بحوث في علم الأصول - ج5

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
533 /
153

القيام- على كل تقدير، إمّا تخصيصا أو تخصّصا، أي: إمّا لعدم الوجوب، أو لعدم كونه الواجب، مع الشك في تقييد الهيئة، فيتمسّك فيها بالإطلاق بلا معارض.

و المقصود بهذا الكلام، إجراؤه فيما إذا كان احتمال قيدية هذا القيد للمادة على وزان احتمال قيديته للهيئة، لا في بعض الموارد دون جميعها، و لا على نهجين مختلفين، و لذلك فهذا التقريب غير تام.

و توضيحه: إنّ القيد المحتمل أخذه في الوجوب يتصوّر على نحوين:

أ- النحو الأول: هو أن يكون قيدا للوجوب، بمعنى أنه لا وجوب قبله، من قبيل أخذ «الاستطاعة» قيدا في «وجوب الحج»، بمعنى أنه وجوب قبل الاستطاعة، و لكن دون أن يكون وجوب الحج منوطا بالاستطاعة بقاء، بل لو أنّ المكلّف فقدت «استطاعته» فوجوب الحج يبقى في حقه، فقيدية الاستطاعة بمعنى أنه لا وجوب قبله.

ب- النحو الثاني: هو أن يكون قيدا للوجوب، بمعنى كونه ظرفا للوجوب حدوثا و بقاء.

و كل من هذين القيدين يقابله قيد الواجب بالنحو الموازي له أيضا، فإنّ كون شي‏ء قيد للواجب، تارة يكون بمعنى أن الواجب لا يقع قبله، و تارة أخرى بمعنى أن القيد يؤخذ ظرفا للواجب، بحيث أنه لا بدّ من إيقاع الواجب حينه.

و حينئذ يقال: إن هذا البيان، إنما يتم فيما إذا كان القيد المحتمل في طرف الوجوب، و في طرف الواجب على نهج واحد، كما لو كان القيد المحتمل في الوجوب بمعنى أنه لا وجوب قبله، و القيد المحتمل في الواجب بمعنى أنه لا يجوز إيقاع الواجب قبله، بل لا بدّ من إيقاعه بعده.

في مثل ذلك يتم هذا البيان، حيث يقال: بأنّ تقيّد الواجب بأن لا يقع قبله، هذا معلوم تفصيلا على أيّ حال، لأنّ هذا القيد، إمّا للواجب استقلالا،

154

و معناه أن لا يقع قبله، و إمّا للوجوب، و هذا يستلزم لا محالة أن لا يقع الواجب قبله، لأنه لا معنى لوقوع الواجب قبل الوجوب، إذن فقيديّة الواجب معلومة بالتفصيل، و أمّا قيديّة الوجوب فمشكوكة بدوا، فتجري أصالة الإطلاق بلا معارض.

و بتعبير موجز يقال: إنه تارة يعلم إجمالا بتقييد المادة، أو الهيئة على وزان واحد، بأن يعلم إجمالا إن حدوث القيام شرط إمّا في وجوب الصدقة، أو في الصدقة الواجبة، أو يعلم أنّ القيام ظرف للوجوب أو الواجب، و في مثل ذلك يتم هذا التقريب المتقدّم، للانحلال و التمسك بإطلاق الهيئة، لأنّ القيديّتين من سنخ واحد و نهج واحد. و أمّا إذا اختلفت القيديتان، بأن يكون قيد «القيام» المردّد بأن يكون قيدا للوجوب أو قيدا للواجب، فعلى فرض قيديّته للوجوب، يكون معنى القيدية هو المعنى الأول. يعني أنه لا وجوب قبله، و لكن الوجوب بقاء ليس منوطا ببقاء القيام، بل هو منوط بحدوث القيام. و أمّا قيديته للواجب بأن يكون بمعنى أخذه ظرفا «للصدقة»، فلا بدّ و أن تقع الصدقة في ظرف القيام، حينئذ، إذا فرض أن الأمر كان دائرا بين هذين النحوين، فهنا تقيّد الواجب ليس معلوما على كل حال، لأن هذا النحو من تقيّد الواجب بأخذ القيام ظرفا «للصدقة»، ليس ممّا يستلزمه ذلك النحو من تقييد الوجوب بأخذ الوجوب منوطا بحدوث القيام، لأنّ مجرد أخذ الوجوب مقيّدا بحدوث القيام، لا يستلزم إلّا كون «الصدقة» بعد حدوث القيام، و أمّا كون «الصدقة» في ظرف القيام، فهذا ممّا لا يستلزمه تقييد الوجوب، فكون تقيّد الواجب واقعا في ظرف القيام، لا يكون معلوما تفصيلا على كل تقدير، لينحل العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي، إذ انحلال العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي فرع أن يكون التقيّد و دخل القيد المردّد بين كونه قيدا في الواجب أو في الوجوب، أن يكون دخله على نهج واحد سواء أ كان قيدا للواجب أو للوجوب.

و بعبارة أخرى، يقال: بأنه إذا كان يعلم إجمالا بكون القيام قيدا لمدلول‏

155

الهيئة بنحو الظرفية، أو لمدلول المادة لكن بحدوثه، فهنا أيضا يتم تقريب الانحلال، و ذلك للعلم تفصيلا بتقييد المادة بأصل حدوث القيام، حيث لا واجب قبله، و يشك في تقييد كل من الهيئة أو المادة بالقيام بنحو الظرفية، فيتمسك بالإطلاق لنفي أصل تقييد الهيئة، و تقييد المادة، بنحو الظرفية بلا معارض، و في هذه الصورة يتم هذا التقريب للانحلال.

و هذا بخلاف ما إذا كان على النحو الآخر الذي أشرنا إليه.

و هذا بخلاف الوجه الأول في تقديم إطلاق الهيئة على إطلاق المادة، كما كانت دعوى أن الإطلاق الشمولي أقوى من الإطلاق البدلي، فإن ذلك الوجه لو تمّ، فإنه لا يفرّق فيه بين أن يكون القيد المحتمل دخله في الواجب يحتمل دخله على نهج واحد، أو أنه يحتمل دخله في الوجوب على نهج، و في الواجب على نهج آخر، إذ لو تمّ هذا، لتمّ تقديم أحد المتعارضين على أضعفهما دون أن يفرّق فيه بين وحدة نهج التقييد، و تعدّد نهج التقييد، لأنه على كل حال الإطلاق في الهيئة شمولي، و في المادة بدلي، مهما كان نحو هذا التقييد.

و هذا وجه يفرّق فيه بين التقريب الأول و هذا التقريب.

و يشكل على هذا التقريب بإشكالين:

1- الإشكال الأول: هو أن تقييد الواجب المعلوم تفصيلا غير التقييد المشكوك فيه الذي هو طرف العلم الإجمالي، فلا ينحل العلم الإجمالي بأحد التقييدين إلى العلم التفصيلي بتقيّد الواجب.

و توضيحه، أن الواجب له نحوان من التقييد، و في مقابل كل من التقييدين إطلاق.

أ- النحو الأول: من التقييد و الإطلاق، هو أنّ الواجب يصح وقوعه امتثالا قبل القيام، أو أنه لا يصح وقوعه امتثالا قبل القيام؟.

156

مقتضى الإطلاق في قوله «تصدّق» أنه يصح وقوع «الصدقة» امتثالا و مجزيا قبل القيام، و في مقابله التقييد، و هو أن «الصدقة» قبل القيام لا تجزي.

ب- النحو الثاني: من الإطلاق و التقييد في الواجب، هو أنه هل لا بدّ من إيقاع القيام و إيجاده، أو أنه ليس لا بدّ من إيقاعه و إيجاده؟.

هنا أيضا، مقتضى إطلاق «تصدّق»، هو أنّ القيام ليس دخيلا في مطلوب المولى، فلا يلزم إيجاده، و في مقابل هذا الإطلاق التقييد، بمعنى أنه يجب الصدقة التي يكون معها القيام، من قبيل، وجوب الصلاة عن وضوء، و هذا التقييد معناه الإلزام بالقيد.

و في المقام ما هو معلوم بالتفصيل على كل حال في طرف الصدقة الواجبة، إنما هو التقييد بالنحو الأول، يعني إننا نعلم بأن «الصدقة» قبل القيام لا تكون مجزية، لأن القيام، إن كان شرطا في الواجب و مقدمة وجودية، فمن الواضح أن «الصدقة» قبل القيام، من قبيل «الصلاة قبل الوضوء» فلا تقع مجزية، و إن كان القيام مقدمة للوجوب و قيدا فيه، فمن الواضح أيضا، أن «الصدقة» قبل القيام، من قبيل «صلاة الظهر قبل الزوال» فلا يكون أيضا مجزيا.

إذن فعلى كل حال، يعلم أن «الصدقة» غير مجزية قبل القيام، و هذا معناه، العلم التفصيلي بتقييد الواجب بهذا النحو من التقييد.

و أمّا التقييد بالمعنى الثاني، أي: كون المولى ملزما بالمقيّد بحيث لا بدّ من إيجاد القيد، كما هو الحال في «الوضوء» بالنسبة إلى «الصلاة»، فيكون مقدمة وجودية بحيث لا بدّ من إيجاد المقيّد بقيده.

و هذا المعنى من التقييد غير معلوم في المقام تفصيلا، لأن القيد، إن كان مقدمة وجودية فيجب تحصيله، لكن إذا كان قيدا للوجوب فهو مقدمة وجوبية، فلا يجب تحصيله، فالتقييد بالمعنى الذي يستدعي وجوب تحصيل‏

157

القيد، هذا ليس معلوما تفصيلا، فلا ينحل العلم الإجمالي بالتقييد في أحدهما بالعلم التفصيلي، لأن ما هو المعلوم تفصيلا، إنما هو تقييد المادة، بمعنى عدم وقوع «الصدقة» امتثالا قبل «القيام»، و أمّا تقييدها بمعنى لابدّية إيقاع «القيام»، فهذا التقييد غير معلوم في المقام، فيبقى العلم الإجمالي على حاله، و يستقطب التعارض بين الأمرين. و هذا الإشكال في غير محله.

و التحقيق في دفعه أن يقال: إنّه لا يوجد في المقام تقييدان للواجب كما تقدّم، فإن الواجب ليس لتقييده إلّا معنى واحد، و هو أخذ التقيد تحت الطلب، فإن الواجب أخذ متعلقا للوجوب، و تقييده إنما هو بمعنى تحصيصه في مقام تعلّق الوجوب به، و أخذ التقييد فيه تحت الطلب، و ليس معنى تقييد الواجب هو عدم وقوعه امتثالا، قبل القيام، أو لابدّية إيقاع القيد، و إنما هذه أحكام للتقييد، لا نفس التقيّد، إذن معنى تقييد الواجب هو أخذ الحصة الخاصة التي تنحل إلى مقيّد و تقيّد، و ليس في مقابل هذا التقييد إلّا إطلاق واحد أيضا، ثم إن هذا التقييد له أثران: أحد الأثرين تنجيزي، و الأثر الآخر تعليقي، فالأثر التنجيزي لتقييد الواجب، هو: إنّ الأثر لا يقع قبل القيد، فلو قيّدت «الصدقة» بالقيام، فلا تكون الحصة الواقعة قبل القيام امتثالا للواجب و هذا أثر تنجيزي لتقييد الواجب، يترتب عليه، و لا ينفك عنه، فلا يحتاج في ترتبه عليه إلى ضميمة، و الأثر الثاني: أثر تعليقي يحتاج إلى ضم ضميمة، و هذا الأثر التعليقي هو الإلزام بالقيد، و يكون هذا فيما إذا لم يكن الوجوب أيضا مقيدا بنفس القيد، فإن تقييد الواجب بالقيام، يستوجب الإلزام بالقيد فيما إذا لم يكن القيد في نفس الوقت قيدا للوجوب أيضا، و إلّا لو كان قيدا للوجوب أيضا، فلا يعقل الإلزام به، لأننا قلنا فيما سبق: إنّ المقدمة الوجوبية لا يعقل الالتزام بها من قبل ذيها. إذن، فهذا الأثر و هو الإلزام بالقيد، يترتب على تقييد الواجب مشروطا بأن لا يكون القيد قد أخذ إضافة إلى الواجب في الوجوب أيضا، و إلّا لو كان قد أخذ في الوجوب أيضا فإنه لا يلزم تحصيله.

و حينئذ نقول: إن هذا التقييد الذي له معنى واحد، معلوم تفصيلا في‏

158

المقام، لأن «القيام» لا بدّ من أن يكون مأخوذا قيدا في الواجب، سواء أ كان القيد ابتداء منصبا على الواجب، أو بالسراية من الوجوب، كما هو واضح، إذن فلا يعقل إطلاق الواجب لحال ما قبل الوجوب، و حيث لا يعقل، فحينئذ نقول: إنّ «القيام»، إن كان مأخوذا في الواجب ابتداء، فقد ثبت المطلوب، و هو تقييد الواجب، و إن كان مأخوذا في الوجوب، فهو أيضا يكون مأخوذا في الواجب، إذ لا يعقل إطلاق الواجب لما قبل الوجوب، إذن فتقييد الواجب معلوم على كل حال، و ليس له معنى آخر، حتى يقال: إن أحدهما معلوم، و الآخر غير معلوم، ثم إن هذا التقييد المعلوم على كل حال له أثران:

أ- الأثر الأول: تنجيزي، و هو عدم صحة وقوع «الصدقة» امتثالا قبل «القيام»، لأنه أثر تنجيزي، و ما دام أنه قد ثبت تقيّد الواجب، إذن فيثبت أثره لا محالة.

ب- الأثر الثاني: لتقيّد الواجب، هو الإلزام بالقيد، و هذا الإلزام أثر تعليقي يترتب على تقيّد الواجب، بشرط أن لا يكون القيد قيدا للوجوب أيضا، إذ لو كان قيدا للوجوب أيضا، لاستحال الإلزام بتحصيله، إذن فالأثر الثاني يتوقف على أمرين: أوّلهما، أن يكون القيد قيدا للواجب، و ثانيهما، أن لا يكون قيدا للوجوب، و كلا الأمرين ثابت.

أمّا الأمر الاول في كونه قيدا للواجب، فقد فرغنا عنه، و علم تفصيلا أن الواجب مقيّد على كل تقدير، سواء رجع القيد إلى المادة، أو إلى الهيئة.

و أمّا الأمر الثاني، و هو كون القيد ليس قيدا للوجوب، فهذا نثبته بإطلاق الهيئة، لأن إطلاق الهيئة لا مانع من التمسك به في المقام بعد انحلال العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي، كما تقدّم من أنه لا يمنع من التمسك بإطلاق الهيئة إلا إطلاق المادة، و المفروض أن إطلاق المادة سقط بالعلم التفصيلي، لأن تقيّد الواجب معلوم على كل حال، فيبقى إطلاق الهيئة بلا معارض، فبإطلاق الهيئة نثبت أن هذا القيد ليس قيدا في الوجوب، و بهذا يثبت الأثر التعليقي و الأثر التنجيزي أيضا.

