بحوث في علم الأصول - ج5

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
533 /
203

له أجزاء متعددة، فالحافز و السبب للمثوبة واحد، لأن الواجب هذا مطلوب بطلب واحد، لكن مع هذا، فرق بين هذا الواجب و واجب ارتباطي آخر أقل من الأول أجزاء و مشقّة، فلا إشكال في أن حجم مثوبة الأكثر أجزاء أكثر و أكبر من مثوبة قليل الأجزاء، فالحافز فيهما معا واحد، لكن حجم التعويض يتأثر بحجم الجهد المبذول.

إذن فيوجد ملاك واحد، و سبب واحد، للمثوبة الانفعالية، و الواجب الغيري لا يصلح أن يكون ملاكا و سببا للثواب، و إن كان يزيد في حجم المثوبة باعتبار أنه جهد مبذول.

و أمّا الثواب المولوي، فمعناه: حكم العقل بحسن التعويض، بخلاف الثواب الانفعالي الذي كان بمقتضى الطبع.

و هذا الثواب المولوي أيضا يقدّر موضوعه بحسب موضوع الثواب الانفعالي، فمعنى حكم العقل باستحقاق الثواب، أنه يلتفت إلى هذه الانفعالات الطبيعية، و يحكم بأنها صدرت من أهلها، و وقعت في محلها. إذن فنفس الثواب الانفعالي يحوّله العقل إلى ثواب عقلاني دون أن يضيف من عنده ثوابات أخرى.

إذن فالثواب المولوي له سبب واحد، و ملاك واحد، كالثواب الانفعالي، و عليه فلا يتعدّد الثواب بتعدّد المقدمات المأتي بها.

نعم حجم العوض يختلف باختلاف كثرة المقدمات و قلّتها، و بهذا صحّ ما عليه المشهور، من أنّ امتثال الأمر الغيري ليس سببا مستقلا لاستحقاق الثواب.

غير أن السيد الخوئي (قده) (1) خالف المشهور في ذلك، و ذهب إلى أن‏

____________

(1) محاضرات فياض: ج 2 ص 397 مطبعة الآداب النجف الأشرف 1385 ه.

أجود التقريرات: الخوئي ج 1 هامش ص 174.

204

امتثال الأمر الغيري بقصد التوصل إلى ذي المقدمة، هو بنفسه ملاك و سبب لاستحقاق الثواب، فكلّما كثرت المقدمات كثرت أسباب استحقاق الثواب، فمن أتى بالمقدمة و بذي المقدمة، استحق ثوابين، و من لم يكن لديه مقدمة و أتى بذي المقدمة، استحقّ ثوابا واحدا.

و هذا المدّعى، يقرّب تارة، بشهادة الواجدان، و ذلك، بأن الوجدان يقضي بأن كثرة المقدمات للوصول إلى ذواتها مثلا، يكون سببا لكثرة الثواب، و أخرى، يقرّب بأن الثواب المولوي، ملاكه تعظيم المولى، و كل تعظيم للمولى يستحق عليه ثوابا، و الإتيان بالمقدمة بنفسه تعظيم للمولى، فيستحق عليه ثوابا، و إذا ضمّ إلى هذا الإتيان بذي المقدمة، كان هذا تعظيما آخر فيستحق ثوابا آخر عليه، و كلا التقريبين لهذا المدّعى غير تام.

أمّا التقريب الأول: فالوجدان فيه مقبول، و لكنّ هذا لا ربط له بما هو محل النزاع، فإنّ ما هو محل النزاع، هو: إنّه هل يوجد حافزان و سببان للتعويض، أو سبب واحد؟. أمّا ما هو حجم التعويض، فالمشهور يسلّم بأن حجم التعويض لا بدّ و أن يتناسب مع الجهد المبذول من قبل المكلّف، و ليس بمعنى أن يكون التعويض كبيرا، و إنّ أسبابه كثيرة، و إنما معناه أن السبب الواحد و الجهد الواحد الذي بذله المكلّف في تحصيل غرض المولى، يتناسب مع هذا التعويض و يتناسب التعويض معه، و إلّا نقضنا بالواجبات الارتباطية في المقام، فلو أن الطواف وجب بنذر مثلا، فإن من أتى به يثاب بأقل ممّا يثاب من أتى بكل أفعال الحج، فهل هذا معناه أن الواجبات الضمنية تكون أسبابا مستقلة لاستحقاق الثواب، و يتعدّد الثواب بتعددها؟. طبعا، لا، بل السبب واحد للتعويض، لكن العوض المسبّب يقدّر حجمه بقدر ما بذله المكلف من جهد، و هذا يتأثر بزيادة الأجزاء و بزيادة المقدّمات.

و أمّا التقريب الثاني: و هو أنّ الإتيان بالمقدمة، تعظيم للمولى، و الإتيان بذي المقدمة تعظيم آخر.

هذا التقريب جوابه أن يقال: إن هذين الفردين من التعظيم، و إن كانا

205

تعظيمين للمولى، لكنّ الثواب الذي يدركه العقل، لا يتكثّر بتكثر التعظيمات، بل بتكثر ملاكات الثواب الانفعالي، فمجموع التعظيمات التي تدخل في ملاك واحد، تعتبر كلّها ملاكا واحدا لاستحقاق الثواب، و الدليل على ذلك هو النقض بالواجبات الارتباطية أيضا، فإنه لو ذهبنا مذهب السيد الخوئي (قده)، و قلنا: بأنّ الإتيان بالمقدمة كالوضوء، «تعظيم»، ثم الإتيان بالصلاة بعد ذلك «تعظيم» آخر، فالحج كذلك: الإحرام فيه تعظيم، و الطواف تعظيم آخر، و السعي تعظيم، و التقصير تعظيم و هكذا، كل هذه الأفعال حالها حال المقدمة، كل واحد منها تعظيم و ملاك مستقل للثواب، فهل أنّ الوضوء إذا صار جزءا لا يكون تعظيما للمولى، و إذا خرج عن كونه جزءا يكون تعظيما للمولى؟.

و حلّ هذا المطلب هو ما قلناه: من أنّ تعدّد الثواب المولوي ليس بتعدد أفراد التعظيم، بل بتعدّد ملاك الثواب الانفعالي، و ما دام الثواب الانفعالي له ملاك واحد، فالثواب المولوي له ملاك واحد يقتضي تعويضا واحدا، و إن اختلف حجم العوض بحسب الجهد و المئونة المبذولة، بلحاظ الأجزاء، و بلحاظ المقدمات.

و بعد أن اتضح أن حجم العوض مرتبط بحجم الجهد المبذول، نقول:

إنّ المقدمات تارة يؤتى بها بلا ربط بالمولى، أي: من دون قصد ذي المقدمة، ثم صدفة يقع منه الواجب النفسي، فلا إشكال في أنّ مثل هذه المقدمة لا تساهم في تطوير حجم العوض.

و لو فرض أن هذه المقدمة أتى بها المكلّف بقصد التوصل إلى ذي المقدمة، فلا إشكال في تأثيرها في حجم العوض، فالحاج الآفاقي يكون ثوابه أكثر، و الحاج من نقطة بعيدة جدا يكون ثوابه أكثر من الحاج من نقطة أقرب.

و إنما الإشكال في «صغرى» في المقام، و هي: إنّه هل يمكن للمكلف أن يتقرّب بالمقدمة، أي: يأتي بها بقصد امتثال أمرها الغيري فقط، دون قصد

206

التوصل إلى ذيها، و يكون مثابا على ذلك، أم لا؟.

المعروف أن هذا غير معقول، لأن قصد امتثال الأمر الغيري يستبطن، لا محالة، قصد امتثال الأمر النفسي، و التحرك عنه، إذن فلا يعقل انفكاكه عنه حتى يمكنه أن يتقرب بالأمر الغيري، مستقلا عن الأمر النفسي.

و هذا المدّعى صحيح، و قد قرّب بعدة وجوه:

الوجه الأول: و هو مبني على المقدمة الموصلة، حيث يقال: بأن الأمر الغيري متعلّق بالمقدمة مع التوصل، لا بالمقدمة فقط، إذ قصد امتثال الأمر الغيري، معناه، قصد الإتيان بمتعلق الأمر الغيري، و متعلق الأمر الغيري هو المقدمة مع التوصل، إذن فهناك قصد للتوصل، إذن فقصد امتثال الأمر الغيري يستبطن دائما قصد التوصل. لأن التوصل جزء من متعلق الأمر الغيري، و قد وجد.

و هذا الوجه غير صحيح لابتنائه على مغالطة حاصلها: إنّ قصد امتثال الأمر الغيري صحيح أن معناه قصد الإتيان بمتعلقه، و قد فرضنا أن قصد التوصل جزء متعلقه.

لكن أول الكلام إنما هو في قصد التوصل، لأننا نسأل: إنّ قصد التوصل هذا، من أين نشأ؟. هل نشأ من محركيّة الأمر الغيري، أو نشأ من محركيّة الأمر النفسي؟.

من الواضح بحسب مفروض الجواب هنا: إنّ قصد التوصل نشأ من محركيّة الأمر الغيري.

بينما قصد التوصل الذي قلنا بأنه لا إشكال فيه، إنما معناه، قصد التوصل الناشئ من محركيّة الأمر النفسي لا الغيري، إذن فالشخص القاصد للتوصل غير منبعث عن الأمر النفسي، و حينئذ، نحتاج إلى بيان لهذه النكتة، و هي كون الانبعاث عن الأمر الغيري، لا ينفكّ عن الانبعاث عن الأمر النفسي كما هو المدّعى في الجواب، و هذه النكتة لا تثبت بهذا الجواب، إذ غاية ما

207

يثبت به، هو: إنّ المكلّف القاصد لامتثال الأمر الغيري، و المنبعث عنه، لا بدّ له من قصد التوصل. و هذا نتيجة الانبعاث عن الأمر الغيري، و ليس نتيجة الانبعاث عن الأمر النفسي.

إذن بهذا الجواب لا يتبرهن استحالة الانفكاك بين الانبعاث عن الأمر الغيري و الانبعاث عن الأمر النفسي، كما هو المدّعى.

إذن فهذا الوجه لإثبات الملازمة غير صحيح.

الوجه الثاني: هو كالوجه الأول مبني على وجوب المقدمة الموصلة، و لكن سنخ الوجه فيه يختلف عن الوجه السابق.

و حاصله: إنّ الوجوب الغيري إذا كان متعلقا بطبيعي المقدّمة من دون قصد التوصل بالأمر الغيري، لأمكن أن نفرض شخصا يحركه الأمر الغيري، و لا يحركه الأمر النفسي، فمثلا أمر، «صلّ» لا يحرّكه نحو الوضوء، و لكن أمر «توضأ» يحرّكه نحو الوضوء، فيقصد امتثال الأمر الغيري للوضوء دون قصد امتثال الأمر النفسي.

و أمّا بعد فرض أن الوجوب الغيري متعلّق بالمقدمة الموصلة. إذا قلنا:

بأنّ التوصل إلى ذي المقدمة، مأخوذ في متعلق الوجوب الغيري، إذن فنفس المئونة الموجودة في الواجب النفسي، هي نفسها محفوظة في الواجب الغيري، لأن الواجب الغيري لا يتحقّق بمجرد الإتيان بالوضوء، بل بالوضوء الموصل، و فرض كون الوضوء موصلا، هو فرض وقوع الصلاة لا محالة، إذن فتتطابق المئونتان.

و حينئذ نقول: بأنه يستحيل أن يكون الأمر النفسي محركا للمكلّف، و لا يكون الأمر الغيري كذلك، لأنّ محركيّة الأمر، إنّما هو باعتبار الفوائد المترتبة عليه من الثواب، و دفع العقاب.

و من الواضح أنه لا يوجد مزيّة في أحدهما دون الآخر، فكلاهما يحرّك نحو الوضوء، أمّا الأمر الغيري فلأنه متعلّقه، و أمّا الأمر النفسي فلأنه يقتضي‏

208

سدّ تمام أبواب العدم، التي منها عدم الصلاة، لعدم الوضوء، إذن فكلاهما يحرّك نحو الوضوء، و مئونتهما نحو الامتثال متساوية، و لا يوجد مزية مرغّبة في العدول من النفسي إلى الغيري، إذن فلا يعقل أن ينقدح في نفس المكلّف التحرك عن الأمر الغيري، و لا ينقدح في نفسه التحرك عن الأمر النفسي، و هو معنى التلازم.

و الخلاصة، هي: إنّه لا يوجد- بناء على تعلّق الأمر الغيري بالمقدمة الموصلة- لا يوجد أيّة مزيّة في الآثار و المئونة بين الأمر الغيري و النفسي، ليعدل عن التحرك من الأمر النفسي إلى التحرك من الأمر الغيري، إذ إنّ كليهما يحرّك نحو الوضوء الموصل إلى الصلاة، أمّا الغيري فلأنه متعلقه، و أمّا النفسي فلأنه يقتضي سدّ تمام أبواب عدم تحقّق ذي المقدمة من ناحية مقدماته، إذن فلا يعقل اختصاص التحريك و الانبعاث نحو فعل المقدمة بالأمر الغيري، بناء على القول بالمقدمة الموصلة. و هذا التقريب صحيح بناء على وجوب المقدمة الموصلة.

الوجه الثالث: لبيان نكتة «التلازم» بين الانبعاث عن الأمر الغيري، و الانبعاث عن الأمر النفسي، هو ما ذهب إليه جملة من المحققين، و منهم المحقق الأصفهاني، (1) و حاصله:

هو أن الأمر الغيري غير مستقل في الوجود باعتبار أنه تابع في وجوده للأمر النفسي، و عليه فلا يكون مستقلا في المحركيّة أيضا، إذ محركيّته أيضا تكون تابعة لمحركيّة الأمر النفسي، كما لم يكن مستقلا في الوجود.

