بحوث في علم الأصول - ج5

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
533 /
353

و إنّ فرض كونه معلولا لشي‏ء آخر قبله، كان خلفا، إذ المفروض كونه المبدأ الأول و لا مبدأ قبله، و ثبوت واجبين بالذات متلازمين، إمّا أنّ يدّعى استحالته باعتبار برهان وحدة الواجب و استحالة تعدّده، و لو فرض أنّ أحدهما عدمي.

أو أنه يقال باستحالته، باعتبار أنّ التلازم بين شيئين إنّما يكون باعتبار عليّة أحدهما للآخر، أو كونهما معلولين لعلة ثالثة، و كلاهما غير معقول في الواجب، لأنّه خلف.

و بهذا نستحصل على برهان، هو أنّ عدم العدم معلول و منتزع عن الوجود، لأنّه يقال: هل إنّ عدم عدم الواجب ممكن أو واجب؟ فإن قيل بأنه ممكن إذن كان عدم عدم الواجب معلولا للوجود الواجب على حدّ معلوليّة الأمور الاعتبارية للأمور الخارجية، و إن قيل بالثاني، أي إنّ عدم عدم الواجب واجب، حينئذ، إن أريد من عدم العدم مجرد اللفظ المساوق مع الوجود فهو خلف، و إن أريد أنّه أمر آخر واجب، فهو مستحيل لأنّه يلزم من ذلك تعدّد الواجب و تلازمهما، و هو أمر مستحيل.

ثالثا: هو أنّه يستحيل عليّة نفي النفي، أو عدم العدم للوجود، لأنّ علّيته أخذ فيها الفراغ عن عدم النفي، أي: عدم رفع النقيض، و في فرض الفراغ عن رفع أحد النقيضين يكون نقيضه ضروري الثبوت لا ممكنا، فلا معنى للعلّة بالنسبة إليه، لأنّ العلّة هي الموجبة للخروج من الإمكان إلى الوجود، مع أنّه هنا في طول انتفاء العدم، فيكون الوجود ضروريا، فيستحيل أن تؤثر العلّة، إذن فكما أنّ عليّة الوجود للوجود محال، كذلك عليّة نفي النفي، لأنّها مقيّدة برفع أحد النقيضين بل يكون ثبوت النقيض الآخر ضروريا، فيكون الآخر ممتنعا بالذات.

و معنى هذا إنّ الجواب المذكور على الدور مستحيل، و يبقى إشكال الدور مسجّلا.

354

رابعا: هو إن عدم عدم السواد لو فرضناه هو العلة، فالنتيجة، إنّ السواد معلول لعدم البياض، بمقتضى القول بالمقدمية، و عدم البياض معلول لعدم عدم السواد عند المحقق الأصفهاني (قده)، فينتج أنّ السواد معلول لعدم عدم نفسه، بل إنّ عدم السواد أصبح علة للسواد.

و حينئذ نقول: بأن هذه العليّة مستحيلة، إذ كما أن عليّة الشي‏ء لنفسه مستحيلة، كذلك عليّة عدم عدم السواد للسواد مستحيلة.

و تقريب استحالة عليّة عدم عدم السواد للسواد هو أنّ يقال: إنّ عدم السواد لو صار علة للسواد لكان ظرف عليّته و مؤثريته في طول الفراغ في ارتفاع نقيض السواد، فتكون عليّته مقيّدة لا محالة بارتفاع أحد النقيضين، و لا محالة أنّ الطرف المقيّد لا يمكن أنّ لا يقع فيه النقيض الآخر، بل يكون وقوعه ضرورة، و على هذا تستحيل العليّة و المؤثرية.

و بتعبير آخر يقال: إنّ العليّة و المؤثرية مقيّدة في المقام بثبوت ذات العلّة، و ذات العلة هي نفس النقيض، و هذه العليّة المقيدة لا يوجد في ظرفها أيّ إمكان لمعلولها، بل يخرج من الإمكان إلى الوجوب الذاتي غايته ما دام مقيّدا، أي: ضرورة «ماداميّة»، و معها تستحيل المؤثرية، فمثلا بعد فرض أربعة، يستحيل أنّ يوجد عليّة لزوجيتها، و علية فيبقى إشكال الدور مسجّلا.

و إن شئت قلت: إنّ عدم العدم، إن أريد به إضافة العدم إلى واقع العدم، فهو مستحيل، لأنّ الوجود و العدم عارضان على الماهيّة، لا على واقع الوجود أو العدم، إذ إنّ اتصاف واقع الوجود بالوجود أو بالعدم، و كذلك اتصاف واقع العدم بذلك، مستحيل، لأنّه يستلزم التناقض، أو إثبات الشي‏ء لنفسه، و إن أريد انتزاع مفهوم اعتباري للعدم، و إضافة العدم إليه على حدّ إضافته إلى الماهيّات، فهذا المفهوم أمر اعتباري ذهني محض، و يستحيل أن يكون عدمه علة للوجود الحقيقي، كما هو لازم جواب المحقق الأصفهاني عن الدور، و عليه فيبقى إشكال الدور مسجلا.

355

خامسا: يقال إنّ هذا الإشكال خلاف المدّعى المعترف به لدى القائلين بتوقف الضد على عدم الضد الآخر، إذ إنّ القائلين بذلك إنّما يدّعونه من باب التمانع و التنافي بين نفس الضدين، و إنّ توقف أحدهما على عدم الآخر، إنّما هو من باب المانعيّة التي تعني أنّ وجود الضد الموجود هو العلة في عدم الضد المعدوم، فإنّ التنافي و التضاد بين الوجودين، لا بين وجود أحدهما، و عدم عدم الآخر.

8- البرهان الثامن: على إبطال عدم مقدميّة أحد الضدين لوجود الآخر.

و هذا البرهان مستفاد من الجواب الثالث في مناقشة المحقق الأصفهاني لإشكال الدور، حيث نقول:

إنّ توقف أحد الضدين على عدم الآخر مستحيل في الضدين اللذين لا ثالث لهما، و الذي يستحيل ارتفاعهما، كما في مثل الحركة و السكون، فإنّ حالهما حال النقيضين يستحيل ارتفاعهما، و حينئذ نسأل: إنّ عدم أحد الضدين إذا كان علة لثبوت ضده، فهو على وزان عدم السواد الذي هو علة للسواد، إذ عليّة عدم الحركة للسكون مقيدة بعدم الحركة، و المقيّد بانتفاء أحد الضدين، لا يتحمل إمكان اللّاسكون، بل يكون السكون ضروريا، لأنّه في هذه المرتبة لا يبقى إمكان للوجود و اللّاوجود للضد الآخر، و إنّما يتحقق مجال للوجود إذا كان الإمكان مقيّدا بالوجوب، و هذا برهان مستقل على إبطال المدّعى، غايته أنّه يختص بالضدين اللّذين لا ثالث لهما.

و حينئذ يمكن تعميمه إلى بقية فروض الأضداد في المسألة، إمّا بدعوى عدم الفرق بين السكون و الحركة، و إمّا بدعوى أنّه لو كان لهما ثالث، ننقل الكلام إلى مجموع الضدين بلحاظ الثالث، كما في الأزرق و الأحمر و الأبيض، فإنّ مجموع العدمين للأزرق و الأحمر بلحاظ الأبيض، يكون حكمهما حكم الضدين اللذين ليس لهما ثالث، حينئذ، في مثل ذلك، لا يأتي هذا البرهان، و إنّما يكون التعميم بضم وجدانية عدم الفرق.

356

نعم يبقى الكلام فيما إذا كان لهما ثالث أو رابع، و كان بالإمكان انتفاء الأضداد الوجودية بكاملها، كما في الحب و الكرة اللّذين يمكن ارتفاعهما أي:

عدمهما معا، فإنّه قد يوجد من لا يحب و لا يكره، فيتوفر العدم للمجموع.

في مثل ذلك، لا يتم هذا البرهان المذكور، و حينئذ يتعيّن التمسك بوجدانية عدم الفرق.

9- البرهان التاسع: و هو ما أفاده المحقق الأصفهاني (قده) (1)، و يتوقف على مقدمتين:

أ- المقدمة الأولى: هي أن النقيضين في رتبة واحدة، فالبياض و عدمه في رتبة واحدة، و ذلك لأنّ نقيض كل شي‏ء بديله، و لا يكون البديل بديلا إلّا إذا حلّ في محل نقيضه و أخذ رتبته، فالسواد بديل عدمه، و مقتضى البدليّة أن يخلفه في رتبته.

ب- المقدمة الثانية: هي أنّ المقارن للمتقدم متقدم، و المقارن للمتأخر متأخر و هكذا المساوي، و هذه قضايا تحمل أقيستها معها كأنّها بديهية.

فإذا تمّت هاتان المقدمتان حينئذ يقال: بأن القائل بالمقدميّة يقول بتوقف السواد على عدم البياض، و معناه: إنّ عدم البياض يكون في مرتبة سابقة عليه، و بحكم المقدمة الأولى يجب أن يكون نفس البياض في مرتبة عدم البياض لوحدة رتبة النقيضين بحكم المقدمة الأولى، فالبياض مقارن و مساو في الرتبة، و متحد في الدرجة مع عدمه، و حيث أنّ عدم البياض متقدم على السواد، فكذلك السواد بمقتضى المقارنة متقدم على نفس البياض، بحكم المقدمة الثانية، و ينتج أنّ البياض متقدم رتبة على السواد.

ثم إنّ الشي‏ء نفسه يقال عن السواد، فإنّ عدم السواد نفسه متقدم على البياض بملاك المقدميّة المدعاة من قبل الخصم، و السواد في رتبة نقيضه،

____________

(1) نهاية الدراية: الأصفهاني ج 2 ص 10- 11.

357

و المساوي للمتقدم متقدم بحكم المقدمة الثانية، فينتج أن السواد متقدم على البياض.

و نتيجة ذلك أنّ كلا منهما متقدم على الآخر، و متأخر عنه، و هو تهافت في الرتبة بين الضدين، و هو أمر مستحيل، لاستحالة كون الشي‏ء نفسه متقدما متأخرا.

و هذا البرهان بهذا البيان، لا يحتاج إلى استئناف وجدان أو برهان على أن الضدين في أنفسهما في رتبة واحدة، كما فعل السيد الخوئي‏ (1)، ذلك لأنّ المحذور ليس في اختلاف الضدين في الرتبة، و إنّما المحذور في تهافتهما في المرتبة حيث كل منهما متقدم متأخر، و هو باطل بالبداهة.

فإثبات عدم تضادهما في الرتبة، لا دخل له في تتميم هذا البرهان، لأنّ هذا البرهان يبرهن على أنّ لازم القول بالمقدميّة- بعد ما قلناه- ينتج تقدم أحدهما على الآخر، سواء اتحدا أو تفاوتا، كما ذهب إليه المحقق الأصفهاني في تفسير عبارة «الكفاية».

و بعد بيان البرهان بهذا البيان، نقول: إنّ كلتا المقدمتين مخدوشة.

أمّا المقدمة الأولى: فلأنها كلام صوري، لأنّ قانون، إنّ نقيض كل شي‏ء بديله، إنّما يكون ذلك في لوح الواقع، لا في المرتبة، فلو فرضنا شيئا مقيّدا بمرتبة معيّنة من الزمان، أو المكان كالصلاة في المسجد، فإنّ بديل الصلاة في المسجد إنّما هو عدم الصلاة الذي يكون بديلا لها في الواقع، فالبديل الواقعي إنّما هو عدم المقيّد لا العدم المقيّد.

ثم إنكم قلتم: بأن النقيض هو بديل نقيضه، و هذا صحيح لو أريد بذلك عدم عليّة أحدهما للآخر و تقدمه عليه، لأنّ بدليّة النقيض لنقيضه إنّما هي في لوح الواقع، لا في لوح المرتبة.

____________

(1) محاضرات فياض: ج 3 ص 20- 21.

358

و عليه فهذه البدلية في لوح الواقع لا تستلزم ما قيل في المقدمة الثانية، من أنه لو كان أحدهما علة لشي‏ء، و متقدما عليه، كان الآخر مثله، و إلّا، لو أنّ المرتبة أخذت قيدا في النقيض للزم من ذلك إمكان ارتفاع النقيضين في فرض ارتفاع القيد، كما لو لم يوجد صلاة في المسجد، و لا العدم المضاف إلى المسجد، و ذلك كما لو لم يشرّع اللّه تعالى الصلاة أصلا، أو كما لو لم يمكّننا من بناء مسجد أصلا.

و الخلاصة: إنّ كون النقيضين في رتبة واحدة، إنّ كان المراد بها عدم عليّة أحدهما للآخر، و تقدّمه عليه، فهو أمر صحيح، و لا يستلزم ما قيل في المقدمة الثانية، من أنه إذا كان أحدهما علة للآخر، و متقدما عليه، كان النقيض الآخر مثله.

و إن كان المراد من كون النقيضين في رتبة واحدة، أن المرتبة التي تكون قيدا لثبوت أحدهما، هي نفسها تكون قيدا لثبوت الآخر، على أساس بدلية أحدهما و استخلافه للآخر في موضعه، إن كان هذا هو المراد، فهذا غير صحيح.

