بحوث في علم الأصول - ج6

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
749 /
555

و عليه، فموضوع كلامنا في هذه الجهة هو النّهي المولوي التحريمي.

فنقول: إنّ هذا النّهي تارة: يكون متعلقا بالسبب، و هو المعاملة التي تصدر من المتعاملين مباشرة.

و أخرى: يكون متعلقا بالمسبّب، كانتقال المبيع إلى المشتري، و انتقال الثمن للبائع مثلا، فإنّ مثل هذا الانتقال، مسبّب عن تلك المعاملة.

و ثالثة: يكون النهي متعلقا بالأثر المترتب على المسبّب، كتصرف البائع بالثمن، و المشتري بالمثمن، فإنّ هذا التصرف أثر من آثار المسبّب، و هو الانتقال.

و الكلام يقع في كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة، و إنّ تعلّق النّهي بها هل يقتضي البطلان، أم لا؟.

[القسم الأول النّهي المتعلق بالسبب‏]

أمّا القسم الأول، و هو النّهي المتعلق بالسبب: فلا إشكال في عدم اقتضائه الفساد، كالنّهي عن البيع عند وقت النداء لصلاة الجمعة، فبمناسبة الحكم و الموضوع يظهر أنّ الحرمة متعلقة بالسبب، و ذلك حتى لا ينشغل المكلّف به عن الاستجابة للنداء، و هذه الحرمة المتعلقة بالسبب لا تقتضي الفساد.

و يظهر الوجه في ذلك، ممّا يأتي، حيث أنّ الوجوه التي تدّعى لاقتضاء النّهي عن المسبب للفساد، لو تمّت، لا تشمل النّهي عن السبب، و المفروض أنّه ليس هناك وجه آخر غير تلك الوجوه، يكون موجبا لاقتضاء النّهي عن السبب للبطلان. و عليه: فلا منافاة بين مبغوضيّة السبب و بين نفوذه، بمعنى ترتب أثره عليه، فمقتضى الجمع بين دليل حرمته التكليفية، و بين التمسك بإطلاق دليل نفوذه، هو الحكم بترتب الأثر عليه، و إن ترتب العقاب على الإتيان به، و لا منافاة.

و هذا نظير تطهير الثوب بماء مغصوب، فالفعل محرّم، و لكن يترتب عليه أثره، و هو طهارة الثوب.

556

2- أمّا القسم الثاني: و هو فيما إذا تعلّق النّهي بالمسبب: و الكلام فيه يقع في مقامين:

1- المقام الأول: في أصل معقوليّة تعلّق النهي بالمسبب.

2- المقام الثاني، هو: إنّه بعد الفراغ عن معقوليّته، يبحث في أنّه هل يقتضي البطلان، أو لا يقتضي؟.

[المقام الأول: في أصل معقوليّة تعلّق النهي بالمسبب.]

أمّا الكلام في المقام الأول:

فقد يستشكل في أصل معقوليته، و يقرب ذلك بتقريبين:

1- التقريب الأول، هو: إنّ النّهي إنّما يتعلق بما هو فعل المكلف، و المسبّب ليس فعلا للمكلف، بل حكم للمقنّن و المشرّع‏

بانتقال السلعة من البائع إلى المشتري، و عليه فلا يعقل تعلق النّهي به.

و هذا التقريب غير تام، فإنّ المسبّب، و إن لم يكن فعلا مباشرا للمكلّف، إلّا أنّه فعل تسبيبي له، باعتبار أنّه يمكن إيجاده بإيجاد سببه الذي جعله الشارع و المقنّن سببا له، فالمسبّب يدخل تحت قدرة المكلف بالقدرة على سببه.

2- التقريب الثاني، هو: إنّ المسبّب عبارة عن الانتقال و التمليك، و هو من اعتبارات الشارع و إمضاءاته‏

، فإذا فرض إنّه مبغوض للشارع، فمن الأول يمكنه أن لا يقنّنه و يمضيه، و لا معنى لنهي المكلّف عنه حينئذ.

و هذا التقريب غير تام أيضا: فإنّ المسبّب لو كان محصورا بخصوص الشرعي، لكان لهذا التوهم صورة على ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى، لكن إذا فرض أنّ المقصود من المسبّب المعنى الأعم، الجامع بين الشرعي و العقلاني، فحينئذ لا يتوجه هذا التقريب، لأنّ إعدام خذا الجامع لا يتحقّق بمجرد كفّ المولى عن تقنينه و جعله، بل يحتاج في مقام إعدامه إلى الاستعانة بالمكلف.

557

و بهذا يثبت أنّ كلا هذين التقريبين غير تام، فالصحيح هو إنّ النّهي عن المسبّب أمر معقول.

[المقام الثاني، و هو اقتضاء النهي عن المسبّب للفساد]

و أمّا الكلام في المقام الثاني، و هو اقتضاء النهي عن المسبّب للفساد بعد تعقّل تعلّقه به:

[وجهان للاقتضاء]

ففي هذا المقام يذكر وجهان للاقتضاء:

1- الوجه الأول، هو: إنّ النّهي عن المسبب يكشف عن مبغوضية الشارع له، و كونه ذا مفسدة

، و مع هذا الفرض فمن الواضح أنّ المولى لا يمكنه أن يمضيه، و هذا معنى البطلان.

و بهذا يثبت أنّ هناك تهافتا بين إمضاء السبب و النّهي عن المسبب لذلك السبب.

أو فقل: إنّ النّهي عن المسبب يكشف عن مبغوضيته شرعا، سواء أ كان المنهي عنه خصوص المسبب الشرعي، أو الجامع بينه و بين المسبّب العقلائي، فإنّ مبغوضية الجامع تسري إلى الأفراد أيضا باعتبار انحلاليتها.

فإذا كان المسبب الشرعي مبغوضا للشارع، فلا بدّ و أن لا يفعله بنفسه، بأن لا يجعل السببية كي لا يثبت المسبب عند ثبوت السبب، فالنّهي عن المسبب يكشف عن عدم جعل السببية، و هو معنى البطلان.

إلّا أنّ هذا الوجه غير تام: و ذلك لعدم التهافت بين إمضاء السبب و النّهي عن المسبب. و الوجه في ذلك هو إنّنا لو لم نلتفت إلّا إلى المسبب الشرعي، و لاحظنا قوله تعالى: أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏، فهذا يرجع إلى إنشاء إمضاء للبيع على نحو القضية الحقيقية. و هذا الجعل ثابت في نفسه، سواء وجد موضوعه و هو البيع خارجا، أو لم يوجد. و هناك مجعول تابع في فعليته إلى فعلية وجود موضوعه، و هو البيع الخارجي. و عليه: فعندنا جعل و مجعول، و قد يفرض وجود مصلحة في نفس هذا الجعل على نحو القضية الحقيقية، و إن كان هذا الجعل شاملا على نحو القضية الحقيقية لمجعول‏

558

محرم، كبيع المصحف من الكافر، و حينئذ ففي هذه الحالة لا بد و أن يحافظ الشارع على جنبة المصلحة التي يفرض كونها أهم، و على جنبة المفسدة أيضا، و هذه المحافظة تتحقق بأن يجعل البيع و يمضيه على نحو القضية الحقيقية، على نحو يشمل المسبب المحرم، حفاظا على جانب المصلحة، و بأن يحرم و ينهى عن الإيجاد التسبيبي لانتقال المصحف إلى الكافر، تخلصا من المفسدة، و بذلك يكون قد حافظ على جنبة المصلحة و المفسدة.

و بهذا يثبت أنّه لا تهافت بين إمضاء السبب و النهي عن مسببه.

و إن شئت قلت: إنّه يمكن أن يفترض أنّ المبغوض للشارع ليس مطلق السبب، بل هو صرف وجوده بنحو لا ينحل إلى كل فرد فرد، و ذلك كما إذا فرض أنّ عدم وقوع طبيعي المسبب في الخارج الأعم من الشرعي و العقلائي، هو المحبوب للشارع. و هذا لا ينافي أن يمضي الشارع السببية، و ذلك أن يثبت المسبب عند ثبوت السبب، فإنّه مع ثبوت المسبب العقلائي خارجا، يثبت طبيعي المسبب، و لو في ضمن المسبب العقلائي، و بعد وقوع طبيعي المسبب، لا يكون وقوع فرد ثان منه، و هو المسبب الشرعي مبغوضا، إذ بإمكان الشارع أن يجعل السببية، و لكن ينهى عن المسبب كي لا يوجد السبب، فلا يقع طبيعي المسبب خارجا، و لو في ضمن المسبب العقلائي.

2- الوجه الثاني، هو: ما أفاده الميرزا النائيني (قده) (1)

، و حاصله هو: إنّ صحة المعاملة، كالبيع مثلا، تتوقف على تماميّة ثلاثة أركان:

أ- الركن الأول، هو: أن يكون البائع مالكا، أو موكلا بالبيع، أو وليا.

____________

(1) فوائد الأصول- الكاظمي: ج 1 ص 292. أجود التقريرات- الخوئي: ج 2 ص 404.

559

ب- الركن الثاني، هو: أن يكون مسلطا شرعا على التصرف الوضعي في العين، بأن لا يكون المالك مجنونا، أو محجرا عليه، بحيث لا يمكنه إيجاد النقل و الانتقال في أمواله.

ج- الركن الثالث، هو: أن يستعمل البائع الأسباب الصحيحة الموجبة للانتقال، فيأتي بالصيغة المعتبرة مع تمام ما يعتبر من الشرائط، لتحقيق السبب.

فإذا تمت هذه الأركان، حينئذ يحكم بصحة المعاملة، و إذا اختل واحد منها يحكم ببطلانها، حينئذ نقول: بأنّ النّهي عن المعاملة بمعنى المسبب، أي: إنّ النّهي عن المسبب، كالنّهي عن تمليك المصحف للكافر.

مثل هذا النّهي يقتضي بطلان المعاملة، و ذلك لاختلال الركن الثاني، باعتبار أنّ هذا المسلم الذي يريد بيع المصحف من الكافر، و إن كان مالكا للمصحف، إلّا أنّه غير مسلط شرعا على مثل هذا التصرف الوضعي، و بذلك يثبت بطلان هذا البيع.

[إشكالان على هذا الوجه‏]

و هذا الوجه يرد عليه إشكالان: أحدهما تفصيلي، و الآخر إجمالي.

[الإشكال التفصيلي‏]

أمّا الإشكال التفصيلي، هو: أن يقال: إنّ السلطنة التي جعلت ركنا ثانيا لصحة المعاملة، يتصور لها ثلاثة معان:

1- المعنى الأول، هو: أن تكون السلطنة بمعنى عدم الحرمة التشريعية، فمعنى كونه مسلطا عليه شرعا، يعني أنّه غير محرم، فإذا كان المقصود بالسلطنة هذا المعنى، فحينئذ يرجع أخذ السلطنة ركنا في صحة المعاملة، إلى أنّ عدم حرمة المسبّب شرط في صحة المعاملة، و هذا هو عين المتنازع فيه و عليه، لا يكون هذا الوجه تاما.

2- المعنى الثاني، للسّلطنة هو: أن تكون بمعنى القدرة التكوينيّة على إيجاد المسبّب الاعتباري، و هذه القدر التكوينيّة على المسبّب، فرع ملاحظة ما هو موضوع الحكم بالإمضاء و الصحة في لسان الشارع، فبعد ملاحظة

560

هذا الموضوع و معرفته بخصوصياته، يعلم أنّ هذا المكلّف قادر تكوينا على هذا المسبب، أو غير قادر.

فإذا كان ذلك الموضوع، مع خصوصياته، تحت قدرته، فهو قادر، و إلّا، فلا قدرة له عليه. و عليه فلا بدّ في المرتبة السابقة على هذه القدرة أن يلاحظ موضوع دليل الإمضاء و الصحة، و حينئذ فلا يعقل أن تكون هذه القدرة مأخوذة على نحو الركنيّة في موضوع دليل الإمضاء و الصحة، و ذلك للزوم الدور كما هو واضح، فالسلطنة بهذا المعنى الثاني، لا يعقل أخذها ركنا، فإذا قصد بالسلطنة هذا المعنى الثاني، فلا يكون هذا الوجه الثاني تاما.

3- المعنى الثالث للسلطنة هو: أن ترجع السلطنة إلى اعتبار من الاعتبارات الشرعيّة على حدّ اعتبار الملكية، و الولاية، و نحوهما. فكما أنّ الشارع اعتبر جواز تصرف الولي بمال ولده، كذلك هنا يقال: بأنّ السلطنة عبارة عن اعتبار كون الإنسان مختارا شرعا في أن يفعل، و أن لا يفعل، فتكون السلطنة هنا راجعة إلى القدرة الاعتبارية، لا القدرة التكوينية.

و هذا المعنى للسلطنة لا مانع من اعتباره ركنا في صحة المعاملة، فكما يعتبر في الصحة، اعتبار كون البائع مالكا، كذلك اعتبار كونه مالكا للتصرف، و كونه مسلطا عليه، يكون مأخوذا في موضوع الصحة.

إلّا أنّ هذا يرد عليه، أولا: بأنّه لا دليل على هذه الركنية إذا لم يقم دليل على أنّ اعتبار كونه مالكا للتصرف أخذ في موضوع الصحة، بل إنّ هذه الركنيّة منفيّة بنفس إطلاق‏ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ.

فإن قيل: إنّ بيع الصبي لا يصح، مع أنّه مالك، إذن فليست عدم صحة بيعه، إلّا من جهة كون صحة البيع، منوطة باعتبار السلطنة على التصرف، و الصبي لم يعتبر له هذه السلطنة، فيبطل بيعه لذلك.

قلنا:

561

إنّ عدم صحة بيع الصبي ليست لما ذكر، فإنّ ذلك لم يثبت، و إنّما عدم صحة بيعه من جهة تخصيص أدلة الإمضاء بغيره، و لو لا المخصّص لصحّحنا بيعه.

و عليه فلا دليل يثبت أنّ السلطنة بهذا المعنى الثالث مأخوذة في موضوع صحة المعاملة، هذا أولا.

