بحوث في علم الأصول - ج5

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
533 /
253

ربّما يقال: إن احتمال وجود مصلحة في الفعل توجب الإرادة الطولية، و ذلك بإرادة البحث و التأمل في وجود المصلحة في الفعل، و عدم وجودها، فيحصل التصديق ثمّ العزم و الجزم و الإرادة، فلا يلزم تعلّق الإرادة بالإرادة، كي يقال باستحالته.

فإنه يقال: بأن إرادة الفعل غير موقوفة على حصول العلم بالمصلحة فيه، بل احتمالها أيضا كاف لقدح الإرادة نحوه، غايته أنه قد يفرض وجود مشقّة في الفعل، و لذلك لو فرض عدم أيّ مشقّة فيه، لأقدم عليه و أراده، ففي المورد المذكور توجد إرادة للفعل في الواقع، و لكنها ضعيفة بحاجة إلى دفع المزاحم لها بالفحص و التأمل، فلا تكون إرادة للإرادة.

و قد يقال: بأنّ هذا المقدار كاف لإراديّة الإرادة، فإن وجود الإرادة الشديدة إنما جاءت بسبب إرادة دفع المزاحمات، فكانت بالتسبيب إراديّة، و إن لم تكن بنفسها إراديّة، اللّهم إلّا أن يشترط في إرادية شي‏ء نشوؤه عن إرادة مباشرة.

الوجه الثالث: هو أنّ أخذ الإرادة مع سائر المقدمات، لا يجدي في صيرورة المقدمة موصلة، لأنّ مجموعها مع الإرادة أيضا، لا تكون علة تامة كي تساوق الإيصال، و ذلك لما تقدّم من أن حصول الإرادة نحو الفعل، لا يستلزم أن يكون الفعل واجبا بالغير، بل لا يزال ممكن الوجوب، و للمكلّف أن يتركه بمقتضى سلطنته التي قلنا إنّها غير مفهوم الوجوب بالغير.

و الجواب، هو: إنّ برهان اختصاص الوجوب بالمقدمة الموصلة، لم يكن يقتضي الاختصاص بالمقدمة التي يستحيل أن ينفك عن ذيها بمعناها المعقولي الفلسفي، إذ لا موجب لأخذ ذلك قيدا، و إنما تمام النكتة و الملاك هو إيجاب المقدمة التي يضمن معها حصول ذي المقدمة بحسب عالم الأفعال الاختيارية الذي هو عالم التكاليف، لا عالم الأفعال الطبيعيّة القسرية الذي هو عالم الوجوب و الامتناع.

254

و من الواضح أن مجموع المقدمات، بما فيها الإرادة الكاملة الواجدة لمقتضياتها، الفاقدة لمزاحماتها في عالم الأفعال الاختيارية، هو الذي يضمن معه حصول ذي المقدمة، فإن هذا هو الطريق الذي لا ينفك عن ذي المقدمة بالمعنى المناسب مع باب السلطنة و الاختيار، فإن العاقل إذا تمّت عنده كل هذه، حقّق المراد لا محالة.

الوجه الرابع: هو أن الأمر بالإرادة غير معقول، باعتبارها المقتضي المباشر للإيجاب النفسي على ذي المقدمة، لما هو ثابت في محله، من أنّ الأمر بشي‏ء يتضمّن قدح الداعي و الإرادة في نفس المكلّف نحو الفعل، فكيف يكون ذلك مأمورا به أيضا بالأمر الغيري، فإنه من تحصيل الحاصل.

و جوابه: هو ما تقدّم، من أنّ الأمر الغيري ليس بداعي المحركيّة و التحصيل، كي يشكل عليه بإشكال تحصيل الحاصل، و إنما هو أمر تبعي قهري.

و لو فرض أنّه من أجل المحركيّة و الباعثيّة، فلا وجه لتخصيص الإشكال بالإرادة خاصة من أجزاء المقدمة، بل سائر أجزائها أيضا تكون إرادتها متضمّنة للوجوب النفسي.

الوجه الخامس: هو أن الأمر بالشي‏ء، إنما هو لقدح الإرادة في نفس المكلّف نحوه، فالأمر بالمقدّمة إنما يكون لقدح إرادة تلك الإرادة، مع أنّ الإرادة لا تكون من مقدمات حصول الواجب خارجا، بل يتحقّق الواجب من دونها دائما أو غالبا، فكيف يكون مطلوبا غيريا.

و جوابه: هو أنه مضافا إلى ما تقدّم من عدم كون الأمر الغيري لقدح الإرادة نحو الغيري، فإن هذا من الخلط بين المطلوب التشريعي للمولى، و المطلوب التكويني له، فإن الإرادة التي تنقدح بالأمر هي مراد تكويني للمولى يحصّله بنفس أمره، فهو فعله بالتسبيب، و هو من مقدّمات التحصيل، و ليس من مقدمات حصول الواجب، ليكون فعله مطلوبا من الغير تشريعا و لو غيريا.

255

و بعد استعراضنا لبراهين عدم اختصاص الوجوب بالمقدمة الموصلة، فقد تحصّل لدينا البرهان على المقدمة الموصلة أثناء مناقشتنا للبرهان السادس.

ثم استعرضنا الصياغات المتصورة للمقدمة الموصلة، و استقرّ رأينا على آخر تلك الصياغات، مع دفع الاعتراضات المتوجهة إليها، و قد بقي علينا أن نبحث في الأدلة التي أقامها مؤسّس نظرية المقدمة الموصلة صاحب الفصول (قده) و هذه هي:

الدليل الأول: و يتمثل في الإحالة على الوجدان القاضي بأنّ الشخص إذا أراد (1) شيئا، فإنما يريد خصوص الحصة الموصلة من مقدماته، لا طبيعي المقدمة الجامع بين الموصلة و غيرها.

و نحن إن قبلنا هذه الإحالة، إلّا أنها ليست دليلا ملزما في مقابل القائلين بوجوب مطلق المقدمة، فإنهم أحالوا على الوجدان أيضا، و بذلك تكون الإحالة على الوجدان قد صدرت من كلا الطرفين.

الدليل الثاني: يتمثل في دعوى شهادة الوجدان بصحة تصريح المولى‏ (2) بأنه يريد خصوص الحصة الموصلة من المقدمة، مع أن الوجوب لو كان متعلقا بطبيعي المقدمة لكان هذا التمييز من قبل المولى جزافا.

و هذا الوجدان هو عين الوجدان السابق، غاية الأمر، أنّ ذاك وجدان نفس المطلب المدّعى، و هذا وجدان صحة الإخبار عن ذاك المطلب المدّعى، فهناك لوحظ مقام الثبوت، و هنا لوحظ مقام الإثبات.

الدليل الثالث: هو أنّ المولى يمكنه أن يحرّم‏ (3) المقدمة غير الموصلة

____________

(1) كفاية الأصول: مشكيني ج 1 ص 100- 190.

(2) نهاية الدراية: الأصفهاني ج 1 ص 207.

(3) الفصول في الأصول: محمد حسين بن محمد رحيم ص 87.

256

فيقول: «إذا غرق إنسان في نهر ساحله مملوك، أنقذ هذا الغريق، و أحرّم عليك أن تتصرف بالأرض تصرفا لا يترتب عليه إنقاذه».

و هذا البيان، إن أراد به صاحب «الفصول» إقامة برهان على مدّعاه، فهو ليس ببرهان على ذلك، لأنه غاية ما يثبت هو اختصاص الوجوب بالمقدمة الموصلة، فيما إذا حرّم المولى غيرها، و هذا لا إشكال فيه، فإن الوجوب الغيري دائما يختص بالفرد المباح من المقدمة حتى المقدمة الموصلة حينما يكون لها أفراد.

نعم إذا كان مراده من هذا البيان، الرد على أولئك القائلين بأن اختصاص الوجوب بالمقدمة الموصلة، غير معقول في نفسه للدور أو التسلسل و غيره، إذا كان مراده هكذا، لكان كلامه وجيها، فإنّه لو كان يلزم الدور، فما ذا يقولون حين يحرّم المولى غير الموصلة؟.

فإن قلتم باختصاص الوجوب بالموصلة، فيأتي إشكال الدور.

و إن قلتم بأنّ الوجوب لمطلق المقدمة، كان هذا خلف المفروض من تحريم المقدمات غير الموصلة.

إلّا أنّ المحقق الخراساني‏ (1) نفى هذا الوجدان أصلا، و ادّعى قيام البرهان على امتناع تحريم المولى للمقدمة غير الموصلة.

و حاصل هذا البرهان: إنه يلزم تحصيل‏ (2) الحاصل في طرف الأمر بذي المقدمة، أي إنّه لو حرّم المولى المقدّمة غير الموصلة، لكان الأمر بإنقاذ الغريق تحصيلا للحاصل، و ذلك لأن الأمر به مشروط بالقدرة تكوينا، و القدرة شرعا.

و معنى القدرة شرعا، إباحة الشي‏ء و إباحة مقدماته، و إباحة الاجتياز

____________

(1) كفاية الأصول: مشكيني ج 1 ص 190.

(2) كفاية الأصول: مشكيني ج 1 ص 192.

257

و عدم حرمته تتوقف على الإيصال، فيكون وجوب الإنقاذ مشروطا بالقدرة الشرعية المتوقفة على إباحة المقدمة المتوقفة على إيصالها.

و النتيجة: إنّ الأمر بذي المقدمة متوقف على وجود ذي المقدمة، و هذا تحصيل الحاصل.

و قد أبرز المحقق النائيني (قده) (1) نقطة الاشتباه في هذا البرهان، و هي أنّ هناك خلطا بين أن يكون قيد التوصل قيدا للإباحة، أو قيدا للمباح، فالكلام إنما يتم لو كان التوصل قيدا للإباحة فقط.

و توضيحه، هو: إنّ وجوب ذي المقدمة متوقف على إباحتها، و لكن إباحة المقدّمة ليست متوقفة على الإيصال، بل هي ثابتة قبله، نعم المباح هو الحصة الموصلة، فالإيصال قيد في المباح لا الإباحة، من قبيل قيود الواجب لا الوجوب.

و كلام المحقق النائيني (قده) هذا في غاية المتانة.

و لكن نضيف إليه، إنّه لو فرض أن التوصل كان قيدا للإباحة لا للمباح، فلا إشكال أيضا، بمعنى أنّه لو فرضنا أنّ القيد للإباحة، فوجوب الإنقاذ يتوقف على إباحة الاجتياز، و هي تتوقف على الوصول. فوجوب الإنقاذ يتوقف على الوصول.

و نحن نقول: بأن وجوب الإنقاذ لا يتوقف على إباحة الاجتياز، نعم نقول بالتوقف على عدم الحرمة المطلقة، و هي مفروضة العدم.

و توضيحه: إنّ المقدمة، تارة تتّصف بحرمة مطلقة، سواء أوتي بذي المقدمة، أم لم يؤت، و أخرى تكون حرمتها مشروطة بعدم الإتيان بذي المقدمة، أمّا القسم الأول فهو غير معقول، و أمّا اجتماع الأمر بالإنقاذ مع الحرمة المشروطة للمقدمة، فهو أمر معقول، إذ لا تعارض و لا تزاحم أصلا،

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي ج 1 ص 240 فوائد الأصول الكاظمي ج 1 ص 166.

258

فالأمر بالإنقاذ يتوقف على عدم الحرمة المطلقة.

الدليل الرابع: هو أنّ الغرض من الواجب الغيري، إنما هو التوصل‏ (1) إلى الواجب النفسي، إذن فلا محالة يجب أن يختص الوجوب الغيري بحدود المقدمة الموصلة، لأنّ الوجوب يكون بحجم ما فيه الغرض، و هذا الوجه صحيح متين بعد إدخال التشقيقات السابقة، فإنه يرجع إليه برهاننا الذي أقمناه سابقا عن المقدمة الموصلة.

و بهذا يتّضح، أن الصحيح هو اختصاص الوجوب الغيري- على القول به- بالمقدمة الموصلة.

كما اتّضح أنّ ترشّح الوجوب الغيري على المقدمة، إذ كانت مباحة، إنما يكون بحدود المقدمة الموصلة.

و أمّا إذا كانت المقدمة محرّمة في نفسها، و قد وقعت مقدّمة لواجب أهم في ملاكه، حيث كان لا بدّ من التضحية بحرمتها لمرجوحيّة ملاكها، فيجتاز المكلّف الأرض المغصوبة، و ينقذ الغريق، حينئذ يسأل أنه: بأيّ مقدار ترتفع الحرمة على المقدّمة، فهل ترتفع الحرمة الغصبيّة عنها مطلقا ما دام الغريق في الماء، سواء قصد التوصل لإنقاذه أم لم يقصد، أو إنها ترتفع عن الاجتياز المحرّم بحدود الموصل للإنقاذ؟. و بعد افتراض أن الحرمة ترتفع عن الموصلة فقط، فهل هي ترتفع عن مطلق الموصلة، أو إنها ترتفع عن خصوص الموصلة التي يقصد بها التوصل؟.

