجب عن الوجوب، إذن فكلتا الفرضيتين غير معقولة، لأنّ معنى هذا، استحالة الواجب المعلّق، و نفس النكتة الموجبة لاستحالة الواجب المعلّق هي موجبة لاستحالة الواجب المشروط بالشرط المتأخر، و أمّا إذا قلنا بإمكان انفكاك الواجب عن الوجوب، فالمعلّق و المشروط كلاهما ممكن.

فالنتيجة هي: إنّ إمكان المشروط يحتاج إلى إمكان المعلّق، و إلّا فبدون إمكان المعلّق لا يكون المشروط ممكنا.

و هذا الكلام من المحقق الأصفهاني كأنه ناظر إلى بعض براهين استحالة الواجب المعلّق، لا إلى تمام براهين استحالة المعلّق، فإن المعلّق إذا قلنا باستحالته، باعتبار البرهان الثاني الذي هو برهان استحالة انفكاك المراد عن الإرادة، و انفكاك زمن الواجب عن زمان الوجوب، فيصح أن هذا البرهان كما هو قائم على استحالة المعلّق، فهو قائم على استحالة المشروط بالشرط المتأخر: إذ إنّه في كل منهما يلزم انفكاك الواجب عن الوجوب، و المراد عن الإرادة. و أمّا إذا كان برهان استحالة المعلّق شيئا آخر، من قبيل البرهان الأول القائل بلزوم التكليف بغير المقدور، فمن الواضح، أن لزوم التكليف بغير المقدور، إنما ينشأ في المعلّق من ناحية أن القيد المعلّق عليه لم يؤخذ قيدا في الوجوب، و هذا غير موجود في الواجب المشروط، فإنه في الفرضية الثانية قد أخذ القيد المعلّق عليه، «كطلوع الفجر» قيدا للوجوب، فلا يلزم توهم التكليف بغير الاختياري.

إذن فبعض براهين استحالة المعلّق تبرهن على استحالة المشروط بالشرط المتأخر، و لكن بعضها الآخر لا يبرهن على ذلك، بل تختص بالمعلّق، و لا تسري إلى المشروط. بل الأمر كما قلنا، فإنّ الفرضية الثانية لا تحتاج إلّا إلى الأمر الثالث من الأمور الثلاثة، بينما المعلّق يحتاج إلى الأمور الثلاثة مجتمعة.

109

و بهذا يظهر أن ما يحتاج إليه كلتا الفرضيتين هو الأمر الثالث فقط، و هو تصحيح الشرط المتأخر، إذ إنّ الواجب المعلّق يحتاج إلى تصحيح الشرط المتأخر بلحاظ القدرة، بينما الواجب المشروط يحتاج إلى تصحيح الشرط المتأخر بلحاظ نفس «طلوع الفجر». و عليه، فلا بدّ من أن يبنى على إمكان الشرط المتأخر لتصحيح الفرضية الأولى و الثانية، و قد عرفت سابقا أنّ الصحيح هو إمكان الشرط المتأخر، بل يمكن القول، بأنه لو قيل بامتناع الشرط المتأخر ببعض براهينه، فإنه رغم هذا يقال: إنّ هذا الامتناع لا يسري إلى محل الكلام.

و توضيح ذلك هو: إنّ امتناع الشرط المتأخر كان، إمّا باعتبار أن الشرط المتأخر للوجوب، يكون مؤثرا في اتصاف الفعل بكونه ذا مصلحة في الزمان السابق، و حينئذ أشكل بأنه كيف يؤثر الشي‏ء اللّاحق في اتّصاف الفعل بالمصلحة في الزمان السابق، و إمّا باعتبار إشكال التهافت في اللحاظ في عالم جعل المولى، كما ذهب إليه المحقق النائيني‏ (1) لأن الشرط لا بدّ و أن يؤخذ مفروض الوجود. و مع كونه مفروض الوجود، لا يكون متأخرا، إذ سبقه في الوجود و اللحاظ سابق على تأخره، وجودا و لحاظا.

و حينئذ، يجاب: إن كان برهان استحالة الشرط المتأخر هو الأول، فيدفع بأن يقال: إنّ «طلوع الفجر» ليس من قيود الاتصاف بنحو الشرط المتأخر ليستشكل في أنه كيف يكون شرطا في اتصاف سابق عليه، بل هو من قيود ترتب المصلحة بنحو القيد المقارن، و إنما أخذه المولى شرطا متأخرا في الوجوب من باب ضيق الخناق، لئلّا يلزم التكليف بغير المقدور، إذن فهذا الشرط المتأخر، ليست وظيفته إيجاد الملاك قبله، و توصيف الملاك قبله، ليلزم تأثير المتأخر في المتقدم، بل وظيفته حفظ الخطاب من أن يكون تكليفا بغير المقدور.

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 159- 160- 161.

110

نعم لو كان برهان امتناع الشرط المتأخر هو لزوم التهافت في اللحاظ، فهذا لا يفرّق فيه بين أن يكون من باب ضيق الخناق، أو من باب تأثير المتأخر في المتقدم، فإنه على أي حال فيه، يلزم التهافت في اللحاظ، و حيث أنّ الشرط المتأخر معقول على أيّ حال، فالفرضية الأولى و الثانية كلتاهما معقول، غاية الأمر، أن الأولى تكون معقولة إذا تمّت الأمور الثلاثة.

و على ضوء ما تقدّم قد يقال: إنّ هذا القيد و هو «طلوع الفجر»، إذا فرض أنه ليس من قيود الاتصاف، و إنما كان أخذه من باب ضيق الخناق، فالأمر كما تقدم، أي إنّه يكون إمكان الشرط المتأخر في المقام أحسن حالا من إمكانه في غير المقام، و أمّا إذا افترضنا أن «طلوع الفجر» قيد من قيود الاتصاف فقد يقال: إنّ هذا الشرط المتأخر مستحيل في المقام، حتى لو بنينا على إمكانه في غير المقام، و حينئذ لا يتم لا الجواب الأول، و لا الثاني، لاستحالة الشرط المتأخر في المقام، و إن تمّ في غير المقام.

و توضيح ذلك، هو: إنّ الوجوب المشروط بالشرط المتأخر، تارة يفرض أن متعلقه سابق على الشرط المتأخر، و كذلك الواجب هو أيضا سابق على الشرط المتقدم، كما مرّ في المثال السابق، و هو أن المولى يجعل وجوب يوم السبت مشروطا بصلاة «الليل في ليلة الأحد»، فصلاة ليلة الأحد، شرط الوجوب سابق عليه، و الواجب سابق أيضا عليه.

و تارة أخرى، يكون من قبيل محل الكلام، إذ في محل الكلام، الوجوب سابق على الشرط التأخر، لأن وجوب صوم نهار شهر رمضان يثبت عند غروب الشمس، مشروطا بطلوع الفجر فيما بعد بنحو الشرط المتأخر، فالوجوب هنا سابق على «طلوع الفجر»، و لكن الواجب ليس سابقا، لأن الواجب هو الصوم النهاري، و هذا الصوم لا يكون إلّا بعد «طلوع الفجر» و هذا فرق موضوعي، بين محل الكلام، و ما كنّا نتحدث عنه سابقا.

و حينئذ يقال إنّ هذا الفرق موجب لإمكان ذاك و استحالة هذا.

111

و لأجل أن نعرف كيف يكون هذا الفرق موجبا لإمكان ذاك و استحالة هذا، لا بدّ و أن نتذكر ما قلناه في إمكان الشرط المتأخر.

و كنّا قد تصوّرنا هناك كيف تكون صلاة ليلة الأحد شرطا في وجوب صوم يوم السبت، ثم دفعنا هناك إشكال أنّ الشرط، و هو صلاة ليلة الأحد، كيف أوجد قبله الاتصاف، لأن شروط الوجوب هي علل الاتصاف، إذن، فكيف وجد الاتصاف من يوم السبت ناشئا من صلاة ليلة الأحد؟. و كنّا هناك قد أجبنا بفرضيّات تبرز إمكان الشرط المتأخر.

و كانت خلاصة الفرضية التي أجبنا بها هي: إن صلاة ليلة الأحد التي هي شرط للوجوب و قيّد للاتصاف تحدث الاتصاف و الاحتياج حينها لا قبلها، إذ في ليلة الأحد عند ما يتحقق الشرط المتأخر، يحدث الاحتياج و الاتصاف، لكنّ الاحتياج إلى صوم نهار السبت الذي مضى، إذن فالاتصاف و الاحتياج لم يوجدا قبل الشرط، بل وجدا مع الشرط، لكنه احتياج إلى أمر قد فات و انقضى، لا يمكن تداركه فعلا، و من أجل اطّلاع المولى على ذلك، و التحفظ من هذه الناحية، يجعل وجوبه من أول يوم السبت مشروطا بصلاة ليلة الأحد، لأنه يعلم أن المكلّف سوف يحدث له احتياج ليلة الأحد إلى أمر ليس في يده في ذاك الوقت، إذن فالمولى من أول الأمر يأمره به.

هكذا كانت فرضيّة تصوير الشرط المتأخر، و حينئذ، قد يتوهم في المقام، بأن هذه الفرضية لا تجري في المقام، و إنما تجري في خصوص هذا المثال، لأنه في المقام لا يمكن أن نقول: إنّ «طلوع الفجر» كان سببا في الاحتياج في حين «طلوع الفجر»، إذ لو كان كذلك، لكان لنا أن نسأل: إنّه إلى ما ذا هذا الاحتياج؟. هل هو الاحتياج إلى فعل سابق على حينه؟. طبعا لا، و إنما هو الاحتياج إلى فعل حينه، و هو صوم نهار شهر رمضان، و حينئذ يسأل: إنّه لما ذا يسرع المولى إلى جعل الوجوب من أول الأمر، و يجعله مشروطا بالشرط المتأخر، فمثلا في مثال صلاة ليلة الأحد، كانت تحدث احتياجا حينها إلى صوم يوم السبت، و صوم يوم السبت منقض، فالمولى‏

112

حينئذ لا بدّ له أن يجعل وجوبه من أول يوم السبت، مشروطا بنحو الشرط المتأخر بصلاة ليلة الأحد.

و هذا إن صحّ هناك، فإنه في المقام هنا لا يصح، لأننا إذا فرضنا في المقام أن الاحتياج حدث قبل «طلوع الفجر» بسبب «طلوع الفجر»، فهذا تأثير متأخر، و إن حدث حين «طلوع الفجر»، إذن فقد حدث الاحتياج حين الطلوع إلى فعل حين «طلوع الفجر»، إذن فما هو المبرر لجعل الوجوب ثابتا من أول الغروب؟.

و بعبارة أخرى: إن المفروض فيما نحن فيه، أن زمان الواجب مقارن لزمان الشرط، و إنما المتقدم زمان الوجوب فقط، فالمولى يوجب من الغروب صوم النهار، مشروطا «بطلوع الفجر»، فلو كان لطلوع الفجر دخل في تحقق الاحتياج إلى الصوم، فإنه إنما يكون ذلك باعتبار أن الطلوع قيد في الواجب و كذلك أيضا كان الاحتياج إلى الحصة المقارنة آن لطلوع الفجر من الصوم لا المتقدمة عليه، و لا الجامع، و حينئذ يقال: إنّه ما هو المبرّر في تقديم الوجوب عليه، و جعله ثابتا من أول الغروب إلّا افتراض أنه يولّد و يحدث احتياجا من قبل، و هذا هو معنى تأثير المتأخر في المتقدم.

و الخلاصة هي: إنّ المبرّر هناك هو، إنّ الفعل هناك كان متقدما، و لكن هنا، فإن الفعل متأخر، إذن فلا يعقل الشرط المتأخر هنا حتى مع تعقّله هناك.

و هذا الكلام غير صحيح، و ذلك لأن الفعل هنا أيضا متقدم، فكما أن صلاة ليلة الأحد، تحدث احتياجا حين صلاة ليلة الأحد، إلى شي‏ء ليس بيد الإنسان الآن، و هو صوم نهار السبت، فكذلك «طلوع الفجر»، يحدث احتياجا في آن طلوع الفجر، لا قبله، احتياجا إلى شي‏ء ليس بيد الإنسان فعلا، و هو صوم نهار شهر رمضان، المقيّد بالغسل، أي بالمقدمات المفوتة.

و من الواضح أن الصوم المقيّد بالغسل بما هو مقيّد بالغسل، ليس تحت يد الإنسان فعلا، إذ لا يمكن للإنسان فعلا أن يحدث صوما يكون من أول‏

113

آناته مع الغسل، فكما أن صوم يوم السبت ليس تحت يد الإنسان في ليلة الأحد، كذلك صوم النهار المقيّد بالغسل، ليس تحت يد الإنسان الجنب عند طلوع الفجر، إذ بطلوع الفجر، و إن كان يمكن للمكلّف أن يصوم بلا غسل، لكنّه لا يمكنه أن يصوم صوما مقيّدا بالغسل، و المفروض أن الواجب هو الصوم المقيّد بالغسل، إذن فالحالة هي عين الحالة، و هي أنه حين طلوع الفجر- لا قبله- يحدث لديه احتياج إلى المقيّد الذي هو ليس تحت يده الآن، لأنّ قيده قد فات وقته، فلا بدّ للمولى أن يجعل الوجوب مبكّرا بنحو الشرط المتأخر.

فالفرضية إذن واحدة، و روح المطلب واحد، و عليه، فالجواب الأول و الثاني المتوقفان على تعقّل الشرط المتأخر فيهما، صحيحان في أنفسهما، فضلا عن معقولية الشرط المتأخر فيهما.

