بحوث في علم الأصول - ج5

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
533 /
403

إلّا أنّ السيد الخوئي (قده) (1)، ذكر أن ثمرة بحث الترتب تظهر في فرعين:

أ- الفرع الأول: هو فيما إذا تزاحم الواجب المضيّق مع واجب مضيّق، فإنّه هنا لا إشكال في عدم معقوليّة الأمر العرضي مع الأمر الآخر، و حينئذ نحتاج في تصحيح أحد الأمرين إلى الأمر الترتبي أو الملاك، و حيث أنه لا طريق إلى الملاك، فينحصر بالترتب و يصح أحد الأمرين.

و أمّا بناء على عدم إمكان الترتب، فإنّه لا يمكن تصحيح العبادة المزاحمة.

ب- الفرع الثاني: هو فيما إذا زاحم الواجب الموسّع الواجب المضيّق، فإنّه حينئذ، إنّ قلنا بإمكان تعلّق الأمر بالجامع الشامل للفرد المزاحم لا عرضيا، فلا موجب للترتب كما لو التزمنا بما سلكه المحقق الثاني (قده)، فإنّه حينئذ لا بأس بتصحيح العبادة المزاحمة دون الالتزام بالأمر الترتبي، بل يكفي الأمر العرضي.

أمّا إذا التزمنا بعدم معقوليّة الأمر بالجامع الشامل للفرد المزاحم، بناء على مسلك المحقق النائيني (قده)، فحينئذ لا يعقل الأمر العرضي بالفرد المزاحم، و حينئذ نرجع إلى الأمر الترتبي.

و هذا الكلام حوله ثلاث نقاط:

1- النقطة الأولى: هي: إنّه من الأفضل في صياغة ثمرة القول بالترتب، جعل الثمرة هو ما قلناه، فيكون بطلان العبادة و صحتها من آثار و نتائج تلك الثمرة، لأن بطلان العبادة و تصحيحها هو دخول الدليلين في باب التعارض، و عدم دخولهما فيه، فيقال: بأنّ ثمرة الترتب هي التي تتكفل ببيان ما إذا كان الدليلان يدخلان في باب التعارض، أو لا يدخلان.

____________

(1) محاضرات فياض: ج 3 ص 91- 92- 93.

404

فعلى القول بعدم دخول الدليلين في باب التعارض، تصحّ عباديّة الفرد المزاحم المهم، كما أنه بناء على عدم إمكان الترتب يدخلان في باب التعارض، و حينئذ تكون الثمرة عدم صحة عبادية الفرد المزاحم.

إذن فتصحيح العبادة و عدمها يكونان من متفرعات و مظاهر هذه الصياغة التي عرضناها للثمرة.

2- النقطة الثانية: هي إنّه لا ندري لما ذا ترك السيد الخوئي (قده) النظر إلى مبناه في مسألة اقتضاء الأمر بالشي‏ء النهي عن ضده، أو عدم الاقتضاء، إذ قد صرّح السيد الخوئي (قده) (1) هناك، بأن القدرة ليست شرطا في موضوع التكاليف، لا ببرهان العقل، و لا ببرهان النقل، حيث ادّعى هناك بأن التكليف عبارة عن اعتبار الفعل في ذمة المكلف، و هو أمر سهل المئونة، إذ كما يمكن اعتباره في ذمة القادر، فكذلك يمكن اعتباره في ذمة العاجز.

و بناء على مقالة السيد الخوئي (قده) هذه، لم نعد بحاجة إلى الترتب أصلا، بل عليه نقول حينئذ: بأن الأمر بالضدين معا، أمر سهل المئونة، إذ الأمر بالصلاة على إطلاقها، و بالإزالة على إطلاقها، ليس أسوأ حالا من أمر المشلول بالحركة فيعقل توجه الأمر نحوه، لأن خطاب التكليف اعتبار نفساني، غاية الأمر أن العجز ينشأ من إطلاق الخطابين، بينما في المشلول العجز ينشأ من إطلاق الخطاب الواحد، فإطلاق «أزل» و إطلاق «صلّ» ليسا بأسوإ حالا من التكليف بالضدين، أو المحال، لأنّ التكليف أمر اعتباري!.

و بهذا يتضح، أنّ اشتراط القدرة في التكليف من المبادئ التصديقيّة للترتب.

و اشتراط القدرة في التكليف، منوط بنقطة أشير إليها سابقا في التعبّدي و التوصّلي.

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص.

405

و حاصلها، هو: إنّه حتى لو فرضنا أن التكليف هو عبارة عن اعتبار العقل إنّ التكليف على ذمة المكلّف، لكن مع هذا نقول، بأنّ الخطاب العرفي المتكفّل لهذا الاعتبار، كان بداعي الجد و التحريك، إذ إنّ هذا الاعتبار، تارة يكون بداعي الجد، و أخرى يكون بدواع هزليّة و سخرية. و هنا نحن ندعي أن خطاب «صلّ»، له ظهور في كونه ناشئا من داعي الجد و التحريك، و هذا المطلب مدلول سياقي، و إلّا صار كلام الحكيم غير مصان عن الهزل و السخرية و اللغو.

فإذا تمّ هذا المدلول، حينئذ، يقال: بأنّ هذا المدلول يشترط فيه القدرة لأنه لا يعقل أن يتصدّى المولى لتحريك غير القادر.

نعم لو فرض أن الخطاب مجرد عن هذا المدلول التصديقي، و بني على الخيال و الهزل و اللغو في كلام المولى، فإنّه حينئذ يكون عدم اشتراط القدرة صحيحا.

إذن فالحق إنّ اشتراط القدرة لا محيص عنه، و ينبغي أن يكون اشتراط القدرة أصلا موضوعيا لبحث الترتب.

3- النقطة الثالثة: هي: إنّ ما أشير إليه من أنّ الترتب لا تظهر ثمرته فيما إذا تزاحم الواجب الموسّع مع المضيّق، إلّا إذا قلنا بعدم إمكان تعلّق الأمر العرضي بالجامع كما سلكه المحقق «النائيني» (قده) (1)، و رفضه السيد «الخوئي» (قده) (2)، بدعوى أن المحقق النائيني خالف مبناه في كون التقابل بين الإطلاق و التقييد من تقابل العدم و الملكة، حيث أنه إذا استحال التقييد استحال الإطلاق، فقد قلنا هناك و نكرر هنا: بأن ما أورده السيد الخوئي (قده) على الميرزا (قده)، كان من خطأ السيد الخوئي (قده) في تطبيق مقصود الميرزا (قده)، لأن شمول الحكم للفرد المزاحم، و إطلاقه له، إنّما هو من‏

____________

(1) محاضرات فياض: ج 3 ص 53- 63- 66.

(2) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 181- 182- 184.

406

نتائج عدم التقييد بغير المزاحم، و هو معقول كالتقييد بغير المزاحم.

و على كل حال فقد تقدم منّا مناقشة ما أورده السيد الخوئي (قده) على أستاذه الميرزا (قده)، و قد تبيّن معنا أن السيد الخوئي (قده) قد أخطأ في تطبيق قاعدة الميرزا (قده) القائلة بكون التقابل بين الإطلاق و التقييد هو من تقابل العدم و الملكة فإذا استحال التقييد استحال الإطلاق، كما أن مسلك المحقق النائيني (قده) من أن اقتضاء الأمر بطبعه يستدعي‏ (1) القدرة، و حينئذ يستحيل تعلق الأمر بالجامع بين المزاحم و غير المزاحم.

و عليه فلا تظهر الثمرة في هذا الفرع، و إنّما تظهر الثمرة في مورد مزاحمة المضيّق للمضيق، فقد عرفت أنّ هذه الثمرة إنّما تكون من آثار و فروع الصيغة التي طرحناها، كما عرفت أن اقتضاء الأمر بطبعه للقدرة، لا يستدعي استحالة تعلق الأمر بالجامع بين المزاحم، و غير المزاحم، كما سلكه الميرزا (قده) (2).

و بهذا يتّضح أن ما ينبغي جعله ثمرة للبحث عن إمكان الترتب كما عقدت له الجهة الأولى، إنّما هو الصياغة العامة التي طرحناها، و هي دخول الأمر بالمتزاحمين في باب التعارض على القول باستحالة الترتب، و عدم دخولهما في باب التعارض بناء على القول بإمكان الترتب، دون الصياغة الثانية التي ذكرها السيد الخوئي (قده) في تصحيح الضد العبادي.

و لكن كلا من الصيغة الأولى العامة التي طرحناها، و الصيغة الثانية التي طرحها السيد الخوئي (قده)، كل منهما يتوقف على افتراض أصلين موضوعيين لا بدّ من الفراغ عنهما:

أ- الأصل الموضوعي الأول: هو كون القدرة شرطا في التكليف و قيدا له، فلو لم نبن عليه، و قلنا بأنّ التكليف بغير المقدور معقول، فإنّه حينئذ لا

____________

(1) محاضرات فياض: ج 3 ص 64- 67.

(2) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 182.

407

تظهر ثمرة، لا بالصيغة المختارة الأولى، و لا بصيغة السيد الخوئي (قده)، لأنه حينئذ لا مانع من الأمر العرضي بالضدين، بل يكون الأمر بهما معا معقولا، فلا يدخلان في باب التعارض، كما أنه يكون الإتيان بكل منهما صحيحا، و مجزيا، و مصداقا للواجب، لأن كلا منهما يكون ذا أمر عرضي فتصح به العبادة.

و حينئذ لا يبقى معنى للبحث في إمكان الترتب و عدمه، إذ تصح العبادة بالأمرين العرضيّين، سواء أمكن الترتب، أو استحال.

ب- الأصل الموضوعي الثاني: هو أن لا نقول باقتضاء الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضده، لأننا إذا قلنا باقتضاء الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضده، فلا تظهر الثمرة في كلتا الصياغتين.

أمّا أنّه لا تظهر الثمرة للصيغة المختارة: فلأنه حينئذ يتعيّن التعارض بين الأمر بالضد مع النهي عنه،، سواء قلنا بإمكان الترتب، أو لم نقل.

لأنّ القول بإمكان الترتب، إنّما يدفع محذور الأمر بالضدين، و لا يدفع محذور اجتماع الأمر و النهي في موضوع واحد، كما أنه لو قلنا بالاقتضاء يكون الضد محرما، و معه يستحيل التكليف به، إذ يلزم اجتماع الحرمة و الوجوب في موضوع واحد و هو تعارض.

و أمّا أنّه لا تظهر الثمرة للصيغة الثانية: فلأنّ دليل الأمر يقع طرفا للمعارضة، و يصبح لزاما علينا تطبيق قوانين التعارض، و بعد تقديم دليل الإزالة، حينئذ لا يمكن الالتزام بالأمر بالصلاة، سواء قلنا بإمكان الترتب أو عدمه، و ذلك لأنها منهي عنها.

إذن فبناء على الاقتضاء لا تظهر الثمرة لكلتا الصيغتين.

و الخلاصة: أنه يمكن بيان ثمرة الترتب بأحد تقريبين.

فإمّا أن تبيّن بالتقريب الأول الأعم و الأشمل و ذلك بأن يقال:

408

إنّ بحث إمكان الترتب و امتناعه تكون ثمرته عند ما يتكفّل بيان دخول المتزاحمين في التعارض، و عدم دخولهما.

فإنّ قيل بعدم إمكان الترتب، حينئذ يدخل المتزاحمان في باب التعارض، و إلّا فلا، و يكون التزاحم بحثا مستقلا.

و إمّا أن تبيّن ثمرة الترتب بالتقريب الثاني الذي طرحه السيد الخوئي (قده) (1) من تصحيح العبادة المضادة للواجب الأهم المضيّق فيما إذا قلنا بالأمر الترتبي، و إلّا فلا يمكن تصحيح العبادة المضادة للأهم.

و التقريب الأول، فيه امتيازان عن الثاني:

1- الامتياز الأول: هو أنّ التقريب الثاني الذي طرحه السيد الخوئي (قده)، من متفرعات التقريب الأول و شئونه، فالثمرة الحقيقيّة هي ما قيل في التقريب الأول بنحو لا تصح الصيغة الثانية إلّا بتمام التقريب الأول لتفرعها عليه، و ذلك لأنه يوجد فرعان:

أ- الفرع الأول: و هو ما إذا زاحم المضيّق مضيقا أهم منه.

ب- الفرع الثاني: هو ما إذا زاحم الموسّع في فرد منه آخر مضيق.

و الآن نريد أن نطبّق الصيغة الثانية على كل من الفرعين، لنرى أنه كيف هي في تطبيق الصيغة الأولى.

أمّا تطبيق الصيغة الثانية في الفرع الأول، و هو ما إذا زاحم مضيّق مضيّقا أهم منه، فيقال في الصيغة الثانية: إنّ الأمر الترتبي هو الذي يصحّح العبادة المزاحمة للأهم،، و هذا التصحيح نشأ من إثبات الأمر الترتبي بخطاب «صلّ» و إثباته إيجابا و سلبا مربوط بأنه، هل وقع بين الخطابين تعارض، أو لم يقع؟

فإن قلنا بامتناع الترتب، فيقع التعارض بينهما، و بعد تقديم خطاب «أزل‏

____________

(1) المصدر السابق.

409

النجاسة» على خطاب «صلّ» كما هو المفروض، حينئذ لا يبقى مجال للتمسك بخطاب «صلّ»، إذن فلا يبقى أمر ترتبي لتصحيح العبادة المزاحمة.

و أمّا بناء على إمكان الترتب فلا يقع التعارض، و نتيجة ذلك هو إمكان التمسك بكلا الخطابين لإثبات الأمر الترتبي بالفرد المزاحم، فتصحّح حينئذ العبادة.

فتصحيح العبادة و بطلانها إذن، هما أثران فرعيّان عن إمكان دخول الدليلين في باب التعارض، إثباتا و نفيا.

و أمّا تطبيق الصيغة الثانية في الفرع الثاني، و هو فيما إذا زاحم الواجب الموسع واجبا مضيقا ببعض أفراده، فأيضا هنا تكون الصيغة الثانية في طول الصيغة الأولى، و متفرعة عنها، لأنه إن قيل بإمكان الأمر العرضي و معقولية تعلّقه بالجامع، كما ذهب إليه المحقق الثاني (قده)، فحينئذ لا ثمرة في المقام، إذ من الواضح حينئذ، أنه لا تعارض بين خطاب «صلّ»، و خطاب «أزل النجاسة». و عليه، فلا حاجة إلى الأمر الترتبي لتصحيح العبادة، بل يكفي الأمر العرضي بالجامع، إذن فلا ثمرة.

و أمّا إذا قلنا بمقالة المحقق النائيني (قده)، من أن تعلّق الأمر بالجامع عرضيا غير معقول، بل الأمر يتعلّق بالمقدور خاصة، حينئذ، يكون معنى هذا، أنّ إطلاق الجامع و شموله للفرد المزاحم عرضيا، غير معقول، و حينئذ يقع الكلام بأنه: هل يعقل إطلاق الجامع و شموله للفرد المزاحم طوليا، أو لا يعقل ذلك؟.

