بحوث في علم الأصول - ج6

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
749 /
55

معناه أننا نحرز أنّ القدرة في خطاب «صلّ» شرعية، و لا نحرز كون القدرة عقلية في خطاب «أزل»، لعدم إحراز الملاك حتى في حال العجز، فيكون المقام حينئذ من مصاديق الصورة الثالثة، و لا يطبق هذا المرجح فيها، كما عرفت.

ج- الشق الثالث هو: أن لا نسلّم بكلا الأمرين، فيكون المقام من مصاديق الصورة الثانية، لأنّنا نجهل حينئذ نوع القدرة في كل منهما.

و هذا هو القدر المتيقن لعدم تطبيق هذا المرجح، كما عرفت.

ثمّ إنّ ما ذكرناه مبني على أنّ المولى، حينما يبرز القيد، فهو يبرزه بالصيغة التي فرضناها، كما لو قال: «صلّ» بشرط عدم الاشتغال بضد واجب أو أهم، مع أنّ هذا مجرد فرض، لأنّ العادة الخارجية هي إنّه حينما يبرز المولى هذا القيد، يبرزه بأسلوب آخر، كأن يقول: «صلّ إذا لم يكن لديك شغل و واجب آخر، مساو، أو أهم».

و لا إشكال أنّ هذا الأسلوب في التقييد، يقتضي تقديم خطاب «أزل» على خطاب «صلّ» لأنّ خطاب «أزل» يكون رافعا لموضوع خطاب «صلّ»، حيث أنّ خطاب «صلّ» مقيّد بعدم الاشتغال بواجب آخر، و حينئذ فالاشتغال بالإزالة أو بأيّ واجب آخر مساو أو أهم، يرفع موضوع خطاب «صلّ».

إذن، إذا أخذت القدرة الشرعية، بحسب المعتاد الخارجي، يتعين تقديم خطاب «أزل»، على خطاب «صلّ».

و لكن قد يستشكل بذلك، فيقال: بأنّه لا ملزم لتقديم خطاب «أزل»، على خطاب «صلّ»، حتى لو أبرز القيد بما جرت عليه العادة الخارجيّة كما لو قال: «صلّ إذا لم يكن لديك شغل، و واجب آخر»، إذ بناء على هذا الأسلوب من التقييد، و إن كانت الإزالة رافعة لموضوع الصلاة، كما ذكر، إلّا أنّه كذلك يمكن أن تكون الصلاة رافعة لموضوع الإزالة، و ذلك لأنّ خطاب «أزل»، قد أخذ في موضوعه، و لو بواسطة المخصّص اللبّي العقلى،

56

عدم الاشتغال بضد واجب آخر مساو أو أهم، و هذا القيد يحتمل انطباقه على الصلاة لاحتمال كونها مساوية للإزالة.

و بناء عليه يحتمل أن يكون الاشتغال بالصلاة رافعا لموضوع وجوب الإزالة أيضا، لأنّه قد أخذ في موضوع وجوب الإزالة عدم الاشتغال بضد واجب أهم أو مساو، و قد فرضنا احتمال تساوي الصلاة مع الإزالة، و حينئذ فيشك في وجوب الإزالة، حتى في حال الاشتغال بالصلاة، فتجري البراءة عنه.

و لا يقال هنا بأنّ خطاب الإزالة ساقط حكما، إلّا أنّه ثابت ملاكا في هذه الصورة.

لأنّنا نقول: إنّ المفروض هو إنكار الأمرين المتقدمين الذي يمكن بثانيهما إثبات ملاك الخطاب في صورة سقوطه حكما، كما عرفت.

و بهذا نثبت إنّه لا ملزم لترجيح و تقديم خطاب «أزل» على خطاب «صلّ» حتى و لو قيّد خطاب «صلّ» بالأسلوب المتعارف، و الذي جرت العادة الخارجية عليه، لأنّه كما يرتفع موضوع وجوب الصلاة بالاشتغال بالإزالة، فإنّه كذلك يحتمل ارتفاع موضوع وجوب «الإزالة» بالاشتغال «بالصلاة».

إلّا أنّ هذا الاستشكال في تقديم خطاب «أزل» على خطاب «صلّ»، حتى و لو كان خطاب «صلّ» مقيدا بالنحو المتعارف خارجا، غير تام.

و إنّما الصحيح أنّ خطاب «أزل» يقدّم على خطاب «صلّ»، و يقرّب ذلك بتقريبين:

1- التقريب الأول هو: إنّ خطاب «صلّ» قد قيّد بعدم الاشتغال بمطلق واجب، و أمّا خطاب «أزل» فقد قيّد بعدم الاشتغال بواجب مساو أو أهم، كما عرفت.

و بناء عليه، فلا يحتمل أن تكون الصلاة أهمّ من الإزالة، بل يحتمل‏

57

أن تكون الإزالة أهم من الصلاة باعتبار أنّ خطاب الصلاة قد قيّد بلسان المولى بعدم الاشتغال بمطلق واجب، و معنى هذا أنّ الصلاة إمّا أن تكون أقل أهميّة من جميع الواجبات الأخرى، أو مساوية لها، و لا يحتمل أهميّة الصلاة، و إلّا لما قيّد خطابها بعدم الاشتغال بمطلق واجب، إذن فإحتمال أهميّة الصلاة بالنسبة للإزالة، غير موجود، بينما احتمال أهميّة الإزالة بالنسبة للصلاة موجود، لأنّ خطاب «أزل» لم يقيّد بعدم الاشتغال بمطلق واجب بل قيّد بعدم الاشتغال بواجب مساو أو أهم، و هذا لا ينافي أن تكون الإزالة أهم من غيرها كالصلاة.

و عليه، فيقدّم خطاب «أزل» على خطاب «صلّ» لاحتمال أهميّة خطاب «أزل» و عدم احتمال أهميّة خطاب «صلّ».

2- التقريب الثاني هو: إنّ دليل الصلاة و هو قوله «صلّ»، إذا لم تشتغل بواجب آخر، يكشف عن أنّ القدرة المأخوذة في هذا الدليل، قدرة شرعيّة، بمعنى أنّ الاشتغال بمطلق واجب يكون رافعا لموضوع ملاك الصلاة، لأنّ مقتضى إطلاق القيد في قوله «صلّ» إذا لم تشتغل بواجب آخر، هو إنّ أيّ شغل بواجب، يكفي لرفع اليد عن الصلاة، و لو كان ملاك ذاك الواجب الآخر ضعيفا، و أقل أهميّة من ملاك الصلاة.

و هذا معناه إنّ عدم الاشتغال بأيّ واجب يكون من متممات ملاك الصلاة، و تكون تماميّة ملاك الصلاة في طول عدم تماميّة ملاك بقيّة الواجبات.

و بهذا يثبت أنّ القدرة المأخوذة في الصلاة، قدرة شرعيّة، و حينئذ فإن أثبتنا أنّ القدرة المأخوذة في خطاب «أزل» عقليّة، يتم ترجيح خطاب «أزل» على خطاب «صلّ» كما هو مقتضى المرجح الأول.

فإن قيل: بأنّ دليل الصلاة المذكور، لا يستكشف منه كون القدرة المأخوذة في الصلاة، قدرة شرعية، و ذلك فيما لو فرض أنّ المولى قد أحرز بنفسه أنّه لا يوجد واجب في الشريعة أقل مصلحة من الصلاة، و حينئذ فلا يكون عدم الاشتغال بأيّ واجب- و لو كان أقل و أضعف ملاكا من الصلاة-

58

دخيل في تماميّة ملاك الصلاة، حيث أنه لا يوجد واجب أضعف ملاكا منها.

و عليه فلا يثبت أنّ القدرة المأخوذة في الصلاة قدرة شرعيّة، لعدم تماميّة الإطلاق المدّعى في القيد المأخوذ في خطاب الصلاة.

قلنا: إنّ هذا احتمال، إلّا أنّه خلاف ظاهر القيد، لأنّ ظاهره هو القضية الحقيقية، لا القضية الخارجية، و مرجع هذا الاحتمال المذكور إلى القضية الخارجية، و أنّ المولى استقرأ جميع الواجبات، و علم أنّه لا يوجد فيها ما هو أقل و أضعف ملاكا من ملاك الصلاة، و حينئذ يكون قوله: «إذا لم تشتغل بواجب آخر» عنوانا مشيرا إلى تلك الواجبات الخارجية التي استقرأها، مع أنّ ظاهر هذا القيد هو القضية الحقيقية، و أنّ مجرد وجود عنوان الاشتغال بواجب يكون رافعا لموضوع الصلاة من دون التفات إلى مقدار المصلحة و الملاك في ذلك الواجب.

و هذا المعنى لا يتلاءم إلّا مع فرض كون هذا العنوان دخيلا في تتميم ملاك الصلاة، فيثبت أنّ القدرة المأخوذة فيها قدرة شرعية و هو المطلوب.

3- و هنا بحث ثالث لا بدّ من إلحاقه بالبحثين السابقين، و هذا البحث هو: انّه بعد أن ثبت أنّ الخطاب المشروط بالقدرة العقلية، يقدم على الخطاب المشروط بالقدرة الشرعية، يقع الكلام في أنّ المشروط بالقدرة العقلية هل يقدم على المشروط بالقدرة الشرعية، حتى و لو كان الخطاب المشروط بالقدرة الشرعية أهمّ ملاكا لو تمّ ملاكه، أو إنّه لا يقدّم في هذه الصورة؟.

و تحقيق ذلك مربوط بما تقدم، من أنّ صياغة الخطاب إن كانت على النحو المتعارف الخارجي كقوله: «صلّ إذ لم تكن مشغولا بواجب آخر»، بحيث يكون مطلق الشغل بالواجب ملغيا لملاك الصلاة، فحينئذ يقدّم المشروط بالقدرة العقلية، و هو خطاب «أزل» على خطاب «صلّ» المشروط بالقدرة الشرعية، و الذي لو تمّ ملاكه لكان أهم من ملاك خطاب «أزل».

و الوجه في هذا التقديم، هو: إنّ أهميّة ملاك الصلاة، إنّما هي أهميّة

59

تعليقيّة، لا تنجيزيّة، لأنّ المفروض إنّه أهم لو تمّ ملاكه، و المفروض إنّ ملاكه لم يتم لارتفاع موضوعه، كما عرفت.

و أمّا إذا كانت صياغة خطاب «صلّ» بحسب ما يقتضيه ذلك القيد اللبّي، كأن يقال: «إن لم تشتغل بواجب مساو أو أهم فصلّ»، فحينئذ، لا يتم هذا المرجّح، و لا يطبّق في المقام، و ذلك لأنّ الذي يرفع ملاك الصلاة، حسب هذا الخطاب، هو الاشتغال بضد واجب له ملاك لو قيس إلى ملاك الصلاة حين يتم ملاكها، لكان إمّا مساويا له، أو أهم، و المفروض أنّ ملاك الصلاة، لو تمّ، لكان هو الأهم، فلا يكون الاشتغال بذلك الضد رافعا لملاك خطاب «الصلاة و موضوعه»، حينئذ فلا يتم ترجيح خطاب «أزل» المشروط بالقدرة العقلية، على خطاب «صلّ» المشروط بالقدرة الشرعية.

