بحوث في علم الأصول - ج6

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
749 /
505

2- الملاحظة الثانية، هي: أنّه يفهم ممّا ذكره (قده)، أنّ إرادة الكون داخل الأرض المغصوبة، و إرادة الكون خارجها، من الضدّين اللّذين لا ثالث لهما، بمعنى أنّه إذا انتفى أحدهما، لا بدّ و أنّ يثبت الآخر.

و هذا غير تام، فقد ذكرنا في بحث اتحاد الطلب و الإرادة، إنّ موجب الفعل لا ينحصر بالإرادة، بل قد يحصل بسلطنة المكلّف كما في المتساويين، فهنا يمكن أن يفرض عدم إرادة الكون داخلها، و عدم إرادة الكون خارجها، كما لو تساوى عنده الأمران، ففي هذه الحالة تكون عدم إرادة داخلها ثابتة، و مع ذلك، فلا يتعين ثبوت إرادة الكون خارجها كما ادّعي، لأنّ المفروض أنّه لا يريد الكون خارجها.

فبهذا يثبت أنهما ليسا من الضدّين اللّذين لا ثالث لهما، هذا أولا.

و ثانيا: إنّه في هذه الحالة التي يتساوى فيها الضدان، يمكن أن يفرض عدم إرادة الكون داخل الأرض المغصوبة، و مع ذلك لا يوجد الخروج، و يكون هذا فرضا واقعا، لا مجرد فرض، كما أشرنا إليه في الملاحظة الأولى، و ذلك لأنّه في صورة التساوي، يكون عدم إرادة الكون داخلها ثابتا، و لا تكون إرادة الكون خارجها ثابتة، و إذا لم تكن إرادة الكون خارجها ثابتة، فلا يوجد الخروج، لأنّه معلول لها كما عرفت سابقا.

و بهذا يثبت وجود عدم إرادة الكون داخلها، مع عدم تحقق الخروج.

و في هذه الحالة، قد عرفت أنّ عدم الكون داخلها، متوقف على الخروج لا محالة، و لا يتحقق بمجرد عدم إرادة الكون في الداخل، فيثبت أنّ هناك علاقة مباشرة بين عدم الكون داخلها، و بين الخروج في هذه الحالة، و هي حالة تساوي الضدّين.

و بهذا يثبت المطلوب، و هو مقدميّة الخروج لترك الكون داخلها.

3- الملاحظة الثالثة: هي: إنّه لو فرض وجود حجر في مكان، فحينئذ ليس المقتضي لبقائه في ذلك المكان هو الإرادة، و إنّما هناك مقتض‏

506

طبيعي لبقائه، فإذا وجد ما يزاحمه يرتفع تأثيره، كما لو أخذ هذا الحجر من مكانه.

و في مقامنا أغفل هذا المقتضي الطبيعي، فإنّ الإنسان الموجود داخل الدار، إذا لم يكن عنده إرادة للبقاء أو الخروج، فهنا يوجد مقتض طبيعي يؤثّر في بقائه، فإنّه في هذه الحالة يكون حاله كالحجر، فلا محالة يبقى، و حينئذ، هذا المقتضي الطبيعي لا بدّ من مزاحم له ليرفع تأثيره في البقاء، و ليس ذلك المزاحم إلّا الخروج، فيثبت أنّ الخروج مقدمة لترك البقاء، و الكون في الدار.

و عليه فالإنصاف إنّ مقدميّة الخروج لترك الكون داخل الدار، و لترك الغصب الزائد، ممّا لا ينبغي الإشكال فيه، هذا تمام الكلام في الصغرى.

و أمّا الكلام في الكبرى، أي: بعد ثبوت مقدميّة الخروج لترك الغصب الزائد فهل يتصف هذا الخروج بالوجوب الغيريّ، أو إنّه لا يتصف، حتى بناء على الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته؟.

و تحقيق الكلام في المقام، إنّما هو بذكر ما أفاده صاحب (الكفاية) (قده) (1) في هذه المسألة.

و حاصل ما ذكره هو: إنّه حتى بناء على القول بالملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته، فمثل هذا الخروج لا يتصف بالوجوب الغيري.

و الوجه في ذلك، هو: إنّ المقدمة التي قد تقع على وجه حرام، تكون على ثلاثة أقسام:

1- القسم الأول، هو: أن يكون للمقدمة فردين: أحدهما مباح، و الآخر محرّم، و في مثل ذلك، حتى القائل بالملازمة، يقول: بأنّ الوجوب الغيريّ يختص بالمقدمة المباحة، و لا يشمل المقدمة المحرمة.

____________

(1) كفاية الأصول- الخراساني: ج 1 ص 264.

507

2- القسم الثاني، هو: كذلك، بأنّ يكون للمقدمة فردين: أحدهما مباح، و الآخر محرّم، إلّا أنّ المقدمة انحصرت بالفرد المحرّم، لا بسوء اختيار المكلّف، كما لو انحصر إنقاذ الغريق بالمشي في الأرض المغصوبة، لا بسوء اختيار المكلف.

و في مثل ذلك، يقع التزاحم بين دليل حرمة هذه المقدمة، و بين دليل وجوب إنقاذ الغريق، حيث لا يمكن بقاء المقدمة على حرمتها، و الإنقاذ على وجوبه، و بعد تطبيق قواعد التزاحم، يقدم وجوب الإنقاذ، لأنّه أهم بنظر المولى، و حينئذ يسقط خطاب حرمة المقدمة، و هو خطاب حرمة الغصب، و بذلك تزول حرمة المقدمة، و حينئذ يسري الوجوب الغيري إليها، بناء على الملازمة.

3- القسم الثالث: هو: ما إذا كان للمقدمة فردين: أحدهما محرم، و الآخر مباح، و انحصرت المقدمة بالفرد المحرم بسوء اختيار المكلّف، كما هو محل كلامنا.

ففي مثله، لا تتصف هذه المقدمة بالوجوب الغيريّ، حتى بناء على الملازمة، لأنّ هذه المقدمة محرمة حرمة نفسيّة، و هذه الحرمة لم تسقط كما كانت تسقط في القسم الثاني، فإنّ سقوطها في القسم الثاني، إنّما هو باعتبار التزاحم كما عرفت.

و أمّا هنا فلا تزاحم بين النّهي عن المقدمة، و بين وجوب ذي المقدمة، لأنّ هذا النّهي، و إن سقط بعد انحصار المقدميّة بهذه المقدمة المحرمة، فالنّهي هنا استنفذ غرضه، كما عرفت سابقا، فيسقط، إلّا أنّ سقوطه سقوط عصياني.

و عليه: فلا يكون هذا النّهي مزاحما لوجوب ذي المقدمة، لأنّه قبل سقوط هذا النّهي، لم يكن هذا الفرد مقدمة بنظر الشارع، كي يزاحمه وجوب ذي المقدمة، و بعد أن أصبح هذا الفرد مقدمة، سقط النّهي عنه، و بعد سقوطه، لا يتصور مزاحمته، لوجوب ذي المقدمة.

508

و عليه: فهذه المقدمة باقية على حرمتها النفسية، و معه، لا تكون متصفة بالوجوب الغيريّ، حتى بناء على الملازمة.

و الحاصل: إنّ ميزان اتصاف المقدمة بالوجوب الغيريّ- بناء على الملازمة- إنّما هو، إذا لم تكن المقدمة محرّمة بالحرمة النفسية.

فإن قيل: إنّه بعد قيام البرهان العقلي على الملازمة، كيف يحكم بعدم وجوب المقدمة في بعض الصور، فإنّ مرجع هذا إلى تخصيص في حكم العقل، و هو مستحيل.

قلنا: لو كانت الملازمة ثابتة بالبرهان و الدليل العقلي، لتمّ هذا الكلام، إلّا أنّ الملازمة في المقام، ثابتة بالتجربة و الوجدان، لأنّها من الأمور التجريبية، فإنّ مرجع الملازمة في المقام، إلى أنّ من أحبّ شيئا، أحبّ مقدمته، و هذا لا يثبت بالبرهان، و إنّما بالتجربة النفسية، و التجربة قائمة على أنّ من أحب شيئا فقد أحب مقدمته، إذا لم تكن هذه المقدمة مبغوضة بغضا نفسيا، أو كانت مبغوضة كذلك، إلّا أنّ هذه المبغوضية زالت بالتزاحم، كما عرفت في القسم الثاني.

و عليه: فالخروج في محل كلامنا لا يتصف بالوجوب الغيريّ، بعد أن كانت مبغوضيته النفسية ثابتة.

إذن فيبقى الخروج في المقام مبغوضا و محرما، رغم وقوعه مقدمة للواجب.

هذا ملخص مراد صاحب الكفاية (قده) في المقام، و هو متين، و يدعمه الوجدان، و هو تمام الكلام في الكبرى، و به تمّ الكلام في النقطة الثانية أيضا.

- النقطة الثالثة، و هي: في أنه لو فرض تماميّة مقتضي إيجاب الخروج، و فرض أيضا تماميّة مقتضي تحريمه، ففي هذه الحالة، تنشأ مشكلتان:

509

1- المشكلة الأولى، هي: في كيفية التوفيق بين وجوب الخروج و حرمته.

2- المشكلة الثانية، هي: في مشكلة التوفيق بين حرمة الخروج، و وجوب ترك الغصب الزائد المنحصر في الخروج، حتى لو قطعنا النظر عن الوجوب المقدمي.

أمّا المشكلة الأولى، و هي: التوفيق بين وجوب الخروج الناشئ عن تماميّة مقتضيه، و حرمة الخروج الناشئة عن تماميّة مقتضيها.

و في بادئ النظر قد يتصور أن لا أساس لهذه المشكلة أصلا، لأنّ الوجوب في زمان، و الحرمة في زمان آخر، و معه، لا تبقى مشكلة، فإنّ حرمة الخروج ثابتة قبل الدخول، و في هذه الحالة لا وجوب للخروج، لأنّ وجوبه فرع مقدميته لترك الغصب، و قبل الدخول لا غصب أصلا.

و أمّا الوجوب: فإنّه ثابت بعد الدخول، و في هذه الحالة، لا حرمة، لسقوط النّهي سقوطا عصيانيا في هذه الحالة كما عرفت. و عليه: فقد اختلف زمن كل منهما، و معه لا مشكلة.

و هناك تقريبان لتصوير المشكلة لا يتأتى معهما هذا الكلام.

1- التقريب الأول، هو: إنّ التضاد بين الوجوب و الحرمة، إنّما هو بلحاظ عالم المبادئ، و هنا مبادئ كل منهما قد اجتمع مع الآخر في زمان واحد، لأنّه بعد الدخول، تكون مبادئ الوجوب موجودة، كما أنّ مبادئ الحرمة موجودة، لأنّ الساقط هو خطاب الحرمة، و هو لم يسقط بنسخ لترتفع مبادئه، و إنّما سقط عصيانا، فمبادئه موجودة، و بذلك ثبت اجتماع مبادئ كل منهما مع الآخر في زمان واحد، نعم لم يلزم اجتماع الوجوب و الحرمة بلحاظ عالم الخطاب، لما ذكر في بيان عدم الأساس لهذه المشكلة، حيث عرفت سقوط خطاب الحرمة بعد الدخول، و عدم وجود خطاب الوجوب قبل الدخول.

510

و عليه فالمشكلة موجودة بلحاظ عالم المبادئ التي هي الأساس في تضاد الأحكام.

و هذا التقريب غير تام، و ذلك لأنّه بعد انحصار ترك الحرام بالخروج، يكون الخروج محبوبا، فبعد الكسر و الانكسار بين محبوبيته و مبغوضيته، تزول مبغوضيته، لأنّ ملاك المحبوبية أقوى، و مع زوال المبغوضية لا تكون مبادئ الحرمة موجودة، كي يقال باجتماعها مع مبادئ الوجوب.

2- التقريب الثاني، و هو: مبني على تسليم كون الحرمة و الوجوب في زمانين، لا زمان واحد.

إلّا أنّ اجتماع الوجوب و الحرمة على فعل واحد، و لو في زمانين مستحيل بالنسبة للمولى العالم بالخفايا، و هو الله سبحانه و تعالى، و ذلك لأنّ هذا الفعل الواحد «كالخروج» مثلا، إذا لاحظه المولى، فإمّا أن يكون فيه مصلحة غالبة بالفعل، أو مفسدة كذلك، و على الأول يحكم بوجوبه لا غير، و على الثاني يحكم بحرمته لا غير، و لا معنى لاستبدال حكمه بعد ذلك، لأنّ المفروض أنّه لن يطلع على أمر لم يكن مطّلعا عليه.

و عليه، فاجتماع حكمين على فعل واحد، يؤدي إلى جهل الحاكم، و لو كان زمان كل حكم غير زمن الحكم الآخر كما في محل الكلام.

نعم يتصور ذلك في المولى العرفي، لإمكان الجهل في حقه، و أمّا المولى الحقيقي، فلا يتصور في حقه ذلك.

و عليه: فيستحيل اجتماع الوجوب و الحرمة في فعل «الخروج»، و لو كان ذلك في زمانين.

و هذا التقريب غير تام أيضا: بل الصحيح إمكان اجتماع حكمين على فعل واحد، في زمانين بالنسبة إلى المولى الحقيقي، و لا يؤدي ذلك إلى جهله، و ذلك أنّ الخروج إذا لاحظه المولى سوف يرى أنّه ذو مفسدة باعتبار أنّه غصب، كما أنّه سيرى أنّه ذو مصلحة باعتبار انحصار ترك الغصب به،

511

و لا بدّ للمولى أن يحسب حساب هذه المصلحة و تلك المفسدة، و يكون ذلك بجعل حكمين، فيحرّم الخروج قبل الدخول، و لا داعي لإيجابه في هذه الحالة، و أمّا بعد الدخول، فيوجب الخروج بعد سقوط الحرمة، و لا يؤدي ذلك إلى جهل المولى.

و توضيح ذلك، هو: إنّ عدم الخروج، يتحقق إمّا بعدم الدخول من الأول، و إمّا بترك الخروج، و استبداله بالبقاء في الأرض المغصوبة، فيما إذا فرض أنّه دخل.