و ذلك لكون استخلاف كل منهما و بدليته عن الآخر، إنّما هي في لوح الواقع لا في ظرف ثبوت الأول زمانا أو رتبة، فكون وجود شي‏ء ثابت في زمان، لا يكون عدمه مقيّدا بنفس ذلك الزمان و المرتبة، فإنّ المقصود بالنقيض البديل، إنّما هو عدم المقيّد بذلك الزمان أو المرتبة، لا العدم المقيّد، و إلّا لو كان معنى الاتحاد في الرتبة ذلك، للزم منه ارتفاع النقيضين في فرض ارتفاع القيد كما عرفت.

فالنتيجة إذن، هي أنه لا برهان على أن نقيض كل شي‏ء يجب أن يخلفه في رتبته.

و أمّا المقدمة الثانية، و هي «أنّ ما يكون مقارنا للمتقدم متقدم»: فقد أوضح جملة من المحققين الحكماء، إنّ هذا المطلب ليس بصحيح، و إن‏

359

أوهمته بعض عبارات الشيخ الرئيس‏ (1)، فإنّه لا موجب للالتزام به.

و توضيح ذلك هو أن يقال: إنّ هذه المعيّة، تارة نفرضها معيّة زمانية، و أخرى نفرضها معيّة رتبية.

فإنّ فرضنا الأولى، و هي كون «ما مع المتقدم متقدّم بالزمان» فهو كذلك صحيح، لكن لا بملاك أنّه مع المتقدم، بل بملاك أنّ نفسه متقدم، على حدّ تقدم ذلك الآخر، فمثلا، زيد الميّت قبل ألف سنة متقدم علينا زمانا، و أخوه عمرو الذي كان معه، هو متقدم علينا أيضا، لكن تقدم أخيه علينا ليس باعتبار أنه مع أخيه زيد، بل تقدم زيد و عمرو علينا كلاهما بملاك واحد، بل معيّته متحققة بتحقق الملاك الزماني نفسه.

و إن فرضنا الثانية، و هي كون «المقارن للمتقدم متقدم رتبة»، فإنّ لهذه العبارة معنيان:

أ- المعنى الأول: هو أنّ «ما كان مع المقارن المتقدم، متقدم رتبة»، يعني أنّه ليس هناك موجب لتقدمه عليه، كما أنه ليس هناك موجب لتأخره عنه، فلا هو علة له، و لا هو معلول له.

إذن فكونه مقارنا له رتبة، تعبير يراد به أمر سلبي فقط، و هو نفي كونه علة أو جزء علة، أو كونه معلولا، فالبياض و عدمه في رتبة واحدة، إذ ليس أحدهما علة للآخر، إذن فلا موجب لتقدم أحدهما على الآخر، و لا لتأخره عنه، و لو ضمنا، و لا أحدهما معلول للآخر و لو ضمنا، إذن فلا موجب للتقدم و التأخر، لأنّ ملاك التقدم و التأخر إنّما هو العليّة، كما أنّه لا يلزم من كون المتقدم علة للمتأخر أن يكون المقارن مع المتقدم علة للمتأخر أيضا.

لكن عدم البياض يوجد موجبا لتقدمه على السواد، لأنّه جزء العلة عند القائل بالمقدميّة، فلا يلزم من ذلك أن يكون ما لا يكون هناك موجبا لتقدمه‏

____________

(1) النجاة: ابن سينا- ص 72.

360

عليه أو لتأخره- لا يلزم أن يكون متقدما على السواد، لتقدّم عدم البياض على السواد، إذ إنّ تقدم عدم السواد على البياض، إنّما هو بملاك كونه علة له ضمنا، و كون ذاك لا يوجب تقدمه و لا تأخره، لا يجعله جزء العلة.

إذن، فإذا كان المراد بالمقارن المعنى السلبي فهو صحيح، لكنه غير منتج، لأنّ هذا المعنى السلبي لا يلزم منه أن تكون نكتة تقدم عدم البياض على السواد، محفوظة مع عدم السواد بالنسبة إلى السواد.

ب- المعنى الثاني: لقانون، «ما كان مع المقارن المتقدم رتبة متقدم»، هو المعنى الإيجابي، أي: التوأميّة و كونهما متلازمين و معلولين لعلة أخرى غيرهما، فهو غير صحيح.

و يرد عليه أولا: إن «عدم البياض» و نقيضه «البياض» ليسا معلولين لعلة واحدة، لكون بينهما مقارنة رتبية بالمعنى المذكور، و إلّا لو كانا معلولين لعلة ثالثة لاجتمع النقيضان و هو محال.

و يرد ثانيا: أنّه لو سلّم أنّهما معلولان لعلة واحدة، فلا يلزم من كون أحد هذين المعلولين أبا لشخص، أن يكون المعلول الثاني أبا لرفيقه.

و بعبارة أخرى: إنّ هذا المعنى الإيجابي للتقارن بين المتقدم و المقارن و الذي معه، لا يقتضي «تقدّم ما مع المتقدم»، إذ ملاك التقدم كما مرّ، إنّما هو العليّة، و عليّة أحد المتلازمين لا يستلزم عليّة الآخر أيضا.

إذن فقد تبيّن تماميّة عدة براهين على إثبات المقدميّة.

منها الأربعة الأولى، بالإضافة إلى برهان الدور.

ثمّ إنّ هناك تفصيلا في توقف الضد على عدم الآخر، بين الضد الموجود، و بين الضد المعدوم، حيث يقال: بأنه إذا فرضنا أنّ هذا الجسم ليس بأسود و لا أبيض، فهنا، لا السواد يتوقف على عدم البياض، و لا البياض يتوقف على عدم السواد، و لكن إذا فرضنا سوادا و نريد تبييضه بالبياض، فهنا

361

يتوقف هذا على رفع السواد و عدم بقائه، و لكن بقاء السواد لا يتوقّف على عدم حدوث البياض.

إذن فالضد الموجود، لا يتوقف على عدم الضد المعدوم، و إنّما حدوث الضد المعدوم يتوقف على ارتفاع الضد الموجود، كما في المثال، فإنّ خلوّ الجسم عن البياض و السواد فيه، لا موجب لتوقف وجود أحد الضدين فيه على عدم الآخر.

نعم قد تقدّم، أنّه لو فرض كون الجسم أسود و أريد تبييضه، حينئذ، يتوقف تبييض الأسود على رفع السواد عنه، هنا يكون حدوث البياض متوقفا على ارتفاع السواد الموجود على الجسم.

و هذا التفصيل، غير مندفع ببعض البراهين السابقة مطلقا، كالبرهان الثالث و برهان الدور، حيث أنهما لا ينفيان دعوى التوقف بين الضدين، لأنّه لا يلزم الدور من توقف الضد المعدوم على عدم الضد الموجود، كما أنّه لا يلزم مانعيّة المتأخر رتبة عن الممنوع، كما هو روح البرهان الثالث، حيث لا يكون المانع- و هو الضد الموجود بقاء- متوقفا على عدم الضد المعدوم، كي يلزم شي‏ء من ذلك المحال و التهافت.

و بعض تلك البراهين السابقة، كالبرهان الخامس، يدفع و ينفي هذا التفصيل مطلقا، لأنّه كان يفترض أنّ اجتماع الضدين ممتنع بالذات، و عليه يستحيل افتراض المانع لما هو ممتنع بالذات.

و من الواضح أنّ هذا لا يفرّق الحال فيه بين مانعيّة الضد الموجود عن المعدوم أو مانعيّة مطلق الضد.

و تبقى بعض البراهين، كالأول و الرابع، معلّقة في اندفاعها و عدم اندفاعها على وجود نكتة، و هي كون الوجود البقائي بحاجة إلى العلّة كالوجود الحدوثي، فإنّه لو قبل هذا القانون- كما ذكرنا ذلك في فلسفتنا- حينئذ يكون بقاء الضد الموجود أيضا في طول مانعيّة مقتضيه، و حينئذ تستحيل مانعيته‏

362

بمقتضى البرهان الأول و الرابع، لأنهما يشتركان في إثبات امتناع مانعيّة الضد، حيث أن وجوده يكون في طول مانعيّة مقتضيه.

و إنّ شئت قلت: إنّ تقريب الدور يرتفع حتما مطلقا في صيغة البرهان الثاني حيث يقال: بأنّ وجود البياض يتوقف على عدم بقاء السواد، فيما لا يتوقف بقاء السواد على عدم حدوث البياض، ليلزم الدور بصيغة البرهان الثاني، أو البرهان السابع، فإنّ وجود البياض يتوقف على عدم السواد، باعتبار أنّ السواد مانع عن البياض، فمثلا في إشكال الدور، كنّا نقول: بأن السواد- المانع نفسه- متوقف على عدم ممنوعه، لأنّ فرض وجوده هو فرض عدم ممنوعه قبله، حينئذ، كنّا نسأل أنه عمّا ذا يمنع؟. و هذا لا يأتي هنا، لأنّ المانع هو السواد بقاء، و هو غير موقوف على عدم حدوث البياض، لأنّ المفروض أن المانع هو الضد الموجود و ليس المعدوم.

إذن فهذا الضد الموجود و هو السواد، يمنع عن البياض، و لا يكون متوقفا على عدم البياض كي يلزم الدور.

إذن فإشكال الدور يرتفع في المقام. و كنّا نقول في البرهان الرابع: إنّ استحالة اجتماع الضدين ذاتيّة، لأنّ الضد إنّ كان يمنع عن وجود الضد الآخر في ظرف عدمه، فهذا غير معقول، و إنّ كان يمنع عنه في ظرف وجوده، فهو غير معقول أيضا، لأن ظرف وجود أحد الضدين بما هو ظرف هذا الضد، هو ظرف للامتناع الذاتي، لوجود ذاك الضد، فتستحيل فيه العليّة المساوقة للامتناع بالغير.

و هذا هو نفسه يأتي هنا فيقال: بأنّ هذا السواد بوجوده البقائي، إن كان يمنع عن حدوث البياض، حال ارتفاعه، فهو غير معقول، لأنّه يلزم منه مانعيّة حال عدمه و هو مستحيل، و إن كان هذا السواد بوجوده البقائي، يمنع عن حدوث البياض معه، فهذه المانعيّة منوطة بفعليّة و وجود السواد، و المفروض أن الظرف الذي فرغ فيه عن وجود أحد الضدين بما هو كذلك، يمتنع أن يوجد فيه الآخر ذاتا، إذن فلا يعقل أن يكون علة لمنعه حينئذ.

363

و هكذا يأتي البرهان الأول، و يلحق به الثالث المعتمد على الأمر الثاني من البرهان الأول، لكن بعد ضمّ عناية زائدة، و هذه العناية، هي أنّ الممكن هل يحتاج في بقائه إلى المقتضي، كما يحتاج في حدوثه إليه؟ و ذلك أنّ البرهان الأول كنّا نثبت به أولا، أنّ مقتضي أحد الضدين مانع، و كنّا نثبت فيه أنّ الضد في طول مانعيّة مقتضيه، إذن فلا يكون الضد مانعا.

و حينئذ كنّا نقول: بأنه إذا فرضنا أن بقاء السواد كان يحتاج إلى بقاء المقتضي أيضا، فالكلام هو الكلام حيث يقال: إنّ هذا المقتضي لبقاء السواد هو بنفسه يمنع عن البياض، و بقاء السواد في طول مانعيّة هذا المقتضي، و عليه، فلا يكون السواد مانعا، و أمّا إذا قلنا: بأنّ السواد لا يحتاج في بقائه إلى مقتض، إذن فبقاء هذا السواد ليس في طول مقتضيه كي يقال: بأنّ ذاك المقتضي في المرتبة السابقة يمنع عن البياض، و يكون السواد في طول مانعية مقتضيه، إذ لا مقتضي له بقاء.

و حينئذ تصبح قاعدة أن الممكن كما يحتاج إلى المقتضي حدوثا يحتاج بقاء، هذه القاعدة، تصبح عناية لا بدّ من ضمّها، ليتم انطباقه على محل الكلام.

و بهذا يتضح ما قلناه سابقا: من أنّ هذا التفصيل يندفع عن بعض البراهين بقول مطلق، و لا يندفع عن بعض البراهين بقول مطلق، و يعلّق البعض على هذه النكتة التي تقدّم ذكرها.

و حصيلة كل ما سبق: هي أحقيّة البراهين الأربعة الأولى، على عدم تماميّة المقدميّة، و يضاف إلى هذه البراهين الأربعة برهان الدور، و كذلك يضاف إليها البرهان الثامن الذي جرى على بعض الأضداد، كما في الضدين اللذين لا ثالث لهما.

و هنا ننبه على نكتة، و هي: إنّ مقدميّة أحد الضدين لوجود الآخر، قد

364

يكون باعتبار مانعيّة هذا الوجود عن ذاك الوجود، و قد يكون باعتبار أنّ العدم مؤثر في الوجود استقلالا.