و بهذا يتم الكلام في البحثين الاستدراكيّين مع البحث الأخير الملحق بهما.

المرجح الثالث: من مرجحات باب التزاحم و هو الترجيح بالأهمية.

و الكلام فيه يقع في ثلاثة موارد:

* المورد الأول هو: ما إذا كان أحد الواجبين المتزاحمين، معلوم الأهمّية بالنسبة للواجب الآخر، كما لو علمنا بأنّ الإزالة أهم من الصلاة، فحينئذ لا بدّ من تقديم الإزالة عليها. و يقرب ذلك بتقريبين:

1- التقريب الأول هو: أن يقال: بأنّ الإزالة بامتثالها تكون رافعة لموضوع دليل وجوب الصلاة، و حينئذ، نقدم خطاب الإزالة على خطاب الصلاة، من باب الورود.

و بيان ذلك هو: إنّك قد عرفت أنّ كل خطاب مقيد لبا بقيد عقلي، و هو عدم الاشتغال بضد واجب مساو أو أهم، و حينئذ يكون الاشتغال بالإزالة رافعا لموضوع دليل وجوب الصلاة دون العكس.

60

بمعنى أنّ هذا القيد ينطبق على الاشتغال بالأهم، بالنسبة إلى المهم فيكون رافعا لموضوع وجوب المهم، و هو معنى الورود، و لكنه لا ينطبق على الاشتغال بالمهم، إذ الاشتغال بالمهم اشتغال بواجب أقل أهميّة بحسب الفرض، و هو بالتالي لا يرفع موضوع وجوب الإزالة، لأنّ الاشتغال بالصلاة اشتغال بواجب أقل أهميّة بحسب الفرض، و عليه: فيكون في المقام ترتب من أحد الجانبين، و يكون الأمر بالإزالة مطلقا لحال الاشتغال «بالصلاة» الواجب الأقل أهميّة، فيكون الأمر بالصلاة مقيدا، و المفروض أنّه لا برهان على سقوط إطلاق دليل الأهم، و بهذا يتعيّن تقديم و امتثال ما هو مطلق، و هو الإزالة.

2- التقريب الثاني هو: أن يقال: إنّه بقطع النظر عن ورود خطاب «أزل» على خطاب «صلّ»، و إطلاق الخطاب الأهم لحال الاشتغال بالمهم، فإنّه، مع ذلك، يحكم العقل بلزوم تقديم الإزالة، لكون خطابها معلوم الأهميّة على الصلاة، فإنّه إذا كانت زيادة أحد الملاكين على الآخر بمرتبة ملزمة، تعيّن بحكم العقل، تقديم ما كان ملاكه زائدا على الآخر، كما في المقام، لأنّ العقل يحكم بعدم جوار تفويت الزائد، و على هذا، فنقدم خطاب الإزالة لأنّه معلوم الأهميّة على خطاب الصلاة، بحكم العقل.

و إن شئت قلت: إنّ تحصيل ملاك المهم ليس عذرا لتفويت الزيادة الموجودة في ملاك الأهم، و هذا بخلاف العكس فإنّ ترك ملاك الأهم فيه تفويت لملاك مولوي منجّز من دون عذر.

و بتعبير آخر: إنّ الأمر هنا، دائر بين تحصيل الملاك الأقل، و تحصيل الملاك الأكثر، في مقام الامتثال.

و من الواضح أنّ العقل يحكم بلزوم تحصيل الملاك الأكثر، و عدم تفويته بعد أن تنجزّ بالعلم حسب الفرض، و المقصود بالملاك هنا، هو كون المصلحة الموجودة في أحد الخطابين، موردا لاهتمام المولى، فإنّها هي التي تدخل في العهدة، و تتنجّز بحكم العقل لا مجرد المصلحة الواقعيّة.

61

إذن فالتردّد بين الأقل و الأكثر، إنّما يكون بلحاظ اهتمامات المولى، لا بلحاظ كون سنخيّة المصلحة في الخطابين واحدة، و كونها أقل في المهم، و أكثر في الأهم.

و حينئذ لا يستشكل بأنّ المتزاحمين ربّما يرجعان إلى ملاكين متباينين غير متسانخين، لأنّك عرفت أنّ المقصود بالملاك إنّما هو المصلحة التي تكون موردا لاهتمام المولى، إذ مثلها يتنجّز بحكم العقل، و يدخل في العهدة.

ثم إنّه قد يرد إشكال في المقام، يثبت التلازم بين التقريبين، و احتياج تماميتهما إلى قرينة خارجية.

و لكن من خلال الجواب عليه، يتضح الفرق جليا بين التقريبين:

و بيان ذلك هو: إنّ العلم بأهمية الإزالة، إمّا أن يكون فعليا حتى في حال الاشتغال بالصلاة، فتكون القدرة في الإزالة عقليّة، و إمّا أن يكون فعليا إذا تمّت شروطه، بمعنى أنّ فعليته تعليقيّة، إلّا أنّه لا يعلم أنّ عدم الاشتغال بالصلاة من شروطه، أو ليس من شروطه، أي: إنه لا يعلم بفعليته حتى حال الاشتغال بالصلاة، و حينئذ، فإن فرض كونه فعليا حتى حال الاشتغال بالصلاة، إذن يتم التقريب الأول و هو الورود بالنحو الذي عرفته، إلّا أنّه لا حاجة له لكفاية التقريب الثاني، باعتبار أنّه في مثل ذلك يستقل العقل بلزوم استيفاء الأهم، و هو الإزالة.

و إن فرض الثاني، و هو: كون العلم بأهميّة الإزالة فعليا إذا تمت شروطه مع أنّه لا يعلم أنّ عدم الاشتغال بالصلاة، أ هو من شروطه، أو ليس من شروطه، ففي مثل ذلك تكون أهميّته تعليقيّة، لا فعلية.

و عليه: فلا يتم التقريب الثاني، لأنّ العقل لا يحكم بلزوم العدول من الصلاة إلى الإزالة، لأنّه مع الاشتغال بالصلاة لا يحرز أنّه فوّت ملاك الإزالة، باعتبار عدم إحراز فعليّة ملاكها لحال الاشتغال بالصلاة.

62

و من هنا يعلم أنّ التقريب الأول و هو الورود، غير تام، لأنّه كما يكون الورود من جانب الإزالة، فإنه يحتمل أن يكون من جانب الصلاة، لأنّنا نحتمل كون الاشتغال بالصلاة رافعا لملاك الإزالة حينئذ.

و بهذا يثبت أنّ تمامية التقريب الأول موقوفة على المعنى الأوّل للأهميّة، و هو أن يكون الملاك فعليا حتى في حال الاشتغال بالصلاة، كما عرفت.

إلّا أنّ إحراز فعليّة هذه الأهميّة، لا يتكفّله نفس الخطاب، لما عرفت سابقا، من أنّ فعليّة الملاك لا تحرز بنفس الخطاب، و حينئذ لا بدّ من قرينة خارجيّة على فعليّة ملاك الإزالة، حتى في حال الاشتغال بالصلاة، فإن تمّت قرينة خارجية على ذلك، فيتم التقريب الأول، و إلّا فلا.

و إذا تمّ الأول يتم الثاني، لما عرفت، و معه لا حاجة للأول، و بهذا نثبت الملازمة بين التقريبين و احتياجهما في التماميّة لقرينة خارجية.

و تحقيق هذا الإشكال هو أن يقال: إنّ هذين التقريبين غير متلازمين، كما أنّ التقريب الأول لا يحتاج إلى قرينة خارجية على فعليّة الملاك.

و بيان ذلك هو: إنّ كل خطاب، هو مقيّد لبّيا بعدم الاشتغال بضد واجب، كما عرفت، إلّا أنّ هذا التقييد لا بدّ و أن يقتصر فيه على أقل مقدار ترتفع به الضرورة، لأنّ هذا التقييد ضرورة، و هي تقدّر بقدرها.

و عليه، فاللازم برهانا أن نقيّد كلّ خطاب بعدم الاشتغال بضد واجب واجد لنكتتين:

1- النكتة الأولى: هي أن يكون هذا الضد الواجب مساويا في الملاك لذلك الواجب، أو أهم منه، و إلّا فلو كان أقل منه ملاكا، فلا برهان على تقييد ذلك الواجب بعدم الاشتغال به، لعدم دليل على كون القدرة في ذلك الواجب شرعية كي يقيّد بذلك.

63

2- النكتة الثانية: هي أن يكون ملاك الضد الواجب فعليا، حتى في حال الاشتغال في الواجب الذي نريد أن نقيّده.

إذا عرفت ذلك، نقول: إنّه لا بد و أن نلاحظ الصلاة و الإزالة لنرى أنّ كلا منهما، هل هو واجد لتلكما النكتتين، ليكون كلّ منهما رافعا لموضوع الآخر بامتثاله، أو إنّ أحدهما هو الواجد دون الآخر ليكون الواجد هو الرافع لموضوع الآخر بامتثاله، أو إنّ كلا منهما غير واجد لتلكما النكتتين، فلا يكون أحدهما رافعا لموضوع الآخر.

و على هذا نأتي إلى الصلاة، فنرى أنها غير واحدة للنكتة الأولى، لأنّ المفروض أنّ ملاكها غير مساو لملاك الإزالة، و لا أهمّ، بل ملاك الإزالة أهم منها، حسب الفرض، و عليه، فلا يكون الاشتغال بالصلاة رافعا لموضوع الإزالة، و واردا عليه.

و حينئذ يكون مقتضى إطلاق دليل الإزالة هو أنّ ملاك الإزالة فعلي حتى في حال الاشتغال بالصلاة.

و أمّا إذا لاحظنا الإزالة، فنرى أنها واحدة لكلتا النكتتين، أمّا الأولى، فلأنّ المفروض أنّ ملاك الإزالة أهم، و أمّا الثانية، فلما عرفت قبل قليل، من أنّ ملاك الإزالة ثابت و فعليّ، حتى في حال الاشتغال بالصلاة.

و بهذا نثبت أنّ الإزالة رافعة بامتثالها لموضوع وجوب الصلاة بلا احتياج لقرينة خارجية، كما ذكر في الإشكال.

و بهذا ظهر أنّ التقريب الأول يتمّ بلا قرينة خارجية، كما ادّعي، و ظهر أيضا عدم التلازم بين التقريبين، لأنّ التقريب الثاني يتوقف على ما ذكر في الإشكال، إلّا أنّ الأول لا يتوقف على العلم بالاهميّة التنجيزيّة، بل يكفي فيه العلم بالأهميّة التعليقيّة، بلا احتياج لقرينة خارجية على كون القدرة فيه عقلية، لا شرعية، كما عرفت.