و أمّا ثانيا: فلو سلّم وجود مثل هذا الدليل على ركنيّة هذه السلطنة بهذا المعنى، إلّا أنّنا نقول: إنّ تحريم المسبّب لا يوجب انهدام هذا الركن، لأنّ اعتبار السلطنة و جعل الحرمة، ليسا من باب النقيضين ليكون تعيّن أحدهما موجبا لزوال الآخر، بل هما أمران وجوديان اعتباريان، و لا تناف بينهما، لأنّ الاعتبارات بما هي اعتبارات، لا منافاة بينها، كما أنّه لا منافاة بينهما بلحاظ آثارهما، لأنّ أثر اعتبار الحرمة هو استحقاق العقاب على هذا التمليك، و أثر اعتبار السلطنة هو ترتب الأثر، و هو التمليك، و لا منافاة بين هذين الأثرين، بل لا منافاة بين هذين الاعتبارين، حتى بلحاظ عالم التصور، فضلا عن التّصديق، لأنّه يمكن أن يتصور أنّ إنسانا مسلط على الفعل و عدمه، لكن يطلب منه أن لا يفعل، و عليه، فاعتبار الحرمة لا ينفي اعتبار السلطنة ليقال: إنّ النهي عن المعاملة بمعنى المسبب، يقتضي بطلانها، لانتفاء اعتبار السلطنة الذي هو ركن في الصحة.

هذا تمام الكلام في الاستشكال التفصيلي على الوجه الذي ذكره الميرزا (قده) لاقتضاء النّهي عن المعاملة بمعنى المسبّب، للفساد.

[الإشكال الإجمالي إنّه لو كان النّهي عن المعاملة بمعنى السبب يقتضي بطلانها، للزم كون النّهي متعلقا بأمر غير مقدور، و هذا مستحيل‏]

*- الإشكال الثاني الإجمالي، الذي يرد على ما ذكره الميرزا (قده)، فإنّه يستفاد من تضاعيف كلامه (قده) حيث التفت إليه و أجاب هو عنه.

و حاصل هذا الإشكال هو: إنّه لو كان النّهي عن المعاملة بمعنى السبب يقتضي بطلانها، للزم كون النّهي متعلقا بأمر غير مقدور، و هذا مستحيل.

562

و بيان ذلك، هو: إنّ النّهي متعلّق بالمسبّب، و قد فرض أنّ النهي يهدم الركن الثاني من أركان صحة المعاملة، و معه يتعذر وجود المسبب، و إذا تعذر وجود المسبّب فإنّه حينئذ يستحيل النّهي عنه، لأنّه تكليف بغير المقدور و هذا الاستشكال منتزع من الإتجاه المعاكس القائل: بأنّ النّهي عن المعاملة يقتضي الصحة (1)، و إلّا فلو اقتضى الفساد، للزم هذا المحذور.

و قد أجاب الميرزا (قده) عن هذا الكلام: بأنّ المسبّب لو كان محصورا بخصوص المسبّب الشرعي، لتمّ هذا الاستشكال بالنحو الذي عرفت، إلّا أنّ المفروض أنّه غير منحصر بالمسبب الشرعي، بل كما يوجد مسبب شرعي، كذلك يوجد سبب عقلائي، فحينئذ يفرض أنّ النّهي الشرعي متعلّق بالمسبّب العقلائي، أو بالجامع بينه و بين الشرعي، فحينئذ لا يرد هذا الإشكال، لأنّ النّهي الشرعي المتعلّق بالمعاملة بمعنى المسبّب يوجب البطلان الشرعي للمعاملة، لا البطلان العقلائي، و البطلان الشرعي يوجب تعذر خصوص الحصة الشرعية، أي: المسبّب الشرعي، و أمّا المسبّب العقلائي أو الجامع، فيبقى تحت القدرة، فلا مانع من تعلّق النّهي الشرعي بأحدهما، و لا يرد الإشكال حينئذ.

و هذا الكلام تام إذا فرضنا أنّ النّهي تعلّق بالجامع.

إلّا أنّ الميرزا (قده) فرضه متعلق بالمسبب العقلائي، و هنا لا يكون جوابه تاما، لأنّه يقال: إذا كان النّهي الشرعي متعلقا بالمسبّب العقلائي، فما الموجب لبطلان المعاملة، مع أنّه لا نهي عن المسبّب الشرعي؟.

و لأجل أن يكون جوابه تاما، لا بدّ و أن نضيف إليه دعوى أخرى، و هي أن يقال: بأنّ صحة المعاملة و إمضاء المسبّب الشرعي من قبل المولى، منوط بالقدرة الشرعيّة على المسبّب العقلائي، و المفروض أنّ المسبّب‏

____________

(1) الإحكام في أصول الأحكام- الآمدي: ج 2 ص 179- فوائد الأصول الكاظمي: ج 1 ص 294.

563

العقلائي غير مقدور شرعا بسبب النّهي الشرعي عنه، فبإضافة هذه الدعوى، يتم جوابه الذي فرض فيه تعلّق النّهي بخصوص المسبّب العقلائي.

و هذا الجواب الذي أفاده الميرزا (قده) يفي بحل الإشكال في صورة ما إذا فرض أنّ النّهي الذي يتعلّق بالمسبّب يكون نهيا شرعيا دائما.

لكن إذا تعلّق نهي عقلائي بالمعاملة، بمعنى المسبّب، فإنه أيضا يرجع الإشكال حينئذ، فإنّه كما كان النّهي الشرعي يوجب تعذّر المسبّب الشرعي، فكذلك النّهي العقلائي، يوجب تعذّر المسبّب العقلائي بنفس البيان، و مع تعذّر المسبّب الشرعي و العقلائي، لا يبقى هناك ما يمكن تعلّق النّهي به، و إذا فرض أنّ النّهي متعلّق بهما، فيرجع الإشكال، باعتبارهما غير مقدورين كما عرفت.

و عليه فالمتعيّن في مقام الجواب عن هذا الإشكال، هو أن يقال: بأنّ النّهي المتعلّق بالمسبّب يكون متعلقا بما يكون تمليكا لو لا النّهي، أي:

متعلقا بوجوده اللولائي الفعلي، و من المعلوم، أنّه حتى لو كان النّهي مقتضيا للبطلان، و أوجب ذلك تعذر المسبّب الشرعي و العقلائي، إلّا أنّ التمليك اللولائي الذي هو متعلق النّهي مقدور، لأنّه يصدق عليه حتى مع البطلان أنّه تمليك لو لا النّهي.

و ممّا ذكرنا، ظهر أنّ الوجه الثاني الذي ذكره الميرزا (قده) في مقام بيان اقتضاء النّهي عن المسبّب للبطلان، غير تام، لما يرد عليه من الإشكال التفصيلي، و إن لم يرد عليه الإشكال الإجمالي.

و من هنا ظهر أيضا، أنّ النّهي عن المسبّب لا يقتضي البطلان.

هذا تمام الكلام في القسم الثاني من النّهي.

3- القسم الثالث، و هو: النّهي الذي يكون متعلقا بالأثر المترتب على المسبّب‏

كقوله، «ثمن العذرة سحت»، و نحوه من التحريمات المتعلقة بالآثار، حيث أنّ هذه النواهي تدل على حرمة التصرف بهذا الثمن، و التصرف من آثار المسبّب، و هو التمليك.

564

و استلزام مثل هذا النّهي لبطلان المعاملة يكون بأحد ثلاثة طرق:

1- الطريق الأول، هو: أن يفرض أنّ الحرمة التي يوجبها النهي في المقام، توجب عدم ترتب أيّ أثر من الآثار التي يترقب ترتبها على المسبب‏

بحيث لو حكم بصحة المعاملة، لكان هناك مسبب بلا أيّ أثر شرعي عملي، بمعنى أنّه لو حصل التمليك، لما ترتب عليه أيّ أثر من آثاره كجواز بيعه، و هبته، و نحو ذلك.

و عليه: فيكون نفس الدليل الذي تكفل نفي هذه الآثار دالا على بطلان هذه المعاملة، لأنّه إن كانت الأحكام الوضعية تابعة للأحكام التكليفية في الجعل، فالمفروض هنا أنّ الأحكام التكليفية قد نفيت جميعها، فلا مجال لانتزاع الحكم الوضعي، و هو الصحة.

و إن كانت الأحكام الوضعية مستقلة بالجعل، فكذلك لا معنى لجعل الصحة، لأنّ جعل هذا الحكم مع عدم ترتب أيّ أثر عليه، يكون لغوا. فمن هنا يظهر أنّ الشارع لم يجعل الصحة بمعنى أنّه لم يمض مثل هذه المعاملة، و بذلك يثبت البطلان.

2- الطريق الثاني، هو: أن يفرض أنّ دليل الحرمة لا ينفي تمام الآثار، و إنّما ينفي الأثر الركني الذي يكون بينه و بين سائر الآثار ملازمة عرفية

، و حينئذ فيكون هذا الدليل النافي لذلك الركن نافيا لسائر الآثار بالدلالة الالتزامية العرفية، و معه يكون هذا الدليل مقتضيا للبطلان.

3- الطريق الثالث، هو: أن يفرض أنّ دليل الحرمة ينفي بعض الآثار، لا تمامها، و لا الركن منها

، كما لو دلّ الدليل على عدم جواز بيع المشتري هذه السلعة التي تملّكها بتملك منهي عنه، حينئذ يقال: إنّ الدليل الذي دلّ على ترتب هذا الأثر، و هو جواز بيع ما يشتريه، على كل بيع صحيح، يكون دالا على بطلان هذه المعاملة.

و بيان ذلك هو: إنّ الدليل دلّ على ترتب هذا الأثر، و هو جواز البيع،

565

على كل بيع صحيح، كما أنّ دليل الحرمة قد نفى ترتب هذا الأثر، و حينئذ، فإن فرض أنّ هذا البيع كان صحيحا، فيكون الدليل الذي دلّ على نفي الأثر، مخصصا للدليل الدال على ترتب الأثر، و إن كان البيع باطلا، فيرجع نفي الأثر إلى تخصيص في دليل ترتب الأثر، و كلّما دار الأمر بين التخصيص و التخصّص فيرجع إلى أصالة عدم التخصيص، و بذلك يثبت التخصّص، و هذا يثبت بطلان المعاملة، لأنّه لو كانت صحيحة، لرجع نفي الأثر إلى تخصيص في دليل ترتب الأثر، لا إلى تخصص فيه، كما عرفت.

إلّا أنّ تماميّة هذا الطريق مبنية على أمرين:

1- الأمر الأول: على تماميّة ما ذكر من كبرى أصالة عدم التخصيص في مقام هذا الدوران‏

، و إن شئت قلت: إنّ المقام من دوران الأمر بين التخصيص و التخصص، فلو كانت المعاملة صحيحة، و مع هذا لا يترتب عليه الأثر، فهذا معناه التخصيص في دليل الأثر، و لو كانت المعاملة باطلة فهي خارجة عن موضوع دليل الأثر، و هو معنى التخصص.

و الصحيح في موارد دوران الأمر بين التخصيص و التخصص عدم جريان أصالة عدم التخصيص لإثبات التخصص.

2- الأمر الثاني، هو: أن لا تقع المعارضة بين دليل ذلك الأثر المنفي، و دليل صحة المعاملة

لأنّه قد يفرض وجود إطلاق في دليل المعاملة، و هذا الإطلاق يقتضي صحتها، و حينئذ يقع التعارض بين الدليلين، و معه يرجع إلى قواعد التعارض.

و حينئذ لا يكون هذا الطريق تاما، فلا بدّ في تماميته من تماميّة هذين الأمرين. و عليه: فالعمدة في إثبات البطلان في المقام هو الطريقين: الأول و الثاني.

و إن شئت قلت: إنّه لو سلّمنا جريان أصالة عدم التخصيص في أمثال المقام، فيكون دليل الأثر دالا لا محالة بإطلاقه على بطلان المعاملة،

566

و حينئذ لو كان هناك دليل يدل على صحة هذه المعاملة، و لو بالإطلاق- كما هو الحال في مطلقات أدلة الصحة- وقع التعارض لا محالة بين إطلاق دليل الصحة، و بين إطلاق دليل الأثر. إذن فلا بدّ من ملاحظة هذا التعارض، إذ قد يتقدم دليل الصحة على إطلاق دليل الأثر.

هذا تمام الكلام في الجهة الأولى، و هي اقتضاء النهي الفساد في المعاملات بلحاظ مقتضى القاعدة.

2- الجهة الثانية، و هي: في اقتضاء النهي عن المعاملة للفساد، بلحاظ الدليل الخاص.

و هنا قد يدّعى وجود مثل هذا الدليل على الاقتضاء، و هو الروايات الواردة في نكاح العبد، بدون إذن مولاه.

[دلالة رواية زرارة فى المقام‏]

ففي هذا المقام نقل زرارة عن جملة من الفقهاء الموجودين في ذلك الزمان بأنهم يذهبون إلى أنّ نكاح العبد فاسد من أصله على نحو لا ينفع معه تعقب الإجازة بعد ذلك.

فهم يرون أنّ هذا النكاح كالنكاح في العدّة الذي هو فاسد من أصله، و لا يصح بوجه، فقد روى زرارة عن أبي جعفر «ع» قال: سألته عن مملوك تزوج بغير إذن سيده، فقال: «ذاك إلى سيّده، إن شاء أجازه، و إن شاء فرّق بينهما»، قلت: أصلحك الله، إنّ الحكم بن عيينة، و ابراهيم النخعي، و أصحابهما، يقولون: إنّ أصل النكاح فاسد و لا تحل إجازة السيّد له.

و هنا قال الإمام «ع» في مقام الجواب عن هذا التوهم: «إنّ العبد لم يعص اللّه، و إنّما عصى مولاه، فإذا أجازه، فهو له جائز» (1).

فبيّن (عليه السلام) أنّ نكاح العبد هذا، ليس باطلا من أصله، بحيث لا

____________

(1) وسائل الشيعة- الحر العاملي: ج 14 ب 24 من أبواب نكاح العبيد و الإماء ص: 523.