فالكلام في مقامين:

المقام الأول: في أنّ ارتفاع الحرمة، هل يكون عن المقدمة الموصلة، و المقدمة غير الموصلة؟.

المقام الثاني: في أنّ ارتفاع الحرمة، هل يكون عن مطلق الموصلة، أو

____________

(1) الفصول في الأصول: محمد حسين بن محمد رحيم ص 87.

259

عن خصوص الموصلة التي قصد بها التوصل؟.

أمّا الكلام في المقام الأول، فيقال: إنّه لمعرفة أنّ الحرمة بأيّ مقدار ترتفع عن المقدمة، لا بدّ من ملاحظة ما هو طرف المنافاة مع هذه الحرمة، و هنا طرف لمنافاتين:

المنافاة الأولى: بين حرمة الاجتياز و وجوب ذي المقدمة. أي: إنقاذ الغريق و هي منافاة بملاك التزاحم في مقام الامتثال، لتعدّد موضوع الحكمين، و تعذّر امتثالهما معا، إذ لا يعقل الأمر بشي‏ء و النهي عن مقدمته.

المنافاة الثانية: هي بين حرمة المقدمة، و وجوبها الغيري، و هي مبنيّة على القول بالملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته، بخلاف الأولى، و هذا تناف بملاك التعارض، لأنّ الحرمة و الوجوب واردان على موضوع واحد في مرحلة الجعل، و قبل أن تصل النوبة إلى الامتثال.

بعد دراسة هاتين المنافاتين نحدد المقدار الذي نرفع اليد عنه من الحرمة.

أمّا المنافاة الأولى: فلو التفتنا إليها بما هي، و قطعنا النظر عن الثانية، فإنّنا نرى أن التزاحم يقع بين الواجب النفسي و حرمة المقدمة الموصلة خاصة، أي: بين «لا تغصب» و بين «أنقذ الغريق»، و هنا لا بد من تقديم الأهم، و هو «إنقاذ الغريق» و عليه، فلا بدّ من رفع اليد عن حرمة الاجتياز، لأنه ضروري، و إلّا تعذّر امتثال خطاب «أنقذ الغريق»، أي: ذي المقدمة.

و أمّا الحصة غير الموصلة من المقدمة، فمقتضى الحرمة فيها موجود، و هو مبغوضيّة الغصب، و المانع مفقود، لأنّ المانع ليس رعاية حق المزاحم الأهم، فالمزاحمة ترتفع بمجرد سقوط الحرمة عن الحصة الموصلة، لأنّ هذا المكلّف يمكنه حينئذ الامتثال، و ذلك بإن يجتاز اجتيازا موصلا، حيث أنه لو إجتاز الأرض و لم ينقذ يعاقب بعقابين.

إذن فالحرمة تختص بالحصة غير الموصلة من المقدمة.

260

و أمّا المنافاة الثانية: التي تكون بملاك التعارض بين الحرمة و الوجوب الغيري للمقدمة، على القول به.

فإن بنينا على أنّ الوجوب الغيري يختص بالموصلة، فلا إشكال في أن الوجوب الغيري يطرد الحرمة عن متعلّقه الذي هو الحصة الموصلة، دون أن يكون هناك تعارض بين الجعلين: بين حرمة الحصة الموصلة من المقدمة و وجوبها، و إنّما يكون من التزاحم بين المجعولين.

و أمّا إذا بنينا على أنّ الوجوب الغيري يتعلّق بالجامع بين الموصلة و غيرها، فهذه الدعوى، تارة تكون، بدعوى أنّ المقتضي قائم بالجامع، و لا مقتض للتخصيص بالموصلة، كما هو في البرهان السادس، و تارة أخرى، تكون بدعوى أن اختصاص الوجوب بالموصل فقط محال بنفسه، للدور و التسلسل.

فإن ادّعي الأول: فلا بدّ من الالتزام بأنّ الوجوب يتعلق بخصوص الموصلة، و يبقى غير الموصل على الحرمة، كما هو الحال فيما لو اتصف بعض أفراد الموصل بالحرمة، فإن الوجوب يرتفع عنه.

و إن ادّعي الثاني: أي استحالة تخصيص الوجوب الغيري بالموصلة، حينئذ يقع التعارض بين دليل حرمة هذه المقدمة، و لو الحصة غير الموصلة منه، و بين دليل الوجوب الغيري، لأنّ الوجوب الغيري إن تعلّق بالمطلق، فهو ينافي حرمة غير الموصلة، و إن تعلّق بالموصلة فقط، فقد فرض أن ذلك محال عند القائل. إذن فتحصل المعارضة بين حرمة المقدمة، و وجوب ذي المقدمة، باعتبار أنّ وجوب ذي المقدمة لا يلائم حرمة المقدمة، و لو بحصتها غير الموصلة لاستحالة اجتماعهما، فلو فرض تقديم دليل الوجوب الغيري على دليل الحرمة، فلا بدّ من الالتزام بسقوط الحرمة رأسا عن مطلق المقدمة حتى غير الموصلة، بحيث أن المكلّف لو إجتاز الأرض، و لم ينقذ، يعاقب بعقاب واحد.

261

و هنا قد يتوّهم أنّ الحرمة، و إن كانت تسقط عرضيا، و لكن تثبت بنحو الترتب، بمعنى أن الحرمة تثبت على تقدير عصيان الواجب.

و لكن هذا الكلام غير صحيح، لأننا بيّنا أن المقام بابه باب التعارض لا التزاحم، لكون الموضوع واحدا، و الترتب علاج في باب التزاحم لا التعارض، و هذا من النتائج الغريبة على ذوق العقلاء، بناء على القول بوجوب مطلق المقدمة، و استحالة تخصيص الوجوب بالموصلة.

و إن شئت قلت: إنّ المقدمة غير الموصلة، يستحيل حرمتها المشروطة بترك ذيها أيضا، لأنها حينئذ تكون واجبة بالوجوب الغيري بعد استحالة التقييد بالموصلة، و عليه فيلزم اجتماع الضدين بلحاظ حال ترك ذي المقدمة، و حينئذ فلا مناص من الالتزام بارتفاع حرمتها مطلقا.

و أمّا الكلام في المقام الثاني، فيقال فيه: إنّه بعد فرض أن الحرمة ترتفع عن الحصة الموصلة من المقدمة، و بما أنّ الموصلة على قسمين: قسم منها يقصد به التوصل إلى ذي المقدمة، و قسم منها لا يقصد به التوصل إلى ذي المقدمة.

حينئذ، يقع الكلام في كلتا المنافاتين، أي: التنافي بين الحرمة و الوجوب النفسي بنحو التزاحم، و التنافي بين الحرمة و بين الوجوب الغيري بنحو التعارض.

أمّا المنافاة الأولى، فقد يقال فيها: نفس البيان السابق يجري هنا، من ارتفاع الحرمة عن المقدمة الموصلة التي قصد بها التوصل على كل حال، لأنّ حرمتها تنافي وجوب ذيها، المقتضي لقصد التوصل و الامتثال، و لأنّ حرمتها تعطّل محركيّة و باعثيّة الأمر بالإنقاذ، و توجب استحكام التزاحم، و تعذّر الامتثال لهما معا.

و أمّا المنافاة الثانية: التي يقع التنافي فيها بين حرمة المقدمة التي لم يقصد بها التوصل، و بين وجوب ذي المقدمة. فقد تقدّم أن مقتضى المنافاة

262

و التزاحم بين حرمة المقدمة التي قصد بها التوصل، و بين وجوب ذي المقدمة، يقتضي ارتفاع الحرمة عن الحصة التي قصد بها التوصل، بمقدار ترفع به المنافاة بين حرمة المقدمة و وجوب ذيها.

و أمّا الحصة التي لم يقصد بها التوصل، فلا مانع من بقاء الحرمة عليها.

بعد وجود المقتضي، و هو إطلاق دليل لا تغضب، و فقدان المانع، و هو رعاية حق المزاحم الأقوى، إلّا أن البيان لا يخلو من إشكال، و إن خلا منه في المقام الأول.

و حاصل هذا الإشكال هو: إنّ ثبوت التحريم على الحصة الموصلة التي لم يقصد بها التوصل ليس له أيّ دخل في تقريب المولى نحو أغراضه الواقعيّة.

و توضيحه، هو: إنّ المراد من إبقاء الحرمة على الحصة التي لم يقصد بها التوصل، إن كان الجمع بين الغرضين المولويين و تحقيقهما، و هما تحقيق مصلحة ذي المقدمة و هي «الإنقاذ»، و اجتناب مفسدة المقدمة، و هي «الغصب». إن كان هذا هو غرض المولى، فهذا أمر غير معقول، لأنّ أحدهما قهري على كل حال بعد افتراض المزاحمة بين مصلحة ذي المقدمة، «الإنقاذ»، و مفسدة المقدمة، «كالغصب»، كما مرّ.

و إن كان غرض المولى في أن لا يخسرهما معا، فهذا حاصل في المقام على كل حال دون حاجة لتحريم الموصلة التي لم يقصد بها التوصل، لأنّ فرض كونها موصلة هو فرض حصول أقوى الغرضين في الخارج، و هو مصلحة الواجب، و هو «الإنقاذ» و عدم خسارة المصلحتين.

إذن فلا أثر لتحريم الحصة الموصلة التي لم يقصد بها التوصل. إلّا إلزام المكلّف بقصد التوصل، مع أنّه من الواضح، أنّ قصد التوصل ليس من الواجبات شرعا، لعدم وجود ملاك لهذا الوجوب، و إنّما كان غرض المولى متمثلا في الغرضين المتقدمين.

263

و هذا بخلاف تحريم الحصة غير الموصلة، إذ هناك قلنا: إن المقتضى له موجود، و المانع مفقود، و ذلك لأن التحريم هناك في الواقع كان بملاك أن لا يخسر كلا الغرضين، إذ لو لم يحرّم المولى الحصة غير الموصلة، لما كان قد حصل على مصلحة ذي المقدمة «الإنقاذ»، و لمّا كان قد تجنّب مفسدة الغصب، منع بذلك المكلّف عن تفويت هذا الغرض، فتحريم الحصة غير الموصلة كان له تأثير في حفظ أحد الغرضين. إذن فلا معنى لمثل هذا التحريم في المقام إلّا إلزام المكلّف على قصد التوصل مع فرض عدم وجود ملاك لهذا الوجوب.

و من هنا يندفع تخيّل آخر، و هو أنّ هذه الحرمة لها أثر في تحقيق غرض المولى، و ذلك بتقريب، أنّ المقدمة المحرّمة كالغصب، إن أتى بها لا بقصد التوصل، إذن فالمولى قد خسر أحد الغرضين، لأنّ الإنقاذ تحقّق بالمقدمة غير الموصلة، لكن ابتلى بمفسدة الغصب، لكن إذا أتى بها بقصد التوصل، فالحسن في قصد التوصل، يزاحم مفسدة الغصب و يتداركها، لأنّ المولى يحصّل غرضه من ناحية، بينما يتدارك مفسدة الغصب من ناحية أخرى.

و إن شئت قلت: إنّ ثبوت الحرمة على الحصة التي لم يقصد بها التوصل، يلزم منه الجمع بين الغرضين، و ذلك، باعتبار أنه يضطر المكلّف إلى قصد التوصل بالمقدمة، و هو أمر راجح عقلا، و يوجب انجبار مفسدة حرمة المقدمة و ارتفاعها بالحسن الموجود في قصد التوصل المزاحم لمفسدة الغصب، و تدارك هذه المفسدة بحصول غرض المولى من ناحية أخرى، و بذلك يكون قد حفظ كلا الغرضين من حصول مصلحة الواجب النفسي، «ذي المقدمة»، و عدم الوقوع في مفسدة «الغضب» في المقدمة التي لم يقصد بها التوصل.

و لكن هذا الكلام غير تام، إلّا إذا فرضنا أن للمولى غرضا لزوميا في قصد التوصل، فيتحوّل قصد التوصل إلى غرض لزومي، و ملاك يقرّب نحو أغراض المولى، و هو خلف فرضنا، أنّ قصد التوصل ليس فيه حسن في‏

264

نفسه، و عليه فلا معنى لأن يقال بأنّه يتدارك به المفسدة الموجودة في الغصب.

و بهذا يبقى الإشكال واردا، و به يتّضح أنّ ثبوت التحريم على المقدمة الموصلة التي لم يقصد بها التوصل ليس معقولا، و هو إن صحّ إلزام المكلّف بشي‏ء، لكنّه لا يصح لأن يكون ملاكا للإلزام بأي شي‏ء.

إذن فمقتضى القاعدة، ارتفاع الحرمة عن مطلق المقدّمة الموصلة، و بهذا لم يبق موضوع للحرمة في المنافاة الثانية بين الحرمة و الوجوب الغيري للمقدمة الموصلة، عند ما يتوقف على المقدمة المحرّمة غرض أهم، فإن الحرمة ترتفع عن المقدمة بمقدار، تزول معه المنافاة بين وجوب الأهم و حرمة المقدمة.

265

ثمرة القول بالمقدمة الموصلة

و هو كما ذكره المحقق الخراساني‏ (1) تحت عنوان: «ثمرة القول، بالمقدمة الموصلة».

