بحوث في علم الأصول - ج5

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
533 /
303

الإشكال و لصحة إجراء الاستصحاب؟. أو فرضنا أنّا فسّرنا المجعول بالعرض بالمجعول بالتبع، و قلنا: إنّ وجوب المقدمة من لوازم الوجود، فهل يكفي هذا لإجراء الاستصحاب؟.

الظاهر أن المطلب لا يخلو من إشكال، لأننا في الكبرى، اشترطنا كون مورد الاستصحاب مجعولا من قبل الشارع، لأن الاستصحاب تصرّف من قبله و لا يمكن إجراؤه إلّا على القابل لذلك، و حينئذ نقول: إن هذا المجعول بالعرض و بالتبع يقبل الرفع حقيقة، و لكن الرفع بالعرض أو بالتبع، لا الرفع بالذات.

فإن اشترطنا هذه القابلية، حينئذ، لا بدّ من أن نجعل الرفع الاستصحابي رفعا بالعرض أو بالتبع، و هذا معناه رفع الأمر بذي المقدمة و هو خلف.

و إن قلنا: بإنه و إن كان لا يقبل الرفع بالأصالة، و لكن لا بأس بأن يرفع بالأصالة تعبّدا، فهذا إنكار للكبرى التي فرضنا التسليم بها.

و حاصل الكلام، هو: إنّ الرفع الذي يعقل بالنسبة إلى هذا المجعول بالعرض أو بالتبع، إنّما هو الرفع بالعرض أو بالتبع.

فإن أردتم بالاستصحاب الرفع بالتبع أو العرض، فهذا يساوق رفع الأمر بذي المقدمة، و هو خلف.

و إن أردتم رفعه بالذات، مع أنه لا يقبل الرفع بالذات، فهذا رجوع إلى إنكار الكبرى التي فرغنا عنها، فالنقطة الثالثة إذن لا تفيد ما أريد بها من فائدة.

و الخلاصة، هي إنّه في مثل المقام لا يمكن إجراء الاستصحاب، و ذلك لأنه إن أريد بالتعبّد الاستصحابي نفس الموجود بالعرض أو بالتبع دون الموجود بالذات و بالأصالة، فهذا ليس تحت تصرف المولى أيضا، و المفروض اشتراط كون المستصحب تحت تصرف المولى.

304

و إن أريد بالاستصحاب نفي الموجود بالعرض أو بالتبع ظاهرا، أي:

رفع الأثر العملي من وجوده، فهذا خلف اشتراط كون المستصحب تحت تصرف الشارع، و إنكار للكبرى و رجوع للالتزام بالكبرى الأخرى التي فرغنا عنها في النقطة الأولى، و بهذا ننهي الكلام عن الأصل العملي، و نستأنف الكلام في الملازمة مباشرة، لتحقيق أنّه: هل يوجد ملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته؟.

305

الجهة الثامنة الملازمة بين وجوب شي‏ء و وجوب مقدمته‏

و الذي ينبغي أن يقال في هذا المقام، هو أن الوجوب له ثلاث مراحل:

أ- عالم الملاك، أو عالم المصالح و المفاسد.

ب- عالم الشوق و الحب و البغض.

ج- عالم الجعل و الإنشاء و الاعتبار.

و في المقام، لا ينبغي إدخال العالم الأول في النزاع و الخلاف، إذ لا ينبغي الخلاف في أنّه لا يوجد ملاك نفسي للمقدمة، و إلّا لكان خلف كونها واجبا غيريا، كما أنّه لا معنى لأن يقال: إن وجود مصلحة في ذي المقدمة يستوجب مصلحة نفسية في المقدمة، كما أنه لا إشكال في وجود مصلحة غيرية في المقدمة، و هي تسهيل الوصول إلى ذيها، إذن فالملاك النفسي في المقدمة مقطوع العدم، و إنّما ينحصر الخلاف في العالمين الآخرين في الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته، و حينئذ يقال:

إن الصحيح هو عدم وجود ملازمة بين الوجوبين في عالم الجعل و الإنشاء و الاعتبار، و ذلك لأن الملازمة المدّعاة، تارة تدّعى بنحو الاستتباع القهري، من قبيل استتباع الإحراق للإلقاء في النار، و أخرى تدّعى الملازمة بمعنى كون أحد الأمرين يحقق داعيا و مناسبة للّازم الآخر، من قبيل أن يزور زيدا فتكون هذه الزيارة داعيا لأن يزور أباه من دون استتباع قهري.

306

إذن فالملازمة لها نحوان:

فإن ادّعي النحو الأول: فهو غير معقول أصلا بين الجعلين، لأنّ الجعل فعل اختياري للجاعل، يصدر منه بالإرادة و السلطنة و الاختيار، فلا معنى لأن يكون جعله لذي المقدمة مستلزما لجعل المقدمة.

و الملازمة القهرية أنما تتعقل بين الأفعال و نتائجها الخارجية، لا بين فعلين مباشرين للفاعل، يستند كل منهما إلى مبادئه من الاختيار و الإرادة، لا لفعل مباشري آخر. إذن فإنشاء الوجوب النفسي لا يعقل أن يستتبع قهرا إنشاء للوجوب الغيري.

و إن ادّعي النحو الثاني: بمعنى كون أحد الأمرين يحقّق داعيا و مناسبة للّازم الآخر، فهو أمر معقول، إذ قد يوجد فعلا مناسبة لفعل آخر، كما لو كانت زيارته لزيد مناسبة و داعيا لأن يزور أباه، و لكن هذا الأمر المعقول غير واقع في المقام، إذ ليس هناك داع لإيجاب المقدّمة في عالم الجعل و الإنشاء، لأن الجعل له داعيان و كلاهما مفقود.

- الداعي الأول للجعل: هو أن يبرز المولى شوقه و عواطفه النفسية، و لذا قلنا سابقا: بأنّ الجعل له دور الكشف عن العالم السابق.

- الداعي الثاني للجعل: هو أنّ المولى يريد أن يعيّن مركز المسئولية و يحدّدها، لأنه قد يشتاق إلى شي‏ء، و لكن يلقي في عهدة المكلّف بعض مراحل هذا الشي‏ء لا نفسه، فمثلا، المولى يشتاق فيما يشتاق إليه، إلى أن يكون المكلّف بعيدا عن الفحشاء و المنكر، و لكن لا يريد أن يجعل ذلك في عهدته، لأنه لا يحسن التصرف، فيجعل في عهدته مقدمة المحبوب و هو الصلاة، مع أن الصلاة هي ذي المقدمة و ليست المقدمة، و لكنه يدخل المقدمة في العهدة، و يكون هذا الجعل بالجعل و الاعتبار و الإنشاء، و بهذا الجعل يحدّد أنّ ما يدخل في عهدته «ما هو» فيدخل المقدمة في العهدة.

- و إن شئت قلت: إنّ الداعي الثاني للجعل هو أن يكون المولى في مقام‏

307

تحديد مركز المسئولية، و تعيين ما يدخل في عهدة المكلّف، كما لو فرض أنّ مقدمات المحبوب المولوي ليست جميعها تحت قدرة المكلّف، فيترك له الفرصة في تحقيق محبوبه عند التمكن، و بهذا الجعل، يكون قد حدّد ما يدخل في العهدة، و بهذا التحديد يكون كأنه أدخل المقدمة في العهدة أيضا، و كلا هذين الأمرين لا يعقل تصوره هنا.

أمّا الأول فغير صحيح باعتبار أنّ الشوق إلى المقدمة يكفي في مقام الكشف عنه، نفس جعل وجوب ذي المقدمة، لو تمّت الملازمة بين الشوقين في العالم الثاني، و إن لم تتم الملازمة بين الشوقين، فلا شوق إذن حتى يكشف عنه نفس جعل ذي المقدمة.

فالنتيجة، هي: إنّه إن كانت ملازمة بين الشوقين، فإن الجعل الكاشف عن الشوق الملزوم بالمطابقة، يكشف عن الشوق اللّازم بالالتزام.

و أمّا الداعي الثاني، فغير صحيح، لأن تحديد مركز المسئولية و ما يدخل في عهدة المكلّف، إنما هو المحبوب المولوي، لأن الدخول في العهدة مساوق للتنجز، و قد عرفت غير مرة أن الواجب الغيري لا عقاب له، و لا ثواب له، حتى يدخل في العهدة، إذن فلا يقبل التنجز، و عليه، فكلا الداعيين غير موجود، إذن فالملازمة بالنحو الثاني غير صحيحة.

و أمّا الملازمة في عالم الشوق و الحب، بمعنى أنّ الشوق إلى ذي المقدمة هل يكون علة للشوق إلى المقدمة؟.

و التحقيق فيه، هو التلازم و العلية بين الحب النفسي و الحب الغيري، بعد أن كان الشوق من الأمور التكوينية، و شأنه أن يستتبع قهرا أمرا تكوينيا آخر، و هذا هو ملاك الحب النفسي إن لم يكن هو نفسه، و هذا بخلاف الجعل و الإنشاء و الاعتبار، فإنها من الأفعال الاختيارية، و يمكنك أن تتأكد من تشخيص هذا التلازم و العليّة من خلال العلل التكوينيّة بين الأشياء في عالم الطبيعة، حيث لا يمكن فيها إثبات عليّة شي‏ء لشي‏ء بالبراهين العقلية، كما في‏

308

إثبات عليّة النار للإحراق، فإن الإنسان مهما أوتي من قوة الفكر، يبقى عاجزا عن ذلك، دون أن يهتدي إليه، ما لم يجرب و يضع يده في النار، حينئذ يدرك اقتران المعلول بعلّته، أو يرى أثار المعلول، دون أن يملك في هذا الاستتباع و الاقتران أيّ اختيار.

و هذه هي الطريقة العامة لإثبات أيّ سببية محتملة بين شيئين، و لا ينبغي سلوك طريقة البراهين القبلية لإثبات أنّ حب ذي المقدمة علة لحب المقدمة، بل لا بدّ من الاستقراء و الملاحظة و التجربة الوجدانية التي وعاؤها النفس، حيث لا مطمع في برهان إلّا الوجدان، إذ هو الذي يدرك التلازم بين إرادة الواجب النفسي و بين مقدماته، و أن الإنسان دائما كلّما أراد شيئا أراد مقدماته تبعا لمراده النفسي‏ (1).

و هذا الوجدان لم ينكره حتى أولئك الذين التزموا رسميا بعدم وجوب المقدمة، كالسيد الخوئي (قده) (2)، حيث يصرح بذلك الوجدان ثم يستدرك على نفسه، بأنّ هذا ليس قولا بوجوب المقدمة، إذ الوجوب حكم شرعي بينما الشوق ليس حكما شرعيا.

و لكن الصحيح إنّ هذا القول هو قول بالوجوب، إذ إنّ النزاع ليس في الألفاظ، و إنما البحث في وجوب المقدمة بالقدر الذي يحقّق ثمرة النزاع، و الثمرة هي وقوع التعارض بين دليل الأمر بالإنقاذ، و بين دليل حرمة الغصب، بناء على القول بوجوب مطلق المقدمة، لأنّ خطاب «أنقذ» يترشح منه وجوب غيري على دليل «الغصب»، فيجتمع دليلان على شي‏ء واحد و هما «أنقذ و لا تنقذ»، بينما لا يقع التعارض على القول بعدم الوجوب، و لكن بعد اعترافنا بترشح حب مولوي من ذي المقدمة مطلق على المقدمة يقع التعارض.

و نحن لسنا وقفا على اصطلاحات الحكم، بل نحن تبعا للثمرة، إذ لا

____________

(1) بل تكاد تكون إرادة المقدمات شأنا تكوينيا من شئون المراد للنفسي الأصلي.

(2) أجود التقريرات: ج 1 ص 231.

309

يفرق الحال فيها بين كون الوجوب الغيري هو الجعل أو الحب، فإنّ ميزان التعارض إنما هو الحب مع البغض، و ليس الجعل مع الحب، و لا الجعل مع الجعل.

و عليه، فيكون هذا القول قولا بوجوب المقدمة، غاية الأمر أنه وجوب و جعل بلحاظ عالم الشوق و الحب.

ثم إنّه بقيت أدلة حاول القائلون بوجوب المقدمة أن يستدلوا بها نستعرضها تباعا:

الدليل الأول: و هو يتكون من مقدمتين: كبرى، و صغرى.

أمّا الكبرى: فهي أنه كلما صحّ على الإرادة التكوينية، يصح على الإرادة التشريعية، لأنهما من سنخ واحد.

و أمّا الصغرى: فهي أنه يصح على الإرادة التكوينية الملازمة بين إرادة الشي‏ء و إرادة مقدمته، فينتج أنه تصدق الملازمة في جانب الإرادة التشريعية.

و الصغرى في هذا الدليل يمكن أن تقرّب بأحد تقريبين:

التقريب الأول: هو أنه قد صحّ إن إرادة ذي المقدمة تستلزم إرادة المقدمة، بمعنى إن كل من اشتاق أن يأتي بفعل، فهو يشتاق للإتيان بمقدماته، و ذلك بدليل أنه يأتي بالمقدمة، و إلّا فلو لم يصح، لما أتى بالمقدمة، و هذا البرهان «إنّي»، بمعنى أنّ المريد يأتي بالمقدمة، و هذا معلول للشوق الغيري، فهو مشتاق إذن للمقدمة، إذ الفعل الصادر عن المختار، ما كان ليصدر لو لم تتعلق به الإرادة.