567

ينفع معه تعقّب الإجازة، و إنّما هو باطل، إذا لم تتعقبه الإجازة، كما هو مفهوم الكلام.

و بتعبير آخر يقال: إنّ ظاهر جواب الإمام «ع» أنّه لو كان عاصيا للّه، لكان النكاح باطلا من أصله.

و ظاهر العصيان هنا، هو العصيان التكليفي، و ليس العصيان الوضعي، بمعنى الإتيان بالمعاملة الفاسدة، إذ إنّ العصيان الوضعي، ليس في الحقيقة عصيانا و تمردا على المولى، إذن لا بدّ و أن يكون المقصود، أنّ العصيان التكليفي هو الذي يوجب فساد النكاح، و هذا يعني، أنّ النكاح لو كان منهيا عنه لوقع باطلا، و هذا هو معنى أنّ النهي عن المعاملة يوجب الفساد.

أو فقل: إنّه من جواب الإمام «ع» يستدل على أنّ النهي المولوي يقتضي الفساد في المعاملة، بدعوى وجود ظهورين، و من مجموعها يستفاد اقتضاء النهي للبطلان:

1- الظهور الأول: هو: إنّ مفهوم قول الإمام «ع»، إنّ هذا العبد لم يعص اللّه، هو إنّ عصيان اللّه يوجب الفساد، حيث علّل عدم الفساد بأنّه لم يعص اللّه، فهذا الظهور يقتضي كون عصيان اللّه موجبا للفساد.

2- الظهور الثاني، هو: إنّ العصيان الوارد في كلام الإمام «ع» ظاهر في المعصية التكليفية، لا الوضعية، لأنّ العصيان التكليفي هو الذي يكون فيه تمرد حقيقي على المولى، و أمّا العصيان الوضعي فهو مجرد اصطلاح أصولي، و إلّا فهو لا يتضمن تمردا على المولى، فإنّ من يأتي بمعاملة فاسدة غير قاصد لترتب الأثر، لا يكون متمردا، و أمّا إذا قصد ترتب الأثر، فترجع المعصية إلى المعصية التكليفية، و حينئذ، فمن مجموع هذين الظهورين، يثبت أنّ العصيان التكليفي يوجب فساد المعاملة، و العصيان التكليفي نتيجة للنّهي المولوي التحريمي، فيثبت أنّ النهي المولوي التحريمي عن المعاملة يقتضي فسادها، و هو المطلوب.

568

إلّا أنّ الصحيح عدم تماميّة هذا الكلام، لعدم تماميّة الظهور الثاني.

و لتوضيح ذلك نقدم مقدمة، و حاصلها، هو: إنّه يوجد عندنا إذن تكليفي، و في مقابله، منع تكليفي، كما أنّه يوجد عندنا إذن وضعي، و في مقابله منع وضعي.

و المقصود بالإذن الوضعي، هو: أن يقر الشارع و المولى مضمون المعاملة، من دون نظر إلى السبب و الإنشاء. و المقصود بالمنع الوضعي هو: عدم إقرار مضمون المعاملة، و هذان النحوان من الإذن و المنع يختلفان في أمرين:

1- الأمر الأول: هو: إنّ الإذن و المنع التكليفيين لا يتصوران إلّا قبل إيقاع الفعل، لأنّه بعد وقوع الفعل لا يترقّب من المولى شي‏ء آخر ليؤذن فيه أو يمنع عنه، و أمّا الإذن و المنع الوضعيين، فكما يتصوران قبل إيقاع الفعل، كذلك يتصوران بعد إيقاعه، و ذلك لأنّ الحكم الوضعي، مربوط بمضمون المعاملة، فحتى بعد إيقاعها يترقب من المكلف صدور شي‏ء، و هو ترتيب آثار هذه المعاملة، و معه فيعقل الإذن و المنع، حتى بعد إيقاع المعاملة.

2- الأمر الثاني، و هو: متفرّع على الفرق الأول، و حاصله: إنّ المنع التكليفي إذا وجد قبل إيقاع الفعل، فلا معنى لتبدّله بالإذن التكليفي بعد وقوع الفعل كما هو واضح.

و أمّا المنع الوضعي، فإذا حدث قبل إيقاع المعاملة، فيعقل تبدّله بالإذن بعد إيقاعها، لأنّ ذلك ينتج إمكان ترتيب الآثار على هذه المعاملة، هذه هي المقدمة.

و حينئذ نأتي إلى محل الكلام فنقول: إنّ المستظهر من العصيان الوارد في كلام الإمام «ع»، هو العصيان الوضعي، لا التكليفي، لوجود عدة قرائن كما ستعرف، و بناء عليه فلا يتم الاستدلال، لاختلال الظهور الثاني.

569

و غاية ما يدل عليه كلام الإمام «ع» حينئذ، هو: إنّ المنع الوضعي عن النكاح يقتضي فساده، و هذا خارج عن محل الكلام، لأنّ محل الكلام هو اقتضاء النّهي التكليفي للفساد، لا النّهي الوضعي.

و أمّا القرائن التي توجب ظهور العصيان في كلام الإمام «ع» في العصيان الوضعي فهي أربعة:

1- القرينة الأولى، هي: إنّ عصيان اللّه و عصيان السيد الواردين في الرواية ينبغي أن يحملا على معنى واحد، إمّا العصيان التكليفي، و إمّا العصيان الوضعي.

و حينئذ، فإذا حمل عصيان اللّه على التكليفي، فينبغي أن يحمل عصيان السيد على التكليفي أيضا، و حمل عصيان السيد على التكليفي يستدعي أن يكون السيد قد صدر منه نهي عن هذا النكاح قبل إيقاعه، لما عرفت في المقدمة، من أنّ النّهي التكليفي يكون قبل إيقاع الفعل، مع أنّ هذا المعنى لم يفرض في السؤال الموجه للإمام «ع»، و غاية ما يقتضيه السؤال هو: إنّ نكاح العبد كان بغير إذن سيده، لا إنّه منعه عنه قبل إيقاعه.

و عليه، فلا بدّ من حمل عصيان السيّد على العصيان الوضعي، و معه يتعيّن حمل عصيان اللّه على الوضعي أيضا، لما عرفت من لزوم حملهما على معنى واحد، و بذلك يختل الظهور الثاني المدّعى، لأنّ عصيان اللّه ليس ظاهرا في العصيان التكليفي.

و بعد حمل العصيان في كلام الإمام «ع» على العصيان الوضعي، يكون حاصل المعنى، إنّ هذا العبد، لم يعص اللّه، بمعنى أنّ اللّه أقرّ هذا النكاح، إلّا أنّ المولى لم يقرّه، و إقرار كل منهما بحسبه، فإقرار اللّه له، بمعنى أنّ اللّه قد أحلّ الزواج على وجه كلّي، و عدم إقرار المولى، بمعنى، أنّ هذا المولى لا يرضى بأن تكون هذه المرأة زوجة لعبده، و بهذا يستقيم معنى الرواية بلا مخالفة لأيّ ظاهر.

570

بينما لو حملنا عصيان اللّه على العصيان الوضعي لوجب حمل عصيان المولى عليه أيضا، و هذا يقتضي أن يكون المولى قد نهى عبده عن هذا النكاح قبل إيقاعه، كما عرفت. و ظاهر السؤال الموجه للإمام «ع» لا يثبت ذلك.

و عليه، فلا بدّ من حمل عصيان اللّه الوارد في الرواية على الوضعي، و معه لا يتم الاستدلال، لاختلال الظهور الثاني المدّعى.

2- القرينة الثانية، هي: إنّ قول الإمام «ع»، فإن أجاز فهو له جائز، فإنّ هذا نص في أنّ الإجازة في هذا الفعل بعد إيقاعه، ترفع المحذور و المنع، و إنّ المنع الذي يرتفع بالإجازة بعد إيقاع الفعل، إنّما هو المنع الوضعي لا التكليفي، كما عرفت في المقدمة.

و عليه فالعصيان بالنسبة للسيد لا بدّ و أن يحمل على الوضعي، و حينئذ، لا بدّ و أن يحمل عصيان اللّه على الوضعي أيضا، كما عرفت، فيختل الظهور الثاني المدّعى، و لا يتم الاستدلال.

3- القرينة الثالثة، هي: إنّه: قد فرض في كلام الإمام «ع» أنّ هذا العبد لم يعص اللّه، و إنّما عصى سيّده، و حينئذ، فإذا حملنا العصيان على العصيان الوضعي، فيلتئم معنى الرواية، فإنّه لم يعص اللّه باعتبار أنّ اللّه أقرّ هذا الفعل على وجه كلّي. و أمّا عصيان السيد، فلأنّ سيّده لم يقرّ هذا الفعل كما عرفت.

و أمّا إذا حملنا العصيان على العصيان التكليفي، فلا يلتئم معنى الرواية حينئذ، لأنّ هذا العبد إذا عصى السيد تكليفا، فلا بدّ و أن يكون عاصيا للّه تكليفا، لأنّ عصيان السيد محرّم بحكم اللّه تعالى.

4- القرينة الرابعة، هي: إنّك قد عرفت في القرينة الأولى، أنّه إذا حمل عصيان اللّه على التكليفي، فينبغي حمل عصيان السيد عليه أيضا، و حمل عصيان السيد على ذلك، يستدعي صدور نهي من السيد قبل إيقاع‏

571

هذا الفعل، و حينئذ نسأل: بأنّ السيد قبل إيقاع الفعل، عن أيّ شي‏ء ينهى؟

فإن قيل: إنّه ينهى عن المسبّب، فالمفروض أنّه لم يقع المسبّب ليتحقق عصيان السيد، مع أنّه قد فرض تحقّقه في الرواية.

و إن قيل: أنّ السيد ينهاه عن أصل إنشاء العقد، بمعنى أنّه يحجّر عليه التلفظ بإنشاء هذا العقد، ففي مثله لو أنشأ العبد ذلك لا يكون عاصيا، لأنّه لا دليل على تسلّط المولى على عبده إلى هذا الحد.

فبهذا يثبت أنّ فرض كون العبد عاصيا لسيّده، يعني كون المراد من العصيان، هو العصيان الوضعي لا التكليفي، و إلّا لما التأم المعنى كما عرفت.

و إذا حمل عصيان السيد على الوضعي تعيّن حمل عصيان اللّه تعالى عليه أيضا، فيختل الظهور الثاني المدّعى، و بذلك يبطل الاستدلال بهذه الرواية و أمثالها، على أنّ النّهي المولوي عن المعاملة يقتضي الفساد.

و الحاصل، هو: إنّ هذه القرائن تعيّن كون المراد من العصيان إنّما هو العصيان الوضعي، و لو تنزّلنا، فلا أقلّ من كونه موجبا لإجمال الرواية، و معناه أنّه لا يمكن الاستدلال بها.

هذا هو تمام الكلام في الجهة الثانية، و بها تم الكلام في مسألة اقتضاء النهي للفساد في العبادات و المعاملات، و بذلك يتم الكلام في بحث النواهي.

و الحمد للّه رب العالمين.

572

بحوث المفاهيم‏

[تعريف المفهوم‏]

و لتحديد موضوع البحث في المقام، لا بدّ من تعريف المفهوم، فنقول: انّه لا إشكال في أنّ المفهوم مدلول التزامي للكلام، في مقابل المنطوق، الذي هو مدلول مطابقي له، كما أنه لا إشكال في انّه ليس كل مدلول التزامي للكلام، مفهوما، كما في وجوب المقدمة، فإنّه مدلول التزامي لوجوب ذيها، مع انّه ليس من المفاهيم.

و عليه، فالمفهوم، هو حصة خاصة من المدلول الالتزامي.

و قد وقع البحث في تمييز هذه الحصة عن غيرها، و في مقام توضيح ذلك، ذكرت عدّة وجوه.

1- الوجه الأول: و هو مستفاد من كلام الميرزا (قده) في تقريرات بحثه‏ (1): و حاصله: هو ان المفهوم عبارة عن المدلول الالتزامي الذي يكون لازما بينا بالمعنى الأخص، بمعنى انه بمجرد تصور الملزوم ينتقل منه إلى اللازم بلا توسط شي‏ء آخر، و من هنا لم يكن وجوب المقدمة من المفاهيم، لأن تصور وجوب الصلاة لا يستدعي الانتقال إلى تصور وجوب الوضوء، كما هو واضح.

الّا انّ هذا الوجه غير تام، لأن الميرزا (قده) و غيره قد ذكروا في مقام إثبات مفهوم الشرط وجوها لإثبات المفهوم، و هذه الوجوه لو تمّت فهي تثبت المفهوم، لكن لا يكون هذا المفهوم لازما بيّنا بالمعنى الأخص، بل قد يكون لازما غير بيّن أصلا، و إنما هو لازم خفي يحتاج إلى توسط برهان‏

____________

(1) فوائد الأصول- الكاظمي- ج 1 ص 296- المطبعة العلمية 1368 ه.

573

و إعمال عناية، فمثلا من جملة الوجوه التي ذكرت لإثبات مفهوم الشرط، وجها يعتمد على استحالة صدور الواحد عن متعدد، إمّا ببيان انّ مقتضى إطلاق الشرط انّه مؤثر في الجزاء على كل حال، سواء قارنه أو سبقه شي‏ء آخر أم لا، و حينئذ لو كان هناك شي‏ء آخر علة لنفس الحكم في الجزاء أيضا، فلو تحقّق ذاك الشي‏ء الآخر قبل تحقق الشرط في الخارج، لكان ذاك الشي‏ء الآخر هو الموجد للجزاء دون الشرط، و لو تحقّق ذاك الشي‏ء مع الشرط معا و متقارنين، كان المجموع علة، لا الشرط بخصوصه.

فالنتيجة انّه لا يكون الشرط بما هو هو، علة للجزاء عند سبق ذلك الشي‏ء الآخر، أو عند تقارنه معه، و إلّا لزم صدور الواحد بالشخص- الذي هو الحكم بالجزاء- من الاثنين، و هو مستحيل.