فسدّ باب عدم الخروج، إمّا أن يتحقّق بترك الدخول رأسا، أو باستبدال الخروج بالبقاء في الأرض، إذا فرض أنّه دخل.

و سدّ باب عدم الخروج بترك الدخول رأسا، فيه مفسدة الغصب، لأنّ سدّ هذا الباب، معناه، الدخول إلى الأرض المغصوبة، و هذا ليس فيه أيّ مصلحة، إذ لا مقدميّة في مثله.

و أمّا سدّ باب عدم الخروج باستبداله بالبقاء، فهذا فيه مصلحة و مفسدة، لأنّ سدّ هذا الباب معناه، فعل الخروج، و هذا فيه مصلحة المقدميّة و مفسدة الغصب.

و بما أنّ المصلحة أهم، فتقدّم على المفسدة.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ سدّ الباب الأول الذي هو عبارة عن الدخول، فيه مفسدة خالصة، فلا بدّ من محافظة المولى على فتحه، و ذلك بالنّهي عن الدخول و الخروج، لأنّهما غصب، و أمّا بعد الدخول، فسدّ الباب الثاني الذي هو عبارة عن الخروج، و إن كان فيه مصلحة و مفسدة، إلّا أنّ المصلحة أهم، فالمولى يحافظ على سدّه، و ذلك بالأمر بالخروج فقط.

و بهذا، ثبت أنّه قبل الدخول، هناك نهي عن الخروج فقط، و أمّا بعده، فهناك أمر به فقط، و لا يوجد أيّ تهافت، أو أيّ شي‏ء آخر يوجب نسبة الجهل إلى الحاكم.

512

إلّا أنّه على ضوء ما ذكرنا، فنحن لا نلتزم بهذين الحكمين، حيث أنّه لا مقتضي لوجوب الخروج، لا نفسيا، و لا غيريا، كما عرفت.

هذا تمام الكلام في المشكلة الأولى مع حلّها.

2- المشكلة الثانية، و هي: في كيفيّة التوفيق بين حرمة الخروج، و وجوب ترك الغصب الزائد المنحصر تركه بالخروج.

و في مقام بيان الإشكال في كيفية الجمع بينهما، تذكر عدة أنحاء:

1- النحو الأول، و حاصله: إنّ حرمة الخروج تنافي وجوبه كما هو واضح، و وجوب الخروج وجوب غيريّ معلول لوجوب ذي المقدمة، و هو ترك الغصب.

و من المعلوم، أنّ التفكيك بين العلة و المعلول مستحيل، و عليه، فما يكون منافيا مع المعلول، يكون منافيا مع العلة و بذلك يثبت أنّ حرمة الخروج تنافي وجوب ترك الغصب، باعتبار أنّها منافية لمعلوله، و هو وجوب الخروج.

و هذا الكلام غير تام، و يجاب عليه بوجوه:

1- الوجه الأول، هو: ما ذكرناه سابقا، من أنّ الخروج ليس فيه ملاك الوجوب أصلا، و بهذا يرتفع أصل الإشكال.

2- الوجه الثاني، و هو: أنّه لو فرض اتصاف الخروج بالوجوب الغيريّ، ففي هذه الحالة، تسقط حرمته كما عرفت سابقا، و بهذا يندفع أصل الإشكال أيضا.

2- النحو الثاني، و هو: إنّه لا يمكن اتصاف ترك الغصب الزائد بالوجوب، مع كون الخروج حراما، و ذلك لأنّه يشترط في الوجوب، أن يكون متعلقه مقدورا، عقلا و شرعا، و في المقام، ترك الغصب الزائد ليس مقدورا شرعا باعتبار حرمة مقدمته المنحصرة، و الممتنع شرعا كالممتنع عقلا، لا يعقل التكليف به.

513

و عليه: فلا يعقل التكليف بترك الغصب مع كون مقدمته، و هي الخروج، محرمة، فحرمة الخروج تنافي وجوب ترك الغصب الزائد.

و لا يخفى أنّ هذا الوجه لو تمّ، فإنّه لا يتوقف على فرض كون الخروج مقدمة لترك الغصب، بل حتى لو فرض أنّه لم يكن مقدمة، إلّا أنّه ملازم له.

و من الواضح، أنّ الأمر بأحد المتلازمين مع تحريم ملازمه، تكليف بغير المقدور.

و هذا النحو غير تام أيضا: فإنّ القدرة على متعلق التكليف شرط بحكم العقل، فلا بدّ من ثبوت القدرة التكوينيّة و الشرعية على الفعل، و إلّا لا يصح التكليف به.

و مرجع القدرة التكوينية إلى كون المكلف قادرا تكوينا على الفعل مع مقدماته.

و مرجع القدرة الشرعيّة، إلى كون المكلّف- على تقدير انقياده للمولى- قادرا على الفعل مع مقدماته، و حينئذ إذا كانت المقدمة محرمة شرعا، و كانت منحصرة، فلا يصح تكليفه بذي المقدمة- مع فرض انقياده للمولى- لأنّ المفروض أنّه لا يمكن لهذا المكلف إذا أراد الإتيان بذي المقدمة، التخلص من معصية المولى، باعتبار أنّ مقدمته التي انحصر الإتيان فيها محرمة. و عليه: فلا يكون في هذه الحالة متمكنا من الانقياد، و معه لا يصح تكليفه.

و الحاصل: إنّ القدرة الشرعية شرط بحكم العقل، و مرجعها إلى ما ذكرناه من كون المكلّف- على تقدير انقياده- قادرا على الفعل مع مقدماته، و هذه القدرة موجودة في محل كلامنا، و ذلك لأنّ الخروج بالنسبة لمن دخل الغصب بسوء اختياره، لو فرض أنّه سينقاد لمولاه بعده، فهذا الخروج ليس منافيا للانقياد، بل هو عين الانقياد، و إن كان معصية، إلّا أنّه أخفّ المحذورين. و عليه: فالقدرة الشرعية على ترك الغصب الزائد، موجودة، لأنّ مرجعها هو القدرة على الفعل، حتى على فرض الانقياد، و هو قادر عليه في فرض الانقياد، كما عرفت.

514

و هذا الجواب مطابق لما ذكره في «الكفاية» (1)، كما ذكر جوابا آخر عن هذا النحو، و حاصله: إنّنا لو سلّمنا بعدم القدرة الشرعية على ذي المقدمة، و هو ترك الغصب الزائد، فغاية الأمر، أنّنا نلتزم بسقوط وجوبه، كما التزمنا بسقوط النّهي عن الخروج بعد الدخول، إلّا أنّ سقوط الوجوب سقوط عصياني يعاقب عليه. و عليه: فكما يعاقب على الخروج، فإنّه يعاقب على عدم ترك الغصب الزائد.

و بذلك يثبت المطلوب بثبوت نتيجته، و هذا كلام تام أيضا.

3- النحو الثالث: لبيان هذه المشكلة، هو إنّ النّهي عن الخروج و إن سقط، إلّا أنّه سقوط عصياني كما عرفت، و هذا معناه، أنّ الغرض من عدم الخروج فعلي، و لهذا كان صدور الخروج معصية، و إذا كان غرضه فعليا، فحينئذ، لا يمكن للمولى أن يأمر بذي المقدمة المنحصر وجودها بالخروج، لأنّ معنى ذلك، أنّ المولى يحركه نحو الخروج، و هذا التحريك نقض للغرض الفعلي لعدم الخروج.

و بهذا يثبت عدم إمكان التوفيق بين حرمة الخروج، «بمعنى كونه معصية» و بين وجوب ذي المقدمة، و هو ترك الغصب الزائد.

و هذا النحو غير تام أيضا: و ذلك لأنّ الأمر بذي المقدمة، لا ينقض هذا الغرض، و إنّما هو في طول انتقاض هذا الغرض، و ذلك لأنّ المكلّف بعد دخوله إلى الغصب، هو مضطر للمكث بمقدار ما يستغرقه الخروج.

و عليه: فيتعيّن عليه المكث في هذا المقدار، إمّا مكثا سكونيا، أو مكثا خروجيا، و لو لم يأمر المولى بترك الغصب الزائد.

و حينئذ فهذا المقدار من المكث، قد انتقض فيه الغرض، فلا يكون بالأمر بذي المقدمة هو الناقض، بل في طول هذا الانتقاض.

____________

(1) كفاية الأصول- الخراساني- ج 1، ص 269- 268.

515

نعم الأمر بذي المقدمة هو المعيّن لأسلوب النقض، فيجعل مكثه مكثا خروجيا لا سكونيا، لأنّ أمره بترك الغصب الزائد هو تحريك نحو الخروج.

و عليه: فلا محذور من الأمر بذي المقدمة، و بهذا يتضح حل المشكلة الثانية، و بهذا أيضا يتم الكلام في المقام الأول، و هو حكم الخروج بنفسه.

2- المقام الثاني، و هو: لبيان حكم الصلاة حال الخروج، و يتضح ذلك من خلال شقّين:

1- الشق الأول، هو: أن يفرض أنّ هذا المكلف بعد خروجه من الغصب، لا يتمكن من الإتيان بالصلاة أصلا.

2- الشق الثاني، هو: أن يفرض أنّه يتمكن من الصلاة الاختيارية، أو الاضطرارية فقط.

أمّا الكلام في الشق الأول: فتارة نبني على جواز اجتماع الأمر و النّهي، و أخرى نبني على عدم جوازه.

فإن بنينا على الجواز، فإمّا أن تكون الصلاة الاختيارية موجبة لزيادة المكث في الغصب، و إمّا أن لا تكون موجبة لذلك، فهاتان صورتان:

أ- الصورة الأولى، و هي: فيما إذا كانت الصلاة الاختيارية موجبة لزيادة المكث، و قلنا بجواز اجتماع الأمر و النّهي، ففي هذه الحالة لا إشكال في أنّ وظيفته هي الصلاة الاضطرارية- أي الإيماء- و لا يكلّف بالصلاة الاختيارية، فإنّ الصلاة الاختيارية و إن لم تكن مصداقا للحرام- بناء على جواز الاجتماع- إلّا أنّها ملازمة للمكث الزائد المحرم، فيقع التزاحم بينها و بين حرمة الغصب، و بمقتضى تقديم جانب حرمة الغصب، حينئذ يرفع المولى يده عن الصلاة الاختيارية، و تكون الوظيفة هي الصلاة الإيمائية، و هي ليست مصداقا للحرام، لأنّ المفروض هو جواز الاجتماع، كما أنّها غير ملازمة مع الحرام، لأنّها لا تستوجب مكثا زائدا، فهي غير مزاحمة بحرمة الغصب.

516

إلّا أنّه لو فرض أنّه في مثل هذه الحالة أتى المكلف بالصلاة الاختيارية، فحينئذ، تقع صلاته صحيحة بناء على الترتّب، و الوجه في ذلك، أنّ هذه الصلاة الاختيارية ليست مصداقا للحرام، بناء على جواز الاجتماع، غايته، أنّه ملازم مع المكث الزائد الذي هو حرام، فإذا عصى هذا الحرام، بأن صلّى صلاة اختيارية، تقع حينئذ صحيحة بناء على التّرتّب.

ب- الصورة الثانية: و هي: ما إذا لم تكن الصلاة الاختيارية مستلزمة لزيادة المكث، و في هذه الحالة يتعيّن عليه الصلاة الاختيارية، لأنّها ليست مصداقا للحرام- بناء على جواز الاجتماع- كما أنّها غير مستلزمة للحرام، لأنّها لا تستلزم مكثا زائدا حسب الفرض.

و أمّا بناء على امتناع اجتماع الأمر و النّهي، ففي المقام، إمّا أن يبنى على أنّ الغصب يتحد مع الصلاة في السجود فقط، و إمّا أن يبنى على أنّه يتحد معها في جميع أكوانها.

أمّا إذا بني على الأول، فالمتعيّن حينئذ هو الصلاة الإيمائية، سواء استلزمت الصلاة الاختيارية مكثا زائدا، أو لم تستلزم.

و الوجه في ذلك: إنّ الصلاة الاختيارية تشتمل على السجود، و هو محرّم بالنّهي السابق الساقط عصيانا، و مع حرمته لا يكون خطاب، «صلّ»، شاملا له، بناء على الامتناع، و تقديم جانب النهي، و إذا لم يكن خطاب، «صلّ»، شاملا له، فلا يقع صحيحا، و بذلك تبطل الصلاة المشتملة عليه.

و عليه: فالمتعيّن هو الصلاة الإيمائية.

و أمّا إذا بني على الثاني، و هو: إنّ الغصب يتحد مع الصلاة في جميع أكوانها، فحينئذ، مقتضى القاعدة هو عدم وجوب الصلاة، سواء الإيمائية أو الاختيارية، فيسقط خطاب «أقيموا الصلاة»، إلّا أنّه سقوط عصياني كما يسقط خطاب «لا تغصب» سقوطا عصيانيا، و ذلك لأنّه يوجد عندنا خطابان، «صلّ»، و «لا تغصب»، و بناء على الامتناع، و تقديم جانب النهي، يكون‏

517

خطاب «لا تغصب» مقيّدا لخطاب «صلّ»، حال التعارض فيقيّده بالصلاة في المكان المباح، فينتج عندنا حينئذ خطاب أحدهما، «لا تغصب»، و الثاني، «صلّ» في المكان المباح، و كلا هذين الخطابين، يمكن امتثالهما قبل الدخول في الغصب، إلّا أنّه بعد الدخول بسوء الاختيار، يكون المكلّف مضطرا للغصب بمقدار الخروج، و بذلك يسقط خطاب «لا تغصب» سقوطا عصيانيا بسبب هذا الاضطرار الذي كان بسوء الاختيار، كما أنّ خطاب «صلّ»، في المكان المباح، يسقط لعدم القدرة على الصلاة في المباح، بناء على فرض الكلام.

و عليه: فيسقط هذا الخطاب سقوطا عصيانيا، هذا هو مقتضى القاعدة.

