بحوث في علم الأصول - ج6

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
749 /
455

المادة على إطلاقها، و تكون النتيجة: إنّ وجوب الصلاة مقيّد بمن لم يأت بالصلاة في الدار المغصوبة.

و بذلك يحصل المقصود، لأنّ من يصلي في المغصوب، لا تقع صلاته مصداقا للواجب، حينئذ، لأنّه لا وجوب بالنسبة إليه حسب الفرض.

إذا عرفت ذلك فنقول:

إنّ تقييد المادة و إبقاء الهيئة على إطلاقها، معناه عدم وفاء المجمع بالملاك، و إلّا لو كان وافيا بالملاك، لكان ينبغي تقييد الوجوب الذي هو مفاد الهيئة بمن لم يأت بالصلاة في المغصوب.

و أمّا تقييد الهيئة و إبقاء المادة على إطلاقها، فمعناه: وفاء المجمع بالملاك، كما هو واضح، و المفروض إنّ خطاب «صلّ» لا يعيّن أحد هذين الوجهين، فيدخل ذلك تحت كبرى أصوليّة بحثت في بحث الواجب المشروط.

و قد ذهب المشهور في المقام، إلى أنّه لا مرجح لأحد الإطلاقين على الآخر، و حكموا بتساقط الإطلاقين، و عليه: فيكون إطلاق الهيئة ساقطا، و معه لا يبقى دليل على إثبات عدم وفاء المجمع بالملاك، لأنّنا فرضنا عدم تصور دليل على ذلك، سوى إطلاق الهيئة، و إذا لم يبق دليل على نفي وفاء المجمع بالملاك، فينتفي الافتراض الثالث، و يتعين أحد الافتراضين الأول، أو الثاني.

و قد عرفت أنّه بناء على هذين الافتراضين يتم تفصيل المشهور و فتواه بالصحة مع الجهل بالحرمة، و البطلان مع العلم بها.

و عليه: فيكون هذا الوجه وجها صحيحا لتخريج فتوى المشهور.

*- التنبيه السابع، هو إنّه لو قيل بالامتناع، فيقع التعارض حينئذ، بين دليل «صلّ»، و دليل «لا تغصب».

456

و قد وقع الكلام حينئذ في أنّه هل يقدم دليل «لا تغصب»، أو إنّهما دليلان متكافئان؟.

و قد ذكر بعضهم، أنّه يقدم دليل النّهي على دليل الأمر، و قرّب ذلك بأحد تقريبين:

أ- التقريب الأول: و هو مؤلف من صغرى و كبرى.

أمّا الكبرى: فهي: إنّه متى تعارض إطلاق شمولي، و آخر بدلي، فيقدم الشمولي على البدلي.

و أمّا الصغرى، فهي: إنّ التعارض في المقام هو بين مادة «صلّ»، و مادة «لا تغصب»، و إطلاق مادة «صلّ» بدلي، و إطلاق مادة «لا تغصب» شمولي، فيكون مقامنا صغرى للكبرى المتقدمة.

و عليه: فيقدم دليل «لا تغصب» لأنّه إطلاق شمولي على دليل «صلّ» لأنّه إطلاق بدلي.

و تحقيق الكلام في المقام يستدعي التكلم في كل من الصغرى و الكبرى.

أمّا الكلام في الصغرى: فقد يعترض عليه بما حاصله، هو: إنّ التعارض إنّما يكون بين الشمولي و البدلي في صورة وجود المندوحة، لأنّ وجوب الصلاة يكون مطلقا و ثابتا على كل حال، فلا داعي لتقييد مفاد الهيئة الذي هو الوجوب، فلا يكون دليل «لا تغصب» بمادته، معارضا لإطلاق هيئة «صلّ»، و إنّما يكون معارضا لمادته كما ذكر.

و بذلك يكون التعارض بين الشمولي و البدلي كما تقدم.

إذن ففي فرض وجود المندوحة، تكون الصّغرى تامة.

إلّا أنّه إذا فرض عدم وجود مندوحة عن الصلاة خارج الغصب، ففي‏

457

مثله يكون التعارض بين إطلاقين شموليّين، و ذلك لأنّ دليل «لا تغصب» ينفي أصل الوجوب حينئذ، و ذلك لأنّ الصلاة خارج الغصب غير ممكنة، و في الغصب حرام بمقتضى دليل «لا تغصب». و عليه: فلا بدّ من رفع اليد عن أصل الوجوب الذي هو مفاد هيئة «صلّ»، و حينئذ فيكون التعارض بين إطلاق مادة «لا تغصب»، و إطلاق هيئة «صلّ»، و كلاهما شمولي، و معه لا يكون المقام صغرى للكبرى المذكورة.

و لكن هذا الاعتراض غير تام: و ذلك لأنّ نفي أصل الوجوب ليس تقييدا زائدا في مفاد الهيئة، ليتم ما ذكر، و ذلك لأنّ نفي أصل الوجوب، باعتبار عدم القدرة في هذا الفرض. و من الواضح أنّ دليل «صلّ» مشروط بالقدرة من أول الأمر، فالتقييد الزائد إنما يتصور في مادة «صلّ»، فيعود التعارض بين إطلاق مادة «صلّ» و هو بدلي، و بين إطلاق مادة «لا تغصب» و هو شمولي، إذن فالصحيح إنّ الصغرى المذكورة صحيحة لا إشكال فيها.

و أمّا الكلام في الكبرى، و هي تقديم الإطلاق الشمولي على الإطلاق البدلي عند تعارضهما: فهذا أمر موكول إلى محله في بحث التعادل و التراجيح، حيث نبين هناك عدم تمامية هذه الكبرى.

نعم في خصوص هذا المقام و أمثاله، إذا بنينا على ما ذهب إليه الميرزا (قده) (1)، من اختصاص الأمر بالحصة المقدورة، فحينئذ لا بدّ من تقديم إطلاق مادة «لا تغصب» الذي هو شمولي، على إطلاق مادة «صلّ» الذي هو بدليّ، لكن هذا ليس باعتبار ما ذكر في الكبرى من لزوم تقديم الشمولي على البدلي عند تعارضهما، بل من باب الحكومة، أو الورود.

و بيان ذلك، هو: إنّه إذا قلنا باختصاص الأمر بالحصة المقدورة، إذن، فيرجع قوله، «صلّ»، إلى قوله، «صلّ» الصلاة المقدورة شرعا و عقلا و المفروض إنّ دليل «لا تغصب» يقتضي حرمة الصلاة في الغصب، و بذلك‏

____________

(1) فوائد الأصول- الكاظمي: ج 1 ص 272.

458

يخرجها عن كونها مقدورة، فتخرج حينئذ عن موضوع خطاب «صلّ»، لأنّ موضوعه الصلاة المقدورة. فحينئذ لا بدّ من تقديم خطاب «لا تغصب» من باب أنّه يرفع موضوع خطاب «صلّ» بالنسبة إلى الصلاة في المغصوب.

و بهذا يتضح عدم تمامية هذا التقريب الأول لعدم تماميّة كبراه.

2- التقريب الثاني، هو: إنّه كلما تعارض دليلان يتكفل أحدهما حكما إلزاميا، و الآخر حكما ترخيصيا، بنحو العموم من وجه، قدّم الإلزامي على الترخيصي، كما لو ورد، لا تغصب»، و ورد دليل على حليّة شرب الحليب، و تعارض الدليلان في شرب الحليب المغصوب. ففي مثله، يقدم دليل «لا تغصب» لأنّه إلزامي، و مقتضاه: حرمة شرب الحليب المغصوب.

فهذه كبرى تنطبق على محل الكلام، لأنّ التعارض في مقامنا بين إطلاق دليل «لا تغصب» و هو الزامي، و بين إطلاق دليل «صلّ» و هو ترخيصيّ، لأنّ إطلاقه بدلي، فيكون مرجعه إلى التخيير بين أفراد الصلاة من باب التوسعة، و هذا في حقيقته حكم ترخيصي، و حينئذ، فيقدم دليل «لا تغصب» تطبيقا لتلك الكبرى.

و التحقيق في المقام هو: إنّ الكبرى صحيحة، إلّا أنّ مقامنا ليس من صغرياتها.

و لتوضيح ذلك يقع الكلام في موردين:

أ- المورد الأول: في ملاك هذه الكبرى، حيث نقول: إنّه لا تعارض بين دليل الحكم الإلزامي، و دليل الحكم الترخيصي، بل يعمل بهما معا، و نتيجة ذلك هو الحكم بحرمة شرب الحليب المغصوب، و ذلك لأنّ كل دليل ترخيصي يدل على نفي الحرمة عن العنوان المرخص به، كشرب الحليب، و معنى ذلك: إنّ شرب الحليب ليس من المحرمات الشرعية بعنوان كونه شرب حليب، إلّا أنّ هذا لا ينافي طروّ عنوان عليه يجعله محرما، كطروّ عنوان الغصب، لأنّ الحرمة جعلت على عنوان الغصب، و لا يكون ذلك منافيا للترخيص بعنوان شرب الحليب، و في مثله لا بدّ من العمل‏

459

بكلا الدليلين، فيحكم بحرمة الغصب، و بحليّة شرب الحليب بما هو حليب.

و هذا لا ينافي حرمة شرب الحليب المغصوب.

ففي الحقيقة لا يكون الحكم بحرمة شرب الحليب المغصوب، تقديما لدليل النّهي الإلزامي، بل هو إعمال له في قبال إعمال الدليل الترخيصي.

2- المورد الثاني: هو: إنّ هذه الكبرى لا تنطبق على محل الكلام.

سواء قلنا بالامتناع، كما هو مسلك الميرزا (قده) بالامتناع، أو كما هو المسلك الآخر.

أمّا باعتبار المسلك الآخر: فواضح، حيث أنّه لا منافاة بين النّهي عن الصلاة الغصبية، و الأمر بطبيعي الصلاة.

و أمّا باعتبار مسلك الميرزا (قده)، فلأنّه و إن وقعت المعارضة حينئذ بين دليل «لا تغصب» و الإطلاق البدلي لدليل «صلّ» لأنّ هذا الإطلاق يتضمن ترخيصا في تطبيق الصلاة على الصلاة الغصبية، و هذا الترخيص يتنافى مع النّهي عن الصلاة الغصبية.

إلّا أنّنا نقول: إنّ هذا الإطلاق البدلي، هل معناه الترخيص في هذه الحصة الغصبية، و عدم تحريمها بما هي صلاة فقط، مع عدم التعرض لها بما هي غصب؟ أو إنّ معناه الترخيص الفعلي على الإطلاق، و بلحاظ تمام العناوين؟.

فإن قيل بالأول: فيكون من قبيل دليل حليّة شرب الحليب مع دليل «لا تغصب».

و لكن هذا خلف، لأنّ معناه: إنّه لا تعارض حقيقي بين «صلّ»، و بين «لا تغصب»، و إنّه يجوز الاجتماع كما جاز في «لا تغصب»، و حليّة شرب الحليب، مع أنّ المفروض أنّنا نتكلم بناء على الامتناع.

و إن قيل بالثاني: و أنّ هذه الحصة الغصبية لا حرمة فيها بتمام‏

460

عناوينها، حينئذ يتم القول بالامتناع، لأنّ الترخيص الفعلي على الإطلاق، لا يجتمع مع التحريم بلحاظ بعض العناوين، فيقع التعارض، و يقال بالامتناع. فمن هذه الناحية لا يلزم الخلف كما في الأول.

الّا أنّه يخرج المورد عن كونه مصداقا لتلك الكبرى، لأنّ ملاك تلك الكبرى عدم التعارض الحقيقي بين الدليلين.

بينما التعارض موجود في محل الكلام، و لا دليل يقتضي تقديم خطاب النّهي على خطاب الأمر، و لو فرض كونه ترخيصيا بالنحو الذي ذكر.

إلى هنا ثبت أنّه في مقام المعارضة، لا دليل على تقديم جانب النّهي على جانب الأمر.

*- التنبيه الثامن: في تحقيق حل الإشكال بالنسبة للعبادات المكروهة:

و حاصل هذا الإشكال هو: إنّ الأحكام التكليفية الخمسة متضادة بأسرها، دون أن يختص ذلك بالوجوب و الحرمة. و من هنا تنشأ المشكلة باعتبار مجموع أمرين قد تسالم الفقهاء عليهما:

أ- الأمر الأول، هو: إنّ العبادة تتصف أحيانا بالكراهة «كالصلاة في الحمّام».

ب- الأمر الثاني: هو: إنّ الصلاة تكون صحيحة، لو أتى بها في الحمّام، و هذا يعني كونها مصداقا للمأمور به الوجوبي، أو الاستحبابي، كما هي مصداق للمكروه.

و من هنا وقع الإشكال في كيفية اجتماع الأمر مع النّهي في العبادة الواحدة.

و ربما جعل بعض القائلين بالجواز هذه المشكلة دليلا على جواز الاجتماع، حيث أنّ الأحكام التكليفية الخمسة كلها متضادة فيما بينها،

461

و ليس التضاد خاصا بالوجوب و الحرمة فقط. فلو لم يجز الاجتماع، لما جاز هنا في المقام.

و الخلاصة هي: إنّه كيف يمكن أن تكون عبادة واحدة مأمورا بها و صحيحة، و مع ذلك يكون منهيا عنها، و تتصف بالكراهة؟.