64

و الخلاصة، هي: إنّه في المورد الأول يرجّح محتمل الأهمية فيه بمقتضى التقريب الأول.

و بتعبير آخر، هو: إنّ كون ملاك الأهم فعليا في فرض الاشتغال بالمهم- بمعنى كون القدرة فيه عقلية بالقياس إلى المهم- يمكن إحرازه بنفس إطلاق الخطاب، و ذلك لأنّ القيد اللبّي المأخوذ في كل خطاب، هو عبارة عن عدم الاشتغال بضد واجب واجد لشرطين: أحدهما هو: أن أن لا يقل هذا الضد عن الواجب الآخر في الأهميّة ملاكا و الثاني هو: أن يكون ملاك الضد الواجب فعليّا حتى حال الاشتغال في الواجب الذي نريد أن نقيّده. و حينئذ، فإذا انتفى أحد الشرطين في الضد الواجب، حينئذ يكفي التمسك بإطلاق خطاب الواجب الآخر لحالة الاشتغال به، إذ لا موجب لتقييد زائد، و المفروض أنّه في المقام، نعلم بحسب الفرض بانتفاء الشرط الأول في المهم، «الصلاة»، إذن فالمقيّد اللبّي غير منطبق عليه، إذن فيصح التمسك بإطلاق خطاب الأهم «الإزالة لفرض الاشتغال بالمهم، «الصلاة».

و بهذا يثبت كون ملاك الإزالة فعليا خطابا و ملاكا، حتى حال الاشتغال بالمهم، «الصلاة»، و بهذا يتم ورود الأهم على المهم. «خطاب الإزالة على خطاب الصلاة» و به يرتفع موضوع «الصلاة»، المهم.

و الخلاصة هي: إنّ احتمال كون الملاك في الأهم، مشروطا بالقدرة الشرعيّة، و عدم الاشتغال بالمهم، منفي بنفس إطلاق خطاب الأهم، إذ إنّ دائرة الملاك، سعة و ضيقا، كدائرة الخطاب، يكون تحديدها بإطلاق دليل الخطاب نفسه.

و قد ذكر المحقق النائيني (قده) (1) في تخريج هذا الترجيح ما حاصله: إنّ التكليف بالأهم بما هو أهم، يصلح أن يكون معجزا مولويا للمكلّف عن المهم دون العكس، فيكون نسبة الأهم إلى غيره، كنسبة الواجب إلى المستحب أو

____________

(1) أجود التقريرات- الخوئي: ج 1 ص 277.

65

المباح، فكما لا يمكن أن يكون المستحب، أو المباح، مزاحما للواجب، فأيضا هنا، فإنّه لا يمكن أن يكون المهم مزاحما للأهم، و لا يفرق الحال في ذلك بين كون المتزاحمين عرضيين و كونهما طوليين كما لا فرق أو كون خطاب كل من الطوليين فعليا أو كون أحدهما فعليا دون الآخر مع كون ملاكه تاما فعلا.

و ما ذكره (قده) لا محصّل له، فإنّه إن أراد أنّ نفس خطاب الأهم يكون معجزا عن خطاب المهم بنحو يرجع إلى تقييده بعدم الأمر بالأهم، فقد عرفت سابقا أنّ هذا يمنع عن إمكان الترتب بينهما، و بالتالي يرتفع الأمر بالمهم، سواء اشتغل بالأهم أم لا، و هذا خلف التزاحم.

و إن أريد أنّ الاشتغال بالأهم يكون معجزا، فإن قصد معنى يرجع إلى تضييق دائرة الخطاب المهم في عالم الجعل، فهذا رجوع إلى التقريب الأول، و إن قصد- بعد الفراغ عن عدم الضيق في دائرة الخطاب- كونه معجزا في عالم الامتثال و بلحاظ حكم العقل بلزوم الخروج عن العهدة، فهو بلا موجب إلّا إذا رجع إلى التقريب الثاني، و قد عرفت حاله.

* المورد الثاني: من الموارد التي يقع فيها الترجيح بالأهميّة هو ترجيح محتمل الأهميّة كما لو كان احتمال الأهميّة موجودا في طرف أحد الواجبين المتزاحمين دون الآخر، كما لو دار أمر الإزالة بين كونها مساوية للصلاة، أو أهم منها و كذلك لو دار أمر الصلاة بين كونها مساوية للإزالة أو أقل منها، فإنه في مثل ذلك تقدّم الإزالة، و يقرب هذا المرجح بعدة تقريبات:

1- التقريب الأول: و هو الظاهر من كلمات المحقق النائيني (قده) (1) و حاصله، هو: إنّ كل خطاب مقيّد لبّا بعدم الاشتغال بضد واجب مساو أو أهم، و حينئذ فيكون خطاب «صلّ» ساقطا حال الاشتغال بالإزالة، باعتبار كون الإزالة إمّا مساوية، أو أهم، فإذا اشتغل المكلّف بها يسقط خطاب الصلاة قطعا، لأنه مقيد بعدم الاشتغال بضد واجب مساو أو أهم، كما

____________

(1) أجود التقريرات- الخوئي: ج 1 ص 277.

66

عرفت، و أمّا لو اشتغل المكلّف بالصلاة، فلا يعلم بسقوط خطاب الإزالة لاحتمال كون الصلاة أقل أهميّة من الإزالة، و حينئذ يكون خطاب «أزل» مطلقا لحال الاشتغال بالصلاة، لكون الصلاة أقلّ أهميّة من الإزالة، و حيث لا يعلم حينئذ بسقوط خطاب الإزالة حين الاشتغال بالصلاة، و من الواضح أنّ كل إطلاق لا يعلم بسقوطه، يجب العمل به، لأنّه حجة لا ترفع اليد عنه الّا بحجة أخرى، و حيث لم تقم حجة أخرى على سقوطه، إذن فلا بدّ من العمل به، و بذلك يثبت أنّ خطاب «أزل» مطلق حتى لحال الاشتغال بالصلاة.

و أما خطاب «صلّ»، فإنّه مقيّد بعدم الاشتغال بالإزالة، و هذا ترتب من أحد الجانبين، فيقدّم الخطاب المطلق، و هو «أزل»، على الخطاب المقيّد، و هو «صلّ»، و بذلك يثبت تقديم ما يحتمل‏ (1) على ما لا يحتمل أهميّته في مقام المزاحمة.

و هذا التقريب غير تام، و ذلك لأمرين:

أمّا أولا: فلأنّ كلّ خطاب المخصّص بذلك المخصّص اللبّي، كما ذكر في هذا التقريب، و هذا المخصّص، خصّص إطلاق الخطاب، و قيّده بصورة عدم الاشتغال بالمساوي أو الأهم، و الحال إنّه حال الاشتغال بالصلاة، لا يعلم بثبوت إطلاق خطاب «أزل»، لاحتمال أن تكون الإزالة مساوية للصلاة.

و حينئذ فلا يعلم أنّ خطاب «أزل» هل هو داخل تحت ذلك التخصيص و التقييد، أو هو باق على إطلاقه، و معه لا يجوز التمسك بالإطلاق لأنّه تمسك بالمطلق في الشبهة المصداقيّة، و هو غير جائز.

و أمّا ثانيا: فإنّه لو سلّم أنّه يجوز التمسك بالمطلق في الشبهة المصداقية، إلّا أنّ جواز ذلك إنّما يكون فيما إذا كان المخصّص منفصلا،

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي: ج 1 ص 280.

67

لأنّه حينئذ ينعقد للمطلق إطلاق، و امّا في صورة كون المخصّص متصلا، فلا ينعقد للمطلق إطلاق ليتمسك به.

و مقامنا من قبيل المخصّص المتصل، لأنّ المخصّص لبّي عقلي، و هو بحكم المتصل، إذن فهذا التقريب غير تام.

2- التقريب الثاني: لتقديم محتمل الأهميّة عند التزاحم، هو أنّك قد عرفت أنّ الاشتغال بالإزالة يسقط خطاب «صلّ» جزما و لكن الاشتغال بالصلاة لا يعلم معه بسقوط خطاب أزل، فيكون المقام من موارد الشك في سقوط التكليف، و هو مجرى لأصالة الاشتغال العقليّة.

و عليه، فيجب الاشتغال بالإزالة، و ترك الصلاة، فيثبت لزوم تقديم محتمل الأهميّة.

و هذا التقريب غير تام أيضا، و ذلك لأنّ المقام ليس من موارد أصالة الاشتغال العقليّة، بل هو مجرى للبراءة، و ذلك لأنّ الشك في المقام يرجع إلى الشك في سعة دائرة التكليف و ضيقه، حيث أنّ قيد عدم الاشتغال بالمساوي أو الأهم، أخذ في موضوع خطاب «أزل» و لكن نشك في أنّ الصلاة مساوية للإزالة، أو غير مساوية، و معنى ذلك، أنّنا نشكّ في أنّ خطاب «أزل»، هل هو مطلق لحال الاشتغال بالصلاة، أو غير مطلق، و هذا شك في سعة دائرة التكليف و ضيقها، و هو مجرى للبراءة.

3- التقريب الثالث: و حاصله، هو: إنّه إذا شكّ في أصل وجود الملاك الملزم من قبل المولى، فتجري البراءة عنه، و أمّا إذا علم بأصل وجوده، و لكن شك في الإذن بتركه لكونه مزاحما بآخر، ففي مثل ذلك، أصل البراءة، لا يثبت الإذن بتركه، بل يحتاج ذلك إلى دليل خاص، و مع عدمه تجري قاعدة الاشتغال، و يجب تحصيله.

و هذا التقريب غير تام، و ذلك لأنه يقال: إنّه في المقام، يوجد عندنا ملاكان ملزمان من قبل المولى: أحدهما: ملاك الإزالة، و الثاني: ملاك الصلاة. و نحن نعلم أنّه بالاشتغال بالإزالة نعلم بثبوت الإذن بترك الصلاة،

68

و تفويت ملاكها، إلّا أنّه بالاشتغال بالصلاة، لا يعلم بالإذن بترك ملاك الإزالة، و ذلك لاحتمال أهميّتها، و إذا لم يعلم بالإذن، و لم يثبت بدليل خاص، فيكون مجرى لقاعدة الاشتغال، و يجب تحصيل ذلك الملاك.

و بذلك يثبت وجوب تقديم الإزالة التي هي محتملة الأهميّة.

و هذا التقريب لو تمّت أصوله الموضوعيّة، لكان صحيحا، إلّا أنّ أصوله الموضوعية غير تامة، و ذلك لأنّه لا بدّ في تماميتها من أن يكون خطاب الإزالة فعليا، حتى حال الاشتغال بالصلاة، و إثبات ذلك يحتاج لإثبات كون القدرة فيه عقلية، غير دخيلة في الملاك، لا شرعيّة، حينئذ يكون خطاب «أزل»، مطلقا حتى لحال الاشتغال بالصلاة، و لو كانت مساوية، إلّا أنّه لا يمكن إحراز ذلك إلّا بقرينة خاصة، و هي غير موجودة.