و حاصل ما ذكره (قده) هو: إنّه إذا فرضنا أنّ عبادة من العبادات «كالصلاة» مثلا، وقعت مضادة «للإزالة» و قلنا: بأن ترك أحد الضدين مقدمة للضد الآخر، فيكون ترك الصلاة واجبا و قلنا: بأن وجوب شي‏ء يستدعي حرمة ضدّه العام، أي: نقيضه، و قلنا: إنّ النهي عن العبادة يقتضي الفساد.

و إن شئت قلت: إن الضد العبادي «كالصلاة» مثلا، إذا وقعت مزاحمة لواجب أهم «كالإزالة» مثلا، حينئذ بناء على القول بتوقف أحد الضدين على ترك الآخر، و كون الأمر بشي‏ء يقتضي النهي عن ضدّه العام، و كون النهي و لو الغيري منه مقتضيا لفساد العبادة، بناء على هذه المباني، سوف تقع الصلاة فاسدة إذا بنينا على وجوب مطلق المقدمة، لكونها الضد العام للواجب الغيري و هو ترك الصلاة الواقع مقدمة للإزالة الواجبة.

و بتعبير آخر يقال: إنّه بناء على وجوب مطلق المقدمة، يكون ترك الصلاة واجبا، و فعل الصلاة حراما، و عليه فالصلاة باطلة.

____________

(1) كفاية الأصول: مشكيني ج 1 ص 192.

266

و أمّا بناء على أنّ الوجوب الغيري يختص بالحصة الموصلة من المقدمة خاصة، حينئذ لا يكون الوجوب متعلّقا بمطلق الترك، بل يكون الواجب هو خصوص الترك الموصل إلى «الإزالة»، و يكون الضد العام للترك الموصل، ليس هو فعل «الصلاة»، بل «رفعه»، الذي هو أعمّ من فعل «الصلاة» أو تركها تركا غير موصل، لأنّ الأمر بشي‏ء يقتضي النهي عن نقيضه، و نقيض الترك كما ذكرنا، هو رفع الترك، و هو آخر ما يقترن مع فعل «الصلاة»، إذن فلا موجب لبطلانه، لأنّ الحرمة لا تتعلّق به.

و يمكنك أن تقول: إنّ نقيض الترك، هو رفع الترك الذي هو أعم من فعل «الصلاة» أو تركها تركا غير موصل، و هذا النقيض الأعم، الذي هو الترك، نسبته إلى «الصلاة» نسبة الملازم إلى الملازم، لا نسبة الجامع إلى فرده. و عليه، فلا تسري الحرمة إلى فعل الصلاة كي يقال بفسادها.

ثم إن المحقق الخراساني (قده) (1) دخل في سجال مع صاحب تقريرات الشيخ الأعظم (قده)، ليثبت أنّ نسبة نقيض الترك الموصل إلى الترك الموصل هي نسبة المقارن إلى المقارن، بينما يذهب صاحب «التقريرات» إلى أن نسبة نقيض الترك الموصل إلى الترك الموصل، نسبة الكلّي إلى مصداقه، و الجامع إلى أفراده.

و عليه، فالحرمة المتعلقة بالترك الموصل لا تسري إلى نقيضه.

هذا البيان الأول لثمرة القول بالمقدمة الموصلة.

و الصحيح هو: إنّا حتى لو سلّمنا بكلّ الأصول الموضوعية المفروضة في تصوير هذه الثمرة، مع ذلك لا تترتب الثمرة المتقدم ذكرها بناء على المقدمة الموصلة.

البيان الثاني، لثمرة القول بالمقدمة الموصلة، هو: إنّ أيّ قيد نأخذه في‏

____________

(1) كفاية الأصول: مشكيني ج 1 ص 192- 193.

267

النقيض وجودا، لا بدّ أن نأخذه في نقيض النقيض عدما، و إلّا لم يحصل التناقض. فمثلا، الصوم يوم الجمعة نقيضه ترك الصوم يوم الجمعة، لا يوم السبت، فيوم الجمعة كما أخذ في طرف الوجود، يجب أن يؤخذ في طرف العدم.

و بناء عليه، إن الواجب في المقام إن كان مطلق ترك الصلاة، فينبغي أن يكون نقيضه مطلق فعل الصلاة و بلا قيد، و أمّا إذا كان الواجب ترك الصلاة المقيّدة بالإيصال إلى الإزالة، فينبغي أن يكون نقيضه، فعل الصلاة حينما تكون هناك إزالة.

و من الواضح أنّ الإنسان عند ما يصلي، ففي فرض حالة الصلاة لا تكون إزالة، فهي صلاة لا إزالة معها، لعدم وجود القيد، إذن فلا تكون نقيضا، إذن فلا تكون باطلة، بل هذه الصلاة صحيحة.

و هذا البيان غير صحيح، لأنّ الأصل الموضوعي الذي بيّن به هذا البيان و هو لابدّيّة كون القيد المأخوذ في طرف الوجود مأخوذا في طرف العدم، هذا الأصل يحتاج إلى تحقيق.

و الحقيقة، هي: إنّ كل قيد يقيّد به الوجود، يكون نقيض المقيّد، هو عدم المقيّد لا العدم المقيّد، و الأصل المدّعى هو أن نقيض الوجود المقيّد هو العدم المقيّد. ففي المقام لا معنى لأن تكون كل القيود المأخوذة في أحد النقيضين، مأخوذة في النقيض الآخر، إذ البرهان قام على أن النقيض هو عدم المقيّد، لا العدم المقيّد.

البيان الثالث: هو إنّه إذا قلنا بوجوب مطلق المقدمة، فترك الصلاة يجب على الإطلاق، إذن ففعل الصلاة يحرم على الإطلاق، إذن فتقع الصلاة باطلة.

و أمّا إذا قلنا بوجوب خصوص المقدمة الموصلة، فمعناه، أن الوجوب مشروط بترتب ذي المقدمة، بمعنى أنه لا يتعلّق بأي ترك كيفما اتفق، بل بالترك الذي إذا وقع خارجا الآن كان موصلا، فحينئذ، هذا الإنسان إذا لم يشأ

268

الإزالة بل صار يصلي، فلو فرضنا أنه ليس في حالة صلاة، و لم يكن أيضا في حالة إزالة، لأنّه حسب الفرض استصعب الإزالة، إذن فترك الصلاة ليس موصلا في هذه الحالة.

و الجواب، هو: إنّ وجوب المقدمة الموصلة ليس معناه أخذ ترتب ذي المقدمة قيدا في الوجوب، بل قيدا في الواجب، فالصحيح هو أنّ هذا الإنسان لو فرض أنه ليس مصليا، فلا يكون تاركا للصلاة تركا موصلا، و لكن الوجوب يلزمه، فيجعل هذا الترك موصلا، فكأنّ هذا الوجوب يطلب الترك الموصل، لا أنّه لو كان هذا الترك تركا موصلا فهو يطلبه.

هذا مضافا إلى أنّه لو كان هذا بيان الثمرة، لكان اللّازم الالتزام ببطلان العبادة بناء على القول بالمقدمة الموصلة أيضا فيما لو فرض أنّ هذا المكلّف سنخ مكلّف لو لم يكن عليه صلاة لأزال، فكان ينبغي التفصيل بين مكلّف هو لا يريد أن يزيل بنفسه، و بين مكلّف لا يريد أن يزيل، لأنه يحمل همّ الصلاة، فالصحيح من هذه البيانات هو ما تقدّم سابقا.

و لنا على هذه الثمرة إشكالان:

الإشكال الأول، هو: إنّه لو سلّمنا بكل الأصول الموضوعية لهذه الثمرة، مع ذلك نقول: إنّ إمكان تحصيل مقدمة موصلة حرام أيضا في المقام، و ذلك أنه لو بنينا على وجوب المقدمة الموصلة، فمعناه أن الترك الموصل سوف يكون مقدمة للإزالة، إلّا أنّ هذه الأصول الموضوعية للثمرة بنفسها، تستبطن أن يكون فعل أحد الضدين مقدمة لترك الضد الآخر، لأنّ الملاك في المقدّميّة هو التمانع بين الضدين، فالتمانع إن قبلناه، ينتج مقدميّة هذا الترك لذاك الفعل، و مقدّميّة ذاك الفعل لهذا الترك، و عليه يمكن القول بأن الإزالة واجبة و تركها حرام، و فعل الصلاة موصل لترك الإزالة، إذن فهو مقدمة موصلة للحرام، فتكون الصلاة حراما، إذن فالصلاة حرام لا لأنها نقيض للترك الواجب، حتى يقال: الترك الواجب هو الترك الموصل خاصة، و الصلاة ليست نقيضا للترك الموصل، بل لأنّها مقدمة موصلة للحرام فهي حرام، ففعل الإزالة

269

واجب، و تركها حرام، فمقدّمته الموصلة و هي الصلاة حرام، إذن فلا يبقى فرق بين القولين من حيث النتيجة.

غاية الأمر أنه بناء على وجوب مطلق المقدمة، حرمت الصلاة لأنها نقيض الواجب، و بناء على خصوص المقدمة الموصلة، تكون الصلاة حراما لأنها مقدمة موصلة للحرام.

الإشكال الثاني، هو: إنّ الصلاة على القول بالمقدمة الموصلة، تتصف بالحرمة، بنفس الملاك الذي تتصف فيه بالحرمة، بناء على القول بمطلق المقدمة، و توضيح ذلك بأمرين:

الأمر الأول، هو: انّ وجوب المقدمة الموصلة، مرجعه إلى وجوب متعلق بمركّب ارتباطي تكون ذات المقدمة جزءا منه، و جزؤه الآخر هو سائر المقدمات.

الأمر الثاني، هو: انّه كما أن الحب النفسي الاستقلالي المتعلّق بالشي‏ء يكون ملازما لبغض نقيضه، فكذلك الحب الضمني هو ملازم لبغض نقيضه، و الحب الضمني دائما متعلق بذات الجزء لا بالجزء المقيّد، و هذا الحب الضمني حاله تماما حال الحب الاستقلالي في أنه سبب في بغض نقيضه. غاية الأمر، أنّ الحب الضمني يقتضي بغض نقيضه بالبغض الاستقلالي الغيري، لأن الحب يكون بملاك تحصيل الفائدة، و هي لا تكون إلّا حين تجتمع الأجزاء، و البغض يكون عند فوات الفائدة، و هي إنّما تفوت بفوات بعض الأجزاء، فالحب الضمني يترشّح منه بغض غيري استقلالي على نقيضه، فيثبت أن وجوب المقدمة الموصلة، مرجعه إلى وجوب ارتباطي متعلق بالمركب الذي يكون ترك الصلاة جزءا منه، فترك الصلاة له حبّ ضمني، و هذا الحب الضمني متعلق بذات ترك الصلاة، فضده العام هو فعل الصلاة، فيكون فعل الصلاة مبغوضا بغضا غيريا استقلاليا، فتكون الصلاة حراما و باطلة على كلا القولين. إذن لا ثمرة بين مطلق المقدمة و خصوص الموصلة.

270

ثم إن صاحب «الكفاية» (1) فتح مناقشة ثالثة مع الشيخ الأعظم (قده) نقلها عن تقريراته، و صار بصدد دفعها، و نحن نتعرّض لها من خلال بيانين، للتشويش الذي يعتورها.

البيان الأول، هو: انّ نقيض كل شي‏ء رفعه، فنقيض الفعل هو رفعه، و نقيض الترك هو رفعه، فالفعل ليس هو النقيض لما هو الواجب، لا على القول بوجوب مطلق المقدمة، و لا على القول بوجوب خصوص المقدمة الموصلة، إذ على القول بوجوب مطلق المقدمة، يكون الواجب هو مطلق الترك، و يكون نقيضه هو رفعه، و على القول بوجوب خصوص المقدمة الموصلة، يكون الواجب هو الترك الموصل، و يكون نقيضه هو الترك الموصل، لا الفعل، و لكن الفعل ملازم مع النقيض، بناء على القول بوجوب مطلق المقدمة، فيكون الفعل حراما من باب أنه ملازم مع نقيض الواجب، لا إنّه هو نقيض الواجب، فحرمة الفعل بناء على القول بوجوب مطلق المقدمة، ليس باعتباره نقيضا، بل لأنه ملازم للنقيض، و هذا بعينه يتمّ بناء على القول الآخر، و هو وجوب المقدمة الموصلة، فيقال: الواجب هو الترك الموصل، و النقيض المحرّم هو رفع الترك الموصل، و رفع الترك الموصل المتعلق بالحرمة له حصتان، لأن الترك الموصل عبارة عن المجموع المركّب من الترك و الإيصال، فرفعه يعني رفع المجموع، و ذلك، تارة يكون برفع هذا الجزء، و أخرى يكون برفع ذلك الجزء، فهنا حصتان: رفع ذات الترك، و رفع حيثيّة الإيصال، و كلتاهما تحرم، لأنّ الحرمة انحلاليّة، و إحدى هاتين الحصتين ملازمة مع الفعل، و هي رفع الترك الموصل الناشئ من رفع ذات الترك، إذن فقد أصبح الفعل ملازما مع الحرام فهو حرام.