و كأنّ ترتيب الاستدلال بهذه الاصطلاحات، مأخوذ من كلام الحكماء القائلين: بأن كل ممكن غير مستقل في الوجود، إذن فلا يكون مستقلا في الإيجاد و الفاعليّة، لأن ما لا يستقل في وجوده، لا يكون مستقلا في فاعليته و إيجاده، و من هنا يصح القول بإنه: لا فاعل حقيقة إلّا اللّه تعالى.

____________

(1) نهاية الدراية: الأصفهاني ج 1 هامش 333 ص 334- 335.

209

و من هنا طبّق هذا المطلب على الأمر الغيري إذ حيث أنه غير مستقل في الوجود في مقابل الأمر النفسي، فلا يكون مستقلا في الفاعليّة، و المحركيّة، بل فاعليته من شئون فاعلية الأمر النفسي، و لا تنفك عنه.

و لكن هذا غير تام من ناحية تطبيق كلام الحكماء «في أنّ ما لا يكون مستقلا في الوجود لا يكون مستقلا في الإيجاد»، و إن كان صحيحا من حيث النتيجة، لأننا حينما نقول: فاعلية الأمر الغيري، أو فاعلية الأمر النفسي، يكون هذا تسامحا في التعبير، و إلّا فلا الأمر الغيري و لا النفسي هو الفاعل للوضوء خارجا، و إنما الفاعل و الموجد للوضوء خارجا، إنما هو المكلّف، و إنما الأمر بحسب الحقيقة يوجب ترتب فوائد على الوضوء مثل الثواب و غيره، و هذه الفوائد تكون علة غائيّة للعبد، تبعثه و تدعوه للإتيان بمتعلقه، متى ترتبت، و إلا فلا، إذن فمسألة «أنّ الوجوب الغيري غير مستقل في الوجود فهو غير مستقل في الإيجاد» أجنبيّة عن محل الكلام.

الوجه الرابع: لإثبات التلازم، هو أن استحقاق العبد للثواب من قبل المولى، إنما يكون إذا نزّل العبد نفسه منزلة المولى، فجعل عضلاته كأنها عضلات المولى، و وجوده كأنه امتداد لوجود المولى. في مثل هذه الحالة، يرى أن العبد يستحق الثواب، و من الواضح أنّ هذه الحالة، تستدعي أن يكون هناك تطابق بين إرادة العبد و إرادة المولى، لو كان هو المباشر. فلو فرض أنّ المولى هو المباشر للوضوء، فلا محالة تكون إرادته للوضوء غيرية مترشحة من إرادته للصلاة.

و العبد إذا صار في مقام الإطاعة، و صار موردا لمجازاة المولى، لا بدّ و أن يجعل من نفسه و وجوده امتدادا لوجود المولى و عضلاته.

و معنى هذا أن تتعلّق إرادته بالوضوء على نفس الوجه الذي تعلّقت إرادة المولى بالوضوء، و كذلك في الصلاة.

إذن فلا بدّ أن تكون إرادة العبد للوضوء إرادة غيرية كارادة المولى، و أن‏

210

يكون مراده الحقيقي هو الصلاة، و يكون الوضوء أمرا مقدّميا واقعا في طريق الصلاة.

و أمّا إذا تعاكست إرادة المولى مع إرادة العبد، فأتى بالوضوء من حيث هو هو دون قصد الصلاة، في مثل هذا، لا يقع العبد موردا للمثوبة و استحقاق التعويض بنظر العقل، لأنه لم ينزّل نفسه منزلة المولى كما هو مقتضى العبودية، إذ المولى يريد منه الوضوء غيريا، بينما ما أتى به العبد من وضوء، إنما كان عن انقداح إرادة نفسيّة لهذا الوضوء. و هذا الوجه هو أحسن الوجوه و أمتنها في بيان التلازم.

و قد اعترض على هذا الوجه المحقق العراقي (قده) (1)، حيث قال: بأنّ هذا الوجه منقوض بأن إرادة المولى للصلاة إرادة غيرية، حيث أنه يريدها لأنّها معراج كل تقي، و باعتبار الفوائد المترتبة عليها، و لكن إرادة العبد لها نفسية، فلو اشترطنا في العبد أن تتطابق إرادته مع إرادة المولى، للزم عدم استحقاقه للثواب، لأنّ أرادته للصلاة نفسيه، مع أن إرادة المولى لها غيريّة.

و هذا النقض غير وارد. لأن المدّعى في صيغة هذا التقريب هو: إنّ لزوم التطابق بين كيفيّة إرادة العبد و إرادة المولى من حين تبدأ مولوية المولى.

فهنا نقاط ثلاث، الوضوء، الصلاة، الفائدة المترتبة على الصلاة.

و المفروض كما تقدّم في تعريف الواجب النفسي و الغيري هو: إنّ المولى لم يعمل مولويته في الإلزام بالفائدة المترتبة على الصلاة، و إن كانت هي مراده النفسي الحقيقي بما هو كائن عاقل، لكن بما هو مولى فإن تمام مراده هو الصلاة، بينما إرادته للفائدة المترتبة على الصلاة لم يعمل مولويته في تسجيلها على العبد، و إنما بدأ تسجيله على العبد من الصلاة، كُتِبَ عَلَيْكُمُ‏

____________

(1) مقالات الأصول: العراقي ج 1 ص 114 المطبعة العلمية في النجف الأشرف 1358 ه. بدائع الأفكار: الآملي ج 1 ص 399- 400 المطبعة العلمية في النجف الأشرف.

211

الصِّيامُ‏ أَقِيمُوا الصَّلاةَ،* لا الفائدة المترتبة على الصيام و الصلاة، فالمولى بما هو كائن عاقل، إرادته تبدأ من الفائدة، لكن بما هو مولى، فإن إرادته تبدأ من الصلاة.

إذن فالإرادة النفسية للمولى، بما هو مولى، هي إرادة الصلاة و الصوم، و إرادته للفائدة لم تكن إرادته الحقيقية بما هو مولى، بل بما هو كائن عاقل.

و هذا معنى قولنا: إنّه «يلزم أن تتطابق كيفية إرادة العبد مع إرادة المولى، حينما تبدأ الإرادة المولوية للمولى» و إرادة المولى المولوية إنما تبدأ بالصلاة، أي: إنّ مراده النفسي إنما هو الصلاة لا الوضوء.

و هذا الوجه صحيح، و معقول وجدانا، و هو يفسّر لنا كيف يقصد الأمر الغيري بصورة مستقلة عن الأمر النفسي، كما أنه لا فرق في هذه الدعوى بين أن نقول بوجوب المقدمة الموصلة، أو بوجوب مطلق المقدمة.

الجهة الرابعة: و هي في الكلام عن خصوصية أخرى للأمر الغيري‏

، «و هي كونه توصّليّا»، بمعنى عدم توقفه على أكثر من الإتيان بمتعلقه، دون أن يحتاج إلى أزيد من ذلك، و ذلك، لأن الأمر الغيري لا يمكن تعلقه إلّا بواقع ما هو مقدمة، و الفرض منه لا يعقل أن يكون إلّا التمكين من ذي المقدمة.

و من الواضح أن التمكين من ذي المقدمة يحصل بمجرد الإتيان بالمقدمة، و هذا هو معنى الأمر التوصلي عند المشهور، فإنهم يرون أن الأمر التوصلي هو ما لا يحتاج للخروج عن عهدته إلى أكثر من الإتيان بمتعلقه، و يعرّفون الأمر التعبّدي، بأنه ما يحتاج للخروج عن عهدته إلى الإتيان بأكثر من متعلقه، إذ يحتاج إلى قصد الأمر، و قصد الأمر عندهم لا يعقل أخذه في متعلق الأمر، إذن فيحتاج إلى أكثر من الإتيان بمتعلّقه.

و بناء على هذا التعريف للأمر التوصلي، و الأمر التعبدي يقال: إنّ الأمر

212

الغيري أمر توصلي، لأنه لا يحتاج في مقام الخروج عن عهدته إلى أكثر من الإتيان بمتعلقه، لأن الغرض منه إنما هو التمكين من ذي المقدمة، و التمكين يحصل بالإتيان بذات المقدمة التي هي متعلق الأمر الغيري، إذن فهو لا يتوقف على شي‏ء آخر فيكون توصليا.

و من هنا يستطرق إلى إشكال يرد على الطهارات الثلاث، بدعوى أن الطهارات الثلاث، رغم أنها لا إشكال في مقدّميّتها، و كونها واجبات غيرية، إلّا أنها لا تنطبق عليها خصائص الواجب الغيري من القربية، و ترتب الثواب عليها، و قد قرّب هذا الإشكال بعده تقريبات:

التقريب الأول: هو أنه لا إشكال بأن الخروج عن عهدة الأمر الغيري المتعلق بالطهارات، لا يكون إلا بالإتيان بها على وجه التعبّد و التقرب، فلو لم يأت بها كذلك، فهو لم يأت بما هو المطلوب، و لم يخرج عن عهدة المقدميّة و حينئذ يقال: بأن التعبد و التقرب غير مقدور للمكلّف، و ذلك لأنه لا يمكن التقرب بالمقدمة، بقصد الأمر الغيري المتعلق بها، لأن الأمر الغيري غير مقرّب، و غير مبعّد، و غير موجب لاستحقاق الثواب و العقاب، إذن فكيف يأتي المكلف بالطهارات على وجه قربي تعبدي، مع أن التعبّد و التقرب يتوقفان على أمر بالفعل يكون صالحا للمقربيّة نحو المولى، و الأمر المتعلّق بالطهارات لا يصلح للتقرب به إلى المولى، إذن فكيف تكون الطهارات قربية؟.

و الجواب عليه هو: إنّ التقرب بالطهارات الثلاث، من ناحية الأمر الغيري المتعلق بها، و إن كان غير ممكن، و لكن التقرب به من ناحية نفس الأمر النفسي المتعلق بذي المقدمة ممكن، و هو المسمّى بقصد التوصل، باعتبار أن الأمر المتعلق بذي المقدمة، يحرّك نحو سدّ تمام أبواب العدم لذي المقدمة، و من جملة أبواب العدم عدم الصلاة بسبب عدم الطهارات. إذن فالأمر بذي المقدمة له محركيّة نحو الطهارات، و هنا يمكن للمكلف الإتيان بالطهارات بلحاظ محركيّة الأمر النفسي المعلق بذي المقدمة، و بذلك يكون‏

213

العمل قريبا لما تقدّم من أن المقدمة المأتي بها بقصد التوصل إلى ذيها، محسوبة على المولى فتدخل في تحديد العوض.

التقريب الثاني: و هو تعميق للتقريب الأول، حيث يقال: بأننا نسلم بأن الإتيان بالطهارات على وجه قربي و عبادي، أمر ممكن للمكلّف، و لكن يستشكل في أن الأمر الغيري لا يمكن أن يكون سقوطه متوقفا على قصد القربة، لأنه أمر توصلي، المقصود منه التوصل إلى ذي المقدمة، و هذا أمر يتحقق بمجرد الإتيان به على أي وجه كان.

و الجواب، هو: إنّه و إن كان الفرض من الأمر الغيري هو التوصل إلى الواجب النفسي، و هو يتحقق بمجرد الإتيان بالمقدمة.

لكن هنا نقول: بأنّ عباديّة الطهارات دخيلة في وقوعها مقدمة، بمعنى أن الصلاة تتوقف على الإتيان بالطهارة على وجه عبادي لكي يتحقق الغرض الغيري المقدمي منها، و من هنا اختلف المقام عن مثال نصب السلّم للكون على السطح الذي لم يؤت به عباديا، بل فيه لو أتي به نفسيا أيضا لترتب الكون على السطح.

و لكن هنا الأمر يختلف، فإنّ الصلاة متوقفة على الإتيان بالطهارات على وجه عبادي، بحيث تكون العبادية مقوّمة و دخيلة في مقدميّة المقدمة، و حينئذ لا يرد الإشكال، غاية الأمر أن كون العباديّة دخيلة في مقدميّة المقدمة لها شكلان:

فتارة تكون العبادية بنفسها ممّا يتوقف عليها الصلاة، فالصلاة تتوقف على أمرين: غسلات ثلاث و مسحات ثلاث، و الأمر الثاني، هو أن تكون هذه الغسلات و المسحات عباديّة، كما في الماء، فكما أنّ الوضوء بالماء غير الطاهر لا يكون مقدمة، كذلك الوضوء لا بقصد القربة لا يكون مقدمة.

الشكل الثاني لمدخلية العباديّة في مقدميّة المقدمة هو: ما أشار إليه‏

214

المحقق الخراساني‏ (1)، حيث افترض أن العباديّة بعنوانها ليست دخيلة، بل العباديّة بنفسها مقدمة للمقدمة، و تتوقف عليها المقدمة، حيث أنه تصوّر أن المقدمة ليست هي الوضوء بما هو غسل و مسح، و إنما المقدمة هي الوضوء المعنون بعنوان لاهوتي لا نعرفه، و هذا العنوان اللّاهوتي هو عنوان قصدي، بمعنى أنه عنوان لا ينطبق على مصداقه إلّا إذا قصد، إذ إنّ العناوين على قسمين:

أ- قسم منها ينطبق على مصداقه خارجا، سواء قصد أو لم يقصد، كعنوان الضرب، فإنه ينطبق على تحريك اليد على الآخر، سواء قصد عنوان الضرب، أو لم يقصده.