إلّا أنّه قام الدليل الخاص، و هو الإجماع، على أنّ الصلاة لا تترك بحال، و عليه، فلا بدّ من الإتيان بالصلاة حال الخروج، و تقع صحيحة، لأنّها مأمور بها، و من هنا، التزم غير واحد بانتفاء المبغوضيّة عن هذه الصلاة، و علّلوا ذلك بوجهين:

الوجه الأول: و قد ذكره الخوئي (قده) (1) حيث ذهب إلى انتفاء المبغوضيّة، باعتبار أنّه لو كانت المبغوضية، لما أمكن التقرب بهذه الصلاة، لأنّ المبغوض لا يعقل التقرب به، و إذا لم يمكن التقرب بها لا تقع صحيحة، و المفروض أنّ هذه الصلاة تقع صحيحة، إذن فلا بدّ من الالتزام بانتفاء هذه المبغوضية.

إلّا أنّ هذا الوجه غير تام، إذ قد عرفت إمكان التقرب بالمبغوض، و ذلك لأنّ بديل الفعل المبغوض الممكن فعلا، إن كان أشدّ منه مبغوضيّة، فحينئذ، يتقرب بالمبغوض الأضعف، و قد عرفت تحقيقه سابقا.

و مقامنا من هذا القبيل، لأنّ الأمر يدور بين الغصب المجرد، أو الغصب المقارن للصلاة، و الثاني أخفّ مبغوضيّة، فيكون وقوعه أحسن لحال المولى، و هذا هو معنى التقرّب.

____________

(1) أجود التقريرات- الخوئي: ج 1 ص 381- 373.

518

نعم لو كان البديل للصلاة في الغصب، هو ترك الغصب، لما أمكن التقرب بهذه الصلاة.

2- الوجه الثاني الذي ذكروه وجها للالتزام بانتفاء المبغوضية، هو:

إنّ هذه الصلاة لو كانت مبغوضة، للزم اجتماع الضدّين في شي‏ء واحد، لأنّ المفروض أنّها محبوبة، باعتبار الأمر بها، فيلزم اجتماع المحبوبية و المبغوضية في شي‏ء واحد، و هو مستحيل.

و هذا الوجه غير تام أيضا، لأنّنا نقول: إنّ هذه الصلاة غير واجدة للمحبوبية ليلزم اجتماع الضدّين، فإنّه لا موجب للالتزام بمحبوبيتها، لا ثبوتا، و لا إثباتا.

أمّا ثبوتا: فلأنّ الأمر كما يتعقل نشوؤه من المحبوبية، كذلك يتعلق نشوؤه من محاولة تخفيف المبغوضيّة، كما في فرض الكلام.

و أمّا إثباتا، فلأنّ الأمر بهذه الصلاة، لو كان مستفادا من دليل لفظي، كما عن المعصوم‏ (1)، (صلى اللّه عليه و آله)، أنّه «لا تدع الصلاة على حال، الصلاة عماد دينكم»، فحينئذ، نلتزم بوجود المحبوبية في متعلقه، لأنّ الاستظهار العام في مثل هذه الخطابات، هو فعليّة الحكم مع مبادئه من المحبوبية، أو المبغوضيّة.

إلّا أنّ المفروض، أنّ هذا الأمر لم نستفده من خطاب لفظي، بل من دليل لبّي، و هو الإجماع، و غاية ما يقتضيه هذا الإجماع، هو إثبات الوجوب، و أمّا فعليّة المحبوبية، فلا تثبت به، كي يقال، إنّه لا بدّ من الالتزام بزوال المبغوضية، و إلّا لزم اجتماع الضدّين في واحد.

و قد يقال: بأنّ هذا الأمر استفيد من دليل لفظي، و هو قوله: «لا تدع‏

____________

(1) وسائل الشيعة الحر العاملي: ج 2 ص 605 حديث- 5-.

519

الصلاة على حال»، فهذا دليل لفظي، يدل على وجوب الصلاة في كل حال.

فإنّنا نقول: إنّ هذا الدليل، لا يمكن استفادة الأمر منه في مثل المقام، بل يستفاد منه الأمر في موارد الاضطرار غير الاختياري، أي: في موارد قاعدة الميسور.

و توضيح ذلك هو: إنّ قاعدة «لا تدع الصلاة بحال»، معناها، إنّ كل مكلّف قد شرع في حقه الصلاة بنحو، إمّا أن يكون ممتثلا، أو عاصيا، و حينئذ، فإذا فرض أنّ إنسانا لا يتمكن من الصلاة قياما، ففي هذه الحالة، إن قيل تسقط في حقه مطلقا، فهذا خلاف القاعدة المذكورة، فإنّ مقتضاها انه مكلّف بالصلاة من جلوس، فهذه القاعدة يثبت بها الأمر في مثل هذه الموارد، و هكذا في كل مورد لا يعتبر المكلّف مخاطبا بالصلاة، بحيث لو ترك، لا يكون عاصيا.

ففي كل مورد من هذا القبيل، نثبت وجود الأمر بالصلاة الممكنة له.

و أمّا في محل الكلام: فإنّ المكلّف، هو الذي أخّر صلاته عمدا إلى آخر الوقت، بحيث لا يتمكن من الإتيان بها خارج الغصب، ففي مثل ذلك، لا يمكن أن نثبت الأمر بالصلاة بهذه القاعدة.

و الوجه فيه هو: إنّنا لو لم نلتزم بوجود أمر من ناحية هذه القاعدة، لا يلزم منه كون المولى قد رفع يده عن هذه الصلاة حتى لا يكون عاصيا، ليكون هذا منافيا لمقتضى القاعدة، بل المولى لم يرفع يده، و الأمر بهذه الصلاة سقط سقوطا عصيانيا، فيعاقب على ذلك.

و بهذا يظهر أنّ هذه القاعدة يثبت بها الأمر في موارد الاضطرار غير الاختياري، و لا يثبت بها الأمر في مثل محل كلامنا، و لأجل ذلك، قلنا إنّ ثبوت الأمر بالصلاة في محل الكلام، منحصر بالدليل اللبّي، و هو الإجماع أو شبهه.

520

و عليه: فلا وجه للالتزام بارتفاع المبغوضية عن هذه الصلاة التي ثبت الأمر بها، و أنّها تقع صحيحة.

إلّا أنّ الكلام، في أنّ هذه الصلاة الواجبة، هل يتعيّن كونها اختيارية، أو إيمائية فنقول: إنّ الصلاة الاختيارية، إن كانت مستلزمة لمكث زائد، فالمتعيّن في حقه هو الصلاة الإيمائية، حيث لا موجب لرفع اليد عن حرمة المكث الزائد.

و إن لم تكن مستلزمة لمكث زائد، فالمتعيّن هو الصلاة الاختيارية، و لا ينافي ذلك مع حرمة المكث الزائد، باعتبار عدم استلزام الاختيارية للمكث الزائد، كما لا يتنافى ذلك مع حرمة أصل الغصب المضطر إليه، و التي سقطت سقوطا عصيانيا بالاضطرار، و ذلك لأنّ حال الاختيارية هو حال الإيمائية بالنسبة لحرمة أصل الغصب، لأنّ المفروض اتحاد الصلاة مع الغصب في جميع أكوانها، و عليه: فلا موجب لرفع اليد عن إطلاق جزئية الركوع و السجود و غيرهما، بل يتمسك بهذا الإطلاق، و بذلك يثبت أنّ الواجب هو الصلاة الاختيارية.

هذا كله بناء على القول المختار، من وقوع الخروج معصية و محرما بالنّهي الساقط بالاضطرار الناشئ من سوء الاختيار.

و أمّا بناء على القول الآخر، و هو إنّ الخروج يقع واجبا، إمّا نفسيا، أو غيريا، ففي كل مورد أوجبنا الصلاة الإيمائيّة على القول المختار، فتكون هذه الصلاة الإيمائية أيضا واجبة، بناء على هذا القول، و ذلك لأنّ الصلاة الاختيارية بما هي ركوع و سجود، ليست مصداقا للخروج لتكون واجبة و يرتفع المانع عن إيقاعها صحيحة، بل حال الاختيارية بناء على هذا القول، كحالها بناء على المختار.

نعم الصلاة الإيمائية بناء على المختار، تكون واجبة بالدليل الثانوي، و هو الإجماع، كما عرفت.

521

و أمّا بناء على هذا القول، فتكون واجبة بالدليل اللفظي، هو نفس خطاب «أقيموا الصلاة».

و الوجه في ذلك هو: إنّ الخروج واجب حسب الفرض، و ليس في الصلاة الإيمائية ما يزيد على الخروج شيئا من المكث، لتكون محرمة، و عليه: فلا موجب لسقوط خطاب «أقيموا الصلاة» و عدم شموله لهذه الصلاة، بل يبقى شاملا لها.

و من خلال ما ذكر، يمكن التفريق حينئذ في النتيجة، بين القول المختار، و القول الآخر.

هذا هو تمام الكلام في الشق الأول، و هو أن يفرض إنّ المكلف لا يتمكن من أداء الصلاة بعد خروجه من الغصب.

و أمّا الكلام في الشق الثاني: و هو ما لو فرض أنّه يتمكن من الصلاة بعد خروجه من الغصب، فحينئذ: ففي المورد الذي حكمنا بوجوب الصلاة الإيمائية عليه في الشق السابق، إن كان يتمكن خارج الغصب من أداء الصلاة الاختيارية، أو ما هو أحسن حالا من الإيمائية، فحينئذ لا يجوز له الصلاة داخل الغصب.

و إن لم يتمكن من ذلك، بل كان حال الصلاة خارجه كحالها داخله، فحينئذ، بناء على أنّ وجوب الإيمائيّة ثابت بالدليل اللفظي، فله أن يصلي داخل الغصب أيضا.

و أمّا بناء على أنّه ثابت بالإجماع كما هو الحال على القول المختار، فحينئذ، ليس له أن يصلي داخل الغصب، لأنّ الإجماع دليل لبّي، يقتصر فيه على القدر المتيقّن، و هذا المورد ليس منه.

هذا هو تمام الكلام في التنبيه الأخير من تنبيهات اجتماع الأمر و النّهي و به تمّ الكلام في مسألة اجتماع الأمر و النّهي ثم بعد هذا ندخل في بحث اقتضاء النّهي الفساد:

522

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

523

[الفصل الثالث‏] في اقتضاء النّهي الفساد و الكلام فيه يقع في مسألتين:

أ- المسألة الأولى: في العبادات.

ب- المسألة الثانية: في المعاملات.

[المسألة الاولى اقتضاء النّهي للفساد في العبادات و يستدعي بيان أمور]

أمّا الكلام في المسألة الأولى، و هي اقتضاء النّهي الفساد في العبادات، فيستدعي بيان أمور:

1- الأمر الأول، هو: إنّ المقصود بالفساد هنا، هو: عدم الصحة، بالمعنى الذي يهم المكلف‏

، أي: عدم كون ما أتى به مجزيا في مقام الامتثال، و كونه موجبا للإعادة أو القضاء.

و لا فرق بين كون اقتضاء النّهي لفساد العبادة، بلحاظ عجز المكلّف عن الإتيان بالعبادة، بسبب عدم إمكان التقرّب بها من جهة مبغوضيتها، و إن لم تفقد ملاكها، و بين كون اقتضائه للفساد بلحاظ قصور العبادة الذاتي، باعتبار أنّ النّهي يوجب زوال ملاكها. فالبحث عن الاقتضاء للفساد لا يفرّق فيه من هذه الجهة، بل المهم إثبات الفساد بأحد هذين اللحاظين.

2- الأمر الثاني: هو: إنّ النّهي على أقسام خمسة:

1- القسم الأول، هو: النّهي الذي يكون نفسيا، خطابا و ملاكا

، كالنّهي عن الشّرك بالله، فإنّه نفسي ملاكا، باعتبار أنّ نفس متعلّق النّهي،- و هو الشرك- هو مفسدة بذاته. فالملاك، و هو المفسدة، هو نفس‏

524

المتعلق، كما أنّه نفسي خطابا، لأنّه نفسي ملاكا، و المولى قد جعل نفس ترك الشرك في عهدة المكلف.

2- القسم الثاني، هو: النّهي الذي يكون نفسيا خطابا، و غيريا ملاكا

، و ذلك كالنّهي عن شرب الخمر، فإنّه نفسي خطابا، لأنّ نفس ترك شرب الخمر، قد جعل على عهدة المكلّف، إلّا أنّه غيريّ ملاكا، لأنّ ملاك حرمة شرب الخمر، ليس قائما بنفس الشرب من حيث هو، بل قائم بآثاره، و من هنا كان الملاك غيريّا.

3- القسم الثالث، هو: النّهي الذي يكون غيريا ملاكا و خطابا

، كالنّهي عن الصلاة باعتبار مضادّتها للإزالة، بناء على أنّ الأمر بالشي‏ء يقتضي النّهي عن ضده، فإنّ النّهي عن الصلاة هنا غيريّ ملاكا، لأنّ هذا النّهي، كان بلحاظ محبوبيّة الإزالة، لا لمفسدة في نفس الصلاة، كما أنّه غيريّ خطابا، لأنّ النّهي قد استفيد تبعا، من الأمر بالضّد، فالمولى لم يدخل ترك الصلاة مباشرة في عهدة المكلّف، بل استفيد ذلك تبعا، كما عرفت.

4- القسم الرابع، هو: النّهي الذي يكون ناشئا من مصلحة في نفس جعله‏

، بمعنى أنّ نفس المتعلق لا مفسدة فيه، كما في القسم الأول، و لا يترتّب عليه مفسدة لو خلّي و طبعه، كما في القسمين الثاني، و الثالث، و إنّما المصلحة في نفس جعله، بناء على معقوليّة هذا النحو، و قد عرفت عدم معقوليته سابقا.

5- القسم الخامس، هو: النّهي الذي يكون ناشئا عن ملاك في متعلقه، إلّا أنّ هذا الملاك في المتعلق، متولّد من جعل نفس النّهي‏

، و ذلك كالنواهي الامتحانية. و هذا هو النحو المعقول فيه، نشوء احكام من مصالح في نفس جعلها.