و قد أورد الآخوند (1) على هذا البعض، بأنّ هذه المشكلة كما تواجه القائلين بالامتناع، فكذلك هي تواجه القائلين بالجواز، لأنّ القائلين بالجواز، إمّا بملاك كفاية تعدد العنوان، و إمّا بملاك أنّ تعدد العنوان يوجب تعدد المعنون. و في كلتا الحالتين لا ينطبق ملاكهم في المقام، لأنّ الصلاة لها عنوان واحد، و قد تعلق الأمر بطبيعتها و النّهي بها مقيدة بالحمام، فلا يوجد في المقام عنوانان حتى يكون ملاكا الجواز المذكور منطبقين في المقام.

كما إنّ القائل بالجواز، بالملاك الأول، و هو: إنّ الأمر يتعلق بصرف الوجود، و لا يسري إلى الحصص. و النّهي متعلق بالحصة، و لا يصعد إلى صرف الوجود، فإنّه كذلك، يواجه المشكلة، لأنّ بعض موارد العبادات المكروهة، يكون متعلق الأمر و النّهي فيها طبيعة واحدة، و ذلك كصوم يوم عاشوراء.

و الخلاصة هي: إنّ استدلال القائلين بالجواز باجتماع الوجوب مع الكراهة، ليس إشكالا على القائلين بالامتناع، بل لا بد للقائلين بالجواز من الدفاع أيضا عن أنفسهم، حيث أنّ القائل بالجواز، إنما يقول به مع تعدّد العنوان، لا وحدته، و في العبادات المكروهة، قد تعلّق النّهي بنفس عنوان العبادة، كالصلاة في الحمّام.

و ما أفاده صاحب الكفاية (2) صحيح، بل حتى لو قلنا بالملاك الأول‏

____________

(1) كفاية الأصول- الخراساني ج 1- ص 254- 255.

(2) كفاية الأصول- الخراساني: ج 1 ص 254- 255.

462

للجواز، فإنّه أيضا يرد الإشكال في العبادات المكروهة، لأنّها ليست منحصرة بما إذا كان الأمر بصرف الوجود، بل يشمل موارد الأمر بنحو مطلق الوجود، من قبيل كراهة صوم يوم عاشوراء، فإنّه مستحب لأنّه عبادة مستحبة في كل يوم، مع أنّه مكروه في يوم عاشوراء.

إذن فالإشكال ليس مختصا بالقائلين بالامتناع، كما أنّ ثبوت العبادات المكروهة لا يمكن أن يكون دليلا على الجواز.

ثم إنّ صاحب الكفاية (قده) قسّم البحث في المقام إلى قسمين:

أ- القسم الأول: العبادة المكروهة التي لها بدل «كالصلاة في الحمّام».

ب- القسم الثاني: العبادة المكروهة التي لا بدل لها «كصوم يوم عاشوراء».

أمّا الكلام في القسم الأول: فإنّ القائلين بجواز الاجتماع بالملاك الأول، فهم في فسحة من دفع هذا الإشكال طبقا لمبناهم، حيث لا يرد عليهم، و ذلك لأنّ الأمر قد تعلّق بطبيعي الصلاة، و النّهي قد تعلّق بحصة خاصة، و هي الصلاة في الحمّام.

و كذلك من يقول بالامتناع بملاك الميرزا (قده)، و هو كون المحذور، اجتماع النّهي مع الترخيص في التطبيق، كما عرفت تفصيله، لأنّه لا منافاة بين النّهي عن الصلاة في الحمام، و بين الترخيص في تطبيق المأمور به على الصلاة في الحمّام الذي استفيد من إطلاق دليل «صلّ»، و ذلك لأن هذا النهي كراهيّ، كما هو المفروض، فهو لا ينافي الترخيص بالفعل.

و إنّما يواجه هذا الإشكال من يقول بالجواز بالملاكين الثاني و الثالث، حيث لا ينطبق ملاكهما، باعتبار عدم تعدد العنوان في المقام.

و كذلك يواجه هذا الإشكال من يقول بالامتناع، بملاك أنّ النّهي عن‏

463

الحصة يتنافى مع نفس الأمر المتعلق بصرف الوجود. و هذا الملاك متحقق في المقام لأنّه يقال: إنّ النّهي عن الصلاة في الحمّام، يتنافى مع الأمر المتعلق بطبيعي الصلاة، باعتبار سريانه إلى حصصه، فيجتمع وجوب و كراهة في الصلاة في الحمّام، و هو مستحيل.

و الحاصل: إنّ هذه المشكلة مستحكمة بناء على هذه المذاهب.

و قد حاول صاحب الكفاية (قده) (1) دفع هذا الإشكال بحمل النّهي على الكراهة الإرشادية، إلى قلة الثواب، لا الكراهة المولوية، و وجود حزازة في العبادة، و بذلك يرتفع إشكال اجتماع حكمين متضادين، و ذلك لعدم وجود حكمين حينئذ في البين.

و بيان ذلك كما ذكر في «الكفاية»، هو أن نفترض كون الصلاة لو خليت و طبعها، فإنّها تقتضي، خمس مراتب من المصلحة، و لو عنونت بعنوانها الحسن، كالصلاة في المسجد، لاقتضت ست مراتب. و لو عنونت بعنوانها المكروه لاقتضت أربع مراتب. و يفترض أنّ المولى يريد أربع مراتب على أقل تقدير، فهذه المراتب الأربعة تحفظ في الصلاة في الدار، أو المسجد، أو الحمّام. فالصلاة في أيّ واحد منها، يكون محققا للمأمور به.

و لكن بما أنّ المولى يحرص على إرشاد العبد إلى المراتب العالية، فحينئذ يأمره بالصلاة في المسجد، و هذا أمر مولوي، كما أنّه يحرص من تورطه بما يوجب نقصان المراتب، فينهاه عن الصلاة في الحمّام، و هذا النّهي ليس مولويا، لأنّ النّهي المولوي هو الذي ينشأ عن مفسدة، و هنا لا يوجد مفسدة، غايته أنّه تقل فيه المصلحة. و عليه: فلا نهي مولويّ في المقام، و معه يندفع الإشكال لعدم اجتماع حكمين متضادّين في الصلاة الواقعة في الحمام.

____________

(1) كفاية الأصول- الخراساني: ج 1 ص 256- 257.

464

إلّا أنّ الصحيح هو عدم تماميّة ما ذكره صاحب الكفاية (قده)، و ذلك لأنّه قد فرض أنّه يوجد عندنا بموجب ما ذكره ثلاثة أمور:

أ- الأمر الأول: المقتضي، أي: الصلاة.

ب- الأمر الثاني: المقتضى، و هو المصلحة، أي: المرتبة الخامسة.

ج- الأمر الثالث: المانع، الذي يمنع عن اقتضاء الصلاة لهذه المرتبة الخامسة. و هذا المانع هو الصلاة في الحمّام. و عليه: فيكون حصول هذه المرتبة الخامسة منوطا بعدم كون الصلاة في الحمّام.

و قد تقدم في بحث الضد، أنّ مؤثرية عدم المانع الذي هو أحد أجزاء العلة، ليس بمعنى أنّ عدم المانع يكون مؤثرا في اقتضاء المقتضي لمقتضاه حتى يقال: بأنّ عدم الصلاة في الحمام يؤثر في حصول المرتبة الخامسة، فإنّ هذا مستحيل، لأنّ معناه إنّ المعدوم يؤثر وجودا.

بل معنى مؤثريّة عدم المانع هو: إنّ وجود المانع يؤثر أثرا يمنع عن تأثير المقتضي لمقتضاه، فحينئذ يؤخذ عدمه شرطا في التأثير.

ففي مقامنا مثلا: الصلاة، لو خلّيت و نفسها، تؤثر خمس مراتب، و إيقاعها في الحمام يمنع عن تأثيرها خمس مراتب، بمعنى أنّ كونها في الحمّام يوجب تأثيرها في أربع مراتب، فيكون ذلك مانعا عن تأثيرها في خمس، لأنّ هذه المرتبة مضادة لتلك.

و إلى هنا ثبت أنّ الصلاة في الحمّام تؤدي إلى منقصة، لا إلى مجرد عدم الزيادة، كما ذكر صاحب الكفاية (قده)، لأنّ كونها في الحمّام أوجب حصول مرتبة تزاحم تأثير الصلاة في مرتبتها العالية، فإيقاع الصلاة في الحمّام، أوجب منقصة، فتكون مبغوضة، و هذا يستتبع نهيا مولويا، و بذلك يبطل ما ذكره الآخوند (قده) من عدم استتباع الصلاة في الحمام المنقصة و المبغوضية، و خاصة على مبناه من كون حسن الصلاة ذاتيا و توضيحه:

إنّ صاحب الكفاية يرى أنّ محبوبية الواجب النفسي ذاتية، بمعنى أنّ‏

465

ملاك الصلاة قائم بذات الصلاة، فبناء على ذلك يقال: بأنّ الصلاة لو خلّيت و طبعها تؤثر خمس مراتب من الحسن، و الكون في الحمام يمنع عن المرتبة الخامسة، و عليه: فلا بدّ و أن يفرض أنّ الكون في الحمّام علّة لشي‏ء مبغوض في نفسه، ليقع الكسر و الانكسار بين محبوبيتها الذاتية و مبغوضيّتها، و تكون النتيجة: إنّ الصلاة في الحمّام توجب أربع مراتب فقط. و عليه: فلا بدّ من فرض مبغوضيّة تكون مؤثرة في نقصان المراتب، و لا إشكال أنّ المبغوضية تستتبع نهيا مولويا.

نعم لو قيل: بأنّ محبوبية الصلاة ليست ذاتية، بمعنى أنّ ملاك الصلاة غير قائم بها، و إنّما هو قائم فيما يترتب عليها من مراتب الحسن، فتكون محبوبيّتها غيرية، و معه لا يرد إشكالنا المذكور على صاحب الكفاية (قده) و ذلك لأنّ الكون في الحمام، و إن اقتضى ضدّا يزاحم تأثير الصلاة في خمس مراتب التي هي محبوبة في نفسها، إلّا أنّ هذا الضّد لا يلزم أن يكون مبغوضا لأنّه لا يجب أن يكون ضد ما هو محبوب في نفسه، مبغوضا ليرد الإشكال.

و الصحيح إنّ التحقيق يقتضي ورود الإشكال حتى على هذا المبنى، لأنّه يقال: إنّ المرتبة الخامسة محبوبة، و بناء على أنّ الأمر بالشي‏ء يقتضي النّهي عن ضده العام، كما هو الصحيح، فيكون عدم هذه المرتبة الخامسة مبغوضا، و المفروض أنّ الصلاة في الحمّام علة لعدم هذه المرتبة الخامسة، و علة المبغوض مبغوضة، كما تقدم في مقدمة الواجب، و عليه: فتكون الصلاة في الحمام مبغوضة، و عليه: فلا بدّ أن تستتبع نهيا مولويا، غايته أنّ هذا النهي غيريّ لأنّه مقدميّ.

إلّا أنّ القول بامتناع الاجتماع، لا يفرّق فيه بين أن يكون الأمر و النّهي نفسيّين، أو غيريّين أو مختلفين.

و عليه: فالإشكال وارد حتى على هذه الفرضية، و بهذا يثبت أنّ ما أجاب به صاحب الكفاية عن أصل المشكلة، غير صحيح على مبناه.

466

و الحاصل: إنّ المقصود أنّ ما ذكره صاحب الكفاية (قده)، من عدم كون الصلاة في الحمّام موجبة للمفسدة و المبغوضية، غير تام على مبناه، و معه لا يتم ما ذكره.

و تحقيق الكلام في دفع هذه المشكلة في هذا القسم- و هو العبادة التي لها بدل- أن يقال:

إنّ النهي في قوله «لا تصلّ في الحمام» له عدة ظهورات، و يكون دفع الإشكال برفع اليد عن أحدها:

أ- الظهور الأول، هو: ظهور النّهي في كونه مولويا، بمعنى أنّه بداعي الزجر حقيقة، و حينئذ نحمل هذا النّهي على الإرشاد، فيكون بمثابة جملة خبرية يخبر فيها من يريد الصلاة، أنّ الصلاة في الحمّام أقل مرتبة من غيرها، و هذا الإرشاد قد يكون إرشادا إلى نقصان في الصلاة في الحمام، و مبغوضية لها، و بعد الكسر و الانكسار بين هذه المبغوضيّة و محبوبيّة الصلاة ينتج أربع مراتب، و قد يكون إرشادا إلى أنّها أقل مرتبة بناء على المبنى الآخر في تأثير عدم المانع، كما عرفت.

و على أيّ حال: يمكن حمل هذا النّهي على الإرشاد بأحد هذين المعنيين، و معه لا يلزم اجتماع حكمين متضادّين، كما ذكر في تقريب صاحب الكفاية.

و قد عرفت فيما سبق، إنّ إشكالنا على تقريب صاحب الكفاية (قده)، إنّما هو على مبناه، و إلّا فهو صحيح، و به يرتفع الإشكال.

ب- الظهور الثاني: هو: إن قوله «لا تصلّ في الحمّام» ظاهر في أنّ متعلقه الحصة الخاصة، أي: المقيّد، و هو الصلاة في الحمّام و ليس متعلقا بنفس خصوصية الحصة: أي: بالتقييد، و هو كون الصلاة في الحمّام، حينئذ نقول:

467

لو قطعنا النظر عن رفع اليد عن الظهور الأول، و سلّمنا أنّ النّهي مولويّ، فهنا بالإمكان دفع الإشكال، و ذلك برفع اليد عن هذا الظهور الثاني فنقول: إنّ متعلق النّهي هو خصوصية الحصة، فيكون المنهي عنه التواجد في الحمام حين الصلاة، و متعلق الأمر هو ذات الصلاة، فلم يلزم اجتماع حكمين متضادّين.