ب- و قسم آخر لا ينطبق على مصداقه خارجا إلّا إذا قصد ذلك العنوان و أشير إليه في عالم النفس، كعنوان التعظيم، فإنه لا ينطبق على القيام إلا إذا قصد به عنوان التعظيم، و هذا يسمّى بالعناوين القصدية، و بعد هذا يقال:

إننا نتصور أن المقدمة هي الوضوء بعنوان قصدي، من قبيل عنوان التعظيم بحيث لا يعقل تحقق ذاك العنوان خارجا إلّا إذا قصد، و المفروض أن ذاك العنوان لا نعرفه حتى نقصده، و إذا كنّا لا نعرفه حتى نقصده، إذن فنقصده بالمعرّف و المشير، و المعرّف و المشير هو الأمر، فنأتي بالوضوء امتثالا لأمره، و نقول: بأننا نأتي بذاك الوضوء المعنون بذاك العنوان اللّاهوتي الذي تعلّق به الأمر، فيكون هذا قصدا للعنوان الإجمالي الذي هو عنوان قصدي، فيتحقّق ذاك العنوان حينئذ، فلو لم يأت بالوضوء بقصد الامتثال لا ينطبق ذلك العنوان القصدي، لأنه لا يكون مقصودا، لا تفصيلا، و لا إجمالا، و أمّا إذا أتيت بالوضوء بقصد الامتثال، و جعلت الأمر معرّفا و مشيرا إلى ذاك العنوان اللّاهوتي، إذن فسوف يتحقّق ذاك العنوان.

و خلاصة الجواب هو: إنّ التوصل أو المقدميّة إذا كانت متوقفة على‏

____________

(1) كفاية الأصول: المشكيني ج 1 ص 178.

215

العبادية، فإنه لا بد من قصد التقرب بالمقدمة ليتحقق الغرض الغيري المقدمي.

و كأنه وقع خلط بين توصليّة الواجب الغيري، فإن الغرض منه هو التوصل به إلى ذي المقدمة، و ليس الغرض نفسه، و بين التوصليّة بمعناها المقابل للتعبّديّة و قصد التقرّب.

و أمّا بالنسبة لما أشار إليه المحقق الخراساني من مدخليّة العباديّة في مقدميّة المقدمة، فكان يغنيه عن التطويل لو قال مباشرة: إن العباديّة بنفسها دخيلة في المقدميّة.

و رغم هذا، فإنّ بيانه غير صحيح في نفسه، ذلك لأنّ هذا البيان ينتج كفاية الأمر الغيري وصفا، لا غاية، إذ أن الأمر الغيري تارة يكون مقصودا غاية بحيث يكون هو المحرّك، و أخرى يقصد وصفا، و إن كان الغرض و المحرّك شيئا آخر، فتكون نيّة المكلّف هي: أنه يأتي بالوضوء الذي تعلّق به الأمر الغيري، و لو سئل أنه لما ذا يأتي به؟ سيقول: من أجل التبرّك، فلم يأخذ الأمر الغيري غاية، بل أخذه وصفا لأجل أن يقصد ذاك العنوان الإجمالي، فهذا البيان يلائم مع قصد الأمر الغيري وصفا، كما يلائم مع قصده غاية.

مع أنه من الواضح أن قصد القربة المعتبر في الوضوء، إنّما هو بمعنى كون المولى، و أمر المولى، غاية للعمل، لا مجرّد كونه وصفا و قيدا في مقام تعنون هذا العمل.

إذن فهذا البيان لا يفيد، و إنما المفيد هو البيان الأول، حيث يقال: بأن العباديّة بنفسها دخيلة في مقدميّة المقدمة، و بهذا يندفع الإشكال الثاني.

التقريب الثالث: و هو تعميق أكثر للإشكال، حيث يسلّم بأن العبادية و القربيّة دخيلة في حاق المقدميّة، و أنّ ماهية المقدمة عبارة عن الوضوء القربي العبادي. إذن، فالأمر الغيري متعلق بالوضوء العبادي بما هو عبادي، لأن الأمر الغيري إنما يتعلق بما هو مقدمة، و ما هو مقدمة إنما هو الوضوء

216

العبادي، فتكون العباديّة مأخوذة في متعلق الأمر الغيري، و هذه العبادية في متعلق الأمر الغيري لها أحد منشأين، و كلاهما يلزم منه الدور:

المنشأ الأول: هو أن يقال: بأن عباديّة الوضوء إنما تكون بمعنى قصد امتثال نفس هذا الأمر الغيري المتعلق بالوضوء العبادي.

و هذا يلزم منه دور التعبّدي و التوصّلي، لأن هذه العبادية أخذت في متعلق الأمر، فالأمر الغيري تعلّق بالوضوء العبادي بما هو عبادي بحسب الفرض، فكيف يفرض أن هذه العبادية ناظرة إلى نفس هذا الأمر، و هذا دور.

ب- المنشأ الثاني: هو أن يقال: بأن هذه العبادية تتحقّق بلحاظ قصد التوصل إلى ذي المقدمة، لا بلحاظ قصد شخص الأمر الغيري المتعلق بالمقدمة.

و هذا أيضا دور، لأنّ قصد التوصل بالوضوء فرع كونه مقدمة، لأن ما لا يكون مقدمة، لا يعقل قصد التوصل به إلى شي‏ء آخر، إذ يكون أجنبيا عنه فلا يقصد التوصل به إليه، فقصد شي‏ء للتوصل إلى الصلاة، فرع أن يكون ذلك الشي‏ء مقدمة للصلاة، و كونه مقدمة و مصداقا للمقدمة، فرع أن يقصد به التوصل، يعني فرع أن يكون عباديا، لأننا فرضنا أنّ العبادية دخيلة في مقدّميّة المقدمة.

إذن فلا تكون مقدمة إلّا إذا قصد به التوصل، و لن يقصد به التوصل إلّا إذا كان مقدمة، و هذا دور.

و الخلاصة، هي: إنّ قربيّة المقدّمة، إن كانت من ناحية أخذ قصد امتثال نفس الأمر الغيري المتعلّق به، فهذا دور، بل هو غير معقول، لما تقدّم، من عدم قربيّة الأمر الغيري، و إن كانت قربيّة المقدمة من ناحية الأمر النفسي بذي المقدمة، أي: قصد بها التوصّل إلى ذي المقدمة، فهو دور أيضا، لأنّ قصد التوصل بها، فرع مقدّميّتها، و مقدميتها لونها قربية، فرع قصد التوصل، و الجواب على هذا التقريب هو: إننا نختار المنشأ الثاني، بعد البناء على تسليم‏

217

المنشأ الأول، و لزوم الدور فيه، فإنه رغم هذا لا يلزم الدور في المنشأ الثاني، و لا يتوقف قصد التوصل على قصد التوصل، لأنه يوجد هنا فرضان:

1- الفرض الأول: هو أنّ المقدمة عبارة عن مجموع الأمرين، من الفعل الخارجي، و الفعل الجناني الذي هو التقرّب.

2- الفرض الثاني: هو كون الفعل الخارجي منسلخا عن المقدميّة رأسا، و أن ما هو المقدمة، هو مجرد انقداح حالة التقرّب و التعبّد في النفس، من دون أن يكون للفعل الخارجي دخل أصلا.

و لا إشكال في بطلان هذا الفرض، فيتعيّن الفرض الأول، و معه يكون الفعل الخارجي حينئذ جزء مقدمة أيضا، و الجزء الآخر هو نفس قصد التوصل، إذ إنّ قصد التوصل فرع أصل المقدميّة لا تماميّتها. و جزء المقدمة مقدّمة، إذن بقصد التوصل بالجزء الأول، يحصل الجزء الثاني أيضا، إذن فيعقل قصد التوصل بالفعل الخارجي إلى ذي المقدمة، لأنّ قصد التوصل به ذيه، لا يتوقف إلّا على كونه دخيلا ضمنا في تحقّق ذي المقدمة، و الدخالة الضمنية محفوظة في المقام.

غاية الأمر أن نفس قصد التوصل أيضا، دخيل ضمني آخر، فلا دور في المقام، إذ لم يتوقف قصد التوصل على قصد التوصل.

و إنما يستحيل الإتيان بفعل بقصد التوصل، فيما إذا كان ذلك الفعل منسلخا عن المقدميّة رأسا، و أمّا إذا كان جزءا ضمنيا في المقدّمة، حينئذ يكون له دخل ضمني في تحقق ذي المقدمة، و يعقل قصد التوصل به إلى ذي المقدمة لا محالة.

و من حسن الصدفة هنا، أنّ نفس قصد التوصل هو الجزء الآخر من المقدمة، و بذلك تتم المقدمة حينئذ من دون أن يلزم دور في المقام.

إلّا أن المحقق الخراساني، في مقام الجواب على هذا الإشكال، اختار منشأ آخر، و هو: إنّ العباديّة لم تنشأ لا من ناحية الأمر الغيري، و لا من ناحية

218

قصد التوصل، و إنما نشأت من ناحية الأمر النفسي الاستحبابي، المتعلق بالوضوء، فإن الطهارات الثلاث مضافا إلى جنبة مقدّميّتها للصلاة الواجبة، فهي تتصف بالمطلوبية الاستحبابية النفسية، و هذا الطلب الاستحبابي النفسي هو المنشأ في عبادية الوضوء، و عليه فيؤتى بالوضوء بقصد هذا الأمر الاستحبابي النفسي، و فيه لا يلزم الدور.

و يعترض على هذا الجواب باعتراضين واردين عليه، كما يوجد بعض الاعتراضات غير الواردة عليه:

1- الاعتراض الأول: هو ما أشار إليه نفس المحقق الخراساني (قده) (1) ثمّ أجاب عليه.

و حاصل الاعتراض، هو: إنّه إذا كان المصحّح لعباديّة الوضوء، هو قصد الأمر النفسي الاستحبابي، فيلزم في حال عدم الالتفات إلى هذا الأمر النفسي الاستحبابي، و توجه المكلّف تمام نظره نحو الصلاة، و نحو الأمر الغيري، و نحو قصد التوصل، قلت: يلزم في مثل ذلك، أن يكون الوضوء باطلا، لأنه لم يقع على وجه عبادي، لأنّ عباديّته إنما هي من ناحية الأمر النفسي، و المفروض أنه لم يتحرك عنه، لأنه غافل، أو لأنه معتقد بعدمه، كما لو لم يثبت عنده الاستحباب النفسي، مع أنّ الضرورة قائمة على خلاف ذلك، على أن الوضوء يصح من المكلّف حتى لو كان غافلا عن الأمر الاستحبابي النفسي.

ثم إنّ المحقق الخراساني (قده) دفع ما أشكل به على نفسه بما حاصله‏ (2) تصوير الداعي على الداعي حيث قال: إنّ من أتى بداعي الأمر الغيري، و داعي التوصل إلى الصلاة، فهذا قاصد للإتيان بمتعلق الأمر الغيري، و متعلق الأمر الغيري إنما هو الإتيان بالفعل على وجه عبادي، و الفعل يكون‏

____________

(1) كفاية الأصول: المشكيني ج 1 ص 177- 178.

(2) كفاية الأصول: مشكيني ج 1 ص 178- 179.

219

عباديا إذا قصد به الأمر الاستحبابي النفسي، إذن فهو قاصد لبّا امتثال الأمر النفسي، فيكون من باب جعل الداعي على الداعي فيكون عنده داعيان:

الداعي الأول: هو الأمر الغيري، يدعوه إلى متعلقه، و هو أن ينبعث عن الأمر النفسي و هو الداعي الثاني، فيكون هذا الداعي مولّدا لداع آخر في طوله و هو داعويّة الأمر النفسي.

و بعبارة مختصرة، هي: إنّ من يأتي بالوضوء بداعي التوصل قاصد للإتيان بمتعلق الأمر الغيري الذي هو الفعل العبادي من ناحية الاستحباب النفسي، فداعويّة التوصل تبعث نحو داعوية الاستحباب النفسي.

و هذا الدفع لا محصّل له، و ذلك لأنّ تعدّد الداعي بنحو يكون أحد الداعيين مولّدا للداعي الآخر، و إن كان أمرا معقولا، و لكنّه إنما يكون معقولا مع الالتفات إلى الداعي الطولي الثاني، لأن الداعوية و الانبعاث عن جهة و عن غاية، هي فرع الالتفات إلى تلك الغاية، و أمّا مع عدم الالتفات إلى تلك الغاية بوجه، فإنه يستحيل الانبعاث عنها.

فالخلاصة: إنّ الأمر الغيري يمكن أن يكون داعيا لانبعاث الإنسان عن الأمر النفسي، و لا يمكن تحقق الانبعاث هذا من دون الالتفات إلى الأمر النفسي لكي يكون داعيا و محركا.

إذن فتعدد الداعي و طوليتهما، إنما يتحقق مع فرض الالتفات إلى كل منهما في مرتبته.

و أمّا مع فرض عدم الالتفات إلى كل منهما في مرتبته فيكون الداعي الأول عاجزا عن الالتفات إلى الداعي الثاني، لأن فرض الداعي الثاني هو فرع تحريك المكلّف إليه، و إلا فلا يحركه إليه ما دام أنه غير ملتفت إليه، فهذا الاعتراض يبقى مسجلا على المحقق الخراساني.