159

أمّا الأثر التنجيزي، فلأن تقيّد الواجب معلوم على كل حال.

و أمّا الأثر التعليقي، فلأنّ المعلّق عليه، و هو عدم دخل القيد في الوجوب، نثبته بإطلاق الهيئة الذي كان معارضا بإطلاق المادة، و قد فرغنا عن عدمه بعد انحلاله بالعلم التفصيلي، و أن الواجب معلوم تقيّده على كل حال.

و بهذا يتضح بطلان هذا الإشكال.

2- الإشكال الثاني: هو إنكار العلم التفصيلي بسبب دعوى تقييد الواجب على كل حال، و ذلك بأن يقال: إن قيد «القيام» في خطاب «تصدّق».

إن فرض رجوعه إلى الواجب، إذن فقد تقيّد و تعلّق الأمر «بالصدقة» المقيّدة «بالقيام»، و أمّا إذا فرض رجوع قيد «القيام» إلى الوجوب، فلا يتقيّد الواجب به، بل يستحيل تقيّده به، و إنما المتعيّن على هذا التقدير، هو أن يبقى الواجب مهملا، لا مقيّدا و لا مطلقا، و إذا استحال التقييد و الإطلاق معا، تعيّن الإهمال.

أمّا استحالة إطلاق الواجب بعد فرض أخذ «القيام» قيدا في الوجوب، فلأنه لا يعقل أن يكون متعلّق الوجوب مطلقا و صالحا للانطباق على «الصدقة» الواقعة، قبل الوجوب أيضا.

و أمّا استحالة تقييد الواجب بما فرض كونه قيدا للوجوب، فلأن تقييد الواجب حينئذ، معناه، تعلّق الأمر بالمقيّد، و الأمر بالمقيّد ينحل إلى أمرين ضمنيين:

أحدهما: الأمر الضمني بذات الفعل، و هو «الصدقة»، و الأخر: الأمر الضمني بالتقيّد، و أمّا نفس القيد فلا يتعلّق به الأمر، لأنّ القيد خارج ذاتا و داخل تقيّدا، و هذا معناه، أن الأمر بالمقيّد لا ينبسط على القيد، و إنما ينبسط على ذات الفعل، و على التقيّد، إذن فتقيّد الواجب «بالقيام» معناه: تعلّق الأمر الضمني بالتقيّد، و تعلق الأمر الضمني بالتقيّد غير معقول بعد فرض أخذ القيام قيدا في الوجوب، لأن التقيّد دائما هو: محصول ذات الفعل و القيد قهرا.

160

و في المقام، ذات القيد مفروض وجوده، لأنه أخذ قيدا في الوجوب، و قيود الوجوب مفروضة الوجود، و ذات «الصدقة» مفروض الإلزام بها بالفعل، إذن فلا تبقى بعد ذلك حاجة للأمر الضمني بالتقيّد زائدا على ذلك، لأن التقيّد لا يحتاج إلى مئونة أزيد من ذات القيد و ذات العقل، و بهذا يتحقّق التقيّد قهرا.

و هذا البيان يبرهن على استحالة تعلّق الأمر بالتقيّد زائدا على الأمر بذات «الصدقة».

و حيث أن تقييد الواجب معناه، تعلّق الأمر بالمقيّد، أي: بذات الفعل و بالتقيّد، إذن فيستحيل التقييد للواجب، كما أنه يستحيل إطلاقه، إذن فيكون الواجب «أي المادة»، مهملة من ناحية قيد الوجوب، و هذا الإهمال لا بأس به، لأنه إهمال من ناحية الواجب، و ليس من مجموع الجهات، لأن الوجوب قد قيّد بهذا القيد، إذن فالنتيجة معلومة، و لو ببركة تقييد الوجوب بهذا القيد، و إن كان الواجب مهملا.

و بعبارة أخرى: إن هذا الإهمال ليس إهمالا في تمام وعاء جعل الحكم، بل هو إهمال بلحاظ بعض أطراف ظرف الحكم، و إذا تبيّن أن الواجب يبقى مهملا، فمعنى هذا أنه لا علم تفصيلي بتقيّد الواجب على كل حال، لأن القيد إن كان راجعا إلى الواجب فهو مقيّد به، و إن كان راجعا إلى الوجوب، فالواجب لا يكون مقيدا به، و لا مطلقا من ناحيته لاستحالة التقييد و الإطلاق معا، إذن فيتعين الإهمال. إذن فلا علم بالتقييد على كل حال لينحل العلم الإجمالي بأحد التقيدين بالعلم التفصيلي بتقييد الواجب بالخصوص.

و عليه فالعلم الإجمالي منجز، و أصالة عدم تقييد الهيئة، معارض بأصالة عدم تقييد المادة، و بعد تعارض الأصلين اللفظيين يكون الدليل مجملا.

و هذا الإشكال، و هو كون الواجب بالنسبة إلى قيّد الوجوب ليس مطلقا و لا مقيدا بل مهملا، هذا الإشكال مدفوع و غير معقول، بناء على ما تقدّم منّا

161

في التعبدي و التوصلي، و في المطلق و المقيّد، حيث قلنا: إنّه لا واسطة بين الإطلاق و التقييد، لأن التقابل بين الإطلاق الذاتي و التقييد، هو تقابل السّلب و الإيجاب، فإذا استحال أحدهما تعيّن الآخر، إذن فلا بدّ إمّا من الإطلاق، و إمّا من التقييد، و يستحيل الإهمال.

و إنما يتعقّل هذا المدّعى، عند من يتصوّر واسطة بين الإطلاق و التقييد اسمها الإهمال، حيث يكون التقابل بينهما تقابل التضاد بنحو يمكن انتفاء كلا الضدين، و يثبت ثالثهما و هو الإهمال.

و تفصيل دفع الإشكال الذي تبرهن به على استحالة التقييد، و من ثمّ استحالة الإطلاق، و ثبوت الإهمال، هو أن يقال:

بأن التقييد ليس من نتائج ذات القيد و ذات الفعل، لأنه يمكن أن يوجد القيد و هو «القيام» و يوجد الفعل و هو الصدقة، و مع هذا لا يوجد التقيّد، و ذلك بأن يكون الفعل موجودا قبل القيد، كما لو وجدت «الصدقة» قبل «القيام» و ذلك كما لو كان الأمر متعلقا بجامع «الصدقة» من دون أن يؤخذ فيه التقيّد «بالقيام»، حينئذ يكون المطلوب بالأمر هو الجامع بين «الصدقة» البعديّة «و الصدقة» القبليّة، و حينئذ يتعيّن الإطلاق مع عدم التقييد، و إذا كان الجامع هو المطلوب، فلو فرض أن المكلّف صدفة أتى «بالصدقة»، في ضمن فرد سابق على «القيام»، إذن يمكنه أن يكتفي به، لأنّ الجامع قد وجد في الخارج، إذن الملزم للعبد بالإتيان بالحصة القبلية للجامع، إنما هو الأمر بالتقيّد، و إلّا فلو لا الأمر الضمني بالتقيّد لكان الأمر واقفا على الجامع، و تعيّن الإطلاق بنحو يكون قابلا للانطباق على «الصدقة» قبل القيد أيضا، و لا يبقى ملزم من ناحية شخص هذا الأمر، بإتيان الجامع في ضمن حصة أخرى حينئذ، إذن فتقييد الواجب الذي مرجعه إلى الأمر بالتقيّد ليس لغوا، بل له مدلول عملي في مقام الامتثال، و عليه، فيكون التقييد معقولا، لأن الإطلاق غير صحيح فيتعيّن التقييد.

و بهذا يتضح أن التقريب الثالث تام في نفسه و هو: إنّ إطلاق الهيئة لا

162

معارض له، لأن إطلاق المادة معلوم السقوط تفصيلا، فيتمسك بأصالة الإطلاق في الهيئة بلا معارض.

و لكن هذا التقريب، إنما يتم إذا كان القيد المحتمل الدخل على سنخ واحد في الوجوب و الواجب.

أمّا إذا كان محتمل الدخل في الوجوب على نحو الحدوث، بمعنى أن حدوثه دخيل، و كان محتمل الدخل في الواجب على نحو الظرفية، بنحو يكون لا بدّ من إيقاع الواجب حينه، فيحصل التعارض لا محالة، و أن كلا من التقيدين حينئذ ليس معلوما، فأصالة عدم هذا التقييد تكون معارضة بأصالة عدم ذلك التقييد، هذا كله فيما إذا كان الدليل الذي دلّ على التقييد منفصلا.

و أمّا إذا كان الدليل الذي دلّ على التقييد متصلا، فهذا المقيّد المتصل، تارة يفرض أن لسانه متوجه نحو الهيئة، أو نحو المادة، لكن المكلّف لا يعلم هل أنه متوجه نحو المادة أو نحو الهيئة، و إن كان المتكلم يعلم ذلك من قبيل أن يقول، تصدّق عند قيامك، و تارة أخرى يفرض أن هذا العبد، بحسب طبعه، ليس متوجها نحو الهيئة بالخصوص، و لا إلى المادة بالخصوص، بل هو بيان لجامع التقييدين، غايته أنه بيّنه بمثل هذه العبارة، فيقول: «تصدّق و لا تجزي الصدقة قبل القيام» و عبارة «لا تجزي الصدقة قبل القيام»، كما قد يكون، لأنّ «القيام» قيد للواجب، كذلك قد يكون بلحاظ أن القيام قيد للوجوب، و كلاهما يناسب مع «عدم الإجزاء».

فهذه العبارة تدل على معنى مستقل يستلزم بطلان أحد الأمرين: إمّا الهيئة و إمّا المادة، إذن فنحن نتصور المقيّد المتصل على نحوين، فلا بدّ من الكلام على كل من هذين النحوين:

1- النحو الأول: و هو كون القيد دالا على مطلب مستقل، و ليس متجها لا إلى المادة بالخصوص، و لا إلى الهيئة بالخصوص، و حينئذ، فإن قلنا بأنّ تقييد الهيئة لا يستلزم تقييد المادة، و أنكرنا انحلال العلم الإجمالي الذي تقدّم‏

163

في التقريب الثالث، حينئذ يحصل التعارض في المقام بين إطلاق المادة و إطلاق الهيئة، و ذلك لأن الظهور الإطلاقي منعقد و تام في كلا الطرفين، لأن الظهور الإطلاقي يتوقف على عدم الإتيان بالقيد، و من الواضح أنّ الجملة الدالة على التقييد، لا تصلح قيدا للهيئة بالخصوص و لا للمادة بالخصوص.

إذن فالإطلاق في كل من الهيئة و المادة تام.

و لهذا لو فرض- بالصدفة- سقوط أحد الإطلاقين، حينئذ، لا مانع من جريان الإطلاق الآخر، و بجريانه نثبت أن عدم إجزاء الصدقة قبل القيام، إنما نشأ من تقييد الطرف الآخر، لعدم صلاحية خطاب المولى تقييد أحد الإطلاقين، و لا ينفع في التقييد كون القيد في خطاب المولى يلزم منه تقييد أحد الإطلاقين، و ذلك لأن هذا اللزوم أعم من كون القيد قيدا، لخصوص إطلاق الهيئة، أو المادة.

و عليه، فمقتضى أصالة التطابق بين مقام الإثبات، و مقام الثبوت الذي هو معنى أصالة الإطلاق في طرف الهيئة، مقتضى هذا هو أنّ القيد لم يؤخذ في الهيئة، كما أن مقتضى أصالة التطابق بين مقام الإثبات و مقام الثبوت في جانب المادة الذي هو معنى أصالة الإطلاق في المادة، مقتضى هذا هو أن القيد لم يؤخذ في المادة، ذلك لعدم كون القيد المزبور صالحا لتقييد المادة و كذلك الهيئة.

إذن فأصالة الإطلاق تامة في نفسها في جهة المادة و الهيئة، و حينئذ تقع المعارضة بينهما، فإن فرض كون أحدهما أقوى دلالة من الآخر- كما لو قلنا بأن الإطلاق الشمولي أقوى من الإطلاق البدلي- حينئذ قدّم أقواهما دلالة على أضعفهما دلالة، و إن لم يكن أحدهما أقوى، حينئذ يستحكم التعارض بينهما و يتساقطان.

هذا إذا لم نقبل بالتقريب الثالث و لم نقبل بأن تقييد الهيئة يستلزم تقييد المادة، و أمّا إذا قبلنا بأن تقييد الهيئة يستلزم تقييد المادة، فحينئذ يكون البيان المتصل في كلام المولى قرينة على تقييد المادة على كل حال، لأنه يدل على‏

164

عدم إجزاء الصدقة الواقعة قبل القيام، لأن عدم الإجزاء هذا، إن كان ناشئا من تقييد المادة فهو، و إن كان ناشئا من تقييد الهيئة، فتقييد الهيئة يستلزم تقييد المادة أيضا، فالخلاصة هي: أن هذا البيان المتصل في كلام المولى، يكون دليلا على تقييد المادة على كل حال.

و بهذا تنخرم مقدمات الحكمة في جانب المادة، لأن إحدى مقدمات الحكمة في جانب المادة هي: أن لا يأتي المولى في كلامه بما يكون دليلا على التقييد، و المفروض أنه أتى في كلامه بما يكون دليلا على التقييد، بينما مقدمات الحكمة في جانب الهيئة غير منخرمة، لانعدام ما يصلح في كلام المولى لتقييدها.

و قد تقدّم و قلنا: بأن كون البيان المتصل يلزم منه التقييد، هذا اللزوم لا يغني، و قد قالوا في المنطق الأرسطي: إنّ الدال على اللازم الأعم لا يدل على الملزوم الأخص، و عليه فمقدمات الحكمة في الهيئة تامة، و يجري الإطلاق فيها بلا معارض، بعد انخرام هذه المقدمات في طرف المادة.

2- النحو الثاني: هو أن يفرض كون القيد متجها ابتداء إلى أحد المركزين: إمّا المادة، و إمّا الهيئة، لكن المكلّف لم يشخّص أيّ المركزين يريد.

في مثل ذلك، إن بنينا أنّ تقييد الهيئة لا يستلزم تقييد المادة، إذن فهذا البيان يكون متجها نحو أحد المركزين: إمّا المادة فقط، و إمّا الهيئة فقط، و في مثل ذلك لا يحصل التعارض بين الإطلاقين، لأنّ التعارض بين الإطلاقين فرع تماميّة مقدمات الحكمة في كل من الموردين، يعني فرع تماميّة الظهور الذي تولده مقدمات الحكمة فيهما.

و في المقام نعلم أن مقدمات الحكمة منخرمة في أحدهما، لأنّ القيد المتصل هنا يصلح لتقييد أحد الإطلاقين، و لكن المكلّف لا يدري على أيّهما انصبّ القيد، إذن فهنا لا تعارض بين الحكمتين، و بين ظهوري الإطلاقين.