فإنّ قيل: بأنّ إطلاق الجامع و شموله للفرد المزاحم، غير معقول طوليا، إذن لزم التعارض حينئذ بين إطلاق الجامع للفرد المزاحم في «صلّ»، و بين إطلاقه في «أزل النجاسة». و بعد تقديم خطاب «أزل» لتطبيق التعارض، لا يبقى مجال حينئذ لتصحيح العبادة المزاحمة، لا بالأمر العرضي، و لا بالأمر الترتبي.

410

و أمّا إذا فرض أن إطلاق الجامع للفرد المزاحم بالأمر الترتبي معقول، فحينئذ لا تعارض بين إطلاق خطاب «صلّ»، و خطاب «أزل»، إذن فتصح عباديّة الفرد المزاحم بالأمر الترتبي.

إذن فتصحيح عباديّة الفرد المزاحم في مورد مزاحمة الموسع للمضيّق، هو أيضا، يكون بنكتة دخول الدليلين في باب التعارض، و عدم دخولهما، فإن قيل بدخولهما في باب التعارض، فلا يمكن تصحيح عباديّة الفرد المزاحم، و إن قيل بعدم دخولهما في باب التعارض فيمكن حينئذ تصحيح عباديّة الفرد المزاحم.

إذن فالصيغة الثانية، هي دائما تابعة للصيغة الأولى التي طرحناها، دون الثانية التي طرحها السيد الخوئي (قده).

هذا هو الامتياز الأول للصيغة الأولى على الصيغة الثانية.

2- الامتياز الثاني للصيغة الأولى على الثانية: هو، إنّ صياغة الثمرة في الصيغة الثانية، قد لا تظهر أصلا في حين أنها في الصيغة الأولى ثابتة دائما، سواء ثبتت في الثانية، أو لم تثبت، و ذلك كما إذا بنينا على إمكان استكشاف الملاك بالدلالة الالتزامية حتى بعد سقوط الدلالة المطابقيّة بالتعارض بين خطاب «صلّ» و خطاب «أزل النجاسة»، فإنّه حينئذ بناء عليه، لا تظهر الثمرة في الصياغة الثانية، لأنه حينئذ، لا يتوقف تصحيح عباديّة الفرد المزاحم على الخطاب الترتبي، بل تصحّح عباديّة الفرد المزاحم على كل حال، سواء قلنا بإمكان الترتب، أو لم نقل، و ذلك لكفاية الملاك في عباديّة الفرد المزاحم.

إذن في حين أنّ الثمرة في الصيغة الثانية لا تظهر، لكنّها في الصيغة الأولى ثابتة و صحيحة، لأنه بناء على عدم إمكان الترتب يقع التعارض بين الخطابين، إذ لا بدّ في مقام تشخيص ما هو المجعول من الخطابين من تطبيق قوانين التعارض.

411

إذن فيرجع إلى قوانين التعارض حينئذ لحل التكاذب بين الطرفين، و تشخيص ما هو المجعول.

و أمّا بناء على إمكان الترتب، فلا تعارض في المقام، لأنّه يمكن العمل بالخطابين معا.

فالنتيجة إذن هي، إنّه من الأحسن طرح و عرض الثمرة بالصيغة الأولى دون الثانية.

ثمّ إنّ الصيغة الثانية التي عرضها السيد الخوئي (قده) (1)، هذه الصيغة صرّح فيها بأن المقصود من ثمرة الترتب، هو تصحيح عباديّة العبادة المضادة «المهم»، للواجب «الأهم»، مع أنه كان ينبغي أن يعبّر بأنّ المقصود هو تصحيح الواجب المضاد «المهم» للواجب «الأهم»، من دون أخذ قيد العباديّة في الواجب «المهم»، و ذلك لأنّ الواجب المزاحم بالأهم، لو كان غير عبادي، فأيضا يتوقف تصحيحه على الترتب.

و توضيح ذلك، هو: إنّ إجزاء الواجب التوصلي يتوقف على أحد أمرين:

أ- الأمر الأول: ثبوت الأمر.

ب- الأمر الثاني: هو ثبوت الملاك.

بينما إجزاء الواجب العبادي لا بدّ فيه من كون هذا الواجب ممّا يمكن أن يتقرب به إلى اللّه تعالى، و لا يكفي فيه مجرد ثبوت الملاك.

أمّا لو فرض أن كنّا ممّن يقول بإمكان إحراز الملاك في موارد المزاحمة، كما سلك المحقق الثاني (قده)، فإنه حينئذ، ينبغي التفصيل بين الواجب التوصلي و الواجب التعبّدي فنقول: بأنه في الواجب التوصلي، الملاك‏

____________

(1) محاضرات فياض: ج 3 ص 88.

412

موجود فيه، و هو كاف في الإجزاء بلا ترتب، و أمّا في الواجب التعبدي، فإنه و إن كان الملاك موجودا فيه، لكن لا يمكن التقرب به إلى المولى.

و حينئذ لا بدّ فيه من الترتب، لتمكين المكلّف في الإتيان به على نحو عبادي.

و أمّا إذا بنينا على عدم إمكان إحراز الملاك إلّا من طريق الأمر، فحينئذ فكما أن الواجب العبادي لا يصح إلّا بالترتب، فكذلك الواجب التوصلي المبتلي بالمزاحمة مع الأهم، هو أيضا يتوقف على الأمر، لأنه لا يمكن إحراز الملاك فيه إلّا من ناحية الأمر به، و إنّما نحكم بالإجزاء فيه لو فرض أننا نقول بالأمر الترتبي.

و عليه، فينبغي إدخال تعديل على الصيغة الثانية لبيان الثمرة فيقال: بأن الثمرة في الصيغة الثانية، هل تريد أن تصحّح الواجب المبتلي بالمزاحم «الأهم» في الواجب التعبدي، أو في الواجب التوصلي؟؟

* 2- الجهة الثانية [فى اقسام الحكمين الشرعيين‏]

: ممّا يبحث في الترتب، هي أنّ الحكمين الشرعيين على أقسام.

إذ تارة يكون أحد الحكمين رافعا لموضوع الحكم الآخر بنفس الجعل.

و ثانية: يكون أحد الحكمين رافعا لموضوع الحكم الآخر بفعليّة المجعول.

و ثالثة: يكون أحد الحكمين رافعا لموضوع الحكم الآخر بوصول مجعوله.

و رابعة: يكون أحد الحكمين رافعا لموضوع الحكم الآخر بتنجز وصوله، بما هو منجز و مستتبع عقلا باستحقاق العقاب.

و خامسة: يكون أحد الحكمين رافعا لموضوع الحكم الآخر بالامتثال خارجا.

413

إذن فخلاصة الجهة الثانية ممّا ينبغي أن تبحث في بحث الترتب هي: إنّ كل خطابين، سواء أ كانا متعارضين أو متنافيين أو لا، فهما:

إمّا أن يفرض أن أحدهما لا يرفع موضوع الآخر أصلا، كما في خطاب «صلّ»، و «صم»، فإنّهما خطابان لا يرفع أحدهما موضوع الآخر بوجه، و كذا خطاب «صلّ» و «لا تصلّ»،، فإنّهما لا يرفع أحدهما موضوع الآخر.

و إمّا أن يفرض أن أحد الخطابين يرفع موضوع الآخر، و على هذا فهو، إمّا أن يرفعه بنفس الجعل، و إمّا أن يرفعه بفعليّة المجعول، و إمّا أن يرفعه بوصوله، و إمّا أن يرفعه بتنجزه، و إمّا أن يرفعه بامتثاله.

و عليه فلا بدّ من ذكر مثال لكل واحد من هذه الأنحاء و الأقسام:

1- النحو الأول: و هو أن يكون أحدهما رافعا لموضوع الآخر بنفس الجعل، و مثاله: لو تمّت أصوله الموضوعية فقهيا، و ذلك كأنصبة الزكاة، فمثلا، من كان عنده عشرون من الإبل، فإنّ فعليّة الزكاة فيها تتوقف على مرور الحول، فلو فرض أنه بعد مرور ستة أشهر على هذا النصاب، وجد على رأسها ما جعل هذه الإبل العشرون من نصاب آخر أكبر، كما لو أنه وجدت خمسة إبل أخرى فصارت خمسة و عشرين، و الآن لو فرض أن بدأنا بنصاب جديد و حول جديد للخمسة و عشرين من أول الشهر السابع، و لكن كنّا قد بدأنا سابقا بحول للعشرين، فمعنى هذا أنّ العشرين الأولى قد دخلت في تكوين نصابين سنويين.

و من الواضح حينئذ، أن كلا من الزكاتين ليست فعليّة، لا الأولى و لا الثانية، لأنّ إحداهما تحتاج إلى ستة أشهر، و الثانية بحاجة إلى سنة حتى تصبح فعليّة، و حيث أنه لم تمض سنة زكوية عليهما، إذن فلا يوجد واحدة منهما فعليّة.

و لكن مع هذا توجد قاعدة فقهية مفادها: إنّ العين الزكوية الواحدة لا تدخل في نصابين في عرض واحد، و بناء عليه، حينئذ يمتنع دخول العشرين‏

414

في كلا النصابين دفعا لمحذور مساهمة العين الواحدة في كلا النصابين في عرض واحد، و هو غير صحيح.

كما أنه يوجد قاعدة ثانية، و هي: إنّ المتقدّم من النصابين زمانا، يحكم على المتأخر زمانا.

فلو أنه تمّت هاتان القاعدتان و الأصلان الموضوعيان، فسوف تكون النتيجة، هي عدم إمكان احتساب العشرين الأولى جزءا من نصاب آخر في بداية الشهر السابع، و ذلك لدخولها في النصاب السابق حتى تخرج منه.

و هذا مثال لكون أحد الخطابين، بجعله، يكون رافعا لموضوع الخطاب الآخر، لأن خطاب النصاب الأول، رغم أنه لم يصبح فعليا لعدم تماميّة شروطه، لكنه، على تقدير وجوده، يمنع من تحقق موضوع الخطاب الثاني، و معنى هذا أنه رفع موضوع الخطاب الثاني.

2- النحو الثاني لرفع أحد الخطابين موضوع الآخر: هو أن يكون أحدهما رافعا بفعليّة مجعوله لموضوع الخطاب الثاني، و ذلك، كما في مورد خطاب وجوب الوفاء بالشرط، فإنه يرتفع موضوعه إذا فرض وجود خطاب آخر يقتضي حرمة الشرط مع فعليّة الشرط الآخر، فمثلا: إذا وجد في المقام خطاب الوفاء بالشرط، و أخذ في موضوعه عدم مخالفته للكتاب أو السنّة يقتضي حرمة الشرط، فحينئذ بمجرد أن يصبح مجعول خطاب الكتاب أو السنة فعليّا، فمعناه أنه رفع موضوع خطاب الوفاء بالشرط، لأن اشتراط أحد المتعاملين أدّى إلى مخالفة الكتاب أو السنة، و كذلك لو اشترط عليه أن يمشي في أرض معيّنة مباحة، فإن شرطه ينفذ، لكن إذا أصبحت الأرض ملكا لشخص آخر لا يسمح له أن يمشي فيها، فحينئذ إنّ خطاب «يحرم التصرّف في مال الغير إلّا بإذنه»، مثل هذا الخطاب، يرفع موضوع خطاب وجوب الوفاء بالشرط، و هكذا مسألة وجوب الوفاء بالنذر بشرط رجحان العمل المنذور، فإن أيّ خطاب يجعل موضوع خطاب وجوب الوفاء بالنذر مرجوحا، يكون رافعا لموضوع خطاب «وجوب الوفاء بالنذر».

415

3- النحو الثالث: من أنحاء كون أحد الخطابين رافعا لموضوع الآخر، هو بالعلم و الوصول، و ذلك من قبيل الخطابات الواقعية مع الخطابات الظاهرية، بناء على أنّ «العلم» الذي أخذ قيدا أو غاية في خطاب «رفع ما لا يعلمون». بناء على أن يكون المراد منه «العلم» بما هو كاشف لا بما هو منجّز، و إلّا دخل في النحو الرابع، فإذا كان مأخوذ بما هو كاشف لا بما هو منجز، حينئذ يكون مثالا لمحل الكلام، فإنّ الخطاب الواقعي لا يرفع موضوع الخطاب الآخر، لا يجعله و لا بفعليّة مجعولة، و لكنّه يرفع موضوع الخطاب الآخر بوصوله، كما في الخطاب الواقعي في حرمة الإفتاء بلا علم، فإنّه لا يرتفع موضوع حرمة الفتوى بنفس الخطاب الواقعي و بالجعل، بل بوصوله، فلو أفتى بوجوب صلاة الجمعة، فهذا الإفتاء حرام، و لكن ترتفع الحرمة هذه، بوصول الخطاب و العلم.

4- النحو الرابع: من أنحاء رفع أحد الخطابين لموضوع الآخر هو، أن يكون أحد الخطابين منجزا، و مثاله: الخطابات الواقعية مع أدلة الأصول العمليّة، بناء على كون العلم المأخوذ في موضوعها هو العلم بما هو منجز، لا بما هو كاشف، حينئذ يكون يكون الخطاب الواقعي المنجز، و لو بغير العلم الوجداني، رافعا لموضوع أدلة الأصول العملية، و واردا عليها، و من أمثلته، ما يقال في الزكاة، من اشتراط التمكّن من التصرف خلال العام عقلا و شرعا، فلو لم يكن متمكنا عقلا من التصرف خلال العام، و كذلك لم يكن متمكنا شرعا خلال العام، فإنه لا ينعقد وجوب الزكاة حينئذ بسبب العجز عن التمكن عقلا من تنجز خطاب الزكاة، كما لو نذر أو وقف هذه العين الزكوية فيتنجز خطاب حرمة التصرف بها و لو بلا علم، و بهذا يرتفع موضوع دليل وجوب الزكاة، و هكذا الأحكام المشروطة بالقدرة الشرعيّة،- «و هي و إن كان لها معان»،- لكن نأخذ منها واحدا الآن، و هو أن يكون المقصود منها وجود معجّز مولوي، إذ من الواضح أن المعجّز المولوي قوامه تنجز تكليف آخر، فيقال حينئذ: إنهم اشترطوا في وجوب الوضوء بالماء، القدرة الشرعية على‏

416

التصرف فيه أي: اشترطوا عدم المعجّز المولوي، و حينئذ، فلو أنه تنجّز على المكلّف تكليف آخر ينافي مع الوضوء بالماء، كوجوب بذله لحفظ نفس محترمة، سواء امتثل أو لم يمتثل، حينئذ يرتفع موضوع وجوب الوضوء بالماء بسبب تنجّز تكليف و خطاب آخر، و هكذا يقال في وجوب الحج، فإنّه مشروط بالقدرة الشرعيّة، فأيّ تكليف آخر يتنجز عليه، سيرفع موضوع وجوب الحج، كما لو تنجّز عليه خطاب إخراج خمس أرباحه التي سيحج بها، فإن تنجز الخطاب الثاني يرفع موضوع وجوب الحج، و الأمثلة كثيرة على ذلك في الفقه.