و الآن، يبحث في أنّ اقتضاء النّهي الفساد، هل يشمل جميع هذه‏

525

الأقسام، أو أنّه يختص ببعضها، إنّما هذا مرهون بتشخيص الملاكات المذكورة للاقتضاء.

و عليه: فلا بدّ من البحث عن هذه الملاكات التي يدّعى كونها ملاكات للاقتضاء، و هذا ما سوف نذكره في الأمر الثالث.

3- الأمر الثالث: في بيان الملاكات التي ذكرت، و تحقيق حالها:

1- الملاك الأول، و حاصله هو: إنّ النواهي تابعة للمفاسد، فإذا تعلّق النّهي بعبادة، فيكون كاشفا، «إنّا»، عن ثبوت مفسدة في تلك العبادة، و بما أنّ المفسدة و المصلحة من الأوصاف المتنافية التي لا يمكن اجتماعها، فحينئذ، يكون النّهي الكاشف عن وجود مفسدة، كاشفا عن عدم وجود مصلحة في العبادة المنهي عنها، و إذا لم يكن في العبادة مصلحة، فلا تكون واجدة للملاك، و معه لا تقع مجزية، و هذا هو المطلوب.

و بهذا يثبت، إنّ النّهي يقتضي عدم الإجزاء، و هذا هو مقصودنا بالفساد في عنوان المسألة.

و لا يخفى أنّ هذا الملاك يثبت بطلان العبادة باللحاظ الثاني الذي أشير إليه، أي: بسبب قصور العبادة الذاتي عن الإجزاء، باعتبار أنّها فقدت ملاكها بالنّهي عنها.

و يتفرع على ذلك، إنّ المانع من الصحة و الإجزاء، إنّما هو النّهي بوجوده الواقعي، و إن لم يكن واصلا للمكلف، لأنّ ملاك عدم الإجزاء، هو استكشاف عدم المصلحة، و عدم المصلحة تابع لثبوت النّهي واقعا.

و عليه: ففي صورة الشك في وجود الحرمة، إن قام دليل اجتهاديّ على ثبوتها، فيكون هذا الدليل دالا بالالتزام على بطلان تلك العبادة المحرمة، و أمّا مع عدم الدليل، فتجري البراءة.

و بذلك تثبت صحة العبادة لكن ظاهرا، و أمّا واقعا، فإنّ الصحة و الفساد تابعان لعدم ثبوت الحرمة و ثبوتها واقعا.

526

ثمّ إنّ هذا الملاك لو تمّ، فلا يختص بالعبادات، بل يشمل الواجبات التوصّليّة إذا نهي عن بعض أفرادها، «كردّ السلام»، لو فرض أن نهي عنه بكيفيّة خاصة، فحينئذ، إذا ردّ المكلف السلام بهذه الكيفية المنهيّ عنها، لا يكون ردّه مجزيا، لنفس البيان السابق. و الصحيح في المقام عدم تمامية هذا الملاك إلّا في القسم الأول من أقسام النّهي الذي لا مثال عملي له في الفقه.

و توضيح ذلك، يتوقف على بيان مقدمة، و حاصلها: إنّ الأوصاف المتنافية على قسمين:

1- القسم الأول: الأوصاف التي تكون متنافية، بحمل «هو هو»، و بحمل «ذو هو»، و ذلك كالعلم و الجهل، فهما وصفان متنافيان بكلا الحملين، فلا يصح حملهما على موضوع واحد، بحمل «هو هو»، فلا يقال: «هذا الشي‏ء علم»، و هو بعينه جهل، كما لا يصح حملهما على موضوع واحد بحمل «ذو هو»، فلا يقال: «زيد ذو علم بتلك القضية، و ذو جهل بنفس تلك القضية».

2- القسم الثاني: الأوصاف المتنافية بحمل «هو هو» دون حمل «ذو هو»، و ذلك كالبياض و الرائحة، فلا يحملان على موضوع واحد بحمل «هو هو» فلا يقال: «هذا بياض»، و هو بعينه رائحة، لأنّ البياض كيف مبصر، و الرائحة كيف مشموم، و هما متنافيان، لكن هما غير متنافيين بحمل «ذو هو»، فلا مانع أن يقال: «هذا الشي‏ء ذو بياض» ثمّ يشار إلى نفس ذلك الشي‏ء و يقال: إنّه «ذو رائحة».

و بعد هذه المقدمة، نأتي إلى محل الكلام فنقول: إنّ الأحكام التي تكون من قبيل القسم الأول من الأقسام الخمسة، بأن يكون النّهي نفسيا، خطابا و ملاكا، كالنّهي عن الشرك بالله تعالى، كما أنّ الأمر نفسي، خطابا و ملاكا، كالأمر بمعرفة اللّه تعالى، ففي مثل ذلك، نفس متعلق النّهي، هو مفسدة، و نفس متعلق الأمر هو مصلحة، فتكون المصلحة و المفسدة محمولتين على المتعلق بحمل «هو هو»، لأنّه يقال: الشرك بالله مفسدة،

527

و معرفة الله تعالى مصلحة، و من المعلوم إنّ المصلحة و المفسدة متنافيتان بحمل «هو هو»، فلا يقال: هذا «مصلحة» ثم يشار إليه بعينه، و يقال: «إنّه مفسدة»، فإنّ ذلك مستحيل.

و عليه، فإذا ثبت إنّ هذا الشي‏ء مفسدة، فيدل ذلك بالملازمة على عدم وجود مصلحة فيه، و معه، لا يكون ملاكه تاما، و عليه فلا يقع مجزيا، و بذلك يتم هذا الملاك الأول للقول بعدم الإجزاء.

هذا إذا لاحظنا القسم الأول من الأقسام الخمسة. و أمّا إذا لاحظنا بقيّة الأقسام، ففي تلك الأقسام، لا يكون المتعلّق بنفسه مفسدة في النواهي، و بنفسه مصلحة في الأوامر، بل يترتّب عليه مفسدة أو مصلحة، فحينئذ، المصلحة و المفسدة في هذه الأقسام، تكون محمولة على المتعلق بحمل «ذو هو» لا بحمل «هو هو» لأنّه ليس بنفسه مصلحة أو مفسدة، بل هو ذو مصلحة أو ذو مفسدة.

و من المعلوم، إنّ المصلحة و المفسدة غير متنافيتين بحمل «ذو هو»، فلا مانع أن يقال: «هذا الشي‏ء ذو مصلحة»، و هو بعينه ذو مفسدة، لاحتمال أن يكون ذا مصلحة من جهة، و ذا مفسدة من جهة أخرى، و حينئذ، فثبوت المفسدة فيه، لا يكون دالا بالالتزام على انتفاء المصلحة، ليتم ما ذكر في الملاك الأول.

و بهذا يثبت، إنّ الملاك الأول لا يتم، إلّا في القسم الأول فقط، و عليه فلا فائدة منه، لأنّ الكلام في النواهي، إنّما هو بلحاظ الأقسام الأربعة الأخيرة.

و أمّا القسم الأول: فهو غير عملي فقهيا، لأنّ العبادات المنهي عنها، ليس نفس المتعلّق فيها مفسدة، كما هو حال القسم الأول، بل المتعلّق فيها ممّا يترتب عليه المفسدة، فهو من قبيل أحد الأقسام الأربعة الأخرى.

و بهذا يثبت، أن لا فائدة عمليّة في تماميّة هذا الملاك.

528

2- الملاك الثاني، و هو: يتنزّل عمّا ذكر في الملاك الأول، من أنّ النّهي يكشف عن نفي المصلحة رأسا، إلّا أنّه يدّعى فيه، بأنّ النّهي يكشف عن أنّ المصلحة في الفعل مغلوبة للمفسدة، و ذلك لأنّ النّهي الفعلي يكشف عن مفسدة فعلية، و مع فعليّة المفسدة تكون المصلحة مغلوبة، و معه لا يمكن للعبد أن يتقرب بهذا الفعل، لا من ناحية الأمر، لأنّه لا أمر في ظرف فعليّة النهي بعد البناء على امتناع اجتماع الأمر و النّهي، و لا من ناحية الملاك، لأنّه مغلوب.

و عليه، فيقع هذا الفعل باطلا، و غير مجز، و هو المطلوب.

و هذا الملاك، إن تمّ، فهو ينتج: إنّ بطلان الفعل لا لقصور ذاتي فيه، كما كان في الأول، لأنّ المفروض هنا، أنّ الفعل لم يفقد ملاكه، غايته أنّه مغلوب، و إنّما يكون البطلان من جهة عدم إمكان التقرب، و يترتّب على ذلك، إنّ هذا الملاك، إن تمّ، فهو يختص بالعبادات، لأنّ البطلان بسبب عدم إمكان قصد القربة، إنّما يكون بالنسبة للعبادات، حيث يشترط فيها هذا القصد، و أمّا غيرها فلا يشترط فيه.

و من هذه الناحية أيضا، افترق هذا الملاك في النتيجة عن سابقه.

نعم، يتفق هذا الملاك مع السابق، في أنّ البطلان مستند إلى وجود النّهي واقعا، لأنّ نكتة البطلان، هي مغلوبية المصلحة، و هذا تابع لوجود النّهي واقعا، و يترتّب على ذلك، أنّه في فرض الشك يحكم بالصحة ظاهرا.

ثمّ إنّه بناء على فرض تماميّة هذا الملاك، فإنّه يتم في جميع أقسام النّهي المتقدمة، عدا القسم الرابع، و هو الذي يكون النّهي فيه ناشئا عن مصلحة في نفس جعله، ففي هذا القسم، النّهي لا يكشف عن مفسدة في المتعلّق، و عليه، فلا يكون كاشفا عن مغلوبية في المصلحة، لأنّ المصلحة لم تندكّ ضمن مفسدة أقوى لتكون مغلوبة، حيث أنّه لا مفسدة في المتعلق أصلا، كما عرفت.

529

و الصحيح، عدم تمامية هذا الملاك أيضا، فإنّ مجرد مغلوبيّة المصلحة و الملاك، لا يمنع من التقرب بالفعل، ما لم يكن هناك مانع آخر، كتنجز الحرمة، و نحو ذلك ممّا يأتي الإشارة إليه، و إلّا فلو فرض أنّ الفعل محرّم واقعا، إلّا أنّ الحرمة لم تصل إلى المكلّف، فأيّ مانع حينئذ من التقرّب بهذا الفعل، و لو كان ملاكه مغلوبا بحسب الواقع؟.

و بعبارة أخرى: إنّ صاحب هذا الملاك اشتبه بين معنيين من القرب و البعد.

و توضيح ذلك: إنّ للقرب و البعد معنيين:

1- المعنى الأول، هو: القرب و البعد بلحاظ الأغراض النفسية للمولى.

2- المعنى الثاني، هو: القرب و البعد بلحاظ موازين المولويّة و العبوديّة، فمثلا لو أنقذ شخص ابن المولى بتخيّل أنّه عدوّه، فهنا، يحصل قرب من المولى بلحاظ المعنى الأول، لأنّ هذا الإنقاذ يوافق غرضه النفسي، إلّا أنّه لا يحصل قرب بالمعنى الثاني، لأنّ هذا الإنقاذ، لا يمثل العبودية.

و ينعكس الحال، فيما لو أنقذ عدوّ المولى، يتخيل أنّه ابنه، كما هو واضح.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ قصد القربة المعتبر في العبادة، إن قصد به المعنى الأول، للقرب، فحينئذ، لا يمكن التقرب بالملاك المغلوب واقعا، و إن لم يعلم المكلّف بمغلوبيته، لأنّ هذا لا يوافق غرض المولى النفسي، و يتم ما ذكر في هذا الملاك حينئذ.

إلّا أنّ الصحيح، أنّ قصد التقرب المعتبر، هو التقرب بالمعنى الثاني، أي: بحسب موازين المولويّة و العبوديّة.

530

و معه، لا مانع من التقرب بالملاك المغلوب واقعا، إذا لم يكن المكلّف عالما بمغلوبيته، و حينئذ، فلا يتم ما ذكر في هذا الملاك.

3- الملاك الثالث: و حاصله: هو إنّ النّهي إذا تعلق بالعبادة، فذلك يستوجب انتفاء الأمر عنها- بناء على امتناع الاجتماع-.

و عليه، فلا يمكن التقرب بالأمر لعدم وجوده، و أمّا الملاك، فهو و إن كان موجودا، إلّا أنّه لا يمكن التقرب به، لا لأنّه مغلوب، كما كان الحال في الملاك الثاني، بل من جهة أنّ الملاك بما هو ملاك، لا يصلح لأن يتقرب به، سواء أ كان غالبا، أو مغلوبا.

و يمكن أن يقرب هذا بوجهين:

1- الوجه الأول، هو: إنّ الملاكات التي هي عبارة عن المصالح، تارة، ترجع إلى نفس المولى، كما هو الحال في المولى العرفي، و أخرى، ترجع إلى نفس العبد دون المولى، كما في أوامر الله تعالى.

فإذا كانت من قبيل الأول: فحينئذ، يمكن للعبد أن يتقرب بالملاك، كما لو علم العبد بأنّ مولاه عطشان، فهنا، يمكن أن يتقرب لمولاه، بالإتيان له بالماء، ليسدّ عطشه، و إن لم يأمره مولاه.

و أمّا إذا كانت من قبيل الثاني: فحينئذ، لا يمكن التقرب بالملاك، فإنّ الفعل إذا لم يكن فيه أمر من المولى- و قد فرضنا أنّ مصلحة هذا الفعل تعود على العبد محضا- فإنّه حينئذ لا يمكن أن يأتي العبد بهذا الفعل متقربا إلى مولاه، لأنّ هذا الفعل غير مضاف للمولى أصلا.

نعم، إنّما يمكن التقرب به إذا كان فيه أمر، و مقامنا من هذا القبيل، فإذا أتى المكلف بالعبادة، و لم يكن فيها أمر، فتقع باطلة، لعدم إمكان التقرب بالملاك، و بذلك يثبت البطلان.