و بهذا لم يبق فرق بين القول بالمقدمة الموصلة، أو القول بمطلق المقدمة، و بهذا التقريب لا يرد كلام صاحب «الكفاية»، إذ يستفاد من‏

____________

(1) كفاية الأصول: مشكيني ج 1 ص 192- 193.

271

«الكفاية» (1)، إنّه بناء على القول بالمقدمة الموصلة، لا يكون الفعل ملازما مع النقيض أصلا، بل هو أمر مقارن، قد يتّفق و قد لا يتفق، فلا ملازمة بين نقيض الواجب و الفعل، لإمكان الانفكاك بينهما.

و مثل هذا من «الكفاية» لا يرد على الشيخ الأعظم (قده)، و ذلك، لأن صاحب «الكفاية» (قده) ناظر إلى جامع النقيض، إذ ملازمة الفعل مع الحرام ليس بمعنى ملازمته مع جامع رفع الترك الموصل، بل مع حصة من حصص رفع الترك الموصل الذي هو النقيض.

نعم يرد عليه: إنّ الحرمة لا تسري إلى الملازم، و فرضها أنها لا تسري إلى الملازم، هو فرض أنّ الثمرة المذكورة غير صحيحة، فيتسجل إشكال ثالث على الثمرة.

البيان الثاني، لكلام الشيخ (قده)، هو أن يقال: بأنّ نقيض كل شي‏ء رفعه كما تقدّم، و يدعي أنّه إذا كان الواجب مطلق المقدمة، فيحرم رفع مطلق الترك، و الفعل ليس هو النقيض، بل هو مصداق النقيض.

و هو كما ترى، ففي البيان الأول، يدعي أنّ الفعل ملازم للنقيض، بينما هنا يدّعي أنّ الفعل مصداق للنقيض، و لا إشكال في أن الحرمة تسري من المفهوم إلى مصداقه.

و هذا أمر صحيح، و لو أنكر السراية إلى الملازم.

و أمّا بناء على القول بالمقدمة الموصلة، فالوجوب يتعلّق بالترك الموصل، و الحرام هو نقيضه، أي: رفعه، و رفعه له مصداقان: أحدهما:

الفعل، و الثاني هو الترك المجرد.

و من الواضح أنّ الجامع إذا حرم حرمت كلّ مصاديقه، لأنّ الحرمة

____________

(1) كفاية الأصول: مشكيني ج 1 ص 193.

272

انحلالية، فعلى كلا القولين، الفعل ليس هو النقيض، بل هو مصداق النقيض.

و هذا البيان نستخلص الجواب عليه من كلام صاحب «الكفاية» (1)، و ذلك بدعوى التفصيل، فالفعل مصداق للنقيض على القول بوجوب مطلق المقدمة، و لكن ليس مصداقا على القول بالمقدمة الموصلة.

و هذا التفصيل لا وجه له بهذا النحو، و ذلك، لأنّ نكتة دعوى المصداقيّة واحدة فيهما، و هي صحة الحمل، فيقال: هذا الفعل رفع للترك، و رفع للترك الموصل، فإن كانت صحة حمل عنوان على مصداق بالحمل الشائع يدل على المصداقيّة، فهو مصداق على كلا القولين، و إن لم يكن الحمل صحيحا، أو لم يكن دليلا، فهو كذلك على كلا القولين، من دون فرق، و بهذا يبدو أن البيان الثاني تام.

و إن شئت قلت، إنّه لا موجب لهذا التفصيل بينهما بعد افتراض أن نقيض كل شي‏ء رفعه أصلا موضوعيا لهما، إذ لو كانت مصداقيّة الفعل لرفع الترك المطلق، باعتبار انطباقه و حمله عليه بالحمل الشائع، فهذا الملاك بنفسه موجود بالنسبة إلى الفعل و رفع الترك الموصل، غاية الأمر، أنّ هذا النقيض له مصداقان و منشئان يحمل عليهما بالحمل الشائع.

إذن فلا يرد على هذا التقريب ما ذكره في «الكفاية» (2) من أن الترك المطلق، نقيضه رفعه، و الفعل مصداق له، لأنه عينه، و متحد معه، فتسري الحرمة إليه، بخلاف الفعل بالنسبة إلى الترك الموصل، فإنه ليس نقيضه، و لذلك يرتفعان معا.

و لكون كلا هذين البيانين يشتركان في أصل موضوعي واحد هو أنّ نقيض كل شي‏ء رفعه.

____________

(1) كفاية الأصول: مشكيني ج 1 ص 193.

(2) المصدر السابق.

273

و لكون هذا الأصل الموضوعي هو الذي أوجب القول، بأنّ الفعل بعنوانه ليس هو النقيض، فليس هو رفعا للترك بل هو إمّا ملازم أو مصداق.

مثل هذا اضطرّ المحقق الأصفهاني (قده) (1) للدخول في مناقشة هذا الأصل الموضوعي المفترض في البيانين، حيث قال: إنّ هذا الالتزام إنما كان بملاحظة ما هو المشهور في الألسنة، من أن نقيض كلّ شي‏ء رفعه، و الفعل أمر وجودي، و ليس رفعا للترك، بل رفعه و نقيضه اللّاترك، هو غفلة عن المراد بالرفع، فإنّ الرفع في هذه العبارة كما عليه أهله هو الأعم من الرفع الفاعلي و الرفع المفعولي، فالترك رفع للفعل، و هذا رفع فاعلي، و الترك مرفوع بالفعل و هذا رفع مفعولى، و الإنسان إنما يكون نقيضا للّاإنسان حيث أنه مرفوع به، و اللّاإنسان يكون نقيضا للإنسان حيث أنه رافع له، و إلّا لم يتحقق التناقض بين شيئين أبدا، بداهة أنّ اللّاترك و إن كان رفعا للترك، لكن الترك ليس رفعا للّاترك، و المناقضة إنما تكون بين الطرفين.

و هنا يمكن أن يقال: بأن المحقق الأصفهاني (قده) لعلّه يريد أن يبطل كلا التقريبين معا، و يبيّن وجه التفكيك بين موقع الفعل بناء على وجوب مطلق المقدمة، فإن موقع الفعل بناء عليه إنما هو نقيض الترك الواجب، بينما موقعه على القول بالمقدمة الموصلة، ليس نقيض الواجب، إذ إنّ الفعل يرفع بالترك فيكون نقيضه، أي: مرفوعه، و هذا رفع مفعولي، فلو فرض أنّ الواجب الغيري هو الترك لحرم الفعل تبعا له، و أمّا الترك الموصل فليس الفعل رفعا له، لا بالمعنى الفاعلي، و لا بالمعنى المفعولي، و إنما يكون الفعل مرفوعا بذات الترك و ليس هو الواجب.

و تحقيق المطلب، هو: إنّنا لا نريد أن نفتّش عن النقيض في مصطلح الفلاسفة، و إنما نريد أن نعرف الملاك الموضوعي الذي اقتضى أن يكون الأمر بالشي‏ء مقتضيا للنهي عن ضدّه العام، و ما هي حدود ذلك الضد العام، إذ قد

____________

(1) نهاية الدراية: الأصفهاني ج 1 ص 363.

274

يكون ذلك الضد أوسع أو أضيق منه في المصطلح الفلسفي، و لما ذا فصّل الأصوليون بين الضد العام و الخاص، و ما هي النكتة التي اقتضت أن نرى الفعل من باب الضد العام على كلا القولين، أو من باب الضد الخاص، أو من باب الضد العام على أحد القولين، و الضد الخاص على قول آخر؟

فالضد العام يمكن أن نعبّر عنه بأحد تعبيرين، حيث يمكن إدّعاء أن كليهما مساوق مع الوجدان القاضي بأنّ الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضدّه العام.

التعبير الأول، يقال فيه: إنّ الضد العام هو الشي‏ء الذي يكون معاندا للشي‏ء الآخر ابتداء، كمعاندة الترك للفعل، و معاندة الفعل للترك، و ليس في طول معاندة شي‏ء آخر، فإنّ كل شي‏ء يعانده ابتداء عدمه، و عدم كل شي‏ء يعانده ابتداء معدومة، و هذه معاندة ابتدائية.

ثمّ إنّ هناك معاندة أخرى تتوقف على هذه المعاندة، و هي المعاندة بين الأمور الوجودية، كالمعاندة بين أن يكون الإنسان سائرا في هذه الجهة، و سائرا في تلك الجهة، فالمعاندة الثانية مبتنية على المعاندة الأولى، و هذه المعاندة الثانية هي المسماة بالضد الخاص، و لو بطلت المعاندة بين الأمر الوجودي و العدمي، بطلت المعاندة بين الوجودين.

و عليه يصح أن يقال: إنّه كلّما كان المعاند معاندا بالنحو الأول، فهو ضد عام، و كلّما كان معاندا بالعرض أي: بالنحو الثاني فهو ضد خاص.

التعبير الثاني: و هذا التعبير هو نفس الأول، لكن نصوغه بتعبير آخر أصولي، فنقول: إنّ كلّ شيئين متعاندين إذا أحضرهما الإنسان في نفسه، فتارة يفرض أنه بالإمكان أن يحبّهما معا رغم تعاندهما، غاية الأمر أنّه لا يمكن للعبد أن يأتي بهما معا، و ذلك، كالكون في مكانين، في مقام علي «ع» و مقام الحسين «ع»، فإن الأمر بأحدهما لا يقتضي النهي عن الآخر، و تارة أخرى، يفرض أنّ المتعاندين سنخ متعاندين، بحيث أنّ النفس البشرية تضيق عن‏

275

حبّهما معا، كالصلاة، و ترك الصلاة، فالأمر بأحدهما يقتضي النهي عن الآخر.

و هذا التعبير الثاني، مواز للتعبير الأول، فإذا عرفنا نكتة الوجدان الأصولي القاضي بأن الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده العام، فإنّنا نرى هذه النكتة موجودة في المقام، فإنّ من أحبّ الترك الموصل، لا يمكنه أن يحبّ الفعل، و كذلك من أحبّ الترك المطلق لا يحب الفعل.

إذن فليست نكتة التفصيل بين الضد العام و الضد الخاص، هي أنّه لا يمكن أن يرتفعا معا، أو يجتمعا معا، و إلّا لتمّت شبهة الكعبي، فالترك الموصل هو من الضد العام عند الأصوليين أيضا.

و عليه فالثمرة المزبورة باطلة. و المناقشة الثالثة هي الصحيحة.

276

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

277

[الجهة السادسة] ثمرة وجوب المقدمة

الجهة السادسة: بعد أن انتهى الكلام حول ثمرة المقدمة الموصلة، نستأنف الكلام حول ثمرة البحث في مقدمة الواجب، و المقصود بالبحث هنا، هو ثمرة البحث من الملازمة بين وجوب شي‏ء و وجوب مقدمته، لا ثمرة تمام ما تقدّم من العناوين.

و توضيح الحال يتوقف على مقدمة، حاصلها إنّ الثمرة يتصور افتراضها على نحوين:

النحو الأول، هو: إنّه تارة تكون ثمرة البحث عن أصل جعل المولى، من قبيل أنّ حجيّة خبر الواحد هل يثبت بها جعل المولى لوجوب السورة أو وجوب صلاة الجمعة، لأنّ زرارة أخبر بذلك مثلا؟، و هذه ثمرة عن أصل الجعل.

النحو الثاني، هو: أن نفرض الفراغ عن الجعل و العلم مسبّقا، كما لو كان قد صدر من المولى جعلا للحكم على موضوع كلّي، و إنّما يقع البحث في أن موضوع أو متعلّق ذلك الجعل الكلي، هل ينطبق على هذا المورد أو لا ينطبق؟.

فمثلا حرمة أخذ الأجرة على الواجب، هي جعل من الجعول، إذا ثبت برواية زرارة، يكون ثمرة لحجيّة خبر الواحد، و هو من النحو الأول، فإذا وقع البحث في أنه هل هذا واجب حتى يحرم أخذ الأجرة عليه أو لا؟. فهذه ثمرة

278

من النحو الثاني، و هذا النحو الثاني ليس هو المقصود في بحث ثمرة وجوب المقدمة، و إنما المقصود من البحث في المسألة الأصولية هنا، هو النحو الأول، و هو إثبات جعل شرعي، لا تطبيق جعل ثابت على صغرى من صغرياته بعد الفراغ عن أصل الجعل.

بناء على هذا، قد يقال: بأنّ بحث الملازمة بين وجوب شي‏ء و وجوب مقدمته، لا ثمرة أصوليّة له، لأنّ الثمرة لا تخلو من أحد أمرين:

الأمر الأول، هو أن يقال: إنّ الثمرة من الملازمة، هي التوصل إلى الوجوب الغيري للوضوء، أو نصب السلم، و هذه ثمرة أصولية تدخل في النحو الأول، لأنه يستكشف بالملازمة أصل جعل الوجوب الغيري، و هذا هو مفاد عبارة المحقق الخراساني‏ (1).