5- النحو الخامس: من أنحاء رفع أحد الخطابين موضوع الخطاب الآخر هو، أن يكون أحد الخطابين رافعا لموضوع الخطاب الآخر بامتثاله، و ذلك كما في خطاب، «صم شهر رمضان»، مع خطاب «وجوب الكفارة على من أفطر»، فإنه من الواضح أنّ موضوع الكفارة على من أفطر إنّما هو المفطر، و لكن بامتثال خطاب «صم» و عدم الإفطار، يرتفع موضوع خطاب الكفارة و وجوب الكفارة. هذا و لا يكفي ما تقدّم من أنحاء للرفع بل بالامتثال خاصة.

و الآن في بحث الترتب ما بين المتزاحمين، يقع الكلام، في أنه ما هو شأن أحد الخطابين المتزاحمين مع الآخر، فلو فرض أن وقع بينهما التزاحم باعتبار التضاد بينهما، و لنفرض أن خطاب «أزل النجاسة»، أهم من خطاب «صلّ»، فهل أن خطاب أزل يرفع موضوع خطاب «صلّ» بامتثاله، أو بوصوله، أو بتنجزه؟ و حينئذ، من يقول بإمكان الترتب، يقول بأن خطاب «أزل» إنّما رفع موضوع خطاب «صلّ» من باب النحو الخامس، أي: بالامتثال له خارجا، و ذلك لأن خطاب «صلّ» مقيّد بعدم الإتيان «بالإزالة» ترتيبا، إذ إنّ كلا من الخطابين و إن كان فعليا في حق المكلف، و لكن بالامتثال يرفع أحدهما موضوع الآخر، لأن فعليّة خطاب «صلّ» مقيّدة بعدم «الإزالة» و المفروض أن المكلف قد «أزال النجاسة»، إذن فقد امتثل، إذن فقد ارتفع بامتثاله فعليّة موضوع خطاب «صلّ» و هذا هو نتيجة القول بإمكان الترتب، و لهذا يقول‏

417

القائلون بإمكان الترتب، يقولون باجتماع الحكمين الفعليّين المنجّزين معا كما هنا، فإنه كما أن خطاب «صلّ» فعلي، فأيضا خطاب «أزل» فعلي، فإذا لم يمتثل و لم يزل، فلا يرفع أحدهما الآخر.

و أمّا إذا قلنا باستحالة الترتب، و قلنا بأنه: لا يمكن اجتماع الأمرين بالضدين و لو ترتبا، فإنه حينئذ لا بدّ من القول و الالتزام بأن أحدهما يرفع موضوع الآخر في مرتبة سابقة على الامتثال، لئلّا يجتمع الخطابان معا، و هذه المرتبة هي الرابعة، أي: كون أحد الخطابين متنجزا، باعتبار أن المحذور عند القائل بامتناع الترتب هو لزوم تكليف العاجز الذي هو قبيح، و تكليف بما لا يطاق بحكم العقل، إذ حينئذ لو كلّف به المولى للزم الأمر بالضدين، و هو تكليف بما لا يطاق.

و لكن هذا المحذور يرتفع لا محالة، إذا فرض أنّ أحد الخطابين لم يكن منجّزا على المكلّف، إذ حينئذ لا يلزم إحراج المكلّف، و حينئذ لا بأس بالأمر بالضدين، لأنه إنّما كان يستحيل الأمر بهما إذا كانا متنجزين، و أمّا إذا كان المتنجز أحدهما دون الآخر، فلا يلزم إحراج المكلف بذلك.

و من هنا فالقائل بعدم الترتب لا يأخذ عدم تنجز أحد الحكمين أو تنجزه قيدا، بل يأخذ عدم وصوله أو فعليته، بينما الصحيح هو أن يأخذ عدم تنجز الخطاب الأهم قيدا، و حينئذ بهذا المقدار من أخذ عدم تنجز الأهم قيدا، يرتفع محذور استحالة الترتب، كما أنه بذلك يرتفع موضوع الخطاب الآخر، لأن جعل الأمر بالمهم مقيّدا بعدم تنجز الأهم، غير ممتنع عقلا.

و عليه يكون إطلاق خطاب المهم الشامل لحالة عدم تنجز الأهم، يكون غير ساقط، و لهذا قلنا: بأنّ الخطابين المتزاحمين يكونان من النحو الرابع.

و صفوة القول هي: إنّه في التزاحم لا بدّ من فرض كون أحد الخطابين مقيّدا بقيد، و هذا القيد يرتفع بالخطاب الآخر.

من هنا فإن القائل بإمكان الترتب، يقول: بأن الخطاب «بالمهم» مقيّد

418

بترك الخطاب «بالأهم»، أي: «الإزالة»، و يرتفع بالامتثال. و القائلون بامتناع الترتب، يقولون أنّ الخطاب لا يرفع موضوعه إلّا بتنجز الخطاب الآخر.

فالقيد المعقول بأحد الخطابين هو عدم الامتثال، بينما المعقول عند القائل بامتناع الترتب، هو عدم التنجز، فيكون مورد التزاحم من النحو الخامس، و بناء على عدم الترتب يكون من النحو الرابع.

و بهذا يتضح ممّا حقّقناه في الجهة الثانية، أن كلا من القائلين بإمكان الترتب، و بامتناعه، كلاهما يلتزم بأن أحد الخطابين المتزاحمين مقيّد.

و لكن القيد المقترح من قبل القائلين بإمكان الترتب، هو عدم امتثال الخطاب الآخر بعد فرض تنجّزه. أمّا القائلون بامتناع الترتب فإنهم يرون عدم الاكتفاء بذلك، لأنه يلزم منه الجمع بين الضدين لو لم يمتثل أحدهما، و إنّما لا بدّ معه أن يكون مقيدا بعدم وصول و تنجز خطاب «أزل»، لأنه بمجرد وصوله و تنجّزه يرفع خطاب «صلّ»، فإذا لم يكن خطاب «أزل» واصلا و منجزا، حينئذ يكون خطاب «صلّ» فعليا إذن.

و هنا قد يقال: بأننا قد ذكرنا في الجهة الأولى، أنه بناء على امتناع الترتب يدخل الدليلان في باب التعارض الذي جعلناه ثمرة إمكان الترتب أو امتناعه، إذن فخطاب «صلّ» و «أزل» متعارضان، فلا بدّ من معاملتهما معاملة المتعارضين. و المتعارضان ليس البناء فيهما أن يكون الوصول و عدمه كافيا، بل هما متعارضان بوجودهما الواقعي، سواء وصلا أو لم يصلا، و مثاله:

خطاب «صلّ» و لا «تغصب» فإنه بناء على اجتماع الأمر و النهي، و وقوع التعارض بينهما، يقال: بأن هذين الخطابين متعارضان وصلا أم لا، تنجزا أم لا، فمثلا: لو فرض أن إنسانا صلّى في المغصوب صلاة غصبيّة، و لكنه لا يعلم بأنها غصبيّة، مثل ذلك لا يقال فيه بأن خطاب «صلّ» فعلي في حقّه و قد صلّى، بل هنا خطاب «صلّ»، و خطاب «لا تغصب» متعارضان في تمام مادة الاجتماع بينهما، وصلا معا، أو وصل أحدهما، و كذلك الصلاة في الحمّام، إن كانت الصلاة محرمة فيه، فإنه يقع التعارض بينهما، فإذا قدّمنا خطاب «لا

419

تصل في الحمّام» على خطاب «صلّ في الحمّام» فليس معنى ذلك أنه لم يعلم بحرمتها، إذن فلم تصل إليه فيشمله خطاب «صلّ»، بل لأننا نقول: بأن خطاب «صلّ» مرتفع في تمام الصلاة الحمّاميّة، سواء أ كانت منجزة الحرمة أو لا، و هكذا الحال في تمام موارد التعارض، و لا يكفي في فعليّة أحدهما في مادة الاجتماع عدم وصول أحدهما.

و هذا معناه، أن التعارض بين الخطابين المتعارضين بوجودهما الواقعي، هو تعارض مستقر.

إذن فلما ذا شذّ محل الكلام عن ذلك؟ رغم أننا قلنا في الجهة الأولى و بناء على امتناع الترتب: بأن خطاب «صلّ و أزل» متعارضان فيما إذا كانت هناك نجاسة واقعا، و لو لم يعلم بوجودها، و حينئذ نسأل: أنه لما ذا انحل هنا بتقييد أحد الخطابين بوصول الآخر، بينما لم ينحل هناك في تمام موارد ثبوت الآخر، وصل أو لم يصل، فما الفرق إذن بين المقامين؟

و جوابه هو: إنّ التعارض في موارد أخرى غير التزاحم، كما في خطاب «صلّ»، «و لا تغصب» أو «صلّ و لا تصلّ في الحمام» إنّما كان تعارضا بحسب عالم المبادئ الحكم، لأنّ مصب كلا الحكمين، أي: «صل و لا تغصب» كان واحدا بناء على امتناع اجتماع الأمر و النهي.

و بناء على وحدة المصب هذه، يكون التعارض بين الحكمين تعارضا بلحاظ عالم المبادئ، أي: عالم الإرادة و الكراهة، و المصلحة و المفسدة، بمعنى أن الفعل الواحد لا يمكن أن يكون فيه مصلحة فعليّة، و مفسدة فعليّة.

و من الواضح أن التعارض بين الخطابين في عالم المبادئ، تابع لواقع المطلب، لا لعلم المكلّف و جهله.

فكونه يعلم أو يجهل، لا دخل له في استحكام التعارض، إذ إنّ حرمة الغصب، أينما فرضت، فإنّ فرضها هو فرض وجود مبغوضية و مفسدة فعليّة،

420

و كذلك، فإنّ فرض وجود خطاب «صلّ» هو فرض وجود محبوبيّة و مصلحة فعليّة من ورائه.

إذن فنكتة التعارض بين الخطابين هو عالم المبادئ، و التعارض في هذا العالم تابع لواقع المطلب، دون أن يكون للوصول و عدمه دخل في ذلك.

و لهذا كان التعارض واقعيا دائما، فإنّ الحرمة و إن لم تصل، و لكنها ثابتة في الواقع، فيقع التعارض، لأنّ من وراء الحرمة مبادئ تتنافى مع ملاكات خطاب «صلّ»، و حينئذ يتعيّن لرفع التعارض أن نرفع اليد عن خطاب «صلّ» بلحاظ تمام الموارد.

و أمّا في مورد التزاحم: فإن قلنا بامتناع الترتب و نشأ التعارض بين الخطابين، حينئذ لا بدّ من معرفة مركز التعارض، لأن التعارض بين الخطابين له أحد ثلاثة مراكز:

أ- المركز الأول: هو عالم المبادئ.

ب- المركز الثاني: هو عالم الامتثال و استحقاق الامتثال، بحكم العقل.

ج- المركز الثالث: هو عالم نفس الحكم، و ما هو مفاد الخطاب مباشرة، إذ إنّ مفاده مباشرة هو الحكم.

و حينئذ يقال: أمّا مركز التعارض بلحاظ عالم المبادئ، فإنّه يقال: بأنه هنا لا تعارض بين الخطابين حتى بناء على امتناع الترتب، لأن خطاب «صلّ» و «أزل» لم ينصبّا على مادة و فعل واحد من قبيل «صلّ و لا تصلّ في الحمّام» بل كل منهما له مصب غير مصب الآخر، فلا تعارض بينهما، إذ يمكن كون هذا ذا مصلحة و محبوبيّة، و ذاك ذا مفسدة، غاية الأمر أن المكلّف لا يمكنه الجمع بينهما معا.

نعم لو قلنا: بأن الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده، حينئذ يحصل‏

421

تعارض بينهما بلحاظ عالم المبادئ، لأنّ الأمر بالصلاة يقتضي حرمة الإزالة، و كذا العكس، و هذا خطابه من قبيل «صلّ و لا تصلّ».

لكن إذا لم نقل باقتضاء الأمر بالشي‏ء النهي عن ضده، فإنه حينئذ لا يقع تعارض بينهما.

و أمّا بلحاظ المركز الثاني، أي: عالم الامتثال، فإنه أيضا لا يقع تعارض بين الخطابين، بناء على أن يكون خطاب «صلّ» مشروطا بعدم وصول و تنجز خطاب «أزل»، و ذلك لأنه كلما كان خطاب «أزل» واصلا فخطاب «صلّ» لا موضوع له، لأنّه مقيّد بعدم وصول خطاب «أزل» بناء على عدم الترتب، و المفروض أن خطاب «أزل» واصل، إذن فخطاب «صلّ» لا موضوع له، و كلما كان خطاب «أزل»، غير واصل، إذن يكون خطاب «صلّ» واصلا، إذن فخطاب «أزل» لا يستحق الامتثال، و معنى كونهما هكذا أنهما ليسا عرضيّين كي تحصل المشاحنة بينهما بلحاظ عالم الامتثال و الاستحقاق.

و أمّا بلحاظ المركز الثالث، أي: عالم مدلول الخطاب و مفاده، و هو الجعل و الحكم، فهنا نقول: إنه إذا قلنا إنّ مدلول الخطاب الشرعي يتمحض في كونه أمرا اعتباريا على المكلف، كما ذهب إليه السيد الخوئي (قده)، فإنه حينئذ بناء على هذا، لا تعارض بينهما، إذ لا بأس بالجمع بين الخيالين و الاعتبارين، و من هنا قيل: إنّ القدرة ليست شرطا أصلا في المبادئ، إذن فلا تعارض بين المطلبين، فيتقيّد أحدهما بوصول الآخر، و به يتم المطلب بأنه لا تعارض أصلا.

و بناء على مسلك الاعتبار، يكون الفرق بين موارد التزاحم و التعارض المصطلح، هو أنه كان كله تعارضا، غايته أنّه هناك، كان تعارضا بلحاظ مادة الاجتماع بوجودهما الواقعي، و هنا كان التعارض بلحاظ عالم الاستحقاق و الامتثال، فيرتفع التعارض هذا بين الخطابين بعدم تنجز الخطاب الآخر، هذا فيما إذا كان مدلول الخطاب متمحضا في كونه أمرا اعتباريا.

422

و أمّا إذا لم يكن مدلول الخطاب أمرا اعتباريا، بل كان له مدلول عرفي، و هو كون هذا الاعتبار بداعي الجد، و هو داعي الباعثيّة و المحركيّة، و من هنا قلنا بعدم شمول الخطاب الشرعي للعاجز، لأن الاعتبار إنما كان بداعي الجد و المحركيّة و محركيّة الاعتبار للعاجز غير معقولة، و هذا قرينة على كون الاعتبار كذلك كما سلكه المحقق النائيني (قده).