و هذه البراهين كانت تبطل كلا شقي المقدميّة، و هما: مانعيّة الوجود عن الوجود، أو مانعيّة و تأثير العدم في الوجود.

و الشق الأول: و هو المقدميّة بملاك المانعيّة، و هذا له نحوان قد تكفّلت هذه البراهين بإبطال كلا النحوين:

و النحو الأول، كان يقال فيه: إنّ السواد يكون مانعا عن وجود البياض في ظرف وجود السواد.

و النحو الثاني، كان يقال فيه: إنّ السواد مانع عن وجود البياض في ظرف وجود البياض.

و كلا هذين النحوين من المانعيّة، تكفّل برهان الدور بإبطالهما، كما تكفل البرهان الرابع بإبطالهما أيضا، و ذلك لأنّا كنّا نقول فيه: إنّ مانعية السواد عن البياض كانت مقيّدة بظرف وجود السواد، و كنّا نتساءل هناك، أنها كانت تؤثر في عدم البياض في ظرف عدم السواد؟ أو أنها كانت تؤثر في عدم البياض في ظرف وجود السواد؟ و كنّا نقول: بأنّ الأول غير معقول، لأنّ فعليّة مانعيّة السواد فرع وجوده، و لا يعقل تأثير السواد في حال عدمه.

و أمّا مانعيّة السواد في حال عدمه، فقد كنّا نبطله في البرهان الرابع و نقول: بأنّ ظرف وجود السواد بما هو ظرف وجود، فهو ظرف الامتناع الذاتي للبياض، فيستحيل كونه ممنوعا بمانع، لأنّ معنى ذلك، أنّه ممتنع بالغير، و كذلك نبطله ببرهان الدور.

و أمّا البرهان الأول، و الثالث يرجع إليه كذلك، لأنهما يعتمدان على نكتة وحدة، و هي: إنّ مانعيّة الضد في طول مانعيّة المقتضي، و حينئذ يستحيل أن تنشئ مانعيّة و تساهم فيها، لأنّه في طول مانعيّة مقتضيه، غاية الأمر أننا في البرهان الأول سلكنا مسلكا في إثبات مانعيّة المقتضي، و في البرهان الثالث‏

365

سلكنا مسلكا آخر، و حينئذ، البرهان الأول تكفّل بإبطال أحد شكلي هذه المانعيّة، لأنّ إبطال مانعيّة الضد كان بنكتة أنه في طول مانعيّة مقتضيه، و عليه لا يمكن مساهمته في المانعيّة.

و هنا لا بدّ من الانتقال إلى مانعيّة المقتضي، لنرى أيّ مانعيّة هي، بحيث يكون الضد الواقع في طولها، عاجز عن المساهمة في التأثير، و أنه هل هي المانعيّة بالشكل الأول، أو المانعيّة بالشكل الثاني.

فمثلا مقتضي السواد: هل يمنع عن وجود البياض في ظرف وجود السواد؟ أو أنه يمنع عن وجود البياض الذي ليس معه سواد؟.

و من الواضح، أنّ مقتضي السواد لا يمنع عن البياض الذي معه سواد، لأنّ مقتضي السواد لا يهمّه إلّا وجود السواد، و أن لا يستبدل السواد بالبياض، و حينئذ فلو فرض في الخارج، إمكان اجتماع الضدين، إذن لما كان اقتضاء في مقتضي السواد يقتضي عدم وجود البياض، و إنّما كان اقتضاء السواد يمنع عن استبدال السواد بالبياض، إذن فمقتضى السواد مانعيّته مانعيّة عن وجود السواد مقيّدا بعدم البياض، لا عن وجود السواد مقيدا بالبياض.

و حينئذ إذا أتينا إلى الضد الذي هو في طول هذه المانعيّة، فتارة نريد أن ننسب له نفس تلك المانعيّة و نقول: بأنّ الضد، و هو السواد، يمنع عن وجود البياض في ظرف عدم السواد، و تارة أخرى ننسب إليه المانعية عن الوجود الانضمامي لا الانفرادي، فنقول: إنّ السواد يمنع عن انضمام البياض إليه، إذا ادّعي بأنّ السواد مانعيّته مانعيّة عن الوجود الانضمامي للبياض، فمثل هذه المانعيّة لا يمكن إبطالها بالبرهان الأول، لأنّ وجود الضد ليس في طول مانعيّة المقتضي عن الوجود الانضمامي للبياض، لما قلناه، من أنّ مقتضي السواد ليس له أصلا، مانعيّة عن الوجود الانضمامي.

إذن فالبرهان على عدم ثبوت المانعيّة هو برهان آخر.

و البرهان على طوليتها، يكون إمّا «الدور» و إمّا «الاستحالة»، فإذا ثبت‏

366

بقرينة أنّ استحالة وجود الضدين استحالة ذاتيّة، يكون برهانا على إبطال هذا، و لا يكفي البرهان الأول، و إنّما يكفي لنفي الشكل الأول.

و قد يبرهن عليه بالبرهان الأول، لأنّ المانعيّة عن وجود البياض بدلا عن السواد ثابتة للمقتضي، إذ المقتضي يمنع عن البياض حيث لا سواد، و وجود السواد في طول هذه المانعيّة، و حينئذ يستحيل أن يساهم في هذه المانعيّة.

و بذلك يتضح، أن بعض البراهين كبرهان الدور، و البرهان الرابع، تبطل المانعيّة بكلا شكليها، بينما البرهان الأول، يبطل المانعيّة بالنحو المنسوب إلى المقتضي.

367

الفصل الثاني الضد العام‏

و هو أن الأمر بالشي‏ء هل يقتضي النهي عن ضده العام، أو لا يقتضي؟.

و المقصود بالضد العام هنا، النقيض.

و قد تراوحت البراهين على المراد من الاقتضاء، بين ثلاثة مذاهب:

أ- المذهب الأول: هو أنّ المراد من الاقتضاء هو، العينيّة.

ب- المذهب الثاني: هو أنّ المراد من الاقتضاء هو، التضمنيّة.

ج- المذهب الثالث: هو أنّ المراد من الاقتضاء هو، الالتزام و الملازمة.

ثم إنّ الاقتضاء المذكور، تارة يبحث بلحاظ مرحلة الإثبات و الدلالة، و أخرى بلحاظ مرحلة الثبوت.

و الاقتضاء المذكور بنحو العينيّة، بلحاظ مرحلة الإثبات و الدلالة، ليس المقصود منه مجرّد بحث لغوي، في أنّ أدوات التعبير عن الأمر بشي‏ء، و النهي عن تركه، يستعمل أحدهما مكان الآخر، فقد تكون أدوات التعبير عن أحدهما هي نفسها، أدوات تعبير عن الآخر، فالمولى حينما يشرّع وجوب الصلاة، و يريد أن يعبّر عن ذلك، فقد يقول: «صلّ» أو يقول: «لا تترك الصلاة»، فليس المقصود من العينيّة ذلك، لأنّ اللغة تستسيغ كلا التعبيرين عرفا، و إن اختلفا في مدلولهما التصوري على مستوى المفردات، إلّا أنّ أحدهما عين الآخر في هذه المرحلة.

368

و إنّما دعوى العينيّة بلحاظ مرحلة الثبوت، يجب أن تدّعى في أحد عالمين:

1- عالم الجعل و الحكم.

2- عالم الحب و البغض.

أمّا دعوى العينيّة بلحاظ مرحلة الثبوت في العالم الأول، فإذا فرضنا أن النهي كان عبارة عن طلب النقيض بأن قلنا: بأنّ النهي عن شي‏ء هو عبارة أخرى عن الطلب حقيقة، غايته أنّ الأمر هو طلب نفس المتعلق، و النهي هو طلب نقيض المتعلّق، و قلنا: بأن نقيض الوجود هو العدم، و نقيض العدم هو الوجود، فينتج أنّ الأمر بالشي‏ء هو عين النهي عن الترك، لأنّ النهي عن الترك، معناه طلب نقيض الترك، و نقيض الترك هو الفعل، فيكون المنهي عنه هو الفعل، فيكون النهي عن الترك معناه طلب الفعل، فيصح أن يقال: بأن الأمر بشي‏ء هو عين النهي عن ضده العام، إذ ليس النهي عن ترك الشي‏ء هو غير طلب فعل ذلك الشي‏ء عينه.

و أمّا لو قلنا: بأنّ النهي، بحسب عالم الجعل و الحكم، ليس مرجعه إلى طلب نقيض مادة النهي، و إنّما مرجعه إلى الزجر، كما أنّ الأمر عبارة عن إنشاء نسبة تحريكية، و كل منهما متعلّق بالمادة، غاية الأمر، أنّ أحدهما يقع طرفا للنسبة الإرساليّة، و الآخر يقع طرفا لنسبة زجريّة.

حينئذ لا محالة تكون المغايرة بين الأمرين واضحة، و أنّ أحدهما غير الآخر، إذ إنّ النسبة الإرساليّة غير النسبة الزجرية، إذن فهنا لا معنى لدعوى العينيّة.

و بهذا يتضح أنّ الاقتضاء بنحو العينيّة، بحسب عالم الجعل و الحكم، هذه العينيّة، تصح على تقدير دون تقدير.

و أمّا الاقتضاء بنحو التضمّن في مرحلة الثبوت، بحسب عالم الجعل‏

369

و الحكم، بمعنى أن يكون الأمر مركبا من طلب الفعل و النهي عن الترك، فقد يقرّب بأن مجرد الوجوب لا يمتثل و لا يقتضي الإلزام في عالم الجعل، إذا كان مركبا من طلب الفعل فقط، لأنّ طلب الفعل هنا يلائم مع الاستحباب أيضا، و إنّما يتعيّن أن يقتضي الإلزام و الوجوب إذا اقترن بالنهي عن الترك.

إذن فالوجوب و الإلزام مركب من جزء يشترك فيه معه الاستحباب، و هو طلب الفعل، و جزء يختص به، و هو النهي عن الترك.

و هذا هو معنى متضمّن الأمر بشي‏ء للنهي عن نقيضه.

و هذا تقريب معقول، و لا ينبغي أن يورد عليه ما أورده السيد الخوئي، (قده) (1) من أن الحكم في عالم الجعل أمر اعتباري، و الأمور الاعتبارية من البسائط، و ليست من المركبات، و عليه فلا يتصوّر لها جنس، و لا فصل.

فإنّ هذا أجنبي عن المقام، إذ التركّب المبحوث عنه أصوليا، لا يراد منه التركب الماهوي المبحوث عنه في الحكمة، كي يكون الاعتبار أمرا بسيطا، لا تتصوّر فيه الأجزاء الماهويّة، و إنّما المراد من كون الاعتبار بسيطا، يعني أنه بما هو هو ليس مركبا، بينما القائل بالتركّب للوجوب، يدّعي أنّه مركب من ناحيتين: اعتبار الفعل في ذمّة المكلّف أولا، و اعتبار المنع عن الترك ثانيا، و هذا التركيب غير ذلك التركيب المقصود للحكماء.

نعم يمكن أن يقال: بأنّ الوجوب ليس مركبا من طلب الفعل و المنع عن الترك، و ذلك لأنّ الوجوب لو كان يتميّز عن الاستحباب بالمنع عن الترك،- لو كان هكذا- لنقلنا الكلام إلى النهي عن الترك، فنقول: بأنّ النهي عن الترك، تارة يكون نهيا كراهيّا، و أخرى يكون نهيا تحريميا، إذن فهذا المنع المدّعى أنّه جزء من الوجوب، أيّ منع هو؟. فإن كان الأول، فلا يجعل الطلب وجوبيا، و إن كان الثاني، نسأل حينئذ، أنه كيف صار المنع‏

____________

(1) محاضرات فياض: ج 3 ص 47- 48.

370

لزوميا مع أنه اعتبار واحد و منع واحد، و عليه يقال: إذا صحّ هذا في النهي، فليصح في الطلب من أول الأمر و ليقل: بأنّ الأمر لزومي بذاته من أول الأمر، و إذا كان لا بدّ من كون الوجوب مركبا، فليكن مركبا من طلب الفعل مع عدم الترخيص بالترك، لا المنع من الترك الذي هو عدم الاعتبار، إذ لا اعتبار للعدم.

و الخلاصة، هي: إنّ إضافة المنع من الترك، يعمّق الإشكال و لا يحلّه، لأنّ المنع بنفسه كالطلب ينطبق على اللزومي، و غير اللزومي، كما في الكراهة.

و عليه، فلا بدّ من تعديله، فيقال بدلا عن «المنع من الترك»، «عدم الترخيص في الترك»، لا المنع و الحرمة، و هكذا، تكون صياغة كون المسألة اعتبارية، و صياغة الاعتبار.

و أمّا الاقتضاء بنحو الملازمة و الاستلزام، فيرد عليه ما أوردناه على القائل بالملازمة، بلحاظ عالم الجعل و الاعتبار، في بحث مقدمة الواجب، حيث قلنا هناك، بأنه: إن أريد من هذا الاستلزام في عالم الجعل، التسبيب التوليدي في جعل الحكم، فهذا غير معقول، لأنّ الأحكام أفعال اختيارية للمولى، فتكون منوطة بمبادئها الاختيارية، و حينئذ لو أريد دعوى حصول الاعتبار الثاني الغيري بالاعتبار الأول، بنحو التوليد، و من دون حصول مبادئه، فهو إذن خلف كونه من الأفعال الاختيارية.