ج- الظهور الثالث، هو: إنّ قوله: «لا تصلّ في الحمّام» الظاهر في النّهي المولويّ، و المتعلق بالحصة الخاصة، ظاهر في أن هذا النّهي ناشئ من مبادئ فعلية، لا اقتضائية مغلوبة، و مندكّة.

و حينئذ فلو قطعنا النظر عن رفع اليد عن الظهورين السابقين، فبالإمكان رفع اليد عن هذا الظهور الثالث، و بذلك يندفع الإشكال.

و توضيح ذلك: إنّه يوجد مصلحة في طبيعي الصلاة، كما أنّه يوجد مفسدة في الصلاة في الحمّام، و هذه المفسدة بمقدار تعلقها الضمني بالكون في الحمّام، لا يقع التنافي بينها و بين تلك المصلحة، لأنّ الكون في الحمّام لم يكن متعلقا بالأمر، و لكن هذه المفسدة بمقدار تعلقها الضمني بالصلاة الواقعة في الحمّام، تكون مزاحمة لتلك المصلحة لأنّ هذه الصلاة الواقعة في الحمّام، وقعت متعلقا للأمر، و لذا حكمنا بصحتها، فمن هنا حصل التنافي لاجتماع المصلحة، و المفسدة في الصلاة الواقعة في الحمّام‏

الّا أنّ المفروض أنّ المصلحة فيها أقوى من المفسدة، و لهذا حكم بصحتها.

و عليه: فهذه المفسدة بمقدار تعلقها بالصلاة، تكون مغلوبة و مندكّة، و بمقدار تعلقها في الكون في الحمّام، لا تكون مغلوبة، بل تكون فعلية.

و المولى يترقب منه أن يجعل حكما على طبق هذه المفسدة المغلوبة من جهة، و الفعلية من جهة أخرى.

468

و بما أنّ الأحكام الشرعية تابعة للمصالح الفعلية و الغالبة، لا للمصالح الاقتضائية المغلوبة، فيكون المترقب من المولى أن يجعل النّهي على نفس الكون في الحمّام، لا على الصلاة فيه، و هذا هو ما ذكرناه من كون ظاهر النّهي المولوي ناشئا عن مبادئ فعلية، لا اقتضائية مغلوبة و مندكة، و الوجه في ذلك، هو: إنّ المقتضي لجعل النّهي موجودا و المانع مفقودا، هو إمّا وجود المقتضي باعتبار أنّ ملاك النّهي موجود فيها، لو خلّي هذا الفعل و نفسه، و إمّا فقدان المانع، فلأنّ المانع المتصور في المقام هو أنّه إذا جعل نهي على طبق هذه المفسدة المغلوبة بأن نهى المولى عن الصلاة في الحمّام، للزم من ذلك تضييع المصلحة الغالبة الموجودة في هذه الصلاة حسب الفرض.

إلّا أنّ الصحيح: أنّ هذا المحذور لا يلزم، فيمكن أن يجعل المولى نهيا على هذه الصلاة مع عدم تضييع المصلحة الغالبة، و ذلك لأنّ الأمر بالصلاة تعلق بالجامع بين الصلاة في الحمّام و غيرها، و النّهي يجعل حسب الفرض، على خصوص الصلاة في الحمّام، و يمكن للمكلف عدم تضييع المصلحة، و اجتناب المفسدة المغلوبة، و ذلك بالصلاة خارج الحمّام.

و لا شك أنّ تحصيل المصلحة مع اجتناب المفسدة المغلوبة، أحسن عند المولى من تحصيل المصلحة مع المفسدة المغلوبة الناشئة من الصلاة في الحمّام، فيجعل المولى نهيا عن الصلاة في الحمّام، لتحصيل المصلحة، مع اجتناب المفسدة المغلوبة.

و بهذا يرتفع الإشكال، لأنّ مبادئ الأمر المتعلّق بطبيعي الصلاة، فعليّة، إلّا أنّ مبادئ النّهي المتعلق بالصلاة في الحمّام، ليست فعلية، لأنّها مغلوبة كما عرفت، و إذا اختلفت المبادئ من هذه الجهة، لا يبقى تضاد بين الحكمين، فهذا تصرف في ظهور النّهي الثالث، أعني: كونه ظاهرا في أنّه ناشئ من مبادئ فعلية، و حمله على أنّه ناشئ من مبادئ اقتضائيّة مغلوبة، و بهذا يرتفع الإشكال.

469

هذا تمام الكلام في القسم الأول، و هو العبادة المكروهة، و التي لها بدل.

و أمّا القسم الثاني، و هو: العبادة المكروهة التي لا بدل لها، «كصوم يوم عاشوراء» على القول بكراهته، فهنا تمام متعلق الأمر هو متعلق النهي، و هنا يكون الإشكال المذكور في القسم الأول أقوى، حيث أنّ ما ذكرناه من الأجوبة في القسم الأول لا تأتي هنا.

و أمّا عدم تأتي الجواب الأول: فلأنّ المفروض أنّه لا بدل لصوم عاشوراء ليرشد المولى إليه.

و أمّا عدم تأتي الجواب الثاني: فلأنّه يستحيل حمل النّهي على أنّه متعلق بالخصوصيّة، لأنّ ذات هذا الفرد من الصوم الذي هو متعلق للأمر، ملازم مع تلك الخصوصية، فلو تعلّق النهي بتلك الخصوصية للزم التكليف بما لا يطاق.

و أمّا تأتي الجواب الثالث، و هو: رفع اليد عن ظهور النهي في كونه ناشئا من مبادئ فعلية، فلأنّ عدم ملاك النّهي إن فرض كونه غالبا، لزم أن تكون مبغوضية صوم عاشوراء أشدّ من محبوبيّته، فإذا قدم الغالب يكون الصوم مبغوضا بالفعل، و معه لا يمكن التقرب به ليقع صحيحا. و إن فرض أنّ ملاك النّهي كان مغلوبا، فحينئذ لا يستتبع نهيا، و لا يقاس بما قيل في القسم الأول، لأنّه إن استتبع نهيا في المقام، لزم من ذلك تضييع الملاك الغالب، لأنّ كليهما في مصب واحد، بخلاف القسم السابق كما عرفت، و من هنا كان الإشكال في هذا القسم أقوى.

ثم إنّ المحقق الخراساني (قده) (1) تصدى لدفع هذا الإشكال بما حاصله: إنّنا نسلّم كون الكراهة متعلقة بصوم عاشوراء، إلّا أنّ النّهي عن هذا الصوم، لم ينشأ عن مبغوضية هذا الصوم، ليقع باطلا، بل نشأ عن‏

____________

(1) كفاية الأصول- الخراساني: ج 1- ص 257- 259.

470

مصلحة في تركه، فيرجع النّهي في المقام إلى طلب الترك، لا إلى الزّجر عن الفعل، و معه لا مانع أن يفرض بقاء الصوم على مصلحته، غايته، يقع التزاحم بين ملاك المحبوبية في الفعل، و ملاك المحبوبية في ترك هذا الفعل. و حيث أنّ محبوبية الترك أقوى فيقدّم، و هذا يقتضي النّهي، بمعنى طلب الترك، و بذلك يكون طلب الترك فعليا.

و أمّا طلب الفعل فلا يكون فعليا، لأنّه مغلوب، فيسقط الأمر بالفعل خطابا، إلّا أنّه يبقى ملاكا كما هو الحال في سائر موارد التزاحم.

و عليه: فيمكن تصحيح هذا الصوم بالملاك بلا حاجة للأمر، و معه يرتفع الإشكال لعدم لزوم اجتماع حكمين متضادّين، باعتبار سقوط الأمر كما عرفت.

إلّا أنّ الميرزا (قده) (1) أشكل على ما ذكره الخراساني (قده) بما حاصله:

إنّ التزاحم لا يعقل أن يكون بين استحباب صوم عاشوراء، و بين استحباب تركه، لأنّ هذين من الضدّين اللّذين لا ثالث بينهما، فهما من المتناقضين، و في مثله لا يعقل التزاحم، لأنّ فرض التزاحم هو فرض ثبوت جعلين، حينئذ يقال: إنّه إن وجد ملاكان للاستحباب في الفعل و الترك:

فإن كان أحدهما أقوى، تعيّن جعل الحكم على طبق الأقوى.

و إن تساويا، فلا حكم أصلا، لأنّ جعله عليهما معا غير معقول، لا تعيينا، و لا تخييرا.

أمّا الأول: فلاستحالة الجمع بين الفعل و الترك، فيكون تكليفا بغير المقدور.

____________

(1) فوائد الأصول- الكاظمي: ج 1 ص 272- 273.

471

و أمّا الثاني: فلأنّ وقوع أحدهما قهريّ، و معه لا حاجة لجعل حكم تخييريّ بينهما.

نعم التزاحم يعقل بين الضدّين اللّذين لهما ثالث، كالصلاة و الإزالة كما مرّ تفصيله في محله.

لكن السيد الخوئي (قده)، (1) حاول دفع هذا الإشكال عن صاحب الكفاية (قده)، و صوّر إمكان التزاحم في المقام، فذكر أنّ مقامنا من قبيل الضدّين اللّذين لهما ثالث، و معه يعقل وقوع التزاحم، فإنّه ليس المقصود من المتناقضين، المتناقضين في اصطلاح الفلاسفة، بل المقصود بهما هو كل شيئين لا ثالث لهما، كما أنّ المقصود بالضدّين، كل شيئين لهما ثالث.

و مقامنا من قبيل الضدّين، لأنّ لهما ثالث، و ذلك لأنّ المأمور به في محل الكلام، ليس مطلق الصوم في عاشوراء، بل حصة خاصة منه، و هو الصوم القربي. و عليه: فيكون عندنا ثلاثة أطراف:

أ- الصوم القربي.

ب- الصوم بلا قربة.

ج- و ترك الصوم.

و حينئذ، ففي موارد التزاحم بين فعل الصوم القربى، و ترك الصوم، إذا تساويا يمكن جعل حكم بينهما على نحو التخيير، و لا يرجع ذلك إلى طلب الحاصل، بدعوى أنّ وقوع أحدهما قهريّ، و ذلك باعتبار أنّه يمكن عصيانهما معا، و ذلك باختيار الضد الثالث و هو الصوم، لا بقصد القربة، و عليه: فما ذكره الميرزا (قده) من عدم إمكان فرض التزاحم بين فعل الصوم في عاشوراء، و بين تركه، غير صحيح.

____________

(1) اجود التقريرات- الخوئي: ج 1 ص 364- 365.

472

و لكن التحقيق في المقام هو أن يقال: بأنّ الميرزا (قده) تخيّل أنّ مقصود صاحب الكفاية (قده) من التزاحم، هو التزاحم الحقيقي في عالم الامتثال.

و مثل هذا التزاحم يستدعي جعلين، و حينئذ، فيتوجه إشكال الميرزا (قده) بالنحو الذي عرفت.

ثم إنّ السيد الخوئي (قده)، (1) مشى على فهم الميرزا (قده).

و من هنا حاول دفع الإشكال عن الآخوند (قده) بناء على كون المقصود هو التزاحم الحقيقي.

إلّا أنّ الصحيح أنّه ليس مقصود صاحب الكفاية (قده) من التزاحم الحقيقي، بل مقصوده، التزاحم الملاكي الذي يستلزم جعلا واحدا على طبق الملاك الأقوى، فإنّ صاحب الكفاية (قده) يريد أن يقول: بأنّه يوجد عندنا محبوبان: أحدهما صوم عاشوراء، و الثاني ترك هذا الصوم.

و بما أنّ ملاك الترك أقوى، لذا جعل الحكم على طبقه دون الطرف الآخر، و هو الفعل، إلّا أنّ الفعل يبقى ملاكه محفوظا في نفسه، فيتقرب بالفعل بواسطة ملاكه.

إذن فلا يوجد عندنا جعلان، كي يرد إشكال الميرزا (قده).

ثم إنه لو سلّم أنّ مقصود صاحب الكفاية (قده)، من التزاحم، هو التزاحم الحقيقي، لا الملاكي، فحينئذ يتوجه إشكال الميرزا (قده)، و ما ذكره السيد الخوئي دفعا لإشكال الميرزا (قده)، غير تام.

و قد أشرنا سابقا إلى الوجه في ذلك بما ملخصه:

إنّه كما في الأوامر الوجوبية يكون الأمر مقيدا لبّا- كما برهنّا عليه‏

____________

(1) أجود التقريرات- الخوئي: ج 1 ص 364- 365.

473

سابقا بعدم الاشتغال بضد واجب مساو أو أهم، كذلك في الأوامر الاستحبابية، يكون الأمر الاستحبابي مقيدا لبّا بعدم الاشتغال بمستحب آخر مضاد مساو أو أهم.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ الأمر بصوم عاشوراء، لا بدّ أن يؤخذ في موضوعه عدم الاشتغال بمستحب آخر مضاد مساو، أو أهم، و هو هنا ترك هذا الصوم، لأنّ المفروض أنّ الترك مستحب أهم، و حينئذ فيكون عدم الترك مأخوذا في موضوع الأمر بصوم عاشوراء، و عدم الترك هو الفعل، فكأنه أخذ الفعل، و هو صوم عاشوراء، في موضوع الأمر بصوم عاشوراء، فيرجع مثل هذا إلى قوله: إذا صمت، فصم بقصد القربة.

و هذا غير معقول، لأنّه قد فرض أنّ وقوع الفعل في مرتبة سابقة على الأمر، و أنّ الأمر في طول وقوع الفعل، و الأمر الذي يكون في طول وقوع الفعل، يستحيل أن يكون محركا نحو ذلك الفعل، إذن فمثل هذا الأمر لا معنى له، و معه لا يبقى أمر بالصوم ليؤتى به بقصد القربة.