و حينئذ بناء على اشتراط القدرة في التكليف، و كون الاعتبار بداعي المحركيّة، نرى أنّ هذين الخطابين المتزاحمين، بعد أن قيّد أحدهما بعدم وصول الآخر، فإنه بناء على القول بعدم الترتب، حينئذ، قد يقال ببقاء التعارض و التنافي بين مدلولي الخطابين، لأن المولى حينما يجعل الحكم بداعي التحريك، فمعنى هذا أنه متى ما اجتمع الحكمان يعني: أنه اجتمعت محركيّتان و تصدّيان، و هنا خطاب «صلّ» مقيّد بعد وصول خطاب «أزل»، و المفروض أنه لم يصل، إذن فيثبت كلا الخطابين، و تصدي المولى لموضوع كلا الخطابين غير معقول.

و الآن نبسط الكلام في معنى الداعي و أنحائه، لنرى أيّ نحو من أنحاء الدواعي يستفاد من الخطاب.

1- النحو الأول من معنى الداعي هو: أن يدل الخطاب على أن الحكم مجعول بداعي أن يكون محركا إلى الفعل.

و هذا المعنى للداعي واضح البطلان هنا، لأنّ المولى لا يفترض وجود عاص.

2- النحو الثاني من معنى الداعي، هو أن يقال: إنّ داعي الباعثية هو عبارة عن داعي إيجاد ما يكون محركا و باعثا للمنقاد خاصة على إطلاقه.

و هذا أيضا غير صحيح، إذ ليس كل منقاد سوف يتحرك، لأن المنقاد الذي يخطئ في وصول الحكم إليه لم يتحرك، إذن فيستحيل أن يكون الفرض من جعل الحكم، هو داعي المحركيّة للمنقاد على الإطلاق، إذ لو كان هذا هو

423

الداعي المفهوم عرفا من الخطاب، للزم عدم شمول الخطاب للعالم بالعدم، لأنّ الخطاب يكون محركا فعلا للمنقاد، و هذا لا يتصوّر في العالم بالعدم.

3- النحو الثالث من معنى الداعي هو: إنّ الداعي المستكشف، عبارة عن داعي أن يكون الخطاب محركا فعليّا على تقدير الوصول و العلم و الانقياد، فيكون محركا فعليا، و حينئذ بهذا الداعي نثبت اشتراط القدرة، لأنّ الخطاب لا يحرّك نحو غير المقدور حتى بعد الوصول، فيصير هذا قرينة على عدم شمول الخطاب للعاجز، و في نفس الوقت هذا الفرض يحل الإشكال في موارد التزاحم، لأنه تقييد لأحد الخطابين بعدم وصول الآخر، كما لو فرض عدم تنجز خطاب «أزل».

و هنا نقول: إن كلا من الخطابين يكشف عن داع مولوي لكل من وصل و كان قادرا، فإن وصل ذاك فلا وصول لهذا، و كذا العكس.

إذن فلا يصلان معا في عرض واحد، إذ الداعيان معا لا يحركان معا، إذن فلا تعارض بلحاظ عالم الحكم.

4- النحو الرابع من معنى الداعي هو: أن يكون كل من الخطابين يكشف عن داعي أن يكون الحكم باعثا شأنيا، بمعنى أن يكون صالحا لأن يكون باعثا لو لا المزاحم من قبل المولى، فيكون معنى الداعي هو: إيجاد ما يقتضي الانبعاث.

و هذا يترتب عليه اشتراط القدرة التكوينيّة، لأنّ الخطاب لا يكون مقتضيا لتحريك المشلول، بل يقتضي كل من الخطابين عدم المنافاة بينهما حتى لو كانا مطلقين.

هذا بلحاظ مدلول الخطاب، لأن كلا من الخطابين يريد داعيا و باعثا شأنيا، و هما يعقل اجتماعهما، و إنّما غير المعقول هو تحريكهما الفعلي، إذ لا مقتض لتقييد وصول أحدهما بعدم وصول الآخر.

و حيث أنّ هذا المطلب يرجع إلى الاستظهار العرفي من الخطاب،

424

و نحن لا نستظهر إلّا ما يلائم اندفاع الإشكال.

و عليه، حينئذ يصح ما يقوله القائلون بامتناع الترتب، من أنّ خطاب «صلّ»، يبقى محفوظا، و حينئذ تصح الصلاة، «الفرد المزاحم المهم»، لو صلّى و كان هناك نجاسة في المسجد لا يعلم بها، فتصح الصلاة هنا من الجاهل بالنجاسة، بينما في موارد التعارض، لو صلّى غصبا لا تصح الصلاة.

* 3- الجهة الثالثة مما يبحث في الترتّب هي: في استدلال القائلين بإمكان الترتب‏

: و قد استدل القائلون بإمكان الترتب بما يشبه النقض، و ذلك بضرورة وقوعه في فروع فقهية كثيرة، نقضوا بها على القائلين بامتناعه، لأن الحكم في هذه الفروع لا يمكن تخريجه إلّا بالالتزام بالترتب و على أساسه.

و ها نحن نذكر ثلاثة من هذه الفروع على سبيل المثال:

1- الفرع الأول: هو إنّه إذا وجب السفر على إنسان لنكتة من النكات، و هنا نفرض أنه يوجد خطاب يلزم بالسفر، كما لو كان قد نذر ذلك فسافر، حينئذ سيكون تكليف هذا المسلم بالصلاة قصرا، و أمّا لو فرض أن هذا المكلف خالف خطاب «سافر»، حينئذ، لا شك بتوجه خطاب «التمام بالصلاة»، و هذا عبارة أخرى عن الترتب، لأن الأمر لا يخلو ثبوتا من أحد ثلاث احتمالات:

أ- الاحتمال الأول: هو أنّه لا تجب عليه الصلاة أصلا.

ب- الاحتمال الثاني: هو أنّه تجب عليه صلاة القصر.

ج- الاحتمال الثالث: هو أنّه تجب عليه صلاة التمام على تقدير عدم السفر.

و الأولان من هذه الاحتمالات باطلان، لأنهما خلاف الضرورة الفقهية.

فيتعين الاحتمال الثالث، و هو الترتب، إذ نسبة الخطاب الثالث إلى‏

425

خطاب «وجوب السفر» هو نسبة وجوب «المهم» الترتّبي بالنسبة إلى وجوب «الأهم». فكما يدّعي القائل بإمكان الترتب بمزاحمة «الصلاة» مع واجب أهم كالإزالة، كذلك في المقام، يوجد خطاب «سافر» و يوجد خطاب، «إذا لم تسافر فصلّ تماما» و نسبة الخطاب الثاني إلى الأول، كنسبة خطاب «صلّ» إلى خطاب «أزل»، فكما أن خطاب «الإزالة» يهدم موضوع «وجوب الصلاة الترتبي»، فكذلك خطاب «سافر» يستدعي هدم موضوع خطاب «صلّ تماما»، لأنّ موضوعه «من لم يسافر»، فإذا تعقّلت هذا تتعقّل ذاك.

و بعبارة أخرى: إنّ معنى تعيّن الثالث، أنه مكلّف بالسفر، و هو على حد تكليفه «بالإزالة الأهم»، و كذلك فهو مكلف «بالصلاة التمام» على تقدير «عدم السفر»، على حدّ التكليف «بالصلاة» على تقدير «عدم الإزالة»، و بتعقّل هذا يتعقّل ذاك.

2- الفرع الثاني: و هو يحمل روح الفرع الأول لكن بعكسه، كما لو فرض أنه وجبت عليه «الإقامة و قصدها» بنذر، و لكنّ المكلّف لم يمتثل ذلك، بل عصى و سافر، فإنه هنا، لا إشكال فقهيا في وجوب الصلاة القصر عليه في السفر، و هو من الترتب، لأنّ أمر هذا المكلف أيضا يدور بين احتمالات ثلاث:

أ- الاحتمال الأول: هو أنّه لا تجب عليه الصلاة أصلا، و هو احتمال ساقط.

ب- الاحتمال الثاني: هو أنه تجب عليه صلاة التمام فقط.

ج- الاحتمال الثالث: هو أنّه تجب عليه صلاة القصر فقط.

و المتعيّن هو الثالث، فينتج وجود خطابين: الخطاب الأول، هو خطاب «أتم»، و الخطاب الثاني، هو خطاب «إذا لم تتم فصلّ قصرا»، و ليس هذا إلّا الترتب.

3- الفرع الثالث: و هو روح الفرعين السابقين، لكنه هنا بلحاظ

426

الصوم، كما لو أنه وجب عليه السفر في شهر رمضان المبارك بنذر، و لكنه عصى و لم يسافر، فهنا هل يجب عليه الصوم؟

و هنا إن قلنا بوجوب الصوم عليه، فإنّ معنى هذا، الالتزام بخطابين ترتبيّين: الخطاب الأول، هو خطاب «صم» إذا لم تسافر، و الخطاب الثاني، هو خطاب «سافر»، و هذا خطاب بالأهم، و هو هادم لموضوع المهم، و هذا ليس إلّا الترتب، إذ لا إشكال فقهيا عندهم في عدم سقوط الصوم عنه إذا لم يسافر، و هذا من الترتب.

و لنا في المقام، ثلاث كلمات حول هذا النقض و الاستدلال، لإثبات الترتب:

1- الكلمة الأولى: هي إنّ هذه الفروع، و إن كان لا محيص عن الالتزام بما ذكر فيها، لو سلّمنا بوجود خطابين ترتبيين، و لكنّ هذا أجنبي عن الترتّب، و لا يصح أن يجعل وقوع الترتب في هذه الفروع، دليلا على إمكان الترتب.

و توضيحه، هو إنّ خطاب «أزل»، و خطاب «صلّ» الذي هو الأمر بالأهم، بينهما علاقتان في موارد الترتب:

1- العلاقة الأولى: هي أنّ الأمر «بالإزالة» يستدعي هدم موضوع الأمر «بالصلاة»، لأن الأمر «بالصلاة» أخذ في موضوعه عصيان الأمر «بالإزالة»، إذن فالأمر «بالإزالة» يستدعي لا محالة هدم موضوع الأمر «بالصلاة».

2- العلاقة الثانية: هي إنّه في فرض فعليّة كلا الأمرين، يتوجه الأمر بالأهم نحو المكلف لإطلاقه، فيكون الأمر بالأهم مستدعيا لتقريب المكلّف نحو «الإزالة» المساوق لتبعيده عن «الصلاة»، فيتهافت التأثيران من حيث أن الأمر بالإزالة يجر المكلف إليها، و الأمر بالصلاة يجر المكلف إليها، فيقع التهافت في مقام التأثير، لأنهما حينئذ متطاردان و كل منهما يجر النار إلى قرصه.

و حينئذ يقال: بأن العلاقة الأولى هي: نكتة ملاك القول بإمكان الترتب،

427

لأنها توهم عدم التعارض و التنافر بين الخطابين، و العلاقة الثانية هي: نكتة ملاك شبهة القائلين بامتناع الترتب، لأنهم يقولون بفعليّة الأمرين معا، و كل منهما يجر نحو متعلقه، و الجر إلى متعلقه هو في الوقت نفسه جر عن ضده لا محالة إذ الأمر بالإزالة هو جر نحو الإزالة، و بمقدار ما يكون جرا نحو الإزالة، يكون جرا عن الصلاة، و كذلك الأمر بالصلاة يقوم بنفس الفعل فيتنافى الأمران.

إذا توضّح هذا فنقول: إنّ العلاقة الموجودة بين الخطابين الترتبيين في جميع هذه الفروع الثلاثة، إنّما هي العلاقة الأولى، لأن خطاب «سافر» يستدعي رفع موضوع الخطاب «بالصلاة تاما»، لكن هذه العلاقة كانت منشأ لشبهة القائلين بإمكان الترتب، حيث يكون الأمر بالصلاة تاما مرتبا على عدم السفر، فيكون الأمر بالسفر حينئذ مستدعيا بامتثاله رفع الأمر بالصلاة تاما، بينما منشأ شبهة القائلين بالامتناع هي العلاقة الثانية، و هذه العلاقة في المقام غير موجودة، لأنها إنّما تصدق فيما إذا كان هناك تضاد بين متعلق الأمر بالأهم، و متعلق الأمر بالمهمّ، «كالصلاة و الإزالة» فهما فعلان متضادان.

و أمّا في المقام فلا تضاد بين ما يحرّك نحوه خطاب «سافر»، و بين ما يحرك نحوه خطاب «إذا لم تسافر فصلّ رباعيّة»، إذ إنّ «سافر» يحرك نحو السفر، و خطاب «إذا لم تسافر فصلّ تاما» هنا عدم السفر قيّد الوجوب، و الأمر لا يحرك نحو مقدمات الوجوب، بل نحو صلاة رباعيّة، و على هذا فيمكن اجتماعهما مع السفر، غاية الأمر أنه لا أمر حينئذ بالصلاة الرباعية، إذن فهي ليست تحت الطلب كي يكون الأمر بها مضادا مع الأمر بالسفر، و مقتضيا لتحرك المكلّف باتجاه معاكس، لما يقتضيه الأمر بالسفر، كما كان في موارد الترتب.

و ما كان سوق هذه النقوض إلّا نتيجة لملاحظة العلاقة الأولى التي يترتب فيها أحد الأمرين على ترك الآخر و عصيانه، و قد عرفت أن العلاقة الأولى هي منشأ القول بإمكان الترتب، لا الامتناع.

428

و بهذا يتبين أن هذه الفروع لا تشكّل نقضا على القول بالامتناع.

و إنّ شئت قلت: إن الفروع الثلاثة لا تحتوي إلّا على العلاقة الأولى، حيث يكون الأمر بالصلاة الرباعيّة مثلا، مترتبا على عدم السفر، فيكون الأمر بالسفر مستدعيا بامتثاله رفع الأمر بالرباعيّة، و لكنه لا تضاد هنا بين المتعلقين، كما لو كانت بينهما العلاقة الثانية، و ذلك لأنّ الصلاة الرباعيّة، و إنّ كانت مقيّدة بعدم السفر، إلّا أن عدم السفر من شرائط الوجوب، و حينئذ لا يكون تحت الطلب و الأمر، لأن الأمر لا يحرّك نحو شرائط و مقدمات الوجوب، بل هو يحرك نحو الواجب و هو الصلاة الرباعيّة، و عليه لا يكون الأمر بالصلاة الرباعيّة مضادا مع الأمر بالسفر، و مقتضيا لتحرك المكلف باتجاه معاكس، لما يقتضيه الأمر بالسفر كما كان الحال في مورد الترتب.

و عليه، لا يكون واحدا من هذه الفروض نقضا على القول بالامتناع.

2- الكلمة الثانية: هي إنّه لو فرض أنّ المقام من قبيل الترتّب، و فرض قيام الضرورة الفقهية، فهنا يوجد مخلّص للقائلين بالامتناع، لأنّ الضرورة الفقهيّة تدل على أن هذا المكلّف إنّ لم يسافر فالصلاة لم تسقط عنه، و إنّه إذا صلّى قصرا سوف يعاقب، و لا نجاة له إلّا بأن يصلي تماما.