و إن أريد أن جعل الوجوب يحدث الداعي في نفس المولى، لجعل النهي الغيري و هو حرمة الترك، فهو أيضا غير صحيح، إذ لا فائدة عمليّة من الاعتبار الثاني الغيري بعد فرض الاعتبار الأول، إذ لا وجود لمثل هذا الداعي في النفس حينئذ، بل هو لغو صرف، لأنّ التحريم الغيري كالوجوب الغيري، لا تحريك له و لا زجر، لأنّه ليس موضوعا مستقلا للطاعة و الداعوية.

و إن شئت قلت، بأنّه: إن أريد أن الاعتبار الأول بنفسه يحدث الداعي‏

371

في نفس المولى لجعل الحكم، بحيث أنّه هو بنفسه يصبح داعيا لجعل النهي الغيري، و هو «حرمة الترك»، فهو غير صحيح، لأنّه لا فائدة عمليّة من الاعتبار الثاني الغيري بعد فرض الاعتبار الأول، بل هو لغو صرف، لأنّه تحريم غيري، و هو كالوجوب الغيري، ليس موضوعا مستقلا للطاعة و الداعوية، فلا تحريك و لا زجر له.

هذا كله بلحاظ عالم الجعل و الحكم و الاعتبار.

و أمّا الاقتضاء، بحسب عالم الحب و البغض، و مبادئ الحكم من الإرادة و الكراهة و غيرها، فإنّ اقتضاء حبّ فعل لبغض ضدّه العام، يبتني على فروض متصوّرة في تفسير الحب و البغض في النفس، نستعرضها تباعا:

1- الفرض الأول: هو أنّ حبّ فعل، معناه مبغوضيّة تركه، و معنى هذا، أننا لا نتصور حبا في العالم، بل العالم كلّه عامل بغض، غاية الأمر، أن الإنسان تارة يبغض الفعل كما في شرب الخمر، و أخرى يبغض الترك، كما في ترك الصلاة.

و هذا الفرض معناه، أنّ الأمر بشي‏ء دائما هو عين بغض ضدّه العام، بلحاظ عالم الملاك و الإرادة، أي: عالم الحب و البغض، فهو فرض نافع لمن يقول بالعينيّة.

إلّا أن هذا الفرض بديهي البطلان، لأنّ الوجدان قاض بوجود عاطفة الحب في الإنسان.

2- الفرض الثاني: هو أن يفرض وجود عاطفة واحدة في النفس- كما يفرض علماء النفس- و هذه العاطفة الواحدة، إذا نسبت إلى الفعل الملائم لها، تكون «حبا للفعل»، و إذا نسبت إلى نقيض الفعل، تكون بغضا، فيزدوج الحب و البغض في عاطفة واحدة.

و هذا الفرض أيضا، يفيد القائل بالعينيّة، إذ سوف يكون الأمر بشي‏ء عين النهي عن ضدّه العام.

372

و هذا الفرض باطل أيضا بالوجدان، و ذلك لأنّ عاطفة الحب و البغض متقدّمة بمتعلقها، فهي كالعلم و القدرة، من الصفات الحقيقيّة ذات الإضافة، قوامها في متعلقها، إذن فلا بدّ من تعيين المتعلّق، و هذا المتعلّق، إمّا أن يتعيّن في طرف الفعل، فيكون حبا، و إمّا أن يتعيّن في طرف الترك، فيكون بغضا.

فالعاطفة تتبدّل بتبدل المتعلّق، كالعلم عند ما يتبدل متعلّقه.

3- الفرض الثالث: هو أنّه يوجد عاطفتان: عاطفة حب، و عاطفة بغض، و كلتا العاطفتين منشؤهما واحد، هو الملاك و المصلحة، و هذا الملاك يولّد كلتا العاطفتين في عرض واحد، فحينما يرى الإنسان العطشان المصلحة إذا شرب الماء، حينئذ يتولد عنده عاطفتان هما: حبّ شرب الماء، و بغض ترك الشّرب، فيكون غض الترك جزءا للملاك النفسي للمولى، و كلاهما منشؤهما واحد.

و هذا الفرض يفيد القائل بأن الأمر بالشي‏ء يتضمّن النهي عن ضده العام، إذ معناه أنّه وراء الأمر دائما عاطفة مزدوجة، تشتمل على حب الفعل، و بغض تركه.

و هذا الفرض أكثر معقوليّة من الفرض الأول، لعدم مخالفته الوجدان، و أكثر معقوليّة من الفرض الثاني، لعدم وجود محذور عقلي فيه كما في الثاني.

و لا ينبغي الإشكال، في أنّ ترك المحبوب مبغوض، و لكنّ الكلام في أنّ هذه المبغوضية عرضيّة كما يدّعي هذا القول، أو طوليّة، كما في الفرض الآتي، و تلك دعوى عهدتها على مدّعيها.

4- الفرض الرابع: و هو الأقرب، و إن كان هو الفرض الثالث نفسه، غايته أنّه يفترض الطوليّة بين العاطفتين.

373

و هذا الفرض يفيد القائل بالاستلزام و ذلك بأن يقال: بأنّ الملاك الموجود في الفعل يولّد حبا، ثم و في طوله، و بقدر ما يصبح هذا الفعل محبوبا و ملائما لقوى، الإنسان يصبح تركه مبغوضا له، إذ إنّ الإنسان كما يتألم من وجود ما ينافر قواه،، كذلك يتألم من فوات ما يلائم قواه فيبغض ذلك الفوات.

و هذا الفرض كما ترى، فإنّه نافع للقائل بأن الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده العام بالاستلزام بحسب عالم الحب و البغض، و هو أكثر وجدانيّة و أقرب للقبول، و حينئذ لا يرد عليه ما استشكله السيد الخوئي (قده) (1) على القول بالاستلزام للحرمة الغيرية، حيث استشكل (قده) بأنّ الحرمة الغيرية ملاكها المقدميّة، و لا مقدميّة بين الشي‏ء و ضده العام، إذ إنّ عدم العدم ليس مقدمة للوجود بل هو عينه، فإنّ إشكال السيد الخوئي (قده) حينئذ يكون مصادرة على مدّعى القائل بالاستلزام. بل لعلّه من باب النقيضيّة، إذ القائل بالاقتضاء من باب الاستلزام يقول: بأنّ هناك ملاكا آخر للحرمة الغيرية، و هو كون الشي‏ء نقيض المحبوب، إذ كما أنّ المقدميّة للمحبوب ملاك للوجوب الغيري، فكذلك كون الشي‏ء نقيضا له ملاك للحرمة الغيرية.

____________

(1) محاضرات فياض: ج 3 ص 49.

374

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

375

الفصل الثالث ثمرة بحث الضد

لقد قيل بأنّ ثمرة بحث الضد- «اقتضاء الأمر بشي‏ء للنهي عن ضده»- تظهر في فرعين:

1- الفرع الأول: هو فيما إذا تزاحم واجب مضيّق مع واجب آخر موسّع كما إذا أوقعت الصلاة- الواجبة الموسّعة- في وقت مضيّق مزاحمة لواجب من الواجبات كالإزالة الفورية في جزء من الوقت، فإنه حينئذ لا إشكال في أن الموسّع إذا زاحمه المضيّق، أو زوحم به، قدّم المضيّق لكون وجوبه فعليا.

و حينئذ بناء على اقتضاء الأمر بالإزالة للنهي عن ضده الخاص، لو فرض أن المكلّف لم يأت بالمضيّق، بل أتى بالموسّع، فهل يجزي إتيانه بالموسّع؟

لا إشكال في أنه بناء على كون الأمر بشي‏ء يقتضي النهي عن ضده الخاص، فإنّ الصلاة الموسعة تكون فاسدة، لأنّها عبادة وقعت حال كونها منهيا عنها، و النهي و لو كان غيريا يقتضي الفساد.

و أمّا لو قلنا بعدم اقتضاء الأمر بشي‏ء النهي عن ضده، فإنّ هذه الصلاة تقع صحيحة حينئذ.

2- الفرع الثاني: و هو فيما إذا تزاحم واجبان مضيّقان: أحدهما أهمّ من الآخر، حينئذ لو قدّم الأهم على المهم بقانون تقديم الأهم على المهم في باب التزاحم، فلا إشكال.

376

لكن لو فرض أنّه قدّم المهم العبادي، فصلّى و ترك إنقاذ الغريق، في مثل ذلك، هل تقع صلاته صحيحة؟.

و هنا أيضا يقال: إنه بناء على أن الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده، فإنّ صلاته تقع باطلة.

و أمّا بناء على القول بعدم الاقتضاء، فإنّ صلاته تقع صحيحة.

و هذا التقريب قد اعترض عليه بعدة اعتراضات:

1- الاعتراض الأول: هو أنّ هذه الثمرة غير صحيحة، بل المتعيّن هو القول بالبطلان على كلا التقديرين، سواء قلنا بالاقتضاء، أو قلنا بعدمه.

أمّا بطلانها على القول بالاقتضاء: فلما تقدّم من أن النهي عن العبادة يفيد الفساد.

و أمّا بطلانها على القول بعدم الاقتضاء، فأيضا تقع هذه العبادة فاسدة، و ذلك لأنّ العبادة المغايرة مع الواجب المضيّق الأهم، و إن لم تكن محرّمة، لكنها ليست مأمورا بها على كل حال، إذ لا يعقل الأمر بها مع طلب ضدها، لعدم معقوليّة الأمر بالشي‏ء و ضده، و عدم الأمر بها كاف في وقوعها فاسدة، إذ يشترط في صحة العبادة الأمر بها، فتكون هذه الصلاة كصلاة الحائض، إذن فالثمرة في كلا الفرضين باطلة. و قد أجيب على هذا الاعتراض بوجوه:

1- الوجه الأول: و هو ما نسب إلى المحقق الثاني‏ (1)، و جماعة ممّن تأخر عنه، من المنع عن إطلاق مقالة البهائي (قده) من فساد الضد لو قلنا بتوقف العبادة على الأمر (2)، و هو يختص بخصوص الفرع الأول، و هو كون الواجب الموسّع يزاحم الواجب المضيّق في جزء من الوقت.

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 181.

(2) زبدة الأصول: ناشر- برادران نجفي ص 82- 83.

377

و حاصله، هو: إنّه ليس صحيحا أن الأمر بالصلاة ساقط على كلا القولين، بل إنّما نلتزم بسقوطه بناء على القول بالاقتضاء، و أمّا بناء على القول بعدم الاقتضاء عن الضد الخاص، فلا تظهر الثمرة.

و توضيح ذلك، هو: إنّه بناء على الاقتضاء يكون الفرد الواقع في فرض المزاحمة محرما، و عليه فيستحيل شمول إطلاق دليل «صلّ»، له، إذن فلا محالة تكون الحرمة موجبة لتخصيص إطلاق دليل «صلّ» بنحو لا يشمل هذا الفرد، لاستحالة اجتماع الأمر و النهي فيه، و عليه فيقع هذا الفرد بلا أمر، فيحكم ببطلانه.

و أمّا إذا قلنا: بأن الأمر بالشي‏ء لا يقتضي النهي عن ضده الخاص، فالأمر «بالإزالة» لا يقتضي تحريم هذا الفرد، إذن فلا يقع هذا الفرد بلا أمر، و لا يحكم ببطلانه، بل يبقى الأمر متعلقا بالجامع بين هذا الفرد و غيره من الأفراد،- و هنا لا ينبغي التوهم أن هذا أمر بالضدين- فإنّ الإزالة ضدها هذا الفرد، لا الجامع بينه و بين الإزالة، و ما هو المأمور به هو الجامع، و لا مضادة بين الإزالة و هذا الجامع، لوضوح أنّ الجامع يمكن تحققه مع الإزالة.

إذن فما هو طرف المزاحمة و المضادة، و هذا معناه، أنه بناء على القول بعدم الاقتضاء لا يرتفع الأمر بالصلاة.

و قد أورد المحقق النائيني (قده) على تصحيح المحقق الثاني (قده) للثمرة، حيث يتم كلام المحقق الثاني (قده) على مبنى، و لا يتم على مبنى آخر، حيث يقول الميرزا (قده) إنّ اشتراط القدرة في التكاليف فيه مسلكان‏ (1):

1- المسلك الأول: هو أن اشتراط القدرة إنما هو من باب حكم العقل بقبح تكليف العاجز، بحيث لو قطعنا النظر عن القبح العقلى، لما كان هناك‏

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 181.

378

موجب للاختصاص بالقادر، و إنّما قلنا بالاختصاص بحكم العقل.