و عليه: فيقع الصوم باطلا.

و بهذا يثبت أنّ تطبيق التزاحم الحقيقي في المقام غير تام.

و الخلاصة: إنّ السيد الخوئي (قده) (1) حاول دفع اعتراض الميرزا (قده) على صاحب الكفاية (قده) بما حاصله: إنّ المقام ليس من النقيضين أو الضدّين اللّذين لا ثالث لهما، بل من الضدّين اللّذين لهما ثالث، إذ توجد عندنا ثلاثة أمور، هي: الصوم بقصد القربة، و الإمساك من دون قصد الصوم و القربة، و عدم الإمساك أصلا. و العبادة، هي الأمر الأول، و المصلحة الأقوى في الأمر الثالث، و يمكن التزاحم بينهما لإمكان تركهما، و ذلك بإتيان الفعل مجردا عن قصد القربة.

____________

(1) أجود التقريرات- الخوئي: ج 1 ص 364- 365.

474

و دفع السيد الخوئي لإشكال الميرزا (قده) غير تام كما عرفت، لأنّ الأمر بالصوم يوم عاشوراء، ككل أمر ترتّبي، في مقام التزاحم، لا بدّ و أن يكون مشروطا بترك الاشتغال بالأهم، أو المساوي، و هو في المقام ترك الصوم، الذي هو فعل الصوم.

إذن فيرجع هنا، الأمر بالصوم، إلى الأمر بقصد القربة على تقدير الصوم.

و هذا غير معقول، لأنّ الأمر بشي‏ء يستحيل أن يكون محركا نحو متعلقه، مشروطا بتحقق متعلقه، إذ لا يراد بقصد القربة إلّا محركية الأمر و داعويته، و في طول وقوع الشي‏ء خارجا، لا يعقل داعويّة الأمر نحوه.

و قد عرفت أنّ مقصود صاحب الكفاية من التزاحم في المقام، إنما هو التزاحم الملاكي، لا التزاحم الامتثالي، و الأمر الترتبي.

و حيث أنّ التزاحم الملاكي يقتضي ثبوت الملاك الأقوى، و هو هنا ملاك الأمر، و إن سقط خطابه، و هذا لا يستلزم إلّا جعلا واحدا على طبق هذا الملاك. حينئذ أراد صاحب الكفاية (قده) تصحيح العبادة المكروهة على أساس ذلك، حيث جعل الحكم على طبق ملاك الترك الذي هو أقوى، و بقي ملاك الفعل محفوظا في نفسه، و حينئذ يمكن التقرب بالفعل بواسطة ملاكه.

و عليه: فلا يوجد هنا جعلان كي يرد إشكال الميرزا (قده).

ثم إنّه قد يورد على ما ذكره في الكفاية، بأنه حتى لو فرض أنّ التزاحم بين فعل صوم يوم عاشوراء و تركه، كان تزاحما ملاكيا، فلا يمكن الحكم بصحة الصوم من باب التقرب بملاكه، و ذلك لأنّه بناء على أنّ الأمر بشي‏ء يقتضي النّهي عن ضده العام، سوف يكون الأمر المتعلق بترك هذا الصوم مقتضيا للنّهي عن هذا الصوم، و هذا يوجب مبغوضيته، و معه يستحيل وقوعه عباديا.

475

و بهذا يبدو الفرق بين التزاحم الملاكي، بين ملاكي النقيضين، كما في محل الكلام، و بين التزاحم الملاكي بين ملاكي الضدّين كما في الإزالة و الصلاة، حيث أنّ هذا الإشكال لا يرد باعتبار أنّ الأمر بالشي‏ء لا يقتضي النّهي عن ضده الخاص، و هو محل كلام. إلّا أنّ هذا الإشكال غير صحيح، و يجاب عنه بعدة أجوبة:

1- الجواب الأول: إنّ مثل هذا النّهي عن الصوم الذي اقتضاه الأمر بالصوم، إنّما هو نهي غيريّ، و هو لا يوجب البطلان، كما حقّق في محله.

2- الجواب الثاني، هو: إنّ المصلحة الاستحبابية الغالية، لم تكن متعلقة بالترك بعنوانه، بل هي متعلقة بعنوان منطبق على الترك، كما فرض صاحب الكفاية (قده) في كلامه.

و بذلك يندفع الإشكال، لأنّ الأمر يكون متعلقا بذلك العنوان المطبق على الترك، و لنفرضه عنوان مخالفة بني أميّة، باعتبار أنّ بني أميّة صاموا يوم عاشوراء فرحا، و حينئذ فمثل هذا الأمر يستدعي النّهي عن نقيض هذا العنوان و هو عدم مخالفة بني أميّة.

و بذلك يثبت أنّه لا نهي عن نفس الصوم.

و عليه فهذا الإشكال لا يرد على صاحب الكفاية (قده) هو أن يقال: إنّ الإتيان بصوم عاشوراء، بداع إلهي، هو أمر غير معقول، لأنّ معنى الإتيان بالفعل كذلك، هو إنّ الله تعالى هو الدافع إلى ترجيح الفعل على الترك، و في مثله يمكن التقرب بالفعل.

إلّا أنّ المفروض في مقامنا، أنّ ترك صوم عاشوراء أفضل من صومه.

و معه لا يعقل أن يكون الله تعالى داعيا إلى ترجيح فعله على تركه.

و من هنا لا يمكن الإتيان بالصوم بداع إلهي، إذن فما ذكره صاحب الكفاية (قده) من أنّه يتقرب بصوم عاشوراء بواسطة ملاكه، غير صحيح.

476

و لا يقاس ذلك على مورد تزاحم الصلاة مع الإزالة، بداع إلهي، مع أنّ الإزالة أهم، لأنّنا نقول: إنّ المقصود من الداعي الإلهي، هو أن يكون المولى هو الدافع إلى أنّ الفعل أولى من الترك، و هنا فعل الصلاة أولى من ترك الصلاة في نظر المولى على تقدير ترك الإزالة و عصيانها.

و الحاصل: إنّ تصحيح الصوم بناء على ما ذكره في الكفاية من التقرب بملاكه، غير صحيح، لأنّه لا معنى لمثل هذا التقرب، و لا للإتيان بالفعل بداع إلهي، كما عرفت.

فالتحقيق في مقام دفع الإشكال بالنسبة للعبادات المكروهة التي لا بدل لها، هو في حمل النواهي الواردة في المقام على الإرشاد، بمعنى أنّ المكلّف حسب العادة الجارية، لا يصوم الدهر كله، و إنّما يصوم استحبابا بعض الأيام، و حينئذ فيرشده المولى إلى تطبيق هذه الأيام التي يريد صومها استحبابا على غير يوم عاشوراء.

و بذلك يندفع الإشكال، لأنّه لا نهي مولوي ليلزم من ذلك اجتماع الحكمين المتضادّين كما هو لسان الإشكال.

و لا يخفى أنّ هذا الإرشاد هو غير الإرشاد الذي حملت عليه النواهي في القسم الأول من العبادات المكروهة.

و من هنا، فلا يرد الإشكال على قولنا، من أنّ جميع الأجوبة التي ذكرت في القسم الأول، لا تأتي هنا في القسم الثاني، لأنّ الإرشاد السابق قصد به الإرشاد إلى بقيّة الأفراد، و هذا لا يأتي في المقام، لأنّ الصوم لا بدل له ليرشد إليه، و إنما المقصود بالإرشاد هنا، الإرشاد إلى التطبيق، كما عرفت.

*- التنبيه التاسع هو فيما إذا فرض كون الحرمة ساقطة أو مترقبة السقوط بقطع النظر عن الأمر

، و إنما سقوطها أو ترقبه بسبب طرو الاضطرار لإيقاع الحرام، كما

477

لو ألزم المكلّف بالتّوضّي بالماء المغصوب، و ألزم بإراقة الماء المغصوب على أعضائه، بحيث لا يكون في إراقته على أعضاء الوضوء غصب زائد على الغصب الحاصل من إراقته على بقيّة الأعضاء، ففي مثل ذلك تسقط الحرمة عن مادة الاجتماع، باعتبار الاضطرار.

و هذا الكلام لا كلام فيه، و إنّما الكلام في مادة الاجتماع من ناحية الأمر، و أنّه هل يثبت الأمر في مادة الاجتماع بعد سقوط الحرمة؟ أو إنّه لا يثبت؟ و ذلك بعد الفراغ عن القول بامتناع اجتماع الأمر و النّهي.

بينما كان الكلام في غير هذا التنبيه في مادة الاجتماع، و التي يفرض فيها كون الحرمة ثابتة، بقطع النظر عن الأمر، بمعنى أنّه لا يوجد ما يترقّب مانعيّته عن الحرمة سوى الأمر، و إلّا فلو لا الأمر لكانت الحرمة فعليّة، و لذا كنّا نبحث هناك أنّ الأمر هل ينافي ثبوت الحرمة، و هو معنى القول بالامتناع، أو إنّه لا ينافي ثبوتها، و هو معنى القول بالجواز، بينما الكلام في هذا التنبيه، كما عرفت.

و تفصيل الكلام فيه يقع في مقامين، لأنّه تارة يكون الاضطرار بغير اختياره، و أخرى يكون الاضطرار باختياره.

1- المقام الأول، و هو: فيما إذ حدث الاضطرار بغير اختياره.

و الكلام في هذا المقام، تارة يقع في الكبرى، أي: في حكم مادة الاجتماع، و أخرى في الصغرى، أي: في الأمثلة التي تكون مصداقا لهذه الكبرى.

أمّا الكلام في الكبرى: أي: في حكم مادة الاجتماع: فلا إشكال من ناحية الحكم التكليفي، لأنّ الحرمة تسقط بالاضطرار كما عرفت و ستعرف عند البحث في حديث الرفع.

و إنما الكلام في الحكم الوضعي، و هو: إنّه بعد سقوط الحرمة عند الوضوء بالماء المغصوب، هل يكون إطلاق دليل الأمر بالوضوء، شاملا

478

لمثل هذا الوضوء، بحيث يقع هذا الوضوء بالمغصوب مصداقا للواجب و يكون صحيحا، أو إنّه لا يشمله، فيقع فاسدا؟

ذهب المشهور إلى أنّ إطلاق دليل الأمر، شامل له لوجود المقتضي و عدم المانع.

أمّا وجود المقتضي، فلأنّ الأمر بالوضوء مطلق لم يقيّد بعدم كون الوضوء بماء الغير.

و أمّا عدم المانع، فلأنّ المانع عن فعليّة هذا المقتضي هو الحرمة، و قد سقطت بالاضطرار.

و من هنا فرّق المشهور بين قسمين من المانعية:

أ- القسم الأول من المانعية، هو: المانعيّة المتحصلة من الحرمة التكليفية كما في المقام، فإنّ الوضوء قيّد بأن لا يكون بماء مغصوب، فالغصبية مانعة عن صحة الوضوء، و هذه المانعيّة لم يدل عليها دليل مباشرة، و إنما استفيدت بلحاظ دليل حرمة الغصب، بضم برهان القول بالامتناع.

إذن فهذه مانعيّة استفيدت بلحاظ دليل الحرمة التكليفية.

ب- القسم الثاني من المانعيّة، هي: المانعيّة المستفادة من النّهي الإرشاديّ ابتداء، من قبيل، «لا تصلّ فيما لا يؤكل لحمه»، فإنّ هذا النّهي مسوق ابتداء لإفادة مانعيّة لباس ما لا يؤكل لحمه عن صحة الصلاة، و ليس مفاده الحرمة.

فهذان قسمان من المانعيّة.

و قد فرّق المشهور بينهما، فقالوا: إنّ كل مانعيّة تكون من قبيل القسم الأول، أي: مستفادة بلحاظ الحرمة التكليفية، فمثل هذه المانعية ترتفع بارتفاع الحرمة، لأنّها نتجت عنها. و كل مانعيّة تكون من قبيل القسم الثاني،

479

فلا ترتفع بالاضطرار إلى ارتكاب نفس المانع، كما لو أضطر المكلف إلى لبس «ما لا يؤكل لحمه طوال النهار»، و ذلك لأنّ قوله، «لا تصلّ فيما لا يؤكل لحمه»، ليس مفاده الحرمة لترتفع المانعية بارتفاع الحرمة، و إنّما مفاده المانعيّة، و المانعية يمكن انحفاظها حتى مع الاضطرار. و عليه:

فيتمسك بإطلاق دليل المانعيّة لإثبات مانعيّة «لبس ما لا يؤكل لحمه» عن صحة الصلاة، حتى في حالة الاضطرار إلى لبسه.

و نتيجة ذلك: سقوط الأمر بالصلاة المقيّد بعدم هذا المانع.

نعم إذا وجد دليل خاص على ثبوت أمر بالصلاة، مع وجود هذا المانع، فإنّه حينئذ يلتزم به، كما وجد ذلك الدليل الخاص بالنسبة للصلاة التي لا تسقط بحال، و إن كان هذا الالتزام على خلاف القاعدة، إلّا أنّه لا بدّ من مراعاة الدّليل الخاص.