2- الوجه الثاني، هو أن يقال: بأنّه ثبت فقهيا وجوب قصد القربة،

531

بمعنى قصد امتثال الأمر، و عليه، فالتقرب بالملاك و إن كان ممكنا، إلّا أنّه لا يجزي، فتقع العبادة باطلة، إذا لم يكن هناك أمر.

و لا يخفى أنّ هذا الملاك لو تمّ، فهو يثبت بطلان العبادة، لا من جهة القصور الذاتي فيها، بل من جهة عجز المكلّف عن قصد القربة، و من هنا كان هذا الملاك مختصا بالعبادات.

يبقى الكلام، في أنّ هذا البطلان، هل هو تابع لوجود النّهي الواقعي، و إن لم يصل، أو إنّه تابع لوجوده الواصل؟.

و الصحيح، هو: إنّ الحال يختلف باختلاف هذين الوجهين المذكورين.

فبناء على الوجه الأول، و هو: عدم إمكان التقرب بالملاك أصلا: فإنّه حينئذ، لا يكون البطلان تابعا للنّهي بوجوده الواقعي، بل يكون تابعا له بوجوده الواصل، و ذلك لأنّه إذا فرض ثبوت النّهي واقعا، إلّا أنّه لم يصل، و وصل عدمه، بمعنى أنّه وصل أمر بذلك الفعل، ففي مثله، لا مانع من التقرب بهذا الأمر، و يحكم بالصحة، و لا إشكال، مع أنّ النّهي ثابت واقعا.

و أمّا إذا بني على الوجه الثاني، و هو: إنّه قام الدليل فقهيا على وجوب قصد القربة، بمعنى قصد امتثال الأمر، فحينئذ، قد يفرض أنّ هذا الدليل اشترط وجوب قصد الأمر الشرعي الواقعي، و بما أنّه لا أمر شرعي واقعي في كل مورد كان فيه نهي واقعي، فحينئذ، يكون البطلان منوطا بوجود النّهي الواقعي، كما هو واضح.

ثمّ إنّ هذا الملاك، لو تمّ، فإنّه يتمّ في جميع أقسام النّهي المتقدمة، لأنّ النّهي في تمام الأقسام الخمسة، يقتضي سقوط الأمر، و معه، لا يمكن قصد امتثال الأمر، و المفروض أنّ الملاك غير قابل للتقرب، فتبطل العبادة حينئذ، و هو المطلوب إثباته.

و التحقيق، هو عدم تماميّة هذا الملاك أيضا، بكلا وجهيه:

532

أمّا الوجه الأول، ففيه: إنّ المصلحة و إن كانت راجعة للعبد محضا، كما في محل كلامنا، إلّا أنّ هذه المصلحة، تارة، ينظر لها بما هي راجعة للعبد محضا، و معه لا معنى للتقرّب بها نحو المولى، و أخرى ينظر لها بما هي مصلحة مؤثرة في نفس المولى و لو اقتضاء، و في مثله، لا مانع من التقرب بها.

و هذا كثيرا ما يتفق للإنسان، فإنّنا نرى أنّ الصغير يحافظ على نفسه لأجل أنّ ذلك يرضي والده، لا لأجل نفسه، مع أنّ مصلحة المحافظة ترجع إلى الصغير محضا، إلّا أنّها لوحظت بما هي مؤثرة في نفس الوالد، و بذلك أمكن التقرب بها نحوه.

و مقامنا من هذا القبيل.

و أمّا الوجه الثاني، ففيه: إنّه لم يقم عندنا دليل لفظي على عباديّة جل العبادات، إن لم يكن كلها، و إنّما تثبت عباديّتها بالإجماع و الارتكاز من جهة المتشرعة، و هذا الإجماع لا يقتضي أكثر من الإتيان بالفعل على وجه قربيّ، مهما كان هذا الوجه القربيّ، فتقييده بخصوص قصد امتثال الأمر، لا وجه له.

و عليه، فالصحيح، إنّ هذا الملاك الثالث غير تام.

4- الملاك الرابع: و حاصله، هو: إنّ النّهي يوجب سقوط إطلاق دليل الأمر بناء على امتناع الاجتماع، و مع سقوط إطلاق دليل الأمر، لا يكون هناك كاشف عن الملاك، و حينئذ، ففي مقام الامتثال، لا يمكن للمكلّف الاكتفاء بهذا الفعل، فإنّ مقتضى أصالة الاشتغال بالملاك المعلوم، هو لزوم الخروج عن عهدته، و لا يمكن الخروج عن العهدة بمثل هذا الفعل، لأنّه ليس مصداقا للواجب يقينا، حيث أنّ المفروض أنّ إطلاق دليل الأمر سقط كما أنّه لم يحرز وفاؤه بالملاك ليتقرب به، حيث لا كاشف عن الملاك بعد سقوط الأمر، و حينئذ فبمقتضى أصالة الاشتغال يحكم بعدم وفاء هذا الفعل، و هذا معنى البطلان.

533

و بذلك يثبت المطلوب، و هذا الملاك يثبت البطلان بدعوى القصور الذاتي في الفعل، لأنّه يدّعي أنّ هذا الفعل لا دليل على وفائه بالملاك.

و يترتب على ذلك، أنّه لو تمّ، لما اختص بالعبادات كما عرفت في الملاك الأول.

و من جملة خصوصياته، أنّه لو تمّ لكان البطلان ظاهريا، لأنّه ثابت بأصالة الاشتغال، و يتفرع على ذلك، أنّ البطلان يكون تابعا لوصول النّهي، لا لواقعه، لأنّ النّهي بوجوده الواقعي، لو لم يصل، لما سقط إطلاق دليل الأمر، بل كنّا نتمسك بالإطلاق، و نثبت بذلك المصلحة، و معه لا تجري أصالة الاشتغال، و يحكم حينئذ بالصحة.

و من جملة خصوصياته، أنّه إذا بنينا على امتناع اجتماع أيّ أمر مع أيّ نهي، فحينئذ، يكون هذا الملاك تاما في أقسام النّهي الخمسة، لأنّ أيّ واحد من هذه النواهي، لا يمكن اجتماعه مع الأمر، فورود النّهي معناه، سقوط إطلاق دليل الأمر، و معه لا كاشف عن الملاك.

و عليه، فبمقتضى أصالة الاشتغال، يثبت بطلان هذا الفعل كما عرفت، و بذلك يكون هذا الملاك تاما في جميع أقسام النّهي.

و أمّا إذا قلنا بأنّ النهي الذي لا يجتمع مع الأمر، إنما هو خصوص النّهي الناشئ عن مفسدة في متعلقه، فحينئذ، يكون هذا الملاك تاما في أقسام النّهي المتقدمة عدا القسم الرابع، لأنّ النّهي فيه ليس ناشئا عن مفسدة في متعلقه، بل هو ناشئ عن مصلحة في نفس جعله، كما عرفت.

و مثل هذا النّهي لا يسقط إطلاق دليل الأمر، بل يبقي إطلاقه، و معه يكون الفعل وافيا به، و لا تجري أصالة الاشتغال، و لا يتم هذا الملاك، و أمّا في بقيّة الأقسام، فيتم لما عرفت.

و الصحيح إنّ هذا الملاك، غير تام أيضا، و الوجه في ذلك هو: إنّه بناء على الامتناع، فإنّه لا إشكال في أنّه لا إطلاق في مادة دليل، «صلّ»،

534

للفرد المحرّم، فمادة الصلاة، و هي الواجب، لا تشمل الفرد المحرم، و إلّا لزم تصادق الواجب و الحرام على فرد واحد، و هو محال، بل الواجب مختص بالفرد غير المحرم، فكأنّه قال: «الصلاة الواجبة هي غير الفرد المحرّم»، و هذا لا كلام فيه.

و إنما الكلام في إطلاق الهيئة، و إنّ هيئة، «صلّ»، التي مفادها الوجوب، هل لها إطلاق لما لو أتي بالفرد المحرّم، بمعنى أنّ وجوب الصلاة هل يبقى ثابتا حتى لو أتي بالفرد المحرم، أو إنّه لا إطلاق لها،؟

بمعنى أنّه لا وجوب بعد الإتيان بالفرد المحرّم؟.

فإن فرض ثبوت الإطلاق في الهيئة، فنفس هذا الإطلاق الذي هو دليل اجتهادي، يكون كاشفا عن بطلان هذا الفرد المحرم، و إلّا لو كان هذا الفرد وافيا بالمصلحة، و غير باطل، لمّا ثبت الوجوب حتى بعد الإتيان به.

إذن، فهذا الإطلاق بنفسه يكشف عن بطلانه، و لا حاجة لإثبات البطلان بأصالة الاشتغال كما ذكر.

و بعبارة أخرى، هي: إنّه لو فرض وجود إطلاق في دليل الوجوب، أي: في هيئة «صلّ»، فالنتيجة و إن كانت بطلان العبادة و عدم الإجتزاء بها، إلّا أنّ البطلان هنا، ليس على أساس قاعدة الاشتغال، بل على أساس أنّ نفس إطلاق دليل الوجوب، يكون دليلا اجتهاديا على عدم جواز الاكتفاء بذاك الفرد المنهي عنه، و عدم وجدانه للملاك و المصلحة، سواء أ كان هذا الواجب توصليا، أو تعبديا، و سواء أ كان النّهي واصلا، أم لا.

و إن فرض عدم الإطلاق في الهيئة، فيكون المورد من موارد الشك في الوجوب، لأنّه يرجع إلى أنّه، هل تجب الصلاة على من أتى بالفرد المحرم منها أو لا؟. و هذا مجرى لأصالة البراءة، لا الاشتغال.

و عليه، فهذا الملاك غير تام بصيغته المذكورة.

نعم يمكن تتميمه بحيث يكون صحيحا بهذا النحو الذي ذكرناه الآن،

535

أي: بحيث يثبت البطلان بإطلاق الهيئة لا بأصالة الاشتغال كما عرفت.

و هذا إنما يتم، فيما لو كان للهيئة- التي هي دليل الوجوب- إطلاق.

و أمّا إذا لم يكن لها إطلاق- كما إذا افترض أنّ الوجوب ثبت بدليل لبّي- و يكون القدر المتيقن منه ثبوت الوجوب على المكلّف، لو لم يأت بالفرد المنهي عنه، فإنّه حينئذ مع الإتيان بالفرد المنهي عنه، لا يكون الشك في تفريغ الذمة كي تجري أصالة الاشتغال، و إنّما يكون الشك في أصل التكليف بالوجوب، فتجري أصالة البراءة، فلا تجب الإعادة، و على هذا الأساس، لا يتم هذا الملاك أصلا.

5- الملاك الخامس، هو: إنّ النّهي، يكشف عن مبغوضيّة الفعل في نظر المولى، و معه، فلا يمكن التقرب بهذا الفعل، لأنّه إنّما يعقل التقرب بالفعل نحو المولى- أيّ مولى كان- فيما إذا كان حال المولى مع هذا الفعل أحسن من حاله مع تركه. و أمّا إذا كان حاله مع تركه أحسن من حاله مع فعله، كما في محل الكلام، فلا يمكن التقرب به حينئذ، و مع عدم إمكان التقرب به يقع باطلا و غير مجز.

هذا حاصل ما يقال في تقريب هذا الملاك، و لا يحتاج فيه إلى إبراز آثار النّهي، من كونه مبعدا لا يمكن التقرب به، و أنّه يقبح معصية النهي و أمثال ذلك، لأنّ ما ذكرناه في هذا الملاك من مناط المقربية، قضيّة صادقة، حتى و لو فرض أنّه لا قبح في معصية المولى الناهي، كما لو كان المولى من الموالي الذين لا تقبح مخالفتهم، فحتى في مثل ذلك، لا يمكن أن يتقرب لهذا المولى بما نهى عنه لما ذكرناه.

و إن شئت، قلت: إنّ المكلّف بعد توجه النّهي إليه، يكون عاجزا عن الإتيان بالفعل العبادي بقصد قربي إلهي، لأنّ وصول النّهي إليه يكشف عن تماميّة مبادئ النّهي، و يكشف بالتالي عن كون العبادة مبغوضة بالفعل، و كون تركها أرجح عند المولى من فعلها، إذ لو لا ذلك لما تعلق النّهي الفعلي بها، و مع إحراز المبغوضية الفعلية يستحيل أن يؤتى بالفعل لأجله‏

536

تعالى، فإنّ الإتيان بفعل لأجل المولى، إنّما يعقل فيما لو فرض أنّ حال المولى مع الفعل أحسن من حاله مع تركه، و أمّا لو فرض أنّ حاله مع تركه أحسن من حاله مع فعله، بحيث كان الترك هو الأفضل كما في محل الكلام، حينئذ، لا يمكن التقرب به إلى المولى، و مع عدم إمكان التقرب به يقع باطلا و غير مجز، لأنّنا قد فرضنا أنّ الفعل العبادي قد أصبح مبغوضا بالفعل للمولى، فيكون حال المولى مع تركه أحسن من حاله مع فعله.

و عليه، لا يعقل أن يؤتى به للتقرب من المولى، و معناه، عدم التمكن من قصد القربة، فلا تقع العبادة صحيحة.

ثم إنّ هذا الملاك يثبت البطلان من باب عجز المكلف عن قصد التقرب، لا من جهة القصور الذاتي في نفس الفعل، لأنّه لا يثبت ذلك كما هو واضح.

و يترتب على ذلك أن يكون هذا الملاك مختصا بالعبادات، و لا يشمل التوصليات.

و من خصائص هذا الملاك، أنّه إن تمّ، فهو يثبت البطلان الواقعي، إلّا أنّ هذا البطلان ليس تابعا للنّهي بوجوده الواقعي، بل هو تابع للنهي بوجوده الواصل، لأنّ النّهي الواصل هو الذي يمنع عن قصد التقرب.

و من جملة خصوصيات هذا الملاك، أنّه إن تمّ، فهو يسري في تمام أقسام النّهي، عدا القسم الرابع، لأنّ النّهي في القسم الرابع، لا يكشف عن مبغوضيّة في متعلقة، ليكون ذلك مانعا من التقرب، بل لعلّ متعلقه ذو مصلحة، فيتقرب به رجاء و احتمالا، و لو كان هناك نهي في الواقع، و يترتب على ذلك، أنّه مع عدم وصول النّهي، حينئذ، يقطع بالصحة، لا أنّ الصحة تكون ظاهرية.