2- المسلك الثاني: هو أنّ القدرة إنما هي شرط، باعتبار استدعاء طبيعة التكليف للتوجه نحو المقدور، إذ يستحيل التوجه نحو غير المقدور، بل حتى أن الأشعري‏ (1) الذي يرى صحة التكليف بغير المقدور، يقول بهذا، و ذلك لأنّ التكليف متقوّم بجعل الداعي و التحريك، و من الواضح أن جعل الداعي لا يعقل إلّا أن يقع تحت اختيار الآخر، إذن فالتكليف بطبعه يستدعي التوجه نحو المقدور، لأنّ روح التكليف هو جعل الداعي، و هو يساوق الاختيار، و يكمل الميرزا (قده) فيقول: و حينئذ لو بنينا على الأول يتم كلام المحقق الثاني (قده)، و يكون التكليف حينئذ مشروطا بالقدرة، بقرينة عقليّة و هي حكم العقل بقبح تكليف العاجز على القول بالاقتضاء و بأنّ الأمر يتعلق بالجامع بين الفرد المقدور و غير المقدور، أي: بين المزاحم و غير المزاحم.

و هنا لا محذور في ذلك، لأنّ المحذور هو قبح تكليف العاجز، و لا قبح بهذا التكليف لأنه لا إحراج فيه للعبد، إذ تكفي القدرة على بعض أفراد الواجب الموسّع حيث، يبقى تعلّق التكليف بالجامع بين الفرد المزاحم و غيره من الواجب الموسّع، معقولا، إذ لا يلزم منه محذور قبح تكليف العاجز، و بهذا يكون الفرد المزاحم فردا من المأمور به أيضا، و عليه فيصح وقوعه عبادة.

و أمّا بناء على المسلك الثاني، و هو: اعتبار كون القدرة شرطا في التكليف، باعتبار أنّ طبيعة التكليف تقتضي التوجه نحو المقدور، لأنّ التكليف هو عبارة عن جعل الداعي، و هو لا يكون إلّا بلحاظ المقدور، لأنه هو الذي يعقل جعل الداعي إليه.

بناء على هذا، حينئذ، لا محالة من كون التكليف يخصّص متعلّقة بخصوص الحصة المقدورة، و حينئذ لا يبقى للجامع إطلاق و شمول للفرد

____________

(1) مقالات الإسلاميين: الأشعري ج 1 ص 330.

379

المزاحم من الواجب الموسّع، لأنّ هذا الفرد حتى لو لم نقل بالنهي عنه، فالوجوب المتعلق بالفرد الآخر، هو بطبعه يقتضي التخصيص بالحصة المقدورة، أي بتخصيص الأمر بغير المزاحم. إذن يخرج المزاحم عن كونه فردا من المأمور به. و بهذا يتم الاعتراض على الثمرة.

و قد أورد السيد الخوئي (قده) (1) عدة إيرادات:

1- الإيراد الأول: هو أنّ ما سلّمه الميرزا (قده) من صحة تصحيح المحقق الثاني (قده) للثمرة، من صحة تعلّق الأمر بالجامع على تقدير المسلك الأول، و هو كون القدرة فيه شرطا بحكم العقل، هذا التسليم غير مناسب مع مبنى الميرزا (قده) نفسه، من استحالة الواجب المعلّق، إذ يلزم من القبول بالجامع على هذا التقدير، الالتزام بالواجب المعلّق الذي يرفضه الميرزا (قده).

و توضيحه، هو: إنّه إذا فرضنا أنه أمر بالصلاة عند الإزالة، فالفرد الأول من الصلاة مزاحم بالإزالة، لكون وجوب الواجب الموسّع فعليا حتى في زمان الإزالة، «الواجب المضيق» مع أنّ متعلق الواجب الموسع غير مقدور شرعا في زمن الواجب المضيّق، «الإزالة»، و المفروض أن الميرزا (قده) يقول بتعلق الأمر بالصلاة بناء على أنّ القدرة شرط عقلي، إذ حينئذ يقال، للميرزا (قده):

بأنّ هذا من الواجب المعلّق، و ذلك لأنّ الإتيان بالفرد الطولي الأول مستحيل عند الزوال، بعد أن فرغنا عن استحالة الإتيان بالفرد المزاحم «للإزالة»، أو «إنقاذ الغريق» فتبقى الأفراد الطوليّة للجامع و غير المزاحمة، الثاني، و الثالث، و الرابع، و هكذا، غير مقدورة عقلا و فعلا، لأنه أقربها عند الإزالة، و فرده المزاحم الفعلي قلنا: إنّه غير مقدور، لا شرعا و لا عقلا، إذن فيتعلّق الأمر بالواجب الغير مقدور، أو بالواجب المعلّق القائل به صاحب «الفصول».

و إن شئت قلت: إنّه يلزم من هذا، التفكيك بين زمان فعليّة الوجوب،

____________

(1) محاضرات فياض: ج 3 ص 59- 60.

380

و زمان القدرة على متعلقة، كما ذهب إليه صاحب «الفصول (قده)» (1)، و هذا ممّا أحاله الميرزا (قده).

و على هذا، كان ينبغي أن يقول الميرزا (قده) للمحقق الثاني (قده): إنّ الأمر بالجامع مستحيل التحقق، لأنّه من الواجب المعلّق.

و هذا الإيراد من قبل السيد الخوئي (قده) غير وارد، و تحقيقه يتوقف على بيان أمرين:

1- الأمر الأول: هو أن القائلين باستحالة الواجب المعلّق، مختلفين في نكتة الاستحالة بين نكتتين:

أ- النكتة الأولى: هي القائلة بأنّ الواجب المعلّق إنّما يستحيل، لأنّ التحريك و البعث في موارده يكون فعليا، في حين أن الانبعاث بالفعل، غير ممكن فيه.

و هذا غير معقول، لأنّ جعل البعث بالفعل، هو أمر يساوق الانبعاث فعلا، و الواجب المعلّق لا يكون الانبعاث فيه فعليا قبل مجي‏ء المعلّق عليه الواجب، كما نقله صاحب «الكفاية» (قده) (2)، و هذا يستدعي التفكيك بين البعث و الانبعاث و هو مستحيل، لأن الحكم إنما يجعل بداعي جعل الداعي و المحركيّة، إذن لا بدّ من كون التحرك معقولا حين فعلية الحكم، بينما الواجب المعلق لا يكون الانبعاث فيه فعليا قبل مجي‏ء الشرط المعلّق عليه الواجب.

ب- النكتة الثانية: هي إنّ القول بالواجب المعلّق يستدعي إناطة الحكم بالشرط المتأخر حتما، و حينئذ، بناء على القول باستحالة الشرط المتأخر،

____________

(1) الفصول في الأصول: محمد حسين بن محمد رحيم. طباعة حجرية 1350 ه ص 80- 81.

(2) كفاية الأصول: المشكيني ج 1 ص 162.

381

يكون الواجب المعلّق مستحيلا، لأنّ الوجوب فيه متحقق و فعلي من حين الغروب، لكنّه معلّق انبعاثا على شرط متأخر، و الشرط المتأخر هذا غير معقول، فالواجب المعلّق غير معقول إذن.

و مختار المحقق النائيني (قده) في الواجب المعلّق، هو الاستحالة، لكونه قائما على الشرط المتأخر و هو يرى استحالته‏ (1)، أي: إنّه يرى استحالة الواجب المعلّق على أساس النكتة الثانية.

2- الأمر الثاني: الذي يتوقف على بيانه عدم إيراد السيد الخوئي (قده)، هو: إنّ المحقق النائيني (قده) «الذي يبني على استحالة الشرط المتأخر، و لأجله أحال الواجب المعلّق» يبني في كل مورد في مرحلة الإثبات، إذا اقتضى فيه الدليل، الشرط المتأخر فإنه يؤوّله و يرجعه إلى الشرط المقارن، بحيث يندفع به محذور الشرط المتأخر، و ذلك بأخذ عنوان «تعقّب الشرط»، شرطا، حيث يكون «التعقّب» هو الشرط، لا الشرط المتأخر نفسه هو الشرط، و التعقب حينئذ شرط مقارن و ليس بمتأخر، فمثلا: إذا دلّ دليل على أنّ الإجازة المتأخرة على بيع الفضولي، تكفي في صحة البيع، فإنّ المحقق النائيني (قده) يرجع هذه الإجازة التي هي شرط متأخر، يرجعها إلى الشرط المقارن و المتعقّب للبيع، و هو يرى أن هذا التعقّب فعليّ، و عليه فيصح هذا البيع عنده.

و الخلاصة هي: إنّ المحقق يؤوّل و يحوّل الشرط المتأخر دائما إلى شرط مقارن‏ (2).

ثم إنه قد يقال بوجود حالتين يقتضي الدليل فيهما لزوم الالتزام بنتيجة الشرط المتأخر:

أ- الحالة الأولى: هي أن يفرض أنّ الدليل يدل بظاهره على ثبوت‏

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي. ج 1 ص 101- 102- 103- 104- 105.

(2) نفس المصدر.

382

الحكم مطلقا، كما في بيع الفضولي، فيقال: بأنّ وقوع الإجازة فيما بعد، قرينة على وقوع الشرط متأخرا، فيرجع إلى المقارن.

ب- الحالة الثانية: هي أن يفرض أنّ الدليل دلّ على صحة كل بيع، بحيث لو خلّينا نحن و الدليل، لقيل بصحة بيع الفضولي،، إلّا أنه قام إجماع أو دليل لبي آخر من الخارج على بطلان البيع، ما لم توجد إجازة و لو متأخرة، فخرجت حالة واحدة، و هي أنّ البيع إذا تعقّب و لو مقارنا بإجازة، فالبيع صحيح.

و حينئذ كيف نخرّج المطلب؟ فهل نقول: بأنّ الإجازة شرط متأخر؟

فهذا غير معقول،، أو نقول: بأن الفرد الخارج عن الإطلاق، هو الفرد غير المتعقّب للرضى؟ فهذا غير معقول أيضا، إذن فيتعيّن الفرد المتعقّب للرضى، إذن فيرجع الشرط المتأخر إلى التعقّب.

و حينئذ على ضوء هذا كله، يمكن دفع ما أورده السيد الخوئي (قده) على أستاذه المحقق النائيني (قده) من مخالفته لمبناه في استحالة الواجب المعلّق، فنقول: بأنّه لو كان مدرك استحالة المعلّق عند المحقق النائيني هي النكتة الأولى، و هي استحالة انفكاك الانبعاث عن المحرك و الباعث، إذن هذه النكتة موجودة في المقام، و لكن ليس هذا هو مبنى المحقق النائيني (قده)، و إنّما مبناه في استحالة الواجب المعلّق و مدركه، إنّما هو النكتة الثانية، و هي كون الواجب المعلّق يستلزم الشرط المتأخر و هو مستحيل عنده، فملزومه، و هو الواجب المعلق، باطل مثله.

و الآن نريد أن نرى: هل إنّ صحة تعلّق الأمر بالجامع على تقدير المسلك الأول، كما ارتضاه المحقق النائيني (قده)، هل يلزم منه استحالة الواجب المعلّق كما أشكل به السيد الخوئي (قده) على أستاذه، أو لا يلزم شي‏ء من ذلك؟

و ليكن واضحا: إنّ من توهّم استلزام الاستحالة بسبب الأمر بالجامع،

383

إنما كان منشأ توهمه هو: أنّ القدرة على الجامع إنما تكون بالقدرة على أفراده، إذن فالقدرة على الجامع تحدث بعد تعلّقها بالأفراد، و المفروض أن أفراد الجامع طوليّة، فيلزم من كونها هكذا، الشرط المتأخر، لأنّ تعلّق القدرة بالجامع مشروط بتعلّقها بأفراد الجامع، و الحال إنّها طولية، و بعده فهذا شرط متأخر.

و حينئذ يجاب عن هذا، بأن نقول: إنّ القدرة ليست شرطا في عنوان الخطاب، و إنّما هي شرط من باب قبح تكليف العاجز الذي يتعقبه العجز، و أمّا الذي لا يتعقّبه العجز، لا يحكم بقبح تكليفه، فهنا مقتضى إطلاق دليل «صلّ» هو أنّ أصل وجوب الصلاة ثابت حتى للعاجز، ثم أخرجنا منه العاجز بمخصّص لبّي، و هذا العاجز أيضا خرجنا عنه بالعجز الذي يكون متعقبا لعجز مثله، إذن فيبقى تحت إطلاق دليل «صلّ» ما عدا العجز المتعقب بمثله، فالعاجز غير المتعقب بمثله يبقى تحت الإطلاق. و حينئذ يكون وجوب الصلاة مشروطا بحصة خاصة، و هي العجز المتعقب بمثله، و عدمه أمر مقارن لا محالة.

و إن شئت قلت: إنّ مقتضى إطلاق دليل «صلّ» هو ثبوت التكليف بالصلاة حتى للعاجز المستوعب عجزه لتمام الوقت، أو لزمان الواجب المضيّق المزاحم، «كالإزالة»، أو «إنقاذ الغريق»، و قد أخرجنا من تحت هذا الإطلاق من كان عجزه مستوعبا تمام الوقت، فيبقى من ليس كذلك مشمولا لإطلاق خطاب «صلّ» بما فيه من ليست قدرته ثابتة في زمان المزاحمة، لأنّ إطلاق الخطاب لا بدّ من التحفظ عليه، و في المقام يمكن التحفظ على الإطلاق، و ذلك بأخذ الشرط، و هو العجز المتعقب بمثله، و «التعقّب» بالقدرة، مقارن مع فعليّة الحكم.