و هذه نتيجة ثابتة، أمّا تخريجها فإنّه لا ينحصر بالضرورة حيث يلتزم بالترتب، و يفترض وجود خطابين، «سافر»، و صلّ تماما»، بل مقتضى الجمع بين الضرورة الفقهيّة و برهان امتناع الترتب لو تمّ، هو الالتزام بتخريج النتيجة بأسلوب آخر و ذلك بأحد وجهين:

أ- الوجه الأول: هو أن يقال: إنّه عندنا خطابان: الأول متعلّق بالسفر يقينا، «سافر»، و الثاني متعلّق بالجامع بين «السفر و صلاة التمام» المقيّدة بعدم السفر، و لا ترتب بينهما أصلا، و حينئذ، فإذا لم يسافر، و لم يصلّ رباعيّة، يعاقب بعقابين لا محالة.

و هذا توجيه معقول كما سبق في بحث الإجزاء، و لا ترتب فيه.

429

نعم هذه الصياغة لا تفي بها الأدلّة، لكن المفروض أننا بقصد صياغة ثبوتية لأمر مفروغ عنه.

ب- الوجه الثاني: هو أن يفرض أنّ خطاب «سافر و الخطاب الآخر» هو تخريج الجمع بين التركين، و ذلك بأن يضيّق ترك الرباعيّة إلى ترك السفر، و هذا يفي بهذا الفرض.

3- الكلمة الثالثة: هي مربوطة بخصوص الفرعين الأوّلين و حاصلها، هو: إنّ النقض في الفرعين الأوّلين مبني على تخيّل أنه شامل لما إذا توجه خطاب القصر تعيينا إلى المسافر، و لما إذا توجّه خطاب التمام تعيينا إلى الحاضر، و حينئذ قيل، بأنّه عندنا خطابان على وجه الترتب.

و من الواضح أنّ هذا ليس أمرا متعينا، إذ يمكن فرض خطاب واحد متعلّق بالجامع بين «صلاة القصر و التمام»، لكن مع أخذ السفر قيدا للثنائيّة، بنحو قيد الواجب، و كذا أخذ قيد الحضر قيدا للرباعيّة، و الوجوب مطلق متعلق بالجامع، و بناء عليه، لا ترتب أصلا، إذ من الأول يكون هناك أمران متعلقان بالجامع و بالسفر، و حينئذ فلا يتعيّن الالتزام بالترتب بينهما، إذ الأمر بالصلاة ليس مترتبا على أن لا يسافر، بل يمكن أن يجمّع السفر مع الجامع المذكور.

و إنّ شئت قلت: إنّ النقض في الفرعين الأولين مبني على كون السفر و الحضر من شرائط وجوب التمام و القصر، و أمّا لو قيل بأنهما قيدان في الواجب، بينما الوجوب مطلق متعلق بالجامع بين التمام و القصر، فلا ترتب أصلا، بل هناك أمران من أول الأمر «بالسفر و الجامع» و لا ترتب بينهما، بل و لا تضاد بين متعلقيهما، إذ يمكن اجتماع السفر مع الجامع المذكور.

و لكن هناك مسلك آخر يقول بوجود خطابين مشروطين، حيث يكون السفر و الحضر من شرائط التكليف بالرباعية أو القصر.

430

و لكن حينئذ يشكل في المكلّف الذي كان حاضرا في أول الوقت، و مسافرا في آخره، حيث يقال:

إنّه إذا كان شرط التكليف بالرباعيّة هو كون المكلّف حاضرا في تمام الوقت، إذن لزم عدم تكليفه بالرباعية لكونه مسافرا، مع أنه من الواضح أنه لو صلّى قبل سفره، و حال حضوره، كانت صلاته مصداقا للواجب.

و إن كان شرط التكليف هو كونه حاضرا فعلا، و لو في أول الوقت، و إن سافر في آخره، فمعناه أنه وجبت عليه الصلاة الرباعيّة قبل أن يسافر، و إن لم يصلّ الرباعيّة و قد سافر، إذن يكون قد عصى، لأنّ خطاب «صلّ رباعية» فعليّ في حقه، و قد أخرج نفسه عن موضوعه، مع أن هذا ممّا لم يلتزم به أحد.

و هذه الشبهة يمكن حلّها، و ذلك ببذل عناية، و هي افتراض تقييد زائد في دليل التكليف و شرطه، و ذلك بأن يقال: إن خطاب «صلّ رباعية» يتوجه من أول الأمر إلى الحاضر، و لو في أول الوقت، لكن بشرط أن لا يسافر بعد ذلك سفرا غير مسبوق بالصلاة الرباعيّة، و حينئذ فلو لم يسافر أصلا، أو إنّه سافر سفرا مسبوقا بالصلاة الرباعية، كان التكليف بالرباعية محققا و فعليا في حقه من أول الأمر، فإن لم يصلّ رباعية و هو لم يسافر بعد، حينئذ يعاقب.

و إن سافر، فإن كان بعد الصلاة الرباعيّة، كانت صلاته مصداقا للواجب، و أمّا لو أنه سافر سفرا غير مسبوق بالصلاة الرباعيّة فلا بأس بأن نلتزم بعصيانه.

و بهذا يمكن تخريج الخطابين، لكن هذا المسلك غير متعيّن، بل القائل بإمكان الترتب في فسحة من هذا.

* 4- الجهة الرابعة: [إمكان الترتب، بالطولية و الاختلاف بالمرتبة]

هي أيضا فيما استدل و برهن على إمكان الترتب، بالطولية و الاختلاف بالمرتبة حيث قالوا: بأنّ الأمر بالأهم و المهم ليسا في مرتبة واحدة، و حينئذ فلا تنافي بين الأمرين لتعدّد المرتبة، و هي سنخ أحد وجوه الجمع بين الأحكام الواقعيّة و الظاهرية، حيث جمع بينها بأوجه من‏

431

الجمع، أحدهما مبني على أن رتبة الحكم الظاهري متأخرة، و في طول رتبة الحكم الواقعي، لأنّ الحكم الظاهري أخذ في موضوعه الشك في الواقع.

و سنخ ذلك نطبّقه هنا لرفع التنافي بين الأمر بالمهم، و الأمر بالأهم.

و قد قرّب هذا المسلك بعدة وجوه:

* 1- الوجه الأول: هو ما نقله المحقق الأصفهاني (قده) (1) عن بعض القائلين بإمكان الترتب، و حاصله: إنّ الأمر بالمهم حيث أخذ في موضوعه ترك الأهم أو عصيانه، إذن فهو في طول ترك الأهم، إذن فهو متأخر رتبة عن ترك الأهم، و الحال إنّ ترك الإزالة هو نقيض الإزالة، فهو في رتبة الإزالة، إذن فما هو متأخر عن ترك الإزالة، هو متأخر عن الإزالة، و فعل الإزالة متأخر عن الأمر بالإزالة تأخر المعلول عن العلة، و حينئذ، فهذا معناه أن اقتضاء الأمر بالإزالة واقع في مرتبة، و اقتضاء الأمر بالصلاة واقع في مرتبة أخرى، إذن فالاقتضاء في مرتبتين، إذن فالأمر بالأهم له اقتضاء في مرتبة ذاته أو وصوله، و هذا الاقتضاء لا يزاحمه أيّ شي‏ء، و بعد أن ننتهي إلى مرتبة وجود المعلول فعلا أو تركا، ثم ننتهي إلى فعليّة الأمر بالصلاة، فلا اقتضاء للأمر بالأهم، و إنّما الاقتضاء في مرتبة سابقة على وجود معلوله.

و إن شئت قلت: إنّ الأمر بالمهم في طول ترك الأمر بالأهم، فهو متأخر رتبة عن الأمر بالأهم، فيكون اقتضاؤه الإتيان بالمهم في غير مرتبة اقتضاء الأمر بالأهم، بل هو في رتبة متأخرة، و ذلك لأنّ الأمر بالمهم مترتب على ترك الأهم، و ترك الأهم في رتبة فعل الأهم- لأننا نقول: بأنّ النقيضين في رتبة واحدة- و المفروض أن فعل الأهم متأخر عن الأمر بالأهم، و عن اقتضائه، لأنه معلول له- إذن فيكون الأمر بالمهم و اقتضائه لفعل المهم، متأخرا عن الأمر الأهم و اقتضائه، و بهذا تنحل المنافاة بينهما، و يرتفع المحذور.

____________

(1) نهاية الدراية: الأصفهاني- مجلد أول ج 2 ص 53- 54.

432

و يرد على هذا الوجه أو يمكن أن يورد عليه بعدة إيرادات:

1- الإيراد الأول: هو النقض، بافتراض أن الأمر بالمهم مقيّد بامتثال الأهم لا بعصيانه، فالطوليّة هنا عكسية، حيث شرط الأمر بالمهم بامتثال الأمر بالأهم، لا بعصيانه، فيلزم على قولكم، أن يأمر المولى بأحد الضدين أيضا، لأن مثل هذين الأمرين كذلك بينهما طولية، إذ تكون رتبة الأمر بالمهم متأخرة عن مرتبة معلول الأمر بالأهم، و في هذه المرتبة لا اقتضاء للأمر بالأهم، و عليه يلزم من تصحيح الترتب، تصحيح الترتب المشروط بامتثال الأهم بناء على الطوليّة، بينما هذا بديهي البطلان حتى عند القائل بإمكان الترتب، إذن لا تكفي الطوليّة في ذلك.

و هذا النقض غير وارد، لأنّ مدّعى القائل بالطوليّة، و تصحيح الترتب بلحاظه هو: أن الطوليّة تنفع في دفع محذور اجتماع الضدين، حيث أن الأمر بالإزالة، و الأمر بالصلاة، ضدان، و لكن بالطولية بينهما جاز اجتماعهما فاندفع محذور اجتماع الضدين.

و مثل هذا الإيراد لا يرد على الوجه الأول بأنه إذا اندفع محذور اجتماع الضدين، فليندفع في الأمرين المشروط أحدهما بامتثال الآخر إذ يمكن لصاحب هذه المقالة أن يقول إنّ محذور اجتماع الضدين مندفع، لكن يبقى محذور التكليف بغير المقدور من دون اندفاع، لأنّ المكلّف المقيّد بفعل الأهم، يستحيل أن يصدر منه فعل المهم، فيكون فعل المهم غير معقول لأنه تكليف بغير المقدور في نفسه إذ فعل الضد المقيّد بفعل الضد الآخر، ممتنع في نفسه، و الأمر به أمر بالممتنع، و ليس أمرا بالضد المقدور في نفسه.

و بعبارة أخرى، هو: إنّه عندنا محذوران: أحدهما، اشتراط كون الأمر أمرا بالمقدور، فلو أمر المشلول بالتحرك، فهو غير معقول. و المحذور الثاني، هو أن لا يوجد أمر مناف و مضاد مع هذا الأمر، و حينئذ في باب الترتب المصطلح، يقول صاحب المقالة باندفاع كلا المحذورين.

433

أمّا الأول، و هو تكليف المشلول، فواضح، لما عرفت من قدرة المكلف عليهما في نفسيهما. و أمّا المحذور الثاني، فيقال: إنّ التحريك ليس منافيا لوجود الطوليّة بين التحريكين.

و أمّا في مورد النقض: فلو فرضنا أن المحذور الثاني مندفع، لكن المحذور الأول غير مندفع، لأنّ الأمر بالصلاة من المكلّف المقيّد بالإزالة غير مقدور، إذن فالنقض غير صحيح.

2- الإيراد الثاني: و هو تطوير لصياغة الوجه حيث يقال: إنّه لو صحّ هذا البرهان، للزم إمكان أن يأمر المولى بالصلاة غير مشروطة بالإزالة، و لذلك نقول هنا: إنّ الأمر بالمهم مشروط باقتضاء أو وصول الأمر بالإزالة و محركيته، فيكون الأمر بالصلاة في مرتبة متأخرة عن الاقتضاء، أي: بمثابة المدلول لذلك الاقتضاء، إذ كما أنّ الموضوع لا وجود له في مرتبة حكمه، فكذلك هنا.

إذن فلو نفعت الطوليّة لما نفعت هنا في حل محذور التكليف بغير المقدور، و حينئذ لا يكون التكليف به من قبيل الأمر بالصلاة المقيّدة بإيقاع الأهم، لوضوح كونه تكليفا بغير المقدور، أمّا في المقام، فكل منهما واجد للمعقولية، و يرتفع المحذور، أمّا الأول: فللطولية التي عرفت، و أمّا الثاني:

فلأنهما مقدوران.

و إن شئت قلت: إنّه يمكن نقض هذا الوجه بما إذا قيّد الأمر بالمهم، باقتضاء الأمر بالأهم أو بوصول الأمر به و محركيته، فإنه حينئذ سوف تتعدد رتبة الأمرين و اقتضائهما.

و من الواضح حينئذ أنّ محذور الأمر بالضدين لا يرتفع بذلك.

3- الإيراد الثالث: هو أن يقال بعدم الطولية بين الأهم و المهم، لأنّ المهم لو شرط بفعل الإزالة، لكانت الطوليّة حينئذ معقولة، لكن الأمر بالمهم مشروط بترك فعل الإزالة، بينما فعل الإزالة ليس في مرتبة الإزالة، لما ذكرناه‏

434

في مسألة الضد، إذ الأمر بالمهم، و إنّ كان متأخرا عن ترك الأهم، لكن لا يلزم من ذلك أن يكون متأخرا عن فعل الإزالة، و إنّما ما هو متأخر عنها، إنّما هو فعل الإزالة.

إذن فما هو متأخر عن الأمر بالإزالة، إنّما هو فعل الإزالة، لا ترك فعلها، و المتقدم على الأمر بالصلاة هو ترك الإزالة، إذن فلا طوليّة.

و بتعبير آخر يقال: إن محذور المنافاة و التضاد في اجتماع الضدين، إنّما تكمن في اجتماعهما في زمان واحد، لا في رتبة واحدة، لأن الرتبيّة شأن من شئون وجود الضدين في الزمان.

و من هنا قلنا فيما مضى من الأبحاث: بأنّ استحالة اجتماع الضدين لا ترتفع بالطولية بينهما، كما لو كان أحدهما علة للآخر، و هنا في المقام كذلك، فإنّ كون الضدين في رتبتين، لا يلغي استحالة اجتماع اقتضاء الأمرين بالضدين، و ذلك لكون اجتماعهما في زمان واحد، إذ إنّ المعيّة في الزمان هي مكمن و ملاك محذور غائلة المنافاة و التضاد و الاستحالة.

نعم غاية ما يثبت بهذا التقريب، هو عدم المعيّة في الرتبة.