165

و حينئذ بناء على هذا لا أثر لأقوائية أحد الإطلاقين على الآخر، كما قيل في تقدم الإطلاق الشمولي على الإطلاق البدلي، لأن تقديم أقوى الظهورين على الآخر، أنما هو بعد فرض ثبوت أصل الظهورين، و هنا لم يثبت أصل الظهورين، لأن أصل الظهورين إنما يثبت لو ثبتت كلتا الحكمتين، و المفروض أن الحكمة هنا منخرمة في أحدهما جزما، و معه لا ظهور لأحدهما جزما، إذن فليس الباب باب تعارض الظهورين حتى يقدّم أقواهما على أضعفهما، بل الباب هنا هو باب اشتباه ما له ظهور بباب ما ليس له ظهور، و بهذا يتعيّن الإجمال.

و أمّا إذا قلنا: بأنّ تقييد الهيئة يستلزم‏ (1) تقييد المادة، فأيضا ستكون النتيجة هي الإجمال، و ذلك لأن إطلاق المادة تكون حكمته منخرمة يقينا، باعتبار وجود ما يصلح أن يكون مقيّدا له، لأن هذا القيد المتصل إن كان متجها ابتداء نحو المادة، فهو المطلوب، و إن كان متجها نحو الهيئة، فيدل بالالتزام على تقييد المادة بحسب الفرض. إذن فالحكمة في المادة منخرمة جزما، إذن فلا ظهور في طرف المادة، و أمّا في جانب الهيئة فالحكمة منخرمة احتمالا، لا جزما لاحتمال أن يكون هذا القيد متجها نحوها، فلا يقع تعارض أصلا، و يكون المقام من مورد الإجمال، لأن التعارض فرع استقرار الظهورين، و في المقام لا يوجد ظهوران، فلا يقع التعارض بينهما من دون فرق بين أن يكون الإطلاق الشمولي أقوى، أو لا يكون، ذلك لأن الأقوائية لا أثر لها، و إنما يظهر أثرها فيما لو وجد ظهوران، و في المقام لا يوجد ظهوران.

و بذلك يتضح ثبوت فرق فنّي بين هذين القسمين من حيث النتيجة، إذ إنّه في القسم الثاني لا يمكن التمسك بإطلاق الهيئة، و لا يفيد أن يكون إطلاق الهيئة أقوى من إطلاق المادة، بينما في القسم الأول فقد يمكن التمسك‏

____________

(1) المفروض أن أصل تقييد الهيئة احتمالي، فلازمه احتمالي أيضا للابدية السنخية بين اللازم و الملزوم، و لكون الدال على اللازم الأعم لا يكون دالا على الملزوم الأخص، و المفروض أن البيان صالح لتقييد كلا الإطلاقين. إذن فيرجع الكلام طردا إلى أقوى الظهورين، و لو بقرينة خارجية، فيترجح و إلّا فيتساقط (المقرر).

166

بإطلاق الهيئة، و تكون دعوى الأقوائية مقيدة أيضا في تقديم إطلاق الهيئة على إطلاق المادة.

هذا تمام الكلام فيما إذا فرض كون القيد منفصلا أو متصلا.

و في إطار البحث حول تعارض إطلاق المادة مع إطلاق الهيئة ذكر المحقق النائيني (قده) كلاما مفيدا، خصوصا في بحث التعادل و التراجيح نستعرضه للفائدة.

و قد تقدّم معنا أن أحد الوجوه التي قدّم فيه إطلاق الهيئة على إطلاق المادة، إنما كان بسبب أقوائية إطلاق الهيئة على إطلاق المادة، و ذلك تطبيقا لقانون متفق عليه في الأصول، و هو أنه من صور الجمع العرفي بين الدليلين صورة تقديم الأقوى دلالة على الأضعف دلالة.

و في بحثنا حول تعارض إطلاق المادة مع إطلاق الهيئة، يبيّن المحقق (قده) نكتة حاصلها:

إنّ الدليلين المتعارضين‏ (1)، تارة يكون تعارضهما تعارضا بالذات، بمعنى أنهما متكاذبين بلسانهما من قبيل أن يقول: «لا تكرم أيّ فاسق»، و يقول في خطاب آخر: «أكرم الهاشمي»، فهنا هذان الخطابان متعارضان تعارضا ذاتيا، لأن قوله: «أكرم الهاشمي»، يشمل «الهاشمي الفاسق»، و قوله: «لا تكرم أيّ فاسق» يشمل «الهاشمي الفاسق»، فينفي بهذا، جواز إكرامه، و من هنا يقع التعارض الذاتي بن الدليلين.

و تارة أخرى يكون تعارضهما بالعرض، و ليس ذاتيا، كما لو حصل هذا التعارض بالصدفة و الاتفاق، من قبيل أن يقول في دليل: «لا يضرّ الصائم ما صنع لو اجتنب ثلاث- الطعام و الشراب و النساء»، و يقول في دليل آخر.

«المرأة لا تقضي صلاتها التي فاتتها أيّام عادتها» ثم إنّه علم صدفة من الخارج‏

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 119- 120.

167

أن أحد هذين الدليلين مقيّد، إمّا بمثل قوله: إنّ الصائم يجب عليه زائدا على اجتناب الثلاث- أيضا «اجتناب الارتماس في الماء»، و إمّا بمثل قوله «إن المرأة يجب عليها قضاء صلاة الآيات» لو كانت قد فاتتها أيّام عادتها، و هذا تعارض نشأ من العلم الخارجي، إذن هو تعارض بالعرض.

و حينئذ يقال: إن قانون تقديم أقوى الدليلين دلالة، على أضعف الدليلين دلالة إنما يكون في القسم الأول، أي: عند ما يكون التعارض ذاتيا دون القسم الثاني الذي يكون التعارض فيه عرضيا.

و عند تطبيق هذه الكبرى على محل الكلام في تعارض إطلاق الهيئة مع إطلاق المادة، نجد أن التعارض هذا بينهما إنما هو من القسم الثاني، أي التعارض العرضي، لأن إطلاق الهيئة، و إطلاق المادة، لا تعارض بينهما في أنفسهما، و إنما نشأ التعارض بينهما من ناحية العلم الخارجي بطرو القيد على أحدهما. و من هنا لا يمكن إعمال قوانين الجمع العرفي التي منها تقديم أقوى الظهورين على أضعفهما، لكون التعارض بينهما بسبب الدليل الخارجي على كذب أحد الإطلاقين، و فيه لا يقدّم الأقوى دلالة على الأضعف دلالة.

و دعوى تعطيل إعمال قانون الجمع العرفي في مثل المتعارضين بالعرض، لا يتنافى مع ارتكازاتنا العرفية، التي هي الأساس في قوانين الجمع العرفي، فإن ارتكازنا العرفي يقضي بأنه إذا وجد عامّان: أحدهما أقوى من الآخر من قبيل، «لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث»، و الآخر أضعف من قبيل «الحائض لا تقضي ما فاتها من الصلاة»، فيعمّ «صلاة الآيات»، فلو علم من الخارج وقوع خلل في أحد هذين العامين، فالعرف يرى أن قوة الظهور في أحدهما قرينة على توجيه القيد إلى الأضعف ظهورا.

و هذا بحث كبروي نافع في معرفة النكتة الداعية لهجر الارتكاز العرفي في أن تقديم أقوى الظهورين على أضعفهما لا يجري في موارد التعارض بالعرض، و قد قرّبت هذه الشبهة بعدة تقريبات:

168

التقريب الأول: و هو محتمل (أجود التقريرات) (1)، و ظاهر تقريرات أخرى‏ (2) للمحقق النائيني (قده).

و حاصله، أنه يعلم إجمالا بكذب أحد الإطلاقين في المقام. إمّا كذب إطلاق الهيئة، و إمّا كذب إطلاق المادة، فيكون المقام من قبيل ما إذا علم إجمالا بكذب أحد الخبرين، فكما أنه هناك لا يعمل قانون الأقوائية، فكذلك هنا.

و توضيحه، هو إنّه إذا وردت رواية تقول: «أكرم النحوي»، و وردت رواية أخرى، تقول: «لا تكرم فساق النحويين»، فهنا عام و خاص، و هنا إن فرضنا أننا لم نعلم إجمالا بكذب أحد الراويين في نقله، فنتعبّد بكل من الكلامين، و نحمل العام على الخاص، فنخصّص «أكرم النحوي»، بلا «تكرم فساق النحويين»، و هذا هو الجمع العرفي. و أمّا إذا علمنا إجمالا أن أحد هذين الراويين قد كذب في نقله، يعني، إمّا زيد لم يسمع من الإمام قوله: «أكرم النحوي»- و إمّا عمرو، لم يسمع من الإمام قوله: «لا تكرم فسّاق النحويين»، في مثل ذلك، لا نبني أن الكاذب هو ناقل العام، لوضوح أن العلم الإجمالي بالكذب، نسبته إليهما على حد سواء، و كون أحدهما ناقلا للأضعف ظهورا، لا يثبت كونه كاذبا، بل قد يكون الأمر بالعكس. إذن فيتعامل مع هاتين الروايتين معاملة المتعارضين، و لا يقدّم أقواهما على أضعفهما.

إذن يقاس محل الكلام بذلك فيقال: إن إطلاق المادة و إطلاق الهيئة كهاتين الروايتين، و قد علم إجمالا بكذب أحدهما، و العلم الإجمالي بالكذب نسبته إليهما على حد سواء، و مجرد كون الظهور أقوى في الهيئة، و كون ظهور الإطلاق ضعيفا في المادة، لا يعيّن أن يكون أحدهما أولى بالكذب من الآخر.

و الجواب هو: أنّ هذا التقريب مبني على الخلط بين مرحلتين: بين‏

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي ج 1 ص 163- 164.

(2) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 119- 120.

169

مرحلة الصدور، و مرحلة الدلالة و الكشف عن المراد الواقعي للمتكلم، هنا لا بدّ من التفريق بينهما و ذلك، لأن الراويين إذا نقلا كلامين عن المولى:

أحدهما نقل العام و الآخر نقل الخاص فهنا مرحلتان:

المرحلة الأولى: هي أن هذين الكلامين هل صدرا من المولى حقيقة، أو أنه لم يصدر أحدهما من المولى حقيقة.

المرحلة الثانية: بعد فرض صدور كلا الكلامين من المولى، حينئذ يصير الكلام في مرحلة الدلالة و الكشف عن المراد الواقعي للمولى.

و بتعبير آخر: بعد الفراغ عن مرحلة الصدور، ننتقل إلى الكلام، حول أنّ إرادة المولى الجدّيّة على طبق كشف أيّ الكلامين؟.

و هنا يقال: بأنّ قواعد الجمع العرفي التي منها تقديم أقوى الظهورين، هذه القواعد، عملها في المرحلة الثانية، مرحلة الدلالة و الكشف، لأنه فيها وقع التناقض و التنافي بين الكاشفيّتين، حيث في هذه المرحلة يصلح أن يكون أقوى الظهورين قرينة على المراد من الآخر، فيقدّم الخاص على العام.

و لكن لو كان الإشكال واقعا في المرحلة الأولى، و هو كذب أحد الكلامين إجمالا، حينئذ، هنا لا مجال لإعمال الجمع العرفي، و تقديم أقوى الظهورين على أضعفهما، و ذلك لأننا لم نحرز بعد ظهور ظهورين حتى نقدّم أقواهما على أضعفهما.

و بهذا يتضح أن قياس العلم الإجمالي بكذب أحد الراويين على محل الكلام، هو قياس في غير محلّه، لأنّ العلم الإجمالي بكذب أحد الراويين مربوط بالمرحلة الأولى، بينما محل الكلام مربوط بالمرحلة الثانية، أي: إنّ التنافي بن الظهورين يقع في المرحلة الثانية، و فيها لا بدّ من إعمال قواعد الجمع العرفي حينئذ.

التقريب الثاني: هو أن حجيّة كل إطلاق مشروطة بعدم المقيّد و لو

170

منفصلا، فإن المقيّد المنفصل يهدم أصل الظهور، و المقيّد المتصل يهدم حجيّة الظهور دون أصله.

و في المقام نعلم إجمالا أن أحد الإطلاقين بعينه المعيّن عند اللّه تعالى، المجهول عندنا، قد ورد عليه مقيّد منفصل، و بهذا تسقط حجيّته يقينا، و الإطلاق الآخر لم يطرأ عليه مقيّد منفصل، فتبقى حجيته. إذن فنحن بين إطلاقين: أحدهما المعيّن عند اللّه ساقط عن الحجية، و الآخر المعيّن كذلك باق على حجيته. فالمقام إذن من موارد تمييز الحجة عن اللّاحجة، و في مثل ذلك لا تجري قواعد الجمع العرفي، و إنما يجري تقديم أقوى الحجّتين على أضعفهما، فيما إذا لم يكن أحدهما ساقطا عن الحجية جزما، و الآخر باق على الحجية جزما، و أمّا حيث حجية أحدهما ساقطة جزما، و الآخر حجيته باقية جزما فلا، بل هو من باب تمييز الحجة عن اللّاحجة، لا تقديم أضعفهما.

و هذا التقريب لا يمكن المساعدة عليه، و ذلك لأن حجية الإطلاق ليست مشروطة بعدم وجود مقيّد في علم اللّه تعالى، بل بعدم وجود مقيّد بحسب فهمنا.

و بعبارة أخرى: هي مشروطة بعدم العلم بالمقيّد المنفصل، لا بعدم واقع المقيّد المنفصل.

و في المقام لا يوجد علم تفصيلي بمقيّد أيّ واحد من الإطلاقين، لا إطلاق الهيئة، و لا إطلاق المادة، و إنما هناك علم إجمالي، و نسبة هذا العلم الإجمالي إلى كلا الطرفين على حد سواء، فلا يتعيّن أحدهما للسقوط دون الآخر حتى يقال: إنّ هذا من موارد تمييز الحجة عن اللّاحجة.

فدعوى أنّ هذا من موارد تمييز الحجة عن اللّاحجة، مبنيّة على تخيّل أن حجية الإطلاق مشروطة بعدم واقع المقيّد المنفصل في علم اللّه تعالى، و عليه يكون أحد الإطلاقين ساقطا عن الحجّية واقعا، و الآخر حجيته باقية.

مع أنه لا موجب لذلك، لأن حجيّة كل إطلاق و ظهور، مشروطة بعدم وصول المقيّد المنفصل، و ليس بعدم واقع المقيّد المنفصل.

171

و المفروض هنا أن المقيّد المنفصل لم يصل لا هنا و لا هناك، إلّا بعلم إجمالي نسبته إلى كلا الطرفين على حد سواء.

إذن فلا يتعيّن أحدهما للسقوط و الآخر للثبوت، بل في كل منهما مقتضي الثبوت، و إنما المانع عن ثبوتهما معا هو العلم الإجمالي.