و إما ببيان انّه لو كان هناك علة أخرى في جانب الشرط، فلو كان المؤثّر هو الشرط بعنوانه، و ذاك البديل بعنوانه، لزم صدور الواحد بالنوع و هو طبيعي الحكم في الجزاء- من الاثنين، و هو مستحيل، و لو كان المؤثر هو الجامع بين الشرط و ذاك البديل، فهذا خلاف ظهور الشرط في كونه مؤثرا بعنوانه.

و لو تمّ هذا الوجه، فهو لا يثبت الانتقال من المدلول المطابقي إلى المفهوم، إلّا بعد إثبات استحالة صدور الواحد عن متعدد، و حتى لو فرض انهم أثبتوا المفهوم في الجملة الشرطية بهذا القانون الفلسفي الذي لا يدركه إلّا الفلاسفة، فكيف يكون المفهوم المستكشف و المثبت بهذا القانون الفلسفي، لازما بيّنا بالمعنى الأخص.

بل هو على هذا الأساس لا يكون إلّا لازما خفيا و غير بيّن أصلا، و عليه فما ذكره الميرزا (قده) غير تام.

2- الوجه الثاني: كما أفاده صاحب الكفاية (قده) (1)، و هو انّ‏

____________

(1) كفاية الأصول- الخراساني- ج 1 ص- 300- 301.

574

المفهوم، حكم إنشائي أو إخباري، لازم لخصوصيّة في المدلول المطابقي، و ليس لازما لأصل المدلول المطابقي و كأنّه يريد بذلك، تمييز المفهوم عن سائر المداليل الالتزامية، حيث انّه في سائر المداليل الالتزامية عدا المفهوم، تكون هذه المداليل، لوازم لأصل المدلول المطابقي، بخلاف المفهوم، فإنّه لازم لخصوصيّة فيه، لا لأصل المدلول المطابقي.

و من هنا لم يكن وجوب الوضوء مفهوما، لأنّه لازم لأصل وجوب الصلاة الذي هو المدلول المطابقي للدليل، لا لخصوصية فيه.

ثم ذكر (قده)، انّ هذه الخصوصية، قد تثبت بمقدمات الحكمة، كما تثبت بالوضع.

ثم بعد هذا قال: سواء وافقه في الإيجاب و السلب أو خالفه، و بهذه العبارة الأخيرة عمّم المفهوم إلى مفهوم المخالفة و مفهوم الموافقة. و لنا حول هذا الكلام تعليقان.

1- التعليق الأول: هو انه (قده) قد اعتبر مفهوم الموافقة مفهوما، مع ان تعريفه لا ينطبق عليه، فمثلا قوله تعالى، فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ‏، يدل بالأولوية على حرمة الضرب و هذا هو مفهوم الموافقة، مع ان حرمة الضرب لازم لأصل المدلول المطابقي، و ليس لخصوصية فيه، و عليه فتعريفه لا يكون جامعا.

2- التعليق الثاني،: هو انّ هذا التعريف غير مانع.

و بيان ذلك هو: انّ المفهوم كما عرّفه، انّه هو اللازم لخصوصيّة في المدلول المطابقي، و هذه الخصوصيّة، قد تثبت بمقدمات الحكمة كما ذكره (قده)، و حينئذ، يمكن أن نفرض لازما ينطبق عليه هذا التعريف، مع انّه لا إشكال في انّه ليس مفهوما.

فمثلا لو قيل، «صلّ»، فبناء على بعض المسالك في استفادة الوجوب من صيغة «افعل»، و هو كون المدلول المطابقي للصيغة إنّما هو الطلب‏

575

بينما الوجوب مستفاد من الإطلاق و مقدمات الحكمة على أساس كونه خصوصيّة زائدة في الطلب، و حينئذ يقال: بأنّ وجوب المقدمة، يصبح لازما لخصوصيّة في المدلول المطابقي لقوله «صلّ»، فينطبق تعريف المفهوم على وجوب المقدمة أي الوضوء مع انه لا إشكال في انه ليس من المفاهيم، حتى لو بني على انّ استفادة الوجوب كانت بمقدمات الحكمة.

و بهذا يثبت ان هذا التعريف للمفهوم غير مانع، كما لم يكن جامعا كما عرفت في التعليق الأول.

3- الوجه الثالث: و هو ما يقتضيه التحقيق، و حاصله: انّ القضيّة التي يربط فيها بين جزءين، تارة يفرض ان اللازم لهما لازما بلحاظ الحكم بحيث لو غيّر الحكم لزال هذا اللازم. فمثلا حينما يقال: صلّ، فإن لازمه وجوب الوضوء، لكن لو غيّر هذا الحكم و هو وجوب الصلاة فقيل، تباح الصلاة، ففي مثله ينتفي وجوب الوضوء.

و تارة أخرى، يفرض انّ اللازم فيها لازم بلحاظ الموضوع، بحيث لو تغيّر الموضوع لزال هذا اللازم، فمثلا لو قيل، أكرم ابن الهاشمي، فيستفاد منه إكرام الهاشمي بطريق أولى، فهنا لو تغيّر الموضوع، فقيل أكرم اليتيم، فلا يكون دالا على وجوب إكرام الهاشمي.

و تارة ثالثة: يفرض انّ اللازم، لازم بلحاظ ربط الحكم بالموضوع، و ليس لازما للحكم بخصوصه، و لا للموضوع بخصوصه، بل للربط بينهما، كما لو قيل: إذا جاءك زيد فأكرمه، فيستفاد منه، الانتفاء عند الانتفاء، فهذا اللازم، لازم للربط بين الحكم و الموضوع، لا لأحدهما بخصوصه، و لذا لو بدّلنا الحكم فقلنا، إذا جاءك زيد فلا تكرمه، أو بدّلنا الموضوع فقلنا: إذا جاءك عمرو فأكرمه، فإنه في هاتين الصورتين يبقى اللازم و هو الانتفاء عند الانتفاء، لأنه لازم للربط، و هو موجود .. و من هنا يصح أن نعرف المفهوم، بأنه عبارة عن المدلول الالتزامي الذي تكون نكتة اللزوم فيه قائمة

576

بربط الحكم بموضوعه لا بالحكم بخصوصه، و لا بالموضوع بخصوصه، هذا هو الصحيح في تعريف المفهوم.

و إن شئت قلت: ان القضية التي تربط بين جزءين، لا محالة يكون اللازم لهما، إمّا لازما لنفس هذين الجزءين بنحو لو بدلنا أحد الجزءين بشي‏ء آخر فلا يثبت اللازم، و إمّا ان يكون لازما للربط بين الجزءين بنحو يكون اللازم ثابتا ما دام ان الربط الخاص ثابت و ان تغيّر طرفاه، و حينئذ، فالقسم الثاني من اللازم هو المفهوم دون الأول، و مثال القسم الأول هو أن يقال: صلّ، فإنه يدل بالملازمة على وجوب مقدمة الصلاة التي هي الوضوء، ان وجوب المقدمة يكون لازما للحكم في صلّ بنحو لو غيرنا هذا الحكم و افترضنا ان الصلاة مباحة غير واجبة لا يثبت وجوبها. و كذلك لو قيل أكرم ابن الهاشمي، و افترض ان اللازم له، وجوب إكرام نفس الهاشمي أيضا بالأولوية، فإنّ هذا لا يكون لازما للربط بين الحكم و الموضوع، و إنما يكون لازما لنفس الموضوع، و لعلّ ما يدل على هذا انه لو غيرنا الموضوع بموضوع آخر و قلنا، أكرم اليتيم، فلا يثبت هذا اللازم و لا يدل على وجوب إكرام أم اليتيم مع ان نفس الربط السابق بين الحكم و الموضوع محفوظ.

و مثال الثاني، الجمل الشرطية، كما لو قيل، «إن جاءك زيد فاكرمه»، فإنه يدل بالملازمة على الانتفاء عند الانتفاء، لأنّ اللازم. هنا، لازم لنفس الربط الخاص بين الشرط و الجزاء، و لا يكون لازما لذات الشرط و لا لذات الجزاء، بدليل انّه لو بدّلنا الشرط و الجزاء معا، أيضا دلت الجملة على الانتفاء عند الانتفاء، لو كان نفس الربط السابق محفوظا، كما إذا قيل بدلا عن المثال السابق، إن جاءك عمرو فأكرمه، فإنها تدل أيضا على الانتفاء عند الانتفاء، غايته انّه مع تبديل أطراف منطوق الجملة، يتبدل أطراف المفهوم.

577

ضابط استفادة المفهوم من الجملة

و بعد أن عرفت تعريف المفهوم، يقع الكلام في تحقيق ما هو الضابط لاستفادة المفهوم من الجملة الشرطية أو الوصفية أو الغائية و غيرهم، بمعنى انه ما هي النكتة التي إذا ثبت دلالة الجملة عليها، تكون هذه الجملة حينئذ دالة على المفهوم.

و في هذا المقام ذكر المشهور انّ الضابط في دلالة الجملة على المفهوم، يتركّب من ركنين، و لنأخذ الجملة الشرطيّة كمثال على ذلك.

1- الركن الأول: هو أنّ تكون الجملة الشرطية، دالة بهيئتها، أو بأداتها، على انّ الجزاء مربوط بالشرط ربطا لزوميا، و على أنّ الشرط، علة تامة و منحصرة بالنسبة للجزاء حيث لا علة سواه، و لا هما معلولين لعلة أخرى، فإذا تمّ ذلك، يثبت حينئذ، انّ الحكم المجعول في الجزاء، سوف ينتفي بانتفاء الشرط.

2- الركن الثاني: هو أن يكون المعلق على الشرط، هو طبيعي الحكم لا شخصه، و إلّا فإذا كان المعلق شخصه، فغاية ما تدل عليه الجملة حينئذ، هو انتفاء شخص الحكم عند انتفاء الشرط، و هذا لا يمنع حينئذ من ثبوت نوع الحكم في ضمن شخص آخر و بملاك آخر، و معه، فلا تكون الجملة دالة على المفهوم الذي هو عبارة عن انتفاء نوع الحكم.

فإذا تمّ هذان الركنان، تكون الجملة الشرطية دالة على انتفاء الجزاء الذي هو نوع الحكم، عند انتفاء الشرط.

578

إلّا ان هذا الكلام غير تام:

أمّا بالنسبة للركن الأول، فعليه تعليقان: أحدهما مجمل، و الآخر مفصّل.

أمّا التعليق المجمل، فحاصله: هو انّه يمكن أن نتوصل إلى النتيجة، و هي الانتفاء عند الانتفاء، بلا حاجة لإثبات دلالة الجملة على جميع الأمور الأربعة المذكورة، فمثلا، لا يجب أن يكون الشرط علة، تامة، لأنّه لو فرض انّه جزء العلة المنحصرة للجزاء، فحينئذ، يتعيّن انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط، كما هو واضح، مع انّ هذا الشرط ليس علة تامة، بل لا يجب أن يكون الشرط علة للجزاء أصلا. لأنّه لو فرض انّ الشرط و الجزاء، كانا معلولين لعلة ثالثة منحصرة، فبانتفاء الشرط ينتفي الجزاء، لأنّ انتفاء الشرط، معناه، انتفاء علته المنحصرة، و إذا انتفت علته المنحصرة، لا بدّ و أن ينتفي الجزاء أيضا، لأنّه قد فرض انّ هذه العلّة علة تامة لهما معا.

و الحاصل هو، انّ المهمّ من هذه الأمور الأربعة، هو إثبات انحصار الجزاء بالشرط، سواء كان الشرط، علة تامة، أو ناقصة، أو لم يكن علة أصلا، فما دام الجزاء منحصرا بالشرط، فيتعيّن انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط، و لو لم تثبت العليّة مطلقا.

و أمّا التعليق المفصل، و الذي به تتضح حقيقة الأمر، فتوضيحه هو:

انّ للجملة الشرطيّة مدلولان: تصوري، و تصديقي، كسائر الجمل، و حينئذ، فتارة يدّعى استفادة المفهوم من مدلولها التصوري، و أخرى، يدّعى استفادة المفهوم من مدلولها التصديقي، و عليه، فلا بدّ و أن نبيّن كيفيّة استفادة المفهوم بلحاظ كل واحد من المدلولين.

أمّا استفادته بلحاظ المدلول التصوري، فنقول: إنّ مفاد هيئة الجملة الشرطيّة التصوري أو مفاد أداتها التصوري، هو الربط بين الجزاء و الشرط، بنحو المعنى الحرفي للربط، لا المعنى الاسمي، فإنّ مدلول الهيئة أو الأداة

579

هو واقع الربط لا مفهومه، غاية الأمر، انّ هذا الربط الذي هو معنى حرفي، يوازيه معنى اسمي للربط، و هو عبارة عن مفهوم الربط، و لذا قد نعبّر عن المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي له لأنه يوازيه، ثم انّ هذا الربط بالمعنى الحرفي، يتصوّر على أحد نحوين:

أ- النحو الأول: هو أن يكون هذا الربط بمعنى توقف الجزاء على الشرط، بمعنى انّ النسبة بين الجزاء و الشرط، تكون نسبة المتوقف إلى المتوقف عليه، و نسمّي هذه النسبة، بالنسبة التوقفيّة، فالجملة الشرطيّة الدالة بهيئتها، أو بأداتها على الربط، تكون دالة على هذه النسبة التوقفيّة، لأنّ هذه النسبة، هي معنى الربط حسب الغرض، فإذا قيل، إذا جاءك زيد فأكرمه، تكون هذه الجملة دالة على النسبة التوقفيّة، و هذه النسبة التوقفيّة لها معنى اسمي يوازيها، فإذا أردنا أن نحقّق هذه النسبة في مفهوم اسمي، وجب أن نقول، بدل قولنا، إن جاءك زيد فأكرمه، نقول- وجوب إكرام زيد موقوف على مجيئه، فنأتي بلفظ موقوف، الذي هو المعنى الاسمي الموازي للنسبة التوقفيّة.