4- الإيراد الرابع: هو أن التأخر و التعدّد الرتبي، لا يحل غائلة اجتماع الضدين، و ذلك لأنه يستحيل اجتماع الضدين في الزمان الواحد، اختلفا في الرتبة أو اتحدا، و إلّا أمكن اجتماع البياض و السواد لو فرض عليّة أحدهما للآخر مع أنه محال، لأجل استحالة اجتماع الضدين في الزمان الواحد، إذن فمحذور اجتماع الضدين لا يكفي في رفعه تعدد الرتبة.

و إنّ شئت قلت: إنّ الأمر بالمهم و اقتضائه لفعل المهم، و إنّ كان في طول ترك الأهم، و لكن ترك الأهم ليس في رتبة فعله ليكون في طول الأمر به، إذ إنّ قانون أنّ النقيضين في رتبة واحدة، غير صحيح كما تقدّم في بحث مقدميّة ترك أحد الضدين للآخر، إذن فلا تتعدد مرتبة الأمرين.

و قد أجيب عن هذه حيث قيل: بأنّ الأمر بالمهم ليس مرتبا على ترك‏

435

الأهم، بل على عصيانه، و عصيان الأهم عنوان انتزاعي متقوّم بالأمر بالأهم، إذ من دون الأمر به لا يمكن تعقّل عصيانه، فيكون الأمر به متقدما عليه بالطبع، كما تقدم في تعريف التقدم الطبعي، و هنا كذلك، فكلّما وجد أو فرض العصيان للأهم، كان الأمر بالأهم موجودا سابقا، دون العكس.

5- الإيراد الخامس: هو أن يسلّم بأنّ غائلة اجتماع الضدين ترتفع بتعدد الرتبة بين نفس الأمرين بالضدين.

لكن حينئذ يقال: بأنّ التضاد بين الأمرين ليس تضادا ذاتيا، و إنّما هو تضاد بالعرض، و التضاد الذاتي إنّما هو بين متعلّقي الأمرين، أي: «الصلاة و الإزالة».

و من هنا لا يفيد تعدد الرتبة في دفع أو رفع محذور الأمر بالضدين الذي هو منشأ التنافي بين الأمرين، بل لا بدّ في رفع التنافي و التضاد بين الأمرين، من معالجة التضاد الذاتي بين المتعلّقين، «صلّ و أزل»، و ذلك بأن لا يكون اجتماعهما من باب اجتماع الضدين في مرتبة واحدة.

و حينئذ إذا فرض أن قبلنا أنّ النقيضين في رتبة واحدة، حينئذ يكون العلاج المذكور ممكنا، لأنّه حينئذ، يكون فعل المهم متأخرا عن الأمر به، و هذا الأمر به بدوره متأخر عن ترك الأهم الذي هو في رتبة فعل الأهم، و بهذا يتأخر المهم عن الأهم رتبة، و بهذا يكون العلاج المذكور ممكنا.

و أمّا لو فرض إنّنا أنكرنا ذلك، فحينئذ تبقى المضادة و المنافاة بين المتعلقين على حالها، و حينئذ يكون الأمر بالضدين، و لو كانا في رتبتين، هو أمر بالضدين المتنافيين المستحيلي الاجتماع، لما عرفت، من أنّ الصلاة و الإزالة لا طوليّة بينهما، بل هما في مرتبة واحدة، إذ إنّنا فرضنا أن الأمر بالمهم في طول عصيان الأمر بالأهم، و العصيان منتزع عن الأمر بالأهم، إذن فلا يكون في طول فعل الأهم، إذن لا طولية بين فعل المهم و الأهم، و معه‏

436

يستحيل اجتماع معلقيهما، «الصلاة و الإزالة» و معه يستحيل رفع التنافي بين مقتضاهما لا محالة.

و كأنّ الوجه المذكور، يفترض أنّ مركز التضاد هو نفس «الأمر بالأهم و الأمر بالمهم»، فإذا صوّرناه بما قلناه من الطولية، حينئذ ينحل هذا التضاد.

بينما من الواضح أنّ هذا التضاد هو انعكاس و نتيجة للتضاد بين المتعلقين.

نعم إذا أمكن لأحد المقتضيين باقتضائه، أن يهدم و يرفع موضوع اقتضاء المقتضي الآخر، يصبح حينئذ للكلام وجه، كما سنبحثه في إمكان الترتب، إن شاء اللّه تعالى.

* 2- الوجه الثاني: من وجوه تصحيح الترتب على أساس الطوليّة، و تعدد الرتبة هو أن يقال: إنه بعد افتراض كون الأصل الموضوعي في الوجه السابق هو استحالة اجتماع الضدين في الرتبة الواحدة، و إلّا لم تكن استحالة في البين، بناء على ذلك يقال: إن الأمر بالمهم مشروط بعصيان الأمر بالأهم، إمّا على نحو الشرط المقارن، أو على نحو الشرط المتأخر، كما يأتي- و إن كان لا إشكال في جوازه و إمكانه على نحو الشرط المتقدم- و حينئذ على كل من التقديرين، سيكون الأمر بالمهم في رتبة متأخرة عن عصيان الأمر بالأهم، لأن نسبته إليه نسبة الحكم إلى موضوعه، و المعلول إلى علته، حتى لو كان العصيان مأخوذا بنحو الشرط المتأخر، فإنّه متأخر زمانا، و لكنه سابق رتبة، و العصيان علة لأمر آخر أيضا، و هو سقوط الأمر بالأهم، إذ إنّ أحد أسباب سقوط الأمر بالأهم هو العصيان، فالعصيان علة لأمرين إذن، الأمر بالمهم، و الآخر سقوط الأمر بالأهم.

و هذان المطلبان بمثابة المعلولين لعلّة واحدة، إذن فهما في رتبة واحدة، إذن يتبيّن أنه في مرتبة الأمر بالمهم يكون الأمر بالأهم ساقطا،

437

و عليه، فلم يجتمع الأمر بالمهم مع الأمر بالأهم في مرتبة واحدة، و من هنا يرتفع محذور اجتماع الضدين.

و إنّ شئت قلت: إنّ الأمر بالمهم، و سقوط الأمر بالأهم، كلاهما معلولان لعصيان الأمر بالأهم، أو ما يلازمه من انتفاء الموضوع، و عدم الامتثال، و لو بنحو الشرط المتأخر، لأن العصيان أو الامتثال كلاهما سبب للسقوط. إذن فالأمر بالمهم و سقوط الأمر بالأهم، في رتبة واحدة، لأنهما معلولان لعلة واحدة هي العصيان، و هذا معناه أنه في رتبة الأمر بالمهم، لا أمر بالأهم كي يزاحمه و يقتضي الامتثال، و عليه فلا تنافي بين الأمرين.

و هذا التقريب، يمتاز عن التقريب السابق بأمور منها: إنّه لا يتوقف على إثبات كون العصيان في طول الأمر بالأهم، كما كان في الوجه السابق.

و منها: إنّه في الوجه السابق كان يقال: بأنّ الأمر بالأهم في رتبة، و الأمر بالمهم في رتبة متأخرة، إذن فلم يجتمعا في مرتبة واحدة.

هذا القول في ذلك الوجه كان يرد عليه، فيقال: بأن المتأخر، «الأمر بالمهم»، و إن لم يصعد إلى مرتبة «الفوق»، أي: الأمر بالأهم، و لكنّ المتقدم، أي: الأمر بالأهم، يمكن أن ينزل إلى مرتبة، «التحت» أي: إلى مرتبة الأمر بالمهم، فإن العلة، و إن كانت أقدم من المعلول رتبة، لكن ليس معنى التقييد بالرتبة أنّ العلة متقيّدة بالرتبة المتقدمة، بل لها إطلاق من ناحيتها، و إنّما معنى تقييد العلة بالرتبة المتقدمة، معناه أن العلة غير متقيدة بالرتبة المتأخرة، فنزول المتقدم إلى مرتبة «التحت»، أي: مرتبة الأمر بالمهم، بمعنى الإطلاق الذاتي و انحفاظه في هذه المرتبة، لا بمعنى تقييده بهذه المرتبة لكي يلزم الخلف، و لذلك كما صحّ أن تقول: وجدت العلة فوجد المعلول، فمن «الفاء» تنتزع المرتبة المتأخرة، فهنا يصح أيضا أن نعبّر عن المرتبة المتأخرة بالانضمام فيقال: وجدت العلة فانضم المعلول إليها.

مثل هذا الكلام كان يمكن أن يرد على الوجه السابق،، و يبطله حيث‏

438

كان يستلزم فعليّة الاقتضاء في كلا الأمرين في الرتبة المتأخرة.

و لكنه لا يرد على الوجه الثاني هنا، لأننا برهنّا فيه أن الأمر بالمهم توأم مع سقوط الأمر بالأهم، لأنّ علة سقوط الأمر بالأهم العصيان، و العلة نفسها علة لسقوط الأمر بالمهم، و حيث لا يكون هناك أمر بالأهم بعد العصيان، إذن يكون سقوطه في رتبة الأمر بالمهم، إذن فلا يجتمع الأمر بالأهم مع الأمر بالمهم في مرتبة واحدة.

و لكن حيث أن الأصل الموضوعي في هذا الوجه و ذاك الوجه باطل، فيبطل الوجهان معا، إذ في كلا الوجهين يعتمد على تعدّد الرتبة لرفع محذور اجتماع الضدين، بينما عرفت أن المحذور يكمن في المعيّة الزمانية، و استحالة اجتماع الضدين في الزمان الواحد، حيث لا ينفع عدم اجتماعهما في الرتبة لدفع محذور استحالة اجتماع الضدين، بل لو كان الاختلاف في الرتبة يفيد في رفع محذور اجتماع الضدين، لوجب تصوير الاختلاف في الرتبة أنه بين المتعلقين، لا بين الأمرين، و حينئذ يستحكم أكثر فأكثر محذور اجتماع الضدين كما تقدّم.

* 3- الوجه الثالث: من وجوه تصحيح الترتب على أساس الطولية هو أن يقال: إنّ الأمر بالمهم بحسب الحقيقة، متفرّع بحسب الفرض على وجود الأمر بالأهم، لأنه مترتب على عصيان الأمر بالأهم المترتب على فعليّة الأمر بالأهم، فإذا كان الأمر بالمهم مترتبا على فعليّة الأمر بالأهم، إذن فيستحيل أن يكون مانعا منه، و ذلك تطبيقا لقاعدة تقول: إنّ كل شيئين، كان أحدهما مترتبا في وجوده على وجود الآخر، فيستحيل أن يكون المترتب مانعا عن وجود الآخر المترتب عليه، و رافعا له، و ذلك لأنه إن فرض أنه يمنع عنه في فرض و ظرف وجوده، فظرف و فرض وجوده هو ظرف وجود و ثبوت الأول في الرتبة السابقة، إذن فمانعيته عنه خلف كونه مترتبا عليه وجوده، بل يلزم من ذلك أن يمنع و يرفع نفسه لو كان يمكن أن يمنع المترتب عليه وجوده، إذ بهذا يلغي سبب وجوده و هو إلغاء و إعدام لوجوده، و هو مستحيل إذ وجود الشي‏ء لا

439

يلغي وجود نفسه. و إن فرض أنه يمنع عنه في فرض و ظرف عدمه، فذلك مستحيل أيضا، لكون مانعيّة المعدوم مستحيلة إذ فاقد الشي‏ء لا يعطيه، و بذلك يثبت أن الأمر بالمهم مسالم مع الأمر بالأهم، و ليس مزاحما و لا مطاردا له، و هذا هو معنى عدم المانعيّة و التضاد بينهما، و معه لا يمكن فرض المطاردة من قبل الأمر بالأهم أيضا، لأنّ ملاك المطاردة يكمن في التضاد، و هو لو كان، لكانت المطاردة من الطرفين، و هو غير موجود حتى من طرف الأهم للمهم.

و هذا الوجه غير صحيح، لأنه مبنيّ على توهم أن استحالة اجتماع الضدين من باب المقدميّة، و كون كل منهما مانعا عن الآخر و مطاردا له، و حينئذ قيل: بأنه يرتفع هذا المحذور بما إذا كان أحدهما مترتبا على الآخر، و مسالما له، و في طوله، فيرتفع التمانع و المطاردة بينهما، كما فصّل في وجهه.

و لكن قلنا فيما سبق: إنّ استحالة اجتماع الضدين، إنّما هي استحالة بالذات، و ليست استحالة بالغير، و بملاك المانعيّة و الامتناع بالغير، إذن فبطلان المانعيّة في هذا الوجه، لا يرفع محذور الاستحالة الذاتية لاجتماع الضدين.

و قد عرفت أنه لا يغني عن الحق شيئا، ارتفاع محذور الامتناع بين الضدين بالغير، و إبطال محذور الامتناع بين الضدين، كما عرضه هذا الوجه و غيره، و إنّما كان يفيد في إبطال المانعيّة بالغير دون سواها.

هذا مضافا إلى ما قلناه سابقا من أن امتناع اجتماع الأمر بالضدين، إنّما كان كذلك من جهة كون التضاد بين متعلقيهما، حيث يلزم من الأمر بالضدين طلب المتعلقين الضدين، لا طلب التضاد بينهما بالذات.

و من الواضح أن هذا الامتناع و التمانع بين المتعلقين، لا رافع له ما دام أن كل متعلق للأمرين ثابت و صامد في معاندته و ممانعته للمتعلق الآخر، دون‏

440

أن يتقدم أحد إلى الآن ببيان لرفع محذور الجمع بين متعلقي الأمرين بالضدين، إذن فهذا الوجه غير تام.

* 5- الجهة الخامسة في بحث الترتّب [اشكالات بحث الترتب‏]

: يقال فيها إنّ الإشكال الرئيس الذي عقد بحث الترتب لأجله، هو، أن الأمر بالضدين و لو على وجه الترتب، يقتضي طلب الجمع بين الضدين، و هو محال، لكن هناك إشكالات أخرى جانبية قد تورد على الترتب حيث تكون ملاكا منفصلا في امتناع الترتب، إذن فلا بدّ من التعرض لها لعرض الإشكال المهم الذي عقدت له هذه المسألة.

1- الإشكال الأول من الإشكالات الجانبية هو: دعوى استحالة الترتب و ذلك بأن يقال، إنّ الأمر بالمهم المفروض على نحو الترتب، و المشروط بعصيان الأهم، إمّا أن يؤخذ مشروطا بعصيان الأهم، أو غير مشروط بعصيانه، فإنّ لم يؤخذ مشروطا به، إذن فلا ترتب بين الأمرين، بل يكون الأمر بالضدين في عرض واحد، و معه لا إشكال بالاستحالة.

و أمّا إذا أخذ عصيان الأمر بالأهم، شرطا في موضوع الأمر بالمهم، فلا يخلو الأمر، فإمّا أن يكون عصيان الأمر بالأهم قد أخذ على نحو الشرط المتقدم، و إمّا أن يكون مأخوذا على نحو الشرط المقارن، و إمّا أن يكون مأخوذا على نحو الشرط المتأخر.