و بعبارة أخرى، يقال: إنّ طلوع الفجر يحدث حاجة في وقته للصوم النهاري، إلّا أن المكلف لا يمكنه تحصيل هذه الحصة المقارنة حين الاحتياج إلّا بإتيان بعض المقدمات، و قيود الواجب من قبل، كالصوم المقيّد بالطهور من أول آنات الفجر، فيقدّم المولى إيجابه على المكلّف، لكي يسعى في تحصيلها قبل ذلك، و ذلك بتحصيل مقدماتها، و معنى هذا، إنّ روح تقديم الإيجاب و ملاكه في المقام، هي نفس الروح و الملاك في سائر موارد الشرط المتأخر، دون أن يرد إشكال تأثير الأمر المتأخر في المتقدم.

و إن شئت قلت: إنّه كان لنا افتراض آخر في موارد الشرط المتأخر، و هو أن يكون الاتصاف و الحاجة إلى الواجب الاستقبالي، فعليا من أول الأمر. و لكن أنيط الوجوب بالشرط المتأخر من جهة أنّ إشباع تلك الحاجة، من دون تحقق ذلك الشرط المتأخر، فيه مفسدة، هي أهم من مصلحة الإشباع، و حينئذ أنيط الوجوب به بنحو الشرط المتأخر بهذا الاعتبار.

الجواب الثالث: و هو جواب يتم حتى عند من لا يتعقّل الواجب المعلّق‏

114

و المشروط بالشرط المتأخر، و يرى استحالتهما كالمحقق النائيني‏ (1). فإنه في هذا الجواب يمكن تصوير فعليّة الوجوب قبل «طلوع الفجر» و ذلك، بأن يكون الوجوب ثابتا عند الغروب، و لكن لا بنحو الواجب المعلّق، و لا بنحو الوجوب المشروط بالشرط المتأخر، بل وجوب فعليّ مطلق، لا معلّق و لا مشروط، لكن متعلّق هذا الوجوب، ليس هو صوم نهار شهر رمضان على الإطلاق، حتى يلزم من جعل هذا الوجوب على الإطلاق التكليف بغير المقدور، كما يلزم من جعله على نحو التقييد، رجوع إلى المعلّق، أو إلى المشروط، بل يكون متعلّق هذا الوجوب هو سدّ بعض أنحاء عدم هذا الصوم، فإن وجود الشي‏ء أمر واحد لا يتجزّأ، لكن عدمه يتحصّص لا محالة بأسباب مختلفة، إذ كون شخص له ولد، فهذا لا يمكن أن يتبعّض و يتجزأ، لكن كون شخص ليس له ولد، فإنّ هذا قابل لأن يتحصّص بحصص متعدّدة، بعدد أسباب هذا العدم، فكونه يصوم نهار شهر رمضان، هذا أمر غير قابل للتحصّص، و لكن كونه لا يصوم، فهذا أمر إنما يكون لأحد أسباب: إمّا لكون شهر رمضان غير موجود، و إمّا لكونه غير قادر على الصوم، و إمّا لأنه لم يغتسل من الجنابة قبل الفجر، و غير ذلك، و حينئذ يقال: بأنه يلتزم بوجوب فعلي مطلق من حين غروب الشمس، و هذا الوجوب متعلّق بنفي عدم صوم شهر رمضان، و لكن نفي عدمه من غير ناحية «طلوع الفجر»، أمّا عدمه من ناحية «طلوع الفجر» فلا بأس به، لأنه أمر غير اختياري، و لكن هناك أعدام أخرى يطلب المولى من العبد نفيها.

و الحاصل: إنّ عدم الصوم الناشئ من غير ناحية أنّ الفجر لم يطلع، مثل هذه الأنحاء الأخرى من العدم واجبة النفي، و واجبة الإعدام بوجوب فعلي مطلق، و هذا الوجوب الفعلي المطلق، لا يحتاج حينئذ إلى الشرط المتأخر أصلا، إذ هو لا يحتاج إلى أن يكون مشروطا بطلوع الفجر، حينه بنحو الشرط المتأخر، و لا بالقدرة حينه على نحو الشرط المتأخر، لأن‏

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 159.

115

المفروض أن هذا الوجوب يطلب إعدام غير هذا العدم النّاشئ من عدم «طلوع الفجر»، أو الناشئ من موت المكلّف أو شلله، و طلب إعدام الأعدام الأخرى لا موجوب لجعله مشروطا بطلوع الفجر، و لا بقدرة المكلّف حينه، و هكذا، لا يرد على هذا الجواب، إشكال انفكاك الإرادة عن المراد الذي كان برهانا على استحالة الواجب المعلّق، لأن المراد غير منفك عن الإرادة هنا، إذ إنّ المراد ليس هو صوم نهار شهر رمضان ليقال: إنّ الإرادة انفكت عن المراد بسبب كون الإرادة وجدت عند الغروب، و المراد وجد عند «طلوع الفجر»، بل المراد هنا هو، نفي الأعدام الأخرى، و نفي الأعدام الأخرى عمليّة تبدأ من الآن، لأن الأعدام الأخرى الآن، يمكن نفيها واحدا بعد الآخر، باعتبار أن الاغتسال الآن هو نفي لبعض تلك الأعدام، فهو عملية تبدأ من الآن، و تستمر إلى ذاك الزمان. و بهذا يتضح عدم لزوم انفكاك الإرادة عن المراد، و لا محذور الشرط المتأخر.

و الخلاصة هي: إنّه إذا التزم بوجوب فعلي مطلق متعلق من حين الغروب بنفي الأعدام الأخرى، فمن الواضح أن الغسل يكون مقدّمة لواجب فعلي مطلق حينئذ، و يكون وجوبه على القاعدة.

4- الجواب الرابع: عن شبهة المقدمات المفوتة، و هذا الجواب يعترف بأنّ «طلوع الفجر» من قيود الاتصاف، و ليس من قيود الترتب، و يعترف بأنه شرط في الوجوب بنحو الشرط المقارن، لكن صاحب هذا الجواب يقول: إنّ الوجوب المشروط لا يكون فعليا إلّا بعد وجود شرطه، فهو مجعول على نهج القضية الحقيقية، فكما أن الحرارة لا توجد إلّا بعد وجود النار عند عقد قضية، «كل نار حارة» فكذلك الوجوب المشروط، لا يوجد إلّا بعد وجود شرطه.

لو قلنا بهذا، حينئذ، يحصل الإشكال في المقدمات المفوتة، ذلك لأن المقدمات المفوتة وجبت قبل الشرط، مع أن وجوب الصوم مشروط «بطلوع الفجر»، و كل وجوب مشروط، لا فعلية له قبل وجود شرطه، و إذا لم يكن‏

116

للوجوب المشروط فعليّة قبل وجود شرطه، يرد الإشكال حينئذ فيقال: إنّه كيف ترشّح منه وجوب فعلي غيريّ على المقدمات المفوتة؟.

و لكن صاحب هذا الجواب يبني على مسلك المحقق العراقي‏ (1) فيجيب: بأن الوجوب المشروط فعلي قبل وجود الشرط خارجا، كما ذكر المحقق العراقي‏ (2) من أن وجود الوجوب فعلي قبل الشرط، لكن وجودا تقديريا بالوجود اللحاظي و التقديري للشرط، و هو ثابت فعلا بنفس لحاظ المولى و تقديره، لا الوجود الخارجي للشرط، فوجوب الحج المشروط بالاستطاعة، ليس منوطا بالاستطاعة خارجا، بل منوط بالوجود اللحاظي و التقديري للاستطاعة في ذهن المولى، و حيث أن اللحاظ و التقدير موجودان فعلا من أول الأمر، إذن فالوجوب فعلي من أول الأمر قبل الشرط، و حينئذ لا محذور في ترشح الوجوب الغيري على المقدمات، ما دام وجوب ذي المقدمة وجوبا فعليا.

و هذا الكلام غير تام، و ذلك لأن هذا الوجوب الفعلي قبل وجود الشرط، إمّا أنه محرّك نحو متعلقه، أو أنه غير محرّك نحوه. و من الواضح، أنه غير محرّك نحو متعلقه رغم فعليّته، باعتبار أن إناطته بالوجود التقديري للاستطاعة، يوجب إناطة فاعليته و محركيته بالوجود الخارجي للاستطاعة، و لهذا لا يكون محركا.

و من هنا نستفيد قاعدة، و هي: إنّ كل وجوب منوط بافتراض شرط، يكون فعليّته تابعة لوجود المفترض خارجا، أي الشرط خارجا.

و بناء على هذا يقال: بأن وجوب الصوم، و إن كان فعليا قبل وجود الشرط، لكن هذا الوجوب الفعلي منوط بافتراض الشرط و بتقديره، فإذا ترشّح منه وجوب غيري على المقدمات، فلا محالة يكون الوجوب الغيري تبعا

____________

(1) بدائع الأفكار: العراقي ج 1 ص 340- 341- 342- 346.

(2) المصدر السابق.

117

لإناطة الأصل، منوطا بافتراض الشرط و تقديره، لأن الوجوب الغيري تابع في وجوده للوجوب النفسي، لكن على نحو إناطة الوجوب النفسي، أي منوط بتقديره و افتراضه، و حيث أن هذه الإناطة تستتبع إناطة فاعلية الوجوب بتحقق الشرط خارجا، و هو «الطلوع»، إذ قبل الطلوع لا فاعلية لهذا الوجوب الغيري، إذن فنقع في الإشكال من جديد، و هو أنه كيف يتسجّل وجوب الإتيان بالمقدمات المفوتة بحيث يؤاخذ من لا يأتي بها، مع أنه لا فاعليّة لهذا الوجوب قبل الطلوع.

و بعبارة أخرى، هو: إننا إذا سلّمنا بأن الوجوب المشروط فعليّ قبل وجود الشرط، و سلّمنا بأن هذا الوجوب الفعلي يترشّح منه وجوب غيري باعتبار فعليته، إلّا أن هذا الوجوب الغيري المترشح، تابع للوجوب النفسي وجودا و جعلا، فيكون مربوطا بما يكون الأصل مربوطا به، فكما أن الوجوب النفسي مربوط بتقدير «طلوع الفجر»، فأيضا يكون الوجوب الغيري المترشح منه، متقيدا بوجود هذا القيد، و هو «الطلوع»، و هذه الإناطة كما تؤثر في الوجوب النفسي، في عدم فاعليته إلّا بعد تحقق الشرط خارجا، فهي كذلك تؤثر في عدم فاعلية الوجوب الغيري إلّا بعد تحقق الشرط خارجا.

و الحقيقة أنّ تابعية فاعلية الوجوب المشروط لوجود الشرط خارجا هذا ليس أمرا جزافا تحقّق بالصدفة، و إنما هو من باب أن الوجوب المشروط ليس وجوبا فعليا، بل هو وجوب تقديري، نعم الوجوب التقديري موجود بالوجود الفعلي كما تقدم أنه في باب الاعتباريات يعقل أن يكون الأمر التقديري موجودا بوجود فعلي، بخلاف باب التكوينيّات، فإنه فيها لا يعقل أن يكون الأمر التقديري موجود بوجود فعلي.

فإن أردتم أنّ الوجوب المشروط فعلي، لكي يترتب عليه أنّ الوجود فعلي، فإننا نسلّم بذلك، لكن الموجود بهذا الوجود الفعلي ليس فعليا، بل هو تقديري أي: إنّ الوجود التقديري موجود فعلا، و حيث أنه تقديريّ، لم يكن له فاعلية إلّا حين صيرورته فعليا.

118

و ما تقدّم سابقا من أن الوجوب المجعول ليس له وجود آخر وراء عالم الجعل، فهو صحيح، لكن ليس معنى هذا، أنّ ما هو الموجود فعلا من أول الأمر، هو الوجوب الفعلي، بل هو الوجوب التقديري، و يبقى وجوبا تقديريا مجعولا في أفق الجعل و الاعتبار بهذا النحو، و تكون فاعليته منوطة بتحقّق الشرط الذي أخذ في موضوعه.

و هذه الأجوبة كانت تحاول تصحيح المقدمات المفوّتة عن طريق الوجوب: إمّا وجوب معلّق، أو مشروط بالشرط المتأخر، أو وجوب تبعيضي لبعض حصص العدم دون بعض، أو وجوب مشروط مع دعوى فعلّيته قبل وجود الشرط.

و الخلاصة، هي: إنّ الوجوب الموجود قبل تحقّق الشرط، و إن كان فعليا، إلّا أن فاعليته و تأثيره منوطة بتحقق شرطه المقدّر عليه الوجوب، الموجود، و إيجاب المقدمة يكون من شئون فاعلية الوجوب لا فعليته، إذن فالجواب هذا غير تام.

5- الجواب الخامس: هو أنه يفترض فيه عدم إمكان جعل الوجوب قبل وجود الشرط، و يفترض فيه أيضا عدم إمكان الواجب المعلّق، و الوجوب المشروط بالشرط المتأخر، و يفترض فيه أيضا أن «طلوع الفجر»، ليس من قيود الاتصاف بالنسبة إلى عالم الملاك و الإرادة، و حينئذ، المولى و إن كان لا يمكنه إن يجعل وجوب «صوم شهر رمضان» من أول الغروب لأنه يقع، إمّا في محذور الوجوب المعلّق، أو محذور المشروط بالشرط المتأخر، لكن المفروض أن إرادته موجودة من حين الغروب، إذ من حين الغروب الملاك فعلي، و الإرادة فعلية، لأنّ «طلوع الفجر» ليس من قيود الاتصاف، بل هو من قيود الترتب، حيث لو أمكن أن يجعل الوجوب لجعله من أول الغروب، لكن لا يمكنه ذلك رغم فعلية الملاك و الإرادة، و لنفرض أن المولى تصدّى، و لو بالجملة الخبرية، لإبراز هذا الواقع، و أوحى إلى المكلّف حقيقة، أن ملاكه فعلي، و إرادته فعلية، و حينئذ، هذه الإرادة الفعلية و الملاك الفعلي كافيان‏

119

لتنجيز الإتيان بالمقدمات المفوتة، لأن العقل كما يحكم بوجوب تحصيل الواجب المولوي الشرعي، كذلك يحكم بوجوب تحصيل الملاك المولوي الشرعي الذي تصدّى المولى لإبرازه بالقدر الممكن، و المفروض أنّ القدر الممكن من الإبراز تحقّق في المقام. لكن لا بجعل الوجوب، بل بالإخبار عن فعلية هذا الملاك و هذه الإرادة من حين الغروب.