التقريب الثالث: هو أن تقديم أقوى الدليلين على أضعف الدليلين، إنما هو باعتبار كون أقوى الدليلين قرينة على المراد من أضعف الدليلين، فالخاص قرينة على العام، و المقيّد قرينة على المطلق، و القرينة مرجعها عرفا إلى كون اللفظ متعرضا بمدلوله لما يكون صالحا لتفسير مدلول الدليل الآخر.

فإنه بذلك حينئذ يقال: إنّ الخاص قرينة على العام، لأنّ الخاص بمدلوله ينفي العموم، و نفيه للعموم قرينة على أنّ المراد بالعام ليس العموم، بل هو الخصوص.

و أمّا إذا فرضنا أن كلا منهما ليس لمدلوله تعرّض إلى مدلول الآخر، غاية الأمر، علم من الخارج صدفة، أن أحد المدلولين غير مطابق للواقع، إذن فلا يبقى مجال لأن يكون أحدهما قرينة على الآخر، فقوله: «لا يضر الصائم ما صنع»، لا يكون قرينة على أن المراد من قوله: «الحائض لا تقضي صلاتها»، غير صلاة الآيات، إذ لا معنى لهذه القرينيّة، نعم لو ورد «أن الحائض تقضي صلاة الآيات»، فهذا يصير قرينة، لأنه بمدلوله يتعرض لنفي مدلول ذاك، فالقرينيّة دائما فرع أن يكون أحد الدليلين يتعرض بمدلوله لنفي مدلول الدليل الآخر، و هذا غير موجود في موارد التعارض بالعرض.

و لعلّ هذا التقريب، و إن كان هو أحسن هذه التقريبات، و لكنه غير تام.

و توضيحه هو: إنّه إن أريد بهذا البيان، أنّ القرينيّة فرع أن يكون أحد الدليلين متعرضا بمدلوله لحال مدلول الدليل الآخر بالدلالة المطابقية فقط، بحيث لا تكفي الدلالة الالتزامية العرفية، فهذا أول الكلام، فإنّ القرينيّة كما

172

تصلح للتعرض بالدلالة المطابقية كذلك، تصلح لأن تكون بالتعرض بالدلالة الالتزامية.

و إن أريد أنه لا بدّ من أن يكون أحد الدليلين بمدلوله متعرضا لحال مدلول الدليل الآخر إمّا مطابقة، و إمّا التزاما، فهذا صحيح، و هذا موجود في المقام أيضا، لأنّ كلا من الدليلين له مدلول التزامي، و هو: إنّه لو كان أحد الأمرين كذبا، إذن فالكاذب غيره، يعني أن عموم الصائم لا يضره ما صنع إذا اجتنب ثلاث، هذا العموم يقول: إنّه لو كان لا بدّ من ثبوت أحد أمرين: إمّا مفطريّة أمر رابع.

و إمّا وجوب صلاة الآيات على الحائض قضاء، إذن فذاك هو الواجب، لا هذا هو الثابت.

كما أنّ دليل الحائض لا تقضي ما فاتها من الصلاة، يدل بالدلالة الالتزامية على أنه لو كان لا بدّ من ثبوت أحد الأمرين، من وجوب قضاء صلاة الآيات على الحائض، أو مفطّريّة الأمر الرابع للصائم، فالمفطر الرابع ثابت لا القضاء، و هاتان دلالتان التزاميّتان متعارضتان بالذات في المقام.

غاية الأمر، أنّ كلا منهما على نهج القضية الشرطية، و لكن الشرط فيهما واحد، و الجزاء متباين، و لهذا تعارضا، لأنّ الشرط فيهما معا يقول: إنّه لو كان أحد الأمرين صادقا إذن فغيري هو الكاذب، و الآخر يقول: غيري هو الكاذب. فالشرط إذن، أنه لو كان أحد الأمرين كاذبا، فكل منهما يتهم الآخر بأنه الكاذب.

و هنا وظيفة الدليل الثالث الذي هو العلم الإجمالي، إثبات شرط هاتين القضيتين الشرطيتين.

و بهذا يتضح أن كلّ متعارضين بالعرض، هما متعارضان بالذات، باعتبار هاتين الدلالتين الالتزاميّتين.

173

الواجب النفسي، و الواجب الغيري‏

و من جملة تقسيمات الواجب، تقسيمه إلى الواجب النفسي و الغيري، و الواجب الغيري من هذا البحث هو الذي لأجله عقدت مسألة مقدمة الواجب لإثباته.

و الكلام في هذا التقسيم يقع في عدة جهات:

الجهة الأولى: في تعريف الواجب النفسي و الغيري:

و قد عرّف الواجب النفسي بأنه: ما وجب لا لواجب آخر، و عرّف الواجب الغيري بأنه: ما وجب لواجب آخر.

و أشكل على تعريف الواجب النفسي، بأنه لا ينطبق على جلّ الواجبات، و ذلك لأنها واجبات لغيرها، و إنما ينطبق عليها تعريف الواجب الغيري.

و توضيح ذلك، هو: إنّ جلّ الواجبات الشرعية، إنما وجبت باعتبار المصالح و الملاكات المترتبة عليها، لا باعتبار ذاتها.

و حينئذ، إن كانت تلك المصلحة المترتبة على الواجب، بدرجة اللزوم و الوجوب، إذن فقد انطبق على الواجب الواجب الغيري و خرج عن كونه واجبا نفسيا، لأنه وجب لواجب آخر، و إذا لم تكن المصلحة بدرجة اللزوم و الوجوب، إذن فلا يجب شي‏ء لأجلها، إذ كيف يجب شي‏ء لأجل شي‏ء لا يجب؟

174

و بهذا يلزم أن تكون كل الواجبات التي نسميها نفسية، و نرتب عليها أثار الواجب النفسي، أن تكون غيرية، اللّهمّ إلا ذلك الواجب النفسي الذي تكون مصلحته ذاتية له، بحيث يكون ذاته هو بعينه المصلحة، لا أن المصلحة شي‏ء مترتب عليه من قبيل «المعرفة باللّه تعالى» فإنها مضافا إلى ترتب أعظم المصالح عليها، فإنها هي بذاتها أعظم مصلحة يمكن افتراضها للإنسان، لأنه بها كمال الإنسان، فهذه المعرفة تكون واجبا نفسيا لأنّ مصلحتها ذات الواجب و عين الواجب، بينما تكون الصلاة، و الزكاة، و الصوم، و نحو ذلك، واجبات غيرية.

و الجواب عن هذا الإشكال، هو: إنّ مناط الواجب النفسي و الواجب الغيري، لو كان هو عالم الملاك، أو عالم الشوق و الإرادة، بمعنى أن الواجب النفسي ما كان ملاكه لا لملاك آخر، و شوقه لا لشوق آخر، و الواجب الغيري ما كان ملاكه لملاك آخر، أو ما كان شوقه لشوق آخر، لو كان هكذا، إذن لتمّ هذا الإشكال، لأن ملاك الصلاة إنما هو لملاك آخر، و الشوق إلى الصلاة، إنما هو بالشوق للفوائد المترتبة على الصلاة من حيث التصاعد في مراتب القرب من اللّه تعالى، فتكون الصلاة واجبا غيريا بلحاظ عالم الملاك، و بلحاظ عالم الشوق و الإرادة، و يكون الإشكال لازما.

و لكن الغيريّة و النفسيّة لا تضافان، بحسب الحقيقة، بلحاظ عالم الملاك و لا بلحاظ عالم الشوق و الإرادة، بل بلحاظ عالم تحميل المسئولية و الإلقاء في العهدة، فإنّ المولى بعد أن يحرز الملاك و يشتاق، يحمّل مسئولية القضيّة على العبد، و يجعلها في عهدته.

و هذه المسئولية، و هذا التحميل، و إدخال العمل بالعهدة من قبل المولى بلحاظ هذه المرتبة، يقاس و يلاحظ الواجب النفسي و الواجب الغيري، لأنّ الواجب النفسي نقصد به ذاك الواجب الذي يعاقب على تركه، و الواجب الغيري هو ذاك الذي لا يعاقب على تركه بما هو هو، هذا هو حاق المطلب.

175

و الميزان في معاقبة المولى على الترك، و عدم معاقبته على تركه بما هو هو، ميزان ذلك، أنّ المولى إذا جعل المطلب على عهدتنا مستقلا، فالعقل يحكم بأنّ الإخلال به موجب للعقاب، لأن عهدة المكلّف انشغلت بإشغال المولى لها فأصبحت مدينة بهذا الشي‏ء للمولى.

فإذا لم يأت المكلف بما اشتغلت به عهدته و ذمّته، يكون مقصرا و معاقبا، و أمّا إذا لم يجعل الشي‏ء في العهدة إلّا تبعا لشي‏ء آخر، و إنما المجعول في العهدة هو ذاك الشي‏ء الآخر، إذن فلا عقاب، و إنما العقاب على ذاك الشي‏ء الآخر، باعتبار أن إشغال العهدة و المدينيّة إنما هي باعتبار ذاك الشي‏ء الآخر، لا بلحاظ هذا.

إذن فما هو مورد للعقاب حقيقة و المسمّى بالواجب النفسي، هو ما كان مستقلا في الإدخال بالعهدة، و ما هو ليس موردا للعقاب بما هو هو و المسمّى بالواجب الغيري، هو ما كان غير مستقل في الإدخال في العهدة، بل كان ثابتا لشي‏ء آخر، و ذاك الآخر هو الداخل في العهدة.

إذن فالتبعية و الأصالة لا تلحظان في الواجب النفسي و الغيري بلحاظ عالم الملاك، و عالم الحب، و عالم الشوق، بل بلحاظ عالم اشتغال الذمة.

و بناء على ذلك يقال في المقام: بأن الصلاة بحسب عالم الملاك و الشوق، و إن كانت ثابتة للفائدة المترتبة عليها، و هي القرب من اللّه تعالى، و لكن في مقام اشتغال العهدة أدخل المولى الصلاة في ذمتنا مستقلا، لا أنه أشغل عهدتنا بتلك الفائدة لكي تكون الصلاة تبعا لتلك الفائدة، و حينئذ حيث أنه أعمل مولويته مستقلا بالنسبة إلى الصلاة، فسوف تقع الصلاة موضوعا لوجوب الحركة عقلا، و لاستحقاق العقاب على تقدير عدمها، و هذا هو الواجب النفسي.

و هنا يسأل، بأنه: لما ذا أعمل المولى مولويته لإشغال عهدتنا بالصلاة ابتداء، و لم يشغل عهدتنا بتلك الفائدة المترتبة على الصلاة؟.

176

و الجواب عن هذا يكون بوجوه:

الوجه الأول: و حاصله، هو أنّ المولى لا يمكن أن يدخل تلك الفائدة في العهدة، و لهذا اضطر إلى إدخال الصلاة في العهدة كمقدمة إعدادية لهذه الفائدة، و بعد إدخالها أصبحت موضوعا لحكم العقل بوجوب الامتثال، و هذا هو معنى الواجب النفسي عند المحقق النائيني (قده) (1).

و هذا الكلام متين، و لا يرد عليه ما أورده السيد الخوئي (قده) (2) من دعوى، أنّ هناك غرضين للمولى: أحدهما، الغرض الأقصى، و هو أن يكون الإنسان صدّيقا، و هناك غرض أدنى، و هو الإعداد لتلك المرتبة.

و الصلاة إذا لوحظت بالنسبة إلى الغرض الأقصى، فهي مقدمة إعدادية، و لكن إذا لوحظت بالنسبة إلى الغرض الأدنى فهي، علة تامة، و تكون تحت الاختيار، و حينئذ لما ذا لم يجعل هذا الغرض تحت العهدة، و عدل إلى المقدمة؟.

و هذا لا يتم بناء على ما هو الصحيح عنده و عندنا من اختصاص الوجوب و الشوق الغيريين بالمقدمة الموصلة.

و توضيح ذلك، هو: إنّ الغرض الأدنى و هو الإعداد و التهيؤ، غرض مقدّمي لا نفسي، و الإرادة دائما تتعلّق بالحصة الموصلة من المقدمة كما سيأتي، و حينئذ لا بدّ للمولى من إدخال أحد شيئين في العهدة: إمّا خصوص الإعداد و التهيؤ الموصل، و إمّا مطلق الإعداد.

فإن فرض أنه يدخل في العهدة خصوص الإعداد الموصل إلى الغرض الأقصى، فإنّ التهيؤ و الإعداد أيضا هو ليس تحت القدرة، و ليس اختياريا، لأنّ الإعداد الموصل إلى الغرض الأقصى فرع التمكّن من الإيصال إلى الغرض‏

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي ج 1 ص 167.

(2) أجود التقريرات: الخوئي ج 1 هامش ص 167.

177

الأقصى، و المفروض أن الغرض الأقصى ليس تحت القدرة فهو غير اختياري.

و إن فرض أنه أدخل في العهدة ذات الإعداد بلا قيد الإيصال، أي:

الإعداد و التهيؤ الأعم، فهذا حاله حال الصلاة أيضا، من حيث أنه ليس هو المطلوب الحقيقي، لا النفسي، و لا الغيري، و إنما هو المطلوب بالمسامحة، و حينئذ أيّ فرق في إعمال المسامحة بين أن يطلب ذات الإعداد، أو أن يطلب ذات الصلاة، إذن ما ذكره المحقق النائيني (قده) هو الصحيح.

الوجه الثاني: هو أنّ الصحيح أن يقال: إننا لو فرضنا أن غرض المولى تحت الاختيار، و المقدمة و هي الصلاة تحت الاختيار أيضا، لكن مع هذا، يتصدّى المولى نفسه لإدخال المقدمة في عهدة المكلّف، حرصا منه على التوصل إلى غرضه و بسبب كون الغموض يلف المصلحة المطلوبة للمولى، و ليس بمقدور المكلّف تشخيصها إلّا من قبل المولى، و حتى لا يكون للمكلّف عذر في مقدّميّة هذه المقدمة، فتبقى مرهونة بمزاج المكلف نفسه، لأجل ذلك، فإنّ المولى هو نفسه يتصدّى لتشخيص مقدّميّة هذه المقدمة و إحرازها، فيجعلها في عهدة المكلّف، و لذلك فهي تبقى في عهدته، لأن المولى نفسه أحرزها و أدخلها في عهدة المكلّف.

ففرق واضح في باب المقدمات: بين مقدمة يتصدّى المولى نفسه لإدخالها في العهدة مستقلا، دون أن يترك الأمر في تشخيصها إلى المكلّف، صيانة له عن الخطأ في مقام تشخيص المصلحة المطلوبة للمولى.