2- الاعتراض الثاني: المسجل على المحقق الخراساني هو: إنّه أحيانا يتفق أن ينطبق أمر استحبابي راجح على ترك الوضوء، بحيث لو قطع النظر عن‏

220

باب الصلاة و عن مقدّميّة الوضوء لها، لكان تركه كفعله متساويين في نظر الشارع، كما لو فرض أنّ من تستحب طاعته أمر بترك الوضوء لنكتة عقلائيّة، كحرصه على الماء لفرض أهم من الوضوء في نظره، فهنا ينطبق عنوان استحبابي على ترك الوضوء، و هو عنوان إجابة طلب من تستحب طاعته. في مثل ذلك، لو قطعنا النظر عن الأمر الغيري، و بقينا مع الأمر النفسي الاستحبابي المتعلق بالوضوء نجد أن هذا الأمر النفسي الاستحبابي المتعلق بالوضوء مزاحم باستحباب نقيضه.

و معنى هذا أن الاستحبابين في المقام اقتضائيّين لا محالة، و حينئذ لا يبقى معنى لأن يتحرك العبد و يتوضأ بلحاظ الاستحباب النفسي المتعلّق بالوضوء، باعتبار أن الفعل و الترك عند المولى أضحيا على حدّ سواء، لأن كلا منهما فيه ملاك مزاحم بمثله.

و من الواضح أن كل فعل تساوى مع تركه، لا يعقل التقرب به إلى المولى، إذا التقرب إنما يعقل بالفعل فيما إذا كان الفعل أرجح من الترك.

و في المقام فرضنا أن المصلحة في كلا الاستحبابين النفسيين في الفعل و الترك متساوية، إذن فلا يعقل الإتيان بالفعل بقصد الأمر الاستحبابي النفسي، بقطع النظر عن قصد التوصل، و عن الأمر الغيري.

و معنى هذا أنه يتعذّر عباديّة الوضوء لو كانت منحصرة بقصد الأمر النفسي الاستحبابي، لمزاحمة محركيّة هذا الأمر بمحرك آخر متعلق بتركه.

و في المقام الشي‏ء الذي يعقل محركيته، إنما هو الوجوب، و قصد التوصل، و المفروض أنه ليس مصحّحا للعبادية.

إذن فما هو مصحح للعبادية لا يعقل التحرك عنه، و ما يعقل التحرك عنه ليس مصححا للعبادية.

بل قد يفرض وجوب الترك أو عنوان محرّم ينطبق على الفعل لو لا مقدميّة الفعل، و كون فعل ذي المقدمة أهم، كما لو نهى الأب أو أمر بترك‏

221

الوضوء، و كنّا نقول بوجوب إطاعته. حينئذ يصبح ترك الوضوء واجبا و فعله محرما، و في مثل ذلك يستحيل محركيّة الأمر النفسي الاستحبابي المتعلق بالوضوء.

و حيث أنّ وجوب الصلاة أهمّ من رعاية أوامر الوالد و نواهيه، حينئذ يقدم وجوب الصلاة و يتوضأ بمحركية الأمر النفسي المتعلّق بذي المقدمة.

في مثل ذلك كيف نفسّر القربية في الطهارات، مع أنه لا أمر نفسي بها، إذن عباديّة الوضوء لا ينحصر أمرها بقصد الأمر النفسي الاستحبابي كما ذهب إليه المحقق‏ (1) الخراساني.

و أمّا ما هو غير وارد على المحقق الخراساني، و قد أورد عليه:

أولا: هو دعوى أنّ الاستحباب النفسي الذي يريد تصحيح العباديّة به، يزول بعد اتصاف الوضوء بالوجوب الغيري، لأنّ الاستحباب و الوجوب لا يمكن فعليّتهما معا على الوضوء، إذن فالوضوء بعد الزوال يتصف بالوجوب و لا يبقى الاستحباب على حاله، و مع زواله كيف يكون مصحّحا للعبادية؟.

و هذا الإشكال في غير محله، إذ قد يجاب عليه: بإن الاستحباب لا يزول بذاته، و إنما يزول بحدّه، إذ إنّه يندرج و يندمج مع الوجوب، و ينتج عنهما معا إرادة واحدة تكون ممثلة للاستحباب و الوجوب الغيري معا، و ما دام الاستحباب محفوظا، و إن كان بحدّه زائلا، فيمكن التقرب بقصده.

و لكن يمكن للمحقق الخراساني التخلص من هذا الجواب، و ذلك بأن يقال:

إنّه حتى مع افتراض صحة هذا الجواب يقع محذور، ذلك باعتبار أن هذه الإرادة الممثّلة للاستحباب و الوجوب، قد أخذ في موضوعها العباديّة، و المفروض أن العباديّة إنما تصحّ ببعض مراتب هذه الإرادة، إذن فيلزم محذور

____________

(1) كفاية الأصول: مشكيني ج 1.

222

أخذ قصد القربة في متعلّق شخص ذلك الأمر، إذن فلا يكفي لتصحيح المطلب أن يندكّ الأمر الاستحبابي بحدّه، بل يبقى المحذور لازما، باعتبار أن هذه الإرادة الواحدة قد أخذ في متعلقها العباديّة التي لا بدّ من تصحيحها من النشوء عن شخص هذه الإرادة، فيلزم الدور لا محالة.

و لهذا لا يكفي لتصحيح مقالة المحقق الخراساني أن يقال: بأن ذات الاستحباب محفوظة بحدّه.

بل لا بدّ هنا أن يقال: بأن الاستحباب و الوجوب معا موجودان بحدّهما، و ذلك باعتبار اختلاف متعلقهما، باعتبار أن الاستحباب النفسي متعلّق بذات الوضوء، بينما الوجوب الغيري متعلّق بالإتيان بالوضوء بقصد امتثال الأمر النفسي الاستحبابي، فالأول متعلّق بالمطلق، و الثاني متعلق بالمقيّد، و ما دام أن أحدهما متعلّق بغير ما تعلّق به الآخر، فلا بأس ببقاء كل منهما على حدّه.

في مثل ذلك يتم جواب المحقق الخراساني (قده) و هو: إنّه يمكن للمكلّف أن يتقرّب بلحاظ الأمر النفسي.

إذن فتمامية دعوى المحقق الخراساني (قده) ملاكها هو: انحفاظ كل من الأمر النفسي و الاستحبابي بحدّه، و ملاك هذه الدعوى هو: تغاير المتعلق فيهما لا طوليّتهما، و كون الأمر الغيري في طول الأمر النفسي، كما ذكر المحقق النائيني (قده) (1).

حيث ذكر أن الأمر الغيري، حيث أنه متعلّق بالوضوء، بقصد امتثال الأمر النفسي، فهو في طوله، و مع الطولية يبقى كل منهما على حاله.

و هذا الكلام غير صحيح، لأنهما إذا كانا متحدين في المتعلق، فيستحيل اجتماعهما بناء على تضادهما، و مجرد فرض الطوليّة بين الضدين، لا يصحّح‏

____________

(1) فرائد الأصول: الكاظمي ص 126- 127- 111.

فرائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 148- 153- 169.

223

اجتماع الضدين، و إنما المهم في تصحيح اجتماعهما إنما هو تغاير متعلّقيهما، فالنافع في كون كل منهما موجودا بحدّه، هو إبراز تغاير المتعلّقين، حتى لا يصير هناك اجتماع في البين، لا إبراز الطولية بين الإرادتين، لأن الإرادتين إذا كانتا على موضوع واحد، و كانتا متضادتين، فمجرد فرض الطولية بينهما، لا يرفع التنافي بينهما.

و الخلاصة: إنّه لا يوجد مشكلة في قربيّة الطهارات الثلاث، إذ لا أقل من إمكان استفادة استحبابها من مثل قوله «ع»: «التراب أحد الطهورين، و يكفيك عشر سنين»، منضما إلى مثل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ‏ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ‏

كما أنه لا إشكال في الثواب على الطهارات الثلاث كلّما جي‏ء بها بقصد قربي، سواء قصد الأمر النفسي الاستحبابي، أو أنه قصد بها التوصل، ما دام أنّ دليل الاستحباب لم يدل على اشتراط قصد الأمر النفسي بالخصوص في ترتب الثواب.

و بهذا يظهر أن ثبوت الاستحباب النفسي يكفي في دفع إشكال ترتب الثواب في جميع الحالات.

و لو فرض عدم تمامية الدليل على الاستحباب النفسي، حينئذ لا محالة، يكون مدرك الثواب في الطهارات الثلاث، الإجماع و نحوه من الأدلة اللبيّة، و هذه الأدلة لا إطلاق فيها لأكثر من موارد الإتيان بها، بقصد التوصل إلى غاية من الغايات الشرعية القربية.

و حينئذ أيضا يقال: بأنه لا إشكال في ترتب الثواب عليها، و لو من جهة كثرة الثواب على الغاية بسببها.

بل و كذلك لو فرض انعقاد إطلاق في معقد الإجماع على ترتب الثواب على الطهارات بعنوانها، و مستقلا عن غاية من غاياتها، كان هذا بنفسه دليلا بالملازمة على استحبابها، و كونها مطلوبة نفسيا.

224

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

225

الجهة الخامسة المقدمة الموصلة

الجهة الخامسة: و في كيفيّة صياغة وجوب المقدمة الموصلة إطلاقا و تقييدا على القول به، طرحت عدة احتمالات:

1- الاحتمال الأول: و هو المشهور بينهم، هو القول بالإطلاق في الوجوب و الواجب، و عدم تقييدها بقيد، أو شرط زائد على شرائط الوجوب النفسي، السارية إلى الوجوب المقدّمي، بحكم التبعية.

2- الاحتمال الثاني: هو ما يظهر من صاحب المعالم (قده) (1) من تقييد وجوب المقدمة بشرط إرادة ذيها، فلا تجب من دون ذلك.

و قد استشكل المحققون المتأخرون في معقوليّة هذا الاحتمال، و ادّعوا استحالته، و قد بيّنت هذه الاستحالة بأحد وجهين:

1- الوجه الأول: هو ما يظهر من المحقق العراقي (قده) (2)، حيث ذهب إلى أنّه شبيه‏

____________

(1) معالم الدين: الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني ص 73- 74.

(2) مقالات الأصول: العراقي 114- 115- 116.

226

بطلب الحاصل و هو مستحيل، إذ إرادة ذي المقدمة مستلزمة و مستبطنة لإرادة المقدمة لا محالة، فاشتراطها معناه: أنّ الوجوب الغيري مجعول في فرض إرادة الواجب، و هو شبيه بطلب الحاصل.

و هذا الوجه غير تام، لأنّ اشتراط الوجوب الغيري بإرادة الواجب النفسي، يتصور على أحد أنحاء:

أ- النحو الأول: أن يكون الشرط، إرادة الواجب النفسي، و سدّ أبواب عدمه من غير جهة هذه المقدمة.

و من الواضح أنه بناء على هذا يرتفع المحذور موضوعا.

ب- النحو الثاني: هو أن يكون الشرط، صدق القضيّة الشرطيّة القائلة:

إنّه لو أوجد هذه المقدمة لسدّ أيضا أبواب العدم الأخرى.

و هذا في الروح و إن كان راجعا إلى الأول، غير أنّه يختلف عنه صياغة، فالشرط هنا صدق القضية الشرطية نفسها، و الذي لا يستلزم فعليّة طرفيها، فلا يكون الاشتراط به في قوة الاشتراط بإرادة المقدمة.

ج- النحو الثالث: هو أنّ الشرط، هو إرادة ذي المقدمة إرادة فعليّة من كل الجهات، و هذا هو الذي يستلزم المحذور الذي أفاده المحقق العراقي (قده).

غير أن الصحيح عدم المحذور في هذا الفرض أيضا.

و ذلك لأنّ محذوريّة تحصيل الحاصل، إمّا أن تكون بنكتة التهافت، باعتبار كون طلب الشي‏ء مساوقا مع فقده، و فرض كونه حاصلا، تهافت، و تناقض.

و إمّا بنكتة اللّغوية، إذ الأمر من أجل قدح الداعي نحو المطلوب لتحصيله، فلو فرض حصوله، كان من اللّغو طلبه.

و كلتا النكتتين غير موجود في المقام، أمّا التهافت: فلأن الشرط إنما هو

227

إرادة الواجب لا حصوله، و أمّا اللّغوية بملاك عدم الداعوية: فلأن الوجوب الغيري عند القائلين به لا يكون استقلاليا في الجعل، و إنما هو تبعيّ قهريّ، فلا تكون اللغوية محذورا مانعا من وجوده، بل قد تقدّم أن الوجوب الغيري لا داعوية مستقلّة له، و إنما الداعوية للواجب النفسي دائما، فإشكال اللّغوية لا موضوع له في الواجبات الغيرية.

و هكذا يتضح عدم تماميّة الوجه المذكور على الاستحالة.

2- الوجه الثاني:

هو ما أفاده المحقق النائيني (قده) (1) و حاصله، هو: إنّ الوجوب الغيري لو كان مشروطا بإرادة ذي المقدمة، فمع عدمها، لا يكون وجوبها ثابتا لا محالة، و حينئذ لو كان الوجوب النفسي تابعا، لزم من ذلك التفكيك بين الوجوبين، النفسي و الغيري، مع أنّ قانون الملازمة على القول به، لا يفرّق فيه بين فرض الامتثال و عدمه، و لا بين مورد و مورد، و لو كان الوجوب النفسي مرتفعا أيضا كان معنى ذلك، اشتراطه بإرادة أيضا، و الاشتراط المذكور، إن كان بالصياغة الثالثة المتقدّمة، ففيه المحذور الثبوتي المتقدم، من طلب الحاصل و اللغوية، حيث أنه تام في التكاليف النفسية.