و بهذا تتمّ منجزيّة هذا الملاك و الإرادة، و يحكم العقل بلزوم المقدمات المفوتة، بل يمكن القول: بأنه يترشح الوجوب الشرعي الغيري على المقدمات المفوتة حينئذ، و ذلك لأن الكلام المشهور القائل: بأن الوجوب الغيري معلول للوجوب النفسي، و تابع له، هذا الكلام لا يكون له أساس، و في الحقيقة أنهما معا معلولان لعلة ثالثة و هي الملاك، فإن الملاك بنفسه يولّد، أولا و بالذات وجوبا لذي المقدمة، و يولّد بلحاظ المقدّميّة وجوبا للمقدمة، فالوجوب المقدمي الغيري الشرعي، و الوجوب النفسي، كلاهما ينشآن من فعليّة الملاك، لا إنّ أحدهما ينشأ من الآخر.

و المفروض في المقام، أن الملاك فعلي من أول الغروب، غاية الأمر، إنّ هذا الملاك لا يمكن للمولى أن يجعل الوجوب النفسي على أساسه، احترازا من الوقوع في المعلّق، و المشروط بالشرط المتأخر. لكن يمكنه أن يجعل الوجوب الغيري على أساسه، لأنه لا يقع في محذور المعلّق و لا المشروط بالشرط المتأخر، و عليه فيترشح من الملاك وجوب غيري أيضا يتعلق بالمقدمة المفوتة، و هذا جواب تام في نفسه.

و الحاصل: إنّ «طلوع الفجر»، الشرط المتأخر، في المقام، إذا فرض أنه من قيود الترتب لا الاتصاف، فالملاك و الإرادة فعليّان من أول الأمر، و قبل تحقق الشرط.

غاية الأمر، أنه لا يمكن للمولى أن يجعل الوجوب النفسي على أساسه فعلا، احترازا من الوقوع في محذور الواجب المعلّق، و المشروط المتأخر، إلّا أنه يمكنه ذلك، و لو عن طريق الإخبار عن فعليّة الملاك و الإرادة عنده،

120

فيحكم العقل حينئذ بوجوب المقدمات المفوتة، لكفاية ذلك في إبراز المولى فعليّة إرادته لشي‏ء في وجوب سدّ أبواب عدمه عن طريق مقدماته الاختيارية.

من هنا قد يقال بالوجوب الشرعي للمقدمات أيضا، ذلك لأن الوجوب المقدّمي ليس معلولا للوجوب النفسي، بل كلاهما معلولان لفعليّة الملاك و الإرادة النفسيين، و المفروض فعليّتهما في المقام، و إنما لم تؤثر فعليتهما في فعليّة وجوب ذي المقدمة، بسبب محذور الشرط المتأخر، و محذور الواجب المعلّق، و كلاهما غير وارد بالنسبة لوجوب المقدمة حينئذ.

6- الجواب السادس: هو أن نفترض في المقام أنّ الشرط، «طلوع الفجر» كان قيدا من قيود الاتصاف في كل المراحل الثلاثة: عالم الملاك، و عالم الإرادة، و عالم الخطاب، بحيث أنه قبل «الطلوع» لا ملاك، و لا إرادة، و لا خطاب، بينما وجوب الصوم مشروط بالطلوع ملاكا، و إرادة، و خطابا، و جعلا، و حينئذ توجد حالتان:

أ- الحالة الأولى: هي أن المكلّف لو ترك غسل الجنابة المقدمة، قبل الطلوع، إذن سوف يكون عاجزا عن الصوم، و بعجزه عن الصوم، لا يتوجه إليه خطاب «صم»، و معه لا يكون عاصيا لخطاب المولى، لأن خطاب المولى «بالصيام» إنما يتوجه عند «طلوع الفجر»، و المكلّف عنده عاجز عن الصوم الصحيح، إذن فيسقط عنه الخطاب دون أن يتورط في محذور مخالفة الخطاب، و ذلك لأن الملاك المولوي الذي هو وراء الخطاب يفرض أنه ليس ثابتا عند العجز، لأنه مشروط بالقدرة، كما أن الخطاب مشروط بالقدرة، و حينئذ فالمكلّف الذي لم يغتسل من الجنابة، و أصبح عند «طلوع الفجر» عاجزا، فهو لم يفوّت على المولى و لم يعص، لا خطابا و لا ملاكا، و مثل هذه الحالة، نقول فيها بعدم وجوب المقدمات المفوتة.

ب- الحالة الثانية: هي أن يكون الملاك فيها فعليا على كل حال عند «طلوع الفجر» في حق القادر و العاجز معا، غاية الأمر أنّ المكلّف عاجز عن‏

121

تحقيق الملاك، إذن فيكون قد صدر منه تفويت الملاك في ظرفه، و هذا لا يجوز عقلا، ببيان أمرين:

أ- الأمر الأول: هو أن التفويت الاختياري للملاك الملزم الذي تصدّى المولى للتحريك نحوه بالقدر الممكن له، هذا التفويت قبيح، كالتفويت الاختياري للخطاب الملزم.

ب- الأمر الثاني: هو أن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، فالمكلّف الذي ترك غسل الجنابة قبل الطلوع، فهو حين الطلوع، و إن كان عاجزا عن الصوم الصحيح، لكن هذا العجز حيث أنه نشأ بالاختيار لترك الغسل، فهو لا ينافي الاختيار، إذن فهو تفويت اختياري، بقانون أن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار من ناحية ترتب المسئولية و المؤاخذة.

و بضم هذين الأمرين أحدهما إلى الآخر، يثبت أن هذا المكلّف يستحق العقاب، لأنه فوّت على المولى الملاك الملزم في ظرفه، تفويتا اختياريا، و كل من فوّت الملاك الملزم في وقته، تفويتا اختياريا، يستحق العقاب.

أمّا الكبرى فقد بيّناها في الأمر الأول، و أمّا الصغرى، و هي أن المكلّف قد فوّت تفويتا اختياريا، فقد بيّناها في الأمر الثاني، فيستحق العقاب من هذه الناحية.

و هذا الجواب صحيح، لكن بعد فرض عدم تمكّن المولى من حفظ هذا الملاك بحافظ آخر من وجوب معلّق، أو مشروط بالشرط المتأخر، أو غيره ليكون ملاكا قد أبرزه المولى بالقدر الممكن، و إذا لم يمكن حفظه إلّا من هذه الناحية يكون تفويته لحفظه من هذه الناحية قبيحا لا محالة.

و هذا ما اختاره المحقق النائيني‏ (1) و الخوئي‏ (2)، و إن اختلفا في أنه: هل‏

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 162- 163.

(2) أجود التقريرات: الخوئي ج 1 هامش 231- 232.

122

يمكن أن يستكشف بنكتة الجواب السادس، خطاب شرعي بوجوب المقدمات المفوتة أيضا، أم أنه لا يثبت به إلّا الوجوب العقلي؟

ذهب النائيني إلى أنه يستكشف من نكتة الجواب السادس خطاب شرعي من قبل المولى، يتعلق بوجوب شرعي غيري للمقدمات المفوتة، تحفّظا على ملاكه،

و ذهب السيد الخوئي إلى أن استكشاف خطاب شرعي، يتعلق بوجوب المقدمات المفوتة، توهّم، مبني على إجراء قاعدة الملازمة بين ما حكم بوجوبه العقل، و حكم الشرع، فحيث أن العقل يحكم بقبح تفويت الملاك الناشئ من ترك المقدمات المفوتة، فيستكشف من ذلك حكم الشرع بحرمة تفويت المقدمات المفوتة، بقانون الملازمة، بين حكم العقل و الشرع.

و قد أوضح السيد الخوئي ذلك ببيان أن قاعدة الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع، إنما تجري في الأحكام العقلية السابقة على مولوية المولى، و تكاليف المولى، من قبيل حكم العقل بقبح الظلم و حسن العدل، و أمّا أحكام العقل الواقعة في طول التكليف، و مولوية المولى، من قبيل حكمه بقبح المعصية، و حرمة مخالفة المولى، و استحقاق العقاب على ذلك، فإن هذه الأحكام لا تستتبع حكما مولويا، بل لا منشأ لهذا الاستتباع، لأنه بعد فرض حكم العقل بذلك، يكون جعل حكم مولوي لغوا في المقام.

و مقامنا من قبيل القسم الثاني من الأحكام العقلية، فإنّ حكم العقل بقبح تفويت الملاك المولوي، هو على حدّ حكم العقل بقبح معصية المولى، فكما أن حكم العقل بقبح معصية المولى، لا يستتبع حكما شرعيا مولويا، و إنما يكون جعل الحكم الشرعي هنا على طبق الحكم العقلي لغوا، فكذلك يكون حكم العقل بقبح تفويت ملاك المولى، لا مجال لاستتباعه حكما شرعيا، و هذا بخلاف الأحكام العقلية من القسم الأول، الناظرة إلى ما قبل مولوية المولى من قبيل الحكم بحسن الأمانة و قبح الخيانة، فإن تلك الأحكام لا بأس باستتباعها حكما مولويا.

123

و التحقيق، هو: إنّ الصحيح هو ما ذهب إليه المحقق النائيني، من استكشاف خطاب شرعي متعلق بوجوب المقدمات المفوتة، منشؤه نفس الملاك المولوي، و ليس قانون الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع، حتى يرد ما أورده السيد الخوئي، فإنه بعد أن كان للمولى ملاك في «صوم نهار شهر رمضان»، منوط «بطلوع الفجر»، و هذا الملاك سيصبح فعليا عند طلوع الفجر على كل حال، سواء اغتسل الجنب، أو لم يغتسل، فإنه لا بدّ من حفظه تشريعيا.

و من الواضح أن خطاب إذا طلع الفجر «فصم» لا يكفي لحفظ ملاكه، لأن هذا الخطاب المشروط منوط بالقدرة، و المكلّف الجنب إذا لم يغتسل قبل الطلوع، سوف يصبح عاجزا عن الصوم عند الطلوع، فلا يتوجه إليه هذا الخطاب، فهو إذن عاجز عن حفظ الملاك، فيحتاج المولى لحفظ غرضه و ملاكه، إلى خطاب آخر، حتى لو حاول المكلّف تفويت القدرة، عن طريق ترك المقدمات المفوتة، فيجعل خطابان، و بمجموعهما يحفظ الملاك.

و بهذا يظهر: إن الخطاب الثاني، يستكشف ضمنيا من باب استكشاف المعلول من علته و هو الملاك، لا أنه مستكشف من حكم العقل حتى يرد عليه ما أورد السيد الخوئي من التمييز في الأحكام العقلية.

كما أنه يظهر بما ذكرنا، أنه لا مجال لإشكال اللّغوية في الخطاب الثاني، لأن غرض المولى لا يحفظ إلّا بمقدار ما يتصدّى المولى لحفظه، و لا فرق بين هذا الخطاب، و خطاب «صم» فإنّ كليهما ينشآن من منشأ واحد هو الملاك النفسي، و كلا منهما يحفظ حيثية من حيثيات الملاك، فكما أن الخطاب المشروط لا يكون لغوا، كذلك هذا الخطاب لا يكون لغوا باعتبارهما حافظين تشريعيين لملاك واحد، و لحيثيّتين فيه، إذ لو لا الحفظ التشريعي هذا لم يجب على العبد أن يتحرك، إلّا بمقدار تحرك المولى للحفظ التشريعي.

124

و بتمام الجواب السادس على مشكلة المقدمات المفوتة، نكون قد استعرضنا جميع أجوبة المحقّقين من الأصحاب، وفق المنهج الذي ساروا عليه في بحث هذه المشكلة.

و الرابع من هذه الأجوبة الستة المبني على دعوى: إنّ الوجوب المشروط فعلي قبل وجود شرطه، فيترشّح منه وجوب غيري على المقدمات، هذا الجواب ساقط كما تقدّم، و تبقى خمسة أجوبة معقولة على مستوى منهج البحث الدائر بينهم، فإنهم قد بحثوا بينهم المقدمات المفوّتة بلحاظ الأوامر و الأغراض التشريعيّة، كما لو كانت تختصّ بها.

مع أنّ الصحيح، أنّ البحث عن هذه المشكلة، لا تختص بذلك، بل تجري في الأغراض التكوينية أيضا، كما سوف يعرف.