و هذا البرهان «الإنّي» هو الذي يميّز الإرادة التشريعية عن الإرادة التكوينية، إذ إنّه غير موجود في الإرادة التشريعيّة، و من هنا جعلت الملازمة في الإرادة التكوينية أمرا مفروغا عنه، و لذلك استدلّ به على الإرادة

310

التشريعية، و حينئذ بضم تلك الكبرى نثبت الملازمة في طرف الإرادة التشريعيّة.

و هذا التقريب غير تام، و ذلك لأن البرهان «الإنّي» على الملازمة بين الشوقين، و هو استكشاف وجود الشوق الغيري إلى المقدمة، بلحاظ أنّ الفاعل يأتي بها خارجا، مثل هذه الملازمة، غير تامة، لأنّ الإتيان بها لا يكشف عن الشوف للمقدمة، بل قد يكون أتى بها بمحركيّة الشوق و الإرادة التكوينية المتعلقة بذي المقدمة ابتداء، فلذلك يعمل الفاعل قدرته بإتيان المقدمة أولا، ثم ذي المقدمة ثانيا، إذن فليس صدور المقدمة كاشفا «إنّيّا» عن الشوق إلى ذي المقدمة.

و حينئذ يمكن لمن يشكّك في الملازمة بين الإرادتين في التشريعية، أن يشكك في الإرادة التكوينيّة أيضا، و يقول: لا ملازمة بين الشوقين و الإرادتين حتى لو سلّمت الكبرى، إذ لم تثبت الملازمة في طرف التكوينيّة حتى تسري إلى التشريعية.

التقريب الثاني: هو إنّه لا إشكال في أنّ إرادة ذي المقدمة في موارد الإرادة التكوينية تستدعي تصدّي المريد إلى حفظ المقدمة، لا تصدّي بالشوق فقط، بل بحفظها بإعدادها و تهيئتها حتى لو لم يتعلق بها شوق و لا إرادة، و هذه القضية صادقة في الإرادة التكوينية بالبداهة، و هذا يقتضي أن يسري ذلك إلى الإرادة التشريعية أيضا، غاية الأمر، أنّ الحفظين يختلفان باختلاف الإرادة، فحفظها في موارد الإرادة التكوينية يكون بإعمال القدرة على فعل المقدمة، و في موارد الإرادة التشريعية، يكون حفظ المقدمة، بإيجابها على المكلّف، و بهذا يثبت وجوب المقدمة.

و هذا التقريب، غير قابل للإنكار في طرف الإرادة التكوينية، و لنفرض أنّ كلّ ما يصح في الإرادة التكوينية يصح في الإرادة التشريعية، و لكن من قال إنّ حفظ المقدمة في الإرادة التشريعية ينحصر بإيجابها على المكلّف، فإن هذا من وجوه الإرادة التشريعية، و ليس كل وجوهها، إذ إنّ من وجوه حفظها الأخرى قد يكون بحكم العقل بلا بدّيّة المقدمة، خصوصا و أنّه لا دليل على‏

311

حفظها بنحو آخر كالحكم بالوجوب خاصة، لا سيّما أن هذا الإيجاب لا حافظيّة له بما هو أمر غيري، لأنه لا منجّزية و لا محركيّة له، و إنما حفظها بحكم العقل بلا بدّيّة المقدمة لاقتضاء إيجاب ذي المقدمة الإتيان بالمقدمة في مقام الامتثال، إذ إنّ هذا حفظ مولوي بالمقدار الممكن للمولى كمولى و آمر، و لذلك، ليس على هذا النوع من الأوامر الغيرية، ثواب و لا عقاب.

إذن فصغرى هذا الدليل بكلا تقريبيها في عالم الشوق، و في عالم الحفظ، غير تامة، حتى لو فرض تمامية كبراه.

الدليل الثاني: على وجوب المقدمة، هو أنّه لو لم تجب لجاز تركها، و إذا جاز تركها، فإمّا أن يفرض أن المولى يعاقب التارك لها أو لا.

فإن فرض أنّه لا يعاقب: كان معناه، انقلاب الواجب النفسي المطلق إلى الواجب المشروط، و من ثمّ انقلاب مقدمة الوجود إلى مقدمة للوجوب، و معنى هذا، أنّ الصلاة غير واجبة إلّا على من يتوضأ.

و إن فرض أنه يعاقب التارك لها: فهذا خلف جواز الترك المفروض، فكيف يعاقب على ما جاز تركه؟. إذن فكلا التاليين في الشرطية الثانية باطل، إذن فمقدّم القضية الشرطية باطل، و هذا المقدم هو التالي في الشرطية الأولى فتكون الشرطية الأولى باطلة أيضا، و ببطلان الشرط، «و هو عدم وجوب المقدمة» يثبت وجوبها إذن.

و هذا الدليل، مطابق لما نقله صاحب الكفاية (قده) (1) عن أبي الحسن البصري‏ (2).

مع شي‏ء من التعديل، فنقول: ما ذا يراد من جواز الترك في الشرطية

____________

(1) كفاية الأصول: مشكيني ج 1 ص 210.

(2) الإحكام في أصول الأحكام: الآمدي ج 1 ص 95.

312

الأولى، «لو لم يجب لجاز تركه» فهل يراد جواز ترك الوضوء بما هو وضوء؟، أو جواز تركه بلحاظ تمام الحيثيات المترتبة على هذا الترك؟، كترك الصلاة مثلا؟.

فإن أريد الأول، أي: جواز ترك الوضوء بما هو وضوء، فالشرطية الأولى صادقة.

و أمّا الشرطية الثانية فإننا نختار عقاب التارك، و لا يلزم الخلف لجواز الترك، لأنّ الجواز من ناحية كونه وضوءا، و لكن العقاب من ناحية استتباعه لترك الصلاة المقيدة بالوضوء، و لم نجوّزه، إذن لا علاقة بينهما.

و إن أريد من جواز الترك في الشرطية الأولى الجواز من كل جهة و بلحاظ تمام الحيثيّات، إذن فالشرطية الأولى غير صادقة فهي ممنوعة، إذ لا ملازمة بين المطلبين، فإنّه لا يلزم من عدم وجوب المقدمة، جواز تركها من جميع الحيثيات المستتبعة للترك. إذ معنى أنه لا يجب، أي: لا يجب من حيث أنه هو هو لا يدخل في جواز الترك إذن فهذا الدليل إمّا الشرطية الثانية فيه كاذبة أو الأولى.

الدليل الثالث: هو أننا نتمسك بالأوامر الشرعية و العرفية المتعلقة ببعض المقدمات، إذ نستكشف منها بطريقة «الإنّي» ثبوت الحب و الإرادة الغيرية فيها، لا سيّما و نحن نعلم أنّه لا يوجد ملاك نفسي في مورد هذه الأوامر، فيتعيّن أن يكون منشؤها هو الحب الغيري.

و إذا ثبت الحب الغيري في مورد، ثبت في كل مورد، لأنّ الملازمة لا تتبعض.

و هذا الدليل غير صحيح، لأنه إن أريد الاستدلال بهذه الأوامر على طريقة الكشف «الإنّي»، بدعوى أن هذه الأوامر تكشف «إنّا» عن وجود مبدئها في نفس المولى، و هو الشوق إلى المقدمة.

313

أو فقل: إن أريد أنّه يستكشف الملازمة من تلك الأوامر ببرهان «الإنّي»، بدعوى أنّه لو لا ثبوت الملازمة، لما كان هناك سبب أو داع لتلك الأوامر بتلك المقدمات، فهو غير صحيح.

و ذلك لأنّ هذه الأوامر ثبوتا، كما يمكن أن تكون بداعي الشوق النفسي إلى المقدمة، يعقل أن تكون بداعي الإرشاد إلى مقدميتها، و دخلها في الغرض من الواجب النفسي، و إذا كان للشي‏ء علّتان، فلا يمكن كشف إحداهما بالخصوص، فلا يثبت بها الشوق و الحب النفسي.

و إن أريد الاستدلال بهذه الأوامر بعد ضم ظهورها في كونها في مقام التكليف، بدعوى أنّ حملها على الإرشاد خلاف الظاهر، فتكون حجة على الشوق و الحب المتعلق بالمقدمة، غاية الأمر أنها حجة تعبّديّة، و لو من باب الظهور، على وجوب المقدمة و الشوق إليها.

إن أريد هذا، حينئذ يرد عليه، إنّه لا ظهور للأوامر الواردة في الشرائط، و المقدمات، و الأجزاء، و المعدّات، و الموانع، و غيرها، بل إنّ تلك الأوامر لها ظهور في أنّ النظر إلى تحقيق ماهية المركب من تلك الأجزاء، و الشرائط، و المقدمات.

هذا مضافا إلى أنّ المستدل بهذا الظهور المدّعى هو واحد من اثنين:

فإن كان المستدل بهذا الظهور هو ممّن يجد في وجدانه حب المقدمة، فقد سبق و حكم وجدانه بثبوت الملازمة.

و إن كان المستدل بهذا الظهور هو ممّن لا يجد في وجدانه حب المقدمة، فإنّ هذا الثاني قد انتفت عنده الملازمة، و هي لا تتبعّض، لو كانت تتبعض لسقط الدليل من أصله.

نعم لو تعقلنا الشك في الوجدانيّات التي منها هذا المقام، فقد يرجع الشاك فيها إلى هذا الظهور من عدم احتماله للتفصيل في الوجوب الغيري،

314

و إلّا لم يكن هذا دليلا على الملازمة كما تقدّم.

و بهذا يتضح أنّ الصحيح ما قلناه في البرهنة على الملازمة في عالم الجعل، دون عالم الشوق و الحب، فإنه لا يصح فيه البرهان، و إنما يتوقف على الوجدان. إذن فلا يصح واحد من هذه الوجوه.

ثم إن المحقق الخراساني (قده) تعرض في «الكفاية» (1) لإنكار تفصيلين في وجوب المقدمة:

التفصيل الأول: هو بين القول بوجوب المقدمة فيما إذا كانت شرطا شرعيا، فتكون واجبة لكون فرض الشرطية و المقدميّة الشرعية مساوقا لفرض الإيجاب، و بين القول بعدم وجوب المقدمة لإنكار الملازمة فيما إذا لم تكن شرطا شرعيا، بل كانت مقدمة تكوينية خارجية كنصب السلّم.

و حاصل هذا الإنكار هو: إنّ الشرطيّة و المقدميّة لا يعقل أن تكون متحصلة من الوجوب الغيري لها كي يستكشف ثبوته بها، لأن الوجوب الغيري فرع الشرطية و المقدميّة فهو موقوف عليها، بل الشرطية الشرعية منتزعة من الأمر النفسي بالمقيّد، فإن الأمر حينما يتعلّق بالصلاة المقيّدة، ينتزع أنّ القيد شرط و مقدمة، و هذه المقدميّة بحسب الحقيقة هي مقدميّة تكوينية أيضا، غاية الأمر أن ذا المقدمة ليس هو ذات الصلاة فقط، بل الصلاة مع التقييد.

إذن فمن الخطأ أن نتصوّر أن الشرطية و المقدميّة تارة تكون شرعية، و أخرى تكون تكوينيّة، بل هي دائما تكوينية، و إنما ذو المقدمة تارة يكون ذات الفعل، و أخرى يكون الفعل المتقيّد بما هو متقيّد، بنحو دخول التقيّد و خروج القيد، فيسمّى الشرط شرعيا و مقدمة شرعية، لأن التقيّد من شأن الشارع.

و بتعبير آخر يقال: إن المقدميّة لا يعقل أن تكون متوقفة على الإيجاب‏

____________

(1) كفاية الأصول: مشكيني ج 1 ص 203.

315

الغيري لها كي يستكشف ثبوته بها، لأنّ الإيجاب الغيري موقوف عليها، فكيف يصح أن يكون منشأ لها، بل هي منتزعة من الأمر النفسي بالمقيّد.

هذا مع أن المقدمة الشرعية هي مقدمة عقليّة في واقعها، و لا فرق بينها و بين المقدمات العقلية الأخرى من حيث المقدميّة، و إنما الفارق بينهما يكون بلحاظ ذي المقدمة، فإنه في المقدمة الشرعيّة تارة يكون ذو المقدمة هو المقيّد المأمور به لا ذات الفعل، و أخرى يكون ذو المقدمة هو ذات الفعل، و يبقى توقّف المقيّد على المقدمة الشرعية أمرا عقليا لا محالة.

التفصيل الثاني: هو التفصيل بين المقدمة التي تكون سببا توليديا، و بين غيرها.

فالأول: يكون في فرض كون الواجب من سنخ المسبّبات التكوينية التي تقع قهرا بعد وقوع أسبابها، فيتعلق الوجوب بالمقدمة لاستحالة تعلّقه بذي المقدمة، لخروجه عن الاختيار.

و الثاني: ما لم تكن المقدمة فيه سببا توليديا، بل كانت من قبيل نصب السلّم للكون على السطح، فلا يتعلّق الوجوب بها لعدم الملازمة.

و يجاب على الأول: بأنّ هذا ليس تفصيلا في وجوب المقدمة، و إنما هو لأجل أنّ الأمر و الوجوب النفسي، إنما يتعلق بالمقدور، و القدرة إنما تكون على السبب التوليدي، لا على المسبّبات.

و يجاب على الثاني: بأنّ هذه النكتة غير واردة في غير الأسباب التوليدية، حيث يكون ذو المقدمة تحت القدرة أيضا.

و من هنا فإنّ هذا التفصيل ليس تفصيلا، بل هو اختيار لتعلّق الوجوب النفسي بالمقدمة التي تكون سببا توليديا، و إنكارا للوجوب الغيري.