و أمّا إذا كان بالصياغة الأولى أو الثانية، فهو و إن لم يكن ذا محذور ثبوتي، و لكنّه باطل إثباتا، لوضوح عدم كون سدّ بعض أبواب عدم الواجب شرطا في وجوب الباقي، بل الوجوب ثابت للواجب من أول الأمر قبل أجزائه و قيوده.

و هذا الوجه في إبطال هذا الاحتمال صحيح لا غبار عليه.

____________

(1) محاضرات فياض: ج 2 ص 404 أجود التقريرات الخوئي ج 1 ص 232.

228

3- الاحتمال الثالث: هو ما ينسب إلى الشيخ الأعظم (قده) (1) في تقريرات بحثه، من أنّ الواجب الغيري إنما هو المقدمة مع قصد التوصل بها إلى ذيها، على نحو يكون قصد التوصل من قيود الواجب.

و قد ذهب السيد الخوئي (قده) (2) إلى أن هذا التقييد، هو نفس التقييد السابق الذي اختاره صاحب المعالم (قده) (3)، إلّا أن صاحب المعالم (قده) جعله من قيود الوجوب، بينما الشيخ (قده) جعله من قيود الواجب.

و لكن الصحيح هو الفرق بينهما من ناحية القيد أيضا، فإن القيد عند صاحب المعالم (قده) هو إرادة ذي المقدمة، و لكنّه مع ذلك يأتي بالمقدمة بغير قصد التوصل بها فعلا إلى ذي المقدمة، إذن فإرادة ذي المقدمة بمعناه الحقيقي، لا يساوق قصد التوصل بالمقدمة عند صاحب المعالم (قده).

و على أيّ حال فهذا الاحتمال و إن نسب إلى الشيخ (قده) إلّا أنّ عبارة التقرير مشوّشة، و لذلك يحتمل فيها عدة تفسيرات:

أ- التفسير الأول: هو كون قصد التوصل قيدا، أخذ في الواجب الغيري.

ب- التفسير الثاني: هو كون وقوع المقدمة امتثالا و عبادة، موقوفا على قصد التوصل بها إلى امتثال ذي المقدمة.

و هذا لو كان مقصودا، فهو صحيح، لما تقدّم من أنّ الوجوب الغيري بنفسه لا يكون قربيا، و إنما تكون قربيّة المقدمة بقصد التوصل إلى امتثال ذيها.

____________

(1) مطارح الأنظار: ص 71- 74.

(2) أجود التقريرات: الخوئي ج 1 ص 232.

(3) معالم الدين: الشيخ حسن بن الشهيد الثاني ص 73- 74.

229

3- التفسير الثالث: أن يكون المقصود، أخذ قصد التوصل في الواجب نفسه، كما في الاحتمال الأول، غير أنه في خصوص المقدّمات المحرّمة التي يتوقف عليها الواجب الأهم، فهي تقع محرّمة، إلّا إذا جي‏ء بها بقصد التوصل، فتكون واجبة.

و أمّا المقدّمة المباحة فهي مصداق للواجب المطلق، و هذا المعنى سوف يقع الحديث عنه حين التعرّض لثمرة البحث في وجوب المقدمة، إذ موضوع البحث هنا هو المعنى الأول، و هو القول باختصاص الوجوب بالمقدمة التي يقصد بها التوصل.

و هذا الاحتمال يواجه بدوا اعتراضا، إذ لا نكتة و لا ملاك في تقييد الواجب الغيري بقصد التوصل، لأنّ ملاك الوجوب الغيري للمقدمة، إمّا أن يكون حيثيّة توقّف الواجب النفسي عليها، و هو يقتضي وجوب مطلق المقدمة، و إمّا أن يكون حيثية حصول الواجب النفسي به، و هو يقتضي وجوب المقدمة الموصلة بالخصوص، فاعتبار قصد التوصل لا موجب له.

و قد حاول المحقق الأصفهاني‏ (1) في توجيه ذلك، بتقريب مؤلّف من مقدمتين:

أ- المقدمة الأولى: هي أنّ الحيثيات التعليليّة في الأحكام العقلية العملية أو النظرية، كلها ترجع إلى كونها تقييدية، بحيث تكون هي موضوع ذلك الحكم العقلي، فالحكم بجواز «ضرب اليتيم للتأديب»، موضوعه، «الضرب» التأديبي، و الحكم باستحالة الدور للتناقض، موضوعه استحالة التناقض، لا الدور بما هو دور.

و عليه يكون وجوب المقدمة الثابت بحكم العقل بالملازمة، موضوعها، «الموصل»، لأنه الحيثيّة التعليليّة للحكم المذكور.

____________

(1) نهاية الدراية: الأصفهاني ج 1 ص 347.

230

ب- المقدمة الثانية: إن الأحكام التكليفية لا تتعلق إلّا بالحصة الاختيارية من المتعلّق، إذ يستحيل البعث و التحريك نحو غير الاختياري، فالحصة غير الاختيارية لا تقع مصداقا للواجب، و إن كان محصلا للفرض، و العنوان الواجب لا يقع اختياريا إلّا إذا صدر عن قصد و إرادة و اختيار له، فإذا كان التوصل بعنوانه هو الواجب الغيري، فلا يقع مصداقا للواجب ما لم يصدر عن قصد.

و قد اعترض السيد الخوئي (قده) (1) على المقدمة الأولى، رغم موافقته على كبراها، من رجوع الحيثيّات التعليلية في الأحكام العقليّة إلى حيثيات تقييدية دائما حتى في أحكام العقل النظري.

اعترض على هذا بخروج المقام عن ذلك، لأنّ وجوب المقدمة المبحوث عنه، هو الوجوب الشرعي لا العقلي، و العقل مجرد كاشف عنه لكنّ هذا الاعتراض يلزم منه التهافت، إذ حتى لو سلّمنا بأن الحيثيات التعليلية في الأحكام العقلية مطلقا، العملية منها و النظرية، تكون تقييدية، فإنه مع هذا لا وجه لخروج المقام عن تلك القاعدة، إذ ليس دور العقل في الأحكام العقلية سوى الكشف و الإحراز، و خصوصا في أحكام العقل النظري، فالتسليم بتلك المقدمة يناقض الإعراض عليها.

و التحقيق في الجواب على هذا الكلام أن يقال:

أولا: إنّ رجوع الحيثيّات التعليليّة في الأحكام العقلية إلى حيثيّات تقييدية ما هو كلام موروث، يراد به الأحكام العقلية العمليّة لا النظرية، و التي منها وجوب المقدمة شرعا.

و توضيح ذلك، هو: إنّ الأحكام العقلية العمليّة إدراكات لأمور واقعية نفس أمرية، هي «الحسن و القبح» في الأفعال، و كونها ممّا ينبغي أو لا ينبغي،

____________

(1) محاضرات فياض: ج 2 ص 407.

231

و ليست كالأحكام الشرعية، جعول و إنشاءات بيد الجاعل، فإذا كانت حيثيّة «التأديب» مقتضية «لحسن الضرب». فلا معنى لافتراض أن موضوع هذا الحكم النفس الأمري هو «الضرب دون «التأديب» و ذلك ببرهان أنه: إمّا أن يكون الموضوع هو «الضرب» فقط، أو هو «الضرب مع التأديب»، أو «التأديب» فقط، و الأول غير معقول، إذ «التأديب» بعد أن كان هو ملاك «الحسن» كان أولى به من فاقده، فإن واجد الشي‏ء يعطيه لا فاقده، و الثاني خلف المفروض، إذ معناه، أن هناك حكمين عقليين على موضوعين حيثيين تقييديين، و ينتفي الثالث. و هو أن تكون حيثيّة «التأديب» هي موضوع الحكم العقلي.

و هذا بخلاف الأحكام الشرعية المجعولة، فإنها ربّما تجعل لا على حيثياتها التعليلية، كجعل الوجوب على الصلاة لكونها ناهية عن الفحشاء و المنكر، باعتبار عدم كون تلك الحيثيّة عرفيّة، أو عدم كون مصداقها متعينا له، أو غير ذلك من الموجبات التي تقدّمت في بحث الفرق بين الواجب النفسي و الغيري.

و كذلك القضايا العقلية النظرية في غير التشريعيات، فإن الحيثيّات التعليلية التي على أساسها أدرك العقل تلك القضايا ربّما تكون واسطة في الثبوت فقط، و ربّما تكون واسطة في العروض و حيثيّة تقييدية.

و هذا إنما يتعقّل هنا مع كونها أيضا كأحكام العقل العملي، أمورا لا جعليّة، باعتبار أنها أمور تكوينيّة وجودية، إذ قد تكون الحيثيّة العلّة هي معروض الحكم، و قد لا تكون معروضة للحكم، و إنما هي مجرد علة لإيجاده في معروض الحكم.

و هذا بخلاف الأحكام العملية، فإنها ليست وجودية خارجية، و إنما هي من نوع الإمكان و الاستحالة، فلا معنى لافتراض كونها موجبة لعروض الحكم على وجود آخر غيرها، إذ ليست هي مقدمات وجودية.

232

و من الواضح أن وجوب المقدمة شرعا، على القول به، هو من مدركات العقل النظري دون العملي، فلا تشمل القاعدة الموروثة في حيثيّات أحكام العقل.

و الخلاصة هي: إنّ هذه القاعدة، كلام موروث، يقصد منه الأحكام العقلية العملية لا النظرية، فعند ما يقال: «الضرب للتأديب حسن»، يكون «التأديب» «هو الحسن» لا أنّ «التأديب» يجعل «الضرب» بعنوانه «حسنا».

و ذلك لأن هذه الأحكام العملية أمور واقعية نفس أمرية، يدرك العقل موضوعاتها مباشرة و بالذات.

و هذا بخلاف المجعولات الشرعية، فإنها ربّما تؤخذ في لسان جعلها حيثيّات هي وسائط لثبوت الحكم على موضوع، و كذلك مدركات العقل النظري حيث قد تكون حيثيّة «ما» سببا لإدراك العقل حكما على موضوع ليست تلك الحيثيّة مأخوذة فيه.

و ثانيا: لو سلّمنا بذلك، فإنّ ما أفيد من لابدّية تعلّق الوجوب بالحصة الاختيارية بالخصوص من المقدمة، غير صحيح، إذ تقدّم في أبحاث التعبّدي و التوصلي، أنه لا يشترط تعلّق الوجوب بالحصة الاختيارية من الفعل خاصة، بل يمكن تعلّقه بالجامع بينها و بين غير الاختيارية.

ثمّ إنّه لو سلّم لزوم الاختصاص، و أنّ الباعثية لا تكون إلّا إلى الحصة الاختيارية من الفعل، فذلك إنّما يتم في الواجبات النفسية التي تجعل بملاك الداعوية، لا الواجبات الغيرية، التي لا تجعل- على القول بها- من أجل الداعوية، و إنّما هي واجبات قهرية تبعيّة.

و ثالثا: لو أنه سلّم بذلك، و افترضنا أن الواجب الغيري كالنفسي، مع ذلك نقول:

إنه يكفي في اختيارية الفعل،- بنحو يكون هو الشرط في التكليف‏

233

و البعث إليه- يكفي أن يكون صادرا عن قدرة العبد و التفاته، بمعنى عدم غفلته و جهله المركّب، فلو أنّ المكلّف ضرب شخصا بقصد إظهار قوته أمام الناس، و هو ملتفت إلى أنه سيؤدي إلى قتله، كان القتل الصادر اختياريا، و لو لم يكن من قصده القتل، بل كان قصده عنوانا آخر، إذن لا يشترط قصد العنوان في الاختيارية.

و عليه، فلو جاء المكلّف بالمقدّمة، بقصد آخر غير التوصل، و هو ملتفت إلى أنّه سوف ينقدح جزما، أو احتمالا في نفسه، بعد ذلك، أنه إنّما أراد فعل ذيها، كانت المقدّمة الموصلة اختيارية، و لو لم يكن لفاعلها قصد التوصل حينها.

و رابعا: لو سلّم باشتراط قصد العنوان و إرادته في وقوعه اختياريا، مع ذلك نقول: بأنه يكفي في انطباق هذا التكليف، أن يكون المعنون صادرا عن اختيار المكلّف و قصده، طالما يكون انطباق العنوان الواجب عليه قهريا، كما لو لم يكن من العناوين القصدية، كالاحترام و التعظيم، فلو صدرت المقدّمة من المكلّف، لا بقصد الإيصال، و لكنها كانت موصلة واقعا، كانت مصداقا للواجب، لكونها مصداقا للموصل لا محالة، و لو لم يكن انطباق عنوان الموصل، باختياره و قصده، إذ إنّه ليس بلازم، ما دام أن المعنون بقصده و اختياره و لو بعنوان آخر، و كان بإمكانه أن يقصده بذلك العنوان الواجب.

و لذلك لا يستشكل أحد في وقوع الواجب التوصلي، و لو جي‏ء به بغير العنوان الذي به وجب إذا لم يكن من العناوين القصدية، كما إذا أزال النجاسة عن المسجد بعنوان التجمل لا بعنوان التطهير.

و خامسا، لو أننا سلّمنا بجميع ما يتوقف عليه التقريب المذكور، فإنه مع ذلك لا تثبت مقالة الشيخ الأعظم (قده)، و إنما تثبت مقالة أخرى، هي القول باختصاص الوجوب الغيري بالمقدمة الموصلة مع قصد التوصل بها، و هو، كما ترى، جمع بين قيدي قصد التوصل و الموصليّة، و هذا جمع بين مقالتي الشيخ الأعظم (قده)، و صاحب الفصول (قده) و ليس هو مدّعى الشيخ‏

234

الأعظم (قده)، من وجوب المقدمة التي يقصد بها التوصل لو لم تكن بموصلة، و هذا ظاهر فيما لو أراد المحقق الأصفهاني (قده) من حيثية التوصل أو الموصليّة، الموصلية الفعلية.