و التحقيق في المقام، هو تغيير منهج البحث، إلى منهج يتّضح به حال هذه الوجوه الخمسة، و كيف ينبغي أن تصاغ في مقام الجواب على شبهة المقدّمات المفوّتة فيقال:

إن شبهة المقدمات المفوتة، و فرض وجود مقدمات للمطلوب قبل مجي‏ء زمانه، بحيث لو لم يؤت بتلك المقدمات لتعذّر الإتيان بالمطلوب في وقته، هذه الشبهة، لا تختص بخصوص المطلوب التشريعي الذي يكون مطلوبا للمولى من الغير، بل تشمل المطلوب التكويني، و المحبوب التكويني الذي يكون مطلوبا للمولى من نفسه، فإنه كثيرا ما يكون هناك محبوب تكويني للإنسان، مشروط بزمان استقبالي، و المكلّف يتهيأ قبل مجي‏ء زمان مطلوبه لإعداد مقدماته، لأنه يعلم بأن المقدمات لا تتيسّر له في ظرفه شأن أي عاقل، و لنفرض أنّ هذا المطلوب التشريعي مطلوب تكويني و يشتاق إليه المولى شوقا تكوينيا، حينئذ نسأل:

هل إنّ المولى يهيّئ المقدمات المفوتة لمحبوبه أو لا يهيّئ؟ فإن فرض أنه لا يهيّئ المقدمات المفوتة بنفسه، و لا يهتم بإعدادها حتى يفوت عليه‏

125

غرضه حين يجي‏ء ظرفه، إذن فالمقدمات المفوتة في الأغراض التشريعية غير واجبة على المكلف، لأن العبد، بمقتضى عبوديته، ينبغي أن يتحرك بمقدار ما يتحرك المولى نفسه نحو أغراضه التكوينية، و المفروض عدم تحرك المولى نحو هذا الغرض تكوينيا، إذن فلا يجب على العبد أن يتحرك نحو هذا الغرض إذا كان مطلوبا تشريعيا، إذ لا معنى لأن يهتم العبد بغرض للمولى في مورد لا يهتم المولى نفسه بغرضه إذا كان يريده بالإرادة التكوينية، إذ ليس التشريع إلّا من أجل جعل المكلّف كالمولى في التصدّي لأغراضه، و المفروض في المقام أن المولى لم يتحرك تكوينيا نحو غرضه، فالعبد أولى بعدم التحرك، لأن العبد ليس أشدّ اهتماما من نفس مولاه بأغراض مولاه.

و بعبارة أخرى، هي: إنّ المولى إذا كان في مطلوبه التكويني لا يتحرك نحو المقدمات المفوتة، قبل مجي‏ء ظرف مطلوبه، إذن فهو لن يتحرك لطلبها و حفظها، تشريعا في باب المطلوبات التشريعية، لأن حفظ المقدمات المفوتة في باب المطلوب التكويني، معناه، إيجادها قبل الوقت، و حفظها في باب المطلوب التشريعي، هو بالأمر بها قبل الوقت، فإن كان المطلوب التكويني الاستقبالي للمولى، لا يحرّكه لحفظه عن طريق إيجاد مقدماته، إذن فلا يحرّكه مطلوبه التشريعي الاستقبالي، لحفظه عن طريق حفظ مقدماته المفوتة تشريعا، إذن فلا تجب المقدمات المفوتة.

و إن فرض، كما هو الواقع، إن المولى يهيّئ و يتحرك في موارد المطلوبات التكوينية، قبل مجي‏ء وقتها، حفاظا عليها في حينها، حينئذ لا بدّ لنا من التفتيش عن نكتة ذلك، لكي تكون نفس هذه النكتة المقتضية لتحرّك المولى نحو إيجاد المقدمات المفوّتة تكوينا، في موارد المطلوبات الاستقبالية التكوينية، هي نفسها هذه النكتة تكون نكتة مقتضية التحرك من المولى لحفظ مطلوبه التشريعي الاستقبالي بما يناسبه من الإيجاب و الإلزام بمقدماته المفوتة له لو لم يتحرك.

و إذا عرفنا مفتاح المسألة، حينئذ نرجع إلى الوجوه الخمسة المزبورة

126

لنرى ما هو مدلولها و دورها بعد إرجاع المسألة من المطلوب التشريعي إلى المطلوب التكويني، إذن لا بدّ من بحث مشكلة المقدّمات المفوّتة على مستوى المطلوب التكويني.

و ليعلم أن ما ذكره المحققون من الأصحاب، من الوجوه الخمسة و الصحيحة على منهجهم في البحث، هذه الوجوه لا تجدي نفعا على صعيد المنهج الذي طرحناه، فإن التمسك بالواجب المعلّق، و التمسك بالوجوب الفعلي المطلق من أول الأمر المتعلق بسد بعض حصص العدم، أو التمسك بدعوى كون الخطاب مقيّدا بطلوع الفجر، و لكن الإرادة و الملاك فعليّان قبل الطلوع، و من أول الأمر، هذه الوجوه الثلاثة كلها، مرجعها إلى دعوى كون الظرف الاستقبالي قيد في الترتّب، لا قيد في الاتصاف، و إن شوق المولى و حبّه فعليّ من أول الأمر، و غير منوط بطلوع الفجر، بحيث لو أمكنه أن يجر الفلك، و يحقق الفجر الآن، لجرّه و حقّق الفجر، لو كان اختياريا، فيكون «طلوع الفجر» قيدا في الترتب لا في الاتصاف. و مع فعليّة الإرادة حينئذ تخرج المقدمات المفوتة عن كونها مقدمات مفوتة، بل تصبح مقدمات معاصرة للإرادة، لأن المقدمات المفوتة هي التي يكون ظرف الإتيان بها قبل ظرف الإرادة.

و أمّا بناء على هذه الوجوه الثلاثة، تكون معاصرة للإرادة لا قبلها، و تكون الإرادة فعليّة قبل الطلوع، و غير مقيّدة به، و يكون «الفجر» قيدا للمراد لا للإرادة، و قيد الترتب لا قيد الاتصاف.

و هذه النكتة، و هي معاصرة المقدمات المفوتة للإرادة، يمكن إجراؤها في المطلوبات التكوينيّة، و ذلك بأن يقال: إن المولى إذا تعلّق غرضه و حبّه التكويني بأن يصوم هو عند الطلوع لا بعده، فحينئذ من الآن هذا الحب فعلي، بحيث أنه لو أمكنه أن يجر الفلك، و يحقّق طلوع الفجر الآن لفعل.

و من الواضح أن «طلوع الفجر» قيد ترتّب لا قيد اتصاف، إذن فيقوم هو بنفسه و يغتسل، لأنّ المقدمة معاصرة مع فعليّة الإرادة.

127

لكن هذه النكتة بهذه الصيغة، لا يمكن أن تكون حلا في المقام، و ذلك لوضوح أن المقدمات المفوتة موجودة في موارد لا يمكن دعوى أنّ القيد فيها قيد ترتب، بل يكون القيد فيها قيد اتصاف، فمثلا «طلوع الفجر»، لكون الفقيه فيه «احتماليا» من حيث الملاكات الشرعية، فإنه يبدي احتمال أن يكون «طلوع الفجر» قيدا للترتب لا الاتصاف.

لكن الملاكات التي نعيشها و لسنا «باحتماليين» تجاهها، فإننا نرى بالوجدان أن القيود قيود اتصاف لا قيود ترتب، فالذي يعلم بأنه سوف يعطش و يشتاق إلى الماء، فإنه يحضره من الآن، فهل إنّ العطش المتأخر قيد ترتب، بحيث أنه لو أمكنه أن يعطّش نفسه لعطّش نفسه؟. قطعا، ليس هكذا، بل هو قيد اتصاف، إذن فإخراج المقدمات المفوتة عن كونها مفوتة، و إرجاعها إلى مقدمات معاصرة لفعليّة الإرادة من باب أن القيد للترتب، فهذا مجرد افتراض لا ينطبق على الواقع.

إذن فنحتاج إلى نكتة أخرى لتفسير لا بدّية المقدمات المفوتة في موارد المطلوبات التكوينية، فضلا عن كل المطلوبات التشريعية، و ليس من باب أن يكون القيد قيد الاتصاف.

و كذلك الجواب الثاني من الأجوبة الستة لحل المشكلة، و هو: أن يكون الوجوب مشروطا بالشرط المتأخر، و الوجوب فعليّا من حين الغروب، و مشروطا بالطلوع على نحو الشرط المتأخر، فإن هذا أيضا لا يحل المشكلة، بعد أن طرحت بهذه الصيغة، لأن مرجع ذلك إلى الشرط المتأخر، و قد قلنا في بحث الشرط المتأخر، عند ذكر الفرضيّة التي طرحناها لإمكان الشرط المتأخر. قلنا: إنّ الشرط المتأخر يكون سببا في الاتصاف حينه لا قبله، و لكن حيث أن ما يحتاج إليه حينه، يكون قد مضى زمانه، و لهذا فإنّ المولى، من باب التحفّظ، يجعل الوجوب سابقا.

هذا الكلام لا معنى لأن يكون نكتة في المقام لحل المشكلة، لوضوح‏

128

أن جعل الوجوب سابقا بهذا الاعتبار، هو بنفسه تحفّظ تكويني من المولى على المقدمات المفوتة لغرضه التشريعي الذي لم يتحقق شرط الاتصاف به بعد.

بينما نحن الآن نتكلم في كيفية تحفظ المولى على المقدمات المفوتة لغرضه التكويني، لا أنّ العبد كيف يتحفّظ و يتصدّى، إذ إنّ المولى لأنه يعلم بأنه عند ما يصلي صلاة الليل، ليلة الأحد، سوف يحتاج إلى صوم نهار السبت السابق، من أجل ذلك فهو يتحفظ و يجعل وجوب صوم يوم السبت من أول الأمر، و قبل مجي‏ء ليلة الأحد، و قبل أن يحدث الملاك و الشوق، إذ إنهما إنما يحدثان بحسب هذا الفرض، عند صلاة ليلة الأحد لا قبله، إذ قبله لا احتياج و لا شوق و لا ملاك، لكن لأنّ المولى يعلم بحدوثهما فيما بعد، لأجل ذلك يحكم بوجوب صوم يوم السبت من أول الأمر.

و هذا بنفسه تحفظ تكويني من قبل المولى على المقدمات المفوتة لغرضه التشريعي الذي لم يتحقّق شرط الاتصاف به بعد.

إذن فهذا الجواب الثاني لا يكون صحيحا، و لا يلامس روح الإشكال في المقدمات المفوتة، كما أن الجواب الأول و الثالث و الخامس، لم يكن واحدا منها صالحا لحل المشكلة.

و أمّا الجواب السادس، القائل: بأنّ العقل يحكم على العبد بالتحفظ على الملاك الفعلي الاستقبالي للمولى، بالإتيان بالمقدمات المفوتة، لئلّا يلزم من عدم ذلك تفويت غرض المولى، فإنّ هذا لجواب، لا يعالج المشكلة.

و ذلك لأننا قبل أن نفرض عبدا و عبودية و عقلا يحكم بوجوب الامتثال، فنحن نتكلم عن نفس المولى بما هو إنسان بينه و بين نفسه، بلا عقل يحكم عليه بوجوب الامتثال، فنقول:

إن هذا المولى نفسه لو صار في هذا الموقع، فهل كان يأتي بالمقدمات أو لا؟.

129

و هنا لا معنى لقولنا بأنه كان لا بدّ أن يأتي بها، و ذلك بقانون حكم العقل بوجوب الامتثال، لا معنى لقولنا ذلك لأنه لا امتثال و لا حكم لأحد في المقام، بحسب الفرض، و لأن إيجاب العقل لذلك، فرع أن يعقل اهتمام المولى نفسه بالمقدمات المفوتة لغرضه التكويني، قبل فعليته، كي يجب اهتمام المكلّف بها إذا أحرز ذلك، و أمّا إذا لم يعقل اهتمام المولى بذلك، فلا يحكم العقل بوجوب الامتثال.

و الخلاصة هي إنّه إذا كان المولى لا يهتم بالمقدمات المفوتة لغرضه التكويني إذن فلا يجب ذلك على العبد بطريق أولى، لأن العبد ليس أحرص من المولى على غرض المولى نفسه، فإذا لم يكن المولى حريصا على مقدمات غرضه تكوينا، فلا ملزم للعبد بها تشريعا.

و إن فرض أن المولى كان يتحفظ على المقدمات المفوتة لغرضه التكويني، و كان يأتي بها، حينئذ، لا بدّ أن نفتّش عن نكتة هذا التحفظ عند المولى الذي هو غير مسألة حكم العقل بوجوب الامتثال، لكي تكون تلك النكتة هي ملاك حكم المولى نفسه بوجوب المقدمات المفوتة و ملاك حكمه على العبد أيضا.

و قد أشرنا سابقا، أن ثلاثة من الأجوبة الخمسة التي قبلنا أن تدخل في منهج البحث، هذه الثلاثة مرجعها إلى شي‏ء يمس النكتة، و إن القدر المشترك بينها، مرجعها إلى أن القيد المتأخر من قيود الترتب، لا الاتصاف.

و هذا معناه أن الاتصاف بالملاك فعليّ قبل القيد، و أن الإرادة فعلية قبل القيد، و حينئذ، يكون هذا علاجا لنكتة المشكلة، لأنه بذلك فرضت فعليّة الإرادة من أول الأمر، فتكون هذه الإرادة الفعلية هي المحركة للمولى نحو حفظ المقدمات المفوتة.

لكن قلنا سابقا أن هذا الجواب لا يفي بتفسير الواقع، لأنه لا يمكن الالتزام بأن القيد المتأخر في جميع موارد المقدمات المفوتة، يكون قيد ترتب‏

130

لا قيد اتصاف، و لا إشكال في أن المقدمات المفوتة لا بدّ من حفظها حتى لو كان القيد المتأخر قيد اتصاف لا قيد ترتب.

كما أن المسلك المنسوب إلى الشيخ الأعظم‏ (1) الأنصاري (قده) في باب الواجب المشروط، القائل بأن قيود الاتصاف كقيود الترتب، أي أنها كلها قيود في المراد لا قيود في الإرادة، هذا المسلك أيضا يمس روح المشكلة، إذ لو صحّ هذا المسلك، و صحّ أنّ قيود الاتصاف كقيود الترتب كلها قيود في المراد لا في الإرادة، حيث تكون حينئذ الإرادة فعليّة قبل قيد الاتصاف. كما هي فعلية قبل قيد الترتب، و معه تكون هذه الإرادة هي المحركة نحو المقدمات المفوتة.

و لكن هذا المسلك تقدّم بطلانه بتوضيح أن قيود الاتصاف يختلف حالها في عالم الشوق و الإرادة، عن قيود الترتب، كما يختلف حالها عنها في عالم الملاك نفسه، فإن قيود الترتب قيود للمراد و لكن قيود الاتصاف قيود في نفس الإرادة كما برهنّا على ذلك سابقا.