و هذا اختيار باطل، لأنه يتخيّل عدم القدرة على ذي المقدمة، و انحصار القدرة بالمقدمة، و هو غير صحيح، إذ ليس المراد من كون المسبّب مقدورا

316

كونه ممّا يمكن فعله بقوة عضليّة أو نفسانية حتى يقال بأن الاحتراق ليس فعلا لنا، و إنما فعلنا إلقاء الورقة في النار.

و إنّما المراد بالقدرة التي هي شرط عقلي للتكليف، كون المكلّف بحيث لا يقع في حرج، و يكون الفعل تحت سلطنته، أو كونه بحيث إن شاء فعل، و إن شاء ترك، و هذا يصدق على ذي المقدمة المسبّبية و المقدمة السببية.

إذن فالوجوب يتعلّق بالمسبّب.

317

خاتمة في مقدمة المستحب و الحرام و المكروه‏

فأمّا مقدمة المستحب: فوزانها وزان مقدمة الواجب، و لا كلام زائد فيها عنه.

و أمّا مقدمة الحرام: فهي تختلف إلى حدّ «ما» عن مقدمة الواجب، فلو فرض أنّ الواجب كان له مقدمات عديدة يتوقف عليها جميعا، فبناء على القول بالملازمة، يترشّح الوجوب عليها جميعها.

و أمّا الحرام: فيكفي في تركه ترك إحدى المقدمات، و من هنا، فإنه لا يترشح حرمة على كل المقدمات، و لا يترشح الوجوب على جميع التروك، بل على بعضها، و هذا البعض الذي يجب تركه فيه تفصيل.

و حاصل هذا التفصيل: هو إنّ الحرام إذا كان له عدة مقدمات، فتارة يفرض أنّ إحدى هذه المقدمات موقعها بحسب قطار هذه المقدمات هو الأخير، أي: إنّها تقع في آخر قطار هذه المقدمات، بحيث أنّه بعد وجودها يوجد الحرام.

و تارة أخرى يفرض أنّ المقدمات هذه، هي من حيث التقديم و التأخير واحدة، من حيث موقعها من ذي المقدمة.

و حينئذ يقال: إنّه إذا فرض الشق الأول، و هو كون هذه المقدمات مترتبة بحيث أنه بعد وجود المقدمة الأخيرة يوجد المحرم، حينئذ تكون المقدمة الأخيرة هي الحرام وحدها، و تركها هو الواجب وحده، و أمّا ترك ما قبلها من‏

318

المقدمات فلا يقع واجبا، لا تعيينا و لا تخييرا، لأنّه يكفي في ترك الحرام ترك المقدمة الأخيرة.

و أمّا إذا فرض الشق الثاني، و هو كون تلك المقدمات بمجموعها علة تامة عرضية، و تتبادل التقديم و التأخير فيما بينها، حينئذ يكون الواجب ترك أحدها تخييرا.

نعم إذا أتى بها ما عدا واحدة، تعيّن وجوب الترك في الأخيرة، دون أن يكون هنا طلب تخييري لترك أحدها، و ذلك لأنّ ترك المقدمة الواقعة في المرتبة السابقة، يستتبع ترك تلك المقدمة، إذن فلا وجه لطلبه و لو تخييرا، لأنه يكون من باب طلب مجموع التركين، في حين أن امتثال الحرمة غير موقوف عليهما، بل هو موقوف على أحدهما، و حيث أنّ أحد التركين واقع، فسوف تكون حرمة مجموع المقدمات مؤدية إلى المنع عن الأخيرة و طلب تركها تعيينا. هذا بنحو الكبرى.

و التحقيق بنحو الصغرى هو: إنّ كل فعل كان بحيث يصدر عن الإرادة و الاختيار بعد تمام مقدماته، و لا تكون مقدماته من قبيل الأسباب التوليدية، يكون دائما من الشق الأول، و عليه فتكون إرادة الحرام فقط حراما لأنها أحد أجزاء مجموع مقدماته، و يكون تركها واجبا تعينيا، لأنها الجزء الأخير من العلة التامة.

و أمّا إذا كان الحرام مسبّبا توليديا لمقدماته، كما لو حرم قتل المؤمن مثلا، و كان إلقاؤه من شاهق سببا لقتله، فإنه، في مثل ذلك، لو كانت المقدمة و العلة التامة مجموع أمور عرضيّة، حيث أنّ كلا منها يتبادل التقديم و التأخير مع الآخر فيما بينها، حينئذ يكون الواجب ترك أحدها تخييرا.

و قد يتعيّن هذا المطلوب التخييري تعيّنا عقليا، فيما إذا انحصر فيه الموصول إلى الحرام، و أمّا إذا لم ينحصر الوصول إلى الحرام في واحد من المطلوبات التخييرية، حينئذ لا يطلب تركه و لا يحرم فعله، إلّا إذا صار

319

صغرى لكبرى حرمة التجري، فيكون حراما، و لكن حرمة غير الحرمة المبحوث عنها في محل الكلام.

و بهذا يتضح أنّه في المحرمات الاختيارية التي لا تكون مسبّبات توليدية، بل هي صادرة عن الإرادة و الاختيار حتى بعد تماميّة كل المقدمات الأخرى، فإن الإرادة فيها تتصف بالحرمة الغيرية دون المقدمات الأخرى، فتكون من الشق الأول.

و لكن وقع البحث، في أن هذه المقدمة- الإرادة- المتّصفة بالحرمة الغيرية، هل تتّصف بحرمة نفسية، أو لا تتصف؟.

قد يقال: بأنّه لو أتى بالمقدمة هذه بقصد التوصل إلى الحرام، فإنّها حينئذ تتصف بالحرمة النفسية، و لكن هذا بحث يحتاج إلى دليل فقهي سوف نتعرض له في بحث التجري.

كما أنّ هناك بحثا آخر و هو، إنّ الشخص الذي يعرف من نفسه أنّه لو أتى بالمقدمات، سوف ينهار أمام إغراء الحرام فيقع فيه، هنا قد يقال: إنّ هذه المقدمات، و إن لم تكن متصفة بالحرمة الغيرية لتوقف الحرام فيها على الإرادة و لم توجد بعد، و لكن قد يقال باتصافها بالحرمة النفسية، و لو كانت بملاك طريقي، بلحاظ قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ، بناء على استظهار كون المراد من الوقاية هو التحرّز عن موارد تؤدي به إلى غضب اللّه سبحانه، و من ثمّ إلى النار، كما هو ظاهر التوقي، و هذا أجنبيّ عن محل الكلام في الحرمة الغيرية.

و أمّا مقدّمات المكروه، فالكلام فيها مثل الكلام في مقدّمات الحرام بلا زيادة أو نقصان.

و بهذا ينتهي الكلام حول الأوامر مادة و هيئة و دلالة، مع استعراض أقسام الواجب و الإجزاء و مقدمة الواجب و غيره.

320

مسألة الضد

هل الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن هذه؟

و قد قسّم صاحب (الكفاية) (1) (2) البحث إلى فصول:

1- الفصل الأول: الضد الخاص.

2- الفصل الثاني: الضدّ العام.

3- الفصل الثالث: ثمرة البحث.

و من الواضح أن المقصود بالضد الخاص: الأمر الوجودي الذي يقابل الواجب تقابل التّضاد.

و المقصود بالضد العام: الأمر العدمي، و هو ما يقابل الواجب تقابل السّلب و الإيجاب.

____________

(1) كفاية الأصول: مشكيني ج 1 ص 205- 206.

(2) كفاية الأصول: مشكيني ج 1 ص 201.

321

الفصل الأول الضد الخاص:

لا إشكال في أن ضد الواجب، لا يعقل الأمر به في عرض الواجب، لاستحالة الأمر بالضدين.

نعم هناك بحث، و هو في أن الأمر هل يسقط مطلقا عن الآخر، أو يعقل ثبوته بنحو الترتب، كما سنبحثه في فصل آخر؟ بمعنى أن الأمر يؤثر في سقوط الأمر عن الضد الآخر؟

و البحث قد يقتضي أزيد من هذا المقدار.

[الأمر بالشي‏ء هل يقتضي النهى عن ضده‏]

إلّا أنّ البحث هنا: في أنّ الأمر بالشي‏ء هل يقتضي، مضافا إلى سقوط الأمر عن الضد، اتّصاف الضد الآخر بالحرمة؟

و هنا لا بدّ من افتراض الفراغ عن اقتضاء الأمر بشي‏ء للنهي عن ضده العام، لأنّ مما اعتمد من أدلة لإثبات أنّ الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده الخاص، إنما كان بعد تسليم الاقتضاء عن الضد العام.

و القول باقتضاء الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضده الخاص، له مسلكان:

المسلك الأول: مسلك التلازم.

المسلك الثاني: مسلك المقدميّة.

[المسلك الأول: مسلك التلازم.]

أمّا المسلك الأول و هو مسلك التلازم: فخلاصة دعواه، هي إنّ وجود

322

الواجب ملازم مع ترك ضدّه، و المتلازمان لا يختلفان في الحكم، فإذا أوجبت الإزالة، وجب ترك الصلاة أيضا، و إذا وجب ترك الصلاة، ثم ضممنا إلى ذلك، أنّ الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده العام، و المفروض أنّ الصلاة ضد عام، فيثبت بذلك حرمة الصلاة، فيكون الأمر بالإزالة موجبا للنهي عن الصلاة.

و كون فعل الإزالة ملازما لترك الصلاة أمر بديهي، و لا يفرّق في ذلك، بين الضد الذي تنحصر به الضدية، أو لم تنحصر، فالصلاة و الإزالة سواء أ كان لهما ثالث أم لم يكن، فإنّ الإزالة ملازمة لترك الصلاة.

نعم عكسه، و هو كون الترك ملازما للإزالة، لا يتم إذا وجد ضد ثالث.

إذن فهذا المسلك يتضمن ثلاث دعاوى:

1- الدعوى الأولى: بديهية كون كل ضد ملازما مع عدم ضده الآخر.

2- الدعوى الثانية: هي أن المتلازمين وجودا لا يختلفان في الحكم، فهما متلازمان فيه أيضا.

3- الدعوى الثالثة: هي أن الأمر بشي‏ء يقتضي النهي عن ضده العام- أي: نقيضه- و هذه الدعوى سوف يأتي الكلام عنها و عن مدركها في فصل لاحق، و أنما المهم في المقام، هو الدعوى الثانية، و هي أنّ المتلازمين لا يختلفان في الحكم.

و هذه الدعوى لا دليل عليها، لا وجدانا و لا برهانا، إذ إنّ التلازم بين الشيئين خارجا، لا يستدعي الملازمة بين الشوقين و الحبّين.

و بعبارة أخرى: إنّ التلازم بحسب عالم التحقيق و الوجود، لا يستلزم التلازم بحسب عالم الحب و الشوق، بل قد يكون أحدهما واجبا في عالم الشوق دون الآخر.

نعم هناك صورة دليل، أو ما يشبهه، و هو الدليل الثالث على مقدمة

323

الواجب الذي نقله المحقق الخراساني (قده) (1) في «الكفاية» عن أبي الحسن البصري، و الذي خلاصته، بأنّ اللازم لو لم يجب لجاز تركه، و حينئذ، فإمّا أن يعاقب على ترك الواجب، و إمّا أن لا يعاقب ... إلخ.

و هذا الشبيه بالدليل يمكن إجراؤه هنا بحرفه مع جوابه هناك حرفا بحرف.

إذن فهذا المسلك لإثبات حرمة الضد الخاص غير صحيح.

[المسلك الثاني: مسلك المقدميّة.]

و أمّا المسلك الثاني: و هو المهم، و هو مسلك المقدميّة، فهو يتركب من ثلاث دعاوى:

1- الدعوى الأولى: و هي أنّ ترك أحد الضدين مقدّمة للضد الآخر.

2- الدعوى الثانية: و هي إنّ مقدمة الواجب واجبة.

3- الدعوى الثالثة: و هي إنّه إذا وجب النقيض حرم نقيضه.

فإذا تمّت هذه الدعاوى تثبت حرمة الصلاة، لأن ترك الصلاة مقدمة للإزالة، و مقدمة الواجب واجبة، إذن فيجب الترك، فيحرم نقيض الترك، و هو فعل الصلاة- الضد الخاص- للإزالة الواجبة.

و الدعوى الثانية: قد فرغنا عنها في بحث مقدمة الواجب.

و الدعوى الثالثة: سوف يأتي الكلام عنها و عن مدركها لاحقا.

و بقي تحقيق حال الدعوى الأولى، أي: مقدميّة عدم الضدّ للضد الآخر، أو كون ترك أحد الضدين مقدمة للضد الآخر، و الكلام فيها يقع في مقامين:

أ- المقام الأول: في أدلة إثبات هذه المقدميّة.

____________

(1) كفاية الأصول: مشكيني ج 1 ص 207.

324

ب- المقام الثاني: في البراهين التي أقيمت على إبطال هذه المقدميّة.

أمّا المقام الأول: فيقرّب بعدة تقريبات:

التقريب الأول، هو: إنّ مقتضى المعاندة الموجودة بين الضدين، أن يتوقف أحدهما على عدم الآخر، لأنّ هذا هو معنى المضادة و المعاندة في الوجود، فلكي يوجد أحدهما لا بدّ من إعدام الآخر.