و هذا كثيرا ما يتفق أن يشخص المولى المقدمة، خصوصا إذا كانت أسبابها غامضة و مجهولة في نظر المكلّف، كما لو جعل في عهدة المكلف تكليفا كان الغرض منه حفظ النظام الاجتماعي، فإنّ المولى لا يترك للمكلفين أنفسهم تشخيص ما ينحفظ به النظام، و تشخيص المقدمات الموصلة لذلك، مع العلم باختلاف أذواقهم و أنظارهم في تشخيص ما يوصل من مقدمات،

178

لحفظ النظام، لأجل ذلك، يتصدّى بنفسه إلى تعيين ما ينحفظ به النظام من مقدمات و يجعله مستقلا في عهدة المكلّف، تفاديا لما يقع من المكلفين من أخطاء، لو ترك الأمر إليهم، و لو جعلت العهدة على ذي المقدمة ابتداء.

و بهذا اتضح أن هذه الواجبات واجبات نفسية باعتبار أنها مستقلة في الدخول في العهدة، و إن لم تكن مستقلّة ملاكا و اشتياقا، إلّا أن ما هو الميزان و الموضوع بحكم العقل، باستحقاق العقاب، إنما هو الاستقلال في الدخول في العهدة، و هذه مستقلة في الدخول في العهدة.

الجهة الثانية: و هي في تأسيس الأصل اللفظي و العملي‏

، فيما إذا شك في كون واجب أنه نفسي أو غيري، كما إذا قال المولى، «توضأ» و شككنا في أنه واجب نفسي أو غيري، فما هو مقتضى الأصل في ذلك؟. فالكلام يقع في مرحلتين:

المرحلة الأولى: في تأسيس الأصل اللفظي، و قد تقدّم الكلام عليه عند ما تكلمنا في أن الإطلاق في صيغة الأمر يقتضي كون الواجب نفسا عينيا تعينيا.

و لذلك، فليس لنا الآن إلّا أن نفهرس عناوين تقريبات الإطلاق المتقدمة في ذلك:

التقريب الأول: هو أن الإطلاق الأحوالي لمفاد الهيئة، و سواء وجب شي‏ء آخر، أو لا، يقتضي كون وجوب الصلاة وجوبا نفسيا.

التقريب الثاني: هو دعوى أن الوجوب النفسي متخصّص بخصوصية عدميّة، و هي عدم النشوء من الغير، و الغيري متخصّص بخصوصية وجودية، و هي النشوء من الغير، و كلما دار الأمر بينهما، تعيّن بالإطلاق نفي الخصوصية الوجودية، و إثبات الخصوصية العدمية.

التقريب الثالث: هو أن يتمسك بإطلاق دليل الواجب الذي يحتمل كون‏

179

الوضوء مقدمة له، مثلا، دليل «صلّ» يتمسك بإطلاق المادة فيه لنفي كون الوضوء قيدا في الصلاة، فيثبت كون الوضوء واجبا نفسيا.

التقريب الرابع: هو التمسك بالإطلاق، بمعنى أصالة المطابقة بين مقام الإثبات، و مقام الثبوت، فكما أن المولى في قوله: «توضأ» وجّه تحريكه استقلالا بين مقام الإثبات نحو الوضوء، فمقتضى أصالة المطابقة في مقام الإثبات و مقام الثبوت أنه ثبوت أيضا قد توجّه التحريك استقلالا نحو الوضوء لا تبعا.

التقريب الخامس: هو التمسك بإطلاق المادة في خطاب «توضأ» مثلا، لأنّ هذا الخطاب إذا كان غيريا، فبناء على ما هو الصحيح من اختصاص الوجوب الغيري بالمقدمة الموصلة، حينئذ يكون الوضوء بنفسه مقيدا بالإيصال إلى ذي المقدمة، و أمّا بناء على أن يكون واجبا نفسيا، فهو على إطلاقه سواء «صلّى» بعده، أو لم «يصلّ» بعده، فنتمسك بإطلاق المادة في «توضأ» لنفي أخذ قيد التوصل في متعلّق الخطاب. و بالتالي نستكشف من عدم أخذه قيدا في الخطاب، عدم كونه واجبا غيريا، و كونه واجبا نفسيا.

المرحلة الثانية: و هي أنه إذا لم يوجد أصل لفظي فننتهي إلى الأصول العملية، فتكون هذه المرحلة في أنه ما هو مقتضى الأصل العملي؟.

و هنا صور نتعرّض لها مع تحقيق حالة كل واحدة منها:

الصورة الأولى: هي أن يكون الوضوء المردّد بين كونه نفسيا أو غيريا، أن يكون على تقدير كونه غيريا، مقدمة لواجب نفسي غير فعلي في حق المكلف فعلا، كما في الحائض إذا دار أمر وضوئها بين أن يكون واجبا نفسيا بالنسبة لها رغم عادتها، أو أن يكون واجبا غيريا مقدمة للصلاة، و الصلاة ليس بواجبة عليها.

و في مثل ذلك، لا إشكال في أن مرجع هذا الفرض، إلى الشك البدوي‏

180

في الوجوب النفسي، إذ على تقدير أن يكون الوضوء واجبا غيريا، فلا وجوب غيري هنا، إذ لا وجوب للصلاة فعلا حتى يكون الوضوء واجبا غيريا للصلاة، و إنما الشك شكّ في كونه واجبا نفسيا فقط، فهو شك بدوي في الوجوب النفسي، و فيه تجري أصالة البراءة عن الوجوب النفسي بلا إشكال.

و بعبارة أوجز، هي أن يعلم بكون الوضوء مثلا، إمّا واجبا نفسيا، أو غيريا، لواجب آخر غير فعلي في حق المكلّف، كالصلاة على الحائض، و هنا تجري أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء.

الصورة الثانية: هي أن يفرض أن هذا الوضوء مردد بين كونه واجبا نفسيا، أو واجبا غيريا من أجل الزيارة بنحو بحيث أن الزيارة في نفسها لا نعلم بوجوبها، و إنما يثبت وجوبها لو كان هذا واجبا غيريا، فهنا يتشكل علم إجمالي بوجوب أحد الفعلين: إمّا الوضوء و إمّا الزيارة، لأن الوضوء إن كان واجبا بالوجوب النفسي، فهو، و إلّا فهو مقدمة للزيارة التي هي واجبة بالوجوب النفسي.

إذن فيعلم إجمالا بوجوب أحد الأمرين: إمّا الوضوء و إمّا الزيارة المقيدة به، و حينئذ يقع الكلام حول منجّزيّة هذا العلم الإجمالي، و كونه موجبا لتعارض الأصول في الطرفين، أو أنه غير منجز.

قد يبين عدم منجزية العلم الإجمالي في المقام بأحد بيانين:

البيان الأول: هو أن يقال: بأن العلم الإجمالي بوجوب أحد الفعلين:

إمّا الوضوء، و إمّا الزيارة، منحل إلى العلم التفصيلي بوجوب الوضوء، لأن الوضوء على أي حال، واجب إمّا بالوجوب النفسي، و إمّا بالوجوب الغيري، إذن فهو معلوم الوجوب تفصيلا، فينحل هذا العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي المتعلق بأحد طرفيه، و بعد الانحلال يكون الشك في وجوب الزيارة شكا بدويا، فتجري فيه أصالة البراءة عن وجوب الزيارة.

و هذا البيان غير تام، و ذلك لعدم تعقل الانحلال الحقيقي في المقام‏

181

الذي هو المدّعى في هذا، باعتبار أن العلم الإجمالي الذي يراد حلّه بالعلم التفصيلي، ليس متعلقه جامع الوجوب، بل الوجوب النفسي بالخصوص، فإننا نعلم إجمالا بوجوب نفسي متعلق إمّا بالوضوء و إمّا بالزيارة، و العلم التفصيلي الذي يراد الحل به، متعلقه و معلومه هو جامع الوجوب الأعم من النفسي و الغيري في الوضوء.

إذن فلا ينحل العلم الإجمالي هنا بمثل هذا العلم التفصيلي، و إنما ينحل العلم الإجمالي فيما لو تعلّق العلم التفصيلي بسنخ المعلوم الإجمالي في أحد الطرفين، إذن فهذا البيان ساقط عن الاعتبار.

البيان الثاني: هو أن العلم الإجمالي بوجوب أحد الأمرين نفسي، و إن كان غير منحل، و لكن مع هذا تجري أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للزيارة، و لا يعارضها أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء.

و هذا ما يسمّى بالانحلال الحكمي، أي الانحلال بلحاظ جريان الأصل في أحد الطرفين من دون معارض، إذ إنّ جريان أصالة البراءة عن وجوب الزيارة، لا تعارضه أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء، و ذلك أنه لا أثر لجريان البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء، لأنّ المراد بأصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء، إن كان هو التأمين و نفي أصل العقاب فيما إذا ترك الوضوء، فهذا غير معقول، لأن ترك الوضوء مساوق لترك الواجب المعلوم إجمالا، أي: مع المخالفة القطعية، لأن الوضوء إن كان هو الواجب النفسي، فقد ترك، و إن كان هو الواجب الغيري، إذن فقد ترك الواجب النفسي الذي هو الزيارة، بسبب ترك مقدمته التي هي الوضوء، إذن يكون تركه مخالفة قطعيّة، و العقاب عليه غير قابل للرفع عقلا و عقلائيا، فلا تأمين و لا نفي للعقاب، لأن الأصل لا يقدر على هذا التأمين، و إنما الأصل يؤمّن بلحاظ المخالفة الاحتمالية.

و إن أريد التأمين، بلحاظ احتمال عقاب آخر على المخالفة الاحتمالية، وراء ذلك العقاب المفروض على المخالفة القطعية، فهذا أمر معلوم العدم لا

182

نحتمله أصلا، لأننا لا نحتمل أكثر من واجب واحد في المقام، و لا عقاب إلّا بمقدار ما نعلم، فالعقاب الثاني غير محتمل، فلا يجري الأصل فيه ليؤمّن العبد منه، فأصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء لغو لا يعقل تأمينه.

إذن، و هذا بخلاف أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للزيارة، فإنه يؤمّن من ناحية ترك الزيارة، إذ إنّ ترك الزيارة غير مساوق للمخالفة القطعية فيما إذا توضأ، و لكن لو ترك الوضوء و زار، فقد خالف مخالفة قطعية، و من هنا تجري أصالة البراءة عن وجوب الزيارة بلا معارض، و ينحل العلم الإجمالي انحلالا حكميا.

و بعبارة أخرى: إن أصالة البراءة عن وجوب الزيارة، لا تعارضه أصالة البراءة عن وجوب الوضوء، إذ يعلم على كل حال بترتب العقوبة على مخالفته إمّا بنفسه، أو باعتباره يؤدي إلى ترك الواجب النفسي، فلا تجري البراءة عنه.

إذن فبلحاظ عالم الأمر لا يوجد انحلال، و لكن بلحاظ عالم العهدة و التحميل يتم الانحلال لأنه يعلم باشتغال الذمة على كل حال، فحال العلم الإجمالي في المقام، حال الانحلال في سائر موارد الدوران بين التعيين و التخيير، إذن فالنتيجة، هي: جواز ترك الزيارة دون الوضوء.

الصورة الثالثة: هي عين الصورة الثانية، لكن نفرض أن الواجب النفسي المحتمل، و الذي فرضنا أنه «الزيارة» هناك، نفرضه هنا أمرا مبهما مرددا بين آلاف الأشياء غير المحصورة.

و بعبارة أخرى: هذه الصورة هي نفس الصورة الثانية، غاية الأمر أنه على تقدير الغيرية، يكون مقدمة لواجب نفسي مردّد بين أمور غير محصورة، كما لو قال المولى: «توضأ»، و لا نعلم أن الوضوء واجب نفسي أو غيري، و على تقدير كونه غيريا، فهل هو مقدمة للزيارة فالزيارة واجبة، أو للدعاء، فالدعاء واجب إذن، أو للصلاة، فالصلاة واجبة إذن، أو لقراءة القرآن، فقراءة القرآن واجبة، و هكذا بحيث يدور بين أمور كثيرة.

في مثل ذلك، يتشكل علم إجمالي بوجوب نفسي في دائرة غير

183

محصورة، لأنه يعلم إجمالا حينئذ بواجب نفسي هو: إمّا «الوضوء» و أمّا أحد تلك الأمور الكثيرة التي يحتمل كون الوضوء مقدمة لها.

و التحقيق على ما تقدّم في أبحاث العلم الإجمالي هو: إنّ العلم الإجمالي، إذا كان على نحو الشبهة غير المحصورة، فلا يكون منجزا حتى لحرمة المخالفة القطعية، فضلا عن وجوب الموافقة القطعية، فتجري أصالة البراءة عن جميع أطراف هذا العلم الإجمالي بما فيها أصل البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء أيضا، بل حتى أنه يجوز ترك الوضوء أيضا.

و هنا لا يقال: إن ترك الوضوء يؤدي إلى المخالفة القطعية.

على أيّ حال، لا يقال ذلك، لأنه بعد أن فرضنا أن هذا العلم الإجمالي غير منجز، حينئذ، تجري الأصول في كل الأطراف بدون معارضة.

الصورة الرابعة: هي أن يفرض أن الوضوء إمّا واجب نفسي، و إمّا واجب غيري للصلاة المعلوم وجوبها على أي حال، بقطع النظر عن الوضوء، بحيث لو كان الوضوء واجبا نفسيا، إذن لاجتمع علينا واجبان نفسيان:

أحدهما الصلاة، و الآخر الوضوء.

و بعبارة أخرى: إن هذه الصورة هي نفس الصورة الثانية مع اختلاف من حيث أن الواجب الآخر ثابت على كل حال، سواء أ كان الواجب الأول نفسيا، أو غيريا و قيدا للواجب الآخر كما في الصلاة لغير الحائض، أو الحج للمستطيع.

و هنا ذكر المحقق النائيني (قده) (1)، أن أصل وجوب الصلاة هنا معلوم، و أصل وجوب الوضوء معلوم أيضا، و إنما الشك أن الصلاة هل هي متقيدة بالوضوء- و هو معنى الواجب الغيري- أو غير متقيّدة بالوضوء؟ و عليه فتجري أصالة البراءة عن الوجوب الضمني لتقيّد الصلاة بالوضوء، و لا يعارض‏

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي ج 1 ص 170.

184

بأصالة البراءة عن وجوب الوضوء، لأنّ وجوب الوضوء معلوم على أيّ حال.

و معنى هذا أنّ كلا من الصلاة و الوضوء واجب نفسي، و بإمكان المكلّف إيقاع أيّ منهما قبل الآخر.

و قد استشكل في ذلك السيد الخوئي (قده) (1)، حيث ذكر أنه في محل الكلام، و إن كان الوضوء معلوم الوجوب، إمّا غيريا، و إمّا نفسيا، و لكن واجبيّته الغيرية ليس لها أثر عقلا، و إنما الأثر العقلي و التنجّز للواجبية النفسية.