و كذلك المسلك المنسوب إلى المحقق العراقي‏ (2) في عالم الإرادة، من أن الظرف الاستقبالي الذي هو قيد للاتصاف هو قيد للإرادة لا للمراد، و لكنه قيد بلحاظه و تصوره، لا بوجوده الخارجي الواقعي، و الوجود اللحاظي فعلي من أول الأمر حيث أن الإنسان بمجرد أن يتصوّر العطش يريد الماء، فإرادة الماء منوطة بالعطش، و العطش قيد للإرادة، لكن بوجوده اللحاظي التصوري لا الخارجي التصديقي.

و هذا المسلك، يعني أن الإرادة فعليّة قبل وجود العطش خارجا، لأنها دائرة مدار تصور العطش، و أيضا يعني هذا المسلك أن هذه الإرادة الفعلية قبل وجود العطش، فاعليتها تامة من سائر الجهات إلّا من جهة ذلك القيد الذي‏

____________

(1) مطارح الأنظار: الأنصاري ص 43- 65.

(2) مقالات الأصول: ج 1 ص 108- 109- 110.

131

أنيطت هذه الإرادة بلحاظه، إذن فإرادة شرب الماء موجودة الآن قبل العطش، لكنها منوطة بلحاظ العطش، و فاعليتها أيضا تامة لأنّ فعليتها تامة، ففاعليتها من سائر الجهات تامة، إلّا من ناحية العطش فإنها لا تحرّك نحو أن يعطّش الإنسان نفسه، لأن هذا القصور من النتائج التكوينية لإناطة الإرادة بالعطش، فكلّما أنيطت هذه الإرادة بلحاظ شي‏ء لم تصبح الإرادة محركة نحو وجود ذلك الشي‏ء الملحوظ، و لو كانت فعليّة.

و هذا المسلك، لو صحّ، فهو أيضا يعالج النكتة، و يمس روح البحث، لأنه يقتضي أن تكون إرادة شرب الماء موجودة بالفعل قبل العطش، و فاعليتها أيضا تامة من غير ناحية التعطيش.

إذن فهذه الإرادة هي التي تحرك نحو المقدمات المفوتة، فلو علم الإنسان أنه سوف يبتلى بالعطش، و ليس لديه ماء، فهو حينئذ، من الآن ينبغي أن يدّخر الماء و يحرزه، و هذا الإدّخار يكون بمحركية إرادة شرب الماء التي هي فعليّة.

و لكن هذا المسلك غير تام أيضا، لما بيّناه سابقا، من أن مجرد تصور العطش لا يحدث شوقا نحو شرب الماء، و إنما الذي يحدث شوقا نحو شرب الماء هو تحقّق القيد، و هو العطش حقيقة و إحرازا.

إذن فهذه الأجوبة تمس روح المشكلة، لكن بعضها لا يفي بالجواب، و بعضها الآخر يفي لكن المبنى فيها غير صحيح.

و الذي يمس روح المشكلة، و يفي بالجواب الصحيح هو، ما تقدّم في بحث الواجب المطلق و المشروط، حيث قلنا هناك: إن الإرادة المشروطة تنحل إلى إرادتين، و بانحلالها إلى إرادتين تنحلّ هذه المشكلة.

و توضيح ذلك هو: إنّ الشخص الذي نفرض أنه سوف يبتلى بالعطش، و يكون وقتئذ عاجزا عن شرب الماء، تارة يفرض أن القدرة على المطلوب الاستقبالي في ذلك الظرف، هي من قيود الاتصاف، أي إنّها دخيلة في اتصاف‏

132

الفعل بكونه ذا مصلحة، بحيث أنه لا حاجة مع العجز، أي إنّه مع العجز لا يكون الفعل متصفا بكونه ذا مصلحة أصلا، و أخرى يفرض أن القدرة في ذلك الظرف ليست دخيلة في الاتصاف، و إنما الاتصاف تابع لتحقق قيد العطش، فمتى تحقّق قيد العطش اتصف شرب الماء بالمصلحة سواء أ كان هذا المكلّف قادرا على أن يشرب الماء، أو لم يكن قادرا على أن يشرب الماء.

فإن فرض أن القدرة في ظرف العطش دخيلة في اتصاف الفعل بكونه ذا مصلحة- و هو فرض غير مطابق للواقع بالنسبة إلى شخص هذا المثال، و إن كان قد يتفق مطابقته للواقع بالنسبة إلى فرض آخر من الفروض.

حينئذ إذا كانت دخيلة، فهذا الإنسان سوف لن يهيّئ الماء من الآن، لأنه لا يفيده من الآن، أي إنّه لا يهتم في إعداد المقدمات المفوتة، لا في الفرض التكويني، و لا التشريعي.

غاية الأمر أنه سوف يعجز في المستقبل عن شرب الماء، و المفروض أنه عند العجز لا ملاك، و إنّ اتصاف الفعل بكونه ذا مصلحة، فرع أن يكون قادرا، و المفروض أنه ليس قادرا في ظرف العطش، إذن فمثله سوف لن يهيّئ الماء قبل الوقت إذ لا يفوت عليه شي‏ء بذلك.

و إن فرض أن القدرة غير دخيلة في اتصاف الفعل بكونه ذا مصلحة، و أن تمام الدخيل في اتصاف الفعل في كونه ذا مصلحة، هو نفس قيد العطش، سواء أ كان قادرا أو عاجزا، و حينئذ يكون لهذا الإنسان إرادتان بحسب الحقيقة.

أ- إحداهما إرادة مشروطة: و هي إرادة شرب الماء، فإنها مشروطة بالعطش، و العطش قيد الاتصاف بالنسبة إليها، فهي ليست فعليّة في حال عدم العطش، و إنما تكون فعلية عند العطش.

ب- و ثانيتهما إرادة مستترة: وراء تلك الإرادة المشروطة، بل وراء كل إرادة مشروطة، كما تقدّم و بيّناه في بحث المطلق و المشروط، و هذه الإرادة

133

المستترة متعلقة بالجامع، و هو أن لا يعطش عطشا لا ماء معه، و هذه الإرادة موجودة من أول الأمر. إذن فهذه الحصة الخاصة من العطش يريد عدمها و يمكن أن نعبّر عن هذه الإرادة بإرادة الجامع بين أن لا يعطش، أو أن يعطش و معه ماء يشربه، و هذا الجامع مطلوب له من أول الأمر، لأن مزاج الإنسان، أيّ إنسان، سواء أ كان مرتويا، أو لم يكن مرتويا، يتناسب مع هذا الجامع، و هو جامع أن لا يعطش، أو يعطش و لكن عطشا يكون معه ماء يشربه، و تناسب مزاجه مع هذا الجامع فعليّ من أول الأمر، إذن فإرادة الجامع فعليّة من أول الأمر.

نعم تناسب مزاجه مع شرب الماء بالخصوص، هو فرع العطش، إذ قبل العطش قد لا يكون مزاجه يتحمّل شرب الماء، بل قد يكرهه بالفعل لشدة ارتوائه. فالتناسب بين مزاجه و بين الجامع فعلي من أول الأمر، فتكون إرادته للجامع فعليّة من أول الأمر، و إذا كانت إرادته للجامع فعليّة من أول الأمر، إذن فهذا المكلّف من أول الأمر يريد أحد الأمرين: إمّا الجامع بين أن لا يعطش، أو أن يعطش و يشرب الماء، و هذا المكلّف يعلم أنه إذا لم يدّخر الماء من الآن سوف يفقد هذا الجامع بكلا فرديه، لأنه سوف يوجد حرّ يعطّشه، و سوف لن يكون عنده ماء، إذن فمن الطبيعي أن تكون إرادته الفعلية المطلقة المتعلقة بالجامع بين الأمرين، محركا له لأن يدّخر الماء لئلّا يفقد الجامع.

و بهذه الإرادة الفعليّة المطلقة المتعلقة بالجامع، يتحرك المولى تكوينا نحو حفظ المقدمات المفوتة لشرب الماء قبل تحقق العطش- شرط الاتصاف- لأن عدم تحركه هذا، سوف يوقعه بما ينافر ذاته و يجتنبه دائما، إذ إنّه بحكم الفطرة هو يحب ذاته، و ينطلق منها.

و إذا اتضح الحال في الإرادة التكوينية، يتضح الحال أيضا في الإرادة التشريعيّة، فإن المكلّف في الإرادة التشريعيّة، يصبح كأنه نفس المولى في الإرادة التكوينيّة، فيتحرك نحو المقدمات المفوّتة، فإننا لو حرّرنا هذا الإنسان، و صيّرناه مولى من شأنه أن يأمر و يطاع، و قد صار مطلوبه التكويني‏

134

مطلوبا تشريعيا، و صار مطلوبه التشريعي شرب عبده للماء، لا شرب نفسه، فهنا أيضا يوجد إرادتان تشريعيتان: إرادة لشرب الماء بالخصوص، و هي إرادة مشروطة، و إرادة للجامع، و هذه الإرادة هي التي تكون فعليّة قبل وجود العطش «الشرط» و قبل تحقّق قيد الاتصاف، و هذه الإرادة الفعليّة، هي التي تحرّك المولى نحو حفظ المقدّمات المفوتة حفظا تشريعيا، عن طريق جعل خطاب ينجّز هذه المقدمات المفوتة، فتتنجّز هذه المقدمات المفوتة على العبد بهذا الحفظ التشريعي لها من قبل المولى.

و الحاصل إنّ هذا التحريك يختلف باختلاف المتحرّك نحوه، ففي المطلوبات التكوينية، يتمثّل التحريك بأن يدّخر المولى نفسه الماء، و في المطلوبات التشريعيّة يتصدّى المولى لحفظها بجعل خطاب، و يحفظ مطلوبه بنحو من الحفظ، و ذلك بإن يجعل وجوب الصوم ثابتا من حين الغروب، فيكون هذا حافظا تشريعيا للمقدمات المفوتة، أو أن يجعل الوجوب من «طلوع الفجر»، و ينشئ خطابا آخر، فيكون أحد الخطابين، «صم» إذا «طلع الفجر»، و الآخر «اغتسل» إذا «طلع الفجر».

فالخلاصة و النكتة في حل المشكلة هي: إنّه يوجد إرادة فعليّة متعلقة بالجامع، تكون هي المحركة لحفظ المقدمات المفوتة تكوينا و تشريعا، لأنّ روح النكتة هذه واحدة فيهما.

و حيث أنه انتهى الكلام إلى افتراض إرادتين في موارد الواجب المشروط: إرادة شرب الماء المشروطة «بالعطش»، و إرادة متعلقة بالجامع «أن لا يعطش عطشا لا ماء معه» حينئذ ينقدح تساؤل يتعلق بهاتين الإرادتين، بعد أن كانت إحدى هاتين الإرادتين، المتعلقة بشرب الماء مشروطا بالعطش إرادة تعيينيّة، و الأخرى المتعلقة بالجامع و هو «أن لا يعطش عطشا لا ماء معه» إرادة تخييرية.

و هذا التساؤل هو: هل إنّ هذه الإرادة المشروطة المتعلقة بشرب الماء عند العطش، هل هي تطور لنفس تلك الإرادة الثابتة من أول الأمر، بمعنى‏

135

أنها هي عينها، غاية الأمر أنها انقلبت من التخييرية إلى التعيينيّة، أو إنّهما إرادتان مستقلّتان إحداهما عن الأخرى بنكتة تخصّها؟. فمثلا في أول الأمر كانت إحداهما المتعلقة بالجامع، تخييرية، و بعد إن ابتلى المكلّف بالعطش انحصرت إرادته في الفرد الثاني من الإرادة، فانقلب الشوق عنده من التخييري إلى التعييني، أ هكذا هي؟. أو إنّ هذه الإرادة التعيينية هي إرادة أخرى، و ليست هي الأولى، بل هي وراء الأولى، و الأولى ليست هي التي تنقلب إلى الثانية، بل وجد ملاك آخر للثانية؟ فإن وجدت منفصلة عن الأولى؟:

قد يقال في المقام: إنّ الإرادة الثانية المشروطة هي إرادة أخرى مستقلة عن الأولى و ليست من تطوراتها، بدعوى أن كلّا من الإرادتين لها نكتة غير نكتة الأخرى، فليست إحداهما امتدادا للأخرى، فإن الإرادة المتعلقة بشرب الماء، و الحاصلة عند العطش، هي شوق نفساني يدركها كل إنسان عند ما يعطش حتى الحيوان، بينما تلك الأولى المتعلقة بالجامع، فهي شوق عقلاني مبني على التبصّر و التأمّل في حفظ الحياة، فإحداهما شوق بنكتة عقلانية، و الأخرى شوق بنكتة جسدية نفسيّة.

إلّا أن هذا الكلام غير تام، بل كلتا الإرادتين بنكتة واحدة، و ذلك أنّ ما هو محبوب و مطلوب الكائن الحي، على كل حال، إنما هو الارتواء، أو دفع ألم العطش، و هذا الارتواء له مقدمتان يوجد بوجودهما:

أ- المقدمة الأولى: هي أن يحصل الارتواء بسبب أنه لم يعطش.

ب- المقدمة الثانية: هي أن يحصل الارتواء، و ذلك بأن يعطش، لكن يحصل له الماء فيحصل الارتواء، إذن ففي المقام، مطلوب نفسي واحد، هو الارتواء، و فردا الجامع يعبران دائما عن مقدمتين صالحتين للتوصل إلى هذا الارتواء. إذن فالإرادة النفسية متعلّقة بذي المقدمة، «الارتواء» و يترشح منها شوق يتعلق بما يتوقف عليه ذو المقدمة. «الارتواء»، و ما يتوقف عليه ذو المقدمة، إنما هو أحد فردي الجامع: إمّا أن لا يعطش، أو يعطش و يشرب الماء.