يعني: إمّا أن يتحقق الوجوب في الآن الثاني بعد زمن العصيان، و ترك الأهم أو المتأخر، فيكون تحقّق الوجوب في الآن الأول، أو في آنه، و كلّها باطلة.

أمّا النحو الأول: فهو خارج عن محل البحث، لأنّ معناه، أنّ وجوب المهم يكون في آن ما بعد العصيان، و في ذلك الآن، يكون الأمر بالأهم ساقطا حيث لا مزاحم للمهم حينئذ، إذن فلا مانع من ثبوت الأمر بالمهم، و لا نزاع.

و قد عرفت أنّ هذا خارج عن محل البحث، إذ محل البحث هو أن يجتمع الأمران في زمان واحد، لا أن يكون فعليّة أحدهما في زمان متأخر عن‏

441

زمن فعليّة الأول، كما أنك عرفت أيضا فيما سبق، أنّ موضوع البحث إنّما هو وقوع التزاحم بين واجبين مضيقين متضادين في زمن واحد، بحيث لو فرضنا مضيّ جزء من ذلك الزمن بنحو تحقق به عصيان الأهم، كان ذلك موجبا لمضيّ جزء من زمن امتثال المهم أيضا، بحيث لا يمكن امتثاله بعد ذلك.

و بعبارة أخرى يقال: إنّ هذا غير معقول في نفسه، بقطع النظر عن اجتماع الأمرين، لأن الكلام كما عرفت في الواجبين المضيّقين المتضادين اللذين يكون زمان امتثالهما واحدا، و معه فزمان العصيان للأهم و زمن امتثال المهم في آن واحد، فإن فرض أن الأمر بالمهم مشروط بما بعد آن عصيان الأهم، فهذا معناه، أننا استثنينا من الدقيقة الآن الأول، و المفروض أن كلا منهما يحتاج إلى الدقيقة هذه في الآن الأول منها، فإذا فرض أنه شرط متقدم، فمعناه أنه احتاج إلى الآن الثاني، في حين أنه محتاج إلى الآن الأول.

و أمّا النحو الثاني: و هو ما إذا كان عصيان الأهم مأخوذا على نحو الشرط المتأخر، فلا يرد عليه ما سبق، باعتبار اجتماع الأمرين حينئذ، لأن الأمر بالأهم ثابت، و كذلك الأمر بالمهم ثابت أيضا، إلّا أن هذا غير معقول، لأنه يلزم منه القول بالشرط المتأخر و الواجب المعلق، بينما صاحب الإشكال يبني إشكاله على استحالة الشرط المتأخر و الواجب المعلّق، فإنه هنا يستلزم أن يكون الأمر بالمهم متقدما زمانا على زمن عصيان الأهم، و المفروض أنّ زمن عصيان الأهم هو زمن امتثال المهم أيضا، و عليه، فيكون كل من الشرط و الواجب في الأمر بالمهم، متأخرا عنه، و هو غير معقول.

إذا فالالتزام بأن العصيان شرط متأخر، و إن كان يحقق نكتة النزاع، و لكن هذا في نفسه غير معقول- كما قلنا- لاستلزامه الواجب المعلّق و الشرط المتأخر، أمّا بطلان الشرط المتأخر فواضح، و أمّا بطلان الواجب المعلّق، فلتقدم الواجب على الوجوب، كما عرفت.

و أمّا النحو الثالث: و هو ما إذا كان العصيان مأخوذا على نحو الشرط المقارن، فهذا أيضا غير معقول، و هذا مبني على أصل موضوعي، و هو أن‏

442

يكون زمان فعليّة الحكم مع زمان الامتثال واحدا، و هو غير ممكن، بل لا بدّ من تقدم زمان الأمر و الخطاب على زمان الامتثال.

فإذا قرّر هذا الأصل الموضوعي، و فرض أن يكونا في زمانين فيقال: إنّ المهم إذا شرط بعصيان الأهم، فإنه حينئذ يكون زمان حدوث الأمر بالمهم هو زمان عصيان الأمر بالأهم، و زمان عصيان الأمر بالأهم هو عينه زمان امتثال المهم، و زمان عصيان الأهم معناه عدم وجود المهم، و امتثال المهم معناه عدم وجود الأهم، فإذا كانا متّحدين في الزمان، و كان زمانهما واحدا، فإنه حينئذ ينتج، أن زمان الأمر بالمهم هو عينه زمان امتثال نفسه، و هذا خلف الأصل الموضوعي، الذي سنذكر أدلته فيما بعد.

و الخلاصة هي: إنّ أخذ العصيان على نحو الشرط المقارن للمهم، يلزم منه كون الأمر بالمهم مقارنا مع زمان عصيان الأهم، مع أنّ زمن عصيان الأهم يكون هو عين زمان امتثال المهم. و عليه، فيكون الأمر بالمهم معاصرا زمانا مع امتثاله، بل يكون زمان الأمر بالمهم هو نفسه عين زمان امتثاله، و قد عرفت استحالته لأنه لا بدّ من تقدّم زمن الأمر و الخطاب على زمان الامتثال و الانبعاث.

و الجواب هو: إنّه إذا بنينا على إمكان الشرط المتأخر، و الواجب المعلّق كما هو الصحيح، فإنه لا يبقى موضوع لهذا الإشكال، إذ لا أقل من البناء على اختيار النحو الثاني، بل يمكن اختيار النحو الثالث و لا إشكال، أمّا النحو الثاني فواضح و أمّا النحو الثالث، فلأنّ الأصل الموضوعي فيه- و هو كون زمان فعليّة الحكم معاصرة بل متحدة مع زمان امتثال الحكم- مردود.

و إن بنينا على استحالة الشرط المتأخر، و الواجب المعلّق، كما سلكه الميرزا (قده)، فإننا حينئذ نختار النحو الثالث، و هو كون العصيان مأخوذا على نحو الشرط المقارن، ثم نتصدى لإنكار ذلك الأصل الموضوعي الذي بنيت عليه استحالة هذا النحو، و نبيّن بطلانه نقضا و حلا:

443

أمّا نقضا: فلأنه لو تمّ هذا الأصل الموضوعي لجرى في سائر التكاليف، و للزم أن يكون امتثال كل تكليف متأخرا عن زمن توجه الخطاب، و معنى هذا هو الالتزام بالواجب المعلّق، أي: الالتزام بالانفكاك بين زمن الباعث و زمن الانبعاث، حيث يكون زمان الواجب متأخرا زمانا بنحو الواجب المعلّق، و المشروط بالشرط المتأخر حيث أن القدرة على الواجب في ظرفه، شرط للتكليف المتقدم في كل واجب معلّق، و حينئذ يقال في الجواب إنّ التزمتم بهذا الأصل، و ما يلزم منه في ساير التكاليف، التزمنا به في مقامنا أيضا.

و قد عرفت أنه لا ضير في استلزام الواجب المعلق للشرط المتأخر، فلا نعيد.

و أمّا حلا: فنجيب بحل التقريبات التي قرّب بها المحقق الخراساني‏ (1) الأصل الموضوعيّ هذا، حيث ذكر في «الكفاية» في الواجب المعلق، أنّ الأمر يكون بداعي جعل الداعي في نفس المكلّف نحو الامتثال و هو بحاجة بل موقوف على تصور و تصديق بالفائدة و دفع الموانع، إذن فيحتاج إلى زمان، و معنى هذا، أنّ الامتثال متأخر عن توجه الخطاب و الأمر.

أو فقل: إنّ امتثال الأمر يكون موقوفا على حصول مبادئه من التصور و التصديق بالفائدة و الجزم و العزم، و هي أمور تحتاج إلى زمان، فتحققها يستلزم سبق زمانها على زمن الأمر، إذن فلا بدّ من تأخر الأمر عن تحقق الداعي لامتثاله.

و دفع هذه التقريبات و حلّها هو أن يقال أولا: إنّ هذه المقدمات و المبادئ، يمكن أن تكون مطوية قبل توجّه الخطاب و الأمر، إذ يمكن أن يحصّلها ضمنيا بمجرد توجه الخطاب، إذن فلا يحتاج نظره فيها إلى زمن‏

____________

(1) كفاية الأصول: مشكيني ج 1 ص 163- 164- 166.

444

فاصل، إذ يمكن تماميّة النظر قبل توجه الخطاب، فلا يكون الفاصل الزمني بعد توجه الخطاب.

و الخلاصة هي: إنّ هذه المبادئ لا يتوقف تحققها على وجود الخطاب و فعليّته، بل يمكن تماميتها و تحققها قبل فعليته، و قبل توجهه.

و يقال ثانيا في تقريب هذا الأصل الموضوعي: ما أفاده المحقق النائيني (قده) (1)، من أن الأمر و الخطاب لا بدّ من تقدّمه زمانا على زمن الامتثال، و إلّا فإذا فرض كونه في ظرف الامتثال المحقق، فيلزم إمّا تحصيل الحاصل لكون وجود الأمر في زمن الامتثال، أو طلب المستحيل لكون الامتثال معدوما في زمن الأمر.

و أجيب على ذلك: بأن ثبوت الأمر في زمن وجود الامتثال، ليس تحصيلا للحاصل، و لا للمستحيل، بل هو تحصيل و طلب لشي‏ء يترقّب حصوله بنفس هذا الطلب و هذا التحصيل، إذن فهو تحصيل لشي‏ء غير حاصل لو لا هذا الطلب و هذا التحصيل، فهو يحصّل بنفسه، لا ما يكون حاصلا لو لم يطلب تحصيله.

إذن فطلب الحاصل أو المستحيل، إنّما يكون و يصدق عند ما يتعلّق هذا الطلب و هذا التحصيل، بشي‏ء حاصل، أو ممتنع، قبل أن يطلب، بل حتى لو لم يطلب.

و لو صحّ هذا الإشكال، إذن لصحّ في العلل التكوينيّة، فإنّ المعلول و الخطاب فيها موجودان في زمن وجود العلة، و دون انفكاك بينهما في الزمان، و رغم ذلك لا يقال، بأنه يلزم من هذه المعيّة الزمانيّة بين العلة و المعلول، أن تكون عليّة العلة لمعلول، طلبه حاصل تكوينا فهو مستحيل.

و كذلك لو صحّ هذا الإشكال، لجرى في الشرط المتقدم أيضا على‏

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 203- 205- 209.

445

تقدير القول به، فيقال: بأنه إذا بقي الطلب إلى الزمن الثاني الذي هو زمن الامتثال، إذن يكون بقاؤه تحصيلا للحاصل و طلبا له، فإن ارتفع الطلب، فلا يلزم الامتثال أصلا، و إلّا فيعود الإشكال طرّا.

و يقرّب هذا الأصل الموضوعي ثالثا فيقال: إنّ الخطاب و الطلب أسبق رتبة من الامتثال على حدّ سبق العلة لمعلولها، إذن فلا بدّ من تقدّمه عليه.

و أجيب عن ذلك: بأن أسبقيّة الخطاب على الامتثال، لو سلّمت بحسب الرتبة، فهي أسبقية رتبية لا زمانية، فهي لا تنافي المقارنة و المعيّة من حيث الزمان.

و قد قرّب هذا الأصل الموضوعي رابعا حيث قيل: إنّ ظرف الامتثال هو ظرف سقوط الطلب، إذ الامتثال علة لسقوط الأمر و الطلب، و المعلول معاصر لعلته زمانا، إذن فسقوط الطلب موجود في زمان علّته، و مع وجوده هكذا يستحيل أن يكون بنفسه موجودا في زمان الأمر و الطلب، لاستحالة اجتماع النقيضين، و هما ثبوت الأمر و سقوطه، إذن فلا بدّ من فرض ثبوت الطلب في ظرف أسبق من ظرف الامتثال زمانا.

و يجاب عليه بما سنتعرض له في جواب بعض المناقشات الجانبيّة التي سنستعرضها حيث يقال هناك: بأنّ الامتثال ليس موجبا لسقوط الأمر في ظرف و زمن الامتثال، بل يكون موجبا لسقوط الأمر في طوله.

و بهذا يتضح إنّ لا مسوّغ للإشكال الأول، و لا للأصل الموضوعي المبني عليه هذا الإشكال.

و عليه فيعقل أن يكون أخذ عصيان الأهم شرطا في التكليف على نحو الشرط المقارن.

و هذا كلّه لو قيل بانحصار الترتب بأخذ العصيان شرطا.

و أمّا لو قيل: بأنّ الترتب يحفظ بأخذ العزم على عصيان الأهم شرطا في‏

446

موضوع المهم، و العزم على العصيان يختلف عن العصيان، إذ إنّ اشتراط الأمر بالصلاة بالعزم على عصيان الأهم، يختلف عن اشتراط الأمر بالصلاة بعصيان الأهم.

فإنك قد عرفت أن أخذ عصيان الأهم شرطا في موضوع المهم على نحو الشرط المتقدم، يستوجب خروج الفرض عن محل الكلام، إذ لو تقدّم لسقط الأمر بالأهم.

و أمّا أخذ العزم على العصيان شرطا في موضوع المهم، فإنّه لا يلزم منه ذلك.

و كذلك عرفت أن أخذ نفس العصيان على نحو الشرط المقارن، كان يلزم منه كون الامتثال و الخطاب في زمان واحد، و أمّا أخذ العزم على العصيان على نحو الشرط المقارن، لا يلزم فيه وحدة الزمن بينهما.

و هكذا فإنّ جملة من الإشكالات الواردة على أخذ عصيان الأهم شرطا في موضوع المهم لا ترد على أخذ العزم على عصيان الأهم شرطا في موضوع المهم.

2- الإشكال الثاني: من الإشكالات الجانبية، هو: أنّ القاعدة التي بنى عليها الميرزا (قده) التلازم بين استحالة الإطلاق لاستحالة التقييد هي: إنّ التقابل بينهما من تقابل العدم و الملكة، و هذه القاعدة تقتضي امتناع الترتب، و قد يقرّب هذا الامتناع بأحد بيانين:

1- البيان الأول: هو إنّنا إذا بنينا على مسلك الميرزا (قده) من أنّ التقابل بين التقييد و الإطلاق تقابل العدم و الملكة، و باستحالة أحدهما يستحيل الآخر، فكما أنّ إطلاق الأمر بالمهم و شموله لحالتي عصيان الأمر بالأهم و امتثاله مستحيل لأنه يلزم منه طلب الضدين في عرض واحد، فكذلك تقييده بعصيان الأهم أيضا مستحيل، للتقابل بينهما تقابل العدم و الملكة.