إذن فيتشكل علم إجمالي في المقام، إمّا بالوجوب النفسي للوضوء، و إمّا بوجوب التقيّد، و حينئذ يكون الوجوب النفسي للوضوء منشأ لاستحقاق العقاب على تركه، و يكون الوجوب النفسي الضمني لتقيّد الصلاة بالوضوء منشأ لاستحقاق العقاب على عدم الإتيان بالوضوء قبل الصلاة، سواء أتي به بعد الصلاة، أو لم يؤت به.

و الخلاصة: إنّه هنا علم إجمالي، إمّا بوجوب نفسي استقلالي للوضوء، أو وجوب نفسي ضمني للتقيّد.

و مقتضى القاعدة، هو أنّ يكون هذا العلم الإجمالي منجّزا في المقام.

و أمّا دعوى أن الوضوء معلوم الوجوب على كل حال، فإنّها غير مفيدة، لأنه معلوم الوجوب للجامع بين الوجوب الغيري و النفسي، و الوجوب الغيري ليس قابلا للتنجّز، فلا أثر للعلم بالجامع بين وجوب لا يقبل التنجّز، و وجوب يقبله، و إنما الأثر، للعلم بالوجوب النفسي، و هو معلوم بالعلم الإجمالي، و أحد طرفي هذا العلم هو الوجوب النفسي الاستقلالي للوضوء، و الطرف الآخر لهذا العلم، هو الوجوب النفسي الضمني لتقيّد الصلاة بالوضوء، و هذا العلم يوجب تعارض الأصلين في الطرفين، فيكون أصل البراءة عن تقيّد

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي هامش ص 170 محاضرات فياض ج 2 ص 392.

185

الصلاة بالوضوء، معارضا بأصل البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء، و بعد التساقط يجب الاحتياط، و ذلك بإيقاع الوضوء قبل الصلاة، لكي يجزم المكلّف بالامتثال على كل تقدير.

و بتعبير آخر، هو أننا نعلم علما إجماليا بوجوب الوضوء نفسيا، أو وجوب تقيّد الصلاة بالوضوء نفسيا، و هذا علم إجمالي منجز غير منحل، لا حقيقة، و لا حكما، لأن الأصل المؤمّن عن وجوب التقيّد، يعارض الأصل المؤمّن عن الوجوب النفسي للوضوء، لأن الأصل فيه يجري بلحاظ العقوبة الزائدة في تركه، إذ الوضوء لو كان واجبا بوجوب نفسي، إذن كان في تركه عقوبة زائدة على عقوبة ترك الواجب الآخر على تقدير تقيّده به.

و ما أفاده السيد الخوئي (قده) (1) غير تام.

و الصحيح ما أفاده المحقق النائيني (قده) على أساس مبناه الذي نبني عليه نحن أيضا فنقول، بدوا:

إنّه لا يمكن فرض كون العلم الإجمالي بالوجوب النفسي للوضوء أو التقييد منجّزا، و مع هذا تفرضون تعارض الأصول في الأطراف، و ذلك لأنّ هذا العلم الإجمالي بالوجوب النفسي المردّد، حاله كحال العلم الإجمالي في الصورة الثانية من الصور المتقدمة، إذ كان العلم الإجمالي فيها مرددا، بين كون وجوب الوضوء نفسيا، و بين كون وجوبه غيريا لواجب غير معلوم الوجوب من غير هذه الناحية، من قبيل زيارة «سيد الشهداء»، فهناك أيضا كان يتشكل علم إجمالي بوجوب نفسي مردد، بين وجوب الوضوء، أو وجوب الزيارة، و لا فرق بين هذا العلم الإجمالي هنا، و العلم الإجمالي هناك، إلّا في أن الوجوب النفسي المعلوم بالإجمال في الصورة الثانية، هو وجوب نفسي استقلالي على كل تقدير، بينما الوجوب النفسي المعلوم في هذه الصورة هو مردّد بين وجوب نفسي استقلالي، أو وجوب نفسي ضمني، لأنه إن كان‏

____________

(1) نفس المصدر السابق.

186

الوضوء هو الواجب، فهو واجب نفسي استقلالي، و إن كان تقيّد الصلاة بالوضوء هو الواجب، فهو واجب نفسي ضمني.

و هنا في الصورة الرابعة يعلم بوجوب نفسي، إمّا استقلالي متعلّق بالوضوء، أو ضمني متعلّق بالتقيّد، و في الصورة الثانية، كان يعلم بوجوب نفسي استقلالي على كل حال، متعلّق إمّا بالوضوء و إمّا بالزيارة. إذن كيف تبنون هناك، في الصورة الثانية، على عدم منجّزيّة العلم الإجمالي، و من ثمّ على عدم تعارض الأصول في الطرفين، و قلتم هناك: إنّ أصالة البراءة عن وجوب الزيارة، تجري و لا يعارضها أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء، لأنّ فرض ترك الوضوء هو فرض المخالفة القطعية، و أصالة البراءة لا يعقل أن تؤمّن عن المخالفة القطعية. و هذا بخلاف أصالة البراءة عن وجوب الزيارة، فإنّها تؤمّن عن ترك الزيارة، لأنّ ترك الزيارة لا يساوق المخالفة القطعية.

كان هذا، هو البيان لعدم تعارض الأصول في أطراف العلم الإجمالي في الصورة الثانية.

و حينئذ يقال: بأنّ نفس ذاك البيان يأتي في المقام فيقال هنا أيضا: بأنّ أصالة البراءة عن التقيّد تجري بلا معارض، كما كانت تجري هناك أصالة البراءة عن وجوب الزيارة بلا معارض.

و أمّا أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء فلا تجري، لأنه لو ترك الوضوء فهو يعلم بالمخالفة القطعية على أيّ حال، و بهذا لا يكون هذا الأصل مؤمّنا، لأنه إنما يؤمّن عن المخالفة الاحتمالية لا عن المخالفة القطعية.

إذن فلا تعقل أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء، فتجري أصالة البراءة عن التقيّد بلا معارض، كما ذكر المحقق النائيني (قده). إذن فلا فرق بين الصورة الرابعة هنا. و الثانية هناك.

و لكن هنا، يمكن للسيد الخوئي (قده) أن يجيب عن ذلك، و ذلك بأن‏

187

يبرز فرقا بين الصورة الرابعة هنا، و الثانية هناك.

و حاصل هذا الفرق هو أن يقال: بأن البيان المتقدم في الصورة الثانية لعدم جريان أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء، لا يجري هنا في الصورة الرابعة، فإنه في الصورة الثانية كما يقال: بأن أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء، لا تؤمّن عن أصل العقاب، لأن ترك الوضوء يساوق المخالفة القطعية للتكليف المعلوم بالإجمال، و إن كان المراد بالتأمين بهذا الأصل عن عقاب ثان وراء هذا العقاب. فإن العقاب الثاني غير محتمل، لأنه في تلك الصورة كان يعلم بوجوب نفسي واحد متعلّق إمّا بالزيارة، و إمّا بالوضوء، فإن كان متعلقا بالزيارة فالوضوء مقدمة لها، و إن كان متعلقا بالوضوء مباشرة فلا واجب غير الوضوء، إذن فلا يحتمل عقاب ثان حتى يؤمّن من ناحيته.

و هذا بخلافه في المقام، فإنه هنا يمكن إجراء أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء و يكون هذا الأصل مؤمّنا عن العقاب الثاني، لا العقاب الأول، لأن المفروض في المقام أن الوجوب النفسي فيه معلوم على كل حال، و إنما الشك في أن الوضوء واجب نفسي أيضا حتى يصير عندنا واجبان نفسيّان، أو إنّ الوضوء واجب غيري مقدمة للصلاة. و حينئذ لو فرض أن المكلّف ترك الوضوء و الصلاة معا، حينئذ وجود عقاب واحد بالنسبة إليه، أمر مفروغ عنه لا يمكن رفعه بالأصل، لكن هل هناك عقاب بملاك ثان؟. هذا أمر مشكوك فيه، لأنه إن كان الوضوء واجبا غيريا، إذن فلا عقاب من ناحيته، و إن كان الوضوء واجبا نفسيا و قد تنجز، فحينئذ، سوف يعاقب بعقابين: عقاب بلحاظ ترك الصلاة، و عقاب بلحاظ ترك الوضوء.

إذن فهنا تفيد أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء، لأنها تنفي العقاب الثاني، لأن العقاب الثاني في هذه الصورة محتمل، فلو بقي الوجوب النفسي المشكوك في الوضوء بلا مؤمّن شرعي، لتنجز و ترتب العقاب عليه، و أصالة البراءة عنه هنا وظيفتها نفي هذا العقاب، و هذا أثر عملي يصحح‏

188

جريان البراءة في المقام، بينما أصالة البراءة عن الوجوب النفسي، للوضوء في الصورة الثانية، لم يكن هناك أثر عملي يصحّح جريانها، لأن نفي أصل العقاب عند ترك الوضوء غير معقول، ذلك للعلم بالمخالفة القطعية، و نفي العقاب الثاني، لا نحتاج فيه إلى الأصل، فلا يعارض جريانه البراءة عن وجوب الزيارة، و أمّا أصالة البراءة هنا عن الوجوب النفسي للوضوء فله أثر عملي، و هو نفي العقاب الثاني فيما لو ترك المكلّف كلا الفعلين رأسا، و إذا كان له أثر عملي جرى، و إذا جرى تعارض الأصلان، فيكون أصل البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء، معارضا بأصل البراءة عن الوجوب النفسي للتقيّد.

و لكنّ هذا الفرق الذي يمكن للسيد الخوئي (قده) أن يطرحه بين الصورتين، ليس مفرّقا على مباني المحقق النائيني (قده) في باب تنجيز العلم الإجمالي، و توضيح ذلك يحتاج إلى بيان مقدمة:

و هذه المقدمة هي أن يقال: بأنه لا إشكال في أن جريان الأصول المؤمّنة في أطراف العلم الإجمالي غير معقول، و لكن الميرزا (قده) اشترط في عدم معقولية هذه الأصول أن تكون هذه الأصول الجارية في كل الأطراف، أو الطرفين، على نحو بحيث يمكن للمكلّف إذا استند عليها جميعا في عرض واحد، و في وقت واحد، أن يقع في المخالفة القطعيّة، كما لو فرض أنه علم إجمالا بوجوب الظهر، أو الجمعة، فأجرى في وقت واحد أصالة البراءة عن وجوب الظهر و أصالة البراءة عن وجوب الجمعة فجمع بين التركين استنادا إلى مجموع الأصلين، فإنه في مثل هذه الحالة لا يعقل جريان الأصول، لأنه ترخيص في المخالفة القطعيّة.

و أمّا لو فرض أن الأصول جرت في تمام الأطراف، لكن مع هذا فالمحذور عقلي إذ إنّه عاجز عن الاستفادة من تمام هذه الأصول، بحيث يترك هنا و يترك هناك، مستندا إلى الأصلين مثلا، فالأصول المؤمّنة تجتمع و لكن استنادات المكلف إليها لا يمكن أن تجتمع، في مثل ذلك. قال المحقق النائيني (قده): بإمكان جريان الأصول جميعا، إذ لا يلزم من جريانها جميعا

189

أن يقتحم المكلف هنا و هناك و هنالك، و يجمع بين هذه الاقتحامات، و يخالف مخالفة قطعية، باستناده إلى هذه الأصول، فإن مثل هذا المطلب لن يقع خارجا و مثال ذلك: الشبهة غير المحصورة، فإنه فيها إذا علم إجمالا أن أحد الأواني الموجودة في بلده الكبير هي نجسة، فيعلم إجمالا بحرمة الشرب بواحد من هذه الأواني، هنا قال المحقق النائيني (قده)، و نحن معه نقول: بأنه يمكن إجراء أصالة الطهارة في تمام أطراف الشبهة غير المحصورة، لأنه لو أجريت أصالة الطهارة و أصالة الإباحة في تمام هذه الأواني، حينئذ سوف لن يتمكن المكلف أن يستند إليها جميعا في عرض واحد، و ليس حالها حال الظهر و الجمعة، إذن فلا بأس باجتماع الأصول، لأن اجتماعها إذا كان يؤدي إلى اجتماع المخالفات الاحتماليّة، فهو غير معقول، و أمّا إذا لم يؤدّ إلى ذلك فلا بأس به.

و حينئذ على ضوء هذا المبنى نعالج محل الكلام فنقول:

إن أصالة البراءة في محل الكلام عن الوجوب النفسي للوضوء، لا يظهر تأمينها و أثرها، فيما إذا أتى بالصلاة و ترك الوضوء، لأن هذا التارك للوضوء يعلم بوقوع مخالفة واحدة منه، لأن الوضوء إن كان واجبا نفسيا فقد عصى، و إن كان شرطا في الصلاة، إذن فقد عصى الأمر بالصلاة، إذن فهو قد عصى كلا الأمرين، و لم تصدر منه معصية ثانية يقينا، لعدم احتمال أن يكون قد صدرت منه معصيتان في المقام، لأنه لا يحتمل أن يكون الوضوء واجبا نفسيا و شرطا في وقت واحد.

إذن ففي فرض ترك الوضوء و الإتيان بالصلاة، فإن أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء، لا تحدث فيه تأثيرا، لأنه إن أريد بها التأمين من ناحية أصل العقاب، فغير معقول، لأنه يعلم بالمخالفة القطعية. و إن أريد التأمين لنفي العقاب الثاني، فهو معلوم العدم. إذن فهذا الأصل ليس مركز تأمينه هو هذا المكلّف الذي ترك الوضوء و أتى بالصلاة.

نعم هذا المكلّف يكون مركزا للتأمين من ناحية أصالة البراءة عن‏

190

الوجوب الضمني للتقيّد، لأن هذا المكلّف الذي ترك الوضوء و أتى بالصلاة، و من بعدها أتى بالوضوء، حينئذ مثل هذا المكلّف يكون قد أمّن عن إيقاع الوضوء قبل الصلاة ببركة أصالة البراءة عن التقيّد.

و هنا مكلّف آخر و هو الذي يترك العملين معا، الوضوء و الصلاة، مثل هذا المكلّف، إذا أجرى أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء، فإنه يظهر لهذا أثر بالنسبة إليه، و هو التأمين عن العقاب الثاني.

و بهذا يتّضح أن مؤمّنيّة كل من الأصلين و الاستناد إليهما معا في حال، غير حال الاستناد إلى الأصل الآخر، و أنه لا يمكن الاستناد إلى الأصلين معا في عرض واحد، فالمكلّف الذي يستفيد من هذا الأصل، غير المكلف الذي يستفيد من ذاك الأصل، لأن المكلف الذي يستفيد من أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء، هو من ترك الوضوء و الصلاة معا، و هذا سوف لن يستفيد من الأصل الآخر، و هو أصالة البراءة عن التقيّد، فهو ترك الصلاة رأسا، فلا يؤمّنه أصالة البراءة عن التقيّد بالوضوء، و إنما يستفيد من أصالة البراءة عن التقيّد، من أتى بالصلاة، ثم أتى بالوضوء بعدها، و لا يعقل أن يوجد شخص واحد يستفيد من كلا الأصلين إلّا مع فرض تعدّد الواقعة، فإنها فيها لا بأس بجريان الأصلين معا، فتجري أصالة البراءة عن التقيّد ليستفيد منها من يصلّي ثم يتوضأ بعد ذلك، و تجري البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء، ليستفيد منها ذلك الشقي الذي يترك الوضوء و الصلاة معا، من أجل نفي العقاب الثاني بالنسبة إليه.