136

إذن فالارتواء هو ملاك كلتا الإرادتين. الأولى و الثانية و هذا الملاك يتوقف تحقّقه على الجامع أولا، و على الفرد التعييني ثانيا، و عليه فلا موجب لافتراض ملاكين و نكتتين.

و هذا الكلام سيّال في سائر موارد الإرادة المشروطة.

و كضابطة لهذا نقول: إن المطلوب النفسي واحد دائما، و هذا المطلوب قبل أن يوجد قيد الاتصاف يتوقف على الجامع، و بعد أن يوجد قيد الاتصاف يتوقف على أحد فردي الجامع، ففي كل إرادة مشروطة إرادة مطلقة، و وراء كل إرادة مطلقة، يوجد شوق نفسي يترشح من كلتا الإرادتين، إذن فالإرادة الثانية هي تطوّر و امتداد للإرادة الأولى.

و قد يشكل على هذا فيقال: إنه لو كانت الإرادة الثانية هي عين الإرادة الأولى و امتدادا لها، إذن فلما ذا انقلبت هذه الإرادة من التخييرية إلى التعيينيّة، إذ إنّ تعذّر أحد فردي المطلوب، لا يوجب تبدّل المطلوب، و إن انحصر عمليا بالفرد، فلو كنّا قد سلّمنا بأن الثانية من تطورات الأولى، فكيف نفسّر هذا الانقلاب؟.

و هذا بخلاف ما إذا فرضناهما إرادتين بملاكين، فإنه لا بأس حينئذ بأن يبقى كل منهما واقفا على ملاكه، و إن انحصر أحدهما عمليا في الثانية.

و جواب هذا الاستشكال الذي يكون كضابط كلّي يتوقف على أن نعرف أنه متى يتحول الشوق من الجامع إذا تعذّر أحد فرديه إلى الفرد الآخر، و متى لا يتحول؟

فنقول: إن الشوق المتعلق بالجامع إذا كان شوقا نفسيا أصليا، تكون نكتته منحصرة في الجامع، فيبقى على حاله، و كون أحد فرديه متعذّرا، لا يخرجه عن كونه محبوبا بالأصالة، حتى لو تعذّر كل أفراده، فلا موجب لأن ينقلب.

137

و كما لو تعذّر كل أفراده، لا يزول هذا الشوق نهائيا، فإنه كذلك، لو تعذّر بعض أفراده، فإنه لا يتحوّل هذا الشوق من شوق للجامع إلى شوق للفرد.

و أمّا إذا كان الشوق المتعلّق بالجامع شوقا غيريا ناشئا من توقف المحبوب النفسي على هذا الجامع، و ذلك كمن يشتاق في أن يأتيه أحد ولديه لا شوقا نفسيا، بل لكي يأتيه بالدواء، فالمحبوب النفسي هو الإتيان بالدواء، و أمّا مجي‏ء جامع أحد الولدين فهذا محبوب غيري، باعتبار توقف تحصيل الدواء على مجي‏ء أحد الولدين، و إذا كان شوقا غيريا، حينئذ، إذا تعذّر أحد فردي الجامع، فلا محالة ينقلب هذا الشوق، و ينحسر عن الجامع، و يتعلق بالفرد، و يصبح شوقا تعيينيا متعلّقا بالولد الذي يمكن أن يجي‏ء، و ذلك، لأنّ هذا الشوق نكتته المقدمية، إذ عند ما كان يمكن استدعاء كلا الولدين كانت المقدمة هي الجامع، و لكن عند ما تعذّر استدعاء أحد الولدين، و لم يمكن استدعاء الولد الآخر، حينئذ تصبح المقدمة هي خصوص الآخر، لأنّ الشوق الغيري دائما يتعلق بما يتوقف على إيجاده وجود ذي المقدمة، و بعد تعذّر أحد فردي المقدمة تنحصر المقدمة في الفرد الآخر لا محالة، و يحصل الشوق نحو الفرد الآخر.

و بتعبير آخر يقال: إنه يصحّ هذا الإشكال فيما إذا كان الجامع متعلّقا بالإرادة و الشوق النفسي، و أمّا إذا كان تعلّق الإرادة و الشوق بالجامع تعلقا غيريا من أجل تحقيق المحبوب النفسي الأصلي الذي هو حفظ الذات، كما في مثال إحضار الدواء بجامع الولدين، حينئذ هذا الشوق الغيري المتعلق بالجامع، باعتباره توصليا، فهو يتعلق بما هو فعلا يوصل الإنسان إلى مطلوبه النفسي.

و بهذا يفسّر التحول، فالشوق الغيري دائما يتحول من التخييرية إلى التعيينية إذا تعذّر أحد فردي الجامع، و أمّا الشوق النفسي المتعلق بالجامع فإنه لا يتحول من التخييرية إلى التعيينية.

138

و حينئذ هذا الضابط، نطبّقه في المقام، حيث أننا عرفنا أن الشوق المتعلق بالجامع بين أن لا يعطش. أو يعطش و يشرب الماء، عرفنا أن هذا هو شوق غيري، و ليس شوقا نفسيا بل هو شوق ناشئ من مطلوبيّة الارتواء الذاتي، و الارتواء الذاتي كان يتوقف على أحد أمرين: أمّا أن لا يعطش، و إمّا إن يعطش و لكن يشرب الماء، و لكنه عطش قهرا و تعذّر الجامع، فانحصر الارتواء بأن يشرب الماء، و بهذا الانحصار صار شرب الماء هو الفرد المقدمة، فيتحوّل هذا الشوق من الجامع إلى هذا الفرد، لأن الشوق الغيري ملاكه المقدّميّة، و بهذا نعرف كيف أن كلا فردي الجامع تعلّق بهما شوق واحد، و كيف أن هذا الشوق الواحد يتحول من التخييرية إلى التعيينية.

و حينئذ يمكن القول: إنّه إذا فرض أن هذا الإنسان لم يعطش، و لكنه يعلم بأنه سوف يحدث له العطش لا محالة، و لا دافع لهذا العطش آنذاك، فمقتضى ما ذكرناه من تعلّق الشوق الغيري بالجامع هو أن يتحول هذا الشوق من الآن، و قبل أن يحدث العطش، يتحول من الجامع إلى الفرد، لأنه بعد علمه بأنّ العطش سيحدث، حينئذ يعلم بأن الارتواء يتوقف على أن يشرب الماء من حين حدوث العطش، و أمّا تحصيل الارتواء عن طريق الفرد الآخر للجامع و هو أن لا يعطش، فهو أمر غير ممكن، و إنما الممكن، هو تحصيل الارتواء بأن يشرب الماء.

إذن فهذا الانقلاب من الشوق التخييري إلى الشوق التعييني الذي فسّرناه بعد وقوع العطش، يمكن فهمه و تفسيره قبل وقوع العطش، بناء على كون هذا الشوق شوقا غيريا، فإن ملاك انقلاب الشوق من التخييرية إلى التعيينية هو انحصار المقدّميّة به، و انحصار المقدميّة به كما يكون بعد العطش، يكون كذلك قبل العطش مع العلم بأنه سوف يقع العطش، إذن فالشوق الغيري التعييني نحو شرب الماء موجود من أول الأمر.

و بهذا ننهي الكلام في تحقيق حلّ شبهة المقدمات المفوتة على الصعيدين التكويني و التشريعي.

139

التنبيه الثاني:

من تنبيهات المقدمات المفوتة، هو: إنّه بعد أن تبيّن وجوب المقدمات المفوتة، يجري البحث في التعلم حيث أنه يكون أحيانا من المقدمات المفوتة فيشمله البحث، لتحقيق حاله، و تفصيل الكلام فيه يقع في صور:

1- الصورة الأولى: هو أن يفرض أنّ المكلّف عالم بوجوب تكليف فعلي تام كبرى و صغرى، و ثابت عليه الآن، من قبيل من يعلم بوجوب الحج عليه فعلا لأنه مستطيع، لكنه لا يعرف شيئا من أحكام الحج، أو يعلم بوجوب صلاة الظهر، عليه و لا يعلم شيئا من أحكامها، و في هذه الصورة فروض ثلاثة:

أ- الفرض الأول: هو أن يكون أصل الإتيان بالواجب متوقفا على التعلّم، حيث لا يتمكّن المكلف أن يأتي بأصل الواجب إلّا مع التعلّم، كمن لا يعرف قراءة الفاتحة و لا السورة، فلا يتصوّر في حقّه أن يأتي بصلاة مجتمعة إلّا مع التعلّم، ففي مثل ذلك يكون التعلم مقدمة يتوقف عليها أصل وجود الواجب.

ب- الفرض الثاني: هو أن يفرض أن ذات الواجب قد يصدر منه بلا تعلّم و لو صدفة، و ذلك كما لو كان الواجب مرددا بين أمور متعددة، كمن لا يعلم بأنه يجب عليه الإحرام من النقطة الفلانية، أو من النقطة الفلانية الأخرى، و هو قادر على أن يأتي بواحد من هذه الأمور، و صدفة قد يطابق مع الواجب، فيكون إحراز الواجب بالجمع بين أطراف الشبهة المحصورة، أو العلم الإجمالي متوقفا على التعلّم، و في مثل ذلك، يكون التعلّم مقدمة علمية لا وجودية، فلا تتّصف بالوجوب الغيري، و لكنها تكون منجزة لا محالة، باعتبار أن الواجب الأصلي منجز، و بمقتضى منجزيته يحكم العقل بوجوب تحصيل الموافقة القطعية له، و تحصيل الموافقة القطعية له لا يكون إلّا بالتعلّم، فيتنجز عليه التعلم تحصيلا للموافقة القطعية الواجبة بحكم العقل.

140

ج- الفرض الثالث: هو أن يكون التعلّم غير متوقف عليه، لا أصل الواجب و لا إحرازه، كما لو كان الاحتياط ممكنا، من دون أن يتعلم و ذلك، بأن يحتاط فيصلّي مرتين، و ثلاثة، و هكذا، إلى أن يحصل له الجزم بأنه أتى بالواجب الواقعي، في مثل ذلك لا يجب التعلّم، لأنه لا يتوقف عليه هنا، لا أصل الواجب، و لا إحرازه.

و بعد البناء على أن الامتثال الإجمالي ليس في طول الامتثال التفصيلي، بل في عرضه، يكون المكلّف مخيّرا بين أن يتعلّم فيمتثل امتثالا تفصيليا، و بين أن لا يتعلّم فيحتاط و يمتثل امتثالا إجماليا، و كلاهما جائز له.

2- الصورة الثانية: هي أن يفرض العلم بوجود تكليف و تحقّق موضوع هذا التكليف أيضا، لكن لا فعلا، بل في المستقبل، فمثلا هذا المكلّف فعلا ليس بمستطيع، لكنه يعلم بأنه سوف يستطيع بعد سنة، و هو يعلم بوجوب الحج على المستطيع، في مثل ذلك أيضا تفرض فروض ثلاثة:

أ- الفرض الأول: هو أن يفرض أن إتيان المكلّف للحج في ظرفه، يتوقف على أن يقرأ مناسك الحج قبل الاستطاعة، لعدم توفر المناسك، و عدم استطاعة التعلّم بعد الاستطاعة، و من دون ذلك لا يمكنه أن يأتي بأصل الحج، فأصل الحج متوقف على التعلّم، فيدخل التعلم في المقدمات المفوتة إذ يصبح حال التعلّم هنا، حال غسل الجنابة للصائم قبل الفجر، إذن فيقال فيه ما يقال في المقدمات المفوتة.

ب- الفرض الثاني: هو أن يفرض أن المكلّف بعد الاستطاعة لم يتمكن من التفقّه بمناسك الحج، و لكن هنا ليس أصل الحج متوقفا على التعلّم، و إنما المتوقف على التعلم هو إحراز الحج، كما لو كانت التلبية عند المكلّف مرددة بين خمس صيغ، و لكن من باب الصدفة أمكنه أن يأتي بالتلبية الصحيحة، و لكن إحراز التلبية يتوقف على الجمع بين جميع محتملاتها، فيكون إحراز صدور الحج الصحيح منه، موقوفا على التعلّم، لا أصل صدور

141

الحج، و في مثل ذلك لا يدخل هذا في بحث المقدمات المفوتة بالمعنى المتقدم لها، لوضوح أن المكلّف لو لم يتعلّم قبل الاستطاعة، و أهمل التعلم إلى حين الاستطاعة، لا يكون عاجزا عند الاستطاعة، بل هو قادر على الحج أيضا، غاية الأمر أنه غير قادر على الجمع بين المحتملات، أي الموافقة القطعيّة، و إن كان قادرا على أصل الحج.

و من الواضح أن المقدمات المفوتة التي تكلمنا عنها، إنما هي سنخ مقدمات بحيث لو لم يأت المكلّف بها قبل ظرف الواجب، «ذو المقدمة» فإنه يصبح عاجزا عنها، أمّا هنا فهو غير عاجز، لأن خطاب الأمر بالحج سوف يتوجه إليه حين الاستطاعة، و حينئذ هل يكون هذا المكلف ملزما بالتعلّم قبل الاستطاعة أم لا؟.

الجواب: إنّه نعم يكون ملزما بالتعلم قبل الاستطاعة، و ذلك بعد ضمّ أمرين: أحدهما هو وجوب تحصيل الموافقة القطعية الذي يحكم به العقل، و الأمر الثاني، هو أن التفويت بالاختيار لا ينافي الاختيار، و بضم هذين الأمرين إلى بعضهما يقال: بأن هذا المكلّف لو ترك التعلم قبل الاستطاعة ثمّ استطاع، فهو سوف يكون مضطرا إلى ترك الموافقة القطعية، و الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية لعجزه فعلا عن الجمع بين الطرفين، و لكن اضطراره إلى ترك الموافقة القطعية كان بسوء اختياره من أول الأمر، فهو من الامتناع بالاختيار، فلا يكون منافيا للاختيار، إذن فيحكم عليه بلزوم التعلّم لئلا يصدق عليه التفويت الاختياري للموافقة القطعية.