فمقتضى صناعة الدليل هو: الالتزام بوجوب الصلاة على الإطلاق، غاية الأمر إنّا خرجنا عن الإطلاق بدليل لبّي، و القدر المتيقن للخروج منه، هو العاجز المتعقّب بعجز مثله، و حينئذ يكون تعلّق الأمر بالجامع ليس مشروطا

384

بشرط متأخر، و إنما هو مشروط بشرط مقارن، و هو العجز غير المتعقب بمثله، و بهذا يبطل إيراد السيد الخوئي (قده).

2- الإيراد الثاني: للسيد الخوئي (قده) على المحقق النائيني (قده) هو:

إنّ التزام المحقق النائيني بإطلاق الحكم لما عدا الفرد المزاحم هنا، هو على خلاف مبناه في الإطلاق و التقييد، حيث ذكر في بحث التعبدي و التوصلي أن التقابل بين التقييد و الإطلاق، تقابل العدم و الملكة، فكما أنه لا يقال للحجر بصيرا، فلا يقال له أعمى، كذلك إذا امتنع التقييد امتنع الإطلاق، بينما هنا يسلّم الميرزا بتعلق الأمر بالجامع، و يلتزم بإطلاق حكمه لما عدا الفرد المزاحم، إنما قيّده بالفرد المزاحم لعدم القدرة عليه.

و هذا معناه: إنّ تقييد الحكم بالفرد المزاحم غير ممكن لعدم القدرة عليه، فيستحيل إذن إطلاقه له، أي: يستحيل تعلق الأمر بالجامع.

و هذا الإيراد هو أيضا غير وارد على المحقق النائيني (قده).

و توضيح ذلك، هو أنّ الإطلاق له معنيان:

1- المعنى الأول: هو أن يكون الإطلاق، بمعنى شمول الحكم و سريانه إلى الأفراد، و في مقابل ذلك، اختصاص الحكم بذاك الفرد، أو عدم شموله لذاك الفرد. فإنّ شمول الحكم لوجوب إكرام العالم الفاسق، يقابله اختصاص الحكم بالعالم العادل، أو عدم شموله للعالم الفاسق، و هذا المعنى أمر ثبوتي، و في مقابله عدم الشمول.

2- المعنى الثاني: هو أن يكون الإطلاق بمعنى رفض القيد، و في مقابله، أخذ القيد.

فالإطلاق بمعنى رفض القيد أمر عدمي، بينما بالمعنى الأول أمر ثبوتي.

و المحقق النائيني (قده) القائل باستحالة الإطلاق لاستحالة التقييد، يقصد المعنى الثاني، و ذلك لأنّ التقابل بين أفراد المعنى الثاني تقابل العدم‏

385

و الملكة، دون الأول، لأنّه لا معنى لأن يكون الإطلاق بمعنى الشمول تقابله تقابل العدم و الملكة.

و الخلاصة هي: إنّ المراد بالإطلاق المقابل للتقييد، تقابل العدم و الملكة، و الذي أحاله الميرزا (قده)، إنما هو المعنى السلبي، أي: «رفض القيد» لكون التقابل فيه تقابل العدم و الملكة، إذ هو الذي يلزم منه سريان الحكم إلى فاقد القيد، دون الأول الذي لا يمكن أن يكون التقابل بينه و بين التقييد بالعدم و الملكة.

و حينئذ يكون إطلاق الحكم للفرد المزاحم، يقابله التقييد بغير المزاحم، و هو بمكان من الإمكان، بينما التقييد بالمزاحم يقابله إطلاق الحكم للفرد غير المزاحم، فيكون هو المستحيل، و هذه النتيجة على هذا المسلك كما ترى، عكسيّة.

و النتيجة، هي أنّ التطبيق الذي حاول السيد الخوئي (قده) إلزام الميرزا (قده) به، إنما هو الإطلاق بالمعنى الأول، مع أنّك عرفت أنه لا معنى لأن يكون التقابل في الأول تقابل العدم و الملكة، إذن فيجب أن نطبق على المعنى الثاني، فنقول:

بأن الفرد المزاحم أمر غير معقول، فعدم التقييد فيه، الذي هو الإطلاق، أمر غير معقول.

و أمّا التقييد بالفرد غير المزاحم المدّعى للسيد الخوئي (قده) فهو معقول، إذن فعدم التقييد بالفرد غير المزاحم أمر معقول، إذن فالفرد الذي يريد تقييده الميرزا (قده) أمر معقول.

و المحقق الثاني (قده) لا يردد أكثر من هذا، إذن فالتشويش، منشؤه، تطبيق كلام الميرزا (قده) من قبل السيد الخوئي على الإطلاق بمعناه الثبوتي، و لو أنّه طبّق كلام الميرزا (قده) على الإطلاق بمعناه العدمي، لما ورد ما أورده السيد الخوئي على أستاذه الميرزا (قده).

386

3- الإيراد الثالث: للسيد الخوئي (قده) على أستاذه الميرزا (قده) هو:

إنّ الميرزا (قده) يبني كلامه على أنّ مدلول صيغة «افعل» إنّما هو «الطلب» الذي مفاده «البعث و التحريك و جعل الداعي». و هذا متوقف على إمكان الانبعاث و الإرسال، إذ لا انبعاث لغير المقدور.

و السيد الخوئي يرى أنّ مدلول الصيغة، إنّما هو اعتبار الفعل على ذمة المكلّف، فالقدرة ليست قيدا للخطاب، لا بحكم العقل، و لا من باب اشتراط إمكان الانبعاث نحو المتعلّق كما ذهب الميرزا (قده). و إنّما هي شرط عقلي في مقام الامتثال و لزوم الطاعة، و هذا كما ترى، ليس فيه تحريك، و لا انبعاث و جعل الداعي.

نعم هو على مبنى القوم القائلين بوضع الصيغة للطلب، فإنه يفيد ما قاله الميرزا (قده).

و هذا الإيراد، هو أيضا غير وارد على الميرزا (قده)، إذ لا ربط له بما قاله الميرزا (قده)، و ذلك لأنّنا نفرّق بين المدلول التصوري لصيغة «افعل»، و بين المدلول التصديقي الجدّي لها الذي هو روح الحكم و حقيقته.

و مهما كان المدلول التصوري لصيغة «افعل»، سواء أ كان هو التحريك، أو النسبة الإرسالية و التحريكيّة، كما ذهب إليه المشهور القائلون بوضع الصيغة لهذا، أو كان اعتبار الفعل على ذمة المكلف، كما ذهب إليه السيد الخوئي (قده)، فإنّ ذلك كله أجنبي عن محل الكلام، لأنّه بحث في المدلول الاستعمالي للصيغة، و من هنا قيل: بأنها للطلب تارة، و للتحريك أخرى، و لغيرهما ثالثة.

و نحن نقول: بأن صيغة «افعل»، يوجد وراء مدلولها الاستعمالي، مدلول تصديقي جدّي واقعي، و هو البعث و التحريك الجدّي مهما كان مدلولها الاستعمالي.

و من الواضح، أنّ التحريك الجدي و الواقعي نحو غير المقدور غير

387

معقول، إذ إنّنا لو سألنا بأنه: ما هو الداعي لإنشاء الطلب باللفظ؟ حينئذ لا بدّ أنّ يجاب بأن الداعي الجدّي، إنّما هو التحريك، إذن فلا بدّ أن يستأنف كلام جديد فيقال، بأنّه: هل لصيغة «افعل» مدلول واقعي وراء الصيغة أولا؟ سواء أ كان المدلول الاستعمالي هو الطلب أو غيره.

و ما أورد عليه السيد الخوئي (قده) إنّما هو المدلول الاستعمالي، بينما نكتة البحث مربوطة بالمدلول الواقعي للصيغة.

و الصحيح في دفع إيراد المحقق النائيني على المحقق الثاني (قده) هو أنه يجاب بعدة أجوبة:

1- الجواب الأول: يقال فيه: إنّ الميرزا (قده) إنّما ذهب إلى عدم معقولية تعلّق الخطاب و الحكم بالجامع، إنّما كان على مبناه، من اشتراط القدرة على متعلّق الخطاب الذي هو الجامع بين المقدور و غير المقدور، لأنّ طبع التكليف يقتضي القدرة على التحريك، لكون الخطاب و الحكم مجهولا بداعي جعل الداعي، و حينئذ بأن هذا ليس معناه تخصيص الجامع «متعلق الخطاب» بالحصة المقدورة خاصة، و إنّما كلّ ما يعنيه هو كون الجامع مقدورا.

و من الوضوح بمكان، أنّ الجامع بين المقدور و غير مقدور، فيكون البعث و التحريك نحوه معقولا و مقدورا، سواء أ كان منشأ اشتراط القدرة اقتضاء طبع التكليف لها، أو حكم العقل أو ما أشبه ذلك، فإنّه على كل حال يكون ما قاله المحقق الثاني (قده) شيئا معقولا، لإمكان تعلّق الأمر بالجامع لكونه مقدورا.

أمّا على مسلك كون الشرط بحكم العقل فقد صار ذلك واضحا.

و أمّا على المسلك الثاني: فقد عرفت أن طبع التكليف يقتضي أن يكون متعلقه مقدورا، لا أنه يقيّد بالحصة المقدورة، لأنه لا يمكن تعلق الأمر بغير

388

المقدور،، فكذلك، فإنّ طبع التكليف يقتضي كون مزاحمته بغير المقدور، غير معقولة.

و لكن لو قلنا: بأنّ الأمر و التكليف يقتضي بطبعه أن يكون مقدورا، حينئذ لا نكون بحاجة إلى التقييد، بل يمكن أن يتعلق الأمر بالجامع بين المقدور و غير المقدور، لأنه يكفي القدرة على بعض أفراد الجامع، إذ إنّ جعل الداعي لا يكون إلّا نحو المقدور كما عرفت آنفا.

و بهذا يتم المطلب، دون حاجة إلى افتراض كون التكليف يستوجب تخصيص الجامع بالحصة المقدورة خاصة.

نعم لو كان التخيير بين أفراد الجامع تخييرا شرعيا، لا عقليا على سبيل البدل، حينئذ لا بدّ من كون كل الأفراد مقدورة، لأنه لا بدّ من تحريكات كثيرة مقدورة، لأنّ كل فرد سوف يكون موضوعا للتحريك.

و أمّا إذا فرض أن التخيير ليس شرعيا، بل الأمر معلّق على جامع الطبيعة، حينئذ لا يشترط إلّا كون الجامع مقدورا، و عليه لا يوجد إلّا تحريك واحد، إذن فالأمر بالجامع على نحو التخيير العقلي، يكون مقدورا و لو بالقدرة على بعض أفراده.

و النتيجة هي أن الصحيح ما قاله المحقق الثاني من أنّ الأمر بالجامع بين المزاحم و غيره معقول، حيث أنه أثبت صحة تعلق الأمر بالجامع فيما إذا كانت المزاحمة مع الفرد العبادي الموسّع.

هذا هو الجواب في دفع الاعتراض الأول على ثمرة بحث الضد.

2- الجواب الثاني: لتصحيح ثمرة الضد في الفرعين، و هنا يفترض وجود أمر متعلق بالفرد المزاحم، على نحو الترتب، بخلاف الجواب الأول، بأن الأمر فيه كان عرضيا ليس مشروطا بعصيان الأمر الآخر، و هنا يصحّح هذا الواجب العبادي المزاحم. بطريقة «الترتّب»، و بناء على عدم اقتضاء الأمر بشي‏ء النهي عن ضده، حيث يكون الإتيان بهذا الواجب العبادي مقيّدا بعدم‏

389

الإتيان بالمزاحم الآخر الأهم، أو حتى المساوي، فنصحح العبادة بالأمر الترتبي، و بناء على عدم الاقتضاء.

و أمّا بناء على الاقتضاء، فلا تصح هذه العبادة «المهم» على وجه «الترتب» بل تقع فاسدة من جهة كونها منهيا عنها، و النهي يفسدها.

و هذا الجواب مبني على «الترتّب»، و هو بحث قائم بذاته كما سوف نتعرض له.

و لكن حيث أن الصحيح هو إمكان الترتب، فهذا الجواب يكون صحيحا.

3- الجواب الثالث: لتصحيح الثمرة في الفرعين السابقين، هو أنّه بعد التنزّل عن الأمر العرضي بالجامع، و بعد عدم الإمكان و لو على نحو «الترتب»، يقال: بأنّه يكفي لتصحيح العبادة و التقرب بها، قصد الملاك، فيما إذا كان واجدة له.