إذا عرفت ذلك فنقول، إذا كانت الجملة الشرطيّة دالة على هذه النسبة التوقفيّة، فلا إشكال حينئذ، في استفادة المفهوم منها، لأنّا لو بدّلناها إلى موازيها الاسمي و قلنا، وجوب إكرامه موقوف على مجيئه، لما شكّ أحد في انتفاء وجوب الإكرام عند انتفاء المجي‏ء، و هو معنى المفهوم، و هذا المفهوم يثبت، سواء ثبت انّ الشرط هنا علة للجزاء أو لم يثبت، و سواء ثبت انحصار الجزاء في الشرط، أو لم يثبت، بل حتى لو فرض أنّهما تقارنا بمحض الصدفة، فإنّ لمثل هذه الجملة مفهوم، لأنها تثبت خصوصيّة التوقّف، و حينئذ فلا يكون الركن الأول تاما.

ب- النحو الثاني: هو أن يكون هذا الربط بين الجزاء و الشرط، بمعنى ربط الموجود بالموجود، و المستلزم للمستلزم، و نعبّر عنه، بالنسبة الإيجاديّة، فتكون الجملة الشرطيّة، دالة على هذه النسبة الإيجاديّة، و هذه‏

580

النسبة يوازيها معنى اسمي، لو أردنا أن نعبّر عنه، لقلنا، بدل قولنا، إن جاءك زيد فأكرمه، نقول، مجي‏ء زيد يستلزم وجوب إكرامه.

إذا عرفت ذلك نقول: انّ الجملة الشرطيّة، لو كانت دالة على النسبة الإيجادية، لما كان لها مفهوم لأنّا لو لاحظنا موازيها الاسمي المتقدم، لما كان دالا على المفهوم، لأنّ مجي‏ء زيد و إن استلزم وجوب إكرامه، إلّا انّ هذا لا ينافي وجوب إكرامه و إن انتفى مجيئه، كما لو كان هناك سبب آخر لوجوب الإكرام.

فإن قيل: إنّا نقيّد هذه النسبة الإيجاديّة بالانحصار، بحيث يكون هذا المجي‏ء وحده هو الموجب لوجوب الإكرام، و حينئذ فلا بدّ، بناء على ذلك، من انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط.

قلنا: بأنّ أخذ خصوصيّة الانحصار على مستوى المدلول التصوري للجملة، يتوقف على أن تكون النسبة الإيجاديّة القائمة بين الشرط و الجزاء، متحصّصة إلى حصتين.

إحداهما، انحصارية، و الأخرى، غير انحصارية، و إلّا فلا معنى لإدخال الانحصار كمفهوم اسمي في مدلول الأداة أو الهيئة، مع انّه ليس عندنا معنى حرفي من هذا القبيل، أي انّه متحصّص إلى حصتين، بحيث يكون حال النسبة، مع إحدى الحصتين، غير حالها، مع الحصة الأخرى، بل حقيقة النسبة واحدة لا تتبدل.

و عليه، فبناء على هذا النحو الثاني للربط، لا تكون الجملة دالة على المفهوم، فاستفادة المفهوم من الجملة الشرطية، بلحاظ مدلولها التصوري، موقوف على إثبات كون الربط الذي هو مدلول لها، بمعنى النسبة التوقفيّة، و بذلك يثبت للجملة مفهوم، حتى و لو لم تتوفر الأمور الأربعة التي ذكرت في الركن الأول.

فالمهم أن نثبت خصوصيّة التوقف، و لا دخالة لحيثيّة التوقف، من‏

581

كونه بنحو العليّة التامة المنحصرة، فإنّ هذه الأمور حيثيّات تعليليّة للتوقف، و ليست هي السبب في التوقف.

و بهذا يظهر، انّ الركن الأول الذي ذكره المشهور، في مقام بيان الضابط، في دلالة الجملة على المفهوم، غير تام.

و أمّا استفادة المفهوم بلحاظ المدلول التصديقي، فيما إذا فرض أنّا لم نستفده بلحاظ المدلول التصوري، فهو أن يقال: إنّا لو صدّقنا انّ الشرط علة تامة منحصرة للجزاء، بتقريب من التقريبات لصدقنا بأنه إذا انتفى الشرط لا بد و أن ينتفي الجزاء، كما لو تمسكنا بقاعدة انّ الواحد لا يصدر إلّا من واحد، بتقريب، انّه لو كان للحكم في الجزاء علة أخرى غير الشرط، لزم صدور الواحد من اثنين، و هو مستحيل، إذن فالجزاء لا يصدر إلّا من الشرط، و هذا يعني انحصاره به إذ مع عدم الشرط، لا بدّ و أن يكون الجزاء معدوما أيضا.

و من الواضح، انّ كلام المشهور أكثر انطباقا على هذا اللحاظ التصديقي منه على اللحاظ التصوري، غاية الأمر، أنّه لا بدّ من تعديل ما ذكره المشهور كما عرفت في التعليق الإجمالي، و هو انّه لا يلزم أن نثبت الأمور الأربعة لتتم الدلالة على المفهوم.

و بما ذكرناه، يتضح انّ استفادة المفهوم على مستوى المدلول التصوري، يكون بإثبات كون الجملة الشرطيّة موضوعة بهيئتها أو بأداتها للنسبة التوقفيّة.

و أمّا استفادته على مستوى المدلول التصديقي، فهو أن يكون المدلول التصديقي متضمنا للدلالة على انّ الشرط و الجزاء لا ينفك أحدهما عن الآخر، إمّا لكون الشرط علة منحصرة له، أو لأنّه جزء علة منحصرة، أو لكونهما معلولين لعلة ثالثة منحصرة.

و عليه، فلا بدّ من صياغة الركن الأول الذي ذكره المشهور بهذا النحو.

582

ثم إنّ المحقق العراقي (قده) (1) قد وافق المشهور على انّ ضابط دلالة الجملة على المفهوم، هو تماميّة هذين الركنين دون أن يناقش في ذلك، إلّا انّه قال، إنّ الركن الأول، و إن كان دخيلا في استفادة المفهوم من الجملة، لكن هذا الركن محل وفاق بين العلماء حتى في مثل الجملة الوصفية، كما ستعرف، و إنّما النزاع وقع بينهم، في الركن الثاني، و أنّ المعلّق على الشرط، أو الوصف و نحوهما، هل هو نوع الحكم، ليثبت المفهوم، أم انّه شخص الحكم كي لا يثبت، و لذا حصر بحثه في الركن الثاني، و استدل على ما ذكره (قده) من كون الركن الأول محل وفاق بين العلماء، بأنّه لا إشكال عندهم- فيما إذا ورد مطلق، «كأعتق رقبة»، ثم ورد مقيد، «كأعتق رقبة مؤمنة»- في حمل المطلق على المقيّد، فيما إذا علم انّ الحكم المجعول في مؤمنة»- في حمل المطلق على المقيّد، فيما إذا علم انّ الحكم المجعول في كلا الدليلين واحد، فيحكم بوجوب عتق خصوص الرقبة المؤمنة، و هذا يدل على انّهم متفقون على الركن الأول، لأنّهم لو لم يروا بأنّ الوصف مثلا علة تامة منحصرة للحكم، لما حملوا المطلق على المقيد، و ذلك لأنّه بناء على ذلك، يحتمل أن يكون هناك وصف غير الإيمان يوجب إيجاب العتق، و معه لا يصح حمل المطلق على المقيّد و الحكم بوجوب عتق خصوص المؤمنة.

و عليه فحملهم المطلق على المقيد، يدل على اتفاقهم، بأنّ الوصف أو الشرط و نحوهما علّة تامة منحصرة بالنسبة للجزاء، و لأجل ذلك، حصر بحثه في الركن الثاني، و ذكر انّه متى ما أثبتنا انّ المعلّق على الشرط، هو نوع الحكم، فيثبت المفهوم، و أمّا إذا لم نثبت ذلك، فلا مفهوم.

و إن شئت قلت: إنّ المحقق العراقي (قده) ذكر، بأنّ نزاع الأصحاب في بحث المفاهيم، إنّما وقع في الركن الثاني من الأركان الأربعة المتقدمة، فيكون قد جعل ضابط استفادة المفهوم، هو كون المعلّق في الجزاء هو سنخ الحكم، بينما هم متفقون على الركن الأول.

____________

(1) مقالات الأصول- ج 1- العراقي ص 138- 139.

583

و قد استدلّ على اتفاقهم هذا، بأنّهم يتفقون في باب المطلق و المقيّد على حمل المطلق على المقيّد فيما لو علم وحدة الحكم المجعول في كلا الدليلين، و ليس معنى هذا، إلّا كون القيد و الوصف علة منحصرة للحكم، و إلّا فلو فرض احتمال وجود علة أخرى للحكم لاحتمل ثبوت الحكم مع انتفاء القيد، و حينئذ لا يكون هناك وجه لحمل المطلق على المقيد، بل لا بدّ و أن يؤخذ بالمطلق و المقيّد معا.

و ما ذكره (قده) غير تام، لأنّ اتفاقهم على حمل المطلق على المقيّد، يكشف عن اتفاقهم على ان شخص الحكم ينتفي بانتفاء شرطه أو وصفه، و هذا يعني، انّ الشرط أو الوصف علة تامة منحصرة بالنسبة لشخص الحكم المعلّق عليهما.

و هذا لا خلاف فيه، و بهذا يثبت اتفاق العلماء على دلالة القضيّة الوصفيّة على انّ الوصف علة تامة منحصرة بالنسبة لشخص الحكم المعلّق على الوصف.

إلّا انّ هذا لا يكشف عن اتفاقهم، بأنّ القضيّة الوصفيّة تدل على كون الوصف علة تامة منحصرة بالنسبة إلى طبيعي الحكم، لو كان المعلّق على الوصف هو طبيعي الحكم.

و ذلك لأنّ البرهان الذي يثبت به العليّة التامة الانحصاريّة للوصف إنما هو بالإضافة لشخص الحكم- إذا فرض انّ المعلّق عليه هو شخص الحكم.

و لكن هذا البرهان لا يثبت العليّة التامة الانحصاريّة للوصف بالنسبة إلى طبيعي الحكم.

و توضيح ذلك، يتوقف على ذكر هذا البرهان، و حاصله: هو انّ تشخّص كل حكم، يكون بجعله، و من الواضح، انّ كلّ جعل له موضوع واحد يجعل الحكم على أساسه، و لا يعقل أن يكون له موضوعان عرضيّان.

نعم يمكن أنّ يكون الحكم متقوّما بموضوعين، لكن على سبيل البدل.

584

و بناء على ذلك يقال: إذا ورد، «أكرم العالم»، ثم ورد، «أكرم العالم العادل» و علمنا بوحدة الحكم في المطلق و المقيد- و من الواضح انّ وحدة الحكم ترجع إلى وحدة الجعل- و من هنا يمكن أن نثبت انّ «العدالة» التي أخذت في المقيّد هي علة تامة منحصرة بالنسبة إلى شخص الحكم، و هو «وجوب الإكرام»، بمعنى أنّها مأخوذة في موضوع ذلك الجعل الواحد، بنحو لا يكون الجعل شاملا لحالة فقدها.

و الذي يدلنا على ذلك، هو انّه لو كان هناك علة أخرى، لوجوب الإكرام، غير العدالة، فحينئذ، لا يخلو الأمر، فإمّا أن يكون كل من العلتين بعنوانه مأخوذا في موضوع هذا الجعل الواحد، و إمّا أن يكون المأخوذ هو الجامع بينهما.

فإن كان الأول، فهو مستحيل، لأنّه يستحيل أن يكون للجعل الواحد موضوعان عرضيّان كما عرفت.

و إن كان الثاني، أي انّ المأخوذ هو الجامع، فهذا ممكن، إلّا أنّ معنى ذلك، هو انّ العدالة لم تؤخذ بعنوانها الخاص في عالم الجعل، و إنّما هي مأخوذة في ضمن أخذ الجامع بينها و بين العلة الأخرى المفروضة.

و هذا ينافي أصالة التطابق بين مقام الثبوت و مقام الإثبات، فإنّ مقتضى هذا الأصل، هو انّ كل قيد أخذ إثباتا، فهو مأخوذ ثبوتا، و إذا لم يكن مأخوذا إثباتا، فلا يكون مأخوذا ثبوتا.

و في محل كلامنا، المفروض، انّه قد أخذت العدالة بعنوانها الخاص في عالم الجعل و مقام الإثبات، و هذا يكشف عن أنها مأخوذة كذلك في مقام الثبوت، و بذلك يبطل فرض كونها مأخوذة في ضمن الجامع.

و عليه، فإذا بطل هذان الاحتمالان المتفرعان على فرض علة أخرى غير العدالة، يثبت حينئذ، انّ العدالة، علة تامة منحصرة، و إذا كانت هكذا

585

فبانتفائها ينتفي شخص الحكم، و بذلك يتعيّن حمل المطلق، و هو «أكرم العالم»، على المقيّد، و هو «أكرم العالم العادل».

إلّا انّ هذا البرهان لا يتم فيما إذا كان المعلّق على الوصف هو طبيعي الحكم، لأنّا نختار الاحتمال الأول، و هو أن يكون هناك علّة أخرى للوجوب، و يكون كل من العلّتين بعنوانه الخاص، علة و موضوعا، و لا يلزم منه، تقوّم الجعل الواحد بموضوعين عرضيين، لأنّ كلامنا في طبيعي الحكم، و لا مانع من وجود جعلين بالنسبة للطبيعي، أحدهما أخذ في موضوعه العدالة، و الثاني، أخذ في موضوعه العلة الأخرى المفترضة.

فبهذا يثبت انّ البناء على كون الوصف علة منحصرة بالنسبة لشخص الحكم إذا علّق على ذلك الوصف لا يلزم منه كون الوصف علة منحصرة بالنسبة لطبيعي الحكم إذا علق على ذلك الوصف، و عليه فلا يمكن ان نستكشف من اتفاق العلماء على حمل المطلق على المقيد انهم متفقون على الركن الأول الذي ذكره المشهور بحيث لا نحتاج في إثبات المفهوم إلّا إلى إثبات الركن الثاني كما ذكر المحقق العراقي (قده).

هذا تمام الكلام في الركن الأول، مع ما يرد عليه.