و إن شئت قلت: إنّ هذا الملاك إن تمّ، فهو يسري في تمام أقسام النّهي، عدا القسم الرابع، فإنّ النّهي فيه، لا يكشف عن مبغوضيّة متعلقه‏

537

و إنّما يكشف عن مصلحة في جعل هذا النّهي، فقد يكون حال المولى مع فعل المتعلق أحسن من حاله مع عدم فعله.

و كذلك يتم هذا الملاك حتى لو بنينا على جواز اجتماع الأمر و النّهي على أساس الملاك الأول، أو الثاني لجواز الاجتماع، فإنّه مع تقديم جانب النّهي، و افتراض أنّ الفعل الخارجي مبغوض للمولى، لا يمكن التقرب به.

نعم لو بنينا على جواز الاجتماع على أساس الملاك الثالث لجواز الاجتماع، فلا يتم هذا الملاك الخامس، فإنّه بناء على هذا الملاك يكون هناك وجودان في الخارج: أحدهما مبغوض للمولى، و الآخر محبوب له، و معه يمكن التقرب بالوجود المحبوب، بينما الملاكات السابقة لو تمّت، فهي مختصة بخصوص فرض امتناع الاجتماع، و لا تتم بناء على جواز الاجتماع، سواء أ كان على أساس الملاك الأول، أو الثاني، أو الثالث من ملاكات جواز الاجتماع، فإنّ مقتضى القول بجواز الاجتماع هو فعليّة الأمر و وقوع الفعل، مصداقا للواجب، و هذا يعني، ثبوت المصلحة فيه، فينتفي الملاك الأول، و لا بدّ أن تكون هذه المصلحة غير مندكّة، و غير مغلوبة في دائرتها، كي يمكن نشوء الأمر منها، فينتفي الملاك الثاني، و مع وجود الأمر و فعليته يمكن التقرب، فينتفي الملاك الثالث، و كذلك تستكشف المصلحة من وجود الأمر، فينتفي الملاك الرابع.

و التحقيق في حال هذا الملاك، يتوقف على بيان مقدمة:

و حاصلها هو: إنّ المقربيّة و المبعديّة من شئون الداعي النفساني للعبد، و ليستا من الصفات القائمة بحيثيات الأفعال الخارجية، فلا تنشأ منها.

و من هنا، لو شرب شخصان من إناء واحد، إلّا أنّ أحدهما شرب بداعي كون هذا الماء من ماء «زمزم» تبركا، بينما شرب الآخر بداعي كون هذا السائل خمرا، ففعل الأول يكون مقربا، بينما يكون فعل الآخر مبعّدا،

538

مع أنّ الفعل الخارجي كان واحدا، إذن فالمقربية و المبعديّة من شئون الداعي النفساني المحرّك نحو الفعل.

و هذا الداعي، يخلق في طول وجوده عنوانا ثانويا، إمّا حسنا أو قبيحا في هذا الفعل، و هذا العنوان الثانوي، يكون مقربا تارة بتبع مقربيّة الداعي، و مبعدا أخرى بتبع مبعديّة الداعي.

و على هذا، فلو أمكن وجود فعل واحد بداعيين: أحدهما إلهي، و الآخر شيطاني معا، فقد ثبت الاقتراب و الابتعاد معا، لأنّ السبب للقرب و البعد ليس هو الفعل، حتى يقال: كيف يعقل أنّ شيئا واحدا يوجب القرب و البعد إلى المولى في نفس الوقت، و ذلك لأنّ السبب هو الداعي و القصد، فإنّه مع تعدده، يعقل التقرب و الابتعاد معا.

و على ضوء هذه المقدمة، نقول: إنّه تارة يفترض أنّ مصلحة العبادة قائمة بخصوص الحصة المنهيّ عنها، و أخرى، يفترض أنّ المصلحة قائمة بالجامع بين الحصة المنهي عنها، و بقيّة الحصص المباحة.

فلو افترضنا أنّ المولى نهى عن الصلاة في الحمّام، و كان الأمر متعلقا بخصوص الصلاة في الحمّام، بمعنى أنّ المصلحة كانت قائمة بخصوص هذه الحصة من الصلاة، ففي مثله، لا يمكن التقرب بالصلاة في الحمّام، لما ذكر في هذا الملاك، فإنّ النّهي الفعلي يعجز المكلّف عن قصد التقرب بها.

و يستحيل في هذا الفرض أن يوجد داعي النّهي عند المكلف، ما يقربه من المولى، لأنّ هذا الداعي المفروض، إن فرض أنّه داع نحو الصلاة في الحمّام، فالمفروض أنّه لا يمكنه التقرب بها لما عرفت.

و إن فرض أنّه داع نحو الجامع بين الصلاة في الحمام، و الصلاة خارجه، فهذا باطل، لأنّ المفروض أنّ المصلحة قائمة في خصوص الصلاة في الحمّام، و لا ملاك، و لا مصلحة في الجامع.

539

و عليه: ففي هذا الفرض، يستحيل أن ينقدح داعي النّهي في نفس العبد نحو هذا الفعل، و إذا لم يوجد مثل هذا الداعي، فيقع الفعل باطلا، و بذلك يتم هذا الملاك.

و بتعبير آخر، يقال: إنّه له افترضنا قيام المصلحة بخصوص الحصة المنهي عنها، فإنّه يستحيل قصد التقرب بها حينئذ، بمعنى أنّه لا يمكن أن يكون في نفس العبد داع إلهي، لأنّ هذا الداعي الإلهي، إن دعاه إلى الجامع بين هذه الحصة و بين الحصص الأخرى المباحة، فهو غير معقول، لأنّ المصلحة غير قائمة بالجامع، و إنّما هي قائمة بخصوص الحصة.

و إن دعاه إلى إيجاد خصوص هذه الحصة، فهو أيضا غير معقول، لأنّ ترك الحصة أحسن عند المولى من فعلها، فكيف يمكنه أن يأتي بها بقصد التقرب منه تعالى، إذن فثبت أنّه لا يعقل أن يقع الفعل عباديا، إذن فهذا الملاك الخامس يتم في هذه الفرضية.

و أمّا لو فرض أنّ المصلحة كانت قائمة بالجامع بين الحصة المحرمة، و الحصة المباحة، أي: إنّها قائمة في الجامع بين الصلاة في الحمّام، و الصلاة خارجه، فإنّه في مثله، يعقل انقداح الداعي الإلهي في نفس العبد نحو هذا الجامع، و ذلك لوجود المقتضي، و عدم المانع، أمّا المقتضي، فهو قيام الملاك فيه، و أمّا عدم المانع، فلأنّ المفروض أنّ حال المولى مع هذا الجامع، أحسن من حاله مع عدمه.

نعم حال المولى مع الحصة المحلّلة منه، أحسن من حاله مع الحصة المحرمة منه، لكن المفروض إنّ الحصة المحلّلة ليست مركزا للملاك، و إنّما المركز، هو الجامع، و حال المولى معه، أفضل من حاله مع تركه مطلقا، و عليه فهناك مجال لانقداح الداعي في نفس العبد نحو هذا الجامع، و حينئذ فإن انقدح في نفسه داع إلهي آخر نحو الحصة المحلّلة منه، فيكون قد امتثل الأمر و النّهي، و أمّا إذا لم ينقدح داع إلهي آخر عنده نحو الحصة المحلّلة، بل انقدح عنده داع شيطاني نحو الحصة المحرمة، فصلّى في‏

540

الحمّام، ففي مثل ذلك، بمقدار ما تكون هذه الصلاة ناشئة من الداعي الإلهي، تكون مقربة.

و هذا أمر معقول، لأنّ الداعي الذي دعاه لإيجاد جامع الصلاة، و لو بفرد محرم، هو داع إلهي، حيث أنّ الملاك قائم بالجامع كما عرفت، غايته، أنّ هذا الفرد من الصلاة، من جهة أخرى هو غير مقرب، بل هو مبعّد، و حينئذ، فإن اكتفينا في العبادات بوجود داع قربي مؤثر في العبادة، سواء وجد فيه داع آخر مؤثر في المبعديّة، أو لم يوجد، فحينئذ تكون هذه الصلاة مقربة، و معه تقع صحيحة، و لا يكون هذا الملاك تاما.

و أمّا إذا لم نكتف في العبادات بمثل ذلك، و اشترطنا عدم وجود داع آخر فيها مبعّد، فتقع حينئذ هذه الصلاة باطلة، و يكون هذا الملاك صحيحا.

ثمّ إنّ هناك فرقا أساسيا، بين الملاك الخامس، و الملاكات الأربعة المتقدمة.

و حاصله، هو: إنّ الملاكات الأربعة المتقدمة، كانت مبنيّة على القول بامتناع اجتماع الأمر و النهي.

و أمّا إذا قلنا بجواز اجتماع الأمر و النّهي بأيّ ملاك من ملاكات الجواز، فإنّها لا تتم حينئذ، و ذلك لأنّه بناء على جواز الاجتماع، يكون الأمر بالفعل الذي فرض النّهي عنه، أيضا فعليا، و مع فعليّة الأمر تكون المصلحة فعليّة.

و بذلك يبطل الملاك الأول، لأنّ هذا الملاك قد أثبت بطلان الفعل من طريق نفي المصلحة، كما أنّه مع فعليّة الأمر لا تكون المصلحة مغلوبة كما هو مبنى الملاك الثاني، فيبطل الملاك الثاني حينئذ، كما أنّه مع فعليّة الأمر، يمكن التقرب به، و بذلك يبطل الملاك الثالث، كما أنّ الرابع يبطل، لأنّه مع فعليّة الأمر، يكون الأمر كاشفا عن فعلية المصلحة و الملاك، كما عرفت سابقا.

541

و أمّا هذا الملاك الخامس، فيتمّ، حتى بناء على القول بجواز اجتماع الأمر و النّهي، فإنّه إذا بني على جواز الاجتماع، من باب أنّ الأمر المتعلق بصرف الوجود لا يسري إلى الحصص، أو من باب أنّ تعدّد العنوان بمجرده يكفي لرفع غائلة الامتناع.

فبناء على جواز الاجتماع بأحد هذين الملاكين، يكون الملاك الخامس تاما أيضا، لأنّه بناء على الجواز بأحد هذين الملاكين، يكون الفعل الخارجي واحدا، و هو مبغوض، لفرض النّهي عنه، و مع المبغوضيّة، لا يمكن التقرب به، كما تقدم و عرفت.

نعم لو بنينا على جواز الاجتماع، من باب أنّ تعدد العنوان يوجب تعدّد المعنون، حينئذ، لا يتم هذا الملاك، لأنّ متعلق الأمر حينئذ شي‏ء، و متعلق النّهي شي‏ء آخر، و لا مانع من التقرب بالصلاة في الغصب، و عليه فلا يتم هذا الملاك.

6- الملاك السادس: و حاصله هو: إنّه إذا كان النّهي واصلا للمكلف فيكون حينئذ منجزا عليه، و معنى تنجّزه، هو أنّ العقل يحكم بمبعدية معصيته عن المولى، و مع هذه المبعدية يستحيل أن يقع مقربا، فإذا أتى به يكون باطلا.

و هذا الملاك يختلف عن سابقه، بأنّه يبرز حيثيّة المبعديّة التي هي معلولة للنّهي، بينما الملاك السابق يبرز حيثيّة المبغوضية التي هي مكشوفة للنّهي.

و أمّا خصائص هذا الملاك، فمنها: إنّه لو تمّ، فهو يتم في جميع أقسام النهي، حتى في القسم الرابع، لأنّ النّهي في جميعها مولوي، و لم ينشأ من مبغوضية في متعلقه و ما دام كذلك، فالعقل يحكم بقبح عصيانه حينئذ، و معه لا يكون الفعل مقربا، لأنّهما ضدان لا يجتمعان فإذا أتى به المكلف حينئذ، فإنّه يقع باطلا، و يستحيل أن يكون مقربا.

542

و أمّا بقيّة الخصائص، فيتفق فيها مع الملاك الخامس.

و التحقيق عدم تماميّة هذا الملاك.

و الوجه في ذلك هو: إنّ التنافي بين المقربية و المبعدية على نحوين:

1- النحو الأول، هو: أن يكون التنافي بلحاظ المحل القابل، بمعنى أن يكون الشي‏ء الواحد في زمن واحد، قريبا من شي‏ء و بعيدا عنه، و هذا مستحيل.

2- النحو الثاني، هو: أن يكون الشي‏ء الواحد سببا للقرب من المولى و سببا للبعد عنه.

و هذا مستحيل أيضا، و حينئذ، ففي محل الكلام، إن أريد من التنافي بين المقرّب و المبعّد هو النحو الأول، فهو ممنوع، لأنّه لا تنافي بين كون العبد قريبا من المولى، و بعيدا عنه في آن واحد، و مثال ذلك، النظر إلى الأجنبية حال الصلاة، فإنّه في هذه الصورة، قد فعل محرّما أثناء الإتيان بواجب.

فالقرب و البعد المعنوي، كما هو محل الكلام، ليس كالقرب و البعد المكاني، الذي يستحيل فيه ذلك، فإنّه يستحيل أن يكون الإنسان قريبا من مكان، و بعيدا عنه في آن واحد.

و عليه، فالتنافي بين المقربيّة و المبعديّة بلحاظ المحل القابل، غير موجود في محل الكلام.

و إن أريد من التنافي بين المقرّب و المبعّد، النحو الثاني، فهذا أيضا غير موجود في محل الكلام، لأنّ نفس الفعل الذي أتي به، لا أثر له في المقربيّة و المبعديّة ليرد إشكال التنافي، و يقال: إنّه كيف أمكن أن يكون نفس الفعل مقربا و مبعدا، بل المقرب و المبعد في الحقيقة، هو الداعي النفساني للمكلّف، على ما ذكرنا سابقا، و هو مختلف في المقام، لأنّ مثل هذا المكلف، نجد عنده داعيان: أحدهما مولوي، و هو مقرّب، و الثاني‏

543

شيطاني، و هو مبعّد. و قد اشترك كلا هذين الداعيين في إبراز هذا الفعل، فيكون هذا الفعل مقربا بلحاظ نشوئه من الداعي الأول، و مبعدا بلحاظ نشوئه من الداعي الثاني.