و قد خالف المحقق النائيني (قده) (1) هذا المشهور، في هذه التفرقة بين المانعيّة في كل من القسمين، و ذهب إلى أنّ حال المانعيّة في القسمين واحد، و هو عدم ارتفاع المانعيّة بطرو الاضطرار إلى ارتكاب المانع، و يقرب ذلك بتقريبين:

1- التقريب الأول، هو: المستفاد من كلام الميرزا (قده) كما ذكره السيد الخوئي (قده) (2) في التقريرات و حاصله:

إنّ سقوط الحرمة لا يوجب ارتفاع المانعيّة، كما ذكره المشهور، لأنّ النّهي التكليفي عن الغصب يكون علة لأمرين في رتبة واحدة، و هذان الأمران ضدان: أحدهما الحرمة، و الثاني: عدم الوجوب، أي: المانعيّة عن كونه واجبا، و عن شمول دليل الواجب له. و قد عرفت في بحث الضدّ، أنّ وجود أحد الضدّين في مرتبة عدم ضده الآخر.

____________

(1) فوائد الأصول- الكاظمي: ج 1 ص 273- 274.

(2) أجود التقريرات- الخوئي: ج 1- ص 371- 372.

480

و حينئذ، فهذه العلة، و هي النّهي، إذا وجد ما يمنعها عن إيجاد معلولها الأول و هو الحرمة، فلا يعني ذلك عدم تأثيرها في إيجاد معلولها الثاني، و هو المانعيّة.

و عليه فالمانعيّة تكون ثابتة و إن سقطت الحرمة، كما تكون المانعيّة من القسم الثاني ثابتة بعد الاضطرار إلى ارتكاب نفس المانع.

ثم إنّ السيد الخوئي (قده) (1) اعترض على الميرزا (قده) باعتراضين:

1- الاعتراض الأول، هو: إنّ مقصود الميرزا (قده) من كون النّهي علة للحرمة و لعدم الوجوب، أي: إن المانعيّة هو العليّة بحسب مقام الإثبات و الكشف، لا بحسب مقام الثبوت، و ذلك لأنّه في عالم الثبوت يكون النّهي ناشئا عن الحرمة، فكيف يكون علة لها.

و عليه: فعلّيّة النّهي للحرمة و المانعيّة، إنّما هو بحسب عالم الإثبات و الكشف، بمعنى أنّ النّهي يكون كاشفا عن الحرمة و المانعية.

و من هنا يرد الاعتراض على الميرزا (قده) بما حاصله: إنّ النهي لا يكون كاشفا عن الحرمة و المانعيّة في عرض واحد، لأنّ الحرمة مدلول مطابقيّ للنّهي، و المانعيّة مدلول التزاميّ له.

و من الواضح أنّ كشف الكلام عن مدلوله المطابقيّ، أسبق رتبة من كشفه عن مدلوله الالتزاميّ.

و ما ذكر برهانا في بحث الضدّ، من أنّ وجود أحد الضدّين مع عدم ضده الآخر، معلولان في رتبة واحدة، إنّما هو بحسب مقام الثبوت، لا الإثبات كما هو نظر الميرزا (قده).

إذن فلا يمكن أن يثبت مقصود الميرزا (قده) بذلك البرهان من عرضية المدلولين.

____________

(1) أجود التقريرات الخوئي: ج 1 ص 371- 372.

481

2- الاعتراض الثاني، هو: إنّ النّهي له دلالتان:

دلالة مطابقية على الحرمة، و دلالة التزامية على المانعيّة، فإذ سقطت الأولى، سقطت الثانية تبعا لها، لأنّها تابعة لها في الحجية، كما هي تابعة لها في الوجود.

و قد تقدم الكلام في ذلك.

و هذا إشكال مبنائي من السيد الخوئي (قده) و لنا على ما ذكره الخوئي (قده) تعليقان:

1- التعليق الأول، هو: إنّه لو كان مقصود الميرزا (قده) من كون ثبوت الحرمة و عدم الوجوب، أي: المانعية، في عرض واحد- هو العرضيّة- بحسب مقام الإثبات و الكشف، لكان الاعتراض الأول واردا عليه، كما ذكره السيد الخوئي (قده).

إلّا أنّه أكبر الظن، أنّ مقصوده من العرضية، هو العرضية في مقام الثبوت.

و الذي أوهم السيد الخوئي، ففهم أنّ مقصود العرضية في كلام الميرزا (قده)، هو العرضيّة في مقام الإثبات، إنما هو تعبير الميرزا (قده) بأنّ «النّهي علة للحرمة».

و من المعلوم أنّ النّهي بحسب مقام الثبوت، ليس علة للحرمة، بل العكس هو الصحيح.

فمن هنا حمل السيد الخوئي (قده) مقصود الميرزا (قده) على العليّة بمعنى الكشف، و اعترض على ذلك.

إلّا أنّ أكبر الظن كما عرفت، أنّ مقصود الميرزا (قده) هو العرضيّة في مقام الإثبات.

و التعبير بعليّة النّهي للحرمة فيه مسامحة، بدليل ما جاء في (فوائد

482

الأصول) تقريرا لبحث الميرزا (قده) (1)، حيث عبّر بأنّ الملاك علة للحرمة و المانعيّة في عرض واحد.

و هذا صحيح لا إشكال فيه، فإنّ الملاك ثبوتا علة لهذين الأمرين في رتبة واحدة بالبرهان المتقدم في بحث الضد، على أنّ وجود أحد الضدّين و عدم ضده الآخر، معلولان في رتبة واحدة.

إذن فالاعتراض الأول لا يكون واردا على الميرزا (قده).

نعم يبقى الاعتراض الثاني واردا، لأنّ الملاك، و إن كان علة للحرمة و المانعيّة في عرض واحد، إلّا أنّ الدليل على ثبوت ملاك الحرمة هو النّهي، فإنّ خطاب «لا تغصب» يدل بالمطابقة على الحرمة، و بالالتزام على ثبوت ملاكها، و إذا سقط المدلول المطابقيّ بالاضطرار، يسقط حينئذ المدلول الالتزاميّ حجة، كما يسقط وجودا، و إذا سقط المدلول الالتزاميّ، لم يبق دليل على ثبوت الملاك، و مع عدم الملاك ينتفي موضوع كلام الميرزا (قده) كما هو واضح، حيث أنّ الملاك الذي هو علة للأمرين لم يثبت ليقال: إنّ هذه العلة إذا لم تؤثر في معلولها الأول، فلا مانع من تأثيرها في معلولها الثاني.

2- التعليق الثاني، و هو: تعليق على منهجة اعتراض السيد الخوئي (قده) و حاصله: إنّه كيف أمكن للسيد الخوئي تصوير اعتراضين؟ فإنّ الميرزا (قده)، إن قصد من العرضيّة، العرضيّة بحسب مقام الكشف، فيتم ما اعترض به السيد الخوئي (قده) أولا دون الثاني:

لأنّه إن صحّ كون كشف النّهي عن الحرمة و المانعية في عرض واحد، فلا يكون أحدهما تابعا للآخر وجودا، أو حجة، ليتوجه الاعتراض الثاني.

و أمّا إذا كان مقصود الميرزا (قده) من العرضية هو ما ذكرناه، أعني‏

____________

(1) فوائد الأصول- الكاظمي: ج 1 ص 274.

483

العرضية ثبوتا، فالاعتراض الأول لا يتوجه، و إنّما الذي يتوجه هو الاعتراض الثاني.

و الحاصل: إنّه لا يمكن تسجيل هذين الاعتراضين معا على كلام الميرزا (قده).

لأنّه لو كان نظر الميرزا (قده) في العرضيّة إلى عالم الإثبات كما افترض في الاعتراض الأول، إذن فكيف يربط البحث بباب الدلالة الالتزاميّة و طوليتها للدلالة المطابقية.

و إن فرض أنّ النظر إلى عالم الثبوت، فكيف يورد على الميرزا (قده) بالاعتراض الأول؟ بل حتى الإيراد الثاني لا يصح إلّا مبنائيا، إذ إنّ الميرزا (قده) من القائلين بعدم الطوليّة بين الدلالتين في الحجية.

و التحقيق: إنّ كلام الميرزا (قده) في هذا التقريب مبنيّ على مقدمتين:

1- المقدمة الأولى، هي: إنّ ملاك الحرمة ثابت بالدلالة الالتزامية بناء على مبناه من عدم تبعية الدلالة الالتزاميّة للدلالة المطابقيّة في الحجية، فسقوط الدلالة المطابقيّة لخطاب «لا تغصب» على الحرمة عن الحجيّة، لا يوجب سقوط دلالته الالتزاميّة على الملاك، و بهذا يثبت أنّ ملاك الحرمة موجود.

2- المقدمة الثانية: هي: إنّه إذا ثبت وجود ملاك الحرمة، فهذا الملاك يكون علة لأمرين في عرض واحد، و هما: الحرمة، و عدم الوجوب، أعني المانعيّة، فإذا وجد ما يمنع هذه العلة عن تأثيرها في معلولها الأول، فلا مانع عن تأثيرها في معلولها الثاني.

و على حاصل هاتين المقدمتين بنى الميرزا (قده) كلامه.

و يرد على ما ذكره الميرزا (قده) اعتراضات ثلاثة:

1- الاعتراض الأول: و هو مختص بالمقدمة الأولى، و هو مبنائي،

484

و هو عبارة عن الاعتراض الثاني للسيد الخوئي (قده)، و هو: إنّه لا يمكن إثبات الملاك بالدلالة الالتزاميّة بعد سقوط الدلالة المطابقيّة عن الحجيّة، لأنّ الدلالة الالتزامية تابعة لها.

و قد عرفت الإشكال على منهجيّة اعتراض السيد الخوئي (قده).

بينما هذا الإشكال لا يرد على نهجنا.

و إن شئت قلت: إنّ منهجة التقريب غير تامة، فإنّه إذا سلّمنا حجية المدلول الالتزاميّ للخطاب بعد سقوط مدلوله المطابقي، كفى ذلك في إثبات المانعيّة بلا حاجة إلى مسألة تأثير الملاك بصورة عرضيّة في الحرمة و المانعيّة، لأنّ دليل النّهي يدل على المانعيّة و عدم الوجوب التزاما، و إلّا فالدعوى الأولى غير كافية، إذ من أين نحرز الملاك بعد سقوط الخطاب، إذا لم نقل بالتبعية حتى نحرز ثبوت معلوله الثاني، و هو المانعيّة.

2- الاعتراض الثاني: و هو مختص بالمقدمة الثانية، و هو: إنّ الملاك إذا وجد، فإنّه يكون علة لأمرين في عرض واحد، و هما: الحرمة، و عدم الوجوب أي: المانعيّة.

و توضيحه، هو: إنّه قد تقدم في بحث الضد، و وافق الميرزا (قده) على ما تقدم، من أنّ مقتضى الضد الغالب أن يكون علة لأمرين في عرض واحد: أحدهما: وجود مقتضي الضد الغالب، و الآخرة: عدم ضده، كالسواد، و البياض، فلو فرض أنّ مقتضى السواد هو الغالب، فيكون علة لأمرين: أحدهما: إيجاد السواد، و الثاني: عدم البياض، و هذا أمر قد برهن عليه سابقا.

إلّا أنّ عليّة مقتضي السواد الغالب لهذين الأمرين، تتصوّر على أحد نحوين:

أ- النحو الأول، هو: أن يقال: إنّ هذه العليّة ترجع بحسب الحقيقة إلى علتين و تأثيرين: فإحدى العلتين: تؤثّر في الأمر الوجودي، و هو إيجاد السواد، و الثانية: تؤثر في الأمر العدميّ، و هو عدم البياض. و بناء على‏

485

هذا، يتم ما ذكره الميرزا (قده) في المقدمة الثانية، لأنّه إذا وجد مانع من تأثير العلة الأولى في معلولها الوجودي، فلا يعني ذلك، عدم تأثير العلة الثانية في معلولها العدميّ:

إلّا أنّ هذا النحو من تصوير العليّة، باطل، كما عرفت تحقيقه في بحث الضد، حيث ذكرنا هناك إنّ عليّة الأمر الوجوديّ للعدمي، كعليّة الأمر العدمي للأمر الوجوديّ، مستحيلة.

و عليه فلا يصح القول: بأنّ مقتضى الضد الغالب يكون علة بصورة مستقلة لأمرين: أحدهما وجودي و الآخر عدمي في عرض واحد.

ب- النحو الثاني، هو: أن يقال: إنّ هذه العليّة، ترجع إلى علة واحدة لها معلول واحد بحسب الحقيقة، بمعنى أنّ مقتضي السواد الغالب يكون علة لوجود السواد، بمعنى أنّه يوجده، كما أنّه يكون مانعا عن تأثير البياض في إيجاد البياض.

فإذا قيل: إنّ مقتضي السواد علة لعدم البياض، فليس معنى ذلك، أنّه يوجد و يخلق عدمه، بل بمعنى أنّه يمنع عن تأثير مقتضاه في إيجاده، فمقتضى الضد الغالب ليس له تأثيران، بل تأثير واحد و هو إيجاد الضد الغالب و هو السواد، و بما أنّ السواد و البياض لا يجتمعان في محل واحد، فيكون المقتضي للسواد بقدر ما يقرّب يكون مبعّدا للبياض بالمعنى الذي تقدم.

إذن، فعليّة مقتضي السواد لعدم البياض، ليست عليّة مستقلة عن عليّة مقتضي السواد لإيجاد السواد، بل هي الجانب السلبي لهذه العليّة.

و بناء على ذلك يقال: إنّه إذا وجد ما يمنع عن تأثير مقتضي السواد في إيجاد السواد، فلا يبقى موجب لحفظ تأثير مقتضي السواد في عدم البياض، بمعنى أنّه لا موجب لكي يبعّد مقتضي السواد عن وجود البياض.