و من الواضح أنّ هذه العبادة المزاحمة بالأهم، أو بواجب مضيّق، و لو لم يكن فيها أمر، فإنّ عدم الأمر بها ليس من ناحية قصورها الذاتي، بل لعدم الأمر بالضدين، و هروبا من التكليف بغير المقدور، و إلّا فهي بذاتها واجدة للملاك.

و أمّا بناء على القول بالاقتضاء، فلا يكفي الملاك، بل تكون محرمة، لأنّها منهي عنها، و النهي يقتضي الفساد.

و يمكن أن يشكل على هذا الجواب فيقال: بأنّ أجزاء العبادة و وقوعها صحيحة، إنّما كان لكونها واجدة الملاك، و لكن من قال: بأنها وافية و واجدة للملاك، إذ إنّ عدم الأمر بها، كما نشأ من ضيق الخناق، و هروبا من التكليف بغير المقدور مع بقاء الملاك، فإنها كذلك يمكن أن يكون عدم الأمر بها لعدم وجود الملاك و عدم بقائه.

390

و من هنا وقع الكلام في كيفية إثبات الملاك و بقائه في الفرد المزاحم، و أهمّ ما ذكر لذلك وجهان:

1- الوجه الأول: هو التمسك بالدلالة الالتزامية لدليل «صلّ»، فإن دليل «صلّ» له دلالتان: دلالة مطابقية على ثبوت الحكم للفرد المزاحم، و دلالة التزاميّة على علة الحكم و مناطه، فإذا ارتفعت الدلالة الأولى عن الفرد المزاحم، دفعا لمحذور طلب غير المقدور، فقد بقيت الدلالة الالتزاميّة «مناط الحكم و علته» متعلقة في غير المقدور، إذ لا محذور من ثبوت الملاك فيه، بل هو أمر معقول، و حينئذ نتمسك بالدلالة الالتزامية لدليل «صلّ»، و ليس هي إلّا الملاك، و به تصح العبادة المزاحمة.

و هذا الوجه اعترض عليه السيد الخوئي (قده) (1)، حيث قال: بأنّ هذا الوجه مبنيّ على كون الدلالة الالتزاميّة مستقلة في مقام الحجيّة عن الدلالة المطابقية، في حين أنّ الدلالة الالتزاميّة تابعة للدلالة المطابقية في الحجيّة، فإذا سقطت الدلالة المطابقية عن الحجيّة، سقطت بتبعها الدلالة الالتزاميّة عن الحجية أيضا.

و هذا الاعتراض من السيد الخوئي (قده) حوله ثلاث تعليقات:

1- التعليق الأول: هو أنّ ربط محل الكلام بمسألة تبعية الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقيّة في الحجيّة، و إن كان صحيحا في نفسه، و لكنّه لا يتناسب مع مبنى و مسلك السيد الخوئي (قده)، عند ما دفع كلام المحقق النائيني القائل باشتراط القدرة في التكليف، حيث أنّ مبنى السيد الخوئي (قده) أنّ القدرة ليست شرطا في التكليف، و إنّما هي شرط بحكم العقل في مقام الامتثال و التنجز، بينما الحكم الشرعي عنده، ليس مشروطا بالقدرة، لا ببرهان شرعي، و لا ببرهان عقلي، لأنّ الحكم الشرعي عنده هو اعتبار الفعل‏

____________

(1) محاضرات فياض: ج 3 ص 74- 75- 77.

391

في ذمة المكلّف، و عنده أن الفعل كما يعتبر في ذمة القادر، كذلك يعتبر في ذمة العاجز غير القادر.

و بناء على مسلك السيد الخوئي (قده) هذا لم نفهم إناطة القدرة في المسألة بتبعيّة الدلالة الالتزاميّة للدلالة المطابقية من حيث الحجيّة، إذ بناء على مسلكه هذا، لم تسقط الدلالة المطابقية عن الحجيّة، لا ذاتا و لا حجيّة، فتبقى ثابتة معها الدلالة الالتزاميّة ذاتا و حجيّة، بناء على مسلك العدلية، كما صرّح بذلك، و هذا الكلام مطابق لمسلك و مبنى السيد الخوئي (قده)، سواء قبل بالتبعيّة، أو لم يقبل.

و عليه فإشكاله متهافت مع مبناه.

2- التعليق الثاني: على كلام السيد الخوئي (قده): إنّنا نبني على أنّ القدرة شرط في التكليف، و لهذا نبني على أنّ إطلاق الدلالة المطابقية ساقط عن الحجيّة في الفرد المزاحم، فكذلك المدلول الالتزامي يتبعه في السقوط، و هكذا فإنّ كل من يبني على التبعية بين الدلالتين، يجب أن يبني على سقوط الدلالة الالتزاميّة في الحجيّة.

3- التعليق الثالث: هو أن مسألة التمسك بالدلالة الالتزامية غير تامة حتى على القول بعدم التبعية بين الدلالتين، فإنّ القائلين بعدم التبعية لا يمكنهم التمسك بإطلاق الدليل لإثبات الملاك في الفرد المزاحم، و الحجة عندهم في ذلك، هي: إنّ البرهان القائل باشتراط القدرة في التكليف، و المقيّد لإطلاق المدلول المطابقي، هذا البرهان، لو كان نظريا تأمليا، فهو يشكّل قرينة منفصلة، و لكن غاية ما يقتضيه هو إسقاط الإطلاق عن الحجيّة، لأن القرينة المنفصلة تهدم الحجيّة، و لا تسقط الظهور، و لكن إذا كان إطلاق المدلول المطابقي مقيّدا بقرينة متصلة، فالظهور من الأصل غير منعقد.

و حينئذ يقال: بعد أن انعقد الظهور الإطلاقي في الوجوب و سقطت الدلالة المطابقيّة عن الحجيّة، فهل تسقط الدلالة الالتزاميّة عن الحجيّة أولا؟

392

حينئذ يقال: إنه بناء على أن اشتراط القدرة كان بقرينة منفصلة: فالذي يسقط عن الحجيّة هو حجيّة الظهور، لا أصل الظهور، و عليه فإذا قلنا بتبعيّة سقوط حجيّة الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية، فتكون ساقطة، و أمّا إذا كان اشتراط القدرة في التكليف، إنّما كان بقرينة متصلة، فمن الأصل لم ينعقد ظهور للدليل في الدلالة المطابقية.

و عليه فلا معنى لأنّ يقال هنا: بأن الدلالة الالتزاميّة تابعة، أو غير تابعة.

و الخلاصة، هي: إنّ القائلين بعدم التبعية بين الدلالتين في الحجية أيضا، لا يمكنهم التمسك بإطلاق دليل التكليف لإثبات الملاك في الفرد المزاحم، لأنّ اشتراط القدرة في خطاب التكليف كان بقرينة متصلة، كما عرفت، و هي قيد لبّي مخصّص لدليل التكليف، بحيث أنه من الأصل لم ينعقد له ظهور إطلاق في الدلالة المطابقية، و لا في الدلالة الالتزامية أي: لا في الحكم: و لا في الملاك لجهة الأمر المزاحم من الأصل، و حينئذ لا يبقى معنى للقول بالتبعية و عدمها.

و بهذا يتضح عدم صحة الجواب الثالث على الاعتراض، و بهذا يتضح أيضا أن الجواب الثالث، و هو الاكتفاء بالملاك لتصحيح عبادية المزاحم، غير تام.

2- الوجه الثاني: لإثبات الملاك في الفرد المزاحم، هو: ما سلكه المحقق النائيني (قده) (1) من التمسك بإطلاق المادة.

و توضيحه هو: إنّ المولى حينما يقول، «صلّ»، يكون بصدد بيان أمرين:

أ- الأمر الأول: الحكم الشرعي بالوجوب، و هو مدلول عليه باللفظ.

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 183- 190.

393

ب- الأمر الثاني: هو ملاك الوجوب و روحه، و هذا ليس مدلولا عليه باللفظ، لأنّ هيئة «صلّ» تدلّ على النسبة الطلبية، أو الإرسالية، بينما الملاك يستفاد من الظهور السياقي، لأنّ المولى بصدد بيان الحكم نصا و روحا، إذ الحكم بلا روح لا أثر له، فالظهور الأعم من السياقي و اللفظي، يقتضي أن يكون المولى بصدد بيان أمرين هما: الملاك و الوجوب، و كلاهما مصبهما المادة، إذن فكلام المولى ينحل إلى قضيتين موضوعهما الصلاة، و محمول أحدهما الملاك، و محمول الأخرى الوجوب.

و حينئذ، مقتضى إطلاق المادة في صلّ» هو: أنّ الصلاة وقعت موضوعا لكلا المحمولين على الإطلاق، سواء أ كان هناك عجز أو قدرة، و براهين اشتراط القدرة سواء أ كانت بحكم العقل بقبح تكليف العاجز، أو استدعاء طبع التكليف المقتضي للباعثية لأن يكون مقدورا، فإن القرينة على اشتراط القدرة، إنّما تكون قرينة على اشتراط القدرة، و أخذها قيدا في الصلاة بلحاظ المحمول الثاني الذي هو الوجوب، لا الملاك، إذ لا قبح في التكليف بالملاك على العاجز لو كان هناك تكليف بالملاك، إذ إنّ الملاك لا يقتضي بطبعه الاختصاص بالقادر، فنتمسك بإطلاق المادة بلحاظ الملاك، لإثبات أن الصلاة موضوع للملاك على الإطلاق.

نعم لو أنّ المولى بنفسه أخذ قيد القدرة فقال: «صلّ» عند القدرة، حينئذ لا إشكال في انهدام الإطلاق بلحاظ كلا المحمولين.

و فرق هذا الوجه عن الوجه السابق هو: إنّ دلالة الأمر في السابق على الملاك، كانت بالدلالة الالتزاميّة، أي: في طول الدلالة على الحكم، و هنا بالدلالة المطابقيّة أي: في عرض الدلالة على الحكم بحيث أنه كان لكلام المولى مفادان عرضيّان: أحدهما مدلول عليه باللفظ و هو الحكم، و الآخر بالسياق، و هو الملاك، و القرينة على التقييد باشتراط القدرة، إنّما هو بلحاظ المحمول الثاني، فيبقى المحمول الأوّل على حاله، و المادة لها إطلاق بلحاظهما، و الدليل هدم الإطلاق بلحاظ الحكم.

394

و بهذا يتضح: إنّ النكتة هي في التمسك بإطلاق المادة بلحاظ الملاك، و عدم تقييده بالدليل الدال على شرطيّة القدرة، لأن الدليل ليس هو أنّ شرطية القدرة في طول التكليف، فيستحيل أن تكون ناظرة إلى مرحلة ما قبل التكليف ليقال للميرزا: بأنّ القرينة المتأخرة لا مانع من أن تكون ناظرة بمدلولها إلى أمر متقدم، بل نظر الميرزا (قده) أنّ هذه القرينة لا تدل على أكثر من هذا المقدار، لأن مدلولها قاصر عن الشمول للأول، أي: «للملاك»، لأن هذه القرينة إن كانت بحكم العقل بقبح تكليف العاجز، فإن العقل لا يقبح ثبوت الملاك في حقه، و إن كانت، لأنّ طبع التكليف يقتضي البعث نحو المقدور، فمن الواضح إنّه في الملاكات لا تكليف.

و من هنا يتضح: أن هذه القرينة حتى لو اتصلت بالخطاب فلا تصلح قرينيتها لتقييد الإطلاقين معا.

و إن شئت قلت: إنّ الخطاب يتكفل الدلالة على شيئين: أحدهما طلب المادة، و الآخر وجود الملاك، و كلا هاتين الدلالتين مصبّهما «المادة» فخطاب «صلّ» له مدلولان: أحدهما وجوب الصلاة، و الثاني هو الملاك المولوي للصلاة، غاية الأمر أنّ المدلول الأول لفظي لصيغة الأمر، و المدلول الثاني مدلول سياقي لخطاب «صلّ».

و فرق هذا الوجه عن الوجه السابق، هو: إنّ الدلالة على الملاك في هذا الوجه في عرض الدلالة على الحكم، فليس الملاك مدلولا التزاميا طوليا لخطاب «صلّ»، كي يسقط بسقوط المدلول المطابقي بناء على التبعية، إذن فمعنى كون الملاك مدلولا عرضيّا هو ثبوته حتى في الفرد المزاحم بمقتضى إطلاق القضية الثانية، لأنّ التخصيص بالقدرة لا يكون إلّا بلحاظ الحكم و الطلب أي: بلحاظ القضية الأولى المدلول عليها باللفظ، سواء أ كان هذا التخصيص بحكم العقل، أو كان مأخوذا قيدا في نفس الخطاب.

نعم لو كانت القدرة مأخوذة في الخطاب صريحا، كان ذلك رافعا

395

لإطلاق المادة بلحاظ محموليها، فإذا قال: «إنّ استطعت فحج»، فإنّه في قوة قوله: «إنّ استطعت فالحج واجب عليك»، و حينئذ يدل على كون الملاك مختصا في حال القدرة، و ذلك باعتبار كون المحمولين حينئذ معا محمولين على المادة، فيكون القيد المأخوذ تقييدا للمادة بلحاظهما معا أيضا.