و عليه: فلا يعلم بفعليّة خطاب «أزل» حتى لحال الاشتغال بالصلاة، و لا يمكن إثبات هذه الفعليّة بإطلاق الخطاب، لما عرفت في الإشكال على التقريب الأول، من أنّ التمسك بالإطلاق لإثبات الفعلية، يكون من التمسك بالعام في الشبهة المصداقيّة.

4- التقريب الرابع: و هو عبارة عن تتميم الوجه الأول و تعديله، بحيث أنّه به يتم الورود في المقام، و ذلك للتمسك بإطلاق خطاب ما يحتمل أهميته من دون لزوم إشكال التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

و توضيح ذلك هو: إنّك قد عرفت أنّ كل خطاب قد قيّد بواسطة ذلك المخصّص اللبّي العقلي بعدم الاشتغال بما يكون مساويا أو أهم، فإن كان هذا القيد مأخوذا في كل خطاب بوجوده الواقعي، أي: بما يعلم أنّه مساو أو أهم واقعا، فحينئذ لا يمكن الحكم بتقديم خطاب «أزل»، لما ذكرناه في الجواب عن التقريب الأول.

و أمّا إذا فرض أنّ القيد المأخوذ في موضوع كل خطاب، هو عدم الاشتغال بما يعلم كونه مساويا على الأقل، ففي مثل ذلك يثبت تقديم خطاب «أزل» على خطاب «صلّ»، و ذلك لأنّ الاشتغال بالإزالة، اشتغال بما

69

يعلم كونه مساويا على الأقل، فيكون عدم الاشتغال بالإزالة مأخوذا في موضوع خطاب «صلّ»، فيكون خطاب «صلّ» مقيدا به، و أمّا الاشتغال بالصلاة، فليس اشتغالا بما يعلم كونه مساويا على الأقل، و ذلك لاحتمال أهميّة الإزالة، فحينئذ لا يكون عدم الاشتغال بالصلاة مأخوذا في موضوع خطاب «أزل.

و بهذا يثبت أنّ خطاب «أزل» مطلق، فيحصل التّرتّب من أحد الجانبين فيقدّم الخطاب المطلق، و هو خطاب «الإزالة» على الخطاب المقيّد و هو خطاب «الصلاة».

و بذلك يكون الاشتغال بمحتمل الأهميّة رافعا لموضوع الخطاب الآخر، و واردا عليه، و حينئذ يكون هذا التقريب صحيحا، لإثبات تقديم محتمل الأهميّة، و يمكن أن يكون هذا التقريب تعديلا للتقريب الأول، و البرهان على هذا التقييد المذكور في هذا التقريب الرابع تقدم سنخه في مقام الاستدلال على تقييد كل خطاب بعدم الاشتغال بضد واجب مساو أو أهم، و كانت خلاصته: إنّ القيد العام إنما ثبت بالبرهان العقلي القائل: بأنّ إطلاق الخطاب لصورة الاشتغال بالمساوي أو الأهم، أمر غير معقول، لأنّه إمّا أن يستلزم طلب الضدّين، أو صرف المكلّف عن الأهم، أو المساوي إلى غيره، و الأول مستحيل، و الثاني خلاف غرض المولى.

و من الواضح أنّ هذا البرهان لا يقتضي التقييد بأكثر من صورة العلم بالأهميّة أو المساواة، و أمّا صورة الاشتغال بواجب مردد أمره بين كونه مساويا، أو أقل أهميّة فليس موجبا لرفع اليد عن إطلاق الخطاب الآخر لحال الاشتغال بالمساوي، أو الأقل أهميّة، بعد أن كانت الخطابات مجعولة على نهج القضايا الحقيقية بلحاظ حالات حصول العلم بالأهميّة، أو احتمالها لدى المكلّف، إذ يكفي أن يكون الغرض من ورائه صرف المكلف عمّا يحتمل كونه أقل أهميّة إلى ما يحتمل كونه أهم احتياطا.

و من الواضح أنّه لا يجوز رفع اليد عن الإطلاق إلّا بمقدار ما تمّ‏

70

القيد العام هو عدم الاشتغال بضد واجب معلوم المساواة، أو معلوم الأهميّة، أو محتملها.

و بذلك يكون الاشتغال بمحتمل الأهميّة رافعا أيضا لموضوع الخطاب الآخر، و واردا عليه.

و هذا البرهان بنفسه يأتي هنا في التقريب الرابع، و بهذا يكون هذا التقريب تعديلا للتقريب الأول.

* المورد الثالث: من موارد الترجيح بالأهميّة، هو: الترجيح بقوة احتمال الأهميّة:

و حاصله هو: أن يكون كل من الواجبين المتزاحمين، كالإزالة و الصلاة»، محتمل الأهميّة بالنسبة إلى الآخر، إلّا أنّ احتمال الأهمية في أحدهما، «كالإزالة»، أكبر منه في الآخر «كالصلاة»، ففي مثل ذلك يقدّم ما كان احتمال الأهميّة فيه أقوى على الآخر، فتقدم «الإزالة» على «الصلاة» بنفس النكتة التي ذكرت في المورد الثاني، و في التقريب الرابع في ترجيح محتمل الأهميّة.

و مجمل ذلك هو: إنّ كل خطاب، مقيّد لبّا بعدم الاشتغال بما يعلم كونه مساويا على الأقل أو أهم.

و أمّا ما يحتمل كونه أقل، فلا يؤخذ عدمه في موضوع الخطاب، و يكون الخطاب مطلقا بالنسبة إليه، و لحال الاشتغال به و لا مانع من هذا الإطلاق. و حينئذ يكون غرض المولى منه صرف المكلّف عمّا يحتمل كونه أقل أهميّة إلى ما يحتمل كونه أكثر أهميّة، و لا يكون في هذا نقضا لغرض المولى بوجه من الوجوه، كما عرفت تفصيل هذا البرهان أكثر من مرة.

ثم إنّ ما يحتمل كونه أقلّ أهميّة على ثلاثة أقسام:

1- القسم الأول هو: كون احتمال أحد الطرفين أقلّ أهميّة دون الآخر، و هذا هو المورد الثاني المتقدم.

71

2- القسم الثاني هو: كون احتمال الأهميّة أقل في كلا الطرفين، إلّا أنّ احتمالها في أحدهما أكبر، و هو محل كلامنا.

3- القسم الثالث هو: كون احتمال الأهميّة أقل، متساويا تماما في الطرفين.

أمّا القسم الأول فقد تقدّم الكلام فيه.

و أما القسم الثاني، ففي مثله يقدم ما كان احتمال الأهميّة فيه أكبر على ما كان احتمال الأهميّة فيه أقل، بنفس البرهان الذي تقدم ذكره في المورد الثاني، إذ إنّ عدم الاشتغال بالأهم قد أخذ في موضوع المهم بدليل ذاك القيد اللبي باعتبار ان الأهم «الإزالة»، يعلم كونه مساويا على الأقل، فيكون خطاب «أزل». مطلقا حتى لحال الاشتغال بالمهم، «الصلاة» و لا مانع من هذا الإطلاق، و فيه يكون مقصود المولى منه صرف المكلف من المهم- «الصلاة»- إلى الأهم، «الإزالة»، و عليه، فيحصل التّرتّب من أحد الجانبين، و حينئذ يقدّم الخطاب المطلق على الخطاب المقيّد بالورود.

و أما القسم الثالث: و هو كون احتمال الأهميّة أقل في كل منهما متساو ففي مثل ذلك لا بدّ من تقييد كل منهما بعدم الاشتغال بالآخر، و لا يمكن الإطلاق في أيّ واحد منهما لحال الاشتغال بالآخر، لأنّنا نقول: إنه ما ذا يراد بالإطلاق؟ فإن كان المراد به الجمع بينهما، فهو مستحيل، لما عرفت سابقا، و إن كان المراد به صرفنا من أحدهما إلى الآخر، فقد عرفت تساويهما في احتمال كون كل منهما أقلّ أهميّة، و قد عرفت تفصيل ذلك سابقا.

فإلى هنا تبرهن تقديم معلوم الأهميّة، و تقديم محتمل الأهميّة، و تقديم ما كان احتمال الأهميّة فيه أزيد و أكبر.

هذا تمام الكلام في كبرى الترجيح بالأهميّة، و ينبغي التّنبيه على أمور:

72

* الأمر الأول هو: إنّ الإزالة التي قدّمناها على الصلاة في الموارد الثلاثة:

أو فقل: إنّ تقديم الأهم على المهم في الموارد الثلاثة، إمّا أن لا يقوم برهان و دليل خاص على كون القدرة في الأهم شرعيّة، فحينئذ يتم ما ذكر من التمسك بإطلاق الأهم لحال الاشتغال بالمهم و الواجب الآخر، لأنّ عدم الاشتغال بواجب آخر، لا يكون دخيلا في تماميّة ملاكه.

و إمّا أن يقوم برهان خاص على كون القدرة في الأهم شرعية، و حينئذ، فإمّا أن يقوم برهان على كون القدرة في المهم شرعية، أو لا يقوم.

فإن قام برهان على كون القدرة في الأهم شرعية، بمعنى عدم الاشتغال بأيّ واجب آخر و لم يقم برهان على كون القدرة في المهم شرعية، ففي مثل ذلك لا أثر للأهميّة حينئذ، بل يقدّم المهم، «الصلاة»، و يكون واردا على الأهم، إعمالا للمرجّح الأول، و هو ترجيح ما هو مشروط بالقدرة العقلية على ما هو مشروط بالقدرة الشرعية، ببرهان أنّ كل خطاب يكون مقيدا بعدم الاشتغال بضد واجب واجد لنكتتين: إحداهما: أن يكون ذلك الضد مساويا على الأقل، و الثانية: أن يكون ملاكه فعليا حتى حال الاشتغال بذلك الواجب.

و الأهم هنا، و إن كان واجدا للنكتة الأولى، كما هو المفروض، إلّا أنّه غير واجد للنكتة الثانية، حيث أنّ القدرة فيه شرعية، و معه يكون الاشتغال بالمهم رافعا لموضوع الأهم، و واردا عليه. و عليه فيكون خطاب الأهم مقيّدا بعدم الاشتغال بالمهم، و أمّا خطاب المهم فيكون مطلقا حيث أنّه لا موجب لتقييده بعدم الاشتغال بالأهم، بعد أن فرض أنّ ملاك الأهم يرتفع بالاشتغال بالمهم، و على هذا الأساس يقدّم المهم بالورود، و لا أثر للأهميّة في المقام.

و الخلاصة هي: إنّه إذا قام الدليل على كون القدرة في «الإزالة»

73

«الأهم» شرعية، و لم يقم دليل على كونها في الصلاة المهم شرعية، حينئذ تقدّم الصلاة بملاك تقديم المقيّد بالقدرة العقلية، على المقيّد بالقدرة الشرعية.