و أمّا إذا أراد الموصليّة الشأنيّة الثابتة لكل مقدمة، فإنّ قصدها لا يتوقف على قصد التوصل، و بالتالي هي غير قصد التوصل الذي يدّعي اشتراط قصده في هذا الاحتمال.

و هكذا يتضح عدم صحة هذا الاحتمال في صياغة الواجب الغيري أيضا، إذ لا ملاك لتخصيص الوجوب بالمقدمة التي قصد معها التوصل.

4- الاحتمال الرابع: هو ما اختاره صاحب الفصول‏ (1)، من اختصاص الوجوب، بالمقدمة الموصلة إلى ذيها، فهي المصداق للواجب الغيري دون سواها. و البحث في هذا الاحتمال يقع في مقامين:

1- المقام الأول: يبحث فيه عن الإشكالات و البراهين التي أقيمت من قبل المحققين على إبطال مقالة صاحب الفصول.

المقام الثاني: يبحث فيه عن براهين ملاكات هذا التقييد في هذه المقالة. و من خلال البحث في هذين المقامين تتوضح الصيغة الصحيحة لهذا الاحتمال.

أما المقام الأول: فما برهن به على بطلان المقدمة الموصلة في هذا الاحتمال، يرجع بعضها إلى إبراز محذور، و استحالة التقييد بالموصلة ثبوتا، و يرجع الآخر إلى بيان عدم المقتضي للتقييد بالموصلة، و أهم تلك الإيرادات هي:

____________

(1) الفصول في الأصول: محمد حسين بن محمد رحيم ص 87.

235

* الإيراد الأول: و هو دعوى استحالة التقييد بالموصلة، لاستلزامه التسلسل في الواجبات الغيرية، كما ذهب إليه المحقق النائيني‏ (1) في دفع هذا الاحتمال.

و هذا التسلسل يمكن بيانه بأحد تقريبين:

التقريب الأول: هو أن الواجب الغيري لو كان هو المقدمة الموصلة بالخصوص، فالموصلة بما هي موصلة متقوّمة بذات الموصلة، تقوّم المقيّد بذات المقيّد و تقيّده بالقيد. فتكون ذات المقدّمة مقدمة للمقدمة، و حينئذ لا بدّ و أن تكون واجبة بوجوب غيري، فإن كان هذا الوجوب الغيري ثابتا لها بما هي موصلة أيضا إلى الموصلة، إذن واجهنا أيضا مقيّدا مركبا من ذات و تقيّد، فلا بدّ إذن من وجوب غيري آخر لتلك الذات المتقومة بها الذات الموصلة، و هكذا يتسلسل.

و إن كان الوجوب الغيري على الذات، بما هي، دون أخذ قيد الإيصال معها، فلتكن مقدمة الواجب الأولى كذلك من أول الأمر، إذ لا فرق في ملاك هذا الوجوب بين مقدمة و مقدمة.

و بتعبير آخر يقال: إنّ ذات المقدّمة التي صارت مقدمة ثانوية، إن كانت مقيّدة بالإيصال إلى المقدمة الأوليّة، فهي أيضا أصبحت مركبة من ذات المقدمة الثانوية، و إيصالها إلى المقدمة الأوليّة، فلا بدّ من وجوب غيري ثالث، و هكذا يتسلسل، و إن كانت غير مقيّدة بالإيصال، فلنقل بذلك من أول الأول بلحاظ المقدمة الأوّلية.

و هذا البرهان بهذه الصياغة يكفي في إبطاله أن يقال: إن الأجزاء المعبّر عنها بالمقدمة الداخلية، لا تتصف بالوجوب الغيري، لأنّ ملاك ذلك هو

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي ج 1 ص 237- 238.

فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 165.

236

التوقف في الوجود، و هو مخصوص بالمقدمة الخارجية، و أمّا الأجزاء الخارجية أو التحليليّة، فلا ملاك فيها للوجوب الغيري أصلا.

و بتعبير آخر يقال: إن ذات المقدّمة تكون جزءا و مقدّمة داخلية للمقدّمة الموصلة، و الوجوب الغيري على القول به، يترشح على المقدمة الخارجية، لأن نكتته التوقف في الوجود، و هذا مفقود بالنسبة إلى الأجزاء الداخلية.

التقريب الثاني لبيان التسلسل هو: أن الواجب الغيري لو كان هو المقدمة الموصلة بما هي موصلة، إذن فسوف تكون متقوّمة بذي المقدمة، إذ من دون ذلك، لا يتحقق الموصل بما هو موصل، و هذا معناه أخذ ذي المقدمة قيدا في الواجب الغيري، فيصير مقدمة المقدمة، و بالتالي واجبا بالوجوب الغيري، و باعتباره ذا المقدمة الموقوف تحقّقه على تحقق المقدمة فسوف يترشح بسببه وجوب غيري آخر على مقدمته، و باعتبار اختصاص الوجوب بالموصلة المتقوّمة بالموصل له، أي بذي المقدمة أيضا تتسلسل الوجوبات الغيرية لا محالة.

و بتعبير آخر، يقال: إن الواجب إذا كان هو الحصة الموصلة إلى ذي المقدمة، إذن أصبح ذو المقدمة قيدا في الواجب الغيري، و عليه فلا بدّ و أن يكون واجبا غيريا أيضا. و حيث أنه متوقف على المقدمة، فلا بدّ و أن يترشح وجوب غيري آخر من إيجاب ذي المقدمة على المقدمة، و هي أيضا مقيّدة بالإيصال إليه، و هكذا تتسلسل الوجوبات الغيرية.

و يمكن أن يجاب على هذا التقريب بوجوه:

الوجه الأول: هو ما سوف يأتي في محله، من أنّ القائل بالمقدمة الموصلة لا ينحصر معنى قوله، في أخذ التوصل قيدا، و إنما يريد بذلك معنى ينصبّ فيه الواجب الغيري على ذات الموصل، و هي غير متقوّمة بذي المقدمة.

أو فقل: إنّ القول بالمقدمة لا ينحصر معناه في أخذ التوصل قيدا، بل‏

237

له معنى آخر هو: إنّ الواجب الغيري عبارة عن العلّة التامة للواجب، أو ما هو بمثابتها، و هذا أمر واحد لا يتعدّد، كما سوف يأتي توضيحه، و هذا جواب آخر على التقريب الأول للتّسلسل.

الوجه الثاني: هو أنّ مقدمة المقدمة، إنّما تكون واجبة بالوجوب الغيري بملاك توقف ذي المقدمة عليها، لا بملاك توقف المقدمة عليها، فلو فرض محالا عدم توقف الواجب النفسي على مقدمة، حينئذ لا يبقى ملاك لوجوبها، لأن الواجب النفسي يتحقّق بحسب هذا الفرض بلا حاجة إلى تلك المقدمة، و المفروض عدم وجود ملاك نفسي فيها، و إلّا كانت واجبا نفسيا.

و في المقام، و إن كانت المقدمة الموصلة بما هي موصلة، متوقّفة على ذي المقدمة، فيكون ذو المقدمة مقدمة للمقدمة، إلّا ان هذه المقدمة لا تكتسب الوجوب الغيري، لعدم كونها ممّا يتوقف عليه ذو المقدمة، لأنها نفسه، و الشي‏ء لا يتوقف على نفسه، و إنما توقف عليه حيثيّة الإيصال من المقدمة، إذن فلا ملاك لوجوبه الغيري أصلا، فينقطع التسلسل.

و إن شئت قلت: إنه لو سلّمنا أنّ الوجوب الغيري يترشح على كل ما هو مقدمة، فلا إشكال في أن مبدأ هذا الترشح إنما هو الإيصال إلى الواجب النفسي لا الغيري، مهما تعدّد و تكثّر، لأن الوجوب الغيري تبعي غيري، و لا يمكن أن يدعو إلى نفسه، حيث يمكن أن يقال: إذا كانت المقدمة الثانوية مغايرة مع الواجب النفسي، أو الواجب الغيري الأول، كإخراج الماء للوضوء، أمكن أن يكون هناك وجوب غيري خاص به، و أمّا إذا كانت نفس الواجب النفسي، كما في قيدية ذي المقدمة لإيصال المقدمة- كما في التقريب الثاني- أو نفس الواجب الغيري الأول- كما في التقريب الأول- فإنّ ذات المقدمة تقيّد بإيصالها إلى ذي المقدمة، لا إلى المقدمة الموصلة، إذن فلا معنى لترشّح وجوب غيري جديد ليلزم التسلسل.

الوجه الثالث: هو أن هذا التسلسل المذكور ليس مستحيلا، و ذلك باعتبار أن الشوق أو الوجوب الغيري، لا يكون شوقا أو وجوبا فعليا في نفس‏

238

المولى، كي يلزم من ذلك التسلسل المستحيل في الوجود، و إنما هو شوق أو وجوب تبعي، بمعنى أنه لو لاحظه لاشتاق إليه و أوجبه، و حينئذ فلو فرض صحة الأصول المفروضة في التقريب المذكور، فإنّ غاية ما يلزم، هو أنّ المولى كلّما لاحظ المقدّمة الموصلة، حصل لديه شوق أو وجوب نحوه، فإذا التفت أيضا إلى أنها متقوّمة بذيها، حصل لديه شوق أو وجوب غيري نحوه أيضا، ثم إذا التفت و لاحظ أيضا توقفه على المقدمة الموصلة، اشتاق إليها ثالثة، و هكذا، فكلّما استمر في لحاظه و التفاته، حصل لديه الشوق و الوجوب الغيري، و هذا ليس بمستحيل، لأنه ينقطع حينما ينقطع اللحاظ لا محالة.

و هذا أيضا يكون جوابا على التقريب الأول للتسلسل.

و يمكنك أن تقول: إنّ هذا التسلسل في أساسه ليس مستحيلا، و ذلك لأنه قائم على الاعتبار و اللحاظ، إذن فهو ليس تسلسلا في الوجود، و إنما هو من التسلسل في الاعتبار، و ملاحظة حيثيّة الإيصال إلى المقدمة، و مثل هذا التسلسل ينقطع بانقطاع الاعتبار و الملاحظة.

و عليه، فلا محذور إذن في أن تكون هناك أشواق نفسيّة غيرية متسلسلة و مستمرة ما استمرت الملاحظة و الاعتبار في نفس الأمر، و لكنها تنقطع بانقطاع الملاحظة و الاعتبار.

و ليس مثل هذا تسلسلا في أساسه حتى يكون محذورا.

* الإيراد الثاني: على مقالة صاحب الفصول، هو دعوى استلزام القول بالمقدمة الموصلة لاجتماع المثلين و هو مستحيل، و ذلك باعتبار أن ذا المقدمة سوف يجتمع عليه الوجوب النفسي، باعتبار وجود الملاك النفسي فيه، كما يجتمع عليه الوجوب الغيري، باعتبار كونه ممّا يتوقف عليه الواجب الغيري، و هو المقدمة الموصلة.

و إن شئت قلت: إنه يلزم من القول بالمقدمة الموصلة اجتماع المثلين، أي: الوجوبين على ذي المقدمة، لما عرفت من أنه بناء على القول بالمقدمة

239

الموصلة، يكون ذو المقدمة قيدا فيها، فيترشح وجوب غيري عليه، فيجتمع فيه الوجوبان النفسي و الغيري.

و يجاب عليه أولا: بما تقدم من عدم دخول حيثيّة الإيصال تحت الوجوب الغيري، كي يستلزم صيرورة ذي المقدمة مقدمة للواجب.

و ثانيا: بما تقدّم أيضا من عدم ترشح الوجوب الغيري من الواجب الغيري، و إنما الوجوب الغيري من الواجب النفسي هو غير ذي المقدمة.

و قد أجيب عن هذا الإيراد، في كلمات السيد الخوئي (قده) (1) و غيره، بجواب آخر، و هو الالتزام بالتعدد ثم التأكد و الاشتداد في الوجوب و الشوق، باعتبار أنّ اجتماع الملاكين النفسي و الغيري يقتضي ذلك.

إلّا أنّ تطبيق هذا الجواب على المقام غير تام، لأن تأكّد الوجوب و الشوق كأصله، لا يتحقّق بلا ملاك، و إنما يتأكد الوجوب و الشوق في الوجوبين المنتهيين إلى ملاكين، لا إلى ملاك واحد هو الملاك النفسي، كما في المقام، إذ إنّ الملاك الواحد لا يعقل أن يزيد نفسه و يؤكّدها، كما هو واضح بالوجدان.

* الإيراد الثالث: على القول بالمقدمة الموصلة: هو استلزام الدور، و قد قرّب بأحد تقريبين:

التقريب الأول: هو بلحاظ عالم الوجود، حيث أن الواجب النفسي يتوقف على المقدمة الموصلة، و المفروض أنها متوقفة عليه فيدور.

و الجواب على هذا التقريب، هو: إنّ الموقوف عليه الواجب النفسي، إنما هو ذات المقدمة، و أمّا حيثيّة الإيصال فهي ليست مقدمة، و إنما هي محدّدة للواجب الغيري، و موجبة لاختصاص الوجوب بالحصة الموصلة من المقدمة فقط، و الذي يتوقف على الواجب النفسي، إنما هو هذه الحيثية، أي:

____________

(1) محاضرات فياض: ج 2 ص 414.