و هذا البيان بهذه الصيغة الساذجة يمكن رده ببرهان نقضي عليه، كما في «الكفاية» (1) حيث يقال: لو كان مجرد المعاندة الثابتة بين الضدين، تستلزم مقدميّة أحد الضدين للآخر، لجرى الأمر نفسه في النقيضين أيضا، حيث يقال: بأن رفع أحد النقيضين يكون مقدمة للآخر، مع أنّ هذا مستحيل، لأنّ رفع النقيض الآخر هو عين النقيض الآخر، فيدور، و يتوقف الشي‏ء على نفسه.

و يمكن التخلّص من هذا النقض، و ذلك بأن نضيف إلى قوله في أساس الدعوى: بأنّ المضادة و المعاندة بين أمرين تستدعي كون عدم أحدهما مقدّمة

____________

(1) في النفس- من عدم مانعيّة هذا الضد بعد وجود مقتضيه- شي‏ء، بعد أن عرفت سابقا كما نقل في الحكمة، أنه بمجرد وجود المقتضي. و طبعا، المساوي فضلا عن الغالب، يصير لوجود المقتضى، تقدم بالطبع. و هنا في المقام. يفرض للسواد وجود متقدم بالطبع بمجرد فرض وجود مقتضيه. و الكلام نفسه يقال حينئذ في مانعيّته أن لها تقدما و وجودا بعد أن صار وجود السواد المتقدم بالطبع مقتضيا لها.

إذ ليس السواد إلّا ترجمة لمقتضيه كما كانت المانعية ترجمة لمقتضيها و عليه يقال:

إنّه لا يعقل فرض وجود الوساد في عرض المانعية التي ليس لها تحقق في الخارج، إلّا في السواد المتقدم بالطبع، و الذي يرافق وجوده وجود مقتضيه. و من هنا يظهر أن صحة هذا البرهان موقوفة على افتراض وجود مقتضيين متساويين خارجا، و هو خلف ممانعتهما. فإذا كان ارتفاعهما محالا أيضا، إذن فلا بدّ من وجود أحدهما و لو تخييرا أو لأقوائية أحد المقتضيين، أو لوجود ضد ثالث لو قيل بارتفاعهما، و بهذا يثبت البرهان و يصح ببيانه الأول.

325

للآخر- نضيف قولا هو: إذا لم يكن المنعدم عين الآخر- و لكن حتى مع هذه الإضافة، و ارتفاع النقض، تبقى هذه الدعوى بلا برهان، فكيف إذا لم يساعد عليها الوجدان.

التقريب الثاني: و هو تصعيد للتقريب الأول، حيث يقال: إنه لو لم يكن عدم أحد الضدين مقدمة لضده الآخر، لتحقّقت العلة التامة للإزالة مع فرض وجود الصلاة- الضد- و ذلك يلزم منه المحال، لأنّه لو صارت العلة تامة هكذا، حينئذ نسأل: إنّه هل يوجد الضد الآخر أو إنّه لا يوجد؟ فإن وجد، إذن، فقد اجتمع الضدان، و إلّا لزم انفكاك المعلول عن علته التامة، و كلاهما مستحيل، إذن، فلا بدّ من فرض أنّ عدم أحد الضدين جزء علة و مقدمة للضد الآخر.

و هذا البيان: يمكن رفضه، و ذلك أن يقال: بأنّ غاية ما يقتضيه هذا البيان، هو أنه يجب أن نصوّر علة هذا الضد بنحو لا يمكن فرض وجودها مع وجود الضد الآخر، و هذا صحيح، و هو لا يستدعي أن يكون عدم الضد الآخر جزءا من هذه العلّة، بل يكفي أن يكون أمر آخر ملازما لعدم الضد، هو مقدمة للضد الآخر كما سيأتي.

و إن شئت قلت: إنّ الذي يثبت بهذا التقريب، هو أنّ العلة التامة للضد لا تجتمع مع الضد الآخر، و هذا غير توقّف الضد على عدم الضد الآخر كما هو المدّعي، إذ لعلّه متوقّف على عدم علة الضد الآخر.

التقريب الثالث: لدعوى مقدميّة عدم أحد الضدين لوجود الضد الآخر، و دعوى مقدميّة عدم أحد الضدين لوجود الضد الآخر بالطبع، إذ إنّ أحد أقسام التّقدم، هو التقدم «بالطبع»، و هو غير رتبة التقدم بالوجود، و التقدم بالزمان، لأنّ هناك تقدّما بالزمان، و تقدّما بالوجود، و تقدّما بالطبع، فالتقدم بالزمان، كتقدم سلفنا الصالح علينا زمانا، و التقدم بالوجود، كتقدم العلة التامة على معلولها، و التقدّم بالطبع، ميزانه، هو أنه كلّما فرض للمتقدم من وجود، فلا

326

يلزم أن يكون للمتأخر وجود، و لكن كلّما فرض للمتأخر وجود، كان للمتقدم وجود بالطبع.

و أقسام المتقدم بالطبع ثلاثة:

أ- القسم الأول: تقدم جزء الماهية بالنسبة إلى الماهية، كما في الحيوانية، فإنها متقدمة بالطبع على الإنسان، فكلما فرض الإنسان كان الحيوان موجودا بالطبع دون العكس.

ب- القسم الثاني: تقدّم المقتضي على المقتضى، دون العكس. فكلما فرض وجود المقتضى، كان المقتضي موجودا متقدما بالطبع، كما في فرض الاحتراق، إذ كلّما وجد احتراق كان للنار وجود قبله بالطبع دون العكس.

ج- القسم الثالث: تقدم الشرائط، فإنه كلما فرض احتراق فرض عدم رطوبة متقدمة بالطبع دون العكس. و هذا الميزان يأتي في ترك أحد الضدين مع هذه. فكلما فرض إزالة فرض عدم الصلاة و لا عكس إذ إنّ عدم الصلاة متقدم بالطبع بالنسبة إلى الإزالة، و من الواضح أن عدم الصلاة ليس جزء الماهيّة بداهة، كما أنه ليس مقتضي، إذن لا بدّ أن يكون من الشرائط الدخيلة في الإزالة، فتثبت مقدّميّته. و هذا البيان غير تام، لأنه مبني على الخلط بين اصطلاح المقدميّة في باب الحكمة، و بينها في باب الأصول، فالمقدميّة المراد إثباتها في الأصول هي كون ترك أحد الضدين جزء العلة لترك الضد الآخر، و ميزان التقدّم بالطبع كما يصدق على المقتضي وحده و جزء الماهيّة و الشرط، فكذلك يصدق على ما يلازم الشرط، أو جزء الماهيّة أو المقتضي فهو متقدم بالطبع، فكون ترك أحد الضدين متقدما بالطبع باصطلاح الحكمة مسلّم، و لكن ليس معنى ذلك، أنّ تقدّمه بمعنى أنه واقع في طريق الآخر و جزء من علته.

هذا مضافا، إلى أنّه من قال بأنّ ترك الصلاة هو الشرط؟ بل لعلّه أمر ملازم مع الشرط.

327

و هذه الوجوه الثلاثة، هي غاية ما يمكن أن يقال في تقريب المقدميّة دون أن يتم شي‏ء منها.

و بهذا، نكون قد استعرضنا مسلكين لمقولة: «إنّ الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده الخاص»، و هما: مسلك المقدميّة، و مسلك التلازم، و قد عرفت أن كلا منهما تتوقف صدق دعواه على ضمّ قاعدة، أنّ الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضدّه العام.

نعم لو ادّعي ابتداء قانون، أن التضاد بين الشيئين، بحسب عالم الخارج، يفرض تضادا مناسبا بحسب عامل الحكم أيضا، بحيث يكون التضاد الخارجي مناسبا لتضاد مناسب بحسب عالم الجعل و الحكم، لو ادّعي هكذا، حينئذ يكون هذا المدّعي في عرض مسلك «إنّ الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضدّه العام»، دون أن يحتاج إلى افتراضه في المرتبة السابقة.

ثم إنّنا كنّا قد أبرزنا علاقة بين المسلكين، و هي تمحور كلا المسلكين حول الضد الخاص، ترك الصلاة، و الإزالة، فكان يقال: إنّ الإزالة الواجبة تستلزم ترك الصلاة تطبيقا لمسلك التلازم، أو كان يقال: بأن الإزالة تتوقف على ترك الصلاة تطبيقا لمسلك المقدميّة.

و لكن يمكن إبراز العلاقة نفسها بين كلا المسلكين، و يكون محور تطبيقهما هو الضد العام، فيكون التضاد بين ترك الإزالة الواجبة «الضد العام للإزالة»، و بين فعل الصلاة، مع بعض الفوارق، فمثلا بالنسبة إلى المسلك الأول، يدّعى أن الإزالة إذا وجبت حرم تركها أي: ضدها العام لاقتضاء الأمر بالشي‏ء النهي عن ضده العام، و هذا الضد العام ملازم لفعل الصلاة، أي:

ضدها الخاص، و حيث أن الملازم يكسب حكمه من الملازم، فيكون فعل الصلاة- الضد الخاص- حراما أيضا كحرمة ترك الإزالة.

و قد نوقش في تطبيق المسلكين على الضد العام، حيث قيل: بأنّ هذا التطبيق تعتوره نقطة ضعف لم تك موجودة في البيان السابق، و ذلك أنّه في‏

328

البيان السابق لم يك يفرّق فيه بين كون الصلاة أنها الضد الوحيد للإزالة، أو كونها غير وحيدة بل هناك أضداد، الصلاة أحدها. و لذا قلنا: إنّه لا فرق بين وحدة الضد و تعدّده فالاستلزام هو هو، سواء أ كانت الصلاة وحدها ضدا أو معها أضداد أخرى، لأن المناط هو استلزام الواجب لشي‏ء. بينما في المقام، فالبيان إنما يصدق إذا كانت الصلاة هي الضد الوجودي الوحيد للإزالة، أمّا إذا كان هناك ضد آخر، فلا يستلزم فعل الصلاة ترك الإزالة، بل قد يفعل شيئا آخر.

و نقطة الضعف هذه، يمكن التغلّب و الإجابة عليها بأحد وجوه ثلاثة حتى لو فرض ضد ثالث:

1- الوجه الأول: هو إنّه إذا وجبت الإزالة، حرم تركها، بمقتضى كون الأمر بشي‏ء نهي عن ضده العام، و هذه الحرمة انحلالية، فيحرم كل حصص الترك، و ترك الإزالة بعض حصص الترك المقارن مع الصلاة، و بعضها الآخر هو الترك الملازم لذاك الضد الثالث المفروض، و كل هذه الحصص حرام.

و بكلمة أخرى: إنّ ترك الإزالة له حصتان: إحداهما ملازمة مع الصلاة، و الأخرى ملازمة مع الضد الثالث، فإذا حرم عدم الإزالة سرت الحرمة إلى كلتا الحصتين باعتبار انحلالية الحرمة، فتحرم الحصة الملازمة مع الصلاة، فتحرم الصلاة.

و حينئذ إذا لاحظنا ترك الإزالة على إطلاقه، فهو لا يستلزم الصلاة، و لكن إذا لاحظنا حصة واحدة من حصص ترك الإزالة، فهي تستلزم الصلاة، و حيث أن كل حصة حرام، فهذه الحصة و هي الترك المقارن للصلاة حرام، فتحرم الصلاة.

و هذا الوجه غير صحيح، و ذلك لأنّ حرمة الترك، و إن كانت انحلاليّة، و لكن الانحلالية ليس معناها أخذ القيود و جمعها، و كون الحرمة متعلقة بالحصة المقيّدة المقرونة بالصلاة، بما هي مقيدة و مقرونة كي تسري الحرمة

329

إلى الصلاة بالملازمة، بل الحرمة متعلقة بذات المقيّد. و توضيحه: هو إنّا إذا لاحظنا ترك الإزالة، و حصّصناها إلى حصتين: إحداهما ترك الإزالة المقيّدة بالمقارن، و الملازم للصلاة، و الثانية ترك الإزالة المقيدة بالمقارن، و الملازم مع الضد الثالث. فمن الواضح، أنه إذا أخذنا المقيّد بما هو مقيّد، فإنه يستلزم القيد، لأنه لا يوجد إلّا مع وجود القيد، و لكن الحرمة الانحلالية لا تتعلق بالمقيّد، بما هو مقيّد، بل بذات المقيد. و من هنا قلنا مرارا: إنّ الإطلاق هو إلغاء القيود لا جمع القيود.

2- الوجه الثاني: هو إنّ ترك الإزالة، و إن كان لا يستلزم فعل الصلاة، فيما إذا كان في البين ضد ثالث، و لكن الصلاة تستلزم ترك الإزالة.

و حينئذ يقال: إذا كانت الصلاة تستلزم ترك الإزالة الحرام فما هو حكم الصلاة؟ فإمّا أن تخلو من الحكم، و إمّا أن يكون لها حكم غير الحرمة، و إمّا أن يكون حكمها الحرمة.

أمّا الأول: فهو خلاف قانون أنّ الواقعة لا تخلو من حكم. و أمّا الثاني:

فهو خلاف قاعدة عدم الاختلاف في الحكم بين المتلازمين، بل لو فرض كونها محكومة بغير الحرمة، لسرى حكمها إلى ترك الإزالة المحرّم، بحسب قانون الملازمة، فيجتمع حكمان متضادان. إذن فيتعيّن أن تكون محكومة بالحرمة، وفقا لقانون عدم اختلاف المتلازمين في الحكم، و هذا هو المطلوب.