و هذا بخلاف ما إذا كانت القرينة عقلية لبيّة على اشتراط القدرة، فإنّها حينئذ لا تشترط ذلك إلّا بلحاظ التكليف دون الملاك، و لا تصلح قرينيتها حينئذ لتقييد الإطلاقين معا.

هذا ما ينبغي أن يكون مقصود المحقق النائيني (قده) دون أن يرد عليه ما يظهر من السيد الخوئي (قده) (1) من أن شرطيّة القدرة الدالة على التقييد، لا مانع من تقييدها للملاك، لأنّ التقييد يكون بلحاظ المدلول و مقداره، و لو كان هذا التقييد متأخرا رتبة، و إن أبيت فلا أقل من الإجمال، فلا يصلح للتقييد.

فما ذكره السيد الخوئي (قده) ليس هو مدّعى المحقق النائيني (قده)، و إنّما مدّعاه، أنّ مدلول هذه القرينة إنّما هو بمقدار مرحلة الحكم و الباعثية، أي بمقدار القضية الأولى، و حينئذ فهي لا تقيّد القضية الثانية، كما أنها لا تصلح لإجمالها، كما عرفت.

و الصحيح في ردّ هذا الوجه في إثبات الملاك في الفرد المزاحم، هو إنكار أصله الموضوعي فيه، فيقال: إنّ الخطاب ليس له مفادان عرضيّان، و إنّما له مفادان طوليان، فإنّ الخطاب يدل على الحكم و الطلب أولا، و يدل ثانيا على الملاك في طول دلالته على الحكم و الطلب، فثبوت الحكم هو الدال على الملاك، فيكون الملاك في طوله.

و بهذا لا تصح العبادة المزاحمة بلحاظ ملاكها،، و إنّما يكون تصحيح هذه العبادة متوقفا على إثبات الأمر فيها بأحد الوجهين الأولين، و هما:

الالتزام بالأمر العرضي، أو الالتزام بالأمر الطولي، أي: الترتّب.

____________

(1) محاضرات فياض: ج 3 ص 181- 182- 183- 184- 185.

396

و بهذا يكون قد اتّضح بطلان الجواب الثالث على الاعتراض، كما اتضح عدم تماميّة الوجه الثالث، و هو الاكتفاء بالملاك في تصحيح عبادية الفرد المزاحم.

و إنّما التام هو الوجهان الأولان، كما عرفت. و بهذا يبطل الاعتراض الأول على الثمرة.

2- الاعتراض الثاني على الثمرة: هو عكس الأول، إذ إنّه تصح العبادة المزاحمة على كلا القولين: الاقتضاء و عدمه. أمّا على القول بعدم الاقتضاء فواضح، و أمّا على القول بالاقتضاء، فلأن العبادة المزاحمة، و إنّ كانت منهيا عنها، لكنّ هذا النهي غيري و هو لا يقتضي الفساد، و إنّما الذي يقتضي الفساد هو النهي النفسي.

و قد ارتضى هذا الاعتراض كل من المحقق النائيني (قده) (1) و المحقق الخوئي‏ (2) (قده)، و ذلك باعتبار أنّ هذا النهي الغيري إنّما هو من أجل الغيري و ليس لملاك في متعلقه، بل متعلّقة باق على ملاكه الفعلي، و هذا النهي لا يضر بفعليّة الملاك.

و ما دام الملاك ثابتا، فيمكن إيقاع العبادة و التقرب بها، بلحاظ ملاكها الموجود فيها، فتقع صحيحة.

و هذا الكلام غير تام لعدة أمور:

1- الأمر الأول: هو أنّ المعترضين، «إن كانوا يريدون بقولهم، إنّ النهي الغيري لا يضر بوجود الملاك» إن أرادوا به المحبوبيّة النفسية، فمن الواضح أن هذا مستحيل بناء على الاقتضاء، إذ الملاك بمعنى المحبوبية النفسية لا يعقل وجوده، كيف، و القائل به يدّعي وجود مبغوضيّة فيه، و هي لا

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 183.

(2) محاضرات فياض: ج 3 ص 87- 89.

397

تجتمع مع المحبوبيّة، إذ إنّ النهي الغيري ليس مجرد اعتبار، بل مرجعه إلى البغض الغيري.

و من الواضح استحالة اجتماع الحب مع البغض، سواء أ كانا نفسيين، أو غيريين، أو مختلفين، و بالتالي لا يمكن أن يكون شي‏ء واحد محبوبا مبغوضا.

2- الأمر الثاني: هو إنّ المعترضين إن أرادوا بالملاك عالم المصلحة و الأثر، أي: إنّ هذا الفرد إذا كان واجدا للمصلحة فلا يضر النهي الغيري به! إن أرادوا ذلك، فقد يكون الأمر كذلك، و لكن مثل هذا لا ينفع في وقوع العبادة صحيحة، لأن مجرد إيقاع العبادة بقصد المصلحة، لا يجعلها صالحة للمقربية ما لم تضف إلى المولى «عزّ و جل»، بينما المضاف إلى المولى هنا هو البغض دون الحب، و ما كان مبغوضا للمولى لا يقرّب منه. إذن فالملاك بالمعنى الأول غير موجود، و الملاك بالمعنى الثاني، و إن كان موجودا، و لكن لا يمكن التقرب به.

3- الأمر الثالث: هو إنّه لو سلّمنا بما يقوله المعترضون، فإن هذا إنّما يصحح العبادة من باب الملاك على تقدير كلا القولين: الاقتضاء و عدمه، و لكن هذا لا نقول به، بل إنه يصحّح العبادة المزاحمة من باب الأمر و لو الترتبي، فلو قلنا حينئذ: بأنّ الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده الخاص، فلا بدّ أن نقول حينئذ بحرمة العبادة، إذن فلا يمكن تصحيحها، بل و لا يعقل «الترتب» حينئذ، لأنه اجتماع للأمر و النهي في موضوع واحد، و هو غير معقول.

و بناء على هذا يمكن وضع صياغة أعمّ للثمرة فيقال: إنّه بناء على القول بالاقتضاء، يدخل باب التزاحم في باب التعارض، و يصبح دليل «صلّ» مع دليل «أزل النجاسة» متكاذبين، لأن دليل «أزل النجاسة عن المسجد» يجعل الحرمة على «الصلاة» قبل «الإزالة»، و دليل «صلّ» يجعل الحرمة على «الإزالة»، و جعل الحرمة و الوجوب على الصلاة لا يجتمعان.

398

و أمّا بناء على القول بعدم الاقتضاء، فإنّه لا يدخل في باب التعارض، لأنه يقال حينئذ: إنّ دليل «صلّ» لا يحرّم «الإزالة»، و لا دليل «أزل» يحرّم «الصلاة» فهما غير متكاذبين.

نعم هما يبقيان متزاحمين في مقام الامتثال، و قد قلنا: إنّ تصحيح العبادة المزاحمة هو فرع إمكان إثبات وجود الملاك فيها، و قد عرفت أنه بعد سقوط الأمر بالعبادة المزاحمة، لا يمكن إثبات وجود الملاك فيها، و بناء على الاقتضاء لا يمكن إحراز الملاك فيها، و لو بنحو الترتب، لمكان النهي عنها، إذن فلا أمر عرضي و لا ترتّبي، و لا ملاك، يمكنه تصحيح العبادة المزاحمة لعدم بقاء ما يصححها.

و الخلاصة: إنّه أولا لا يتم ورود شي‏ء من الاعتراضين السابقين على ثمرة القول بالاقتضاء، لا في الفرع الأول، و لا في الفرع الثاني.

أمّا أنهما لا يردان على الثمرة في الفرع الأول، هو فيما إذا كانت العبادة المزاحمة واجبا موسعا، لأنّ العبادة بناء على الاقتضاء تكون فاسدة، و بناء على عدم الاقتضاء تكون صحيحة، لوجود أمر بها في عرض أمر ضدها الآخر.

و أمّا أنهما لا يردان في الفرع الثاني و هو فيما إذا كانت العبادة المزاحمة واجبا مضيقا، فلأن العبادة حينئذ أيضا تكون فاسدة بناء على الاقتضاء، و صحيحة بناء على عدم الاقتضاء و إمكان الترتب.

و بهذا يمكن صياغة ثمرة للقول بالاقتضاء بحيث يكون بطلان العبادة المزاحمة على كل حال فيقال: إنّه بناء على الاقتضاء يدخل الخطابان بالضدين، «صلّ، و أزل»، في باب التعارض، لأن الأمر في كل منهما يقتضي النهي عن الآخر.

و أمّا بناء على القول بعدم الاقتضاء مع القول بإمكان الترتب، فإنّ كلا الخطابين «صل، و أزل» يدخلان في باب التزاحم في مقام الامتثال.

399

و من نتائج ذلك أنه بناء على القول بالتعارض، يحكم بفساد العبادة المزاحمة، لعدم إمكان إثبات وجود ملاك فيها بعد سقوط الأمر بها. و أمّا بناء على القول بالاقتضاء فإنّه يحكم بفساد العبادة المزاحمة أيضا، لعدم إمكان إحراز الملاك فيها، و لو بنحو الترتب، باعتبار النهي عنها.

و هذا بخلافه بناء على القول بعدم الاقتضاء، كما عرفت، فإنّ الخطابين لا يتكاذبان، و إنّما يتزاحمان فقط.

400

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

401

الفصل الرابع مبحث الترتب‏

و الكلام فيه يقع في إمكانيّة الأمر بالضد المهم مترتبا على ترك الأهم، فالبحث فيه يقع في عدة جهات:

1- الجهة الأولى: هي كون الثمرة المطلوبة منه، هي التوصل إلى إثبات الأمر بالمهم في موارد التزاحم‏

. و بحسب الحقيقة، هي: إنّ المقصود بالترتب هو، تحقيق حال أنّ المتزاحمين هل يرجعان إلى التعارض أو لا؟ إذ أنّه سيتّضح أنّ رجوع الدليلين المتزاحمين إلى التعارض، مربوط بالقول بإمكان الترتب، و عدم إمكانه، إذ إنّنا إذا قلنا بإمكان الترتب، و إنّه يمكن التكليف بالضدين لكن مع كون أحدهما مشروطا بعدم امتثال الضد الآخر، حينئذ لا يقع تعارض بين خطاب «صلّ» و خطاب «أزل»، بلحاظ عالم الجعل الذي هو مدلول الخطاب، لأنّ كلّ خطاب منهما ينشئ حكما على موضوعه، إذا كان قادرا عليه، ف «صلّ» ينشئ حكما بإيجاب الصلاة على القادر عليها، و خطاب «أزل النجاسة» ينشئ حكما بوجوب الإزالة على القادر عليها، و لا منافاة بينهما، غاية الأمر، أنّ المكلّف خارجا إذا اشتغل «بالصلاة» مثلا، يخرج عن كونه قادرا على «الإزالة»، و هكذا إذا اشتغل بالضد الآخر، يخرج عن كونه قادرا على فعل ضده، فهو إذا اشتغل بالإزالة مثلا، يخرج موضوعا عن خطاب «صلّ»، لأن كلا من الخطابين مقيّد بالقدرة

402

على متعلقه، و في موارد التزاحم ليس للمكلف إلّا قدرة واحدة، فإمّا أن يصرفها في «الإزالة» فيرتفع موضوع «الصلاة»، و إمّا أن يصرفها في «الصلاة» فيرتفع موضوع «الإزالة».

و بهذا يكون المكلف، إمّا داخلا تحت هذا الموضوع، أو تحت ذاك الموضوع، و لا يتصور دخوله تحت الموضوعين معا.

إذن بناء على إمكان الترتب، لا يقع تعارض بين الخطابين.

و أمّا بناء على عدم إمكان الترتب، و تطبيق القدرة على مصداقها، فإنّه حينئذ تقع المعارضة بين الخطابين، و حينئذ ينبغي أن نطبق قوانين باب التزاحم، إذ يكون ارتفاع أحد الخطابين حينئذ، أمرا لا بدّ منه، و إلّا لزم طلب الضدين المستحيل، و لهذا كان إمكان الترتب أحد مبادئ باب التزاحم، لأنّه إذا استحال الترتب استحال جعل الخطابين معا، إذ إنّ المكلف ليس قادرا إلّا على أحدهما عند ترك الآخر، فيكون مرجع الخطابين، كما لو قال: «أزل النجاسة» إذا تركت الصلاة، «و صلّ» إذا تركت «الإزالة»، لا أزل على الإطلاق، و لا «صلّ» على الإطلاق.

و لذلك بناء على هذا، كان لا بدّ من سقوط أحد الخطابين، و حينئذ، يدخل باب التزاحم في كبرى باب التعارض، و يطبق عليه قوانين باب التعارض.

إذن، إن نحن قلنا بإمكان الترتب، فبابه يكون باب التزاحم، و هو باب مستقل.

و إنّ لم نقل بإمكان الترتب، يكون باب التزاحم حينئذ ملحقا بباب التعارض.

و هذا البيان كاف لتصور الثمرة.