240

حيثية الإيصال بما هي موصلة، فالموقوف غير الموقوف عليه.

التقريب الثاني: استلزام الدور، بلحاظ عالم الوجوب، حيث يدّعى أن الوجوب الغيري يتوقف على الوجوب النفسي بحكم التبعية، فإذا صار الوجوب النفسي مقدمة المقدمة الموصلة، حيث توقّف وجوبه على وجوبها فقد دار.

و أجيب بأن وجوب ذي المقدمة الموقوف على وجوب المقدمة، ليس هو الوجوب النفسي له، الموقوف عليه وجوب المقدمة، و إنّما هو الوجوب الغيري، إذن فالموقوف غير الموقوف عليه‏ (1).

و يمكنك أن تقول: بأن الوجوب الذي يتولّد منه وجوب المقدمة، هو الوجوب النفسي لذي المقدّمة، و الوجوب الذي يتولّد من وجوب المقدمة، هو الوجوب الغيري لذي المقدمة، فلا دور.

لكن يمكن أن يقال: بأنّه يمكن أن يكون نظر صاحب هذا التقريب إلى مرتبة تأكّد الوجوب على ذي المقدمة، و أن لا يكون هناك إلّا وجوب واحد، و عليه، فيرجع حاصل هذا البرهان في هذا التقريب إلى أنه لو لم يقل بالتأكد بين الوجوبين، لصحّ لزوم اجتماع المثلين، و أمّا إذا قال بالتأكد، فلا يلزم إلّا التأكد بين الوجوب النفسي الذي هو في مرتبة العلة للوجوب الغيري، و بين الوجوب الغيري المعلول للوجوب النفسي و هذا يلزم منه التهافت في المرتبة، و هو مستحيل بنفس نكتة استحالة الدور.

و إن شئت قلت: بأنه يصح هذا الجواب لو كان المستشكل يفترض عدم التأكد، و أمّا إذا كان يرى لزوم التأكد بين الوجوبين، حينئذ يتجه المحذور حيث يقال: إن الوجوب النفسي يترشح منه وجوب غيري على المقدمة الموصلة، و يترشح منه وجوب غيري لذي المقدمة، كما في ترشّح الوجوب‏

____________

(1) محاضرات فياض: ج 2 ص 414.

241

الغيري للوضوء الموصل من الوجوب النفسي للصلاة، ثم يترشح منه وجوب غيري للصلاة، فإن بقي الأول و الثالث على وجوبهما من دون تأكد، لزم اجتماع المثلين، و إن اتحدا لزم تقديم المتأخر و تأخير المتقدم، لأنهما في مرتبتين مترتبتين، و هو تهافت، أو روح الدور.

و الجواب على هذا أولا: هو ما تقدّم في الوجهين السابقين من إبطال ملاك الوجوب الغيري لذي المقدمة.

و ثانيا: إبطال كون الوجوب الغيري معلولا و متأخرا عن الوجوب النفسي، و إنما هما معا تابعان للملاك النفسي، فلا مانع من تأكّدهما كما نؤكّد سائر الواجبات العرضية.

* الإيراد الرابع: هو ما يظهر من عبائر تقريرات المحقق العراقي في مقام اعتراضه على القول بالمقدمة الموصلة، حيث ذكر فيها من أن قيد الإيصال أخص مطلقا من المقدمة، فلا يمكن التقييد بالأخص.

و من الواضح أن هذا الكلام كأنّه التباس واقع في التقرير، و إلّا فالتقييد المستحيل هو أن يكون المقيّد أخصّ مطلقا، أو مساويا لقيده، فإذا كان كذلك، كان التقييد لغوا، لأن التقييد ليس إلّا عبارة عن التضيق و التخصيص.

و على هذا يشترط أن يكون المقيّد أعمّ من قيده، و لو من وجه. فإذا كان القيد أخص من المقيّد من وجه، فضلا عمّا إذا كان أخصّ مطلقا، صحّ التقييد كما في قولنا: «أكرم العالم الفقيه»، و مقامنا من هذا القبيل.

* الإيراد الخامس: هو ما أفاده المحقق الخراساني (قده) (1) في الكفاية، من أنّ المكلّف لو أتى بالمقدمة، و لمّا يأت بعد بذيها، فحينئذ، إمّا أن يقال ببقاء الطلب الغيري، أو بسقوطه للأول لا محالة، لأنه من طلب‏

____________

(1) بدائع الأفكار، الآملي. ج 1: ص 393 و مقالات الأصول- العراقي ج 114:

115.

242

الحاصل، و الثاني إمّا أن يكون بملاك الامتثال، أو العصيان، أو ارتفاع الموضوع، كما لو رجع الميّت حيّا فارتفع موضوع تكاليف موته، أو تحقق الفرض بفرد لا يمكن أن يعمه الطلب، إمّا لكونه غير مقدور، أو لكونه محرما، أو لا إلى أحد هذه الأسباب سوى الأول، لوضوح عدم العصيان و العقاب في المقام، و عدم بقاء الموضوع، و عدم المانع عقلا و شرعا، لشمول الوجوب لهذا الفرد، فلا محالة يتعيّن أن يكون السبب في سقوط الوجوب، هو الامتثال، و كونه مصداقا للواجب، و هو معنى عدم اختصاص الوجوب بالمقدمة الموصلة.

و إن شئت قلت: إنّ الوجوب الغيري إذا كان متعلّقا بالحصة الموصلة من المقدمة، فلو فرض أنه أتى بالمقدمة، و لمّا يشرع بعد بذي المقدمة، حينئذ، إذا فرض عدم سقوط الأمر الغيري، لزم منه طلب الحاصل، لأنه لم يبق شي‏ء إلّا ذو المقدمة، و إن فرض سقوطه، فسقوط أمر حينئذ، لا يكون إلّا بالامتثال، أو العصيان، أو ارتفاع الموضوع، أو تحقق الفرض بفرد منه، لا يمكن أن يعمّه الأمر، إمّا لكونه غير مقدور، أو لكونه محرّما، أو لا إلى أحد هذه الأسباب سوى الأول، و هو الامتثال، لوضوح عدم العصيان و العقاب، و عدم بقاء الموضوع، و عدم المانع عقلا و شرعا، لشمول الوجوب لهذا الفرد.

و حينئذ يتعيّن أن يكون السبب في سقوط الوجوب، هو الامتثال، و كونه مصداقا للواجب، و هو يعني تعلّق الأمر الغيري بذات المقدمة، و عدم اختصاص الوجوب بالمقدمة الموصلة.

و في مقام الجواب على هذا الإيراد نختار و نلتزم عدم سقوط الوجوب الغيري بفعل المقدمة.

و نجيب عن محذور تحصيل الحاصل، تارة بالنقض، و أخرى بالحل.

243

أمّا الجواب النقضي: فيمكن إيراده، تارة على مسالك صاحب (الكفاية) خاصة، حيث التزم في بحث الإجزاء، بإمكانية بقاء الأمر مع تحقّق متعلّقه، كما في «بحث تبديل الامتثال بالامتثال»، حيث التزم بمعقوليّته إذا لم يكن الفعل علة تامة لحصول الفرض، و كما في «بحث التعبدي و التوصلي»، حيث حكم ببقاء الأمر و عدم سقوطه إذا لم يأت بقصد القربة، رغم تحقّق متعلّقه، و هو ذات الفعل- لكون غرضه باقيا، مع أنّ إشكال تحصيل الحاصل وارد فيهما أيضا، بل فيهما لا جواب عليه أصلا، بخلاف المقام، كما ستعرف من خلال الجواب الحلّي.

و تارة أخرى ينقض عليه بالواجبات الضمنية التي لا إشكال في عدم سقوطها بتحقّق متعلقاتها التي هي الأجزاء الضمنية للواجب، مع جريان نفس البرهان المذكور في المقام ..

و أمّا الجواب الحلّي: فإن له صيغة بدوية لحل إشكال تحصيل الحاصل في الواجبات الضمنية، و حاصلها، هو أن الواجب الضمني إنما لا يسقط وجوبه قبل تحقق الكل، باعتباره مقيّدا بانضمام سائر الأجزاء، فالجزء الذي هو التكبيرة مثلا، مقيّدة بلحوق باقي أجزاء الصلاة بها، و هو غير حاصل قبل حصول الكل بتمامه.

و فيه إنّ غايته أنّ يكون الوجوب الضمني على المقيّد من ذات التكبيرة و تقيّدها بانضمام الباقي، فينحل إلى أمرين: واحد بذات المقيّد، و الآخر بالتقيّد، و لا معنى لافتراض كون الأمر الضمني المتعلّق بالمقيّد أيضا متعلّقا به بما هو مقيّد بانضمام التقيّد المذكور إليه، و إلا التسلسل.

و عليه، فيرجع الكلام بلحاظ الأمر الضمني المتعلّق بذات الجزء.

و الصحيح في الجواب الحلّي أن يقال: إن تحصيل الحاصل، إنّما يتعقّل بلحاظ الواجبات الاستقلاليّة التي تكون لها المحركيّة و الباعثيّة و المحصليّة، و أمّا الواجبات الضمنية فليست مستقلّة، و إنما هي أجزاء تحليليّة للوجوب،

244

فليس لها تحصيل مستقلّ، بل لها جزء التحصيل من خلال تحصيل الأمر الاستقلالي بالكل، فليس هناك طلب من المولى، إلّا طلب تحصيل واحد، باعتبار وجود وجوب واحد بالمركب، و هو تحصيل لغير الحاصل ما دام لم يتحقّق الكل بعد.

إذن فلا موضوع لإشكال تحصيل الحاصل في الوجوب الضمني، كما أنّه لا معنى لافتراض سقوطه، ما دام أنّه ليس وجوبا مستقلا.

و هذا الجواب كما يجري في الواجبات الضمنيّة، يجري في المقام أيضا، بناء على القول بالمقدّمة الموصلة، حيث أنه يرجع، بحسب الروح و الجوهر، إلى أنّ الحب و الشوق و الوجوب الغيري، متعلّق بمجموع المقدمات التي تساوق العلّة التامة التي لا تنفك عن ذي المقدمة، فتكون كلّ واحدة من المقدمات واجبا ضمنيا غيريا لا يسقط وجوبه بمجرد تحققها.

هذا بناء على كون إرادة ذي المقدمة من جملة المقدمات، و أن ترتّبه عليها تكويني، كما هو على مسلك القوم، و مثلها هجمة النفس التي يقول بها الميرزا (قده) بعد الإرادة.

و أمّا بناء على ما هو الصحيح، من تخلّل القدرة بين الإرادة و الفعل، فالمقدمات مجموعة لا تساوق العلّة التامة دائما.

و حينئذ لا بدّ من القول: إمّا بتقييد المقدمة الواجبة بالموصلة، فأيضا يكون الأمر بذات المقدمة ضمنيا، و إمّا القول: بتعلّق الوجوب الغيري بذات الحصة الموصلة الذي يعني تعلّقه بالحصة التوأم بناء على معقوليته.

و حينئذ أيضا لا يلزم تحصيل الحاصل، لأنّ ذات تلك الحصة غير حاصلة إلّا في موارد تحقّق ذي المقدمة.

نعم لو قيل بوجوب مطلق للمقدمة، لزم القول بسقوط الوجوب الغيري كي لا يكون الحاصل، و لا يجدي دفعه، كونه وجوبا تبعيا، فإنّ طلب‏

245

الحاصل و الشوق نحو أمر حاصل، مستحيل على المولى، حتّى لو التفت إلى المقدميّة.

* الإيراد السادس: هو ما ذكره المحقق الخراساني (قده)، و هو أن أخذ قيد في الواجب لا يكون جزافا، و إنما يكون باعتبار دخله في ملاك ذلك الوجوب الغيري، إذن فلا يمكن أخذه قيدا في الواجب.

و إن شئت قلت: إنّه لا يوجد مقتض لاختصاص الوجوب بالمقدمة أو الحصة الموصلة، إذ ملاك إيجاب المقدمة لا يمكن أن يكون ترتّب ذي المقدمة عليها، لوضوح عدم الترتب المذكور في غير الأفعال التسبيبية، إذن فلا بدّ أن يكون الملاك أمرا آخر، من إمكان ذي المقدمة، أو القدرة عليه، أو حصول ما لولاه لما حصل، أو التهيؤ و الاقتراب من فعل ذي المقدمة، على اختلاف في الصياغات المستفادة من كلمات المحقق الخراساني (قده). و كل هذه الحيثيات عامة لا تختص بالمقدمة الموصلة.

و هذا البرهان يختلف عن سوابقه، فإن السابق كان بصدد إبداء مانع و محذور في قيد التوصّل، بينما هذا البرهان في مقام بيان نفي المقتضي لقيد التوصل.

و توضيحه يتوقّف على معرفة ما هو ملاك الوجوب الغيري.

و يستخلص من كلما المحقق الخراساني (قده) و غيره عدة صيغ لهذا الملاك:

الصيغة الأولى: هي أنّ الملاك في الواجب الغيري، هو جعل ذي المقدمة ممكنا، و ليس الملاك وجود ذي المقدمة مباشرة، لوضوح أن وجوده ليس من الفوائد المترتبة دائما على المقدمة، لوضوح انفكاكهما في كثير من الأحيان، إلا في المقدمات السببيّة، و ما يترتب على المقدمة هو إمكان المقدمة، و ملاك الواجب الغيري لا بدّ أن يكون سنخ أمر مترتب دائما على المقدمة، هو إمكان ذيها، لا وجوده الخارجي.