و أمّا بالنسبة إلى الركن الثاني، و هو ان يكون المعلّق على الشرط أو الوصف طبيعي الحكم لا شخصه، فهذا الركن لا إشكال في اعتباره في الجملة، باعتبار انّه لو كان المعلّق على الشرط هو شخص الحكم، فلا مفهوم، لأنّه مع انتفاء الشرط يحتمل أن يكون وجوب نفس الفعل ثابتا، لكن في شخص آخر، و بملاك آخر.

و إن شئت قلت: إنهم ذكروا انّه لا بدّ و أن يكون مدلول الجزاء- فيما لو كانت الجملة شرطية- طبيعي الحكم و سنخه، لا شخصه، حتى يمكن أن يستكشف من انتفاء الشرط انتفاء الحكم، و أمّا استكشاف انتفاء شخص الحكم الذي قد يثبت في كل قضيّة، فليس هو المفهوم، لاحتمال وجود شخص آخر من نفس الحكم.

586

و لنا حول هذا الركن كلامان:

1- الكلام الأول: و نتعرّض فيه لذكر إشكال مع دفعه، و هذا الإشكال، قد أورد على ما ذكره المشهور من الضابط، و مرجعه، إلى انّه على بعض التقادير، يكون الركن الثاني وحده كافيا لإثبات المفهوم، دون حاجة إلى الركن الأول، و على بعض التقادير الأخرى، لا يكون كلا الركنين وافيين لإثبات المفهوم.

و حاصل هذا الإشكال هو: انّه إذا قال المولى، «إذا جاءك زيد فأكرمه»، و فرض انّ المعلق على المجي‏ء، هو مطلق الوجوب و طبيعيّة، فحينئذ، نقول.

إنّ للإطلاق معنيين، أحدهما، الإطلاق بنحو مطلق الوجود، و هو المسمى بالإطلاق الاستغراقي، و الثاني، الإطلاق بنحو صرف الوجود، ففي مثالنا، إمّا أن يكون المعلّق على الشرط هو المطلق بنحو مطلق الوجود، أو المطلق بنحو صرف الوجود.

فإن أريد الأول، فيرجع قولنا: «إذا جاءك زيد فأكرمه إلى أن المعلق على المجي‏ء هو كل فرد من أفراد وجوب الإكرام، و إنّ تمام أفراد وجوب الإكرام إنّما تثبت عند مجيئه.

و هذا يكفي لإثبات المفهوم، حتى و لو لم نثبت الركن الأول، و هو كون الشرط علة تامة منحصرة، أو كون الجملة الشرطيّة بأداتها أو هيئتها موضوعة للنسبة التوقفيّة كما ذكرنا نحن، لأنّ تعليق تمام أفراد الوجوب على المجي‏ء، يدل كما هو واضح، على انتفاء طبيعيّ وجوب الإكرام عند انتفاء المجي‏ء، بلا حاجة إلى ضم شي‏ء آخر، و حينئذ، فيكون الضابط لإثبات المفهوم، هو تماميّة الركن الثاني فقط.

و إن أريد الثاني: و هو كون المعلّق على الشرط إنّما هو المطلق بنحو صرف الوجود، فمن المعلوم، انّ صرف الوجود، مساوق للوجود الأول، لأنّ صرف الوجود، هو الناقض للعدم المطلق، و ذلك يساوق الوجود

587

الأول، و حينئذ، فيرجع قولنا، «إذا جاءك زيد فأكرمه» إلى انّ أول وجود لوجوب إكرامه، معلّق على مجيئه، فإذا أثبتنا أنّ المجي‏ء علة منحصرة لوجود وجوب الإكرام الأول، فيثبت المفهوم بالنسبة للوجود الأول، بمعنى، انّه إذا لم يجي‏ء، فالوجود الأول لوجوب الإكرام، لا يثبت، إلّا انّ هذا لا يكفي لإثبات المفهوم الذي نحن بصدد إثباته، و الذي هو عبارة، عن نفي وجوب إكرامه قبل مجيئه، و انّه إذا جاء و أكرمناه فلا سبب آخر يقتضي وجوب إكرامه بعد ذلك، فهذا هو المفهوم الذي نحن بصدد إثباته.

و في محل الكلام، لو فرض «أنّ زيدا جاء و أكرمناه»، و بعد ذلك، فرض و احتملنا أن يكون مرضه سببا لوجوب إكرامه، فهنا لا يمكن أن ننفي هذا الاحتمال بهذا المفهوم، لأنّ غاية ما يدل عليه هذا المفهوم هو انّ الوجود الأول لوجوب الإكرام، لا يتحقّق إلّا بالمجي‏ء، إلّا انّ ما فرضناه، هو وجود ثاني للوجوب، و هذا المفهوم لا يتكفّل بنفيه هذا الوجود الثاني، لأنّ كون المجي‏ء علة منحصرة للوجود الأول لوجوب الإكرام، لا ينافي أن يكون المرض علة منحصرة للوجود الثاني لوجوب الإكرام كما هو واضح.

و بهذا يثبت، انّ كلا الركنين على هذا الفرض، لا يثبتان المفهوم بالمعنى الذي هو محل كلامنا.

و بهذا يتحصل، انّه على بعض التقادير، الركن الثاني، يكفي لإثبات المفهوم، بلا حاجة إلى إثبات الركن الأول، و على بعض التقادير الأخرى، لا يكون كلا الركنين وافيين لإثبات المفهوم.

و بهذا يثبت، انّ ما ذكره المشهور من الضابط، غير تام.

هذا هو حاصل الإشكال.

إلّا ان هذا الإشكال غير تام، لأنّه مبني على انّ الإطلاق الاستغراقي، يرجع إلى ملاحظة تمام الأفراد، و انّ الإطلاق بنحو صرف الوجود، يساوق الوجود الأول، مع انّ هذا غير صحيح.

588

و توضيح ذلك، يتوقف على التنبيه على أمر، تقدّم تحقيقه سابقا، في مقام التفريق بين الأمر و النهي، و انّ إطلاق الأول بدلي، و إطلاق الثاني استغراقي، حيث ذكرنا هناك، انّ المطلقات لا نظر فيها إلى الأفراد بما هي أفراد، و إنّما النظر فيها إلى الطبيعة، و أمّا العمومات، فالمنظور فيها هو الأفراد.

إذن فمصبّ النظر في المطلق، هو ذات الطبيعة بلا قيد زائد، و مثل هذه الطبيعة، إذا علّق عليها محمول من المحمولات، فقد يكون تعليق بعض المحمولات مقتضيا لتأثير هذا المحمول في تمام أفراد الطبيعة، و قد يكون تعليق بعضها مقتضيا لتأثير المحمول في أحد أفراد الطبيعة، و المثال الواضح لذلك، هو «الأمر و النهي»، فإذا علّق على الطبيعة محمول من قبيل الأمر، كقوله، «صل» فتعليق هذا المحمول، يقتضي تأثيره في أحد أفراد الطبيعة، لأنّ المحمول هنا، و هو الأمر، يقتضي إيجاد طبيعة الصلاة، و هذا، يتحقّق بإيجاد فرد واحد منها، و هذا ما يسمى بصرف الوجود، و أمّا إذا علّق على الطبيعة محمول، من قبيل، النهي، كقوله، «لا تكذب»، فتعليق هذا المحمول، يقتضي تأثيره في جميع أفراد الطبيعة، لأنّ المحمول هنا و هو النهي، يقتضي إعدام الطبيعة، و من الواضح، انّ انعدام الطبيعة، لا يتحقق، إلّا بانعدام جميع أفرادها.

إذا عرفت ذلك، فنقول: في محل الكلام، بالنسبة إلى الركن الثاني الذي ذكره المشهور لضابط المفهوم، إنّ المعلّق على الشرط، هو طبيعي الحكم، من دون أي قيد زائد في الطبيعة، و هذه الطبيعة، وقعت موضوعا لمحمول، و هذا المحمول، هو النسبة التوقفيّة، بناء على تماميّة ما ذكرناه في الركن الأول، أو النسبة الإيجاديّة بناء على عدم تماميّته.

فإن كان المحمول هو النسبة التوقفية، فيرجع قولنا، «إذا جاءك زيد فأكرمه» إلى قولنا، طبيعة هذا الحكم، موقوفة على مجي‏ء زيد، و هذا يدل على انتفاء أفراد طبيعة هذا الحكم، عند انتفاء المجي‏ء، لا من جهة أنّ‏

589

الأفراد لوحظت بالطبيعة- بل هي غير ملحوظة كما عرفت- و إنّما ذلك، من جهة انّ المحمول على الطبيعة في المقام إنما هو التوقف، و التوقف من سنخ النهي، لأنّه يقتضي الإعدام عند عدم وجود الشرط، فإذا كان كذلك، فيثبت المفهوم، لكن بعد ضميمة الركن الأول إلى الثاني.

و أمّا إذا كان المحمول هو النسبة الإيجادية، فيرجع قولنا، «إذا جاءك زيد فأكرمه»، إلى قولنا، «طبيعة وجوب الإكرام»، يوجدها المجي‏ء، و حينئذ، فيكون المحمول في المقام، من سنخ الأمر، لأنّ وجود الطبيعة المتوقفة على الشرط، يتحقّق بوجود فرد واحد منها، و عليه فلا مفهوم، لأنّه يحتمل أن يكون هناك فرد من أفراد طبيعي الحكم، لا يوجد بهذا الشرط، و لكن يوجد بشي‏ء آخر، و هو معنى عدم المفهوم.

و بذلك يتبيّن انّه، إذا كان المحمول هو النسبة التوقفيّة، فيثبت المفهوم، لكن بعد ضميمة الركن الأول إلى الثاني كما عرفت، و معه يندفع الإشكال المذكور الذي أورده المحقق العراقي‏ (1) (قده)، هذا هو الكلام الأول حول الركن الأول.

2- الكلام الثاني: و هو حول الركن الثاني، و حاصله: هو انّ هذا الركن الثاني- و هو كون مدلول الجزاء، سنخ الحكم، لا شخصه- لا يحتاج إليه إذا بني على بعض البراهين التي ذكرها بعض الأصحاب، في مقام استفادة العليّة المنحصرة من الجملة الشرطية.

و توضيح ذلك هو انّ بعض الأصحاب، حاول استفادة العليّة المنحصرة من الجملة الشرطيّة على مستوى المدلول التصديقي للجملة، ببرهان، انّ مقتضى الإطلاق الأحوالي في الشرط، هو انّ هذا الشرط، علة على كل حال، سواء قارنه شي‏ء آخر أو لا، و لازم ذلك هو: عدم وجود علة أخرى غير هذا الشرط، لأنّه لو كان هناك علة أخرى غير هذا الشرط، للزم‏

____________

(1) المصدر السابق.

590

في حال اجتماعهما أن تكون العلة، إمّا المجموع المركب، أو الشرط وحده.

و الأول ينافيه الإطلاق الأحوالي، باعتبار انّه يقتضي كون الشرط علة مستقلة كما عرفت.

و الثاني يلزم منه اجتماع علتين مستقلتين على معلول واحد، و هو مستحيل.

و بهذا يتبرهن، انّ الشرط علة منحصرة للجزاء.

و هذا البيان، لو تمّ، فهو يثبت المفهوم، بلا حاجة إلى الركن الثاني، لأنّه حتى لو كان المعلّق على الشرط، هو شخص الحكم، فمع ذلك، يثبت المفهوم بضم ضميمة.

و بيان ذلك هو: انّ مقتضى الإطلاق الأحوالي للشرط، كون الشرط علة مستقلة لشخص هذا الحكم، و هو وجوب الإكرام مثلا، سواء وجد شي‏ء آخر مع الشرط، أو لم يوجد، و هذا الإطلاق ينفي كون الشي‏ء الآخر علة، و لو لشخص حكم آخر، فضلا عن شخص هذا الحكم الأول، و ذلك لأنّه لو كان الشي‏ء الآخر علة، فإن كان علة لشخص الحكم الأول، فيلزم اجتماع علتين مستقلتين على معلول واحد، و إن كان علة لشخص حكم آخر، من وجوب الإكرام، فيلزم اجتماع المثلين، أي شخصين من وجوب الإكرام، و هذا مستحيل.

فبهذا يثبت، انّ هذا البرهان لو تمّ، فهو يثبت المفهوم، حتى و لو لم يتم الركن الثاني.

و كذلك، هناك برهان آخر، حاولوا إثبات المفهوم به، و لو تمّ لا يحتاج إلى إثبات الركن الثاني.

و حاصله: هو انه في مقام استفادة المفهوم بلحاظ المدلول التصديقي يقال: انه لو كان هناك علة أخرى للجزاء غير الشرط المذكور في القضيّة

591

الشرطيّة، كما لو فرض انّ المجي‏ء علة للإكرام، و القيام علة له، حينئذ يقال:

انه إذا كان كل منهما علة بخصوصه، فيلزم صدور الواحد بالنوع- و هو وجوب الإكرام- من المتعدد بالنوع، لأنّ المجي‏ء نوع، و القيام نوع آخر، و من المعلوم انّ صدور الواحد بالنوع من المتعدّد بالنوع مستحيل.

و أمّا إذا كانت العلة هي الجامع بين المجي‏ء و القيام، فلازم ذلك، أن لا يكون الشرط الموجود في القضيّة الشرطية، مؤثرا وحده في الجزاء، مع انّ هذا خلاف ظاهر الجملة الشرطية، فإنّ ظاهرها انّه مؤثر فيه وحده.

و بهذا يثبت، ان الشرط علة مستقلة للجزاء، فيثبت المفهوم بلا حاجة إلى إثبات الركن الثاني، غايته انّه لا بدّ من إضافة الضميمة المذكورة في البرهان الأول.

و الحاصل انّه بناء على تماميّة هذين البرهانين، يثبت المفهوم، بلا حاجة إلى الركن الثاني الذي ذكره المشهور، لكن بما انّ الصحيح هو بطلان هذين البرهانين، فحينئذ كان الركن الثاني ضروريا في مقام إثبات المفهوم.

و من مجموع ما ذكرنا، اتضح انّ الضابط لإثبات المفهوم هو، تماميّة الركن الأول بالنحو الذي ذكرناه، لا بالنحو الذي ذكره المشهور، مع تماميّة الركن الثاني أيضا، هذا حاصل الكلام في ضابط المفهوم.