و الحاصل، هو: إنّ ما ذكره الميرزا (قده) في المقدمة الثانية، من أنّ‏

486

الملاك إذا وجد يكون علة لأمرين: أحدهما الحرمة، و الآخر، عدم الوجوب، بمعنى المانعيّة في عرض واحد، فهذا الذي ذكره، إنّما يتم بناء على النحو الأول لتصوير العليّة، و قد عرفت استحالته، و لا يتم على النحو الثاني، لأنّه إذا كانت عليّة الملاك لعدم الوجوب، بمعنى التبعيد عن الوجوب بقدر التقريب نحو الحرمة، فحينئذ إذا وجد ما يمنع من تأثير هذه العلة في الحرمة، فلا يبقى موجب لكي يؤثّر البعد بالنسبة للوجوب.

2- الاعتراض الثاني، و هو: اعتراض منهجي على كلام الميرزا (قده).

و حاصله هو: إنّه إذا تمّت المقدمة الأولى، و هي عدم تبعيّة الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية في الحجية، فيثبت مراد الميرزا (قده) بلا حاجة إلى إثبات المقدمة الثانية التي أتعب نفسه في إثباتها، و هي عرضيّة المعلولين لعليّة الملاك، فإنّه حتى لو لم يثبت ذلك، يتم المطلوب بعد تماميّة المقدمة الأولى، فإنّه يقال: بأنّ دليل «لا تغصب» يدل بالمطابقة على الحرمة، و بالالتزام على المانعيّة، فإذا سقطت الدلالة المطابقية تبقى الدلالة الالتزاميّة دالة على المانعية، و بذلك يثبت المطلوب بلا حاجة لتوسيط المقدمة الأولى.

و أمّا إذا فرض عدم تماميّة المقدمة الأولى، فلا تنفع المقدمة الثانية في إثبات المطلوب، لأنّه إذا لم يثبت عدم تبعيّة الدلالة الالتزاميّة للدلالة المطابقية، فمعنى ذلك، أنّه إذا سقطت الدلالة المطابقية عن الحجية، تسقط الدلالة الالتزاميّة تبعا لها.

و معنى ذلك أنّه لا يبقى دليل على وجود الملاك الذي هو أصل موضوعي للمقدمة الثانية، كما عرفت.

هذا حاصل التقريب الأول لعدم سقوط المانعيّة بسقوط الحرمة، و قد عرفت عدم تماميته.

2- التقريب الثاني: لبيان بقاء المانعيّة الناشئة من الحرمة التكليفيّة حتى بعد سقوط الحرمة بالاضطرار:

487

و حاصل هذا التقريب مركّب من أمرين:

1- الأمر الأول، هو: إنّه يمكن إثبات ملاك الحرمة، بالرغم من سقوط الحرمة بالاضطرار، و ذلك بواسطة حديث الرفع الذي رفع الحكم الذي يكون موردا للاضطرار.

و توضيح ذلك: إنّ حديث الرفع وارد مورد الامتنان، فرفع الحرمة حال الاضطرار إنّما هو من باب المنّة، و هذا يكشف عن وجود مقتضي الحرمة و ملاكها، و إلّا لو لم يكن مقتضاها، موجودا، لكان ارتفاع الحرمة باعتبار عدم وجود مقتضاها و لا يكون أيّ امتنان في رفعها حينئذ.

فظهور حديث الرفع في كونه مسوقا مساق الامتنان، يكشف عن وجود ملاك الحكم المرفوع.

و إن شئت قلت: إنّ الأمر الأول هو عبارة عن إثبات ملاك الحرمة، لا بالدلالة الالتزامية لدليل الحرمة، «لا تغصب»، بل بحديث الرفع المخصّص لأدلة التكاليف الاضطرارية، بدعوى أنّ المرفوع بقوله «رفع ما اضطروا إليه»، إنّما هو الحرمة فقط، لا الملاك، لأنّ ما هو مقتضى الرفع الامتناني، إنّما هو رفع الحرمة و التكليف مع ثبوت مقتضيها، لا ارتفاعها من باب عدم المقتضي لها.

2- الأمر الثاني: و يقرب بتقريبين:

أ- التقريب الأول، هو: إنّه بعد أن ثبت وجود ملاك الحرمة في مادة الاجتماع، فلا يمكن حينئذ التقرب بهذا الفعل، لأنّ ملاك الحرمة يمنع عن ذلك، فالمانعيّة ثابتة مع أنّ الحرمة سقطت بالاضطرار.

و لكن هذا التقريب يختص بخصوص العبادات، باعتبار أنّ غيرها من الواجبات لا يحتاج إلى قصد القربة ليمنع ملاك الحرمة منه.

2- التقريب الثاني، هو: إنّه بعد أن ثبت وجود ملاك الحرمة في مادة

488

الاجتماع، فمعنى ذلك، هو وجود مبادئ الحرمة، و معه لا يكون دليل الأمر شاملا لمورد الاجتماع، بناء على امتناع اجتماع الأمر و النّهي، كما هو المفروض.

و هذا إنّما يتم، بناء على أنّ نكتة امتناع الاجتماع هي التنافي بين الأمر و النّهي بلحاظ مبادئهما، كما تقدم تفصيله في محله.

و إذا لم يكن دليل الأمر شاملا لمورد الاجتماع، فلا يقع الفعل صحيحا، و إن سقطت الحرمة، فيثبت بذلك وجود المانعيّة حتى مع سقوط الحرمة.

و هذا التقريب لا يختص بخصوص العبادات، كما هو واضح.

إلّا أنّ التحقيق يقتضي بطلان هذا التقريب لبيان بقاء المانعية بعد سقوط الحرمة بكلا أمريه:

أمّا بطلان الأمر الأوّل: فما ذكر فيه من أنّ حديث الرفع يدل على وجود الملاك باعتباره واردا مورد الامتنان بالنحو الذي عرفته، فهذا إنّما يتم بالنسبة للمولى العرفي، و لا يتم بالنسبة للمولى الحقيقي، و هو الله سبحانه و تعالى.

و توضيح ذلك، هو: إنّ أوامر و نواهي المولى العرفي، ترجع إلى مصلحته الخاصة، فلو فرضنا أنّ هذا المولى العرفي عطشان، و هو يعلم أنّ تحصيل الماء يصعب جدا على عبده، فحينئذ إذا رفع عن العبد طلب الماء، فيكون في رفعه منة عليه، بالنحو الذي ذكر، لأنّ ملاك الأمر بالإتيان بالماء موجود و هو العطش، فإذا رفعه مع ذلك، فيكون رفعه هذا منّة.

و أمّا بالنسبة إلى المولى الحقيقي، سبحانه و تعالى، فلا يتم هذا الكلام، لأنّ أوامره و نواهيه لا ترجع إلى مصلحة له، بل يلاحظ بها مصالح عباده، فإذا كان في الفعل مصلحة للعبد فيأمر به، و إذا كان فيه مفسدة فينهاه عنه، فالله تعالى دائما يحسب حساب العبد، و حينئذ فلو فرض أنّ تحصيل‏

489

الماء لأجل الوضوء كان صعبا على العبد، فالله تعالى يلاحظ هنا مصلحة العبد، فإنّ مصلحة الوضوء المتوقفة على تحصيل الماء، ألزم للعبد من المفسدة و المشقة الناشئة من تحصيل الماء، فحينئذ يأمره بتحصيل الماء، و لا يكون أيّ امتنان في رفع وجوب الوضوء، بل الامتنان في إلزامه به.

و إن فرض أنّ مفسدة طلب الماء أكبر من مصلحة الوضوء، فحينئذ تندكّ هذه المصلحة في المفسدة، و بعد الكسر و الانكسار، تنعدم تلك المصلحة، فلا يبقى حينئذ أيّ مقتض للأمر أصلا.

و إن فرض تساوي المصلحة و المفسدة، فلا مقتض للأمر، و لا للنّهي حينئذ بعد الكسر و الانكسار، و عليه: فلا يكون رفع الحكم في مورد الاضطرار كاشفا عن وجود ملاكه و مقتضاه كما ذكر.

إذن، فالامتنان لا يرجع إلى ما ذكر، بل معناه إنّ الشريعة شريعة سمحاء، و هي دائما تلحظ مصالح العباد، و تقدم الأهم على المهم، امتنانا على العباد، و شفقة عليهم.

و أمّا بطلان الأمر الثاني بتقريبيه، فحاصله: إنّه لو سلّم كون حديث رفع الاضطرار كاشفا عن وجود ملاك الحرمة في مادة الاجتماع، إلّا أنّه لا دلالة في حديث الرفع على أنّ هذا الملاك يؤثر في المبغوضيّة، ليمنع من التقرّب، كما جاء في التقريب الأول لهذا الأمر، و لا يكون منافيا لمبادئ الأمر كما جاء في التقريب الثاني له، هذا أولا.

و ثانيا هو: إنّه لو سلّم أنّ ملاك الحرمة الذي يكشف حديث الرفع عن وجوده، يؤثر في المبغوضية الفعلية.

إلّا أنّ هذا لا يمنع من التقرب به، لأنّ ميزان التقرب نحو المولى، هو أن يكون حال المولى مع هذا الفعل المتقرّب به، أحسن من حاله مع فعل آخر.

و عليه: فإذا كان المكلف مضطرا لإراقة الماء، سواء على أعضاء

490

وضوئه، أو مطلقا، فهنا لا إشكال في أنّ إراقته على أعضاء وضوئه بالتوضؤ به، أحسن عند المولى من إراقته على الأرض.

و عليه: فهذا التقريب الثاني لإثبات بقاء المانعيّة الناشئة من الحرمة التكليفية حتى بعد زوال الحرمة بالاضطرار، غير تام.

فالصحيح إذن: ما ذهب إليه المشهور، من أنّ مثل هذه المانعيّة تسقط بسقوط الحرمة.

هذا تمام الكلام في الكبرى أي: في حكم مادة الاجتماع إذا حصل الاضطرار، لا بسوء الاختيار.

و أمّا الكلام في الصغرى، أي: في الأمثلة التي تكون مصداقا للكبرى المذكورة، كالصلاة في المكان المغصوب.

و الميزان في وقوعها صحيحة في الغصب، و كونها صغرى لتلك الكبرى، هو أن لا تكون الصلاة موجبة لغصب زائد عن الغصب المضطر إليه، و إلّا فتقع باطلة، و لا تكون صغرى.

و الكلام في هذا المقام يتصور له حالات ثلاث:

1- الحالة الأولى: هو: أن يفرض أنّ المكلف مضطر إلى البقاء في الغصب في تمام الوقت.

و هنا ذهب كثير من المحققين إلى صحة الصلاة في الغصب، لأنّ المفروض أنّ هذا المكلف مضطر إلى الغصب، فإيجاده في ضمن الصلاة أحسن عنده من إيجاده في ضمن غيرها.

و عليه: فيمكن التقرب بهذه الصلاة، و المفروض أنها لا تسبب غصبا زائدا عن الغصب المضطر إليه، و بذلك يكون هذا من مصاديق تلك الكبرى.

إلّا أنّ بعضهم ذهب إلى أنّ الصلاة الاختيارية لا تقع صحيحة.

491

و الوجه في ذلك: إنّ هذه تشتمل على غصب زائد، لتضمّنها الركوع، و السجود، و القيام المستلزم للحركة، بينما يمكن لهذا المضطر أن يبقى ساكنا، فتكون الصلاة مشتملة على غصب زائد، و حينئذ تقع باطلة، لأنّ هذا الزائد محرم، فلا يكون مصداقا للواجب.

و قد علّق صاحب «الجواهر» على هذا القول: بأنّه ناشئ من قلّة التدبّر، و إنّ الاستمرار عليه ناشئ من صعوبة التراجع عن الخطأ.

و ما ذكره (قده) صحيح، و الوجه فيه هو: إنّ الغصب يتحقق و يتمثل إمّا بإشغال الحيّز، أو بإلقاء الثقل، و كل من هذين الأمرين متحقق من الكائن في الغصب، سواء أ كان متحركا، أو ساكنا.

و تخيّل أنّ في الحركة غصبا زائدا مبنيا على أحد تصورين:

1- التصور الأول، هو: أن يقال: بأنّ الساكن كما لو كان جالسا مثلا، ففي هذه الحالة يرتكب حراما واحدا، فيما لو فرض أنّ الغصب عمديّ، و هو الجلوس، و أمّا المتحرك، كالمصلي، فهو يرتكب عدة محرّمات، كالقيام و الركوع، و السجود، و أمثالها.

إلّا أنّ فساد هذا التصور واضح، لأنّ الجلوس هو إشغالات متعددة للمغصوب بعدد الآنات، و إنّه لو كان واحدا لما اختلف إثم الجالس ساعة عن إثم الجالس سنة، مع أنّه لا إشكال في وجود الاختلاف، فهذا يدل على أنّ الجلوس في كل آن فرد مستقل من الحرام. و عليه: فلا فرق بين السكون و الحركة.

غايته أنّه في السكون يكون قد أتى بأفراد متماثلة من الحرام، و في الحركة يكون قد أتى بأفراد غير متماثلة.

2- التصور الثاني، هو: انّه إذا بقي المكلّف ساكنا، فيكون قد مارس الغصب في الكون فقط، بينما في الصلاة يكون ممارسا له في الكون و الحركة، و هو أشدّ من الأول. و عليه: فتبطل الصلاة. و هذا التصور أيضا فاسد.

492

و قد علّق صاحب «الجواهر» عليه، حيث قال: بأنّ هذا سجن أشدّ من سجن الظالم، لأنّه سجن ممنوع فيه من الحركة، بخلاف سجن الظالم.

و الوجه في فساد هذا التصوّر هو: إنّ الحركة مع الكون ليست مغايرة للكون، بل هي عينه، غايته، أنّه حال الحركة يكون الكون متحركا، و الكون المتحرك لا يزيد على الكون الساكن، كما عرفت في وجه فساد التصور الأول. و عليه: فيجوز له الإتيان بالصلاة الاختيارية، و تقع صحيحة.