246

و من الواضح أن التوصل ليس له دخل في الإمكان، إذ إنّه بمجرد نصب السلّم، يصبح التوصل إلى السطح ممكنا، سواء صعد أو لا.

و هذه الصيغة، لها مناقشة عامة، ستأتي «إن شاء اللّه»، و لها مناقشة خاصة.

و هي أنّ إمكان ذي المقدمة، إن أريد به ما يقابل الامتناع الذاتي، المسمّى بالإمكان الذاتي، فهو من شئون ذات ذي المقدمة، فافتراض كونه بسبب المقدمة خلف واضح.

و إن أريد به ما يقابل الامتناع الوقوعي، المسمّى عندهم بالإمكان الوقوعي، أي الذي لا يلزم من وقوعه محال، أي: لا تكون علّته محالة، فهذا إنّما يتوقف على أن لا تكون المقدّمة محالة، بل تكون ممكنة، و لا يتوقف على إيجادها كي يؤمر بها.

و إن أريد منه ما يقابل الامتناع بالغير، أي: إنّ وجوده بسبب وجود علّته، لا الإمكان بالغير، فهو يقابله الوجوب بالغير المساوق لوجود ذي المقدمة و هو خلف المقصود.

و مثل الإمكان، القدرة على ذي المقدمة، فإنها لا تتوقف على فعل المقدمة، بل على القدرة على المقدمة.

الصيغة الثانية: هي أن الملاك في وجوب المقدمة كونها موجبة للقدرة على ذيها.

و هذه تشبه الصياغة السابقة، و هذه الصياغة، فيها مضافا إلى الإشكال العام، أنّ القدرة على ذي المقدمة تحصل بالقدرة على مقدماتها، و لا تكون متوقفة على إيجادها، كيف و لو كانت كذلك لانقلبت المقدمة إلى مقدمة الوجوب، لأن القدرة شرط في التكليف، و معه يستحيل وجوب تلك المقدمة لما تقدّم من عدم ترشح الوجوب على مقدّمات الوجوب.

247

الصيغة الثالثة: هي أن يكون الملاك و الفرض من المقدمة، هو حصول‏ (1) ما لولاه لما حصل ذوها.

و قد يبيّن بتعبير آخر، كسدّ باب العدم لذيها من ناحيتها، كما عليه المحقق العراقي (قده)، (2) أو التهيؤ لفعل ذيها على تعبير آخر ثالث.

و هذه عبائر شتى ترجع إلى روح واحدة هي الاقتراب إلى ذي المقدمة الذي هو الواجب النفسي، و من الواضح توقفه على فعل المقدمة و إيجادها خارجا.

و يجاب عن هذه الصيغة: بأنّ هذه العناوين، و كذلك عنواني القدرة، و إمكان ذي المقدمة، لا يمكن أن تكون هي الفرض من إيجاب المقدمة، و إنما الذي يكون غرضا لإيجابها، إنما هو أصل وجود ذيها به، و الذي لا يكون إلّا في الحصة الموصلة منها، و الذي هو معنى كون الفرض في إيجاب المقدمة، هو التوصل.

و البرهان على هذا المدّعى، هو: إنّ أيّ غرض يفرض غير أصل وجود ذي المقدمة، فإمّا أن يفرض كونه غرضا نفسيا، أو إنّه غرض غيري من أجل غرض آخر.

و الأول: خلف، لأنّ المفروض عدم وجود أكثر من واجب نفسي له مقدمات، و لو فرض كون مثل التهيؤ مثلا غرضا نفسيا، كانت المقدمة موصلة بلحاظه دائما، لكونه فعلا توليديا.

و الثاني: إمّا أن يفرض أنّ ذلك الفرض الغيري كالتهيؤ مثلا هو أيضا من أجل غرض آخر غيري أيضا، أي لتهيؤ آخر، فيلزم التسلسل، و إن فرض أنه من أجل غرض نفسي آخر غير وجود ذي المقدمة، كان خلفا أيضا كالاحتمال‏

____________

(1) كفاية الأصول: مشكيني ج 1 ص 186.

(2) كفاية الأصول: مشكيني ج 1 ص 184- 185.

248

الأول، و إن فرض أنه من أجل وجود ذي المقدمة، كان معناه، أنّ الفرض من أوّل الأمر هو وجود ذي المقدمة لا غير، و هذا لا يكون إلّا مع الحصة الموصلة من مقدماته.

و هذا البرهان يطابقه الوجدان أيضا إذا راجع الإنسان عالم الأشواق و الإرادات الغيرية في النفس.

و هذا البرهان كما يكون برهانا على إبطال البرهان السابق، كذلك يكون بنفسه برهانا لإثبات اختصاص الوجوب الغيري بالموصولة من المقدمات، لأنّ الفرض إذا كان هو أصل وجود ذي المقدمة، فهو لا يكون متحقّقا إلّا مع الحصة الموصلة، و بهذا يكون المقام الثاني من البحث، و هو إثبات اختصاص الوجوب الغيري- على القول به- بالمقدمة الموصلة، برهانا عليه أيضا.

و بهذا يتم الكلام في تحقيق ما هو الواجب من المقدمات، و قد عرفت أنه الحصة الموصلة منها دون سواها.

249

صياغة وجوب المقدمة و معنى الموصل المعروض للوجوب الغيري‏

في هذا المقام. يوجد عدة تصويرات لذلك:

* التصوير الأول، هو أن يقال: بأنّ الواجب الغيري هو المقدمة بقيد ترتب ذيها عليها الذي يكون قيدا منتزعا من مرتبة متأخرة عن وجود ذي المقدمة أيضا، و هذا هو المعنى الذي كان يفرض للمقدمة الموصلة في إشكالات استلزام الدور و التسلسل، و اجتماع المثلين، باعتبار توقفه على ذي المقدمة، غير أنّه تقدّم عدم تماميّة تلك الإيرادات.

و إنّما الصحيح في ردّه هو أنّ أخذ حيثية الترتب في الواجب الغيري، معناه انبساط الوجوب الغيري عليها، مع أن الملاك في تعلّق الشوق و الوجوب الغيري بشي‏ء، ليس إلّا وقوعه في طريق تحقيق الواجب النفسي.

و من الواضح عدم دخل الحيثية المذكورة في ذلك، فلا يعقل أخذها فيه.

* التصوير الثاني، هو: أن يؤخذ قيد الموصليّة مع المقدمة، و يدّعى أنّها ليست متقوّمة بتحقق ذيها، و إنّما هي معلولة لذات المقدمة، فكل من الموصليّة و ذي المقدمة معلولان عرضيّان للمقدمة، و هذا هو الذي أفاده المحقق الأصفهاني (قده) (1) لدفع غائلة المحاذير السابقة.

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 166.

250

و فيه، أنّ هذا التصوير لا يدفع المحذور الذي أوردناه على التصوير السابق، من أنه لا يعقل تعلّق الوجوب الغيري بالحيثيّة المذكورة بعد فرض كونها غير دخيلة في إيجاد ذي المقدمة، و لو فرض ملازمتها مع المقدّمة الدخيلة في إيجاده، فإنّ الوجوب لا يسري من الملازم إلى اللّازم.

* التصوير الثالث، هو: ما أفاده المحقق العراقي (قده)، (1) من تعلّق الوجوب الغيري بالحصة التوأم مع سائر المقدمات و ذي المقدمة، و توضيح ذلك ببيان أمرين:

الأمر الأول: إنّ تعلق الأمر بشي‏ء، قد يكون بنحو الإطلاق، و قد يكون بنحو التقييد بقيد مع خروج القيد، و دخول التقيّد في موضوع الحكم، و قد يكون بنحو خروج القيد و التقيّد، و بقاء ذات المقيّد موضوعا للحكم، كقولك:

«خاصف النعل هو الإمام» (ع) حيث لا خصوصية «لخصف النعل» في إمامة الذات المقدّسة أصلا، و إنما موضوع الحكم المشار إليه هو الذات الشريفة.

الأمر الثاني: هو أنّ تعلّق الأمر بالمقدّمة بنحو الإطلاق خلف برهان المقدمة الموصلة المفروغ عن صحته، و تعلّق الأمر بها مقيّدة بانضمام سائر المقدمات للوصول إلى ذي المقدمة معناه: تقيّد كل جزء من المقدمة بالأجزاء الأخرى، و بالتالي توقف كل جزء على الآخر، و هو دور مستحيل. و لهذا حكم باستحالة افتراض كون الجزء في الواجب النفسي المركّب أيضا، مقيّدا بالأجزاء الأخرى، فيتعيّن أن يكون الوجوب الغيري متعلّقا بالحصة التوأم من المقدمة التي هي نتيجة التقييد.

و الجواب عن هذا، ببطلان كلتا المقدّمتين.

أما الأولى: فلما تقدّم مرارا من عدم معقوليّة الحصة التوأم في باب‏

____________

(1) مقالات الأصول: العراقي ج 1 ص 115- 116.

بدائع الأفكار: الآملي ج 1 ص 388- 389.

251

تقييد المفاهيم و القضايا الحقيقيّة، و إنما يتعقل أخذ القيد مشيرا إلى الحصة من المصاديق المتشخّصة في الخارج بقطع النظر عن التقييد.

و أمّا الثانية: فلوضوح عدم الدور، فإنه من الخلط بين المقدمة الشرعية و المقدمة العقليّة، لأن لازم تقييد كل جزء بالجزء الآخر، أو كل مقدمة بالأخرى، لازم ذلك، أنّ الجزء المقيّد بما هو مقيّد، متوقّف على تحقّق ذات الجزء الآخر، و كذلك العكس، لا توقّف ذات الجزء على الجزء الآخر، فالموقوف غير الموقوف عليه.

* التصوير الرابع: هو أنّ الوجوب الغيري متعلّق بمجموع المقدّمات المساوقة مع العلة التامة، و حصول ذي المقدمة، و لكن لا بعنوان المقدميّة و العليّة التي هي كالموصليّة، عناوين انتزاعيّة لا دخل لها في وجود ذي المقدمة، بل يتعلّق الوجوب بواقعها و عنوانها الذاتي، دون أخذ حيثيّة الإيصال تحت الوجوب و الشوق الغيري.

و هذا هو التصوير الصحيح، غير أنه ربّما استشكل فيه من وجوه:

الوجه الأول: توهّم اختصاصه بالمقدّمات التوليدية التي تساوق العلة التامة دون غيرها التي يبقى بينها و بين تحقيق ذيها اختيار و إرادة.

و هذا فيه، أن من جملة أجزاء المقدمات، الإرادة نفسها، فلو أخذها حينئذ في المجموع، كانت مساوقة مع العلة التامة.

الوجه الثاني: هو أنّ أخذ الاختيار معها غير معقول، لأنّها ليست باختيارية و إلّا تسلسل، و التكليف لا بدّ و أن يتعلّق بالفعل الاختياري.

و هذا فيه أولا: عدم اشتراط الاختيارية في الواجبات الغيرية التي هي قهرية على ما تقدّم، فإنّ المحذور في التكليف بغير المقدور، إمّا هو عدم إمكان الباعثيّة و الداعويّة، و هذا مختص بالواجب النفسي، و إمّا إحراج المكلّف و إيقاعه في العصيان، و هذا أيضا غير حاصل في الوجوب الغيري، إمّا

252

لأنه لا عقاب عليه كما تقدّم، و إمّا باعتبار أن الإحراج بهذا المقدار، واقع بلحاظ الواجب النفسي على كل حال.

و فيه ثانيا: أنه يمكن افتراض اختيارية الاختيار، سواء فسّرناه بالإرادة، كما عن المحقق الخراساني (قده) (1)، أو فسّرناه بإعمال القدرة و هجمة النفس، كما هو عند المحقق النائيني (قده) (2)، و ذلك باختيار مقدماته من التأمل و البحث عن المصلحة، و نحو ذلك، فإنه بذلك، يصبح إرادة الفعل الاختيارية، إمّا بالإرادة و الاختيار الموجود قبلها كما هو مسلك المحقق الخراساني (قده) (3)، حيث يشترط في اختيارية الاختيار وجود اختيار و إرادة قبله، أو بنفسها، كما هو مسلك المحقق النائيني (قده)، حيث يرى أن اختيارية كل شي‏ء غير الاختيار، تكون بالاختيار، و لكن اختيارية الاختيار تكون بنفسها، لرجوع كل ما بالعرض إلى ما بالذات.

و عليه، فيمكن الأمر الغيري بمجموع المقدّمات التي منها اختيار الفعل المساوق مع العلة التامة، و هذا هو الجواب الذي اختاره المحقق الأصفهاني‏ (4) لرد الاعتراض المذكور.

غير أن الصحيح عدم تماميّة ذلك، باعتبار ما تقدّم سابقا، من أنّ تعلّق الإرادة بالإرادة مستحيل، لأنّ الإرادة في الصور الاعتيادية، لا تكون إلّا عن مصلحة في المراد، فإذا كان الفعل المراد كامل المصلحة، فهو يقتضي تحقّق إرادة الفعل ابتداء، و إلّا فكما لا تتحقق تلك الإرادة، لا تتحقق إرادتها أيضا، لعدم ملاك فيها غير الملاك الطريقي الثابت في الفعل نفسه، و الذي افترض عدم تماميّته.

____________

(1) نهاية الدراية: الأصفهاني ج 1 ص 354- 355.

(2) بدائع الأفكار: الآملي ج 1 ص 392.

مقالات الأصول: العراقي ج 1 ص 116.

(3) كفاية الأصول: مشكيني ج 1 ص 100- 190.

(4) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 68- 69.