و هذا البيان، إنما يتم فيما لو بنينا على أن الواقعة لا تخلو من حكم، و أمّا إذا قيل: بأنه يمكن خلو الواقعة من حكم، كما فيما إذا كانت نتيجة الموقف العملي محددة، كما في المقام، إذ إنّ المفروض وجوب الإزالة، و هو لا يتحقق خارجا إلّا مع ترك الصلاة، فحينئذ سواء أ كانت الصلاة محكومة بالحرمة، أم غير محكومة، فإنّ حكمها لا يؤثر في وظيفة المكلف، بل على أساس هذا يمكن اختيار الشق الأول.

330

3- الوجه الثالث: هو أن ترك الإزالة الحرام، يستلزم الجامع بين ضديه، الصلاة، و الضد الثالث، و هذا الجامع سواء أ كان عنوانا حقيقيا، أو أمرا انتزاعيا، فإنه على كل حال هو عنوان ملازم، دون أن يختص هذا الاستلزام بعنوان حقيقي، أو عنوان ماهوي، فهو جامع مقولي انتزاعي قائم بين الصلاة و الإزالة، فيكون حراما، و منه تسري الحرمة إلى أفراده، و من أفراده الصلاة، فتكون الصلاة حراما، و هذا أحسن الوجوه الثلاثة.

و أمّا عند ما نريد أن نطبق المسلك الثاني- مسلك المقدميّة- على هذه العلاقة المعكوسة، فإنّه يمكن أن يقال:

بأن ترك الإزالة حرام، و فعل الصلاة علة للحرام، و علة الحرام حرام.

فإنّ مقدمة الحرام، و إن لم تكن حراما على الإطلاق، و لكن لا شك في حرمة علة الحرام التامة و مقدمته.

و إن شئت قلت: إنّ وجوب الإزالة يستدعي حرمة ترك الإزالة- الضد العام-.

و فعل الصلاة- الضد الخاص- علة لهذا الترك، باعتبار أنّ عدم هذا الضد الخاص إذا كان مقدمة، فيكون وجوده إعداما لأحد أجزاء العلة، و انتفاء أحد أجزاء العلة يشكّل علة تامة لانتفاء المعلول الذي هو الإزالة، فيحرم هذا الضد الخاص- الصلاة- لا محالة، ليبقى وجوب الإزالة. و فرق هذه المقدميّة عند تطبيقها على العلاقة الأولى، هو: إنّه لو تمّت المقدميّة في التطبيق السابق، فهو تقدم بالطبع، بمعنى أن ترك الصلاة متقدم بالطبع على فعل الإزالة، لأن ميزان التقدم بالطبع موجود هناك. و أمّا التقدم هنا في العلاقة العكسيّة، فهو تقدم بالوجود، لوضوح أنّ انتفاء أي جزء من أجزاء العلة التامة للوجود، فهو علة للعدم. و بهذا يتبين بطلان مسلك التلازم و بقاء مسلك المقدمية.

ب- المقام الثاني: في البراهين التي أقيمت على إبطال هذه المقدميّة،

331

و على إبطال توقف أحد الضدين على عدم الآخر:

1- البرهان الأول: و هو البرهان الصحيح في إثبات هذا المدّعى، و يقرّب ببيان أمرين:

أ- الأمر الأول: هو أن يفرض وجود مقتضي لكل من الضدين، كما لو فرض وجود مقتض للسواد، و مقتض للبياض،، و ليس هذا بالفرض المحال، لكون كل من المقتضيين ممكنا في نفسه، و ليس مضادا للآخر، و لا محذور عقلي في اجتماعهما و تساويهما، بل كانا بدرجة الاقتضاء و الفاعليّة متساويين، و حينئذ، فإمّا أن يوجدا معا، أو يوجد أحدهما دون الآخر، أو يفقدا معا.

أمّا الأول: فمستحيل، للزومه اجتماع الضدين.

و أمّا الثاني: فهو مستحيل أيضا، لأنه ترجيح لأحد المتساويين على الآخر من دون مرجح. إذ لو جاز ذلك، لجاز ابتداء وجود السواد بلا مقتض، إذن فيتعيّن الثالث و هو عدم وجودهما معا.

و حينئذ يقال: بأنّ عدم وجود أحدهما ليس لعدم مقتض لوجوده، لأنه خلاف الفرض، كما أنه ليس مانعيّة الضد الآخر، إذ هذا خلاف الفرض أيضا، إذ فرض عدم وجوده، و مانعيته للضد الآخر، متوقفة على وجوده، و هو لم يوجد بعد.

إذن هناك مانع آخر من وجوده، و ليس هو إلّا مقتضي الضد الآخر المزاحم لمقتضيه.

أو يقال: بأنّ الذي منع وجود السواد، مثلا، إنّما هو مزاحمة مقتضيه مع مقتضي البياض، الضد الآخر، الذي لا يقل عنه اقتضاء و تأثيرا، و العكس أيضا صحيح.

و بهذا يتبرهن، أنّ المقتضي لأحد الضدين، إذا تساوى مع مقتضي الضد الآخر، يصلح للمانعية عنه. و عليه، نثبت بالبداهة، أنّه يكون مانعا كذلك‏

332

بطريق أولى، فيما إذا كان أحدهما أشدّ اقتضاء، و بذلك يثبت أنّ المقتضي الأشد يكون مانعا من تأثير المقتضي الأضعف.

ب- الأمر الثاني: هو أنّ مانعيّة أحد الضدين عن الآخر كما السواد للبياض إن ادّعيت في فرض عدم وجود السواد، فهو أمر غير معقول، لأنّ المانعيّة فرع الوجود، إذن فلا بدّ أن ندعي مانعيّة السواد في فرض وجوده، و وجوده لم يكن عند ما لم يكن له مقتض، أو كان له مقتض مساو أو مغلوب، إذن هو لا يوجد إلّا إذا كان له مقتض غالب، و قد يثبت في الأمر الأول، أنّ المقتضي الغالب هو بنفسه المانع، و هذا معناه، إنّ السواد يكون في طول المانع‏ (1)، فيستحيل أن تصل التوبة إلى مانعيّته الفعلية عن البياض، إذن فيستحيل استناد عدم الضد إلى هذا الضد. و هذا برهان صحيح في إثبات المدّعى. و إن كان في النفس من البيان الثاني شي‏ء.

2- البرهان الثاني: لإبطال مقدميّة أحد الضدين للآخر، و هو ما ذكره المحقق الخوئي‏ (2) تفسيرا لكلام صاحب «الكفاية» (قده)، و اختلف في ذلك مع المحقق الأصفهاني (قده) (3).

و حاصله هو: إنّ عدم أحد الضدين لو كان مقدمة لضده، إذن لما كان في مرتبته، بل لكان أسبق رتبة منه، لأنه أحد مقدمات وجوده، مع أننا يمكن أن نبرهن على أنه في رتبته، فينتج أنه ليس عدم أحد الضدين مقدمة لوجود الآخر.

و البرهان على ذلك هو أن يقال: إن البياض و السواد ضدان، و يستحيل اجتماعهما زمانا كما يستحيل اجتماعهما رتبة.

و حينئذ يقال: إن قيل بأنّ ثبوت أحد الضدين في رتبة ثبوت الضد

____________

(1) محاضرات فياض: ج 20- 21- 22.

(2) نهاية الدراية: الأصفهاني ج 2 من المجلد الأول ص 2.

(3)؟؟؟

333

الآخر، لزم ثبوت الضدين و اجتماعهما في مرتبة واحدة، و هو مستحيل كاجتماعهما في زمان واحد.

و إن قيل: إنّه غير موجود و غير ثابت في مرتبة ثبوت الضد الآخر، إذن كان عدمه ثابتا في مرتبة الضد الآخر لا محالة، و إلّا، لو قيل بعدم ثبوت عدمه في مرتبة وجود الضد الآخر، للزم من ذلك ارتفاع النقيضين.

إذن فيتعيّن أن يكون كل ضد متحدا في المرتبة مع عدم ضده الآخر، و عليه فلا يكون مقدمة له، أو متوقفا عليه.

ثم إن السيد الخوئي أشكل على هذا البرهان حيث قال: إنّ هذا البرهان مبني على أن تكون استحالة اجتماع الضدين من أحكام الرتبة، لا من أحكام الزمان، فلو تخيّل متخيل، اشتراط وحدة الرتبة مضافا إلى وحدة الزمان و غيرها، لتم هذا البرهان.

و لكنّ الصحيح، هو أنّ المضادة ما بين الضدين و النقيضين، إنما هي من شئون عالم الخارج، و وعاء الزمان، و لو فرض تغايرهما في الرتبة، و لذلك لا ترتفع غائلة استحالة اجتماعهما خارجا في زمان واحد، فلو فرض أن السواد علة للبياض، فيستحيل اجتماعهما، و إن لم يكونا في رتبة واحدة، إذن فالصحيح هو أن المنافاة بين الضدين، إنما هي في عالم الخارج، لا في عالم الرتب، و عليه فلا معنى للقول باستحالة اجتماع الضدين في الرتبة.

ثم ذكر السيد الخوئي، بأن كلا من البرهان و الإشكال، يعتوره إبهام ينبغي توضيحه:

أمّا الإشكال: فقد وقع فيه خلط بين مسألتين و معنيين للقول، «باستحالة اجتماع الضدين في رتبة واحدة كاستحالة اجتماعهما في زمان واحد»، ينبغي التمييز بينهما.

أ- المسألة الأولى: هي أنه قد يكون المقصود في «استحالة اجتماع الضدين و اشتراط اتحادهما في الرتبة» مضافا إلى اشتراط بقية الوحدات‏

334

المعروفة في التناقض، كالزمان و المكان و غيرهما، و بهذا ترجع هذه الدعوى إلى التضييق في دائرة الاستحالة، حيث يكون معناها، أنّ استحالة اجتماع الضدين في زمان واحد مشروط بوحدة رتبتهما، حيث أنه إذا كان أحدهما في طول الآخر، جاز اجتماعهما حتى لو كان السواد علة للبياض الباطل اجتماعهما بالوجدان.

ب- المسألة الثانية: هي أن يكون المراد في اشتراط وحدة الرتبة بين الضدين اللذين يستحيل اجتماعهما، المراد بوحدة الرتبة، هو أنّ ثبوت الضدين في رتبة واحدة مستحيل كاستحالة ثبوتهما في زمان واحد.

و هذه الدعوى بعكس تلك الدعوى المتقدمة، فإذا كانت تلك الدعوى تضيّق دائرة الاستحالة في اجتماع الضدين، فهذه الدعوى توسع من دائرة الاستحالة في اجتماعهما، كما إذا قيل: إذا كان يستحيل وجود السواد و البياض في زمان واحد، كذلك يستحيل وجودهما في مرتبة واحدة، فهي توسعة في دائرة الاستحالة تسري من عالم الزمان إلى عالم الرتبة الذي هو عالم التحليل العقلي. فكما يقال باستحالة ثبوت العلة و المعلول في رتبة واحدة، يقال باستحالة اجتماع الضدين في رتبة واحدة أيضا، و هذه الدعوى قد تكون هي المقصود في البرهان، فلا ينقض عليها بأنه يلزم جواز اجتماع الضدين لو كان أحدهما علة للآخر، لأن المراد توسعة دائرة الاستحالة، فكما يستحيل اجتماعهما في زمان واحد، أيضا يستحيل اجتماعهما في رتبة واحدة، فهو يسلم باستحالة اجتماع الضدين في زمان واحد و لو كانا طوليين، و يدّعي زيادة في دائرة الاستحالة بحيث تشمل الوحدة في الرتبة، و حينئذ لا تصح دعوى أن التضاد و التنافي بين الأضداد، إنما يكون في وعاء الزمان و الوجود الخارجي، لا في عالم الرتب، إذ إنّ هذا ليس صحيحا، لأنه من الواضح وجود تناف و تضاد بين ثبوت و ثبوت في وعاء الرتب، بمعنى أنه يستحيل ثبوت العلة و المعلول في رتبة واحدة، و بلحاظ عالم التحليل العقلي.

فالخلاصة، هي إنّ التضاد كما هو ممكن و معقول في عالم الزمان‏

335

و الوجود الخارجي، هو أيضا ممكن و معقول في عالم الرتب.

و بعد أن ميّزنا بين مسألتين في الإشكال، يجدر بنا أن نكشف وجه المغالطة في البرهان فنسأل بأنه: ما المراد من قولكم في البرهان: «إنّ اجتماع الضد مع ضده في رتبة واحدة يلزم منه اجتماع الضدين». إذ إنّ كون الضدين في رتبة واحدة، أو كون شي‏ء في مرتبة شي‏ء له معنيان:

أ- المعنى الأول: كون أحد الضدين توأم الآخر و شقيقه في عالم التسلسل الزمني، و توأمه في النشوء من علة واحدة، فهما معلولان لعلة واحدة.

ب- المعنى الثاني: لوحدة رتبة الضدين، هو: عدم كون أحدهما في طول الآخر، فلا هو متقدم عليه، و لا هو متأخر عنه، بل قد يكون واقعا في خط سببي آخر، بمعنى أنّه لا عليّة بينهما، سواء أ كانا معلولين كلاهما لعلة واحدة، أو لعلتين.

فإن كان المراد هو المعنى الأول، فمن الواضح استحالة كونهما معلولين لعلة واحدة، بحيث يكونان في رتبة واحدة في عالم التحليل العقلي، و لكن لا يلزم من ذلك أن يكون عدم أحدهما في مرتبة الضد الآخر، فلا البياض توأم السواد و لا عدم البياض هو توأم السواد أيضا، دون أن يلزم من ذلك ارتفاع النقيضين، إذ فرق بين رفع المقيّد، و الرفع المقيّد، فإنّ الأول لا يستلزم الثاني، فهناك يصدق رفع البياض الذي هو في مرتبة السواد، لا الرفع الذي هو في مرتبة السواد، و ما يريد أن يثبته صاحب البرهان هو الرفع المقيّد بهذه المرتبة.