إلّا أنه اعترض عليه: بأنّ الثمرة المتوقّعة من المسألة الأصولية، و إن كان هو إثبات جعل من قبل المولى، و لكن ليس كل جعل و كل حكم، بل الحكم الذي يكون موضوعا للثواب و العقاب، و قابلا للتنجز و عدمه، لأنّ هذا هو المهم عند الفقيه، و الوجوب الغيري لا يقرّب و لا يبعّد، أي: لا ثواب عليه بنفسه، و لا عقاب على تركه بنفسه، فلا شأن للفقيه به، فلا يكون ثمرة للمسألة الأصوليّة، لأنّ الوجوب الغيري خارج عن اهتمام الفقيه.

الأمر الثاني، هو أن نقول: بأنّ وجوب المقدمة الغيري يحقق تطبيقا من تطبيقات جعل مفروغ عنه من قبيل حرمة الأجرة على الواجبات، فإنه بواسطة الملازمة يمكننا تشخيص و معرفة أن المجعول ما هو، على اختلاف في بعض التشقيقات، و مثل هذه الثمرة ليست ثمرة أصولية، بل تتصور لأي بحث في مفردات المعرفة البشرية. و تقع ثمرة له، و عليه، فهي أجنبية عن الثمرة الأصولية. و من هنا قيل بأنه لا ثمرة لهذا البحث.

____________

(1) كفاية الأصول: مشكيني ج 1 ص 139- 192.

279

إلا أن الصحيح وجود ثمرة أصولية على بعض الأقوال و التقادير في وجوب المقدمة، حيث يقع التنافي بناء عليه، بين وجوب ذي المقدمة النفسي، مع حرمة المقدمة، و من ثمّ يقع التعارض بين دليليهما، و قد لا يقع على بعض التقادير الأخرى.

و توضيح ذلك، هو أنّ المقدمة على ثلاثة أقسام:

القسم الأول: مقدمة مباحة بطبعها، و بتمام أفرادها.

القسم الثاني: مقدمة محرّمة بطبعها، بقطع النظر عن مقدميّتها.

القسم الثالث: مقدمة هي بطبعها بعض أفرادها حرام، و بعضها الآخر مباح.

أما القسم الأول، فلا يتصوّر فيه ثمرة على القول بوجوب المقدمة، لأنه من الواضح أنه لا تزاحم، و لا تعارض.

أمّا القسم الثاني، فهو من قبيل توقف إنقاذ الغريق على الاجتياز المحرّم.

فهنا يوجد دليلان: دليل «لا تغصب»، و دليل «أنقذ الغريق»، و كل من الدليلين يدل على ثبوت الجعل على القادر، و القادر هو، إمّا شخص غير مشغول، أو شخص مشغول بواجب مساو لهذا الواجب.

و حينئذ، إن بنينا على عدم وجوب المقدمة رأسا، و أنكرنا الملازمة، فهذان الدليلان متزاحمان، و ليس بينهما تناف و تعارض، لأنّ الجعل في كل منهما لا ينافي الجعل في الآخر، بل كل منهما يطلب امتثاله مع القدرة، مع أن المكلّف لا يستطيع امتثالهما معا. و حينئذ في مثله، يجري قانون التزاحم في مقام الامتثال، فيقدّم الأهم، فإن كان الأهم هو ذو المقدمة، فيجب امتثال خطابه.

و إن بنينا على وجوب المقدمة، و قلنا: إنّ الواجب هو خصوص المقدمة

280

الموصلة، فالأمر كذلك أيضا، فلا تعارض بين الدليلين، و ذلك لأن دليل «لا تغصب» ينشئ حرمة على القادر غير المبتلي بواجب مساو أو أهم، فإن كان «الانقاذ» مساو أو أهم، فمعناه، أن دليل «لا تغصب» ينشئ حرمة على من لا ينقذ الغريق.

و هنا لا تعارض بين الدليلين، بل الدليلان متزاحمان، فيجري قانون التزاحم، فيقدم الأهم ملاكا.

و أمّا إذا قلنا باستحالة اختصاص الوجوب بالمقدمة الموصلة، حينئذ سوف يتحقّق تعارض بين «لا تغصب»، و «أنقذ الغريق»، لأن دليل «أنقذ» يستتبع وجوبا متعلقا بمطلق المقدمة، أي: بمطلق الغصب، الجامع بين الموصل و غيره، و هذا ينافي حرمة الغصب و لو على تقدير عدم «الإنقاذ»، إذن فيحصل تعارض بين الحرمة و الوجوب، و تسري المعارضة إلى دليليهما، و حينئذ إذا لم يكن عندنا علم من الخارج، فيجب أن نتعامل مع الدليلين معاملة المتعارضين، إذن فقد ظهرت ثمرة في هذا القسم.

و أمّا القسم الثالث، و هو ما إذا كانت المقدّمة لها فردان: أحدهما بطبعه محرّم، و الآخر بطبعه محلّل.

و هنا إذا بنينا على عدم وجوب المقدمة، فلا تعارض و لا تزاحم.

و أمّا إذا قلنا بوجوب المقدمة، و قلنا: إنّ الوجوب ثابت على الحصة المباحة، كما هو المشهور، لعدم وجود مقتض لترشيح الوجوب الغيري على المقدمة المحرّمة بطبعها، فلا تعارض أيضا.

و أمّا إذا بنينا على مدّعى السيد الخوئي (قده) (1) من أنّ الوجوب الغيري، «مقتضيه»، نسبته إلى المباح و المحرّم على حدّ واحد، لأنّ ملاك الشوق الغيري هو التوقف، و هو موجود في كلتا المقدمتين على حد سواء،

____________

(1) محاضرات فياض: ج 2 ص 431- 432.

281

فمقتضى القاعدة تعلّق الوجوب الغيري بالجامع بين المحرّم و المباح، فيدخل الباب في باب اجتماع الأمر و النهي بالمعنى الأعم من الاجتماع.

و حينئذ، إن قيل: بأن الوجوب الغيري متعلّق بعنوان المقدمة، فيكون المقام من باب تعدّد العنوان، أي: من باب اجتماع الأمر و النهي بالمعنى المصطلح، لأنّ عنوان الواجب غير عنوان الحرام.

فإن قلنا بجواز الاجتماع في تلك المسألة، فلا تعارض.

و إن قلنا بعدم جواز الاجتماع، فلا تعارض أيضا، لاختصاص الوجوب بالموصلة.

و إن قلنا: بأن عنوان المقدمة حيثيّة تعليليّة، و الوجوب الغيري لا يتعلّق بعنوان المقدمة، بل بواقع «نصب السلم» «و المشي إلى الشاطئ»، أي: بواقع المقدّمة.

و حينئذ قد يتفق أن تكون الحرمة متعلقة بعنوان الغصب، فتدخل المسألة في باب اجتماع الأمر و النهي.

و إن كانت الحرمة متعلّقة بنفس العنوان، تعيّن القول بامتناع اجتماع الأمر و النهي، و حينئذ، يختص الوجوب بالموصلة إذا كان الملحوظ عالم الثبوت و الدلالة الالتزامية العقلية لدليل الوجوب.

و إن كانت الدلالة التزامية لفظية، كان من التعارض بين الخطابين، كما مرّ في القسم الثاني.

إذن فالقسم الثالث، على بعض تقادير هذه المسألة، يدخل في الامتناع، و على البعض الآخر، لا يدخل.

و لعلّ هذا، هو المراد من الثمرة المنسوبة إلى «الوحيد البهبهاني»، من دخول المقام في مسألة اجتماع الأمر و النهي، و حينئذ لا ترد إشكالات صاحب «الكفاية» الثلاثة.

282

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

283

[الجهة السابعة] حكم الشك في وجوب المقدمة:

الجهة السابعة: أو تأسيس الأصل عند الشك في وجوب المقدمة.

و مصبّ إجراء هذا الأصل، تارة يكون نفس محطّ البحث الأصولي، أي: مسألة الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته.

و تارة أخرى يكون مصبّه- المسألة الفقهية- أي: في مرحلة النتيجة، و هي نفس وجوب المقدمة إثباتا و نفيا.

و الصحيح، هو: إنّه لا يمكن الرجوع في المقام، لا إلى الأصل بلحاظ وجوب المقدمة، و لا بلحاظ نفس الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته، إلّا في موارد نادرة.

و توضيح ما ينبغي أن يقال في مقام الإشكال على إجراء الأصل في كلا المقامين هو: إنّه إن أريد إجراء الأصل في الوجوب الغيري، أي: المقدمة، فإنه لا يجري فيها شي‏ء من الاستصحاب أو البراءة، و ذلك لأنّ الأصل العملي لا بدّ أن ينتهي إلى الأثر العملي في مقام التعذير و التنجيز، و استصحاب عدم الوجوب أو البراءة، لا يجري إلّا إذا كان ينتهي إلى التنجيز و التعذير، و إلّا يكون جعله لغوا صرفا، لوضوح أن الأصول إنما جعلت لذلك، و كل حكم ظاهري لا يتصوّر فيه التعذير و التنجيز، لا تشمله أدلة الأحكام الظاهرية.

و في مقامنا هذا، لا يتصور تنجيزا أو تعذيرا للوجوب الغيري مستقلا،

284

كما أنّ الوجوب الغيري لا يقع موضوعا للثواب و العقاب، و من هنا فلا معنى للتأمين عليه، لا بلسان البراءة، و لا بدليل الاستصحاب.

نعم لو فرض أن الوجوب الغيري وقع موضوعا لحكم نفسي، فحينئذ، لا بأس بإجراء الاستصحاب لنفي الوجوب الغيري.

فيقال: إنّ نصب السلّم لم يكن واجبا قبل وجوب الكون على السطح، فيستصحب عدم وجوب نصب السلّم، و يقصد بالاستصحاب هنا، نفي الأثر الشرعي، و هو الوجوب المترتب عليه لو كان هناك مثل هذا الدليل، فيكون استصحاب عدم الوجوب الغيري منتهيا إلى الأثر العملي، لا بلحاظ محركيّة نفس الوجوب الغيري، بل للتأمين على النتيجة المترتبة على الوجوب الغيري.

إلّا أنّ هذا غالبا، هو مجرد فرض، لأنّ ما يذكر له من المصاديق قابل للمناقشة.

فمثلا يقال: إنّ الدليل دلّ على حرمة أخذ الأجرة على الواجب، و حينئذ، هذه الحرمة ليست حكما غيريا، بل هي حكم نفسي تكليفي أو وضعي، بمعنى البطلان، و قد أخذ في موضوعه عنوان الواجب، و الواجب يشمل بإطلاقه الواجب الغيري، فإذا شككنا في اتصاف هذه المقدمة بالوجوب الغيري، فنشك في حرمة أخذ الأجرة، فنستصحب عدم كون هذه المقدمة واجبة، و بالتالي نكون قد نفينا حرمة أخذ الأجرة، لأن أخذ الأجرة، إنما يحرم على الواجب، و هذا العمل ليس بواجب، فالأجرة عليه غير محرمة.

هذا الكلام لا بأس به لو دلّ دليل على عدم جواز أخذ الأجرة على الواجب بهذا العنوان.

و لكن لم يدل دليل على ذلك بهذا العنوان، و إنّما عدم جواز أخذ الأجرة يرتبط بإحدى نكتتين: إحداهما غير موجودة في المقدّمة على كل حال، و الثانية موجودة على كل حال، سواء قلنا بالوجوب الغيري، أو لم نقل.

أمّا النكتة الغير موجودة في المقدّمة على كل حال، حتى لو قيل‏

285

بالوجوب الغيري، هي نكتة استظهار المجّانيّة من دليل الوجوب، بمعنى أنّ المولى يوجب على المكلّف أن يعمل عملا مجانيا، و حينئذ إن سلّم استظهار المجانية، فهو يسلّم من جهة الأمر بشخصه، بمعنى أنّ من أوجب عملا مجانيّا على شخص، فلا يجوز لهذا الشخص أخذ الأجرة عليه، أمّا الغير فلا بأس بأخذه الأجرة على ذلك العمل، و على هذا فلا يجوز أخذ الأجرة على العمل من قبل المكلّف به.

و هذه النكتة لا توجد في المقدمات حتى لو قيل بوجوبها الغيري، لأنّ مجرّد وجوبها الغيري لا يقتضي الإلزام بها مجانا، بل إنما يقتضي إيجادها، و أمّا الإتيان بها مجانا فيحتاج إلى دليل آخر، و لا يكفي استظهار المجانية من دليل الوجوب.

و أمّا النكتة الثانية، فهي: إنّ الإنسان إنما يأخذ الأجرة على عمله إذا كان مسلطا عليه، حيث يكون له أن يبذله أو لا يبذله، و حينئذ لا بدّ له من مقابل و أجرة في مقابل بذله، فله أن يأخذ الأجرة.

و أمّا إذا كان لا بدّ له من أن يعمله، فمثل هذا لم يبق له ماليّة، فكأنّ ماليّته قد أهدرت، و كأنّ ليس له سلطان بعد عليه، إذ العقلاء لا يعتبرونه مسلطا بعد على عمله إذا كان لا بدّ له من أن يبذله.