إذن فمحل استفادة كل من الأصلين، غير محل الاستفادة من الأصل الآخر. و هذا يصير من قبيل الأصول في الشبهة غير المحصورة، حيث أن شخصا واحدا لا يمكن أن يستفيد من أصالة الطهارة في هذه الآنية، و هذه الآنية، و هكذا، بل يستفيد من بعضها، و هنا كذلك، فإن المكلّف لا يمكن أن يستفيد من كلا الأصلين، لأنه إن ترك كلا الفعلين، إذن فسوف تنحصر فائدته العملية في إجراء أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء، لنفي العقاب‏

191

الثاني، مع توطين نفسه على العقاب الأول، و إن فرض أن المكلّف كان قد صلّى ثم توضأ بعد ذلك، فهذا سوف لا ينفعه أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء، لأنه على أيّ حال هو معاقب، و موطّن نفسه على العقاب الأول، و إنما سوف ينفعه أصالة البراءة عن التقيّد، فالانتفاع العملي في هذا الأصل في حال، لا يجتمع مع حال الانتفاع العملي بالأصل في الطرف الآخر.

و بهذا يثبت على مبنى المحقق النائيني (قده)، جريان الأصلين معا بلا معارضة.

إذن فالصحيح أن العلم الإجمالي في المقام غير منجز، و بما ذكرناه تبيّن وجود ملاك للانحلال الحكمي، و عدم منجزيّة العلم الإجمالي في الصورة الثانية، بل و في الصورة الرابعة.

و هذا الملاك للانحلال هو قانون كلّي للانحلال، لا يختص بخصوص المقام، بل يسري في مقامات عديدة.

و الضابط الكلي لهذا القانون، هو: إنّه كلّما تشكّل علم إجمالي بأحد تكليفين، و كانت مخالفة أحد التكليفين مستلزمة لمخالفة الآخر، لا محالة، بخلاف العكس، في مثل ذلك، التكليف الذي تكون مخالفته مستلزمة لمخالفة الآخر لا تجري البراءة عنه، لأنّ مخالفته مساوقة للمخالفة القطعية، فلا معنى للتأمين عنه، و تجري البراءة عن التكليف الآخر، الذي لا تكون مخالفته مساوقة لمخالفة الطرف الأول، بلا معارض.

و هنا استعراض لبعض المقامات التي ينطبق عليها هذا القانون:

المقام الأول: هي مسألتنا، و هي فيما إذا علم بالوجوب النفسي للمقدمة أو لذي المقدمة، فإنّ هذا القانون ينطبق هنا، لأن الوجوب النفسي المحتمل تعلّقه بالمقدمة، تكون مخالفته مستلزمة لمخالفة التكليف النفسي الآخر، فإنّ من ترك المقدمة استلزم تركه هذا، ترك ذي المقدمة أيضا، إذن فلا تجري‏

192

البراءة عن الوجوب النفسي المحتمل للمقدمة، و تجري أصالة البراءة عن الوجوب النفسي المحتمل لذي المقدمة.

المقام الثاني: هو فيما إذا كان عندنا ضدّان عرضيان و لهما ثالث، من قبيل استقبال القبلة و استدبار القبلة، فإنهما ضدان لهما ثالث، و هو أن لا يستقبل و لا يستدبر، و علم إجمالا بأنه إمّا الاستقبال واجب، و إمّا الاستدبار حرام، و هذا العلم الإجمالي ينطبق عليه هذا القانون، و ذلك لأن مخالفة أحد الطرفين، و هو حرمة الاستدبار- الذي يكون بالاستدبار- تكون مستلزمة لمخالفة وجوب الاستقبال دون العكس، فإن مخالفة وجوب الاستقبال يكون بترك الاستقبال، و ترك الاستقبال لا يلزم منه استدبار القبلة، إذ لعلّه يترك الاستقبال و لا يستدبر، فهنا لا تجري أصالة البراءة عن حرمة استدبار القبلة لأن الاستدبار ملازم مع المخالفة القطعية، فتجري البراءة عن وجوب الاستقبال بلا معارض.

المقام الثالث: هو ما إذا وجد عندنا أمران وجوبيان و كانا متغايرين، و كان أحدهما أخص موردا من الآخر، و علم بوجوب أحدهما، من قبيل أن نعرض وجود منارة في دار، و علم إمّا بوجوب استقبال المنارة عن قرب، و إمّا بوجوب استدبار الدار التي فيها المنارة، و هنا استقبال الدار التي فيها المنارة عن قرب يلزم الاستدبار، و لكن الاستدبار لا يلزم من الاستقبال عن قرب، إذ قد يستدبر حائط الدار التي فيها المنارة من خراج الدار، فلو علم إجمالا بوجوب استدبار هذه الدار، أو بوجوب استقبال المنارة عن قرب، حينئذ يقال: إنّه لا تجري أصالة البراءة عن وجوب استدبار حائط الدار، لأن ترك استدبار حائط الصحن مساوق للمخالفة القطعية على كل حال، لأن من ترك استدبار حائط منارة الدار، فقد ترك الاستقبال عن قرب، بخلاف وجوب استقبال المنارة عن قرب، فإن مخالفة الاستقبال لا يلزم منه ترك الاستدبار رأسا، فتجري البراءة عن وجوب استقبال المنارة عن قرب بلا معارض، و هذا إنما يكون في كل أمرين وجوديين متغايرين مورد أحدهما أخص من مورد

193

الآخر من دون مقدمية في البين، فإنّ ترك الأعم يكون تركا للأخص دون العكس، حينئذ تجري البراءة عن ترك الأخص كما تقدّم في المثال.

المقام الرابع: هو موارد الدوران بين الأقل و الأكثر الارتباطيين بالمعنى الأعم الشامل للدوران بين التعيين و التخيير، إذ إنّ الأقل و الأكثر له معنى أعم، و معنى أخص.

فمعناه الأعم يشمل الشك في الجزء و الشرط، و يشمل أيضا دوران الأمر بين التعيين و التخيير، كما لو وجب إطعام مردّد بين إطعام الحيوان، و إطعام الإنسان.

و معناه الأخص، هو عبارة عن الأجزاء و الشرائط كما إذا شكّ في الجزء و الشرط.

فموارد الأقل و الأكثر بمعناهما الأعم، و في تمام مصاديقها، يجري فيها هذا القانون العام. فإنه دائما يكون مخالفة الأقل مخالفة للأكثر لا محالة، سواء أ كانت مخالفة الأقل عبارة عن وجوب تسعة أجزاء في مقابل وجوب عشرة أجزاء، أو وجوب ذات المقيّد في مقابل وجوب المقيّد، أو وجوب عنوان الحيوان في مقابل وجوب عنوان الإنسان. فعلى أي حال وجوب مخالفة الأقل يلزم منه مخالفة وجوب الأكثر لا محالة مخالفة قطعية، دون أن يلزم من مخالفة الأكثر مخالفة الأقل، فتجري البراءة حينئذ عن وجوب إكرام الإنسان، و عن وجوب العشرة، و عن وجوب المقيّد، فالبراءة دائما تجري عن وجوب الأكثر، نعم موارد الأقل و الأكثر بالمعنى الأخص يتميّز ببيان الانحلال و ببرهان أخر لا يشمل الأقل و الأكثر بالمعنى الأعم، و لا يشمل المقامات الثلاثة الأول و الثاني و الثالث، كما لو علم بوجوب تسعة أجزاء، إمّا مطلقا، و إمّا مقيّدا بشرط، حينئذ يقال: بأن أصالة البراءة عن وجوب المطلق لا تجري ليعارض أصالة البراءة عن وجوب المقيّد، بقطع النظر عن هذا القانون المتقدم، و ذلك لأن وجوب المطلق ينحل إلى أمرين: أحدهما، وجوب ذات المطلق، و ثانيهما، إطلاقه. أمّا وجوب ذات المطلق الجامع المقسمي‏

194

المحفوظ في ضمن المطلق و المقيّد، فهذا وجوبه معلوم على كل حال، و لو في ضمن المقيّد، فلا معنى لإجراء البراءة عنه. و أمّا إجراء البراءة عن إطلاق المطلق، فهذا في نفسه لا معنى له، بمعنى أن دليل البراءة في نفسه، قاصر دلالة عن الشمول له، لأن دليل البراءة يوسّع، و الإطلاق ليس فيه ضيق حتى يكون رفعه توسعة، إذن فهو غير مشمول لمفاد الدليل أصلا من أول الأمر.

إذن فأصالة البراءة عن وجوب المطلق في نفسها، غير معقولة، لقصور الدليل في نفسه، لأن ذات المطلق معلوم و الدليل يقول «رفع ما لا يعلمون»، و إطلاقه ليس شيئا ثقيلا حتى يشمله دليل «رفع ما لا يعلمون»، إذن فتجري البراءة عن وجوب المقيّد دون معارض.

و بهذا يتضح أنه يوجد عندنا قانونان للانحلال الحكمي: أحدهما هو القانون الذي شرحناه آنفا، و هو: كون مخالفة أحد الطرفين مستلزمة لمخالفة الآخر، و هذا سيّال في المقامات الأربعة المتقدمة.

و هناك قانون آخر للانحلال تختص به موارد الأقل و الأكثر الارتباطيين بالمعنى الأخص من المقام الرابع، و هو أنه لا معنى- بحسب لسان دليل «رفع ما لا يعلمون»- لإجراء أصالة البراءة عن وجوب المطلق، لأنه إن أريد نفي وجوب ذات المطلق، فهو معلوم، و إن أريد نفي إطلاق المطلق، فهو ليس أمرا ثقيلا ليرفع بإطلاق دليل البراءة.

و بهذا يتضح أيضا أن جريان البراءة في الأقل و الأكثر الارتباطيين بالمعنى الأخص، أوضح من جريان البراءة في المقام، لأن فيه اجتماع كلا الملاكين للانحلال و كلا التقريبين.

و بعد أن طبّقنا القانون العام الآنف على حالة ما إذا علم بوجوب شي‏ء، أو بوجوب مقدمته، كما لو علم إجمالا، بوجوب نفسي متعلق بالزيارة المقيّدة بالوضوء، أو بوجوب نفسي متعلق بالوضوء، كانت نكتة الانحلال هنا هي، إنّ مخالفة الوجوب النفسي المتعلق بالوضوء، مستلزمة لمخالفة الوجوب‏

195

النفسي المتعلق بالزيارة، دون العكس، فمتى ما تحفّظنا على هذه النكتة، تحفّظنا على الانحلال، و متى ما زالت هذه النكتة، زال الانحلال.

و من هنا نقول: إن الوجوب النفسي المحتمل تعلقه بالوضوء، مع الوجوب النفسي المحتمل تعلّقه بالزيارة، نقول: إن زمانهما واحد، و ظرفهما واحد،، و هو من الزوال إلى الغروب، و حينئذ، من الواضح أن نكتة الانحلال موجودة هنا، لأن من ترك الوضوء من الزوال إلى الغروب، فقد ترك الزيارة أيضا، إذن فقد خالف كلا التكليفين مخالفة قطعية.

و النكتة تبقى محفوظة لو وسّعنا من دائرة الوجوب النفسي للوضوء المحتمل، كما لو كنا نعلم مثلا، بوجوب الزيارة المقيدة بالوضوء بين الزوال و الغروب، أو بالوجوب النفسي للوضوء، لكن في أفق أوسع من ذلك، سواء أ كانت الأوسعيّة من حيث الابتداء، أي من طلوع الشمس إلى الغروب، أو من حيث الانتهاء، يعني من الزوال إلى طلوع الفجر، أو من حيث الابتداء و الانتهاء معا، فإنه على جميع هذه الحالات، تصدق نكتة الانحلال، و هي أن مخالفة الوجوب النفسي المحتمل تعلّقه بالوضوء، يستلزم مخالفة الوجوب الآخر أيضا، فالانحلال ثابت.

و تختل هذه النكتة في فرضين:

الفرض الأول: هو فيما إذا فرضنا أن الوجوب النفسي المحتمل تعلّقه بالوضوء، محدود بزمان مباين مع زمان الوجوب النفسي المحتمل تعلقه بالزيارة، كما لو كان يعلم إجمالا، إمّا بوجوب نفسي للوضوء بين طلوع الشمس إلى الزوال، و إمّا بوجوب نفسي للزيارة المقيّدة بالوضوء من الزوال إلى الغروب بنحو بحيث، أنه على تقدير أن يكون الوضوء واجبا نفسيا، لا يقبل منّا إلّا الوضوء قبل الزوال، و بناء على أن تكون الزيارة واجبا نفسيا، و يكون الوضوء شرطا لا يقبل منّا الوضوء إلّا بعد الزوال، ففي مثل هذه الفرضيّة يكون علما إجماليا منجزا، لأنه تكون مخالفة كل واحد من التكليفين، غير مستلزمة لمخالفة الآخر، بل مباينة لمخالفة الآخر، إذ يمكن‏

196

حينئذ للمكلف أن يخالف هذا دون ذاك، و ذلك بأن يترك الوضوء قبل الزوال، و يتوضأ بعد الزوال و يزور، إذن فهذا أمر خالف الوجوب النفسي للوضوء، و لم يخالف الوجوب النفسي للزيارة.

و يمكن للمكلف أن يعكس المطلب، و ذلك بأن يتوضأ قبل الزوال، و لا يزور بعد الزوال، فيكون قد خالف الوجوب النفسي للزيارة، و لم يخالف الوجوب النفسي للوضوء، لأنه لا تلازم بين المخالفتين.

و في مثل ذلك تجري أصالة البراءة و تتعارض في الطرفين، لأن أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء قبل الزوال، تعارض أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للزيارة المقيّدة بالوضوء بعد الزوال.

و هذا الكلام لا يفرّق فيه بين الصورة الثانية و الرابعة، أي: إنّه لا يفرّق بين أن تكون الزيارة معلومة الوجوب في نفسها، أو أن لا تكون معلومة الوجوب في نفسها، فإن لم تكن معلومة الوجوب في نفسها، حينئذ سوف يتشكل علم إجمالي بوجوب نفسي للوضوء قبل الزوال، أو بوجوب نفسي للزيارة المقيّدة بالوضوء بعد الزوال، و هنا ينجّز العلم الإجمالي، لأنّ كلا من الطرفين، مخالفته لا تستلزم مخالفة الطرف الآخر.