و إن شئتم قلتم: المرتبة، قيد للمرفوع لا للرافع، فإنّ نفي معلوليّة الضدين لعلة ثالثة مثلا، لا يستلزم أن يكون كل منهما مع عدم الآخر، معلولا لتلك العلة، إذ نفي عليّة شي‏ء لشي‏ء لا يعني عليّته لنقيضه.

و إن كان المراد من اجتماع الضدين في رتبة واحدة، هو أنّ كلا منهما لا

336

هو متقدم، و لا هو متأخر عن الآخر، بمعنى أنّه لا طوليّة بينهما، لأنه ليس أحدهما علة و لا معلولا للآخر، إذن فهما في مرتبة واحدة بهذا المعنى. إن كان هذا هو المراد فهذا ليس من اجتماع الضدين في شي‏ء، لا في وعاء الزمان، و لا في وعاء الرتبة الواحدة، بالمعنى المتقدم المستحيل بحكم العقل.

و بهذا يكون هذا البرهان غير تام، و لذلك لم نعتبره ثانيا بحسب الترتيب، لأننا إنما نستعرض البراهين الصحيحة، و نعلّق هذا البرهان الثاني المتقدم على ضوئها سلبا و إيجابا. و يكون هذا البرهان الذي سوف نذكره الآن هو الثاني لأنه يأتي ضمن البراهين الصحيحة.

2- البرهان الثاني: في إثبات إبطال مقدميّة أحد الضدين للآخر و هو صحيح.

و حاصله: هو إنّ عدم أحد الضدين الذي ادّعي أنه مقدمة للضد الآخر، هل هو مقدمة و دخيل في علة الضد الآخر، باعتبار مؤثّرية العدم في الوجود؟

بحيث يكون عدم الضد هذا، جزءا من العلة؟ أو إنّه دخيل باعتبار مؤثريّة الوجود في نحو التمانع؟ بأن يكون عدم الضد من باب عدم المانع، كما لو كان عدم السواد دخيلا في وجود البياض، بمعنى أنه من قبيل عدم المانع لوجود البياض، كما يفرض هكذا تارة أخرى، و يفرض تارة ثالثة أن وجود السواد مؤثر و مانع من البياض، و لكن في باب الموانع يكون تأثيرا عكسيا، فيكون عدم السواد مقدمة و مؤثرا في وجود البياض، فيكون دخل العدم من باب أنّه لو وجد معدومه لكان مانعا و مدافعا لضده.

و حينئذ يقال، بأنّه: إن كان المدّعى هو الأول، فهو باطل، بداهة لاستحالة تأثير المعدوم في الموجود بمعنى اقتضائه له، كيف! و إلّا لاستغنى الأمر الوجودي عن العلة، إذن فلا بدّ أن يكون التأثير بالنحو الثاني، أي:

بالمانعيّة و المدافعة بين الوجودين، و لكن هنا نسأل: بأنّ وجود السواد المانع و عدمه الذي هو مقدمة، متى يكون وجوده هذا مانعا؟ هل يكون مانعا عند ما

337

يوجد؟ أو أنه يكون مانعا عند ما لا يكون موجودا؟.

و بعبارة أخرى نسأل: هل إنّ تأثير الضد في وجود الضد الآخر بنحو المانعة و المدافعة، هل يكون قبل وجوده، أو بعده؟.

أمّا كونه مانعا عند ما لا يكون موجودا، فلا مجال له، إذ قد فرغنا عنه، لاستحالة استغناء الموجود عن علة لوجوده، و استحالة تأثير و مانعيّة المعدوم، إذن فيبقى الفرض الأول، و هو كون الضد مانعا و مؤثرا عند وجوده، و عند ما نفرضه موجودا، إذن فقد فرضنا تبعا لوجوده، وجود تمام علته، و من أجزاء علته عدم وجود ضدّه، أي: عدم وجود البياض قبل وجود السواد، و بعد الفراغ عن عدم البياض قبل السواد، كيف يكون السواد مانعا عن البياض‏ (1)؟

و إن شئت قلت: إنّ مانعيّة الضد بعد وجوده، متوقفة على أن يكون الضد الآخر معدوما، حسب المدّعى، بتوقف الضد على عدم الآخر من كلا الطرفين، ممّا يعني أن الضد الأول المانع، موقوف وجوده على عدم الضد الآخر، الممنوع، و معه يستحيل أن يكون مانعا عنه، فإن ما يتوقف وجوده على عدم شي‏ء آخر يستحيل أن يكون مانعا عن وجوده.

و قد يبرهن على هذا فيقال: بأن المانع إنما يمنع عمّا يكون ممكنا، لا ما يكون ممتنعا و لو بالغير، و هنا في المقام في رتبة وجود المانع، يكون الضد الآخر ممتنعا بالغير في رتبة سابقة، لأنّ التوقف من الطرفين، فلا بدّ من عدم الضد الممنوع و لو بعد علته، حتى يتحقق الضد الموجود، و معه لا يعقل أن يكون مانعا عنه.

و قد يبرهن عليه باستلزام التهافت في الرتبة، فيقال: بأنّ المانع متقدم رتبة على عدم الممنوع، فلو كان متوقفا على عدم الممنوع، فمعنى ذلك أنه متأخر عنه، و هو تهافت.

____________

(1) فكأنه من قبيل منع الممنوع، أو منع المعدوم.

338

و الخلاصة إنّ هذا البرهان برهان مستقل، و هو غير برهان الدور في «الكفاية».

3- البرهان الثالث: على إبطال مقدمية أحد الضدين للآخر، و هذا البرهان كأنه تطوير للأمر الأول من البرهان الأول، حيث أثبتنا هناك مانعية مقتضي أحد الضدين عن الضد الآخر، فيما إذا كان المقتضي مساويا، و بطريق أولى إذا كان غالبا، أو الآن في هذا البرهان الثالث، نريد أن نبرهن على أنّ المقتضي يكون مانعا عن تأثير مقتضيه، سواء أ كان غالبا أو مساويا أو مغلوبا، فالمقتضي الذي يقتضي السواد مثلا، سواء أ كان غالبا أو مساويا أو مغلوبا، يتصور فيه ثلاث احتمالات:

الاحتمال الأول: اقتضاؤه للسواد على وجه الإطلاق، سواء أ كان هناك جسم أبيض أو لا، من قبيل اقتضاء السحاب لنزول المطر، سواء أ كان هناك برد أو حر، فإن السحاب يقتضي نزول المطر مطلقا، و إن اقتضاءه غير مشروط بتقدير دون تقدير، و في المقام يقال، بأن اقتضاء مقتضي السواد للسواد أيضا مطلقا، سواء أ كان هناك بياض، أو لم يكن.

و هذا الاحتمال مستحيل، للزومه المحال، و ذلك لأنّه يقتضي تسويد البياض إذ إنّه بحسب الفرض، يقتضي التسويد مطلقا حتى مع البياض، و تسويد الأبيض بما هو أبيض محال ذاتا بلا إشكال، لأنّ اقتضاء مقتض للمحال محال في نفسه.

الاحتمال الثاني: هو أن يكون اقتضاء مقتضي أحد الضدين في نفسه مشروطا و منوطا بعدم الضد الآخر، كما لو كان اقتضاء مقتضي السواد للسواد، منوطا بعدم البياض.

و هذا الاحتمال هو ساقط أيضا، لأنّ هذا الاشتراط و إن اتّفق أحيانا لنكتة خاصة، كما لو قال لآخر: إن لم تبيّض هذه الورقة فسوف أسوّدها، فالتسويد مشروط بعدم وقوع التبييض من قبل الغير، فإنّ مثل هذا الأمر قد يتفق خارجا

339

لنكتة شخصية و خاصة، لكنه خلاف الوجدان، فإن طبع التضاد و فرضه لا يقتضي، ذلك و إن كان يصح تقييد مقتضي أحد الضدين بعدم الآخر، كما رأيت في المثال، و لكنّ التضاد بما هو تضاد، ليس ملاكا لذلك، و ليس ملاكه ذلك.

و لا يتوهّم في المقام، أنّ هذا كأنّه استدلال على المدّعى بوجدانية بطلان مدّعى الخصم، حيث أنّ الخصم يرى أن التضاد يوجب توقف أحدهما على عدم الآخر، و نحن نرى أنّ التضاد لا يوجب ذلك بالوجدان، إذن فنكون كأنّنا ادّعينا وجدانية بطلان مدّعى الخصم، إذن فهذا ليس استدلالا منّا، و إنما هو تكذيب بالوجدان لمدّعى الخصم، إذ في مدّعاه ما يوهم وجدانية المنافاة بين الضدين، و أن وجود أحدهما منوط بعدم الآخر، في حين أنّ هذا ليس هو الوجدان المدّعى في المقام كي يكون محل النزاع، و إنما المدّعى هو وجدانية عدم توقف مقتضي أحد الضدين في نفسه على عدم الضد الآخر، و هو ممّا يعترف به الخصم.

و على كل حال فإنه يجاب عن هذا التوهم، بأنّ عندنا مسألتين:

إحداهما هي الوجدان، و الثانية يكون ما هو الوجدان فيها برهان على بطلان مدّعى الخصم في المسألة الأولى.

و توضيح ذلك، هو: إنّ الخصم يقول بأن أحد الضدين يتوقف على عدم الضد الآخر، و هذا و إن كان خلاف وجداننا المعمّق، و لكنّه ليس واضح البطلان جدا، و ذلك لوجود وجدان يوهم هذه الدعوى، و هو وجدانيّة التنافي بين السواد و البياض، إذن فدعوى توقف أحد الضدين على عدم الآخر، إنما هي في حدود ما يكون بينهما من منافاة، يدّعى أنّ الوجدان قاض بتوقف أحدهما على عدم الآخر.

و هذا الوجدان في المنافاة، إنّما هو بين السواد و البياض، و أمّا مقتضي السواد مع وجود البياض، فلا منافاة بينهما، لإمكان أن يوجد مقتضي السواد مجردا عن التأثير في البياض خارجا، إذن فذاك الوجدان الذي حرّك ضمير

340

الخصم و وجدانه، لدعوى المقدميّة بين عدم الضد و ضده، حتى صارت هذه المقدميّة وجدانيّة، غير موجود هنا بين اقتضاء المقتضي للسواد، و وجود البياض خارجا.

و إنما موطن هذا الوجدان، إنما هو في ظاهر المنافاة و الممانعة بين نفس السواد و البياض، و حينئذ، إذا لم يكن بين اقتضاء مقتضي السواد و وجود البياض وجدان منافاة، إذن فلا يساعد حتى ضمير الخصم على القول، بأنّ اقتضاء مقتضي الضد مشروط بعدم ذلك الضد الآخر، و إنما الاشتراط أمر يحتاج إلى نكتة زائدة على عدم التضاد.

و هنا يمكننا على ضوء هذا، أن نجعل من مقولة عدم اشتراط اقتضاء مقتضي السواد بعدم البياض، أن نجعل منها أمرا وجدانيا يعترف به الخصم، و إن كان هذا قد يحدث صدفة لنكتة خاصة في بعض الموارد، كما تقدم في المثال سابقا.

و بهذا يمكننا أن نبطل هذا الاحتمال الثاني، و نفوّض عن هذا الوجدان ببرهان يختص بخصوص المقتضي الغالب، دون أن يكون اقتضاؤه مشروطا بعدم وجود الضد الآخر، و إلّا لما كان لغلبة المقتضي تأثيره في إيجاد مقتضاه، ما دام مشروطا بعدم تأثير المقتضي الضعيف، مع أنّ ضرورة العالم الذي نعيش فيه، تدل على أن الغلبة في أحد المقتضيين توجب وجود مقتضاه خارجا، و إن كان المقتضي الضعيف موجودا.

و هذا معناه أن اقتضاء المقتضي الغالب، و تأثيره في إيجاد مقتضاه، لا يعقل أن يكون مشروطا بعدم تأثير المقتضي الضعيف‏ (1)، و هذا إن صحّ في المقتضي القوي، صحّ في المقتضي الضعيف، لوضوح عدم الفرق بين افتراض‏

____________

(1) و لكن عرفت فيما تقدم أن اشتراط تأثير المقتضي الغالب بعدم تأثير المقتضي الضعيف، غير ضار في المقام، إذ إنّ تأثير المقتضي الضعيف إلى جانب المقتضي القوي، كلا تأثير في مقام المزاحمة.

341

قوة المقتضي و ضعفه في سنخ الاقتضاء، و إنما الاختلاف بينهما في درجة الاقتضاء.

و بهذا يتبرهن تعيّن الاحتمال الثالث، و هو اقتضاء مقتضي أحد الضدين لإعدام الضد الآخر بنفس اقتضائه لمقتضيه بنحو المغالبة و الممانعة، و هذا هو معنى توقف أحد الضدين على عدم المقتضي المساوي، أو الغالب لمقتضي الضد الآخر، بعد ضم هذا الوجدان إليه.

و بهذا يتضح أيضا كون هذا الأمر تعويضا عن الأمر الأول في البرهان الأول، حيث يثبت به النتيجة نفسها التي استدل عليها فيه، و هي مانعيّة مقتضي أحد الضدين عن الضد الآخر. فإذا ضممنا إليه الأمر الثاني في ذلك البرهان، فإنه يثبت بذلك عدم مانعية نفس الضد لاقتضاء مقتضي الضد الآخر، كما أنّه بذلك، ينغلق البحث في مشروطية هذا الاقتضاء بعدم البياض و إطلاقيّته من هذه الناحية.