و هذه النكتة لو تمّت، فهي موجودة في المقدمة على كل حال، لأن اللّابدية في مقام العبودية ثابتة على كل حال، فالمكلّف كما أنّه لا بدّ له من الكون على السطح، فإنّه لا بدّ له كذلك من «نصب السلّم»، فمسألة عدم حرمة أخذ الأجرة غير مربوطة، إذن بالوجوب الغيري، من دون فرق بين القول بالوجوب الغيري و عدمه.

و قد تذكر كبرى أخرى في المقام غير هذه. و حاصلها، هي: إنّ الفاسق لا يجوز الاهتمام به مثلا، فيقال: لو ترك الإنسان المقدمة و هي واجبة بالوجوب الغيري، فهو إذن فاسق، و إذا لم تكن واجبة فلا يكون فاسقا، فهنا

286

يستصحب عدم وجوب المقدمة لنفي كون الإنسان التارك لها فاسقا، فيجوز الاهتمام به.

و الجواب عليه، هو: إنّ الفسق تارة يفرض فيه كفاية الذنب الواحد، سواء أ كان صغيرا أو كبيرا، «كما هو الصحيح» و يبقى فاسقا ما لم يتب، فإذا تاب مع بقاء الملكة، رجعت إليه العدالة.

و حينئذ لا مجال لهذا الكلام، لأنّ تارك المقدّمة تارك لذيها على كل حال، فهو فاسق.

و أمّا إذا قلنا بأن الفسق متقوّم بارتكاب الكبيرة، و الإصرار على الصغائر، و لنفرض أنّ ذا المقدمة تركه من الصغائر فلو فرض عدم وجوب المقدمة، إذن فلم تصدر منه إلّا صغيرة واحدة، و هي ترك ذي المقدمة، فلا يكون فاسقا.

و أمّا إذا بني على وجوب المقدمة يكون قد صدر منه إذن محرّمان صغيران، المقدمة، و ذو المقدمة، إذن فهو فاسق.

و هذا الكلام غير صحيح، حتى لو قلنا بأنّ الفسق يكون بالإصرار على صغيرتين، و أنه لا بدّ أن تكون الصغيرتان على كل واحدة منهما عقاب، لقبح خاص بهما عند العقل، و إلّا فالمقدمة قبحها إذا تركت، قبح غيري لا عقاب عليه، و حينئذ لو سلّمنا هذا المبنى، فإنّ ربط الواجب الغيري بهذا غير صحيح، لأنّ المراد من الصغائر هو بحيث أن كل صغيرة لو انفردت لعوقب عليها منفردة.

و في المقام غير هذا، إذ ندّعي أن الإصرار على الصغائر أمر نفساني، و حينئذ لا يمكن نفيه باستصحاب عدمه، أو غير ذلك، لأنه أمر نفساني ملازم لترك الواجب، و نفيه بنفي الأمر الخارجي لا يتم إلّا على القول بالملازمة، بل حتى لو سلّمنا التصميم في كل صغيرة، فإنّ عنوان الإصرار حالة نفسية ملازمة لترك الواجبين، فلا يثبت بالاستصحاب لأنه يكون من الأصل المثبت.

287

و قد تذكر كبرى ثالثة، و هي: براءة ذمة الناذر فيما لو نذر أن يأتي بواجب، فإنّه لو قيل بوجوب المقدمة غيريا، ثم أتى بهذه المقدمة، فقد برئت ذمّته و لو لم يأت بذي المقدمة، بخلاف ما إذا لم نقل بوجوب المقدمة، فإنه لم تبرأ ذمته.

و حينئذ لو أجرينا استصحاب عدم وجوب المقدمة، تثبت براءة ذمته.

و هذه الكبرى غير تامة، لأنها موقوفة على معرفة موضوع أدلة لزوم الوفاء بالنذر، ففي نذر صلاة ركعتين في المسجد يوجد عنوانان: أحدهما عنوان صلاة ركعتين، و عنوان ثانوي آخر هو الوفاء، لأنّ الركعتين وفاء.

و هنا لا إشكال في أنّ متعلّق التزام الناذر إنما هو العنوان الأول، لأن الثاني ينشأ من الأول.

و يبقى أن نعرف متعلّق إلزام الشارع ما هو، هل هو عنوان الوفاء بما هو وفاء بنحو الموضوعية، أم إنّه عنوان الوفاء بما هو مشير إلى صلاة ركعتين؟.

فعلى الأول: يكون الاستصحاب الذي يجري لتحقيق أنّ هذا مصداق للطبيعة المنذورة أو لا، يكون استصحابا مثبتا للوازم الطبيعة التي تعلّق بها التزام الناذر، لأنّ عنوان الوفاء عنوان ثانوي ملازم عقلا مع الطبيعة التي تعلّق بها التزام الناذر.

و على الثاني: فلا بأس بإجراء الاستصحاب، لأن الناذر، إن نذر أن يأتي بواجب ثم شك، فالحكم الشرعي تعلّق بالإتيان بواجب.

و هكذا يستخلص أن إجراء الأصل في نفس وجوب المقدمة، لا أساس له غالبا، على أنّ مثل هذه الثمرة يمكن تصورها في كل مسألة. هذا في المسألة الفقهية.

و أمّا المصب الثاني لإجراء الأصل، و هو الملازمة بين الوجوبين: فمن الواضح أنه لا يجري أصل عملي، و لا استصحاب عدم الملازمة، و ذلك بنفس‏

288

النكتة المتقدمة في المصب الأول، و هي عدم انتهائه إلى الأثر العملي من التنجيز و التعذير، مضافا إلى أن الأثر العملي المترقب، إنما هو الانتهاء إلى الوجوب الغيري، و الحال أنه قد فرضنا أن الوجوب الغيري لا ينتهي إلى الأثر العملي المطلوب.

بل حتى لو سلّم أن الوجوب الغيري له أثر عملي، فمع ذلك لا يجري الأصل في الملازمة، باعتبار أنّ ترتب الوجوب الغيري على الملازمة، هو ترتب تكويني عقلي لا شرعي، لأنّ الترتّب الشرعي، هو عبارة عن ترتب الحكم المجعول على موضوعه المحدّد، و أمّا ترتب نفس الجعل على ظروف المولى التي دعت إلى الجعل، فهو ترتب عقلي، لأنّه ليس بجعل آخر من قبل الشارع بما هو شارع.

و في المقام، الملازمة هي التي دعت المولى كي يجعل، و ليس المولى قد جعل الوجوب الغيري، و كان موضوع جعله هو الملازمة، كما قد جعل وجوب الحج على الاستطاعة.

و إن شئت قلت: إنّ عدم جريان الأصل في مصبّه الثاني، و هو الملازمة بين الوجوبين أكثر وضوحا من الأول، إذ مضافا إلى ما تقدّم من عدم انتهائه إلى أثره العملي من التنجيز و التعذير، يقال: إن ترتب الوجوب الغيري للمقدمة على الملازمة ليس شرعيا، لأنّ الملازمة بين الجعلين النفسي و الغيري ليس شرعيا، و إنما الشرعي هو ترتب المجعول على موضوعه، لا ترتب الجعل على أسبابه و ظروفه، فهو ترتب عقلي، و كذلك عدم جريانه في مورد المسألة الفقهية كما عرفت، لأنه لا ينتهى إلى أثر عملي في مقام التنجيز و التعذير، غير أن صاحب «الكفاية» (قده) أشار إلى عدة إشكالات أخرى تصدّى إلى دفع جملة منها (1):

* الإشكال الأول: و هو يرد على إجراء الأصل بصيغته الاستصحابية في‏

____________

(1) كفاية الأصول: مشكيني ج 1 ص 199.

289

مورد المسألة الأصولية، و لا يرد في المسألة الفقهيّة.

و حاصل الإشكال، هو: إنّ استصحاب عدم شي‏ء، إنما يكون فيما إذا علم بعدمه في زمان، ثمّ شكّ في انتقاضه، و حينئذ فإن لوحظ وجوب المقدمة فيقال: كان يعلم بعدمه سابقا، كما لو كان يعلم قبل الزوال بعدم وجوب الصلاة، إذن فلم يكن هناك وجوب للوضوء، و بعد الزوال يشكّ في أنه هل حدث وجوب غيري على الوضوء أو لا؟ حينئذ يستصحب عدم حدوث وجوب غيري للوضوء.

و أمّا في مورد المسألة الأصولية، و هي الملازمة بين وجوب المقدمة و ذيها: فهنا يستشكل بالحالة السابقة، لأنّ الملازمة لو كان لها حالة ثابتة فهي أزلية الثبوت، و على فرض عدمها، فهي أبدية العدم، إذن فلا موضوع للاستصحاب فيها على كل حال.

و تحقيق الكلام في ذلك أنّ للملازمة معنيان:

المعنى الأول: هو أن تكون الملازمة من طرز القضية الشرطية، كما نقول: لو وجد وجوب الصلاة، لكان مستلزما لوجوب الوضوء. و هذه الملازمة على فرض صدقها، فهي صادقة حتى قبل تحقّق طرفيها الشرط و الجزاء، و ليست لها حالة سابقة حتى تستصحب.

المعنى الثاني للملازمة، هو: أن تكون الملازمة بنحو القضية الفعلية، أي: إنّ علّيّة وجوب الصلاة لوجوب الوضوء، ليست لأجل أنه بحيث لو وجد وجوب الصلاة، وجد وجوب الوضوء، إذ إنّ هذه العليّة إذا أخذت بثبوتها الفعلي المنتزعة في طول وجود العلة خارجا، فهي مسبوقة بالعدم لا محالة، لأنّ هذه العليّة شأن من شئون وجود وجوب الصلاة في الخارج، إذ قبل وجود الوجوب للصلاة، لا عليّة له. و من هنا يجري استصحاب العدم الأزلي لهذه العليّة و الملازمة.

إذن ففرق بين نحوي العليّة، بين النحو اللولائي، و النحو الفعلي، إذ

290

الثاني مسبوق بالعدم، فيجري الاستصحاب فيه.

* الإشكال الثاني: و هذا الإشكال لا يختص بمورد المسألة الفقهية، بل يعم المسألة الأصوليّة و حاصله:

إنّنا نريد أن ننفي بالأصل الوجوب الغيري، و إجراء الأصل العملي لنفي الوجوب الغيري، يؤدي إلى احتمال ارتكاب المحال، إذ نحتمل الملازمة بين الوجوبين: النفسي و الغيري، و استحالة الانفكاك بينهما، و إجراء الأصل لنفي الوجوب الغيري، تفكيك بين ما يحتمل أنهما متلازمان، و التفكيك بينهما مستحيل، و معنى هذا، أننا نعمل عملا نحتمل كونه مؤديا إلى محال، فيكون محالا، إذ احتمال المحال محال، و ثبوت ما يحتمل استحالته محال.

بينما الأصول العملية و بقية الحجج الشرعية، لا بدّ من انتهائها إلى نتائج مقطوعة لا محتملة، و إلّا فإحتمال الاستحالة في ثبوت التعبّد، مساوق مع عدم ثبوته.

و هذه النكتة تختص بالمقام، و هي بخلاف ما لو أجرينا استصحاب عدم وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، فإننا هناك لا نحتمل أن يؤدي ذلك إلى المحال.

و قد تعرض صاحب الكفاية (قده) (1) للجواب على هذا الإشكال حيث قال: إنّه يكون تاما على تقدير، و لا يكون تاما على تقدير آخر، ذلك لأنّ الاستصحاب لا ينفي الوجوب الغيري واقعا و حقيقة، و إلّا قلنا بالتصويب، و إنما ينفي فعليّة ذلك الحكم، و حينئذ فإن كانت الملازمة المحتملة بين الوجوبين محتملة في مرحلة الواقع دون مرحلة الفعليّة، أي: بين واقع وجوب الصلاة و الوضوء، لا فعليّة وجوب الصلاة أو الوضوء، إذا كان هكذا، فالإشكال غير وارد، و ذلك لأننا لا نحتمل الملازمة في مرحلة الفعلية.

____________

(1) كفاية الأصول: مشكيني ج 1 ص 199- 200.

291

إذن فما هو محتمل الاستحالة، يكون بلحاظ مرحلة، و التفكيك بالأصل يكون بلحاظ مرحلة أخرى. و أمّا إذا كانت الملازمة المحتملة محتملة في كلا العالمين، بحيث أن وجوب الصلاة واقعا، يستلزم وجوب الوضوء واقعا، و وجوبها فعليا، يستلزم وجوبه فعليا، إذا كان هكذا، يتم الإشكال، لأننا سنوجد تفكيكا بين الفعليتين بالأصل، و نحن نحتمل استحالة ذلك.

و هذا الكلام ينحل إلى مطلبين.

* المطلب الأول: هو أنّ الإشكال، غير وارد على تقدير.

* المطلب الثاني: هو أنّ الإشكال، وارد على تقدير احتمال الملازمة في كلا العالمين.