و هذا هو الفرق بين الفرض الثاني هنا، و الفرض الثاني في الصورة السابقة، لأن الفرض هناك لم يكن يحتاج إلى ضمّ قاعدة أن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار بخلافه هنا.

ج- الفرض الثالث: هو أن المكلّف لو ترك التعلّم قبل الاستطاعة لم يفته شي‏ء، إذ يمكنه أن يتعلم بعد الاستطاعة، أو أن يحتاط بعد الاستطاعة، و هذا، لا إشكال في عدم وجوب التعلّم بالنسبة إليه.

142

3- الصورة الثالثة: هو أن يفرض أن المكلّف يحتمل وجود تكليف فعلي بالنسبة إليه، كما لو فرض بأن هذا الشخص يعلم بأنه مستطيع، و لكن لا يدري أن المستطيع هل يجب عليه الحج أو لا يجب؟ فيكون شكّه في الكبرى، و هي أنه هل يجب عليه الحج أو لا يجب مع علمه بالصغرى، و هي علمه بأنه مستطيع.

و من الواضح أن هذا الاحتمال هو احتمال في الشبهة الحكميّة قبل الفحص، فيجب فيه التعلّم، لأن هذا الاحتمال منجّز، و لا يمكن إجراء الأصول المؤمّنة عن وجوب الحج قبل الفحص، فيكون هذا الاحتمال بمثابة العلم بوجوب الحج، فإن اختار أن يفحص عن أصل الوجوب ليعلم هل هناك وجوب أم لا، فنعم الاختيار، و إن فرض أنه لم يختر الفحص عن أصل الوجوب، بل أراد أن يحتاط، إذن فيتعامل مع وجوب الحج المحتمل هنا كما يتعامل مع وجوب الحج المعلوم في الصورة السابقة، لأن احتمال وجوب الحج، لمّا كان احتمالا قبل الفحص، فحينئذ يكون احتمالا منجزا، فإذا أراد أن يحتاط من دون أن يفحص عن وجوب الحج و عدمه عليه، فلا بدّ له أن يتعلم ما هو الحج لكي يستطيع أن يحتاط في المقام.

4- الصورة الرابعة: هو أن يفرض أن هذا الشخص يشك في وجود الصغرى بالنسبة إليه، و هي أنه لا يدري بأنه مستطيع، أو غير مستطيع، سواء علم بوجوب الحج على المستطيع، أو لم يعلم بوجوب الحج عليه، و هذه شبهة موضوعيّة، فيجري فيها استصحاب عدم كونه مستطيعا، و بهذا الاستصحاب يكون قد أمّن عدم وجوب الحج على المستطيع، و لا يجب عليه التعلّم حينئذ. لأن وجوب التعلّم إنما هو بلحاظ ابتلائه بهذا الحكم، و المفروض في المقام أنه ليس مبتلى بهذا الحكم ببركة استصحاب عدم الاستطاعة.

5- الصورة الخامسة: هي أن يفرض احتمال استطاعته فيما بعد، لا الشك في أنه مستطيع فعلا، حينئذ، هل احتمال استطاعته فيما بعد، هل ينجز

143

عليه تعلّم أحكام الحج، أو لا ينجز عليه ذلك؟. قد يتمسّك في المقام أيضا بالاستصحاب الذي تمسّك به في الصورة السابقة، و هو هنا استصحاب عدم الابتلاء الاستقبالي بالاستطاعة، و عدم تحقّق الاستطاعة بالنسبة إليه، إذ إنّ الاستصحاب كما يجري بالنسبة إلى الأمور الماضية، يجري أيضا بالنسبة إلى الأمور الاستقبالية، فيجري في حقه استصحاب عدم الابتلاء فيما يأتي.

و قد استشكل في إجراء هذا الاستصحاب بعدة إشكالات:

1- الإشكال الأول: هو ما ذكره السيد الخوئي (قده) (1) من أن كون المورد و الواقعة طرفا لعلم إجمالي دائما، فإن الإنسان، و إن كان لا يعلم بأنه سوف يستطيع بالخصوص، لكن يعلم إجمالا بإنه سوف تحدث له بعض الوقائع، إمّا الاستطاعة، أو النصاب الزكوي، أو الفائدة في الخمس، أو وقوع شربه مع بعض النجاسات، و هكذا تقع له بعض الوقائع التي لها أحكام، و التي إذا لم يتعلمها الآن من باب استصحاب عدم ابتلائه بتمام هذه الأطراف، حينئذ سوف يبتلي بالمخالفة القطعية في جملة من تلك الأحكام.

فالواقعة و إن كانت بخصوصها مشكوكة الابتلاء بها، لكن العلم الإجمالي بالابتلاء في جملة منها، حينئذ يوجب تعارض الاستصحابات، و مع تعارضها يكون العلم الإجمالي منجزا.

و هذا الكلام غير صحيح لفرض انحلال العلم الإجمالي و ذلك لأمرين:

أ- الأمر الأول: هو أنه كثيرا ما يتفق أن يعرف الإنسان ما هي الوقائع القريبة الوقوع في حياته، بحسب مناسباته و أوضاعه و ظروفه، إذ قد يحدث أن يعلم الوقائع التي سوف تقع له في ضمن هذا النطاق، و إن كانت بقيّة الوقائع و في نطاقات أخرى بعيدة عن وضعه الحياتي، قد لا يحصل له حتى العلم الإجمالي بها، فمثلا العلم الإجمالي بأنه سوف يحصل له وقائع بالجملة في‏

____________

(1) محاضرات فياض: ج 1 ص 373.

144

المستقبل، هذا العلم الإجمالي الكبير سوف ينحل في كثير من الأحيان، بعلم إجمالي أو تفصيلي صغير، سوف يحصل له في دائرة أصغر و أضيق و ألصق بحياته و ظروفه و شئونه قد يساوي معلومه، معلوم العلم الإجمالي الكبير، و حينئذ، ينحل هذا العلم الإجمالي الكبير بالعلم الإجمالي الصغير، و يصبح ما كان خارجا عن هذه الدائرة الصغيرة شبهة بدوية.

ب- الأمر الثاني: هو أنه لو فرض وجود علم إجمالي كبير، و لم ينحل بعلم إجمالي صغير، و لم يوجد علم إجمالي صغير ليحلّه، مع هذا فقد لا تتعارض الأصول و الاستصحابات في الأطراف، و ذلك لأنه إنما يراد بالاستصحاب نفي وجوب التعلّم، فإذا كان يمكن أن يفرض أن بقيّة الأطراف غير مبتلاة بهذه المشكلة، حينئذ يكون التعلم بالنسبة إليها ممكنا في ظرفها، إذ الوقائع التي يمكن تعلم حكمها في ظرفها، لا أثر عملي لإجراء استصحاب العدم فيها، لأن المطلوب من استصحاب عدم الابتلاء بها إنما هو التأمين من ناحية عدم وجوب التعلم فعلا، و الوقائع التي يتسع وقتها لتعلّمها في حينها، لا يجب تعلمها فعلا على أيّ حال، سواء ابتلى بها أو لم يبتل بها.

إذن فاستصحاب عدم الابتلاء، ليس جاريا في تمام الوقائع لكي تقع المعارضة بين الاستصحابات، و عليه فهذا العلم الإجمالي غير تام فلا يكون منجزا.

2- الإشكال الثاني، هو ما أفاده المحقق النائيني (قده) (1) من أن استصحاب عدم الابتلاء لا يجري في المقام، لأن الأثر الشرعي هنا مترتب على نفس الاحتمال، لا على المحتمل.

و توضيحه، هو: إننا باستصحاب عدم الابتلاء، نريد أن ننفي وجوب التعلم، و وجوب التعلّم ليس مترتبا على واقع الاستطاعة فيما يأتي، و إنما هو مترتب على الاحتمال، فإنّ وجوب التعلم موضوعه الاحتمال و الشك، و ليس‏

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 172. أجود التقريرات: ج 1 ص 230.

145

موضوعه واقع الاستطاعة، إذن باستصحاب عدم الاستطاعة، لا يمكن أن ننفي وجوب التعلم، فإن وجوب التعلم ليس موضوعه المشكوك و المحتمل، و إنما يجري الاستصحاب فيما إذا كان الأثر الشرعي مترتبا على المشكوك و المحتمل.

و هذا الكلام بظاهره غير تام، بل لا بدّ له من تأويل حتى يمكن المصير إليه.

و توضيحه هو: إننا تارة نتصور أنّ الدليل قد قام على وجوب تعلّم ما لا يعلم، أو كل ما يحتمل ابتلاء المكلف به، حينئذ لا مانع من جريان استصحاب عدم الاستطاعة، لأن المانع من جريان استصحاب عدم الاستطاعة، إن كان موضوع دليل وجوب التعلم هو الاحتمال و الشك و عدم العلم، و دليل الاستصحاب لا يقوم مقام العلم المأخوذ عدمه في موضوع دليل وجوب التعلم، فهذا مبني على عدم قيام الأصول التنزيلية مقام القطع الموضوعي، و الميرزا، يقول بقيام الاستصحاب و الإمارات مقام القطع الموضوعي، إذن فلما ذا لا يقوم الاستصحاب مقام العلم، ما دام أن دليل وجود التعلّم أخذ في موضوعه عدم العلم و الابتلاء؟ إذن فببركة الاستصحاب نعلم بعدم الابتلاء، و بهذا نخرج موضوعا عن دليل وجوب التعلم، بعد البناء على قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي.

و أمّا إن كان الإشكال من ناحية أنّ الاستصحاب، إنما يقوم مقام القطع الموضوعي بعد جريانه في نفسه، و جريانه في نفسه فرع أن يكون المستصحب حكما شرعيا، أو موضوعا له حكم شرعي، فلا بدّ و أن يكون المستصحب المشكوك موضوعا للاثر الشرعي، مع أن الأثر الشرعي هنا- و هو وجوب التعلم- ترتّب على نفس الشك، لا على المشكوك، و على المستصحب.

إن كان الإشكال من هذه الناحية، فجوابه بعد فرض تسليم المبنى هو:

إننا نريد أن نستصحب عدم الاستطاعة، و الاستطاعة بالتالي هي موضوع‏

146

لحكم شرعي، و هو وجوب الحج، فاستصحاب عدم الاستطاعة هو استصحاب عدم موضوع الحكم الشرعي، و يكون من هذه الناحية تاما، و لا عيب في هذا الاستصحاب.

و بتعبير آخر يقال: إنّه لو سلّم أن دليل وجوب التعلّم أخذ في موضوعه نفس الشك و الاحتمال، فبناء على مبنى المحقق الميرزا نفسه من جعل الطريقية للاستصحاب، و قيامه مقام القطع الموضوعي، بناء عليه، يكون استصحاب عدم الاستطاعة التي هي موضوع الحكم الشرعي بوجوب الحج الذي يجب تعلم أحكامه، قائما مقام العلم بعدمها، فيحكم على وجوب التعلم.

هذه مناقشة ظاهر كلام الميرزا النائيني (قده).

و هناك تقريب آخر لتوجيه كلام الميرزا (قده) و تحقيقه أن يقال: إنّ دليل وجوب التعلّم لو كان مفاده هو إنشاء وجوب التعلّم، على عنوان «ما لا يعلم» عدم الابتلاء به، فإنه يجب عليه أن يتعلم، حينئذ بالاستصحاب يقول أعلم بعدم الابتلاء به.

لكن ليس هكذا، فإن دليل وجوب التعلم، و هو مثل قوله «هلّا تعلّمت» يدل على أن كل مخالفة صادرة بسبب عدم التعلم، فهي منجزة على المكلّف، و يعاقب عليها، فإذا قال: «لم أكن أعلم، يقال له: لما ذا لم تتعلم» إذن مقتضى هذه المحاورة بين المولى و بين المخالف هو: أن كل مخالفة نشأت من ترك التعلّم يعاقب عليها، و حينئذ، هذا المكلف المحتمل للاستطاعة فيما بعد، سوف يقع في المخالفة بسبب ترك التعلّم فعلا، لأن المفروض أنه لا يتمكن من التعلم، و حينئذ، استصحاب عدم الاستطاعة و عدم الابتلاء لا ينفي وقوع هذه المخالفة في ذلك الحين، إلّا بنحو الملازمة العقليّة. إذن فدليل الاستصحاب لا يرفع موضوع دليل وجوب التعلّم، لأن دليل الاستصحاب مفاده أنه سوف لن يستطيع، و هذا لازمه العقلي أنه سوف لن يقع في مخالفة ناشئة من ترك التعلم، لأنه لا موضوع لوجوب الحج بالنسبة إليه، إذن فنفي‏

147

المخالفة الناشئة من ترك التعلّم يكون بالملازمة العقلية، و دليل وجوب التعلّم يقول: بأنّ كل مخالفة تنشأ من ترك التعلم أعاقب عليها.

إذن فدليل الاستصحاب لا يصنع شيئا، و لا يرفع موضع دليل وجوب التعلّم، إذن فمقتضى إطلاق دليل وجوب التعلّم هو لزوم التعلّم من باب دفع الضرر المحتمل، لأن المكلّف يحتمل بأنه سوف يستطيع الحج، و سوف يبتلي بترك الحج الناشئ من ترك التعلّم، و هو ممّا أعلن المولى بأنه سيعاقب عليه كيفما اتفق، إذن فيجب عليه التعلّم دفعا لهذا الاحتمال، فالاستصحاب لا يكون مجديا بالنسبة إليه.