592

«في مفهوم الشرط» و انه هل للجملة الشرطية مفهوم أو لا

و في مقام تحقيق ذلك، يقع الكلام في ثلاث نقاط.

1- النقطة الأولى:

في مفاد الجملة الشرطية منطوقا.

2- النقطة الثانية:

في انّ المعلق على الشرط، هل هو طبيعي الحكم، أو شخصه و هذا هو الركن الثاني للضابط.

3- النقطة الثالثة:

في تحقيق حال الركن الأول من الضابط، على مستوى المدلول التصوري، و على مستوى المدلول التصديقي.

[النقطة الأولى في مفاد الجملة الشرطية منطوقا]

و أمّا الكلام في النقطة الأولى، فيكون في مراحل ثلاثة.

1- المرحلة الأولى: في مفاد أداة الشرط:

و المشهور بين علماء العربية، كما انّ المرتكز في أذهان أهل العرف و المحاورة، هو، انّ أداة الشرط، موضوعة للربط بين جملة الشرط، و جملة الجزاء، بنحو من الأنحاء، كما سيأتي تحقيق ذلك.

إلّا ان المحقق الأصفهاني (قده) خالف المشهور في ذلك، و ادّعى عدم وضع أداة الشرط للربط بين الشرط و الجزاء، و إنّما هي موضوعة لإفادة

593

كون مدخولها واقعا موقع الفرض و التقدير (1)، و إنّما استفيد الربط بين الشرط و الجزاء، من هيئة ترتيب الجزاء على الشرط، كما تفيده، «الفاء»، فمثلا: إذا لاحظنا جملة «جاء زيد»، فهذه الجملة، تارة، تقع موقع الاخبار، و ذلك، حينما يقال، «جاء زيد» و تارة أخرى، تقع موقع الاستفهام، و ذلك، حينما يقال، «هل جاء زيد»، و ثالثة، تقع موقع التمني أو الترجي و نحو ذلك، و رابعة، تقع موقع الفرض و التقدير، فيقال: «إن جاء زيد فاكرمه»، فقولنا، «إن جاء زيد» أي «لو فرضنا و قدّرنا مجي‏ء زيد»، و الذي دلّ على ذلك، هو أداة الشرط، و قولنا، «فاكرمه»، هو الذي أفاد الربط بين الجزاء و الشرط.

و الاصفهاني في ذلك، لا يكون قد أقام دليلا على مدّعاه، و إنّما اكتفى بادّعائه ذهاب أهل العربية إلى ذلك.

إلّا انه يمكن في المقام، تصوير دليل على ما ذكره (قده)، و حاصله:

انّ الاستفهام يدخل على الجملة الشرطيّة بأحد نحوين.

1- النحو الأول: هو ان يدخل عليها بنحو تكون الجملة الشرطية بتمامها متعلقة للاستفهام. كما في قولنا: «هل إذا جاء زيد تكرمه»؟

2- النحو الثاني: هو أن يدخل عليها بنحو يكون الاستفهام هو الجزاء فيها، كما في قولنا: «إذا جاء زيد فهل تكرمه»؟، فالاستفهام هنا، وقع جزاء.

و لا إشكال في انّ الاستفهام فعليّ في كلا النحوين، و من هنا، كان السامع يترقب جوابا على هذا الاستفهام.

إذا عرفت ذلك، فنقول: إنّ فعليّة الاستفهام على النحو الأول، واضح و معقول، لأن الاستفهام ورد على الجملة الشرطية بتمامها.

____________

(1) نهاية الدراية- الأصفهاني- ج 2 ص 161- المطبعة العلمية- قم.

594

و أمّا فعليّة الاستفهام بالنحو الثاني- أي فيما إذا وقع جزاء- فإنه لا يمكن تفسيرها على مذهب المشهور، من كون أداة الشرط موضوعة للربط بين الشرط و الجزاء، و ذلك، لأنّ أداة الشرط، إذا كانت موضوعة للربط، فمعنى ذلك، انّه في قولنا، «إن جاءك زيد فهل تكرمه»، تكون أداة الشرط دالة على إناطة الجزاء، و هو الاستفهام، هنا، بوقوع الشرط، و حينئذ، فلا يكون الاستفهام فعليا، و هو خلاف الفرض.

بينما على مبنى الأصفهاني (قده)، يمكن تفسير فعليّة الاستفهام، و ذلك لأنّ الجزاء الذي هو الاستفهام، يكون منوطا بحكم هيئة الترتيب، بفرض الشرط و تقديره، لا بواقعه خارجا، و حيث انّ الشرط بوجوده الفرضي فعليّ و متحقق، فيكون الاستفهام المعلّق عليه، أيضا فعليا.

إذن، بناء على مذهب الأصفهاني (قده) أمكن تصوير فعليّة الاستفهام، و هذا يكون دليلا على صحة ما ذهب إليه، من عدم كون أداة الشرط موضوعة للربط، بل الدال على الربط هو هيئة الترتيب بين الجزاء و الشرط. التمثل، «بالفاء».

و إن شئت قلت: انّ المشهور بين علماء العربية، و المتداول عند أهل العرف و المحاورة، انّ أداة الشرط، موضوعة لإيجاد الربط بين جملة الشرط، و جملة الجزاء بنحو من الأنحاء، كما سيأتي تحقيقه.

و خالف في ذلك المحقّق الأصفهاني (قده)، فذهب إلى انّ أداة الشرط، موضوعة، لإفادة انّ مدخولها الذي هو الشرط، واقع موقع الفرض و التقدير، و ليس للربط بين الشرط و الجزاء، و حيث انّ المحقق الأصفهاني (قده) لم يبرهن على مدّعاه، فإنه يمكن تصوير برهان على هذا المدّعى، و حاصله: ان الاستفهام يدخل على الجملة الشرطية بأحد نحوين.

فإمّا أن يدخل عليها بنحو تكون الجملة الشرطية بتمامها متعلقة للاستفهام كما في قولنا، «هل إذا جاء زيد تكرمه»؟ و إمّا أن يدخل عليها بنحو

595

يكون الاستفهام هو الجزاء فيها كما في قولنا، «إذا جاء زيد فهل تكرمه»؟

فالاستفهام هنا وقع جزاء، و لا إشكال في ان الاستفهام فعلي على كلا النحوين.

و من هنا كان السامع يترقب جوابا على هذا الاستفهام.

إذا عرفت ذلك نقول: انّ فعليّة الاستفهام على النحو الأول، واضحة و معقولة، لأنّ الاستفهام ورد على الجملة الشرطية بتمامها.

و امّا فعليّة الاستفهام على النحو الثاني،- أي فيما إذا وقع الاستفهام جزاء- فهذه الفعليّة، لا يمكن تفسيرها على مذهب المشهور، من كون أداة الشرط، موضوعة للربط، بين الجزاء و الشرط، إذ بناء على هذا يكون الاستفهام معلقا على مجي‏ء زيد، لأنّ الجملة الاستفهاميّة هي بنفسها جعلت جزاء في الجملة الشرطية، و عليه لا يكون الاستفهام فعليا حينئذ ما دام انّ مجي‏ء زيد ليس فعليا.

بينما فعليّة الاستفهام على النحو الأول، واضحة، بل بديهية.

و أمّا على مبنى المحقق الأصفهاني (قده) فإنه يمكن تفسير فعليّة الاستفهام، بان يقال إن الاستفهام و إن كان معلّقا على الشرط أيضا، إلّا انّ الشرط هنا، ليس هو واقع مجي‏ء زيد، كي لا يكون فعليا، و إنّما الشرط هنا، هو فرض مجي‏ء زيد، و حيث انّ هذا الفرض ثابت و فعلي ببركة أداة الشرط، فالاستفهام المعلق على هذا الشرط، أيضا يكون فعليا، و إذا تحققت فعليّة الاستفهام، تعيّن مبنى المحقق الأصفهاني (قده)، دون مبنى المشهور، و تبيّن انّ الدال على الربط، هو هيئة الترتيب بين الجزاء و الشرط، المتمثل «بالفاء»، و ليس أداة الشرط هي الدالة على الربط بين الجزاء و الشرط، كما ذهب إليه المشهور.

إلّا انّ هذا الدليل غير تام، لأنّ الجزاء الذي أنيط بمفاد الشرط الذي هو الفرض و التقدير، لم ينط به، بما هو فرض و تقدير، بل أنيط به بما هو

596

فان بواقع المفروض و المقدّر، و الحال انّ واقع المفروض و المقدّر ليس فعليا، إذن، لازمه، أن لا يكون الاستفهام فعليا.

و بهذا يعود الإشكال، فيرد على مسلك الأصفهاني (قده)، كما كان واردا على مسلك المشهور.

و إن شئت قلت- في عدم تماميّة البرهان لمدّعى الأصفهاني (قده)- بأنّ إشكال فعليّة الاستفهام يرد حتى على مبنى المحقق الأصفهاني (قده)، لأنه يقال: بأنّ فرض المجي‏ء و تقديره إنّما وقع شرطا للجزاء، بما هو مرآة و فان في المفروض و إلّا، للزم من عدم هذا القول، أن يصبح التكليف فعليا على المكلف- فيما إذا كان الجزاء متضمنا لتكليف إلزامي، كما في قوله، «إن جاء زيد فأكرمه»- حتى و لو لم يتحقّق الشرط في الخارج، على أساس، أنّ شرط الحكم، إنّما هو الفرض و التقدير، و الحال، أنّ الفرض فعليّ على كل حال، فلا بدّ و أن يكون الحكم فعليا، مع أنّ هذا أمر لا يلتزم به أحد فقهيا.

و بناء على كون الشرط هو فرض المجي‏ء بما هو مرآة و فان في المجي‏ء، يعود الإشكال حينئذ على المحقق الأصفهاني (قده)، لأنّه يقال له حينئذ، انّه كيف يصبح الاستفهام فعليا، مع كون المجي‏ء غير فعلي في الخارج.

و حلّ هذا الإشكال على كلا المسلكين، هو أن يقال، إنّ هذا النحو من الاستفهام الذي وقع بنفسه جزاء، يرجع إلى النحو الأول من الاستفهام، لأنّ مرجع قولنا، «إذا جاءك زيد فهل تكرمه»؟ إلى قولنا، «هل إذا جاءك زيد تكرمه»؟ ففي الحقيقة، النحو الثاني من الاستفهام، يرجع إلى النحو الأول.

و قد عرفت انّ فعليّة النحو الأول واضحة، فحينئذ، تكون فعليّة النحو الثاني أيضا مثلها لرجوعها إليها.

و التحقيق في المقام، هو انّ ما ذهب إليه المشهور، من كون أداة الشرط موضوعة للربط بين الشرط و الجزاء، هو الصحيح، و الوجدان يقضي‏

597

بذلك، كما أنّه يمكن إقامة الدليل، على بطلان ما ذهب إليه المحقق الأصفهاني (قده)، و صحة ما ذهب إليه المشهور.

و حاصل هذا الدليل هو، انّ مدخول أداة الشرط، دائما يكون حملة تامة، إلّا انّ أداة الشرط، تحوّل هذه الجملة، من كونها تامة، إلى كونها، ناقصة، كما في قولنا، «إذا جاء زيد».

و هذا التحول يمكن تفسيره على مذهب المشهور، فيقال: إنّ أداة الشرط موضوعة للربط بين الشرط و شي‏ء آخر، و حينئذ، فإذا أتي بجملة الشرط، و لم يؤت بالشي‏ء الآخر، تكون الجملة ناقصة، كما في قولنا، «إذا جاء زيد»، باعتبار انّ كلمة «إذا»، لا تكون مستوفية لمعناها.

و أمّا على مسلك المحقق الأصفهاني (قده)، فلا يمكن تفسير هذا التحول، لأنّ أداة الشرط عنده، تعطي للشرط طابع الفرض و التقدير، و حينئذ، يكون حالها، حال أداة الاستفهام التي تعطي طابع الاستفهام لمدخولها، فكما انّ مفاد قولنا، «هل جاء زيد»؟ نسبة تامة، لكن ملحوظة بما هي جملة مستفهمة، فكذلك مفاد قولنا، «إذا جاء زيد»، يكون نسبة تامة، لكن ملحوظة بما هي مفترضة و مقدرة، فلا تكون أداة الشرط على هذا المبنى، مخرجة للجملة من التمام إلى النقصان، مع انّه لا إشكال في انّ أداة الشرط أخرجتها، فهذا يكون دليلا على بطلان مبنى الأصفهاني (قده) و صحة ما ذهب إليه المشهور، حيث أمكن تفسير هذا التحول بناء على ما ذهب إليه.

إذن فالصحيح، انّ أداة الشرط، موضوعة للربط ما بين الشرط و الجزاء، و أمّا ماهيّة هذا الربط، فسيأتي تحقيقه إن شاء اللّه تعالى.

ثم انّه يمكن تحقيق هذه المرحلة ببيان آخر، و فيه عدول عن بعض ما جاء في البيان الأول، حيث نستعرض دليلين في تفسير هذا الخروج للجملة من صحة السكوت و التمام، إلى عدم صحة السكوت و النقصان.

598

أو قل، إنّه في مقام تحقيق هذه المرحلة ببيان آخر، يوجد عندنا دليلان، أحدهما يثبت كلام المشهور، و الثاني، يثبت كلام المحقق الأصفهاني (قده).

أمّا الدليل الأول، الذي يثبت كلام المشهور و يبطل به كلام الأصفهاني (قده) فحاصله: انّه لا إشكال في انّ قولنا «جاء زيد»، جملة تامة يصح السكوت عليها، كما انّه لا إشكال في انّ دخول أداة الشرط عليها، يحولها من جملة يصح السكوت عليها إلى جملة لا يصح السكوت عليها، و هذا التحول يفسّر بأحد تفسيرين.

1- التفسير الأول: هو ان أداة الشرط، حوّلت النسبة الموجودة في هذه الجملة، من نسبة تامة، إلى نسبة ناقصة، و لهذا لا يصح السكوت عليها.