و حينئذ على أساس هذا المسلك يقال: إنّ ما يحتاجه القائل بالترتب في‏

447

المقام من التقييد، إنّما هو تقييد الأمر بالمهم بعصيان الأمر بالأهم، و يقابله الإطلاق، بمعنى رفض أخذ العصيان قيدا في موضوع الأمر بالمهم، و كون العصيان غير دخيل في موضوع الأمر بالمهم، أي: غير دخيل في موضوع الحكم، و أحد هذين المتقابلين، و هو الإطلاق، مستحيل في المقام، لأنّ عدم أخذه قيدا في موضوع الحكم، و رفض كونه قيدا له، معناه: إسراء الأمر بالمهم إلى حالة عدم عصيان الأمر بالأهم، لأنّ العصيان إذا لم يكن قيدا، فلا بدّ من أن يثبت الحكم في حال عدمه، لأنه ليس قيدا، إذن فيكون الأمر بالمهم ثابتا في حال عدم العصيان، و هذا غير معقول، إذ إنّه إذا استحال الإطلاق، استحال التقييد بالعصيان الذي يحتاجه القائل بالترتب.

و هذا البيان غير صحيح، و نجيب عليه نقضا وحلا:

أمّا الجواب نقضا: فباعتبار أن هذا البيان يمكن إسراؤه في كل حكم و أمر، إذ إنّ كلّ أمر يقال فيه: بأنّه إمّا أن يكون مقيّدا بالقدرة أو مطلقا، يعني:

إنّ المولى إمّا أن يأخذ القدرة قيدا في التكليف، و هو معنى التقييد، أو لا يأخذ القدرة قيدا في موضوع أمره و حكمه، و هو معنى الإطلاق، و المفروض أن الإطلاق غير معقول، لأن معناه شمول الحكم لغير القادر أيضا، و هو غير معقول، و إذا امتنع الإطلاق الذي هو أحد المتقابلين امتنع مقابله، و هو التقييد أي: تقييد التكاليف بالقادر، و على هذا الأساس، إذن ينسد باب التشريع نهائيا، لأنه لا يعود بالإمكان توجيه أيّ خطاب للمكلف مشروط بالقدرة، لامتناع التقييد بسبب امتناع الإطلاق.

و أمّا الجواب حلا، هو إنّه لو سلمنا بمسلك الميرزا (قده) بأنّ التقابل بين الإطلاق و التقييد، هو تقابل العدم و الملكة، لكن ما يستدعيه هذا التسليم هو أنه إذا امتنع التقييد امتنع الإطلاق، لا إذا امتنع الإطلاق امتنع التقييد، إذن فالملازمة في الامتناع تكون من طرف التقييد، لا الإطلاق.

و النكتة في ذلك هي: إنّ الإطلاق و التقييد إذا كان تقابلهما تقابل العدم و الملكة، فالعدم هو الإطلاق، و التقييد هو الوجود، لأنّ الوجه في هذا التقابل‏

448

هو كون المورد قابلا للملكة التي هي الوجود، كي يكون عدمها مقابلا لذلك الوجود، أو فقل: إنّ العدم في موارد تقابل العدم و الملكة يكون بمعنى عدم التقييد في الموضع القابل للتقييد، فيكون الإطلاق معناه، عدم التقييد حيث يكون هناك قابلية التقييد، فإذا امتنع التقييد امتنع الإطلاق، و ليس إذا امتنع الإطلاق امتنع التقييد، لأنّ التقييد لم يؤخذ فيه قابليّة مقابلة، فإنّ قابليّة المقابل إنّما تؤخذ في طرف العدم، لا في طرف الوجود، فمثلا: «العمى و البصر» متقابلان تقابل العدم و الملكة، فالأمر الوجودي هو «البصر»، و الأمر العدمي هو «العمى»، لكن العمى هو عدم البصر في الموضع القابل للبصر، فلا يقال للحجر: أعمى، لأنه ليس قابلا للبصر، إذ إنّه إذا امتنع البصر امتنع العمى كما في «الحجر»، لا إنّه إذا امتنع العمى امتنع البصر، كما هو الحال في «الباري عزّ و جل» إذ شأن كماله المطلق أن يمتنع فيه «العمى»، إلّا أنّ امتناع العمى لا يلزم منه امتناع البصر في حقه تعالى، كيف؟ و هو البصير بعباده.

إذن فتقابل العدم و الملكة يستدعي الملازم من ذاك الطرف، بمعنى أنه متى استحال التقييد استحال الإطلاق، لأنّ قابليّة التقييد مأخوذة في الإطلاق، لا إنّه متى استحال الإطلاق استحال التقييد، إذن فالمستحيل في المقام هو الإطلاق، لا التقييد.

و عليه، ففي المقام، استحالة الإطلاق لا تنفع في إثبات استحالة التقييد، أي: إنّها لا تنفع في إثبات استحالة الأمر بالمهم مقيّدا بعصيان الأهم.

2- البيان الثاني: للاستفادة من مسلك الميرزا (قده) لإثبات امتناع الترتب هو أن يقال: إنّه عندنا في المقام تقييد و إطلاق مقابل له، فالتقييد هو التقييد بفرض امتثال الأمر بالأهم، لا بعصيان الأمر بالأهم، بل بفرض امتثال الأمر بالأهم، و يقابله الإطلاق، بمعنى عدم التقييد بامتثال الأمر بالأهم، أي:

إنّ امتثال الأمر بالأهم، يسقط عن القيدية، و يرفض قيديته في موضوع‏

449

الحكم، و حينئذ فالمولى إمّا أن يأخذ امتثال الأمر بالأهم، لا عصيانه قيدا، و إمّا أن يرفض قيديّة الامتثال، فيقول لا دخل له في حساب هذا الأمر، إذن فذاك تقييد و هذا إطلاق.

و لا إشكال هنا في أن التقييد مستحيل، و الاستحالة هنا تنصب على التقييد ابتداء، لا على الإطلاق كما هو الحال في البيان السابق، فإن التقييد هنا تقييد للأمر بالمهم بصورة امتثال الأمر بالأهم.

و هذا غير معقول، لأنه تقييد بالعجز بحسب الحقيقة، إذ إن فرض امتثال الأمر بالأهم، هو فرض العجز عن إتيانه، و إذا استحال هذا التقييد استحال الإطلاق المقابل له أيضا.

فاستحالة الإطلاق هنا بمعنى عدم أخذ هذا الامتثال قيدا، و رفض قيديّته، فكما كان يستحيل أن نقيّد الأمر بالمهم بامتثال الأمر بالأهم، فكذلك هنا يستحيل أن نرفض قيديّة امتثال الأمر بالأهم للأمر بالمهم، لأنه إذا استحال التقييد استحال الإطلاق، و هذا الإطلاق ضروري للقائل بالترتب لأن ثبوت الأمر بالمهم في فرض عصيان الأمر بالأهم، و عدم امتثاله يتوقف على أن يكون امتثال الأمر بالأهم قيدا كما هو واضح، إذ لو كان امتثال الأمر بالأهم، قيدا في موضوع الأمر بالمهم، إذن لما سرى الأمر بالمهم إلى حال عدم امتثال الأمر بالأهم.

فسريان الأمر بالمهم، و ثبوت خطابه في فرض عدم امتثال الأمر بالأهم، يتوقف على كسر قيدية امتثال الأمر بالأهم، و رفض قيديته، و قد فرضنا أنّ رفض قيديّة الامتثال أمر مستحيل، إذن فثبوت الأمر بالمهم في فرض عدم امتثال الأمر بالأهم، يكون مستحيلا.

فخلاصة البيان الثاني هي: إنّ تقييد الأمر بالمهم بحالة امتثال الأهم، مستحيل، لأنه من التكليف بغير المقدور، فيكون الإطلاق بمعنى رفض هذا القيد المستتبع لشمول الأمر بالمهم لحالة عدم امتثال الأهم، هو أيضا

450

مستحيل، لأنه إذا استحال التقييد استحال الإطلاق.

و قد عرفت أن القائل بالترتب يريد إثبات الأمر بالمهم في حال عدم امتثال الأمر بالأهم، و بهذه القاعدة يثبت استحالة ثبوته فيه.

و هذا البيان يفضل البيان السابق بهذا اللحاظ، و هو أنّه هنا التزم بالانطلاق من التقييد، فكان التقييد مستحيلا فرتب عليه استحالة الإطلاق.

و هذا البيان أيضا يجاب عليه نقضا و حلا:

أمّا النقض فهو أن يقال: إنّ كل أمر و تكليف يتصوّر في العالم يكون تقييده بحالة العجز عن متعلقه مستحيل، كما هو واضح، إذن فيكون إطلاقه بمعنى عدم أخذ العجز قيدا، المستلزم لثبوته في حق القادر، مستحيلا أيضا، لأنه حينئذ يقال: بأن ثبوت هذا الأمر في حال عدم العجز يتوقف على رفض قيديّة العجز، إذ لو لم نرفض قيديّة العجز، إذن لعلّه لا يثبت هنا عجز، و قد فرضنا أن رفض قيديّة العجز مستحيل، إذن فثبوت الأمر من دون عجز مستحيل، و بناء عليه لا يعقل تشريع في الدنيا أصلا.

و إن شئت قلت: إنّه ينقض على هذا التقريب أيضا بجميع التكاليف و الأوامر، إذ إنّ تقييدها بحالة العجز مستحيل، إذن فيكون إطلاقها المستلزم لثبوتها في حق القادر مستحيلا أيضا، و معنى هذا، أنه لا يعقل ثبوت تشريع و تكليف في الدنيا، لا في حق العاجز، و لا في حق القادر.

و أمّا ما يجاب به حلا هو أن يقال: إن ثبوت الحكم و الأمر على حالة و حصة يكون له أحد طريقين:

أ- الطريق الأول: هو رفض دخل الخصوصية المقابلة، و حينئذ يثبت الحكم لهذه الحصة ثبوتا إطلاقيا، فمثلا إذا أريد إثبات الحكم بحرمة قتل الإنسان الفاسق أيضا لغير العادل، حيث يحرم قتل الإنسان فاسقا أم عادلا، فثبوت هذه الحرمة للفاسق يكون بعدم إلغاء قيديّة الخصوصية المقابلة، و هي خصوصية العدالة فيقال: إنّ العدالة ليست دخيلة في موضوع الحكم بالحرمة،

451

و مقتضى ذلك هو، أنّ الحكم بالحرمة يسري إلى حالات فقد العدالة أيضا التي هي حالات عدم العدالة، و بذلك يثبت المطلوب.

ب- الطريق الثاني: لإثبات الحكم لحصة، هو أخذ خصوصية تلك الحصة قيدا في موضوع الحكم، فمثلا في المثل السابق لو أخذ قيد الفسق في موضوع الحكم بحرمة إكرام الفاسق، فهنا الحرمة تثبت للفاسق، لا من باب إلغاء قيد العدالة بل من باب أخذ قيد الفسق، و هو ثبوت اختصاصي، لا إطلاقي، إذ ثبوت الحكم لحصة، تارة يكون ثبوتا إطلاقيا، و أخرى يكون ثبوتا اختصاصيا، إذن فالثبوت الإطلاقي لحصة، يكون من شئون رفض قيديّة الخصوصية المقابلة، و الثبوت الاختصاصي لحصة، يكون من شئون أخذ خصوصية تلك الحصة في موضوع الحكم.

و حينئذ في محل الكلام نقول: إنّنا نريد إثبات الأمر بالمهم، في صورة و فرض عدم امتثال الأمر بالأهم و عصيانه، لكن بنحو الثبوت الاختصاصي، لا الإطلاقي، إذن فلا نحتاج في هذا الثبوت إلى رفض قيديّة امتثال الأمر بالأهم ليقال إنّ هذا الرفض مستحيل، ذلك لأنه إطلاق يقابل تقييدا مستحيلا، و كل إطلاق يقابل تقييدا مستحيلا، يستحيل باستحالة ذلك التقييد، بل هنا يكون ثبوت الحكم و الأمر بالمهم في فرض عصيان الأمر بالأهم، و ذلك بأخذ العصيان قيدا، لا بإلغاء قيديّة الامتثال، و هذا كاف في التوصل إلى المطلوب، و ممكن في نفسه، و بناء عليه يكون الترتب معقولا.

و الخلاصة هي: إنّ ثبوت الحكم و الأمر في مورد، تارة يكون ثبوتا إطلاقيا بمعنى عدم التقييد بالخصوصية المقابلة المفقودة في ذلك المورد، و أخرى يكون ثبوتا تخصيصيّا بمعنى أخذ المورد و خصوصيته قيدا في الحكم، و حينئذ يقال: إنّ ما يكون استحالة التقييد فيه موجبا لاستحالة الإطلاق، إنّما هو الثبوت بالنحو الأول، أي: الثبوت الإطلاقي المقابل للتقييد تقابل العدم و الملكة، و أمّا الثبوت التخصيصي كما في النحو الثاني، فإنّه لا يكون تقابله مع التقييد تقابل العدم و الملكة، بل يكون من باب تقابل الضدين و التقييدين،

452

و فيه لا يلزم من استحالة أحدهما استحالة الآخر.

3- الإشكال الثالث: من الإشكالات الجانبية هو أن يقال: إنّ كون عصيان الأمر بالأهم شرطا للأمر بالمهم، إن أخذ شرطا على نحو الشرط المتقدم، أو المتأخر، فقد عرفت أنه غير معقول، لما تقدم فيهما من محاذير تقدمت في الإشكال الأول من هذه الإشكالات، و إن أخذ العصيان شرطا على نحو الشرط المقارن، فقد تقدم و عرفت أيضا أنه يلزم منه عدم اجتماع الأمرين الترتبيين في زمان واحد، مع أنّ الفرضية المبحوث عن إمكانها هي تصوير اجتماع الأمرين بالمهم و بالأهم، و قد عرفت أنهما لا يجتمعان، لأن عصيان الأمر بالأهم علة لسقوط الأمر به، و العلة معاصرة مع المعلول زمانا، إذن فيكون ثبوت الأمر بالمهم فعليا في ظرف عدم وجود الأمر بالأهم بعد سقوطه بالعصيان.

و هو كما تراه، فإنّه خارج عن فرضيّة القائل بالترتب، إذ يقول: بإمكان اجتماع أمرين فعليين بالضدين في زمان واحد بنحو الترتب، هذا خلاصة الإشكال الثالث.

و جواب هذا الإشكال هو: إنّه رغم منع استحالة الشرط المتأخر، فإنّ أخذه بنحو الشرط المقارن يفي بمقصود القائل بالترتب عند اجتماع أمرين فعليين بالضدين.

و توضيح ذلك، هو إنّه لا ملزم عقلي لكون العصيان بعنوانه علة لسقوط الأمر، و إنّما المسقط للأمر هو العجز عن الانبعاث و استيفاء ملاك الأمر، إذ إنّ المكلّف يسقط عنه الأمر عند فقد قدرته لا محالة، و العصيان هو إعمال القدرة في طرف الترك، إذن فظرف العصيان يستحيل أن يكون هو ظرف العجز، إذ الامتثال و العصيان شكلان، فإنّ المكلف تارة يعمل قدرته في طرف الفعل فهذا امتثال، و أخرى يعمل قدرته في طرف الترك فهذا عصيان، إذن فظرف العصيان هو ظرف إعمال القدرة، و عليه فيستحيل أن يكون ظرفه ظرف العجز، و قد تقدم أن الطولية لا ترفع محذور اجتماع الضدين، و القدرة و العجز