* أمّا المطلب الأول: فإنّ الظاهر من لحن عبارة المحقق الخراساني (قده) (1) هو الميل إلى هذا المطلب، و هو أنّ الملازمة المحتملة، إنّما هي في مرحلة الواقع دون الفعلية، بينما المنفي بالأصل، هو مرحلة الفعليّة دون الواقع.

إذن فهنا يوجد بحثان: أحدهما، جريان الأصل فيما لو كانت الملازمة بين الوجوبين في مرحلة الأحكام الواقعية فقط. و الثاني: عدم جريانه فيما إذا كانت الملازمة بينهما في مرحلة الأحكام الفعليّة.

و هنا لا بدّ من التساؤل، بأنه ما ذا يريد المحقق الخراساني (قده) من مرحلة الفعليّة و مرحلة الواقع في الأحكام الشرعية، إذ إنّ هناك ثلاثة معان للفعلية في قبال الواقع:

المعنى الأول: هو أنّ الفعلية، و كما يتناسب مع مصطلح المحقّق الخراساني (قده) فيها، هي الأحكام الإنشائية التي لا يكون على طبقها إرادة

____________

(1) كفاية الأصول: مشكيني ج 1 ص 200.

292

مولوية تامة، أي: إنّه لا حقيقة لها سوى الاعتبار و الإنشاء، ثم تصبح أحكاما فعليّة، و في مرتبة الحكم الفعلي، عند ما يكون على طبقها إرادة مولوية جادة.

و الخلاصة: إنها حكم إنشائي لكن فيه روح الحكم الفعلي و لذا قال: إنّه لا تنافي بين الأحكام الإنشائية لأنها مجرد لقلقة لسان و اعتبار.

و على هذا الأساس جمع بين الأحكام الواقعية و الظاهرية في ردّه على شبهة ابن قبة، فذهب إلى ارتفاع فعليّة الحكم الواقعي في موارد الأصول و الإمارات، و بقائه إنشائيا محضا، حيث أنه لا تناقض في اجتماع حكمين متضادين على مستوى الإنشاء و الاعتبار، و إنما التناقض و الاستحالة في اجتماع إرادتين واقعيتين فعليتين. فلو أنه قام أصل مثلا، أو إمارة، على خلاف الحكم، فيكون هذا خلافا للحكم الإنشائي لا الفعلي، فيرفع الحكم الفعلي دائما و يبقى الإنشائي.

و حينئذ لو كان مراد المحقق الخراساني (قده) من الفعليّة هذا المعنى، إذن فمعناه أن الملازمة المحتملة، إنما هي بين الوجوب الإنشائي للصلاة، و الوجوب الإنشائي للوضوء، و استصحاب عدم وجوب الوضوء لا ينفي الوجوب الإنشائي للوضوء، بل ينفي الوجوب الفعلي له.

و إن شئت قلت: إنّه بناء على إرادة هذا المعنى للفعليّة، يكون من الوضوح بمكان، عدم صحة دعوى اختصاص التلازم بين الوجوبين في مرحلة الأحكام الواقعية، و عدم ثبوته في الأحكام الفعلية.

إذ كيف يمكن توهّم التلازم بين الإنشاءين اللّذين هما مجرد لقلقة لسان و اعتبار، و دعوى عدم التلازم بين الإرادتين الحقيقيّتين، فإن هذا من البطلان بمكان.

بل إنّ الأمر على العكس من ذلك تماما، لأنّ المولى قد ينشئ وجوب الصلاة دون وجوب الوضوء، و لكن لو أراد الصلاة جدا لأراد الوضوء.

المعنى الثاني، للفعليّة بحسب مصطلح المحقق النائيني (قده): حيث‏

293

يصطلح بالفعليّة في مقابل الجعل، دون الإنشاء، إذ الجعل لا ينفك عن الإرادة، بخلاف الإنشاء، و يريد بالفعلية المجعول، فالمولى إذا حكم بوجوب الحج على المستطيع، فهذا جعل، فإذا صار مستطيعا في الخارج، و صار الحج واجبا عليه فهذه فعليّة.

و هنا يقال: بأنّه إذا أراد المحقق الخراساني (قده) من الفعليّة هذا المعنى، فكلامه أيضا واضح البطلان، و ذلك، لأنّ الاستصحاب لا يمس الجعل الواقعي، و لا المجعول الواقعي، و إلّا فأيّ معنى لاعترافه، بأن الاستصحاب يهدم الفعليّة، مع أنه لا يهدم المجعول الواقعي الذي هو معنى الفعليّة.

و أيضا لا يبقى معنى للتفكيك بين الملازمة في مرحلة الفعلية و الواقعيّة، فإن الجعل إذا لازم الجعل، كان المجعول ملازما للمجعول دائما.

و إن كان لا يحتمل عادة أن ينظر صاحب «الكفاية» (قده) إلى مصطلح الميرزا (قده) هذا في معنى الفعليّة، فإن الإمارات لا ترفع المجعول.

المعنى الثالث للفعلية، و هو من اصطلاحات المحقق الأصفهاني (قده) (1):

فإنّه اصطلح بالفعليّة، فعليّة الباعثيّة و المحركيّة التي هي مترتبة على الوصول، و لهذا فهو يرى أن فعليّة كل حكم فرع وصوله، فهي عنده متقوّمة بالوصول، و هي مقاربة لمرحلة المنجزيّة بحسب الاصطلاح العام و مساوقة له.

و حينئذ إذا أخذنا بهذا الاصطلاح يتم جواب صاحب «الكفاية» (قده) إذ إنّه من الواضح أن لا تلازم بين الوجوبين و الحكمين في مرحلة الفعلية و التنجز. إذن فلا بأس بالتفكيك بينهما إذ لا ملازمة بين وصول الوجوب النفسي و بين وصول الوجوب الغيري، و حينئذ يصح ما ذهب إليه المحقق‏

____________

(1) نهاية الدراية: ج 1 ص 373 حاشية الحاشية.

294

الخراساني (قده) في المقام، من أن الاستصحاب يهدم الفعليّة لا الواقع، لأن الاستصحاب يحجب الحكم الواقعي فيصبح دون فعليّة و من دون تنجز.

و بهذا يكون كلام صاحب «الكفاية» (قده) هو الجواب الصحيح.

* و أمّا المطلب الثاني: و هو ما لو التزمنا بأنّ الاستصحاب يؤدي إلى التفكيك في مرحلة الفعلية، و كانت الملازمة المحتملة في مرحلة الفعلية كذلك، و ذلك كما لو أخذنا بالتفسير الأول للفعليّة بحسب مصطلح صاحب «الكفاية» (قده).

و قد اعترف صاحب «الكفاية» (قده) هنا في جوابه على إشكال احتمال ارتكاب المحال، بأنّ الإشكال وارد، و أن الاستصحاب هنا لا يعقل جريانه للمحذور المذكور.

و لكن المحقق الأصفهاني (قده) (1) في حاشيته على الكفاية لم يقبل بذلك و قال: بأنّ الاستصحاب، و إن كان هنا مؤديا إلى أمر محتمل المحال، و لكن لا بأس بالتمسّك بدليله و إجرائه، إذ إنّ الاستصحاب مفاد دليل اجتهادي و هو: لا تنقض اليقين بالشك. و هنا نفرض أن الاستصحاب أمر يحتمل استحالته، لأنه يحتمل أن يكون مؤديا إلى المستحيل، و لكن على أيّ حال، فإن الاستصحاب هو مؤدّى دليل من قبل المولى، فلا يمكن طرح هذا الدليل لمجرد احتمال الاستحالة، ما لم تقم حجة على خلافه، و احتمال الاستحالة ليس حجة، فلا يمنع عن تصديق الحجة، لأن الاحتمال لا يساوق القطع بالبطلان، بل هو مجرد احتمال للبطلان.

و هنا نذكر مثالين، (2) لتوضيح الفكرة و تمهيدا للجواب:

المثال الأول: هو أننا لو فرضنا أننا شاكّون في استحالة تكلّم الميت، ثم‏

____________

(1) نهاية الدراية: الأصفهاني ج 1 ص 373- 384.

(2) كفاية الأصول: مشكيني ج 1 ص 199.

295

قامت بيّنة على أنّ ميتا «ما» تكلّم، و قد شملت أدلة الحجية تلك البيّنة، فهل كنّا نقول هنا: إننا لا نقبل بالبيّنة، لاحتمال استحالة ما أخبرت عنه؟. طبعا لا نقول ذلك، و ذلك لأنّ الدليل الدال على حجية البيّنة، يقتضي العمل بها ما لم يحصل دليل على خلافها، و هنا في المقام لم يحصل يقين، و إنّما هو مجرّد احتمال استحالة ما أخبرت عنه.

المثال الثاني: هو إنّه لو فرض أننا نشك في إمكان جعل الحجيّة لخبر الواحد، فحينئذ، لو دلّ ظهور آية أو سنّة متواترة على حجيّة خبر الواحد، فهل كنّا نرفع اليد عن هذا الظهور؟. طبعا لا، و ذلك لأنّ مقتضى حجيّة الظهور المفروغ عنها، هو أنّه يجب العمل، بها ما دمنا لم نقطع ببطلان مفادها.

و مقامنا من قبيل هذين المثالين، إذ مجرّد احتمال الاستحالة بسبب الاستصحاب، لا يوجب رفع اليد عن الحجة القائمة على هذا الاستصحاب.

إلّا أن هذا الكلام هنا غير صحيح، و إن كان متينا في المثالين.

و توضيحه، هو: إنّه حينما تقوم الحجة التعبّديّة على شي‏ء، حينئذ يوجد و يثبت أمران: أحدهما يثبت تعبدا، و الآخر يثبت وجدانا لا تعبدا.

ففي مثال قيام الإمارة على تكلم ميّت «ما»، فإنّ كلام الميّت يثبت تعبّدا لا وجدانا، بينما حجيّة البيّنة أي: نفس الأمر الأول، يثبت وجدانا.

و كذلك الحال في المثال الثاني، إذ هناك أمر ثابت تعبدا و هو حجيّة الخبر، و هناك أمر ثابت وجدانا، و هو حجيّة الظهور.

فلو فرضنا أنّ الأمر الأول الثابت تعبّدا، كان يحتمل استحالته، بخلاف الثاني الثابت وجدانا، حينئذ، يتمّ كلام صاحب «الكفاية» (قده) و لا يلزم محذور عقلي، إذ في المثال الأول نقول: إنّ ما يحتمل استحالته، هو أن يتكلّم الميّت، و إمّا أن يتعبّد المولى بتكلّم الميّت، فليس بمحتمل الاستحالة، فما هو محتمل الاستحالة، و هو تكلّم الميّت، لم نثبته وجدانا بل أثبتناه تعبّدا، و أمّا ما أثبتناه وجدانا فهو غير محتمل الاستحالة.

296

و كذلك في المثال الثاني، فإنّ حجيّة خبر الواحد، أمر يثبت تعبّدا، و حجيّة الظهور التي معناها الثبوت التعبدي للأول، أمر يثبت وجدانا، فما هو محتمل الاستحالة لم نثبته وجدانا، و ما نثبته وجدانا لا نحتمل استحالته.

و أمّا في المقام، لو فرض أننا تمسّكنا بدليل الاستصحاب لإثبات عدم وجوب المقدمة، فهنا أمران:

الأمر الأول: ثابت تعبدا، و هو عدم الوجوب الواقعي الغيري للمقدمة.

الأمر الثاني: ثابت وجدانا، و هو نفس هذا التعبّد بعدم ذلك الواقع، بلحاظ دليل حجيّة الاستصحاب.

و هذا التعبّد بحسب الفرض موجب لارتفاع فعليّة الواقع حقيقة، لأنّ الأحكام الظاهرية المخالفة للواقع، توجب ارتفاع الفعليّة عن الواقع حقيقة، فالاستصحاب ينفي الوجوب الغيري الواقعي تعبّدا، و ينفي وجدانا فعليّة الوجوب الغيري الواقعي، و حينئذ، فما هو محتمل الاستحالة هنا، محرز وجدانا، لأننا أحرزنا وجدانا أن لا فعليّة للوجوب الغيري، و هذا نحتمل استحالته، و كيف نحرز وجدانا شيئا و في الوقت نفسه نشكّ في استحالته و إمكانه؟.

و بهذا يتبيّن أن الحق مع صاحب «الكفاية» (قده).

* الإشكال الثالث: و هو مبنيّ على مقدّمتين:

المقدمة الأولى: هي أنّ الاستصحاب باعتباره تصرّفا شرعيا، فهو لا يقع إلّا على مجعولات الشارع، و ما هو تحت تصرفه رفعا و وصفا، فيشترط في المستصحب أن يكون مجعولا شرعيا، أو موضوعا لحكم شرعي.

المقدمة الثانية: هي أنّ وجوب المقدمة ليس مجعولا شرعيا، و ذلك باعتبار أنّ وجوب المقدمة من قبيل لوازم الماهيّة لوجوب ذي المقدمة،

297

و لوازم الماهيّة ليست مجعولة، لا بالجعل البسيط لأنه خلف كونه لازما، و لا بالجعل التأليفي، لأن لوازم الماهية ذاتية، و الذاتي لا يعلّل.