2- التفسير الثاني: هو انّ النسبة تبقى تامة على حالها حتى بعد دخول أداة الشرط، فعدم صحة السكوت على هذه الجملة، لم ينشأ من جهة نقصان النسبة، و إنّما نشأ من نقصان في أداة الشرط، باعتبار انّ أداة الشرط، «إذا» لها سنخ معنى، و هذا المعنى ينتظر لحوق شي‏ء بجملة الشرط، فمع عدم اللحوق لا يكتمل معنى أداة الشرط، و هذا يوجب عدم صحة السكوت على الجملة، هذان تفسيران لعدم صحة السكوت على هذه الجملة.

و على ضوء التفسير الأول، لا يمكن أن نرجّح قول المشهور، أو قول المحقق الأصفهاني (قده)، لأنّ القولين يتلائمان مع هذا التفسير.

أمّا ملائمة قول المشهور، فقد عرفته فيما سبق، و انّ النسبة تتغير و تتبدّل إلى النسبة الناقصة، بمجرد دخول أداة الشرط عليها.

و أمّا ملائمته لقول المحقق الأصفهاني (قده)، فلأنه يمكن للأصفهاني (قده) أن يدّعي بأنّ دخول «إذا» يوجب خروج النسبة من التمام إلى النقصان.

599

و أمّا على ضوء التفسير الثاني، فيتم كلام المشهور، و لا يتم كلام الأصفهاني (قده).

أمّا تماميّة كلام المشهور فباعتبار انّ «إذا»، حينئذ، موضوعة للربط بين الشرط و الجزاء، فإذا لم يوجد الجزاء، لا يكون المعنى الذي وضعت له أداة الشرط مكتملا، و من هنا لا يصح السكوت على الجملة.

و أمّا عدم تماميّة كلام الأصفهاني (قده) فلأنّ أداة الشرط عنده، موضوعة لإفادة كون مدخولها واقعا موقع الفرض و التقدير، و هذا المعنى لا يستوجب شيئا وراء وجود المدخول، و حينئذ ففي قولنا، «إذا جاء زيد» تكون «إذا»، مستكملة لمعناها، فينبغي ان يصح السكوت عليها، مع انّه لا إشكال في عدم صحة السكوت عليها، و من هنا يبطل كلام الأصفهاني (قده)، و حينئذ، فلا بدّ أن نثبت انّ التفسير الثاني لعدم صحة السكوت هو المتعيّن، و انّ التفسير الأول غير صحيح.

و بهذا نثبت صحة كلام المشهور، و بطلان الكلام المحقق الأصفهاني (قده).

و إثبات بطلان التفسير الأول، يكون ببيان أمرين.

1- الأمر الأول: هو ان جملة الشرط لها مدلول تصديقي باعتراف الأصفهاني (قده) لأنه قال بأن الأداة موضوعة لإفادة كون مدخولها واقعا موقع الفرض و التقدير، فتكون دالة على ان هذا المعنى موجود في نفس المتكلم، و هذا معنى الدلالة التصديقية.

2- الأمر الثاني: هو ان الجملة لا يعقل أن يكون لها مدلول تصديقي، إلّا إذا كانت جملة تامة. و قد حقق ذلك في بحث المعنى الحرفي، و حاصل ما ذكرنا هناك في مقام بيان الفرق بين النسبة التامة و النسبة الناقصة، هو انه في مقام التفريق بينهما يوجد نظريتان.

النظرية الأولى هي: انّ النسبة التامة هي ما كان على طبقها مدلول تصديقي، و النسبة الناقصة هي التي لا يكون على طبقها مدلول تصديقي.

600

النظرية الثانية هي: انّ النسبة الناقصة ترجع الشيئين إلى واحد كما في قولنا قلم زيد، فهذه الجملة ترجع إلى معنى إفرادي كما هو واضح.

و أمّا النسبة التامة، فهي أن يكون شيئان، و النسبة تربط بينهما.

و هذه النظرية هي الصحيحة كما عرفت في محله، و قد ذكرنا هناك، انّ المدلول التصديقي فرع النسبة التامة.

و سواء لاحظنا، النظرية الأولى، أو الثانية، فيثبت كون الجملة الشرطية ذات المدلول التصديقي، تكون نسبتها تامة.

أمّا بناء على النظرية الأولى، فواضح، لأنّ تماميّة النسبة إنّما تكون بالمدلول التصديقي.

و أمّا بناء على النظرية الثانية، فلأنّ وجود المدلول التصديقي، فرع تماميّة النسبة كما عرفت، فيثبت انّ الجملة التي يكون لها مدلول تصديقي تكون النسبة فيها تامة.

و قد ثبت بالأمر الأول، انّ الجملة الشرطيّة كقولنا، «إذا جاء زيد» لها مدلول تصديقي، فينتج انّ النسبة فيها تامة، و حينئذ، فعدم صحة السكوت عليها ليس لنقصان النسبة، و بهذا يبطل التفسير الأول لعدم صحة السكوت، و يتعيّن التفسير الثاني، و هو انّ عدم صحة السكوت إنّما هو لنقصان في نفس أداة الشرط.

و عليه فيتم كلام المشهور، و يبطل كلام الأصفهاني (قده) لما عرفت من انّ التفسير الثاني إنّما يتلائم مع كلام المشهور و لا يتلائم مع مذهب الأصفهاني (قده).

و بهذا يثبت، انّ أداة الشرط موضوعة للربط بين الشرط و الجزاء.

هذا كله مضافا للوجدان القاضي بذلك، كما أشرنا إلى ذلك سابقا.

601

هذا الدليل الأول الذي يثبت به مذهب المشهور، و يبطل به مذهب الأصفهاني (قده).

2- الدليل الثاني: هو الذي يثبت به كلام الأصفهاني (قده)، و يتوقف توضيحه على ذكر مقدمة، حاصلها: هو انّه في كثير من الموارد يدخل الاستفهام في الجملة الشرطية بحيث يكون مقصود المتكلم الاستفهام عن وجود الجزاء على تقدير وجود الشرط، كما في قولنا، «إذا جاءك زيد فهل تكرمه»؟ ففي مثله، يحتمل فيما هو المعلّق على الشرط ثلاث احتمالات.

1- الاحتمال الأول: أن يكون المعلّق على الشرط هو المستفهم عنه، و هو صدور الإكرام لا الاستفهام.

إذن، فهذا الاحتمال يعزل الاستفهام عن كونه داخلا في الشرط أو في الجزاء، فيكون الاستفهام فوق الجملة الشرطية، أي داخلا فيها ككل فقط.

فيرجع قولنا، «إذا جاءك زيد فهل تكرمه»؟ إلى قولنا، «هل تكرم زيدا إذا جاء»؟

و هذا الاحتمال غير صحيح، لأنّه يجب أن يكون فعل الشرط و جزاؤه في الجملة الشرطية، جملتين تامتين في أنفسهما و بقطع النظر عن أداة الشرط.

و بناء على هذا الاحتمال، لا يكون الجزاء جملة تامة في بعض الموارد، كما في قولنا، «إذا زارك عدوك فكيف حالك»، فهنا لو أخرجنا كلمة- «كيف»- عن نطاق الجزاء، لبقي عندنا كلمة- «حالك»- و هي غير تامة فلا يمكن أن تكون هي المعلّق على الشرط، إذن فهذا يبرهن على انّ أداة الاستفهام داخلة في الجزاء و مقوّمة له، لأنّ الجزاء لا يكون جملة تامة إلا بأداة الاستفهام، كما في مثالنا.

و عليه، فهذا الاحتمال يبطل، لأنّه يعزل أداة الاستفهام عن الجزاء، كما يعزلها عن الشرط.

602

2- الاحتمال الثاني: هو أن يكون نفس الاستفهام، هو المعلّق على الشرط بوجوده الخارجي، فيرجع قولنا، «إذا جاء زيد فهل تكرمه»، إلى انّ استفهام المتكلم عن الإكرام، منوط بمجي‏ء زيد خارجا، و لازم ذلك، انّه قبل مجيئه، لا استفهام.

و هذا الاحتمال، واضح البطلان، لأنّه لا إشكال في فعليّة الاستفهام في المثال، و لو لم يتحقّق مجي‏ء زيد، و لهذا يترقّب المتكلم جوابا قبل وقوع المجي‏ء خارجا.

3- الاحتمال الثالث: هو أنّ يكون الاستفهام، هو المعلّق على الشرط، لكن لا على الشرط بوجوده الخارجي ليلزم الإشكال المتقدم، بل على الشرط بوجوده التقديري الفرضي.

و هذا الاحتمال هو المتعيّن، بعد إبطال الاحتمالين السابقين، و لا يرد عليه ما ورد على الاحتمال الثاني كما عرفت.

كما انّه لا يرد عليه ما ورد على الأول، لأنّه لم يعزل أداة الاستفهام عن الجزاء.

هذا حاصل المقدمة، و حينئذ نقول، إنّ هذا الاحتمال الثالث ينسجم مع مذهب الأصفهاني (قده). و لا ينسجم مع مذهب المشهور، فيكون ذلك دليلا على ما ذهب إليه الأصفهاني (قده).

أمّا انسجامه مع مذهب الأصفهاني (قده) فواضح، باعتبار انّ الأصفهاني (قده) يرى انّ الشرط يصبح أمرا تقديريا و فرضيا بواسطة أداة الشرط، و حينئذ لا مانع أن يقال، بأنّ الاستفهام يكون معلقا على هذا الشرط التقديري الفرضي، كما هو لسان الاحتمال الثالث.

و أمّا عدم انسجامه مع مذهب المشهور، فلأنّ إثبات كون الاستفهام معلقا على الشرط بوجوده التقديري له أحد طريقين، و كلاهما مسدود على مذهب المشهور.

603

1- الطريق الأول: هو ما سلكه الأصفهاني (قده)، و انسداد هذا الطريق على المشهور واضح.

2- الطريق الثاني: هو أن يقاس الاستفهام على الأحكام، فيقال: كما انّ للأحكام المشروطة مرتبتين، إحداهما مرتبة الجعل، و هي منوطة بوجود الشرط التقديري، و الثانية مرتبة المجعول، و هي منوطة بوجوده الخارجي، كذلك فإنّ للاستفهام مرتبتين، و حينئذ، فيكون الاستفهام في مرتبة جعله منوط بوجود الشرط التقديري.

و هذا الطريق أيضا مسدود على المشهور، لأنه ليس للاستفهام مرتبتان، بل هو حالة وجدانيّة لا اعتباريّة كي يتصوّر فيها ما يتصوّر في الأحكام من مرتبتين.

و عليه، فلا يمكن للمشهور إثبات كون الاستفهام معلقا على الشرط بوجوده التقديري، كما هو لسان الاحتمال الثالث الصحيح، فحينئذ لا يكون مذهب المشهور منسجما مع هذا الاحتمال الثالث.

إذن فهذا يكون دليلا على بطلان مذهب المشهور، و صحة مذهب الأصفهاني (قده).

إلّا أنّ الصحيح، بطلان هذا الدليل: أمّا أولا: فإنه يمكن اختيار الاحتمال الثاني، و هو كون الاستفهام معلقا على الشرط بوجوده الخارجي، و مع هذا، لا يرد عليه ما ذكر من استلزام ذلك لعدم فعلية الاستفهام، و ذلك لأن فعلية الاستفهام و إن لم يمكن استفادتها من نفس اللفظ، إلّا ان هناك قرينة عرفية يمكن بواسطتها استفادة فعليّته، و هذه القرينة هي نفس توجيه هذا الكلام. و هو قوله، «إذا جاءك زيد فهل تكرمه».

فنفس توجيه هذا الكلام، قرينة عرفيّة على طلب الجواب، و ليس معناه إلّا كون الاستفهام فعليا.

اذن، فالاحتمال الثاني تام و لا إشكال، فلم ينحصر الاحتمال الصحيح بالاحتمال الثالث ليتم هذا الدليل.

604

و أمّا ثانيا، فإنّ الإشكال الذي أورد على الاحتمال الثاني، و هو عدم فعليّة الاستفهام يرد أيضا على الاحتمال الثالث لو قطعنا النظر عمّا ذكرناه من القرينة العرفية، و ذلك لأنه في الاحتمال الثالث قد جعل الجزاء منوطا بوجود الشرط التقديري، فحينئذ نقول: هل انّ الجزاء أنيط بوجود الشرط التقديري بما هو تقدير، أو بما هو فان في المقدّر؟.

فإن قيل الأول، فلازمه أن تكون الأحكام التي جعلت منوطة بشرط فعليته قبل تحقق الشرط خارجا، و ذلك باعتبار انّها أنيطت بوجود الشرط التقديري بما هو تقدير، و هذا فعلي، فيلزم أن تكون فعلية و إن لم يتحقق الشرط خارجا. ففي قولنا: إذا جاءك زيد فأكرمه، يجب أن نكرم زيدا قبل مجيئه، و هذا خلف. و إن قيل الثاني، و هو كون الجزاء منوطا بوجود الشرط التقديري بما هو فان في المقدّر، فحينئذ لا يلزم هذا الإشكال بالنسبة للأحكام، لأن فعلية الحكم حينئذ منوطة بفعلية الشرط و وجوده خارجا، لكن معنى ذلك ان الاستفهام لا يكون فعليا إلّا بعد وجود الشرط خارجا لأن فعليّة الاستفهام قد أنيطت بذلك لأن حالها حال الأحكام.

فهذا الاحتمال الثالث لا يدفع إشكال عدم فعلية الاستفهام، و الذي يدفعه هو ما ذكرناه من القرينة العرفية.

و بهذا يثبت ان الاحتمال الثالث على فرض صحته فهو غير متعيّن، و ذلك لتمامية الاحتمال الثاني أيضا، و معه لا يكون هذا الدليل لمذهب الأصفهاني (قده) تاما.

فما ذهب إليه المشهور من كون أداة الشرط موضوعة للربط بين الشرط و الجزاء هو الصحيح لما عرفته في الدليل الأول و لشهادة الوجدان على ذلك كما أشرنا إليه. هذا تمام الكلام في المرحلة الأولى من النقطة الأولى.