و عليه، فالنحو الثاني من التنافي أيضا غير موجود، و بذلك يثبت عدم تماميّة هذا الملاك.

و إن شئت قلت: إنّه إن كان المقصود أنّه يستحيل أن يكون شي‏ء واحد سببا للاقتراب و الابتعاد، فهذا صحيح، إلّا أنّه في المقام لا يلزم من إمكان التقرب، أن يكون السبب واحدا، فإنّه اتضح في الجواب على البرهان الخامس، أنّ المقرّب و المبعّد ليس هو الفعل الخارجي، كي يقال: لا يوجد إلّا فعل واحد، و إنّما السبب للتقرب و الابتعاد، هو الداعي، و الداعي في المقام متعدد، إذ يوجد داعي امتثال الأمر، و يوجد داعي عصيان النّهي، فليكن أحدهما مقربا، و الآخر مبعدا.

7- الملاك السابع: و فيه نرجع المسألة بالتحليل إلى مسألة فقهية، فنقول: إنّه قد اتضح من مناقشة الملاكات السابقة، أنّ النّهي عن العبادة لا يقتضي عجز المكلف و قصوره عن الإتيان بالعمل بقصد القربة، بل هو قادر على قصد التقرب، و إلى جانب هذا القصد يوجد قصد عصياني مترتب على النّهي الواصل المنجّز، و لذا انتهينا في مناقشة الملاك الخامس إلى أنّ هذا المكلف ينقدح في نفسه داعيان: إلهي، و شيطاني، و الفعل مستند إلى مجموع الداعيين، لكن بنحو يكون كل منهما صالحا للاستقلال في المحركيّة.

و حينئذ، فإن قلنا في باب العبادات فقهيا: إنّ المعتبر في صحة العبادة مجرد وجود داع قربي، فتصح هذه العبادة حينئذ، لأنّ هذا الداعي موجود.

و إن قلنا: إنّ المعتبر هو التمحض في الداعي القربي، فتبطل، لأنّها لم تتمحض بذلك. و هذا الملاك لو تمّ، فهو يثبت البطلان منوطا بوصول النّهي و تنجزه، لأنّ العصيان يتحقق بذلك. و أمّا مع عدم وصول النّهي فلا

544

يتحقق الداعي الشيطاني ليكون مضرا بصحة العبادة. كما أنّ هذا الملاك يرجع إلى القصور في قدرة المكلف، و لذا يختص بالعبادات، كما أنّه لو تمّ فهو يتم حتى بناء على القول بجواز الاجتماع بأحد ملاكي جواز الاجتماع الأول أو الثاني دون الملاك الثالث من ملاكات الاجتماع، كما عرفت في الملاك الخامس.

ثم إنّ هذا الملاك يحول المسألة إلى مسألة فقهية، و هي: إنّه هل يشترط في صحة العبادة تمحضها في الداعي القربي، أو أنّه لا يشترط ذلك؟

و قد عرفت أن العبادية بمعنى وجوب قصد القربة لم يثبت بدليل لفظي، بل إنّ أهم دليل عليه هو الإجماع و الارتكاز. و من المعلوم أنّ الارتكاز قائم على أنّ الله تعالى لا يطاع من حيث يعصى.

و عليه فالإتيان بالصلاة بداع قربي مقرون بداع شيطاني، لا يكون مسقطا للأمر بها، بل لا بدّ من تمحضها بداع قربي فقط. و مرتكزات المتشرعة تقضي بذلك، و بهذا يثبت بطلانها، بلا حاجة إلى ما ذكر في الملاكات السابقة.

و بهذا يتضح، إنّ الصحيح هو هذا الملاك السابع، و كذلك الملاك الرابع بعد تتميمه كما عرفت في محله.

هذا تمام الكلام في ملاكات اقتضاء النّهي للفساد في العبادة، و قد تبيّن أنّ الصحيح من هذه الملاكات، هو الملاك السابع، و الملاك الرابع، بصيغته المعدّلة، كما عرفت سابقا.

و قد بقي تنبيهات للمسألة، نستعرضها تباعا:

1- التنبيه الأول، هو: إنّه لو بني على أنّ النّهي التحريمي يقتضي الفساد بأحد الملاكات السابقة، فهل إنّ ذلك الملاك الذي أوجب اقتضاء النّهي التحريمي للفساد، يوجب اقتضاء النّهي الكراهتي عن العبادة للفساد أيضا، أو إنّه لا يوجب ذلك؟ أو فقل: إنّه لو بنينا على أنّ النهي التحريمي‏

545

يوجب بطلان العبادة، فهل إنّ النّهي الكراهتي يوجب بطلانها أم لا؟.

و تحقيق الحال في هذه المسألة هو: إنّ كراهة العبادة، تارة يقصد به كونها أقل محبوبيّة، و فضيلة من غيرها، سواء أ كانت هذه الأقليّة، ذاتيّة، أو عرضيّة، ناشئة من التزاحم بين محبوبيّة هذا الفرد المكروه، كالصلاة في الحمّام، و بين مبغوضيته المستكشفة من النّهي، فبعد الكسر و الانكسار، يوجب ذلك منقصة الصلاة في الحمّام عن سائر أفراد الصلاة بالنسبة للمحبوبيّة، فبناء على أنّ كراهة العبادة ترجع إلى ذلك أي إلى النقص في المحبوبيّة، فلا يكون النّهي الكراهتي حينئذ موجبا للبطلان، لأنّ الصلاة في الحمّام على هذا المبنى، تكون مصداقا لمتعلق الأمر، و مشمولة للأمر، فيمكن التقرب بها بعد فرض كونها محبوبة، و معه تقع صحيحة.

و تارة أخرى يقصد بكراهة العبادة، كونها مبغوضة فعلا، غايته، أنّ هذه المبغوضيّة مبغوضيّة ناقصة، يمكن اجتماعها مع الترخيص بها.

و حينئذ، فإمّا أن يبنى على استحالة اجتماع الأمر و النّهي، و لو كان كراهيا.

و إمّا أن يبنى على الجواز، فإن بني على الامتناع، فحينئذ، يكون النّهي الكراهتي مقتضيا لفساد العبادة بالملاك الأول للفساد، و الوجه في ذلك هو، إنّ هذا النّهي يكشف «إنّا» عن قصور ذاتي في هذه العبادة، و أنّها لا تفي بالمصلحة الوجوبيّة، لأنّه لو كانت وافية بهذه المصلحة، لكانت محبوبة، و من المعلوم أنّ المحبوبيّة اللزوميّة تقدم على المبغوضيّة الكراهيّة في مقام التزاحم، فبعد الكسر و الانكسار، تكون هذه العبادة محبوبة، غايته، أنّها تكون أقلّ محبوبية من سائر الأفراد، و هذا خلف فرض كونها مبغوضة فعلا.

و عليه: فلا بدّ و أن يكون هذا كاشفا عن أنّ المحبوبيّة اللزوميّة غير شاملة لهذه الحصة من العبادة المكروهة، و مع عدم كونها مشمولة لها، تكون قاصرة ذاتا عن الوفاء بالملاك و المصلحة.

546

و بهذا يثبت، إنّ النّهي الكراهتي، كشف عن قصور ذاتي في هذه العبادة، و هذا يعني، بطلانها بالملاك الأول.

و إن شئت قلت: إنّه لو افترضنا أنّ النهي كان ناشئا من مبغوضيّة فعليّة في هذا الفرد، فتارة نلتزم بامتناع اجتماع الأمر و النّهي حتى مع النّهي الكراهتي، و أخرى، نلتزم بإمكان اجتماع الأمر و النّهي الكراهتي.

فإن التزمنا بامتناع الاجتماع، و مع هذا افترضنا وجود النّهي الناشئ من مبغوضيّة فعليّة لمتعلقه، فلا بدّ حينئذ من الالتزام ببطلان العبادة، على أساس الملاك الأول من ملاكات اقتضاء النّهي للفساد المتقدمة، لأنّ مثل هذا النّهي الناشئ من مبغوضيّة متعلقه، يكشف لا محالة عن عدم محبوبيّة متعلقه، لعدم إمكان اجتماع الحب و البغض في شي‏ء واحد، و عدم محبوبيّة هذا الفرد، يكشف عن أنّ تلك المصلحة الإلزامية للعبادة، التي تكون ثابتة في الجامع، بين الأفراد، غير ثابتة في الجامع الشامل لهذا الفرد المنهي عنه، إذ لو كانت ثابتة في الجامع بين هذا الفرد و بين بقيّة الأفراد، لكان هذا الجامع محبوبا بملاك إلزامي.

و بناء على امتناع اجتماع الأمر و النّهي، و افتراض عدم تماميّة ملاكات جواز اجتماع الأمر و النّهي، فإنّه لا بدّ و أن يسري هذا الحب من الجامع إلى الحصة و الفرد، فيقع التزاحم بين هذا الحب الذي يكون بملاك إلزامي و بين بغض هذا الفرد، الذي يكون بملاك كراهي، و بعد التزاحم، لا بدّ و أن يزول البغض أمام الحب، لأقوائيّة ملاك الحب بحسب الفرض، مع أنّ المفروض أنّ هذا الفرد المنهي عنه مبغوض بالفعل بالبغض الكراهتي.

إذن فالمبغوضيّة الفعليّة لهذا الفرد، المستكشفة من النّهي، تكون دليلا على أنّ الجامع المنطبق على هذا الفرد، ليس واجدا لملاك المأمور به.

و هذا يعني، أنّ هذا الفرد من العبادة، يقع باطلا بنكتة قصوره الذاتي، و عدم وجدانه للملاك.

547

و هذا في الحقيقة هو الملاك الأول من الملاكات السبعة المتقدمة لاقتضاء النّهي فساد العبادة، و به تبطل العبادة كما هو الصحيح.

و أمّا إذا بنينا على جواز اجتماع الأمر و النّهي، فحينئذ، لا يكون النّهي الكراهتي موجبا للبطلان، لأنّ الملاكات المتقدمة للبطلان، أربعة منها كانت مبنيّة على الامتناع، و المفروض هنا، أنّنا نقول بالجواز، إذن فلا محل حينئذ لهذه الملاكات الأربعة.

و أمّا الملاك الخامس و السادس، فلم يتمّا في أنفسهما.

و أمّا الملاك السابع، فيرجع إلى تقوّم العبادة بأمرين حسب المرتكزات المتشرعية: أحدهما: وجود داع قربي، و الثاني: عدم وجود داع مضاد، إلّا أنّ القدر المتيقّن من هذا الارتكاز، هو عدم وجود داع مضاد تحريمي عصياني، لا كراهي.

و عليه، فلا موجب لبطلان العبادة بمقتضى هذا الملاك السابع.

و بتعبير آخر: هو إنّه لو التزمنا بجواز اجتماع الأمر و النّهي بدعوى:

أنّ الأمر متعلق بصرف الوجود، و النّهي متعلق بالحصة، فالظاهر أنّ النهي الكراهتي لا يقتضي الفساد، فإنّ الملاكات الأربعة الأولى لاقتضاء النّهي للفساد، كانت مختصة بفرض الامتناع، و الملاك الخامس و السادس، لم يثبتا في أنفسهما، و الملاك السابع كان على أساس دعوى ارتكازيّة، هي إنّه يشترط في صحة العبادة، عدم وجود داع شيطاني، و القدر المتيقّن من هذا الارتكاز، هو إنّه يشترط عدم وجود داع شيطاني عصياني، بحيث يترتب على مقتضاه العقاب، و لا يشمل مثل مخالفة النّهي الكراهتي، لكون القدر المتيقن من الداعي المضاد، كونه، داعيا تحريميا عصيانيا.

2- التنبيه الثاني: في أن النهي كما يتعلق بأصل العبادة، فكذلك قد يتعلق بجزئها أو شرطها. و قد ذكر صاحب الكفاية (قده) إنّه إذا تعلق النّهي بجزء العبادة، فيكون ذلك موجبا لبطلان هذا الجزء بالملاك الصحيح‏

548

للبطلان، و إذا بطل هذا الجزء، فإمّا أن يتدارك بغيره الذي لا نهي عنه، أو لا، فإذا لم يتدارك، فتبطل العبادة لنقصانها بفقد جزء منها، و إذا تداركه المكلف، فتقع صحيحة، إلّا إذا أوجب هذا التدارك زيادة و نحوها ممّا يوجب البطلان‏ (1). و هنا كلام تام.

إلّا أنّ الميرزا (قده) (2) اعترض على ذلك، و ذكر أنّ الإتيان بالجزء المنهي عنه، يوجب بطلان العبادة، لأنّ النّهي عن الجزء يوجب تحريمه، و إذا ثبت تحريمه، فيثبت تقييد الصلاة بغيره، و بناء عليه، فتكون الصلاة مأخوذة «بشرط لا» من جهته، فإذا أتى به، تقع الصلاة باطلة.

إلّا أنّ هذا الكلام غير تام، لأنّ مرجع تحريم الجزء، إلى أنّ الصلاة مقيّدة بغيره، و معنى ذلك، هو إنّ الجزء المحرّم ليس مصداقا للواجب، و ليس معنى ذلك أنّه مانع عن الواجب ليكون الواجب مأخوذا «بشرط لا» من جهته، هذا بالنسبة للنّهي عن الجزء.

و أمّا بالنسبة للنّهي عن الشرط، فإن كان الشرط عبادة، فيبطل لحرمته، و حينئذ، تبطل أصل العبادة المشروطة به، لأنّ بطلان الشرط يوجب بطلان المشروط.

و أمّا إذا لم يكن عبادة فحينئذ، يمكن التمسك بإطلاق دليل الشرط، لإثبات شموله لهذا الفرد المحرم، و معه يقع المشروط صحيحا، و ذلك لوجود شرطه.