4- البرهان الرابع: على إبطال مقدميّة عدم أحد الضدين للآخر، و هو تعويض عن الأمر الثاني في البرهان الثاني، حيث قلنا في الأمر الثاني هناك:

بأنّ العدم بما هو عدم، غير مؤثّر في الوجود، و إنّما الوجود يؤثر في الوجود بنحو التواقع و التعاكس.

و نحن و إن كنّا قد أبطلناه هناك ببيان، لكن الآن هنا، سنبطله ببيان آخر قائم على أصل موضوعي، حاصله، هو إنّه لا إشكال في استحالة وجود المعلول دون علة، إمّا لأنه بلا مقتض أصلا، و إمّا لكونه بلا شرط، و إمّا لوجود مقتض مزاحم لوجوده، و هذا ممّا نجزم به.

و لكن يا ترى هل إنّ استحالة اجتماع الضدين المجزوم بها إلى استحالة وجود المعلول بلا علة بحسب وجداننا العقلي؟ فكما لا يعقل اجتماع الحرارة و البرودة، على أساس أنّ عدم البرودة هو أحد أجزاء علة الحرارة، فكذلك الحكم باستحالة اجتماع الضدين لاستحالة وجود شي‏ء بلا علته؟، أو إنّ‏

342

استحالة اجتماع الضدين ليست مستنبطة من استحالة وجود المعلول بلا علة، فإنه حتى من يتشكك معنا في إمكان وجود الحرارة بلا منشأ، مع هذا فإنه لا يتقبّل فكرة اجتماع الحرارة و البرودة في موضوع واحد، إذ إنّ استحالة اجتماعهما أشدّ وضوحا من استحالة وجود الحادث بلا سبب، و لذا وجد في الناس من ينكر ضرورة العلّة، بينما لم يوجد من يقول باجتماع الضدين، إذ إنّ امتناع اجتماعهما ذاتي لا بالغير، فإن ماهيّة السواد، تأبى عن وجودها الجمعي مع هذه الحصة الأخرى من الوجود، و هي البياض، فهذا الإباء عن الوجود الجمعي، إنّما هو لإباء ذاتي بالماهية، لا لأجل امتناع بالغير بسبب عدم وجود العلة، و هذا هو معنى كون استحالة اجتماع الضدين ذاتية عند كل الناس.

و بعد تقرير هذا الأصل الموضوعي يقال: إذا فرض أنّ السواد مانع عن البياض، فلا بدّ أن يفرغ عن وجود السواد أولا، لأنّ المانعية هذه، فرع وجود المانع، إذ لا يعقل مانعيّة شي‏ء معدوم.

و حينئذ يسأل: بأنّ هذه المانعيّة للسواد عن البياض، هل تكون في نفس ظرف وجود السواد، أو إنها تمنع في ظرف عدم السواد؟

فإن فرض مانعيّة السواد للبياض في فرض وجود السواد، فهو خلف كون البياض ممتنعا بالذات، كما تقرّر في الأصل الموضوعي، فإنّ الممتنع بالذات لا معنى أن يستند عدمه إلى مانع من الخارج، و إنّما عدمه مقتضى ذاته، فعدمه من ذاتيات ماهيته، كما هو معنى الامتناع الذاتي.

و من الواضح أن العلة بأجزائها، إنّما تعقّل في الممكن لا في الممتنع ذاتا و من هنا قيل: بأنّ مقتضي المحال ذاتا، محال.

و إن فرض أن السواد يمنع عن وجود البياض في ظرف عدم السواد، فإنّ هذا محال أيضا، لأنّ الشي‏ء لا يمنع شيئا آخر حالة كون نفسه معدوما، إذ مانعيّة المانع إنّما تعقل في فرض وجوده، لا في فرض عدمه، إذن فمانعيّة السواد عن البياض محال على كل حال.

343

و بهذا يتضح، أن هذا البرهان إنّما يتم فيما إذا قبلنا هذا الأصل الموضوعي، و هو كون استحالة اجتماع الضدين بملاك آخر وراء ملاك وجود المعلول بلا علة، و أمّا إذا كنّا نقول: بأنّ هذه الاستحالة بينهما من قبيل اجتماع الحرارة مع عدم البرودة، أو من قبيل عدم المانع لا جزء المقتضي، حينئذ لا يتم هذا البرهان، في حين أننا لا نملك سوى هذا الأصل الموضوعي برهانا.

5- البرهان الخامس: و هو ما أفاده المحقق النائيني (قده) (1)، و هو يتركّب من مقدمتين:

أ- المقدمة الأولى: هي إنّ الشي‏ء إنّما يستند عدمه إلى تأثير المانع بعد فرض تماميّة المقتضي و شرطه، فمثلا، الرطوبة في الثوب، لا تكون مانعة من الاحتراق، إلّا بعد وجود النار، و تحقّق المماسة بينها و بين الثوب، حينئذ يقال: إنّ عدم الاحتراق يستند إلى الرطوبة، و أمّا مع عدم النار أو عدم المماسة، يكون عدم الاحتراق مستندا إلى عدم المقتضي، أو عدم شرطه، لأنّ الشي‏ء يستند إلى أسبق علله.

إذن فلا يصح إطلاق المانع على الرطوبة وحدها مع عدم وجود النار، أو المماسة، لأنّ رتبة المانع متأخرة عن رتبة المقتضي و الشرط، إذ لا يقال للشي‏ء أنه مانع إلّا بعد وجود المقتضي و الشرط، و ذلك ببرهان أنّ دور المقتضي هو إفاضة وجود المعلول، فيكون الموجب لعدم الترشح و الإفاضة هو وجود المانع.

و هذا المعنى للمانع لا يتحقق إلّا بعد فرض وجود المقتضي بما له من الشرائط، عند ذاك، تصل النوبة إلى المانع، و بهذا يكون دور الشرط تحصيص‏

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 176- 177.

344

المقتضي بحصة يكون بها تام الاقتضاء و المؤثرية في المعلول، و بهذا يكون إعدام الشي‏ء مستندا إلى وجود المانع.

و بهذا يكون دور المانع هو المزاحمة و المدافعة، فهو يؤثر في دفع المقتضي عمّا يقتضيه، و حينئذ يتضح أنّ مانعيّة المانع لا تنتهي النوبة إليها إلّا بعد الفراغ عن وجود المقتضي تام الاقتضاء في نفسه، و إلّا فما ذا يزاحم المانع؟ فالمانعيّة منوطة بتماميّة المقتضي و من دونها يستحيل وجود مانع.

ب- المقدمة الثانية: هي إنّ مقتضي المحال محال، بمعنى أنه يستحيل أن يوجد مقتضي يقتضي المحال.

و هذه القضية التي ذكر (قده) أنّها مفروغ عنها، هي إمّا أن تعتبر قضيّة بديهيّة، فتؤخذ كمصادرة أوّلية على المطلوب، و إمّا أن تقرّب، بأنّ المحال بالذات يستحيل أن يفرض له مقتض، أو غيره من أجزاء العلة، لأنّ هذه الأجزاء وظيفتها إخراج الشي‏ء من عالم الإمكان إلى عالم الفعل و الوجود و التحقق، فما لا يكون في ذاته ممكنا، فلا داعي لتصدي أجزاء العلة لإخراجه إلى عالم الوجود، ففرض أيّ جزء من أجزاء العلة، لكي تكون مقتضيات للمحال، محال إذن.

و بعبارة أخرى، إنّ ما يكون بذاته مستحيلا، فليس في ذاته إمكان ليخرج إلى عالم الوجود.

فإذا تمّت هاتان المقدمتان، و تبرهن ما فيهما، حينئذ يقال: بأنّ الخصم الذي يدّعي أن السواد مانع عن البياض، هذه المانعية لا بدّ أن تفرض في ظرف وجود السواد الذي هو ظرف تماميّة مقتضيه، كما لا بدّ أن تفرض في ظرف تمام مقتضي البياض الممنوع، كما في المقدمة الأولى.

و هذا معناه، إنّ مانعيّة السواد للبياض، تتطلب مسبّقا افتراض تماميّة المقتضي لكلا الضدين، و هذا يلزم منه تماميّة المقتضي للمحال، لأنّ المقتضيين بمجموعهما يقتضيان اجتماع الضدين، و هو محال بحكم المقدمة

345

الثانية، التي برهن فيها على أن مقتضي المحال محال. فتماميّة كلا المقتضيين محال، فالمانعيّة مستحيلة.

و هذا البرهان قد ناقشه السيد الخوئي (قده) (1) حيث قال: بأن المقدمة الأولى و إن كانت تامة، و كذلك الثانية، و لكن النتيجة تختلف عنهما و لا تلزمهما، لأنّ مانعيّة السواد للبياض تفترض تماميّة المقتضيين، و هذا ليس محالا، و ذلك لأنّ المحال ليس هو ذات البياض، أو ذات السواد، و إنّما المحال هو الجمع بين السواد و البياض، و لا يوجد مقتض له، لا توجّه مقتضيين نحو شيئين، إذ مقتضي الضد الممنوع لا يقتضي إلّا وجود ذات الضد، و هو ليس بمحال، و إنما المحال اجتماع الضدين، ففرق بين كون شي‏ء «ما» مقتضيا للمحال، و بين أن يقتضي شي‏ء شيئا، و يقتضي شي‏ء آخر شيئا آخر، و يكون اجتماعهما محالا.

و كلام السيد الخوئي يمكن دفعه على ضوء ما تقدم في البرهان الثالث حيث قلنا هناك: بأن مقتضي السواد و مقتضي البياض، و إن كان كل منهما لا يقتضي عنوان الجمع، و إنّما يقتضي كل منهما صاحبه، لكن قلنا هناك: بأن مقتضي البياض مثلا، إمّا أن يفرض أنه يقتضي البياض دائما في ظرف تحقق الضد الآخر- الأسود- و عدمه، أو إنّه يقتضي البياض و يكون اقتضاؤه مشروطا بعدم السواد، أو أنه يقتضي البياض و السّواد، أي: مقتضيا للضد الذي لا يوجد الضد الآخر معه، أي: بقدر ما يثبت من الضد ينفي الضد الآخر، و يمنع عنه.

و هذا الشق الثالث معناه، مانعيّة المقتضي عند وجود الضد، اقتضاء أحد المقتضيين للضد في فرض وجود الضد الآخر كي يلزم المحال.

و هذا قد جعله الميرزا (قده) (2) برهانا مستقلا يشبه البرهان الأول.

____________

(1) محاضرات فياض: ج 3 ص 14- 15.

(2) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 178.

346

و حينئذ بغض النظر عن هذا البرهان، نبقى مع الشق الأول و الثاني.

و الأول معناه اقتضاء المحال و لو بإطلاقه، لأنه إذا كان يقتضي البياض حتى في الأسود، فمعناه أنه يقتضي تسويد الأبيض، و هو محال، فيتعيّن الشق الثاني، و مفاده أن مانعيّة السواد للبياض تفترض مسبقا وجود كلا المقتضيين، و هذا محال، إذ لو وجدا، لزم كون كل منهما مقتضيا للمحال و لو بإطلاقه، فإذا لم يتم المقتضي، فالعدم مستند إلى عدم المقتضي، لا إلى المانعية.

و بهذا يمكن تقريب برهان الميرزا، و إن كان يحتاج إلى مناقشة أخرى.

و لكن من دون مناقشة يمكن أن يقال: بأنّ تمامية كلا المقتضيين تؤدي إلى المحال، إذن فلا بدّ من القول: بأن ما يقتضي البياض إنما يقتضيه مشروطا بعدم السواد، و هو معنى مانعيّة المقتضي، لا نفس الضد، و حينئذ لا يكون مقتضيا للمحال.

و الصحيح هو أن يقال: إنّ فرض استحالة تمامية المقتضي لكلا الضدين من باب أن مقتضي المحال محال، معناه: الاعتراف باستحالة اجتماع الضدين.

و حينئذ ننقل الكلام إلى هذه الاستحالة و نسأل: هل إنّ هذه الاستحالة هي استحالة بالذات أم إنّها استحالة بالغير. بمعنى أن ماهية البياض تأبى عن وجود جمعي مع السواد أو إنّ الوجود الجمعي للسواد، ممتنع بالغير باعتبار امتناع علته، لأن أحد أجزاء علّته هو عدم ذاك؟ فإن فرض أنها بالغير أي:

من باب عدم تمامية علته كما ينبغي أن يقول الخصم، فهذا الممتنع بالغير قد يكون له مقتض ليس بمحال، لإمكان وجود مقتض لما هو محال بالغير من قبيل اجتماع المقتضي مع المانع كاجتماع النار مع الرطوبة، فإنّ مقتضي الممتنع بالغير أمر معقول، و لا تصدق عليه قاعدة «إنّ مقتضي المحال محال» لأن تلك القاعدة إنما تصدق في الممتنع بالذات، و قد فرضنا أنّ هذا ممتنع بالغير.

347

و إذا فرض أن الوجود الجمعي ممتنع بالذات، حينئذ، لا حاجة إلى المقدمة الأولى، بل نقول ابتداء: بأن مانع المحال كذلك محال كمقتضي المحال، لأنّ منع السواد للبياض سواء قيل بأنه يمنعه في حال عدمه، أو في حال وجوده فكلاهما فاسد.