و بهذا يظهر أنّ الترجيح لما هو مقيّد بالقدرة العقليّة، يتقدم على الترجيح بالأهمية، إذا كانا في طرفين متقابلين.

و أمّا إذا قام الدليل على كون القدرة في كلا الدليلين، «الأهم و المهم»، شرعيّة، فكان الملاك في كليهما مشروطا بعدم الاشتغال بواجب آخر، ففي مثل ذلك، هل يتم الترجيح بالأهميّة بحيث يرجّح الأهم، «الإزالة»، على المهم، «الصلاة»، أو إنّه ليس للأهمية أي أثر فلا يرجح أيّ واحد من الطرفين على الآخر؟.

و قد ذهب المحقق النائيني (قده) (1) في المقام إلى أنّه لا أثر للأهميّة، فلا يرجح بها المشروطين بالقدرة الشرعية، أحدهما على الآخر، إذ الأهميّة إنما توجب التقديم، فيما لو كان كل من الملاكين فعليا. و المفروض أنّ القدرة في كل منهما شرعيّة، فكل واحد منهما مقيّد بعدم الاشتغال بالآخر.

كما أنّه لا ملاك فعلا بالمجموع من حيث المجموع، لأنّ تحصيل مثل هذا الملاك غير مقدور و الملاك فرع القدرة.

نعم يوجد ملاك فعلي في أحدهما لا بعينه، فيحتمل أن يكون بالإزالة، و يحتمل أن يكون بالصلاة، و في مثل ذلك لا وجه للترجيح كما هو الحال في موارد التعارض. فلو أنّ الدليل في باب التعارض، دلّ على ثبوت ملاك وجوبي شديد، و دلّ دليل آخر على ثبوت ملاك وجوبي آخر ضعيف، أو ملاك استحبابي مثله، و علمنا إجمالا بكذب أحد الدليلين، فإنّه حينئذ لا يقدّم دليل الوجوب على دليل الاستحباب، و كذلك يفعل في المقام، فإنّه لا يقدّم احتمال الملاك الأقوى، على احتمال الملاك الأضعف.

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي: ج 1 ص 280.

74

و بتعبير آخر يقال: إنّ عدم الترجيح بالأهميّة في المشروطين بالقدرة الشرعيّة، لأنّ الأهميّة إنما توجب تقديم الأهم فيما إذا كان كل من الملاكين تاما و فعليّا. و أمّا في المقام حيث كلا الطرفين الأهم و المهم مشروط بالقدرة الشرعيّة، إذن فكل من الملاكين موقوف على القدرة على تحصيله. و عليه، فلا محالة يكون أحد الملاكين غير ثابت في نفسه، لاستحالة ثبوت كلا الملاكين مع عدم ثبوت القدرتين و حينئذ لا يعلم أنّ ما لم يثبت من الملاك، هل هو الأهم على تقدير وجوده، أو إنّ الأهم غيره. و حينئذ لا يكون الدوران بين تفويت الملاك الأضعف و تفويت الملاك الأقوى لكي يتعين بحكم العقل تفويت الملاك الأضعف و إنما الدوران هنا في أصل ثبوت الملاك، و أنّه واقعا هل هو الأضعف أو الأقوى، و حينئذ يقال: إنّه لا موجب لترجيح احتمال كونه الأقوى، على احتمال كونه الأضعف، كما هو الحال في موارد التعارض.

نعم لو كان كل من الملاكين فعليّا، و دار الأمر بين استيفائهما، قدّم الأهم منهما، إلّا أنّ المفروض أنّ مقامنا ليس من هذا القبيل، كما عرفت.

و قد اعترض السيد الخوئي (قده) (1) على هذا التقريب، حيث اعترف بأنّ باب التعارض هو كما أفاده المحقق النائيني (قده)، حيث أنّ ملاك الوجوب الشديد فيه، لم يثبت لابتلاء دليله بالمعارض، و حيث أنّه لا علم لنا به من غير ناحية دليله الساقط بالمعارضة، إذن فلا يتعيّن العمل على طبقه.

إلّا أنّ السيد (قده) اختار في باب التزاحم، الترجيح بالأهميّة، حتى في مثل المشروطين بالقدرة الشرعيّة، و أنّ الإزالة، «الأهم»، تقدّم على الصلاة «المهم».

و قد برهن على ذلك، بأنّ ملاك الأهم، «الإزالة»، معلوم الفعليّة

____________

(1) أجود التقريرات الخوئي: ج 1 ص 286.

75

في المقام، لأنّ ملاكه مشروط بالقدرة، و القدرة معناها، عدم وجود المانع عقلا و شرعا، و مثل هذه القدرة محرزة بدليل وجوب الأهم بلا معارض.

أمّا عدم المانع عقلا: فلوضوح أنّه قادر على الاشتغال بالإزالة، الأهم.

و أمّا عدم المانع شرعا: فلأنّ المانع الشرعي الذي يمنع عن الإزالة- الأهم- هو جعل أمر مطلق بالصلاة حتى لحال الاشتغال بالإزالة- الأهم- بحيث يصرفنا المولى من الإزالة- الأهم- إلى الصلاة- المهم- إلّا أنّ هذا الأمر المطلق بالصلاة، غير مجعول في المقام، لأنّ المفروض أنّ القدرة المأخوذة في الصلاة المهم شرعية، و معه لا أمر مطلق بها، بل الأمر فيها مقيّد بعدم الاشتغال بواجب آخر، و بهذا يثبت أنّه لا مانع عقلا و لا شرعا عن الإزالة- الأهم- فيثبت أنّها مقدورة، و إذا ثبتت القدرة فيها، يثبت أنّ ملاكها فعلي، فتقدم حينئذ.

و إن شئت قلت: إنّ السيد الخوئي (قده)، و إن وافق المحقق النائيني (قده) على عدم الترجيح بالأهمية كما في (باب التعارض) لما عرفت إلّا أنّه خالفه في (باب التزاحم) حتى في المشروطين بالقدرة الشرعية، و ذلك للعلم بفعليّة الملاك الأهم- الإزالة- في المقام، لأنّ ملاكه مشروط بالقدرة التي معناها عدم وجود المانع، عقلا و شرعا، و مثل هذه القدرة ثابتة بنفس دليل وجوب الأهم بلا معارض. و أمّا نفس تقدير القدرة عقلا و شرعا فهو محرز وجدانا، إذ لا مانع عقلي و لا شرعي من الإتيان بالأهم، أمّا عدم المانع العقلي فواضح، إذ إنّه قادر على الاشتغال بالأهم، و أمّا عدم المانع الشرعي، فلأنّ ما يتصوّر كونه مانعا شرعيا، إنما هو الأمر التعييني بالمهم، بحيث يمنع عن صرف القدرة الواحدة في الأهم، بينما هذا الأمر التعييني بالمهم، غير محتمل، لوضوح كون القدرة المأخوذة فيه شرعيّة، و معها لا أمر مطلق، بل الأمر فيه مقيّد بعدم الاشتغال بواجب آخر.

76

و بعبارة أخرى: إنّ الأمر دائر هنا بين التخيير، و بين تعيين الأهم، بينما تعيين غيره غير محتمل.

و بذلك يتضح أنّ القدرة على الأهم تامة عقلا و شرعا، و بذلك يتم ملاك الأهم و خطابه، و بذلك يكون هذا الأهم معجّزا مولويا عن الوجوب الآخر و رافعا لملاكه‏ (1).

و لكن هذا الكلام للسيد الخوئي (قده) غير تام، و إنما يتم الترجيح بالأهميّة فيما لو كانت القدرة الشرعيّة المأخوذة قيدا للملاك في الواجبين معا، هي على غرار المقيّد اللبّي العام المأخوذ في كل خطاب، و الذي كان مفاده عدم الاشتغال بالأهم، أو المساوي، كما عرفت سابقا، إلّا أنّ هذا خلاف المقصود في المقام، و إنما المقصود هو دخل القدرة في الملاك، بلحاظ الاشتغال بأيّ واجب آخر سواء أ كان أهم منه ملاكا، أو أقل أهميّة.

و حينئذ نسأل عن مقصود السيد الخوئي (قده) من عدم المانع الشرعي عن الأمر بالأهم «الإزالة»، هل يراد بعدم المانع هذا، إحراز عدم المانع، أو إنّه يراد به مجرّد عدم إحراز المانع؟.

فإن أريد الأول، و هو إحراز عدم المانع الذي معناه إحراز عدم وجود أمر مطلق بالمهم- «الصلاة»- فحينئذ نسأل عن دليل هذا الإحراز؟ و دليله لا يخلو من أحد أمرين و كلاهما غير تام:

أمّا الأمر الأول فحاصله: أنّ المولى إمّا أن يأخذ الأهميّة بعين الاعتبار، فينبغي حينئذ أن يأمر بالأهم «الإزالة»، على الإطلاق.

و إمّا أن لا يأخذ الأهميّة بعين الاعتبار، فحينئذ ينبغي أن يأمر بأحد الطرفين تخييرا لأنّ كل واحد من الخطابين حينئذ يكون مشروطا بحسب الفرض، ملاكا و خطابا، بعدم الاشتغال بواجب آخر فيكون الاشتغال بكل منهما رافعا للوجوب الآخر ملاكا و خطابا، فيكون من التوارد من الطرفين،

____________

(1) هامش أجود التقريرات- السيد الخوئي: ج 1 ص 276.

77

و هو معنى التخيير في باب التزاحم، و بهذا يكون ما أفاده الميرزا (قده) هو الصحيح. أمّا أن يأمر بالمهم «الصلاة» مطلقا حال كونها غير الأهم، فهذا غير معقول، و بهذا يحرز عدم وجود أمر ب «الصلاة» مطلقا.

و فيه، إنّ هذا الدليل الثبوتي غير صحيح، و ذلك لأنّ هذا الدليل افترض أنّ هناك احتمالين معقولين فقط: أحدهما: أن يأمر بالأهم على الإطلاق. و الثاني: أن يأمر بأحد الطرفين تخييرا.

بينما هناك احتمال ثالث: و هو احتمال أن يأمر بالمهم «الصلاة» مطلقا و هو احتمال معقول لأن فرض عدم معقولية ان يأمر بالمهم، الصلاة مطلقا هو فرض غير معقول، و ذلك لأنّه لا يتصور مانع عن الأمر بالمهم «الصلاة» مطلقا إلّا ملاك الأهم «الإزالة» و هذا لا يعقل كونه مانعا عن الأمر بالمهم للزوم الدور.

و بيان ذلك. هو: إنّ فعليّة ملاك الأهم و تماميّته، متوقفة على عدم وجود أمر مطلق بالمهم، كما عرفت. و حينئذ فلا يعقل أن يكون ملاك الأهم مانعا عن مثل هذا الأمر بالمهم، للزوم الدور كما هو واضح. إذن فهذا الدليل على إحراز عدم المانع الشرعي عن الأمر بالأهم غير صحيح.