إلّا أنّ السيد الخوئي (قده) (3) و جملة من الأعلام، ذهبوا إلى أنّ المورد يدخل تحت كبرى مسألة اجتماع الأمر و النّهي، و ذلك لأنّ هذا الشرط صار موردا للأمر بلحاظ الواجب المشروط، و موردا للنّهي كما هو

____________

(1) كفاية الأصول- الخراساني: ج 1 ص 292.

(2) أجود التقريرات- الخوئي: ج 2 ص 397.

(3) محاضرات فياض: ج 5 ص 25- 26.

549

الفرض، و ذلك كالتستر في الصلاة بثوب مغصوب، و حينئذ، فتكون هذه المسألة مبنيّة على مسألة الاجتماع.

و هذا الكلام غير تام، فإنّا ذكرنا سابقا أنّ موارد حرمة هذا الشرط، لا تدخل تحت كبرى مسألة اجتماع الأمر و النّهي و ذلك، لأنّ متعلّق النّهي هو نفس الشرط، و أمّا متعلق الأمر فهو تقييد المشروط بشرطه لا نفس الشرط، فاختلف متعلّق الأمر و النّهي، فلا تكون المسألة من صغريات مسألة اجتماع الأمر و النّهي.

3- التنبيه الثالث: هو انّ النهي المولوي التحريمي ينقسم إلى قسمين: و ذلك، لأنّ الحرمة، تارة تكون ذاتية، و أخرى، تكون تشريعية.

و الكلام المتقدم في اقتضاء النّهي الفساد، كان في الحرمة الذاتية كالصلاة في الأرض المغصوبة، بناء على امتناع اجتماع الأمر و النّهي. فإنّ نفس فعل الصلاة محرّم، و إن لم يسند إلى الله تعالى.

بينما في هذا التنبيه، يبحث عن الحرمة التشريعية، و إنّ النهي في مثله، هل يقتضي الفساد، أو لا يقتضيه؟

أو فقل: هل إنّ الحرمة التشريعية توجب البطلان كالحرمة الذاتية أم لا؟.

و تحقيق الحال في ذلك هو أن التشريع يكون على نحوين:

1- النحو الأول، هو: أن يسند المكلّف إلى اللّه تعالى، فعلا، يعلم أنّ اللّه تعالى لم يشرّعه.

2- النحو الثاني، هو: أن يسند المكلّف إلى اللّه تعالى فعلا يشك في تشريع اللّه تعالى له.

أمّا بالنسبة إلى النحو الأول: فلا إشكال في بطلان العبادة في مرحلة سابقة على ثبوت حرمة التشريع، و ذلك لأنّ المكلف يعلم بأنّ اللّه تعالى لم‏

550

يشرّع هذا الفعل، و عليه، فهو يعلم بأنّ الأمر بهذا الفعل، و عدم الأمر به، ليس إلّا من جهة عدم وفائه بالمصلحة، فيكون هذا الفعل قاصرا ذاتا عن الوفاء بالمصلحة، و حينئذ، فإذا أتى المكلف به، يكون باطلا لهذا القصور، مع قطع النظر عن الحرمة التشريعية المترتبة على إتيانه به مسندا له إلى اللّه تعالى.

و أمّا بالنسبة للتشريع بالنحو الثاني، و هو أن يأتي المكلف بالفعل، و يسنده إلى اللّه تعالى، مع أنّه يشك في تشريع اللّه تعالى له:

فإنّه من المعلوم، أنّ هذا النحو لا يستبطن البطلان بملاك القصور الذاتي، و ذلك لاحتمال كون هذا الفعل ذا مصلحة في الواقع، لأنّ المفروض أنّه يشك في تشريعه، لا أنّه يجزم بعدمه، و إنّما البطلان في هذا النحو، إنّما هو لعجز المكلّف عن قصد القربة المعتبر في صحة العبادة، و يقرّب ذلك بوجوه:

1- الوجه الأول، و حاصله، هو: إنّ الإتيان بهذا الفعل محرم تشريعا، و الحرمة التشريعية، كما تكون متعلقة بالفعل القلبي الذي هو عبارة عن إسناد الفعل للمولى، كذلك تكون متعلقة بالفعل الخارجي المأتي به، لأنّ التشريع يكون وجها من وجوه الفعل، و عنوانا من عناوينه، و حينئذ، فيحرم الفعل بهذا العنوان، و يصير حال هذا الفعل حال العبادة المحرمة حرمة ذاتية، كالصلاة في الأرض المغصوبة، بناء على امتناع اجتماع الأمر و النّهي، و حينئذ، فيثبت البطلان هنا بالملاك الذي أثبت به البطلان هناك.

2- الوجه الثاني، هو: إنّه لو تنزّلنا، و قلنا: بأنّ الحرمة التشريعية تكون متعلقة بالإسناد القلبي فقط، و لا تسري إلى الفعل الخارجي، فمع هذا يثبت البطلان، لأنّ هذه الحرمة تثبت إنّ القصد المحرك نحو العمل قصد غير إلهي لأنّه محرم، و إذا لم يكن القصد إلهيا، فتبطل العبادة المأتي بها لفقدان قصد القربة.

3- الوجه الثالث: هو: إنّنا لو تنزلنا و قلنا: إنّ التشريع غير محرم‏

551

شرعا، و لكنه قبيح عقلا، فيكون حاله كحال قبح المعصية، فكما أنّ المعصية قبيحة عقلا، و لا تستلزم حكما شرعيا بحرمتها، لأنّها من تبعات حق المولى، فلا معنى لتدخّل المولى من جديد و حكمه بالحرمة عليها.

فحتى لو قلنا: بأنّ التشريع كالمعصية غير محرم شرعا، و إنّما هو قبيح عقلا، فمع هذا، يحكم ببطلان العبادة في المقام، لأنّ قصد المكلّف بعد فرض كونها قبيحا عقلا، يكون جرأة على اللّه تعالى، و معه يستحيل أن يكون مقربا نحوه، و حينئذ، تبطل العبادة.

و من مجموع ما ذكرنا، يمكن استنتاج الفوارق بين الحرمة الذاتية، و الحرمة التشريعية، فإنّه في الحرمة الذاتية كان مصب الحرمة و البغض هو العمل، حيث كان بالإمكان أن يقرب بقصد إلهي قد يتفق وجوده، و أمّا في الحرمة التشريعية، فنفس القصد المحرك في العمل، يكون قصدا شيطانيا، فلا يمكن التقرب على أساسه.

و إن شئت قلت: إنّه لو سلّمنا عدم تعلق الحرمة التشريعية، لا بالفعل الخارجي، و لا بنفس الإسناد و القصد- بأن يفترض أنّ قبح التشريع يكون من قبيل قبح المعصية و التجري الذي يكون في طول حق المولى، فلا يمكن أن يكون موجبا لحكم شرعي- لو سلّمنا بهذا، فلا إشكال في قبح هذا الإسناد و القصد عقلا، لكونه موجبا لهدر حق المولى، و ما يوجب هدر حق المولى و هتكه، يستحيل أن يكون مقربا إلى المولى.

4- التنبيه الرابع: و هو معقود لبيان المواضع التي يكون فيها النهي إرشاديا، و التي يكون فيها مولويا: و إنّه إذا ثبت كونه إرشاديا، فهو يقتضي البطلان، إمّا لكونه إرشادا إلى البطلان رأسا، كالنّهي عن الصلاة في ما لا يؤكل لحمه، و إمّا لكونه إرشادا إلى عدم المشروعيّة، كالنّهي عن الصوم يوم عاشوراء، و عدم المشروعية لا يكون إلّا لأجل عدم الملاك، و مع عدمه يكون الفعل باطلا.

إذن في هذين الموردين، لا إشكال في اقتضاء النّهي للبطلان، لأنّه‏

552

يكشف عن القصور الذاتي في الفعل، و هذا ممّا لا نزاع فيه.

و إنّما الكلام في بيان المواضع التي يحمل فيها النّهي على الإرشاد، فنقول:

إنّ النهي، تارة، يكون متعلقا بعنوان ينطبق على العبادة، كالنّهي عن الغصب الذي ينطبق على الصلاة في بعض الموارد، بناء على اتحاد الصلاة مع الغصب.

و أخرى يتعلّق النّهي بعنوان العبادة رأسا، كالنّهي عن الصلاة مباشرة، أو عن الركوع.

أمّا بالنسبة إلى القسم الأول: ففي مثله، يكون النّهي مولويا تحريميا، فإنّ مقتضى القاعدة الأولية في باب النواهي، أنّ النهي يستعمل بداعي الزجر لا الإخبار و لا مقتض للخروج عن هذه القاعدة، لأنّه لا معنى لكون النّهي عن الغصب إرشادا إلى بطلان الصلاة في المغصوب، لأنّ دليل حرمة الغصب لم ينظر فيه إلى الصلاة.

و أمّا بالنسبة إلى القسم الثاني، ففيه صور:

1- الصورة الأولى: هي أن يفرض أنّ النّهي تعلّق بأصل العبادة، كالنّهي عن صوم «يوم عاشوراء»، فهنا يحمل هذا النّهي على الإرشاد إلى عدم مشروعيّة هذا الصوم، و إن كان مقتضى القاعدة هو كون النّهي مولويا، تحريميا، إلّا أنّه في هذه الصورة، لا بدّ من الخروج عن مقتضى هذه القاعدة، و الوجه في ذلك، هو إنّ العبادة من حيث كونها عبادة، تكون في معرض الأمر بها، و هذا هو المترقب بالنسبة لها، و كل عنوان كان في معرض ترقب صدور أمر به، ثم صدر عنه نهي، فحينئذ لا يكون لهذا النهي ظهور في التحريم المولوي.

بل إمّا أن يكون ظاهرا في مجرد نفي الأمر المتوهم، و هذا معنى الإرشاد إلى نفي المشروعية.

553

و إمّا أن يكون مجملا.

و على كلا الحالين، فهو يقتضي البطلان، باعتبار كشفه عن القصور الذاتي، لأنّه إذا كان لنفي المشروعية فيكشف عن عدم وجود أمر به و بالتالي عدم مشروعيّته، و إن كان مجملا فيستكشف أنّه لا أمر أيضا، بناء على الامتناع، لأنّه لا يخلو إمّا أن يكون إرشادا لعدم المشروعية و الأمر، و إمّا أن يكون تحريميا، فإن فرض الأول فهو المطلوب، و إن فرض الثاني، فالمفروض أنّ الحرمة لا تجتمع مع الأمر، لأنّ المفروض البناء على الامتناع فيثبت حينئذ عدم وجود الأمر.

و الحاصل، إنّه في مثل ذلك يعلم بعدم وجود أمر، و معه تبطل العبادة للقصور الذاتي، لأنّ عدم الأمر ليس إلّا من جهة عدم وفائه بالمصلحة و الملاك.

2- الصورة الثانية، هي: أن يكون النّهي متعلقا بخصوصيّة من خصوصيات العبادة، كتعلقه بالجزء و ما يشبهه، و تكون تلك الخصوصيّة من الخصوصيات التي يتوهم- لو لا ورود النّهي عنها- أنّها جزء من العبادة، من قبيل أن يقال: «لا تقرأ فاتحة الكتاب في الصلاة على الميت» فهنا حيث أنّ المركوز في الذهن، أنّه لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب، فيترقّب حينئذ، كون الفاتحة جزءا من الصلاة على الميت، فيرد النّهي عنها.

و هذا النّهي حاله حال النّهي في الصورة الأولى، لأنّه وارد في مقام توهم الأمر، فحينئذ لا بدّ كما عرفت، من حمله، إمّا على الإرشاد إلى عدم كون الفاتحة جزءا، و أنّها ليست مشروعة، و إمّا على كونه مجملا مرددا بين النهي الإرشادي و النهي التحريمي، و في كلا الحالين، إذا أتي بها، لا تكون مقتضية لبطلان العبادة، إلّا إذا قام الدليل على إبطال مثل هذه الزيادة، لأنّ النّهي هنا ليس ظاهرا في التحريم، لأنّه في مورد توهم الأمر. و إن كان غاية ما يدل، فقد يدل على عدم كونها جزءا، أو شرطا.

554

3- الصورة الثالثة: هي: أن يتعلق النّهي بخصوصيّة من خصوصيّات العبادة، و هذه الخصوصيّة ليست في معرض الأمر بها، كالنّهي عن القرآن بين السورتين في ركعة واحدة، و مثل هذا النّهي، لا يحمل على ما تقتضيه القاعدة الأوّلية، و هو التّحريم المولوي، و إنّما يحمل على المانعيّة، تطبيقا لقاعدة أخرى، و هي: إنّ جميع الأوامر و النواهي الواردة في خصوصيّات المركّبات، ظاهرة في الإرشاد إلى عناصر تلك المركّبات، جزءا أو شرطا أو مانعا، و عليه، فلا بدّ من حمل هذا النهي على المانعيّة، فإذا أتي بهذه الخصوصيّة المنهي عنها، تبطل العبادة، لكون هذه الخصوصيّة مانعة عن الصحة.

و بهذا التنبيه، يتم الكلام في التنبيهات، و بذلك تمّ الكلام في المسألة الأولى، و هي اقتضاء النهي الفساد في العبادات.

2- المسألة الثانية: في اقتضاء النهي الفساد في المعاملات: و الكلام في هذه المسألة يقع في جهتين:

1- الجهة الأولى: في الاقتضاء بلحاظ مقتضى القاعدة.

2- الجهة الثانية: في الاقتضاء بلحاظ الدليل الخاص.

[الجهة الأولى: في الاقتضاء بلحاظ مقتضى القاعدة]

أمّا الجهة الأولى: فموضوع الكلام فيها، هو النّهي المولوي التحريمي، لأنّ الإرشادي، لا إشكال في اقتضائه للبطلان، لأنّه، إمّا أن يكون إرشادا إلى بطلانها، أو إلى تقوّمها بأمر وجودي، أو عدمي، فمع عدم مراعاته تبطل، من قبيل «لا تبع ما ليس عندك» و نحوه، فلا إشكال في أنّ مثل هذه النواهي تقتضي البطلان.