و حاصل ما نعلق به على برهان الميرزا (قده)، هو إنّ تطبيق عنوان مقتضي المحال على هذين المقتضيين، هو فرع الاعتراف باستحالة اجتماعهما، و حينئذ، ننقل الكلام إلى الاستحالة، فإن فرض أنها بالغير، كما ينبغي أن يقول الخصم، فهذا الممتنع قد يكون له مقتض فهو مستحيل بالغير، و لا بأس فلا تصدق عليه قاعدة أن مقتضي المحال محال، لأنّ المستحيل إنما هو وجود مقتض للمنع بالذات، و إذا فرض أن وجوده الجمعي كان ممتنعا بالذات، فلا حاجة إلى المقدمة الأولى، بل نقول ابتداء: بأن مانع المحال محال كمقتضي المحال.

6- البرهان السادس: و هو الذي تقدّم ذكره «ثانيا»، في الترقيم، و هو تفسير السيد الخوئي (قده) لكلام «الكفاية»، فلا موجب لاستعراضه ثانية.

7- البرهان السابع: على عدم مقدميّة عدم أحد الضدين للآخر، و هو برهان الدور، و يقرّب بعدة تقريبات:

أ- التقريب الأول: هو إلزام الخصم بلزوم الدور، استنادا إلى نفس المدلول المطابقي لمدّعى الخصم في توقف وجود أحد الضدين على عدم الضد الآخر، دون أن نضيف شيئا من عندنا، فنقول:

إن مدّعى الخصم هذا، يلزم منه الدور، حيث أن الخصم يدّعي بأنّ ترك أحد الضدين يشكّل مقدمة للضد الآخر، باعتبار مانعيّة وجود أحدهما للآخر «فمثلا» مانعيّة السواد، إنما تكون في ظرف وجود السواد تاما، و فرض وجود السواد تاما، هو فرض تماميّة أجزاء علته، و من أجزاء علته، وجود تمام السواد، إنما هو عدم الضد الآخر، فإذا كان الضد الآخر معدوما من أول‏

348

الأمر، إذن عن ما ذا يمنع هذا الضد؟، إذ لا يمكن المنع عن شي‏ء قد فرغ عن عدمه.

أو فقل: إنه لا يمكن المنع عن شي‏ء وجوده في طول عدم الممنوع، فيكون من باب منع المعدوم أو الممنوع، و هذا خلف و دور، و هو مدلول عليه بنفس المدلول المطابقي لقول الخصم.

و هذا هو الشق الثاني من البرهان الثاني كما تقدّم، و هو غير التقريبات المشهورة، إذ فيها كان يحتاج إلى إبراز لازم لقول الخصم قبل بيان الدور، و لكن هنا يلزم الدور من مدلول كلام الخصم المطابقي، دون الحاجة إلى فرض لازم.

و هذا التقريب صحيح، لكنه منوط بأن يكون مدّعى الخصم، المقدميّة، باعتبار المانعيّة الوجود للوجود، و أمّا إذا كان مدّعى الخصم للمقدميّة، باعتبار مؤثرية العدم في الوجود، فحينئذ لا يلزم الدور بلا ضم لازم لكلام الخصم، كما تقدّم.

ب- التقريب الثاني للدور: و هو يستند إلى المدلول الالتزامي لمدّعى الخصم حيث يقال: إن مقدميّة عدم السواد للبياض، إنما هي باعتبار أن عدم السواد دخيل في تتميم قابليّة المحل للبياض، و هذا يلزم منه، أن يكون وجود السواد دخيلا في عدم البياض، إذ لا تتم قابلية المحل لعدم أحد الضدين إلّا مع وجود الضد الآخر، فالمدّعى المطابقي للخصم هو: إنّ قابليّة المحل لوجود أحد الضدين، لا تتم إلّا مع عدم ضده، فلو ضممنا هذا الملزوم إلى لازم، و هو أن تكون قابليّة المحل لعدم أحد الضدين لا تتم إلّا مع وجود ضده، فحينئذ يلزم الدور، لأنّ السواد يتوقف على عدم البياض، باعتبار أنّ عدم البياض يتمم قابلية المحل للسواد، و عدم البياض يتوقف على السواد، باعتبار أن السواد يتمم قابلية المحل لعدم البياض، إذن فكل من عدم السواد و عدم البياض، موقوف على الآخر في تتميم القابليّة.

349

و هذا التقريب مردود بإنكار الملازمة المستخرجة من مدّعى الخصم، إذ لا يلزم من كون عدم السواد متمما لقابليّة المحل للبياض، لا يلزم أن يكون وجود السواد متمما لقابليّة المحل لعدم البياض، لأنّ عدم البياض لا يحتاج إلى قابليّة في المحل حتى يكون عدما، و إنّما المحتاج إلى التهيؤ و الاستعداد، إنما هو وجود العرض لا عدمه.

و إن شئت قلت: إنه قد يتوقف قابليّة المحل للبياض على عدم شي‏ء آخر، و لكن عدم هذا الشي‏ء الآخر لا يتوقف قابلية المحل له إلى وجود شي‏ء آخر غير عدمه، بل يكفي فيه عدم قابلية المحل لوجوده، إذ عدم عروض العارض يكفي فيه عدم قابليّة المحل له، و لا يتوقف على وجود ما يجعل المحل قابلا لعدمه.

ج- التقريب الثالث: للدور، في كون عدم أحد الضدين مقدمة للآخر هو أن يقال: بأن الخصم يقول: بأن ترك أحد الضدين مقدمة لضده، سواء أ كانت هذه المقدميّة من باب مؤثرية العدم في الوجود، أو من باب مؤثرية الوجود في الوجود، و هنا عندنا قانون يقول: بأن نقيض العلة، علة لنقيض المعلول، فإذا كان ترك السواد علة للبياض، فنقيض ترك السواد- الذي هو السواد- علة لنقيض- البياض- الذي هو عدم البياض، إذن فيثبت كون وجود أحد الضدين علة لعدم الآخر، و عدم الآخر علة لوجود هذا الأول، و هذا دور، لأنّه من توقف الشي‏ء على نفسه، فيكون محالا، و قد نوقش هذا الدور بنقاشين:

النقاش الأول: و هو ما أشير إليه في «الكفاية» (1)، من أنّ وجود أحد الضدين إنما يكون علة لعدم الضد الآخر باعتبار المانعيّة، و هذا الذي يؤثر بملاك المانعيّة، إنما يؤثر بعد تماميّة المقتضي، بحسب المقدمة الأولى في برهان الميرزا (قده) المتقدم، مع أن ثبوت المقتضي في المقام مستحيل، إذ لا

____________

(1) كفاية الأصول: مشكيني ج 1 ص 207- 208.

350

يعقل ثبوت مقتضي لهذا الضد، لأنّه يلزم منه مقتضي المحال و هو محال.

و هذا الجواب نقله الميرزا (1) (قده) عن المحقق الخونساري (قده)، و حاصله، هو: إنّ المانعيّة لو كانت ثابتة للزم الدور، و لكنها غير معقولة لأنها فرع تماميّة المقتضي، و قد عرفت أنه محال.

و قد يجاب على هذا الكلام، تارة بصيغة الميرزا (قده). و هي إنّه إذا كانت المانعية مستحيلة، فالمقدمية التي يقول بها الخونساري و صاحب الحاشية، مستحيلة هي أيضا، إذ بقدر ما تثبتون أن المانعية مستحيلة، تكون المقدميّة بنفس القدر مستحيلة (2)، و هذا رجوع إلى برهان الميرزا (قده) لا تصحيح لقول الخصم القائل بالمقدمية.

و بعبارة أخرى يقال: إذا لم تكن المانعيّة معقولة فالمقدمية غير معقولة.

و قد يجاب على هذا الكلام تارة أخرى، بصيغة المحقق الخراساني، و هي: إنّ هذه المانعيّة إنما تكون غير معقولة و ممتنعة بالغير بالذات، لأنّها متوقفة على وجود المقتضي، و وجوده محال، و المتوقف على المحال محال، مع أنّ الذي يدّعي أنها ممتنعة، يقول بأنها ممتنعة بالذات، لأنها دور و خلف، و الخلف ممتنع بالذات، إذن فكلامكم معناه أنّ الخلف و الدور لم يقع بسبب، «ما»، مع أنّ الخلف لا يقع ذاتا.

و بعبارة أخرى، هي: إنّ هذا الجواب، كل ما أفاده هو، أنّه جعل التوقف من الطرفين ممتنعا بالغير، مع إمكانه ذاتا، في حين أن الدور و الخلف ممتنع ذاتا، و عليه، فامتناع المانعيّة بالغير، لا يكون دفعا لإشكال الدور، و استحالة توقف الضد على عدم ضده.

و إن شئتم قلتم: إنّ هذا البيان يثبت امتناع المانعيّة بالغير، و هو يساوق‏

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي- ج 1 ص 178.

(2) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 178- 179.

351

الإمكان بالذات، مع أنّ المانعيّة غير ممكنة بالذات، لأنها دور.

المناقشة الثانية: هي ما ذكره المحقق الأصفهاني (قده) (1) من أن ترك أحد الضدين مقدمة لوجود هذه، كما هو مدّعى الخصم، فلو طبقنا عليه قانون، أن نقيض العلة علة لنقيض المعلول أو معلولها، و المفروض أن نقيض كل شي‏ء رفعه، إذن فيكون رفع ترك الإزالة علة معلول ترك الإزالة الذي هو الصلاة، و نقيض هذا المعلول هو تركها، إذن فيكون رفع ترك الإزالة علة لنقيض الصلاة الذي هو ترك الصلاة، فترك الصلاة أصبح معلولا لرفع ترك الإزالة، و رفع ترك الإزالة، و إن كان يساوق الإزالة خارجا، و لكنه يستحيل أن يكون هو بعينه.

و بتعبير آخر، يقال: إنّ الدور إنّما يلزم إذا ثبت أن فعل الإزالة علة لترك الصلاة، و ترك الصلاة علة لفعل الإزالة.

فهنا غاية ما يلزم، أنّ ترك ترك الإزالة علة لترك الصلاة، و عليه فلا يلزم الدور.

و إنّ شئت قلت: إن وجود الضد، و إنّ كان موقوفا على عدم الضد الآخر، إلّا أنّ عدم الآخر ليس موقوفا على وجود الأول، و إنّما هو متوقف على عدم عدمه، إذ إنّ نقيض العلة هو علة لنقيض المعلول، و نقيض كل شي‏ء رفعه، فإذا كان وجود الضد المعدوم متوقفا على عدم الموجود، كان عدمه موقوفا على عدم عدم الموجود، لا نفس الموجود، و عدم العدم ملازم مع الوجود لا عينه، و إلّا لانقلب العدم وجودا و هو مستحيل.

و هذا الكلام لا محصل له، و ذلك:

أولا: لأنّ المقصود من كون نقيض كل شي‏ء رفعه، ليس إلّا مجرد تعبير عن أن الوجود نقيض العدم، و العكس صحيح أيضا، كما ذكر هو نفسه فيما

____________

(1) نهاية الدراية: الأصفهاني ج 2 المجلد الأول، ص 13- 14.

352

تقدم، من أنّ المراد بالرفع إنّما هو ما يعمّ الرفع الفاعلي و المفعولي، كما أنّ المراد من قانون أنّ نقيض العلة علة لنقيض المعلول، هو التعبير عن أنّه متى ما كان العدم علة لشي‏ء، يكون الوجود علة لنقيضه، و متى ما كان الوجود علة لشي‏ء، يكون العدم علة لنقيضه.

ثانيا: إنّ ترك ترك الإزالة الذي هو أمر عدمي، و إنّ كنتم تقولون إنّه ليس هو عين الإزالة، إلّا أنه على كل حال هو من الشئون اللّازمة لفعل الإزالة، أي: ليس له علة وراء الإزالة، و إنّما علّته الإزالة على حدّ عليّة الأمور الخارجية للأمور الاعتبارية.

و بهذا يرجع محذور التوقف على الوجود، و إنّ لم يكن هذا من تأثير الوجود في العدم، لكون هذا العدم أمرا اعتباريا.

و لا يتوّهم بأنّ الوجود ليس علة عدم العدم، و إنّ العلة لعدم العدم إنّما هي عدم علة العدم بقانون أن نقيض العلة هو علة لنقيض المعلول، فيكون وجود العلة علة للمعلول الوجودي، و يكون عدمها علة لعدمه، و يكون في عدم عدمها، علة لعدم عدمه، فعدم عدم المعلول، معلول لعدم عدم العلة، فلا نرجع إلى الوجود، في تسلسل العلل، كي يلزم توقف الشي‏ء على نفسه.

قلت: لا يتوهم ذلك، لأنّ هذا الوهم يلزم منه الانتهاء إلى العلة الأولى، إذ ننتهي إلى عدم عدم الباري و وجوب الباري، فإن لم يرجع الأول إلى الثاني تعدّد الواجب، و إن رجع فنرجع من أول الأمر في الحلقة الأولى، و تعدد الواجب مع الملازمة بينهما غير معقول، لأنّ المتلازمين، إمّا أن يكون لهما علّة واحدة هو خلف، و إمّا أنّ يكون أحدهما علة للآخر.

و إن شئت قلت: إنّ هذا التسلسل يؤدي بنا أن نقف في المبدأ الأول أمام واجبين بالذات متلازمين: أحدهما الوجود الواجب الذي يكون علة لوجود المعلول، و الثاني عدم عدمه، العلة لعدم عدم المعلول، و كلاهما واجب، إذ إنّه إذا كان عدم عدم الواجب معلولا لوجوده، إذن فليقل بذلك في كل وجود.