و أمّا الأمر الثاني للدلالة على إحراز عدم المانع عن الأمر بالأهم: فهو دليل إثباتي و حاصله هو أن يقال: بأنّ نفس الدليل الذي دلّ على أنّ القدرة المأخوذة في المهم شرعية، هو بنفسه يقتضي عدم وجود أمر مطلق بالمهم «الصلاة» بل الأمر بها يكون مقيدا بعدم الاشتغال بواجب آخر.

و فيه: إنّ هذا الدليل يوجد سنخ له في الأهم «الإزالة»، فيقال فيه نفس ما قيل في دليل المهم «الصلاة»، فلا يمكن إثبات وجود أمر مطلق بالأهم «الإزالة»، و ذلك بمقتضى نفس الدليل الدال على كون القدرة شرعية.

78

و هذا البيان يكون دليلا على عدم الترجيح بالأهميّة في المقام، لعدم وجود أمر مطلق بأيّ طرف من الطرفين، إذ إنّ كلا منهما مقيد بعدم الآخر، فيكون التوارد من الجانبين، و معه لا ترجيح.

إذن فعدم الترجيح لأجل ذلك، لا لأجل ما ذكره الميرزا (قده) من أنّه يوجد ملاك فعلي في أحد الطرفين، لا بعينه، إذ قد عرفت إنّه يوجد ملاكان فعليّان، إلّا أنّ كلا منهما مشروط بعدم الآخر، و لأجل ذلك، لا ترجيح لأحدهما على الآخر، و إنّما هو التخيير.

هذا أحد الأمرين اللّذين ينبغي التنبيه عليهما.

الأمر الثاني: الذي ينبغي التنبيه عليه، هو: في تشخيص الصغرى لهذا المرجّح الكبروي، و هو الترجيح بالأهميّة و توضيحه، هو: إنّه تبيّن من كبرى هذا المرجح، أنّ المرجح في المقام، و هو الأهميّة ينحلّ إلى جزءين:

الجزء الأول هو: كون الملاك، على تقدير وجوده، فهو أهم، إذن فهي أهميّة تقديريّة تأخذ شكل القضيّة الشرطيّة.

الجزء الثاني هو: إحراز فعليّة الملاك، بمعنى أنّه ليس مشروطا بالقدرة الشرعية بالمعنى المتقدم السابق، و هو أن يكون الملاك منوطا بعدم الاشتغال بواجب آخر أهم أو مساو، فإذا تمّ هذان الأمران فلا بأس بالعمل بهذا المرجح.

و قد عرفنا أنّ الأمر الثاني لا نحتاج في إثباته إلى أكثر من إطلاق الخطاب، إذ إنّ إطلاق الخطاب في كلا الواجبين يكفي لنفي كون كل منهما منوطا بعدم الاشتغال بواجب آخر، و هذا القيد الزائد لا برهان عليه.

و أمّا الجزء الأول، و هو إثبات أهميّة ملاك أحد الخطابين المتزاحمين على الآخر، فلإثباته يوجد عدة طرق نستعرض أهمّها:

79

1- الطريق الأول لإثبات الأهمية هو: دعوى التمسك بنفس إطلاق الخطاب لصورة الاشتغال بالواجب الآخر.

و توضيحه: هو إنّ مقتضى خطاب «أزل»، معناه: حتى لو كنت مشغولا بالصلاة، و هو لا يناسب إلّا مع فرض أهميّة الإزالة، كما أن مقتضى خطاب «صلّ» كذلك لا يناسب إلّا مع فرض أهميّة الصلاة، بمعنى أنّه حتى لو كنت مشغولا بالإزالة، فنتمسك بإطلاق خطاب «صلّ» لإثبات كون الصلاة أهم من «الإزالة».

و هذا الطريق يمكن الاستعانة به، فيما إذا كان دليل أحد الخطابين لفظيا مطلقا، و دليل الآخر لبيّا لا إطلاق فيه.

و كيفما كان، فإنّ هذا الكلام لا يمكن قبوله نقضا و حلا:

أمّا نقضا: فلأنّه لو كان يمكن إثبات الأهميّة بالتمسك بالإطلاق، لوقع التعارض بين إطلاق أدلّة الواجبات المتزاحمة، و هو خلف كون أحدها أهمّ، و بالتالي لدخل التزاحم في باب التعارض.

و أمّا حلا: فإنّ التمسك بالإطلاق لإثبات الأهميّة يلزم منه التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، كما تقدم في تقرير أصل هذه المسألة، من أنّ كل خطاب مقيد لبّا بعدم الاشتغال بضد واجب مساو أو أهم، و هو غير صحيح.

فإبطال إثبات الأهميّة بالإطلاق، إمّا أن يبطل بهذا التقريب، و هو أنّه ينتهي إلى التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، أو بتقريب آخر، و هو أنّ الإطلاق فرع كون المولى في مقام البيان لهذه النكتة، و نحن نجزم أنّ المولى ليس في مقام البيان، من ناحية المزاحمات، لأنّ المولى العرفي لا يكون غالبا في مقام تخصيص إطلاق خطابه، لإثبات هذه النكتة و العناية، و حينئذ لا يصح استكشاف هذه الناحية من إطلاق خطاب المولى، فالتمسك بالإطلاق إذن غير صحيح.

80

2- الطريق الثاني: لإثبات أهميّة ملاك أحد الخطابين المتزاحمين هو:

أن يقوم دليل خاص لإثبات أنّ الفعل الفلاني أهم من ذاك الفعل، من قبيل ما ورد في صلاة الجماعة مقابل صلاة الفرادى في آخر الوقت، إذ قد ورد أنّ الجماعة مستحب أهم من ذاك. أو غيرها من الأدلة التي تشعر باهتمام المولى بتكليف معيّن آخر، بحيث يستفاد منه تقدمه على غيره من التكاليف لأهميّته.

و الخلاصة هي: إنّه لو ورد دليل خاص على الأهم، فلا إشكال في تقديمه على غيره.

3- الطريق الثالث لإثبات الأهمية هو: أن يرد بيان يصوّر التشديد في عقوبة من ترك أحد واجبين، بنحو لم يرد مثله فيما لو خالف، أو ترك غيره من الواجبات الأخرى.

مثل هذا التشديد و الوعيد بالعقوبة الشديدة على مخالفة أحد الواجبين أو ترك بعض الواجبات، دون غيره، يوجب العلم بأهميّة التكليف المتروك، كما عبّر عن ترك الحج بالكفر، كما في القرآن الكريم‏ (1)، أو كما عبّر عنه في السنّة، بأنه يموت يهوديا، أو نصرانيا (2).

بينما مثل هذه التعبيرات و الألسنة، غير موجودة بالنسبة الى غير الحج، فمثل هذه التعبيرات و ألسنة توجب العلم بأهميّة خطاب الحج، و لا أقل من كونها صالحة لاستظهار مزيد عناية و اهتمام المولى به، ممّا يوجب احتمال كونه أهم من غيره من الواجبات، و مثل هذا طريق فقهي صحيح.

4- الطريق الرابع لإثبات الأهميّة هو: أن يرد دليل خطاب ثانوي يتكفّل الوجوب بلحاظ ثانوي، بلحاظ الحالات و الطوارئ، من قبيل‏

____________

(1) القرآن المجيد- آل عمران آية 96.

(2) الوسائل- مجلد 8 باب 7 ص 20

81

خطابات الصلاة التي مفادها: أنّ الصلاة لا تسقط بحال. فإنّ مثل هذه الألسنة ناظرة الى الطوارئ و الأحوال.

و مثل هذا الإطلاق في هذه الألسنة لا بأس باستفادة الأهميّة منه مهما زاحمته واجبات أخرى.

غايته أنّه لا يثبت به إلّا جامع الصلاة الأعم من الصلاة الاختيارية، و الجلوسيّة، و الخوف، و غيرها من الصلوات الاضطرارية، فإنّها أهم من غيرها ممّا لم يرد فيه مثل ما ورد فيها، و معنى كونها أهم، هو أنّه لا يرفع اليد عنها بحال ما و ذلك لاستظهار اهتمام المولى، بملاكاتها فيستظهر منه كونها أهم قطعا، و لا أقل من كونها أهم احتمالا، و بالتالي فهو يرجع إلى استظهار الفقيه.

5- الطريق الخامس لإثبات الأهمية هو: أن يكون أحد الواجبين المتزاحمين، ذا نكتة إلزامية مركوزة في الذهن العرفي، بحيث أنّها تنسبق إلى الذهن من نفس الخطاب، و تطبعه بطابعها، ممّا يوجب انعقاد ظهور عرفي إلزامي للخطاب في هذه النكتة، فتكون نكتة الحكم مدلولا التزاميا للخطاب، تحدّد ملاكه و تشخّص فيه الأهم من الواجبين، فيقدّم ذو النكتة على فاقدها كما ورد في خطاب وجوب حفظ النفس المحترمة، و في خطاب حرمة الغصب، فيما إذا وقع بينهما التزاحم، فإنّه حينئذ لا إشكال في تقديم خطاب حفظ النفس المحترمة باعتبار أنه أهم ملاكا، و لو أدّى ذلك إلى التصرف، و إتلاف شي‏ء من مال الغير دون إذنه إذ لا إشكال عرفا و عقلائيا في ان ملاك حفظ مال الغير، و عدم التصرف فيه من دون إذنه، هو من شئون احترام الغير و تبعاته، و لكن رغم هذا، فإنه لا يعقل أن يكون مزاحما مع حفظ أصل وجود الغير.

و الخلاصة هي: إنّ هذا الارتكاز العرفي لدليلي الحكمين المتزاحمين، يطبع دليل وجوب حفظ النفس المحترمة بظهور عرفي في أهميّة ملاكه، و من ثمّ انحفاظ إطلاقه لحال الاشتغال بغصب مال الغير، ممّا

82

يقتضي الورود و ترجيح خطاب وجوب حفظ النفس المحترمة على خطاب حرمة الغصب، و التصرف بمال الغير.

6- الطريق السادس لإثبات الأهميّة هو: كثرة التصدّي المستتبع لكثرة التنصيص على الحكم من قبل الشارع، فإنّ مثل هذا يدل إمّا على أهميّة ملاك الحكم لاهتمام الشارع بملاكه، إلّا إذا كان هناك نكتة أخرى تصلح أن تكون منشأ لهذا الاهتمام و كثرة النصوص حول هذا الحكم.

و توضيح ذلك، هو: إنّ منشأ كثرة النصوص على حكم، لا تخلو من حالات، فهي إمّا أن يكون منشؤها أهميّة ذلك الحكم، و إمّا لكونه محلا للإبتلاء بدرجة كبيرة، و إمّا لكونه بيانا لا محذور فيه، لكونه متفقا مع رأي العامة، و إمّا لكونه ممّا يغفل عنه عادة، و إمّا لكونه موردا لسؤال الرواة غالبا.