2- الحالة الثانية: هي أن يفرض أنّ المكلّف الذي اضطر للدخول إلى المكان المغصوب، سوف يمكنه الخروج بعد ساعة، و قبل خروج وقت الصلاة، و هو يعلم بذلك، ففي هذه الحالة هل تجوز له الصلاة داخل الغصب، و تقع صحيحة، ليكون ذلك صغرى لتلك الكبرى؟ أو إنّه لا تقع صحيحة؟ و ممّا ذكرناه في الحالة الأولى يظهر الحال في هذه الحالة، و أنّه يجوز له الصلاة في الغصب، و تقع صلاته صحيحة، لأنّ هذا الوقت الذي يمكثه في الغصب مضطرا إليه، فهو غير محرم، و قد عرفت أنّه ليس في الصلاة تصرف زائد على الغصب المضطر إليه، و معه تقع صلاته صحيحة (1).

3- الحالة الثالثة، هي: أن يفرض أنّ المكلف الذي أضطر للدخول إلى المكان المغصوب، تمكن فعلا من الخروج من الغصب.

ففي هذه الحالة، يجب عليه الخروج فورا، تخلصا من الغصب، و لا يجوز له أن يمارس أيّ عمل يمنعه، أو يؤخّره عن الخروج.

و حينئذ فإن فرض أنّ صلاته الاختيارية لا تعيقه عن الخروج، و لا تؤخره، فحينئذ يجوز له الصلاة، و تصح صلاته، كما لو خرج في سيارة، و أمكنه الصلاة فيها صلاة اختيارية.

____________

(1) كون صلاته تقع صحيحة. في النفس منها شي‏ء لاحتمال عدم شمول رفع الاضطرار مع العلم بارتفاعه و بقاء وقت الصلاة. المقرر.

493

و أمّا إذا فرض أنّ صلاته تعيقه عن الخروج، أو تؤخره، كما لو خرج ماشيا، فإنّ صلاته الاختيارية هنا تؤخر خروجه، لاشتمالها على الركوع و السجود و غيرهما، ممّا يؤخر خروجه، ففي هذه الحالة: إمّا أن يفرض اتّساع وقت الصلاة أو ضيقه، فإن كان موسعا، فلا يجوز له الصلاة سواء الاختيارية، أو الإيمائية.

أمّا عدم صحة الأولى: فلأنّها تؤخره عن الخروج، فيكون فيها غصب زائد، فتقع حراما.

و أمّا عدم صحة الإيمائيّة، فلأنّ المفروض أنّ الوقت واسع، إذن فيمكنه الخروج و الإتيان في غير الغصب، بصلاة اختيارية، و معه لا تصح الصلاة الإيمائية.

و أمّا إذا فرض ضيق وقت الصلاة، فحينئذ، يأتي بالصلاة إيماء حال الخروج.

2- المقام الثاني: و الكلام فيه يقع في جهتين:

1- الجهة الأولى: و هي: فيما إذا حصل الاضطرار بسوء الاختيار، كما لو دخل الأرض المغصوبة بسوء اختياره:

و هو في هذه الحالة، يجب عليه الخروج في أقل زمان يمكنه الخروج فيه، فهو مضطر لهذا المقدار من الزمان، لأنّه لا يمكنه التخلص من الغصب إلّا به.

و لا إشكال في أن المتعيّن عليه من الناحية العمليّة، هو الخروج، حتى لا يتورط في حرام تلو الحرام.

و الكلام في حكم هذا الخروج، يكون في ثلاث نقاط:

- النقطة الأولى، هي: إنّه هل يوجد مقتض للحكم بحرمة الخروج أو لا؟

494

و لو كان هناك مقتض للحرمة، فما هو مقدار تأثيره و فعليّة مقتضاه؟

فنقول: إنّ المقتضي للحرمة بحسب مقام الإثبات و الدليل تام، لأنّ هذا الخروج تصرف في مال الغير، فيشمله إطلاق دليل حرمة التصرف في المغصوب.

و لا مانع من تأثير هذا المقتضي قبل الدخول في الغصب، لأنّ المولى قد زجر عن جميع أنحاء التصرف في الغصب، و منها هذا الخروج، و هو مقدور له بقدرته على الدخول و عدمه.

و أمّا بعد دخوله إلى الأرض المغصوبة، فأيضا المقتضي لحرمة الخروج موجود، لأنّ الخروج لم يخرج عن كونه غصبا، فيكون مشمولا لإطلاق حرمة الغصب.

إلّا أنّ بقاء النّهي في هذه الحالة غير معقول.

و الوجه في ذلك، هو: إنّ الغرض من الأمر و النّهي، هو توجيه اختيار المكلّف نحو مطلوب المولى و مقصوده.

و في المقام، لا يمكن توجيه اختيار المكلف بهذا النّهي، فإنّ هذا النّهي، قد استوفى غرضه، و لا بدّ من سقوطه، و ذلك لأنّه إن ادّعى توجيهية اختيار المكلّف للخروج، فهذا خلف النّهي عن الخروج، و إن ادّعي توجيهية اختيار المكلف لترك الخروج، فهذا مناف لغرض المولى، لأنّ ترك الخروج يوقعه في محذور أشد.

و بهذا يثبت أنّ هذا النّهي غير قابل للمحركية، فيحكم بسقوطه، إلّا أنّه سقوط عصياني يستحق عليه العقاب.

و قد يقال: بأنّ ما يتوهم كونه سببا لسقوط النّهي، هو كون الخروج غير مختار فيه، باعتبار الاضطرار إليه.

و هذا التوهم فاسد، لأنّ الامتناع بالاختيار، لا ينافي الاختيار و هنا المفروض انّ لابديّة الخروج نشأت من اختيار الدخول.

495

و عليه: فلا مانع من اتصاف الخروج، بالحرمة بعد الدخول.

إلّا أنّ هذا القول غير تام، فإنّ قاعدة أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، قاعدة فلسفية لا ربط لها بمحل الكلام، و ذلك لأنّ نظر هذه القاعدة إلى أنّ مجرد تخلّل أمر وسط بين الاختيار و الفعل- و هو الإيجاب أو الامتناع- لا يخرج الفعل عن اختياريّته.

و هذا أمر صحيح على ما هو محقق في محله، إلّا أنّه لا ربط له بمحل الكلام، حيث لا دليل على جواز تعلّق النّهي بكل فعل يكون مستندا للاختيار ليتم هذا الكلام، و إنّما الدليل قام، على أنّه لا بدّ في النّهي من كونه موجها لاختيار المكلف، فمتى لم يمكن ذلك فيه، يسقط.

و قد عرفت أنّه لا يمكن فيه ذلك، فيحكم بسقوطه إلّا أنّه سقوط عصياني كما تقدم.

و بما ذكرنا، يظهر أنّ المقتضي لثبوت حرمة الخروج، موجود بحسب مقام الإثبات و الدليل، سواء قبل الدخول أو بعده، و هذا المقتضي يؤثر في فعلّية مقتضاه، و هو الحرمة قبل الدخول، إلّا أنّ هناك مانعا من تأثيره بعد الدخول، كما عرفت.

- النقطة الثانية: و هي: في أنّه هل يوجد مقتض لإيجاب الخروج، أو لا؟

و الكلام هنا يقع في جهتين:

1- الجهة الأولى: في دعوى وجود مقتضي الوجوب النفسي للخروج.

2- الجهة الثانية: في دعوى وجود مقتضي الوجوب الغيري للخروج.

أمّا الكلام في الجهة الأولى: فقد ادّعي وجود المقتضي لاتصاف‏

496

الخروج بالوجوب النفسي، و ذلك باعتبار أنّ الخروج مصداق لعنوان تخلية المال لصاحبه و نحوه من هذه العناوين التي هي واجبة بالوجوب النفسي.

و عليه: فيكون الخروج مصداقا لما هو واجب نفسي، و بذلك يكون المقتضي لاتصاف الخروج بالوجوب النفسي موجودا.

ثم إنّه وقع النزاع بين السيد الخوئي (قده) (1) و بين الميرزا (قده) في تشخيص هذا العنوان الواجب بالوجوب النفسي، و الذي يكون الخروج مصداقا له، و لكن هذا النزاع بلا موضوع، حيث لم يقم دليل على وجوب تخلية مال الغير و أمثاله من العناوين، و إنّما قام الدليل على حرمة الغصب و التصرف بمال الغير من غير رضاه.

و أمّا وجود حكم إلزامي آخر وراء هذا، بحيث يكون الغاصب معاقبا بعقابين، فيما إذا غصب، و يكون أحدهما: على ارتكاب الغصب، و الثاني:

على ترك تخلية هذا الغصب، فمثل هذا غير ثابت.

و عليه: فالصحيح أنّه ليس هناك عنوان واجب بالوجوب النفسي، و يكون الخروج مصداقا له ليتم وجود المقتضي لاتصاف الخروج بالوجوب النفسي كما ذكر.

و أمّا ما ذكر من العناوين، كعنوان تخلية المال لصاحبه، و عنوان الانسحاب من مال الغير و أمثالهما، فإنما هي معرفات لاجتناب ذلك الحرام، و هو التصرف بمال الغير من دون رضاه. و بهذا ثبت أنّه لا مقتض لاتصاف الخروج بالوجوب النفسي.

و أمّا الكلام في الجهة الثانية، و هي في دعوى وجود المقتضي، لوجوب الخروج غيريّا، فإنّ الكلام فيها، يقع في ناحيتين:

1- الناحية الأولى: في الصّغرى، و هي: في أنّ الخروج هل هو

____________

(1) أجود التقريرات- هامش- الخوئي: ج 1 ص 378- 379.

497

مقدمة لترك الحرام الواجب و هو «الغصب»، أو لا؟

2- الناحية الثانية في الكبرى، و هي: في أنّه بعد تسليم مقدميّة الخروج، فهل تتصف هذه المقدميّة بالوجوب الغيريّ، أو لا تتصف، حتى بناء على الملازمة بين وجوب الشي‏ء، و وجوب مقدمته؟.

أمّا الكلام في الناحية الأولى: فقد ادّعى غير واحد عدم مقدميّة الخروج لترك الحرام، و يتمثل الاستدلال على ذلك ببيانين:

1- البيان الأول، و هو: الذي يظهر من تقريرات السيد الخوئي (قده) (1).

و حاصله: إنّ الخروج مقدمة للكون خارج الأرض المغصوبة، و الكون خارج الأرض المغصوبة ملازم لترك الحرام، و ليس عينه، لأنّ الكون خارج الأرض المغصوبة أمر وجودي، و ترك الحرام أمر عدميّ، فأحدهما غير الآخر جزما، غايته أنّهما متقارنان إذن، فما هو المطلوب، و هو كون الخروج مقدمة لترك الحرام الواجب لم يثبت.

و الذي يثبت هو مقدميّة الخروج للكون خارج الأرض المغصوبة.

و هذا لا يفيد المدّعي للمقدميّة، لأنّ هذا الكون غير واجب لتجب مقدمته، و هذا الكون، و إن كان مقارنا لترك الحرام الواجب، إلّا أنّه لا يجب أن يحكم المتقارنان بحكم واحد، ليحكم بوجوب هذا الكون، و يتوصل بذلك إلى الحكم بوجوب مقدمة هذا الكون، و هو الخروج.

و الحاصل: إنّ الخروج ليس مقدمة لترك الحرام الذي هو «الغصب».

إلّا أنّ هذا البيان غير تام: و ذلك لأنّ الذي يدّعي مقدميّة الخروج لترك الحرام، إن ادّعى هذه المقدمية من باب أنّ الخروج مقدمة للكون خارج‏

____________

(1) أجود التقريرات- الخوئي: ج 1- ص 375- 376- 377.

498

الغصب، و الكون خارج الغصب هو عين ترك الحرام، فيكون الخروج مقدمة لترك الحرام.

إن ادّعى ذلك، فيرد عليه: ما ذكره السيد الخوئي (قده) من أنّ الكون خارج الغصب أمر، و ترك الحرام أمر آخر، فكون شي‏ء مقدمة لأحدهما، لا يستلزم كونه مقدمة للآخر.

و هذا واضح كما ذكره السيد الخوئي (قده). إلّا أنّ المدعي للمقدميّة يمكنه أن يدّعيها بشكل آخر، فيقول: إنّ الخروج هو مقدمة لأمرين في آن واحد، و هما: «الكون خارج الغصب»، و «ترك الحرام».

و بناء على هذه الدعوى، لا يرد كلام السيد الخوئي (قده). و عليه:

فهذا البيان لعدم المقدميّة غير تام.

2- البيان الثاني، و هو: لجملة من المحققين، منهم المحقق الأصفهاني (قده) (1).

و حاصله: بأنّ الخروج و البقاء متضادان، و قد تقدّم في بحث الضد، أن لا مقدميّة بين الضدّين، بمعنى أنّه ليس فعل أحد الضدّين مقدمة لترك الآخر، كما أنّه ليس ترك أحدهما مقدمة لفعل الآخر.

و بناء عليه: فلا يكون الخروج مقدمة لترك البقاء، أعني الغصب الحرام.

و لو قطعنا النظر عمّا جاء في بحث الضد، من عدم المقدميّة بين الضدّين، إلّا أنّ من يدعي المقدميّة بينهما يقول: بأنّ ترك أحد الضدّين، مقدمة لفعل الآخر، لا إنّ فعل أحدهما مقدمة لترك الآخر.