و كذلك الحال لو كانت الزيارة معلومة الوجوب في نفسها، و إنما الشكّ في تقيّدها بالوضوء بعد الزوال، فإنه أيضا، المكلّف يعلم إجمالا بوجوب نفسي متعلّق بالوضوء قبل الزوال، أو بوجوب نفسي ضمني متعلّق بتقيّد الزيارة بالوضوء بعد الزوال، و كل من هذين الوجوبين لا يلزم من مخالفة أحدهما مخالفة الآخر، فلو لم يتوضأ قبل الزوال، و توضأ بعد الزوال، فقد امتثل الوجوب الضمني، و عصى الوجوب النفسي، و لو أنه عكس المطلب، انعكس عليه المطلب.

فتتعارض إذن أصالة البراءة عن الوجوب النفسي مع أصالة البراءة عن الوجوب الضمني.

197

الفرض الثاني: هو أن نفرض أن دائرة الشرط أوسع من دائرة الواجب النفسي، و ذلك بأن نفترض أن الوضوء إذا كان واجبا نفسيا فهو واجب قبل الزوال، كما تقدّم في الفرض السابق، و أمّا إذا كان واجبا غيريا، و شرطا في الصلاة، فشرط الصلاة كما يتحقق بالوضوء بعد الزوال، كذلك يتحقق بالوضوء قبل الزوال أيضا، إذ الصلاة ليست مقيّدة بالوضوء بعد الزوال خاصة، و إنما هي مقيّدة بمطلق وقوع الوضوء قبلها، و بهذا يختلف عن الفرض السابق، لأننا في الفرض السابق كنّا نفرض أن الوضوء إذا كان شرطا فيكون وجوده المتأخر عن الزوال، شرطا خاصا دون وجوده السابق على الزوال، أمّا هنا فنفرض سعة في الشرط، فالوضوء يفي بالشرط، سواء أ كان قبل الزوال أو بعده.

و الآن لو جئنا نرى الصورة الثانية، و حال الصورة الرابعة، على ضوء هذا الفرض.

فنرى أن الصورة الثانية و هي ما إذا فرض تردّد أمر الوضوء، بين كونه واجبا نفسيا، أو شرطا في واجب نفسي آخر و هو الزيارة، و نفرض أنّ الزيارة لم يثبت وجوبها النفسي من غير هذه الناحية، إذن فيتشكل علم إجمالي بوجوب نفسي استقلالي مردّد بين أن يكون متعلقا بالوضوء قبل الزوال، أو بالزيارة المقيّدة بالوضوء و لو قبل الزوال.

و من الواضح أن هذين التكليفين المعلوم أحدهما إجمالا، لا ينطبق عليهما قانون الانحلال المذكور، لأن مخالفة أيّ واحد من الطرفين لا يستلزم مخالفة الطرف الآخر، بل يمكن أن ينفك مخالفة كل واحد من الطرفين عن مخالفة الطرف الآخر، فيمكن للمكلّف أن يخالف الوجوب النفسي المحتمل تعلّقه بالوضوء قبل الزوال، و لكن يمتثل الوجوب الآخر، و ذلك بأن يترك الوضوء قبل الزوال، و يتوضأ و يزور بعد الزوال، فيخالف الوجوب النفسي المحتمل للوضوء، لأنه لم يأت به في ظرفه، و لكنّه قد امتثل الوجوب النفسي المحتمل تعلّقه بالزيارة، و قد ينعكس المطلب، و ذلك بأن يتوضأ قبل الزوال،

198

و لكن لا يزور بعد الزوال، فيكون قد امتثل الوجوب النفسي المحتمل تعلّقه بالوضوء، و لكنّه لم يمتثل الوجوب النفسي المحتمل تعلّقه بالزيارة المقيّدة بالوضوء، إذ لم يزر أصلا.

إذن فالمخالفتان بينهما عموم من وجه، و ليس أحدهما مستلزما للآخر.

أذن فلا ينطبق عليهما قانون الانحلال.

إذن فالعلم الإجمالي منجز، و الأصول متعارضة و متساقطة في الطرفين.

و أمّا إذا جئنا نرى الصورة الرابعة التي يدور أمر الوضوء فيها بين أن يكون واجبا نفسيا قبل الزوال، أو أن يكون شرطا للصلاة المفروغ عن وجوبها بعد الزوال، فهنا الشك في الوجوب الضمني المتعلّق بالتقيّد، فيتشكل علم إجمالي بوجوب نفسي، إمّا استقلالي متعلق بالوضوء قبل الزوال، و إمّا بوجوب ضمني متعلّق بتقيّد الصلاة بمطلق الوضوء سواء أ كان بعد الزوال أو قبل الزوال، و هنا ينطبق قانون الانحلال المذكور و لكن بالعكس، بمعنى أن أصالة البراءة تجري عن الوجوب النفسي للوضوء، و لا تجري أصالة البراءة عن الوجوب الضمني، و ذلك لأن مخالفة الوجوب النفسي للوضوء لا يلزم منه مخالفة الوجوب الضمني، فلو أن إنسانا لم يتوضأ قبل الزوال، و توضأ بعد الزوال، و صلّى، فقد خالف الوجوب النفسي المحتمل تعلقه بالوضوء، و لكنه لم يخالف الوجوب الضمني المحتمل تعلّقه بالتقيّد.

و أمّا مخالفة الوجوب الضمني، فلو فرض أن المكلف خالف الوجوب الضمني و عصاه، فيكون عصيانه للوجوب الضمني الذي هو طرف العلم الإجمالي، أن لا يتوضأ، لا قبل الزوال و لا بعد الزوال، و لكن يصلّي، أمّا أنه يصلّي، فلأنه لو لم يصلّ فقد عصى الوجوب النفسي المعلوم تفصيلا، و هو وجوب الصلاة، و أمّا أنه لا يتوضأ، لا قبل الزوال و لا بعد الزوال، فلأنه لو توضأ قبل الزوال أو بعد الزوال، فقد تحقق الشرط، لأن المفروض كفاية الوضوء قبل الزوال في تحقق الشرط، فمعصية الوجوب الضمني بمقدار

199

الوجوب الضمني الواقع طرفا للعلم الإجمالي، يكون بأن يصلي دون وضوء، لا قبل الزوال، و لا بعده.

و من الواضح، أنه حينما يصلي و لا يتوضأ، لا قبل الزوال و لا بعده، حينئذ يكون هذا مخالفة قهرية للوجوب النفسي المحتمل تعلّقه بالوضوء أيضا، فتحصل المخالفة القطعية لا محالة.

و هذا معناه أن مخالفة الوجوب الضمني تستلزم مخالفة الوجوب النفسي، و لكن مخالفة الوجوب النفسي لا تستلزم مخالفة الوجوب الضمني.

و حينئذ يقال: إنّ أصالة البراءة عن الوجوب الضمني لا تجري، لأنه في فرض مخالفة الوجوب الضمني يعلم بالمخالفة القطعيّة على كل حال، لأنه يلزم من مخالفة الوجوب الضمني مخالفة الوجوب النفسي على أي حال، فإذا كان جريان أصالة البراءة «عن الوجوب الضمني» للتأمين من العقاب، فهذا غير معقول، لأن مخالفة الوجوب الضمني تستلزم مخالفة الطرف الآخر، و هي المخالفة القطعية، إذن فأصالة البراءة عن الوجوب الضمني، لا تكون مؤمّنة بخلاف أصالة البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء، فإنها تؤمّن دون أن تستلزم مخالفة للطرف الآخر، إذن فهنا ينطبق قانون الانحلال في المقام.

الجهة الثالثة: من الواجب النفسي و الغيري، هي في استحقاق العقاب و الثواب على الأوامر الغيرية،

مخالفة و امتثالا.

و الكلام في ذلك يقع أولا في العقاب، و ثانيا في الثواب.

و أمّا العقاب: فلا إشكال في أن مخالفة الأوامر النفسية توجب استحقاق العقاب، لأن مخالفة الأوامر النفسية على خلاف حق الطاعة الثابتة للمولى على العبد، هي تضييع لحق المولى، و تضييع الحق يصحّح العقاب لا محالة من قبل من له الحق على من عليه الحق.

200

و أمّا مخالفة الأمر الغيري فتوضيح الحال فيه هو أن يقال:

إن العقاب على نحوين:

النحو الأول: هو العقاب بالملاك الانفعالي.

النحو الثاني: هو العقاب بالملاك المولوي.

و مقصودنا من الملاك الانفعالي: هو العقاب الذي ينشأ من غضب المولى و تألّمه لفوات غرضه، فينفعل و يضرب عبده عقابا له لما سبّبه له من انفعال، و قد يتحقق من غير المولى أيضا، ممّن ليس له حق الطاعة، فقد ينفعل لمخالفة أوامره فيعاقب انفعاليا.

و العقاب المولوي، نقصد به: ذاك العقاب الناشئ من حكم العقل بالمولوية و الطاعة.

أمّا العقاب الانفعالي: فلا إشكال بأنه غير موجود على مخالفة الأمر الغيري، و لم يصدر عن المولى إلّا انفعال واحد و هو فيما إذا خالفه عبده، و لم يأت له بمطلوبه، و هذا الانفعال هو بسبب عدم حصول غرضه النفسي الذي أمر به، و هو الماء البارد مثلا، دون أن يحصل له انفعالات عديدة بعدد ما ترك المكلّف من المقدمات لتحصيله، بل انفعاله مهما كثرت المقدمات أو قلّت، على وتيرة واحدة.

و بعبارة أخرى: إن ضمّ ترك المقدمة إلى ترك ذي المقدمة، كضم الحجر إلى جنب الإنسان، إذ بعد أن يفرض أنه ترك ذا المقدمة فلا يهمّه بعدئذ إن ترك المقدمة، أو أتى بها.

و أمّا العقاب المولوي الثابت باعتبار حق الطاعة و المولوية، فلا بدّ و أن يرجع فيه إلى العقل الذي أدرك حق الطاعة لمعرفة موضوع هذا الحق.

و الذي ندركه بعقولنا هو: إنّ موضوع حق الطاعة هو أيضا ذاك الانفعال، بمعنى أن العقل يرى أن العبد بوجوده و عضلاته هو امتداد للمولى،

201

فلا بدّ أن لا يتخلّف عن المولى، كما أن عضلات المولى لا تتخلّف عن المولى، فكما أن المولى يحرص على أن لا ينفعل و لا يتألّم، كذلك العبد فإنه يجب عليه أن يحرص على أن لا ينفعل المولى و لا يتألم، فالعقل يدرك أن للمولى على العبد حق الطاعة بمقدار بحيث لا ينفعل، أو ما يعوّض عن الانفعال في مولى أجل من الانفعال، لأن مفروض الكلام بلغة البشر لا بلغة تنطبق على المولى الحقيقي سبحانه و تعالى، و إنما يعبّر بهذا التعبير القاصر من باب ضيق الخناق، و الخلاصة: إن الذي يحكم بحق الطاعة يحكم أيضا بحق الطاعة على موضوع ذاك العقاب الانفعالي، فموضوعه هو موضوع ذاك العقاب الانفعالي، فالعقل يقول: إن ذاك العقاب الانفعالي إذا صدر من المولى، فهو في محله، و إذا صدر من غيره فهو في غير محله.

فلو فرضنا أن شخصا مولى طلب الماء من عبده، و شخصا غير مولى طلب الماء من عبده، و كلا المأمورين لم يأتيا بالماء، فإن فعل كلا الموليين و عاقبا عبديهما، فهنا معنى حكم العقل بحق الطاعة كان يقول: إن هذا العقاب الانفعالي صدر من أهله، و وقع في محله، بينما العقاب الآخر الانفعالي لم يصدر من أهله، و لم يقع في محله. فالعقل لا يزيّد العقابات التي تقع بحسب تسلسل عالم الطبيعة، و إنما يصنف هذه العقابات من المنفعلين بحسب درجات استعلائهم على المعاقبين، إذن فيتطابق حينئذ العقاب المولوي على العقاب الانفعالي.

و نتيجة ذلك: إنّ مخالفة الأمر الغيري، بما هي مخالفة الأمر الغيري، لا تكون منشأ لاستحقاق العقاب، و إنما المنشأ لاستحقاق العقاب هو مخالفة الأمر النفسي.

نعم قد يكون فوات الأمر النفسي حاصلا من حين ترك المقدمة، بأن يفرض أن المكلف إذا لم يوقع هذه المقدمة في وقتها، فلا يتمكن من إيقاعها بعد ذلك، حينئذ بمجرد تركه للمقدمة فيستحق اللوم و العقاب، و لكن ليس عقابا على مخالفة الأمر الغيري، بل عقاب على مخالفة الأمر النفسي، و عليه‏

202

يكون هناك فرق بين الأمر الغيري و الأمر النفسي من حيث استحقاق العقاب.

و أمّا الكلام في الثواب على الأمر الغيري، فقد يقال: بأن المكلّف يستحق الثواب على إطاعة الأمر الغيري كما يستحقه على إطاعة الوجوب النفسي.

و هنا قد يفصّل في البحث كما فصّل في طرف العقاب، فكما أنه هناك يوجد عقاب انفعالي و عقاب مولوي، كذلك هنا يوجد ثواب انفعالي بمعنى الحافز الانفعالي للتعويض، إلّا أن الانفعالي هنا هو انفعال موافق، و قد كان هناك في العقاب انفعالا معاكسا، فإذا انفعل الإنسان انفعالا موافقا لفعل الغير، باعتبار أنه قضى حاجته، و استوفى غرضه، فينفعل انفعالا موافقا مع طبعه، و هذا الانفعال يشجّعه على التعويض عن هذا العمل فيثيبه عليه.

و أمّا الثواب المولوي: فهو الذي يكون باعتبار حكم العقل بحسن التعويض و استحقاقه على المولى، بمرتبة من مراتب الاستحقاق التي قد تكون استحبابية، و قد تكون لزوميّة.

أمّا في الثواب الانفعالي فلا إشكال في أنه لا يوجد إلّا انفعال واحد، إذن فلا يوجد إلّا سبب حافز واحد للتعويض، فلو فرض أن إنسانا ناقض غرض إنسان آخر مع طيّ مقدمات كثيرة، فهذا الشخص سوف لن يكون له إلّا انفعال واحد، باعتبار أنه استوفي له غرض واحد، و حيث أن هذا الانفعال هو الحافز على المثوبة، فلا يوجد إلّا حافز واحد للتعويض، و هذا هو معنى أن الأمر الغيري لا يكون سببا للمثوبة.

نعم هذا المنفعل بانفعال، و صار بصدد التعويض، سوف يختلف التعويض الذي يعطيه باختلاف الجهد المبذول من كثرة مقدمات أو قلتها، لا فقط بحسب حساب النتيجة.

فزيادة الجهد إذن لا تكون زيادة في أسباب الانفعال، بل هي زيادة في المسبّب، و هذا من قبيل ما إذا كان الواجب المطلوب مطلوبا ارتباطيا أي: إنّ‏