و حينئذ، فإن قطعنا بعدم كون واحد من هذه الاحتمالات منشأ لتراكم النص على الحكم سوى الأهميّة، حينئذ، تكون الأهميّة ذاتها، برهانا إنّيا على كونها هي المنشأ، و ثبت الترجيح بها.

و أمّا إذا وجد احتمال آخر منشأ لكثرة التنصيص على الحكم في مقابل احتمال الأهميّة، فإنّ هذا الاحتمال الثاني يقوى بمقدار ما يتعدد احتمال المناشئ الأخرى، و في قبال ذلك يضعف احتمال كون الأهميّة أنّها هي المنشأ، و هكذا كلما تكثرت البدائل المحتملة للأهميّة، كان احتمال نشوء كثرة التنصيص على الحكم من أحدها أكبر.

و كذلك يقوى الاحتمال الثاني بمقدار ما نحرز له من صغريات، عند الشك في كونه سببا لكثرة التنصيص على الحكم، كما لو أحرز كون الحكم أكثر وقوعا و محلا للإبتلاء بسبب كثرة النصوص عليه، فإنّ هذا يوجب أقوائية احتمال كون المنشأ هو وقوع هذا الحكم في محل الابتلاء، أكثر ممّا يوجبه كونه أهم فقط مما ليس واقعا في محل الابتلاء.

83

و بذلك يتضح أنّه كلّما قوي احتمال نشوء كثرة النصوص على الحكم من الحالات الأخرى المحتمل سببيتها بدلا عن سببية الأهميّة، ضعف احتمال كون الأهميّة سببا لكثرة النصوص على الحكم، و هكذا نجري هذا الحساب فيما بين هذه الحالات طردا و عكسا، فإذا لم نحرز شيئا من خلال قانون الاحتمال فيما بين هذه الحالات، تعيّن حينئذ احتمال كون الأهميّة هي المنشأ لكثرة النصوص دون سواها.

و نكتة ذلك هي: إنّ مجموع هذه الحالات و الاحتمالات أطراف لعلم إجمالي لا يخلو الواقع من واحدة منها، و إن كان رقم اليقين يتوزع عليها بالتساوي حيث يزوّدها بقيم احتمالية متساوية في الابتداء، و لكن واحدة من هذه القيم الاحتماليّة تنمو و تكبر و تشتد بسبب تراكم المناسبات و القرائن، فتصب في صالح منشئيّة الأهميّة لكثرة النصوص، بينما تبقى سائر القيم الاحتماليّة الأخرى، واقفة على حجمها الأول، و حياديّة بالنسبة إلى احتمال منشئيّة هذا أو ذاك و بهذا تتميّز هذه القيم الاحتمالية بعضها عن الآخر.

نعم إذا فرض احتمال قويّ لوجود مانع عن كثرة النصوص حول الحكم الآخر، حينئذ لا تحدي كثرة النصوص حول الحكم الأول في تقوية احتمال كون الأهمية، الأهميّة هي المنشأ لكثرة التنصيص عليه.

و أمّا إذا لم يحرز وجود مانع من هذا القبيل فإنّ حساب الاحتمالات يجري أيضا بالبيان السابق سواء شك في أصل وجود المانع عن كثرة التنصيص، أو أنّ المانع موجود، و لكن يحتمل مانعيّته، أو كان يحتمل وجود المانع عن ذلك.

و هكذا كلما ضعف احتمال عدم المانع عن كثرة التنصيص على الحكم الآخر، قوي احتمال كون الأهميّة هي منشأ كثرة التنصيص حول الحكم الأول، فإذا انعدم احتمال المانع عن الحكم الثاني، كان احتمال منشأ الأهميّة في الحكم الأول أوضح.

و هكذا كلّما ازدادت حياديّة الاحتمالات الأخرى تجاه كون الأهميّة

84

هي المنشأ، اتضح أكثر، و قوي، احتمال كون الأهميّة هي المنشأ في كثرة التنصيص، لا سيّما مع إضافة احتمال وجود المانع عن إبراز الحكم الآخر.

و الخلاصة هي: إنّ المقياس في ذلك هو ازدياد قيمة الاحتمال، زيادة عرفيّة في طرف، حيث لا تكون قيمة الاحتمال في الطرف الآخر مثلها، فضلا عن ضعفها، أو انعدامها.

و كلّ حساب الاحتمال هذا فيما إذا واجهنا نصوصا صادرة عن المعصوم «(عليه السلام)» واقعا، فوجدنا أنها في أحد الحكمين أكثر من الآخر.

و أمّا إذا كنّا نواجه الروايات التي تنقل إلينا تلك النصوص، فوجدنا أنّ ما ينقل أحد الحكمين منها، أكثر ممّا ينقل الحكم الآخر، بمعنى أنّ كثرة النصوص في مرحلة الوصول، حينئذ لا بدّ من إجراء حساب الاحتمالات، مرة أخرى، في النقل و الرواية، لنفي احتمال كون قلّة الرواية في أحد الحكمين، ناشئة عن خصوصيّة فيها، من قبيل توافر الدواعي لنقل الآخر دون الأول، أو وجود موانع تقتضي عدم نقل الحكم الثاني، و ذلك بنفس البيان المزبور أيضا.

المرجح الرابع و الأخير من مرجحات باب التزاحم هو: ترجيح الأسبق زمانا.

فقد ذكروا بأنّ الواجبين المتزاحمين إذا كانا مترتّبين زمانا، و كان المكلّف لا يتمكن من الإتيان بالثاني على تقدير الإتيان بالأول، فيقدّم الأسبق زمانا على نحو لا يكون معذورا في تركه، فيرفع اليد عن المتأخر حفاظا على المتقدم، باعتبار فعليّة القدرة عليه في وقته و ظرفه.

و توضيحه هو: إنّ الواجبين المتزاحمين، تارة يكونا مشروطين بالقدرة العقليّة، و تارة أخرى يكونا مشروطين بالقدرة الشرعيّة، فهنا افتراضان:

85

1- الافتراض الأول هو: أن تكون القدرة في كل من المتزاحمين غير دخيلة في ملاك التكليف، و إنّما هي قيد عقلي في الخطاب.

و في مثل هذا، لا موجب للترجيح بالأسبقيّة الزمانيّة، لأنّ إهمال المتأخر زمانا- المفروض أنّ ملاكه محفوظ، حتى لو اشتغل بالسابق و عجز عن اللاحق- يؤدّي إلى دوران الأمر بين خسارتين، إذ إنّه إذا استوفى الأسبق زمانا، فقد خسر المتأخر رغم كون ملاكه فعليا، بحسب برهان القيد اللبّي الواحد لكلا الخطابين، حيث يقيّد كلا منهما لبّا بعدم الاشتغال بضد واجب فعلي الملاك، سواء أ كان هذا الضدّ مساويا أو أهم، مقارنا أو متقدما زمانا، فكما يكون الاشتغال بالأسبق زمانا رافعا لفعليّة الخطاب المتأخر، كذلك ترك المتقدم و الاشتغال بالمتأخر في وقته، يكون رافعا لفعليّة الخطاب المتقدم على حد سواء، و هو يعني خسارة المتقدم زمانا.

و هذا ينتج عدم ترجيح أحدهما على الآخر، و عليه، لا بدّ من إعمال المرجحات السابقة، فإن فرض أنّ أحدهما أهم قدّم، و إلّا يحكم بالتخيير، و لا موجب لإعمال الأسبقيّة في الزمان، إذ من الواضح أنّ التوارد في مثل هذا الفرض، يكون من الجانبين إن لم يكن أهم في البين، و نسبة القيد اللّبّي إلى كل منهما على حد سواء، كما عرفت، و معه لا معنى للترجيح بالأسبقيّة الزمانية في هذا الفرض.

2- الافتراض الثاني هو: أن تكون القدرة المأخوذة في الواجبين شرعية. بمعنى دخلها في فعلية الملاك حينئذ قد يتصور الترجيح بالأسبقية في صورتين:

الصورة الأولى هي: أن يقال: إنّ القدرة الشرعية فعليّة في حق الخطاب الأسبق، دون المتأخر، و حينئذ يكون الإتيان بالأسبق رافعا للقدرة على الواجب المتأخر في ظرفه.

86

و هذا بخلاف الإتيان بالمتأخر، فإنّه لا يرفع القدرة على الإتيان بالأسبق في الزمان المتقدم.

و هذا التقريب غير تام، لأنّ الواجب المتأخر لا يخلو اشتراط ملاكه بالقدرة الشرعية من افتراضين:

فإمّا أن يكون ملاكه مشروطا بالقدرة الشرعية على الواجب في ظرف امتثاله بالخصوص، و معنى هذا أنّ ما ذكر من ارتفاع فعليّة الخطاب المتأخر بسبب الاشتغال بالمتقدم، و إن كان هذا أمرا ثابتا، و لكن ليس هذا من جهة ترجيح أحد المتزاحمين على الآخر بما هما واجبان، و إنما كان هذا باعتبار أخذ قيد خاص في أحد الخطابين بنحو ترتفع فعليّة ملاك الآخر بالاشتغال بفعل متقدم و لو لم يكن واجبا. و هذا خارج عن محل الكلام.

و إمّا أن يكون معنى اشتراط ملاكه بالقدرة الشرعية، بمعنى أنّه مشروط بمطلق القدرة بحيث يكون هذا الملاك محفوظا حتى مع الاشتغال بالضد، كما هو الحال في موارد التزاحم، إذا كان هكذا فمعناه: إنّ هذه القدرة كما تكون فعليّة في جانب الواجب الأسبق زمانا، فهي أيضا فعليّة في جانب المتأخر زمانا، إذ يمكن للمكلّف أن يحفظ قدرته للواجب المتأخر، و ذلك بترك الواجب المتقدم، كما عرفت سابقا.

1- الصورة الثانية هي: فيما لو دل الدليل على أنّ القدرة الشرعية دخيلة في الملاك بمعنى عدم الاشتغال بضد واجب مقارن أو متقدم في الملاك دون الواجب المتأخر.

و في هذه الصورة المفروضة يكون الاشتغال بالواجب الأسبق زمانا، رافعا لإطلاق الخطاب المتأخر دون العكس، بمقتضى هذا التقييد. فيصح حينئذ تقديم الأسبق زمانا على المتأخر، لأنّ المكلّف إن استوفى الأسبق سوف يعجز عن المتأخر في ظرفه، دون العكس.

و هذا معقول، لأنّ دخالة الضد الواجب في الملاك بيد المولى، و هذا

87

بخلاف ما تقدم إذ قلنا هناك: إنه فيهما على حد سواء.

و لكن هذا مجرد افتراض في الدليل الشرعي، و إلّا فقد يمكن العكس، و ذلك لأنه يمكن ثبوتا أن يفترض تقييد الخطاب بعدم الاشتغال بواجب متأخر.

و لكن ظاهر إطلاق القيد يتناسب مع الافتراض المذكور في جملة من الموارد.