أمّا عدم جعله بالجعل البسيط: فلأنّ المفروض أنه لازم، و ليس له جعل مستقل ابتداء، بل المجعول ابتداء، هو الملزوم، و هو ذو المقدمة.

و أمّا عدم جعله بالجعل التأليفي: فلأنّه من لوازم الذات المجعولة و هي ذات المقدمة، إذ بجعلها يجعل، و إلّا لزم تحصيل الحاصل، إذن فيبقى أن وجوب المقدمة مجعول جعلا قهريا، أو ذاتيا، فلا يكون الوجوب الغيري مجعولا من قبل المولى إذن.

و هذا ينتج: أن الاستصحاب لا يجري في وجوب المقدمة، لأنه ليس مجعولا شرعيا، بحسب المقدمة الثانية.

و قد عرفت أنّه يشترط فيه أن يكون مجعولا شرعيا، أو موضوعا لحكم شرعي بمقتضى المقدمة الأولى.

و قد أجاب صاحب «الكفاية» على هذا: بأنّ وجوب المقدمة، و ان لم يكن مجعولا بالأصالة بالجعل البسيط الذي هو مفاد كان التامة، أو التأليفي الذي هو مفاد كان الناقصة، و لكنّه مجعول بالعرض، و ذلك بجعل منشئه، من قبيل جعل الجزئية و الشرطية.

و هنا في المقام قد جعل الوجوب بجعل ذي المقدمة، و هذا يكفي لجريان الاستصحاب فيه، لأنّه تحت سلطان الشارع.

و توضيح الحال في صحة الإشكال و الجواب، يستدعي التكلم في ثلاث نقاط.

النقطة الأولى: و هي في تحقيق المقدمة الأولى القائلة: بأنه يشترط في جريان الاستصحاب، أن يكون مجعولا شرعيا، أو موضوعا لحكم شرعي.

298

النقطة الثانية: هي في أنّ وجوب المقدمة، هل هو مجعول بالأصالة، أو بالتبع، أو بالعرض، و ما هو معنى لوازم الماهية، و لوازم الوجود، و نسبة الوجوب الغيري إلى الوجوب النفسي على أساس ذلك؟.

النقطة الثالثة: هي أنّه لو سلّمت المقدمتان، فهل يتم كلام صاحب «الكفاية» (قده)؟.

- أمّا النقطة الأولى: فإنه لا برهان على كبراها، من كون المستصحب حكما شرعيا، أو موضوعا لحكم شرعي، و إنّما الشرط أن ينتهي إلى أثر عملي في مقام التنجيز و التعذير، و لو لم يكن مجعولا.

أمّا وجه شرطيّة ما ذكرناه: فلأنّ هذا هو حقيقة الحكم الظاهري، فإن الأحكام الظاهرية هي أحكام تنجيزية و تعذيرية، فإذا لم يترتّب ذلك تكون لغوا.

و أمّا أنّ ما شرط ليس شرطا، فلأنّ توهم اشتراط أن يكون المورد مجعولا، إنّما هو بدعوى أنّ الاستصحاب تصرف شرعي، فيحتاج إلى محل قابل، و المحل القابل إنما هو مجعولات الشارع و موضوعاتها.

و هذا الكلام صوري، لأنّ الاستصحاب تصرف شرعي ظاهري لا واقعي.

إذن، فمرجعه إلى التعبّد بثبوت شي‏ء و عدم ثبوته، و بأن التعبّد واسع يمكن أن يشمل غير المجعولات الشرعية، و يتعبّد بها إذا انتهت إلى الأثر العملي، فمثلا عند ما يجري استصحاب الخمرية، فليس معناه، إيجاد الخمر حقيقة، بل معناه، الإثبات التعبّدي للخمرية، و هذا يقبله المجعول الشرعي و غيره على السواء.

إذن فالكبرى في نفسها غير تامة، ثم إنّه لو فرضنا تماميّة الكبرى المتقدمة، فالنقطة الثانية غير تامة.

299

- و أمّا النقطة الثانية، و هي: إنّ موضوع الاستصحاب هل يشترط فيه أن يكون مجعولا بالأصالة، أو بالتبع، أو بالعرض، أو لا يشترط شي‏ء من ذلك؟.

و بعبارة أخرى: هل وجوب المقدّمة من لوازم الماهية، أو لوازم الوجود؟. و هل له مجعولية من قبل الشارع؟. و ما هو نحو مجعوليته؟؟.

تنقيح ذلك، يتوقف على معرفة لوازم الماهية، و لوازم الوجود.

و هنا ذكروا، بأنّ اللوازم تقسم عادة إلى هذين القسمين المذكورين، فالإمكان من لوازم ماهيّة الإنسان، و الزوجية من لوازم ماهية الأربعة، و الحرارة من لوازم الوجود بالنسبة إلى النار.

و الفرق بين النحوين، هو أنّ لوازم الماهيّة يكفي في تحقّقها و ثبوتها و واقعيتها نفس الماهية بلا حاجة إلى أن تكون موجودة لا خارجا و لا ذهنا.

فإنّ إمكان الإنسان أمر واقعي من دون حاجة إلى كونه موجودا، لا في الذهن، و لا في الخارج، بل حتى لو لم يوجد إنسان ذهنا أو خارجا، فإمكانه أمر محفوظ في الواقع و نفس الأمر.

و لوازم الوجود تحتاج في تحققها و ثبوتها إلى أن تكون الماهيّة موجودة حقيقة.

فماهيّة النار بما هي، لا تترتب عليها الحرارة، بل على النار في الخارج، فاللازم إذا كفى فيه ذات الماهيّة فهو لازم الماهية، و إذا لم يكف فيه ذات الماهية في نفس الأمر و الواقع، بل كان لا بدّ من وجود الماهية في الخارج، فهو لازم الوجود.

و اعترض على هذا، المحقق الأصفهاني (قده) (1) حيث قال: إنّ جعل‏

____________

(1) نهاية الدراية: الأصفهاني ج 1 ص 383- 384.

300

لازم الماهيّة، بمعنى ما يكون نفس الماهية كافيا في ثبوته، فهذا أمر غير معقول بناء على أصالة الوجود، و بناء على كون الماهيّات أمورا اعتبارية، فالماهية بما هي، و قبل أن تلبس ثوب الوجود، كيف تكون مؤثرة و علة للازم من اللوازم؟. و إنّما تكون مؤثرة و تؤثر إذا لبست ثوب الوجود.

إذن فاللازم عند المحقق الأصفهاني (قده) دائما يكون لازما للوجود، غاية الأمر، أنّه تارة يكون لازما لكلا نحوي الوجود فهو لازم الماهية، و أخرى يكون لازما للوجود الخارجي فقط فهو لازم الوجود، فالزوجية لازم الماهيّة لأنها تلزم الماهية الموجودة ذهنا و خارجا، و أمّا الحرارة فهي من لوازم الوجود لأنها تنشأ من الوجود الخارجي للنار، لا الوجود الذهني.

و هذا الاعتراض على التفسير المشهوري للوازم الماهية و الوجود غير صحيح، فإنّ إرجاع لوازم الماهية إلى لوازم مطلق الوجود مطلقا، غير صحيح لأننا ندرك بالضرورة، أنّ الماهية يثبت لها اللازم حتى لو قيّدت بعدم مطلق الوجود، إذ يصدق قولنا، الأربعة زوج و ليست فردا بالضرورة، و لو لم تكن هذه الأربعة موجودة، لا في ذهننا، و لا في الخارج.

و نحن عند ما نحضر الأربعة المعدومة بقول مطلق في ذهننا، فإنّ هذا الإحضار، و إن كان معدوما، لكنّه موجود في الذهن بالحمل الشائع، فمفهوم الأربعة غير الموجود بالحمل الأولي، هو موجود بالحمل الشائع، و نحمل عليها الأربعة بالحمل الأولي، و الوحدة التاسعة من وحدات التناقض هي وحدة الحمل.

و حينئذ، عند ما نحكم على الأربعة الموجودة بالحمل الشائع بأنّها غير موجودة، يمكن أن نلحظها بكلا الحملين.

و هذا برهان على أنّ الزوجية لا تحتاج إلى الوجود، و إلّا لما صدق حمل الزوجية على المفهوم الملحوظ بالحمل الأولي، إذ إنّ مفهوم الأربعة

301

بالحمل الأوّلي كان عاريا عن الوجود، فالحكم بالزوجية يلازم الماهية مع ملاحظة المفهوم بالحمل الأولي.

و هذا دليل على أنّ اللازم ثابت لنفس الماهية بقطع النظر عن الوجود ذهنا و خارجا.

و أمّا ما أثير من شبهة أنّ الماهية أمر اعتباري فكيف تكون موجدة للّازم؟، هذه الشبهة في غير محلها، لأنّ لازم الماهية، نسبته إلى الماهية، نسبة الصفة إلى الموضوع، لا نسبة المعلول إلى العلة، فإمكان الإنسان، موضوعه، الإنسان، و زوجية الأربعة، موضوعها الأربعة، و لكن ليست العلة هي الإنسان أو الأربعة، لأنّ لوازم الماهية ليس لها وجود أصلا، بل هي واقعيّة في نفسها غير موجودة، إذ إنّ لوح الواقع أوسع من لوح الوجود، فهناك أشياء واقعية بنفسها، لا علة لها كالواجب بالذات، غاية الأمر، أنّ الواجب بالذات، وجوده واجب، لأنّه محض الوجود، و أمّا الزوجية، فهي بنفسها واجبة بالذات، لا بوجودها، بمعنى أن ثبوتها للموجود الذي هو الأربعة واجب بالذات، بينما واجب الوجود بالذات، وجوده واجب بالذات لأنّه محض الوجود، فلا يلزم تعدّد واجب الوجود، إذن فالزوجية صفة ثابتة ذاتيا بنفسها، لا بوجودها فلا علة لها.

إذن فالصحيح ما عليه المشهور، من أنّ لوازم الماهيّة هي التي تكفي نفس الماهية في وجودها، بخلاف لوازم الوجود، فإنه لا يكفي في وجودها إلّا وجود الماهيّة خارجا.

و أمّا أنّ لوازم الوجود مجعولة، فلأن نسبتها إلى الملزوم نسبة المعلول إلى العلة، فالحرارة مجعولة بالتبع، لأنّ اللّه تعالى جعل النار بالمباشرة.

و أمّا لوازم الماهيّة فليست فيها معلوليّة، فلا يكون فيها مجعولية، و إنما هي أمور انتزاعيّة تكون الماهيّة منشئا لها، و لذا يقال: إن لوازم الماهية مجعولة بالعرض، بمعنى أنّ جعل نفس الماهيّة، هو جعل للأربعة حقيقة،

302

و نفس هذا الجعل ينسب إلى الزوجية عرضا و مجازا و انتزاعا، و هذا غير مصطلح الجعل بالتبع، فإنّه يطلق على لوازم الوجود بلحاظ جاعل ملزومها، فالحرارة إذا قيست إلى النار، فهي مجعولة بالأصالة، و إذا قيست إلى خالق النار، فهي مجعولة بالتبع و العرض.

و بهذا اتضح أنّ اللوازم على قسمين: لوازم ماهية، و لوازم وجود، و الثانية نسبتها إلى ملزومها، نسبة المعلول إلى العلة، فهي مجعولة من قبل ملزومها بالمباشرة، و من قبل جاعل ملزومها بالتبع.

و أمّا الأولى، فنسبتها إلى الماهيّة، نسبة الأمر الانتزاعي إلى محطّ انتزاعه، و هي ليست مجعولة أصلا، فتكون مجعولة بالعرض و المجاز لا بالحقيقة.

و حينئذ، إذا أتينا إلى محل الكلام، نرى أن وجوب المقدمة، بحسب ظاهر «الكفاية»، نرى أنّه من لوازم الماهيّة- إن كان المحقق الخراساني (قده) يجري على الاصطلاح- و إنما استظهرنا كون وجوب المقدمة من لوازم الماهيّة، لأنه عبّر عنه بالمجعول بالعرض، و لم يعبّر بالتبع.

و لكن من الواضح، أنّه من لوازم الوجود، لتعدد الوجود خارجا، و تعدّد الجعل تشريعا، فإن الشوق النفسي إلى ذي المقدمة فرد من الشوق، غير الشوق المتعلق بالمقدمة، فهنا شوقان: أحدهما نفسي، و الآخر غيري.

و معنى هذا، أن وجوب المقدمة من لوازم الوجود لا الماهيّة، إذ من دون وجود وجوب لذي المقدمة، لا وجوب غيري، لأنّ هذا يترشح من ذاك.

فالتعبير بأنه مجعول بالعرض كما في «الكفاية» غير مفهوم.

- و أما النقطة الثالثة: و هي أنّه لو سلمنا الكبرى، و هي اشتراط أن يكون المستصحب مجعولا للشارع، و سلّمنا أنّ وجوب المقدمة من لوازم الماهية، و أنه مجعول بالعرض لا بالحقيقة، لو سلّمنا بكل هذا، فهل يكفي ذلك في مقام الجواب، بأن نقول: إنّه مجعول بالعرض؟. و هل هذا يكفي لدفع‏