و عليه: فلا يكون الخروج الذي هو الفعل، مقدمة لترك الغصب، حتى مع قطع النظر عمّا جاء في بحث الضّد.

____________

(1) نهاية الدراية- الاصفهاني: ج 1 ص 287- ج 2 ص 123.

499

و هذا البيان غير تام أيضا.

و لتوضيح ذلك لا بدّ من الإشارة إلى نكتة، حاصلها: إنّه تقدّم في بحث الضد، أنّ الضدّين المتبادلين في عرض واحد، و زمان واحد، على موضوع واحد، لا تعقل المقدمية بينهما، من قبيل السواد و البياض في جسم واحد، في لحظة واحدة، فهنا لا يكون سواد هذا الجسم متوقفا على عدم بياضه، و كذلك لا يكون عدم بياضه متوقفا على سواده، و إنّما سواده يتوقف على تماميّة مقتضي السواد، و عدم المانع منه، و الذي هو عبارة عن عدم تماميّة البياض، فمثل هذين الضدّين لا مقدميّة بينهما، كما عرفت تحقيقه في محله.

و أمّا إذا لاحظنا أحد الضدّين، لا بالإضافة إلى ضده الذي هو بديله و يحل محله موضوعا و زمانا، إذا فرض عدم وجوده كما في المثال المتقدم، بل لاحظنا أحد الضدّين بالإضافة إلى ضد آخر في زمان آخر، و ذلك كما لو لاحظنا سواد الجسم في اللحظة الأولى مع بياضه في اللحظة الثانية، فهنا لا يمنع أن يكون الجسم أسود في اللحظة الأولى، و أبيض في اللحظة الثانية، إلّا أنّه لو فرض وجود خصوصيّة أوجبت عدم اسوداد الجسم أبدا فيما إذا اتصف بالبياض آناً- ما- و هذا فرض ممكن، ففي هذه الحالة يكون عدم اتصاف الجسم بالبياض مقدمة لاتصافه بالسواد، فالمقدميّة في مثل ذلك معقولة، و لا مانع منها.

إذا عرفت ذلك نقول: إنّ المقدميّة المدّعاة في محل الكلام، و هي مقدميّة الخروج لترك الحرام، من قبيل الثاني، لا الأول، و ذلك لأنّ المدعي كون الخروج في هذا الآن، مقدمة لترك الغصب و الحرام في الآن الثاني، لا في نفس ذلك الآن الأول، حتى لا تعقل المقدميّة كما عرفت، إذن فليس المدّعى هو كون الخروج مقدمة لترك الغصب المزامن له، و الذي هو في عرضه، بل المدّعى أنّ المكلف لا يكون في الآن الثاني تاركا للغصب، إلّا إذا تحرك خروجا في الآن الأول.

500

و عليه، فلا محذور في كون الخروج في الآن الأول، مقدمة لترك الغصب الزائد المحرم في الآن الثاني.

و بهذا يثبت بطلان هذا البيان الثاني لعدم المقدميّة، و بذلك يظهر عدم تماميّة ما ذكر برهانا على عدم مقدميّة الخروج لترك الحرام.

و أمّا ما يذكر برهانا على إثبات هذه المقدميّة، فهو مركّب من مقدمتين:

1- المقدمة الأولى، و حاصلها: إنّه لا إشكال في كون الخروج مقدمة للكون خارج الأرض المغصوبة، كما لا إشكال في أنّ الكون خارج الأرض المغصوبة، ملازم مع ترك الحرام، و هو الغصب الزائد، أعني الكون في الأرض المغصوبة في الزمان الثاني.

2- المقدمة الثانية، هي: إنّ التلازم بين أمرين، إمّا أن يكون ناشئا من كون أحدهما علة للآخر، أو ناشئا من كونهما معلولين لعلة واحدة، و إلّا لما كان وجه للتلازم، لأنّه إذا فرض أنّ لكل منهما علة مستقلة، فقد تتم علة أحدهما دون الآخر، فيوجد أحدهما حينئذ دون الآخر، و هو خلف التلازم.

و عليه: فالتلازم لا بدّ و أن ينشأ ممّا ذكرنا.

إذا عرفت هاتين المقدمتين نقول: إنّ الكون خارج الأرض المغصوبة في الزمان الثاني، ملازم لترك الكون في الأرض المغصوبة في نفس ذلك الزمان، كما ذكر في المقدمة الأولى.

و هذا التلازم إمّا أن ينشأ من كون أحدهما علة للآخر، أو من كونهما معلولين لعلة واحدة، كما ذكر في الثانية.

أمّا كون أحدهما علة للآخر: فهو مستحيل، لأنّهما ضدان، و لا عليّة بين الضدّين، و حينئذ، فيتعيّن أن يكونا معلولين لعلة واحدة، و قد عرفت أنّ الخروج مقدمة، و علة للكون خارج الأرض المغصوبة، و عليه فيتعيّن كونه‏

501

مقدمة و علة لملازمه، و هو ترك الحرام الذي هو الغصب الزائد، لأنّنا فرضناهما معلولين لعلة واحدة.

و بهذا ثبت أنّ الخروج مقدمة لترك الحرام، و هو المطلوب.

و قد اعترض المحقق الأصفهاني (قده) (1) على هذا البرهان، لإثبات المقدميّة باعتراضين:

1- الاعتراض الأول: و هو موجه لما ذكر في المقدمة الثانية، و حاصله: إنّ تلازم أمرين أحدهما وجودي، و الآخر عدمي، لا يعني كون أحدهما علة للآخر، أو كونهما معلولين لعلة واحدة، بل قد يكون لكل منهما علة مستقلة، و مع ذلك يكونان متلازمين باعتبار أنهما ضدان لا ثالث لهما. فحينئذ يكون وجود أحدهما ملازما مع عدم الآخر، من باب أنّه لا ثالث لهما.

و مقامنا من هذا القبيل، فإنّ الكون خارج الدار، و ترك الكون داخلها، إنّما هو من باب الضدّين اللّذين لا ثالث لهما، فتلازمهما إنّما هو لهذه النكتة، لا لكونهما معلولين لعلة واحدة، ليتم ما ذكر في البرهان.

و هذا الاعتراض من المحقق الأصفهاني (قده) غير تام، إذ لا يعقل أن يكون هناك تلازم بين ضدّين، مع أنّ لكل منهما علة مستقلة، لأنّه لو فرضنا وجود علة الأول، و عدم وجود علة الثاني، ففي هذه الحالة، لا بدّ و أن يوجد الأول، و أمّا الثاني، فإن وجد، فهو بلا علة، و هذا مستحيل، و إن لم يوجد فهو خلف التلازم.

ففي مقامنا، المفروض تلازم الكون خارج الأرض مع ترك الكون داخل الأرض، فلو كان لكل منهما علة مستقلة، أو لم تكن علة أحدهما بتمام أجزائها علة للآخر، فحينئذ، إذا فرض وجود علة ترك الكون داخل الأرض، و فرض عدم تماميّة علة الكون خارج الأرض، ففي هذه الحالة، إن‏

____________

(1) نهاية الدراية- الأصفهاني: ج 2 ص 116- 117.

502

وجد الكون خارج الأرض، فهو وجود بلا علة، و هو مستحيل، و إن لم يوجد، لزم ارتفاع الضدّين، و هو الكون داخل الأرض، و الكون خارجها، و هذا مستحيل، لأنّ المفروض أنّ لا ثالث لهما، فإذا انتفى أحدهما، لا بدّ و أن يوجد الآخر، كما أنّ المفروض أنّ ترك الكون داخل الأرض، ملازم مع الكون خارجها، و وجود ترك الكون داخلها بدون الكون خارجها، خلف التلازم المفروض.

إلّا أن يقال: بأنّ علة وجود الكون خارج الدار مع علة الكون داخل الدار، من الضدّين اللّذين لا ثالث لهما، فإذا انتفت إحداهما تتعين الأخرى. و عليه: فلا يرد ما ذكرنا من إمكان عدم وجود علة الكون خارج الدار مع وجود علة ترك الكون داخل الدار، ليرد الإشكال المذكور على هذا الاعتراض، لأنّ المفروض أنّه متى ما وجدت علة الكون داخل الدار، انتفت علة الكون خارجها، و كذا العكس.

إلّا أنّ هذا الكلام غير تام أيضا، لأنّنا ننقل الإشكال إلى هاتين العلتين، فنقول: بأنّ عدم وجود علّة الكون خارج الدار، مع وجود علة الكون داخلها متلازمان، و هنا أيضا نورد نفس الإشكال السابق و هكذا.

و عليه: فالصحيح أنّ تلازم الضدّين، لا بدّ و أن ينشأ كما ذكر في ذلك البرهان، إمّا من كون أحدهما علة للآخر، أو من كونهما معلولين لعلة واحدة، إذن فاعتراض المحقق الأصفهاني: (قده) غير تام.

2- الاعتراض الثاني، و هو: للأصفهاني (قده) (1) أيضا، و حاصله:

إنّه لو سلّم أنّ كل متلازمين لا بدّ و أن يكون أحدهما علة للآخر، أو إنّهما معلولين لعلة واحدة، ففي مقامنا نسلّم بأنّ الكون خارج الأرض، مع ترك الكون داخلها الذي عرفت، أنّهما متلازمان، فإنّنا نسلم كونهما معلولين لعلّة ثالثة، لكن لا بمعنى أنّ علة أحدهما هي بنفسها تمام علة الآخر، أو

____________

(1) نفس المصدر السابق.

503

جزء منها بشكل مباشر، ليتم برهان إثبات المقدميّة بالنحو الذي عرفت، بل معنى ذلك أنّ هناك نقطة التقاء في العليّة، لكن على نحو غير مباشر، بين هذين المتلازمين، بحيث يثبت بذلك التلازم بينهما، و لا يتم برهان الخصم.

و توضيح ذلك، هو: أن يقال: بأنّ علة الكون خارج الدار مركبة من أمرين:

1- الأمر الأول، هو: المقتضي، و هو إرادة الكون خارج الدار.

2- الأمر الثاني، هو: شرط، و هو الخروج، لأنّ مجرد هذه الإرادة بلا أن يستبقها خروج، لا تؤثر الكون خارجها.

و أمّا ترك الكون داخل الدار، فيكفي في تحققه عدم إرادة الكون داخلها، فعدم إرادة الكون داخلها هي علة ترك الكون داخلها، و حينئذ نقول:

إنّ المقتضي للكون خارج الدار، الذي هو الجزء الأول من علته مع عدم إرادة الكون داخل الدار الذي هو العلة التامة لترك الكون داخلها، فهذا الجزء الأول من علة الأول، مع تمام علة الثاني، معلولان لعلة واحدة، و هي الدافع و المرغّب للكون خارج الدار، و هذه العلة هي نقطة اللقاء بين المتلازمين، لأنّه يتولد منها مقتضي الكون خارج الدار، كما يتولد منها العلة التامة لترك الكون داخل الدار.

و بهذا يثبت التلازم بين هذين الأمرين، من دون أن يتم برهان إثبات مقدميّة الخروج لترك الكون داخل الدار.

و حيث عرفت من هذا البيان أنّه لا ارتباط مباشر بين الخروج، و بين ترك الكون داخلها، بل الخروج من تبعات المقتضي للكون خارجها الذي هو عبارة عن إرادة الخروج، و هذا المقتضي توأم مع عدم إرادة الكون داخل الدار باعتبار أنّهما معلولان لعلة واحدة.

فالارتباط بين الخروج، و ترك الكون داخل الدار، إنّما هو من هذه الجهة

504

فقط، و إلّا فلا ارتباط مباشر، بمعنى كون الخروج مقدمة، كما يروم الخصم إثباته.

و لكن الصحيح عدم تماميّة هذا الاعتراض أيضا، و لنا عليه ثلاث ملاحظات:

1- الملاحظة الأولى، هي: إنّ نتيجة ما ذكره المحقق الأصفهاني (قده)، هو إنّ الخروج ليس ملازما مباشرا مع ترك الكون داخل الأرض المغصوبة، و إنّما هو ملازم لملازمه، فعلاقته معه من قبيل علاقة ملازم العلة مع معلوم تلك العلة.

و هذا غير تام في محل كلامنا.

و توضيحه، هو: إنّ إلقاء الورقة في النار علة لاحتراقها، و هناك أمر ملازم مع الإلقاء، و هو تموج الهواء الحاصل من الإلقاء، فهذا التموج ملازم للعلة، و هي الإلقاء الملازم للإحراق، و ليس التموج ملازما مباشرا مع الإحراق، فلو فرضنا- من باب الفرض فقط- أنّا ألقينا الورقة في النار، و لم يحصل تموج، ففي هذه الحالة يحصل الاحتراق لا محالة، و ذلك لأنّه ليس للتموج أيّ علاقة مباشرة بالاحتراق.

إذا عرفت ذلك، حينئذ نأتي إلى مثالنا فنقول: إنّ عدم الكون داخل الأرض المغصوبة، معلول لعدم إرادة هذا الكون، و الخروج ليس له أيّ علاقة مباشرة، و إنّما هو ملازم مع علة عدم هذه الإرادة، فحال الخروج حال تموج الهواء في المثال السابق.

و حينئذ نسأل: أنّه لو فرض أنّ إنسانا كان داخل الأرض المغصوبة، و تحققت عنده علة ترك الكون داخلها، و لم يتحقق الخروج، ففي هذه الحالة، هل يعقل تحقق ترك الكون داخل الدار؟.

و الجواب، طبعا: إنّه لا يعقل، و هذا يدل على وجود علاقة مباشرة بين ترك الكون داخل الدار، و بين الخروج، و اللف و الدوران لا يخفي هذه العلاقة المباشرة.