و هذا بخلاف الصورة السابقة، و هي ما إذا كان يشك فعلا بالاستطاعة، فهو لا يحتمل أنّ تركه للحج ناشئ من ترك التعلم، بل إنه حتى لو تعلّم أحكام الحج، فإنه سوف لن يحج باعتبار أنه يتعبّد بترك الاستطاعة بواسطة الاستصحاب،

3- التنبيه الثالث:

و هو فيما إذا دار أمر الشرط، بعد العلم بشرطيته، بين أن يكون قيدا لمدلول المادة، أي: الواجب بنحو يجب تحصيله، فيكون الواجب واجبا منجزا، و يكون القيد من المقدمات الوجودية الواجبة التحصيل، و بين أن يكون قيدا لمدلول الهيئة، أي: شرطا للوجوب، بحيث لا موجب للإلزام بتحصيله، فما هو مقتضى إطلاق الدليل؟. و في هذا العنوان توجد حالتان:

الحالة الأولى: هي أن يفرض أن الدليل الذي دلّ على الشرطية الإجمالية كان منفصلا عن الخطاب الأول.

الحالة الثانية: هي أن يفرض أن الدليل الذي دلّ على الشرطية الإجمالية كان متصلا بالخطاب الأول المشتمل على الهيئة و المادة، فالكلام يقع في هاتين الحالتين:

أما الحالة الأولى: و هي أن يفرض أن دليل الشرطية كان منفصلا عن‏

148

خطاب «صلّ، و تصدّق» بحيث انعقد لخطاب «صلّ و تصدّق»، إطلاق في طرف الهيئة، و إطلاق في طرف المادة، و لم يقترن بالمقيّد من كلا الجانبين، و من بعد أن أصبح كل من إطلاق المادة و الهيئة فعليّا، علم من الخارج وجود شرط يكون دائرا بين رجوعه إلى المادة حيث يكون قيدا لها بنحو يجب تحصيله، أو أنه قيد للوجوب بنحو لا موجب للالتزام به.

و هنا قد يقال بالتعارض بين الإطلاقين، لأنّ إطلاق الهيئة يقتضي كون الوجوب غير مشروط بالقيام، و إطلاق المادة يقتضي كون الواجب غير مشروط بالقيام، و أحد الشرطين ساقط يقينا للعلم الإجمالي بشرطية القيام بالجملة، فيتعارض الإطلاقان و يتساقطا، و لا محيص عن الرجوع إلى الأصول العملية.

و من هنا بذلت عنايات لترجيح أحد الإطلاقين على الآخر، بحيث لا تصل النوبة إلى التعارض، و من ثمّ التساقط بينهما، و كانت ثمرة هذه العنايات هي ترجيح إطلاق الهيئة على المادة، و قد تمثلت هذه المرجحات في ثلاث تقريبات:

التقريب الأول: هو أن إطلاق الهيئة شمولي، بينما إطلاق المادة بدلي، و الإطلاق الشمولي أقوى من الإطلاق البدلي، فيقدّم عليه في مقام التعارض.

أمّا الصغرى، و هي أنّ إطلاق الهيئة شمولي و إطلاق المادة بدلي، باعتبار أنّ إطلاق الهيئة يقتضي توسيع الوجوب و شموله للحالات المختلفة في عرض واحد «قمت أم جلست» و أمّا إطلاق المادة فهو بدلي، لأنّ مدلول المادة هو صرف الوجود «صرف وجود الصدقة» فلو كان إطلاق الصدقة مطلقا من حيث القيام فليس معنى هذا، أنّ هناك صدقتان واجبتان، واحدة حال القيام، و أخرى حال الجلوس، بل معناه أن صدقة «ما» واجبة سواء أتيت بها واقفا أو جالسا.

و أمّا الكبرى، و هي أن الإطلاق الشمولي أقوى من الإطلاق البدلي‏

149

فيقدّم عليه بملاك الأقوائية، فقد اعترض عليه المحقق‏ (1) الخراساني (قده) بأنه لا موجب لأقوائية الإطلاق الشمولي على البدلي لأنهما معا كانا بمقدمات الحكمة و بالإطلاق الحكمي، و ما داما هكذا لا موجب لتقديم أحدهما على الآخر.

نعم لو كان أحدهما بالعموم الأداتي «ككل و جميع»، و الآخر، بالإطلاق الحكمي لصحّ تقديم العموم الأداتي على الحكمي بدعوى الأقوائية كما لو قال، «لا تكرم أيّ فاسق و أكرم عالما»، حينئذ إطلاق «أكرم عالما» إطلاق بدلي حكمي و إطلاق «لا تكرم أيّ فاسق» إطلاق شمولي أداتي، فهنا يقدّم الشمولي على البدلي، لكن ليس لأن هذا شمولي و هذا بدلي، بل لأن هذا أداتي و ذاك حكمي، و لهذا لو فرض أن الإطلاق البدلي كان أداتيا و الشمولي كان حكميا لانقلب المطلب، و تقدّم البدلي على الشمولي، كما لو قال «أكرم أيّ عالم شئت» ثم قال «لا تكرم الفاسق»، فالأول إطلاق بدلي أداتي، و الثاني شموليا حكميا، فهنا يقدّم الإطلاق البدلي على الشمولي، لأنه أداتي، إذن فمتى ما كان كل من الشمولي و البدلي مستفاد من مقدمات الحكمة فلا موجب لتقديم أحدهما على الآخر.

و قد ذكرنا في بحث «التعادل و التراجيح» أن الشمولية و البدلية ليست مدلولة لمقدمات الحكمة، و إنما مفاد مقدمات الحكمة شي‏ء واحد في موارد المطلقات الشمولية و البدلية، و إنما الشمولية و البدلية تكون بالقرينة العقلية الأخرى لا بمقدمات الحكمة.

و مجمل القول في ذلك، هو أنّ تمام وظيفة مقدمات الحكمة هو إثبات أنّ تمام مدلول الكلمة هو تمام ما هو في الواقع، أي أصالة التطابق بين مدلول الكلام و بين تمام المرام، و هذا المطلب لا فرق فيه بين مدلول الهيئة و مدلول المادة، فإنّ ما يثبت بمقدمات الحكمة في جانب الهيئة هو أن مدلول الهيئة

____________

(1) كفاية الأصول: مشكيني ج 1 ص 169.

150

«ذات الوجوب» لا وجوب على تقدير أنّ هذا تمام المرام، فيثبت أنّ تمام المنشأ إنما هو ذات الوجوب، إذن فكما أن مدلول الهيئة ذات الوجوب، كذلك يكون المنشأ هو ذات الوجوب.

و في طرف المادة أيضا يثبت، أنّ متعلّق الوجوب، هو ذات الفعل «الصدقة» بلا زيادة كما أن مدلول الكلمة هو «ذات الصدقة» بلا زيادة.

ثم إنّ ما ثبت أنه تمام المرام، هل هو انحلالي تكثّري، أو أنه ليس انحلاليا و تكثريا؟.

و قد ذكرنا ضابطة الانحلالي و التكثري في مبحث اقتضاء الأمر للمرة أو التكرار، و قلنا هناك، إن إطلاق الحكم بلحاظ موضوعه، دائما يكون انحلاليا، و إطلاق الحكم بلحاظ متعلّقه الأصل فيه عدم الانحلالية، و هذا أصل تابع لنكتة أخرى غير مربوطة بمقدمات الحكمة، و حيث أنه يوجد في موارد الإطلاق الشمولي دالان، دال على أصل الإطلاق و هو مقدمات الحكمة، و دال على الشمولية و هو الأصل الذي بيّناه فيما سبق و الذي يقضي بأن إطلاق الوجوب بلحاظ موضوعه و هو المكلّف، انحلالي، كما أن للإطلاق البدلي للمادة دالّان، أحدهما دال على أصل الإطلاق، و دال على البدلية، و الدال على أصل الإطلاق هو مقدمات الحكمة، و الدال على البدلية هو تلك القرينة.

و التعارض بحسب الحقيقة ليس بين الدال على البدلية هنا، و الدال على الشمولية هناك، بل بين الدال على الإطلاق هنا، و الدال على الإطلاق هناك، إذن فلا موجب لتقديم إطلاق الهيئة بهذا التقريب.

التقريب الثاني: لتقديم إطلاق الهيئة هو أن يقال: إن الأمر في المقام يدور بين تقييدين: بين تقييد الهيئة و بين تقييد المادة، إلّا أن تقييد الهيئة أشدّ محذورا من محذور تقييد المادة، و ذلك لأننا إذا قيّدنا المادة، فحينئذ يبقى إطلاق الهيئة على حاله، و لا موجب لبطلانه، و حينئذ يجب التصدّق المقيّد

151

بالقيام على الإطلاق، و لا بأس بذلك. و أمّا إذا قيّدنا إطلاق الهيئة فسوف يبطل بذلك إطلاق المادة، إذ يستحيل أن يكون الوجوب متفرعا على القيام، و هو معنى تقييد الهيئة، و يكون متعلقه و هو «الصدقة» و لو قبل القيام، إذن فتقييد إطلاق الهيئة، يوجب إسقاط إطلاق المادة أيضا، فيكون بهذا مشتملا على محذورين: محذور تقييد الهيئة، و محذور إسقاط إطلاق المادة، بينما تقييد إطلاق المادة لا يلزم منه إلّا محذور واحد، و هو تقييد نفسها مع التحفظ على إطلاق الهيئة، و كلّما دار الأمر بين محذور أو محذورين، كان مقتضى الجمع العرفي هو رفع اليد عن المحذورين، و الالتزام بالمحذور الواحد، لأنه أخفّ مئونة.

و بعبارة أخرى: إن الأمر يدور بين مخالفتين، أو مخالفة واحدة، لأن تقييد الهيئة يستلزم تقييد المادة، و إلّا فمع بقاء الإطلاق للمادة، يصدق الواجب- «الصدقة» مطلقا، من دون الوجوب، بينما لا يترتب هذا لو قيّدنا المادة و أطلقنا الهيئة، و بما أن هذا التقييد يلزم منه مخالفة واحدة، فالعرف يرجّح اختيار مخالفة واحدة دون المخالفتين.

و هذا الكلام غير صحيح، و ذلك لأنّ تقييد إطلاق الهيئة، و إن كان يوجب سقوط إطلاق المادة، و لكنه يوجب سقوط إطلاقها تخصّصا لا تخصيصا، و المحذور إنما هو في التخصيص لا التخصّص.

و توضيحه، هو أن إطلاق المادة يقيّد بمقيّد لبّي عقلي دائما، فهو مقيّد بثبوت مدلول الهيئة و هو الوجوب، فإن العقل يحكم باستحالة إطلاق الواجب في حالة فقد قيود الوجوب، و هذه الاستحالة مقيّد لبي عقلي متصل بخطاب تصدّق، فالمقيّد العقلي اللبي يقول بأن «الصدقة» مقيّدة بكل قيد كان الوجوب مقيدا به، و هذا التقييد الإجمالي ثبت ببرهان عقلي كالمتصل بالنسبة إلى الخطاب، و حينئذ إذا قيّدنا إطلاق الهيئة بالقيام، حينئذ، بهذا نكون قد حقّقنا صغرى للقيد المأخوذ في المادة، لأن المادة هي مقيّدة إجمالا بكل قيد يؤخذ في الهيئة، فإذا ثبت أن القيام مأخوذ في الهيئة يثبت كونه مصداقا للقيد العقلي‏

152

المبرهن على أخذه في المادة ببرهان كالقرينة المتصلة، فحينئذ لا يكون تقييد الهيئة تصرفا في إطلاق المادة، بل يكون تخصّصا بالنسبة إلى إطلاق المادة، لأن إطلاق المادة هو من أول الأمر ساقط عن كل ما هو قيد للهيئة ببرهان عقلي كالمتصل، فإذا تقيّدت الهيئة ثبت بذلك أن هذا مصداق من مصاديق ذلك العنوان الذي تبرهن تقيّد المادة به، و هذا معنى أن تقيّد الهيئة يكون بالنسبة إلى إطلاق المادة تخصّصا لا تخصيصا و تقييدا زائدا، و الخروج التخصّصي ليس محذورا زائدا، و إنما الزائد هو الخروج التخصيصي.

و بعبارة أوجز يقال: بأنّ تقييد المادة بعد تقييد الهيئة ليس مخالفة، لأنه تقيّد و ليس بتقييد، تخصّص و ليس بتخصيص، لأن إطلاق مادة كل أمر مقيّدة لبا بكل قيود الوجوب، فإذا قيد الوجوب في مورد، فقد تحقّق صغرى ذلك المقيّد اللبي الكلّي، و لا يكون تقييدا جديدا في المادة، إذن فهذا التقريب غير مقرّب.

التقريب الثالث: هو أن التعارض بين إطلاق الهيئة و إطلاق المادة فرع العلم الإجمالي بأحد التقيدين: تقيّد إطلاق المادة أو تقيّد إطلاق الهيئة، مع أنّ هذا العلم الإجمالي بالتقييد منحل إلى العلم التفصيلي بالتقيد في جانب المادة، و من ثمّ الشك البدوي بالتقيّد في جانب المادة، و ذلك، لأنّ التقييد إن كان منصبا على المادة، إذن فالواجب مقيّد، و إن كان منصبا على الهيئة فهو يسري إلى المادة لا محالة، لأن الواجب يتقيّد بكل قيد تقيّد به الوجوب، إذن ففي جميع الأحوال، المادة معلومة التقيّد إمّا ابتداء أو سراية.

و هذا معنى انحلال العلم الإجمالي بالتقيّد في أحدهما، و العلم التفصيلي في جانب المادة، و الشك البدوي بالتقيّد في جانب الهيئة، فيتمسّك بالإطلاق في جانب الهيئة بلا معارض.

و بتعبير آخر يقال: إن التعارض بين الإطلاقين، فرع العلم الإجمالي برجوع القيد إلى أحدهما، مع أنّ هذا العلم الإجمالي منحل إلى العلم التفصيلي بتقييد المادة، و عدم شمولها للحصة الفاقدة للقيد- أي: الصدقة قبل‏