و كذلك يمكن إضافة صورة أخرى لتقديم الأسبق زمانا، و هي: فيما إذا كانت القدرة الشرعية بمعنى عدم المنافي المولوي الذي يحصل بنفس خطاب الأمر بالخلاف، فإنّه حينئذ سوف يكون الواجب المتقدم فعلي الملاك، و ذلك لعدم المنافي المولوي في زمانه، كما لو كان الواجب الآخر متأخرا وجوبا و امتثالا كما في الواجب المعلق إذ يكون امتثال المتقدم حينئذ رافعا لموضوع الخطاب المتأخر.

و لكن هذا أيضا غير تام، لأنّه مجرد افتراض أولا، و لأنّ الترجيح لم يكن بسبب الأسبقية الزمانية، و إنما كان باعتبار التقييد الزائد في الخطاب، و حينئذ يتّبع في ذلك لسان الدليل، فإن كان مقيّدا بعدم الأمر الفعلي بالخلاف، المقارن أو المتقدم دون المتأخر، ثمّ الترجيح، و أمّا إذا كان مقيدا بعدم تكليف مولوي آخر منجّز على المكلف من هذه الناحية، و لو لم يكن خطابه فعليا، و كنا نقول بوجوب حفظ المقدمات المفوتة، إذن فالمنافي المولوي يكون موجودا لا محالة، و يكون التوارد من الطرفين.

و هكذا يتبرهن أنّ هذا الترجيح بالأسبقية الزمانية لا يمكن تخريجه على أساس قوانين التزاحم، و إنّما لا بد فيه من دليل خاص يثبت به تقييد أحد المتزاحمين بعدم وجود مزاحم آخر أسبق منه زمانا، فيتقدم الأسبق حينئذ بالورود.

نعم يمكن دعوى ترجيح الأسبق زمانا، فيما لو كان يحتمل فوات الواجب المتأخر في ظرفه، بسبب الموت أو العجز عنه، فإنّه حينئذ يمكن أن‏

88

يقال بلزوم تقديم الأسبق زمانا، و ذلك تمسكا بإطلاق خطابه لإثبات فعليّته و تنجزه، لأنّ المقيّد اللّبّي الذي تقدم معنا، لا يقتضي التقييد بأكثر من الاشتغال بواجب مساو أو أهم عرضيا كان أو طوليا، و حينئذ هذا المقيّد لا ترفع اليد عنه إلّا بمقدار انحفاظ القدرة عليه في ظرفه، و ذلك كما يقال في الترجيح بالأهميّة الاحتمالية، إذ لا يكون الإطلاق في الخطاب الأسبق، لغوا حينئذ، و انّما هو من أجل الاحتياط و التحفظ على أحد الملاكين في كل حال.

هذا تمام الكلام في المرجحات في باب التزاحم، و قد اتّضح بهذا، رجوعها كلها الى باب الورود.

و عليه، فإن تمّ شي‏ء من هذه المرجحات في مورده، تعيّن تقديم ذي المرجّح بقانون الورود على فاقد المرجّح.

و إلّا كان المتعيّن- بناء على إمكان الترتب- هو العمل بالتخيير، لتساوي الواجبين المتزاحمين في مقام الامتثال.

- الجهة الثانية هي: إنّه ما هو التكليف؟

و بعبارة أخرى، يقال: إنّه بعد أن عرفنا مرجّحات باب التزاحم في الجهة الأولى نتكلم في الجهة الثانية- على فرض انعدام المرجحات- على حكم التزاحم، أو التكليف في هذه الحالة.

أو فقل: إنّنا نبحث في هذه الجهة، عن حكم التزاحم، أو التكليف، عند انعدام المرجح.

و ممّا لا إشكال فيه عندهم، عدم التساقط حين فقد المرجحات، كما في باب التعارض، باعتبار فعليّة كلا الملاكين، إذ ما دام الملاكان موجودين في الجملة، فلا داعي للتساقط. و إنما وقع الكلام بعد الفراغ، عن عدم إمكان التساقط و الحكم بالتخيير. وقع الكلام في أنّ هذا التخيير، هل هو عقليّ أو شرعيّ؟ و يقصدون بالتخيير الشرعي: وجود خطاب واحد متعلق‏

89

بالجامع بين الصلاة و الإزالة بدلا من خطابين مشروطين، و يقصدون بالتخيير العقلي وجود خطابين شرعيّين تعيينيّين، كل منهما مشروط بعدم امتثال الآخر و إنما يتخيّر بينهما في مقام الامتثال بحكم العقل.

و قد التزم المحقق النائيني (قده) (1) بأنّ التكليفين المشروطين بالقدرة العقلية يكون التخيير فيهما شرعيا و أن التكليفين المشروطين بالقدرة الشرعيّة يكون التخيير فيهما عقليا. بتقريب أنه و إن سقط إطلاق خطاب المشروط بالقدرة العقلية لحال الاشتغال بالآخر، إلّا أنّه لا وجه لسقوط أصل الخطاب، و حينئذ يثبت خطابان مشروطان يتخيّر بينهما عقلا.

و أمّا المشروط بالقدرة الشرعية، فالثابت فيه هو التخيير الشرعي الكاشف عنه العقل، إذ إنّ كلّا من الواجبين إذا كان واجدا لملاك إلزامي في ظرف القدرة عليه- كما هو المفروض- ففي فرض التزاحم يكون أحدهما لا بعينه ذا ملاك إلزامي لا محالة، إذن فلا بدّ للمولى من إيجابه، ضرورة أنّه لا يجوز للحكيم أن يرفع يده عن تكليفه بالواحد لا بعينه مع فرض وجدانه للملاك الإلزامي بمجرد عجز المكلف عن امتثال كلا الفعلين لا بعينه.

و تحقيق الكلام هو أن يقال: إنّ الواجبين المتساويين المتزاحمين، إذا كانت القدرة فيهما عقليّة، فمقتضى القاعدة هو التخيير.

و معنى ذلك: الالتزام بوجود خطابين شرعيين، و لا موجب لطرح الخطابين، و الالتزام بخطاب واحد، و قد بيّن في أول باب التزاحم، بأنّ كل خطاب مشروط بالقدرة لبّا، و حينئذ إذا افترضنا انّ كلا من الواجبين متساو مع الآخر دون مرجح، إذن فعدم كل واحد مأخوذ في موضوع الآخر، و بامتثاله يكون رافعا لموضوع الآخر و لا موجب لطرح الخطابين، و الالتزام بخطاب واحد، إذ يوجد دليلان، و كل منهما متكفل بخطاب، فنأخذ بالخطابين معا، دون أن نرفع اليد عن أحدهما.

____________

(1) أجود التقريرات الخوئي ج 1 ص 277- 279.

90

نعم لو قلنا بامتناع الترتب، لما أمكننا الالتزام بالخطابين، لأنّ الالتزام بهما نتيجة الترتّب، بل لوقع التعارض حينئذ، و خرج باب التزاحم عن كونه مستقلا، و دخل في باب التعارض، و حيث أنّنا نقول بإمكان الترتّب، فإنّنا نلتزم بوجود خطابين نتخيّر أحدهما ترتبيا و هو التخيير العقلي هذا في المشروطين بالقدرة العقلية.

و إن شئت قلت: إنّه تارة يكون البحث في عالم الإثبات، و ما يستفاد من دليلي الخطابين المتزاحمين، و أخرى يكون البحث في عالم الثبوت، و ما يترتب على كون التخيير عقليا أو شرعيا.

فالصحيح في عالم الإثبات هو: إنّ التخيير عقليّ في كل حال، سواء أ كان الخطاب مشروطا بالقدرة الشرعية أي: كان الاشتغال بالضد الواجب رافعا للملاك و الخطاب معا، أم كان مشروطا بالقدرة العقلية، و ذلك لأنّ ظاهر دليل كل من المتزاحمين هو الخطاب التعييني به، غاية الأمر أنّه قد فرض تقييده بالمقيد اللّبي عقلا، أو بأخذ القدرة فيه شرعا.

و من الواضح أنّ كل واحد منهما في فرض عدم الاشتغال بالآخر يكون مقدورا، فيكون إطلاقه لفرض عدم الاشتغال بالآخر ثابتا و مقتضيا، لكونه تعيينيا، ملاكا و خطابا. إذن فلا موجب لرفع اليد عنه، و افتراض وجود ملاك واحد بالجامع بينهما، كما ذكر المحقق الميرزا (قده).

و عليه، فلو أنّ المكلف ترك امتثال كلا الخطابين معا، فإنّه يكون بذلك مخالفا لتكليفين فعليين في حقه، و مفوتا لملاكين ثابتين للمولى. و أمّا إذا امتثل أحدهما، فيكون ممتثلا لتكليف، و رافعا لموضوع تكليف آخر كما عرفت.

نعم بناء على امتناع الترتّب يقع التعارض بين الخطابين الظاهرين في التعيينية، بلحاظ مورد التزاحم، و خرج باب التزاحم عن كونه مستقلا، و دخل في باب التعارض. فلو أنّه فرض العلم بثبوت التكليف إجمالا في مورد التزاحم، و عدم سقوطه رأسا، اندرج المقام في الشبهة الحكميّة التي‏

91

يحتمل فيها وجود تكليف بالجامع، أو بهذا تعيينا، أو بذاك تعيينا، و حينئذ يحكم فيها بما تقتضيه الأصول العمليّة.

و أمّا إذا اشترط كلا الواجبين المتزاحمين بالقدرة الشرعية. فهما على قسمين، لأنّنا قلنا:

إنّ القدرة الشرعية تارة تكون دخيلة في ملاك كل منهما، بمعنى توقف الملاك على عدم الاشتغال بضد واجب مساو، أو أهم، فيكون عدم الاشتغال مأخوذا في موضوع الخطاب.

و أخرى تكون بمعنى عدم وجود مانع من قبل المولى، أو أمر بالخلاف.

فهنا تارة نفرض أنّ الدليل دلّ على أنّ القدرة الشرعية المأخوذة في الواجبين المتزاحمين، دخيلة في ملاكهما بمعنى عدم الاشتغال بضد واجب مساو أو أهم، و أخرى نفرض أنّ الدليل دلّ على أنّ القدرة الشرعية المأخوذة فيهما هي بمعنى عدم وجود مانع، أو أمر بالخلاف.

أمّا القسم الأول: فمقتضى القاعدة هو التخيير العقلي، و إن ذهب الميرزا (قده) (1) إلى التخيير الشرعي، بتقريب أنّ القدرة هنا دخيلة في الملاك، و حيث لا قدرة على الجمع، إذن فلا ملاك في المجموع بما هو مجموع، و حيث أنّ القدرة قائمة بأحدهما، لا بعينه، إذن فالملاك كذلك، و الخطاب كذلك، و هو التخيير الشرعي. إلّا أنّ هذا الكلام لا يمكن المساعدة عليه، ذلك أنّه يوجد ملاكان مشروطان، كل منهما في ظرف تحقق شرطه تام، فخطاب الصلاة في ظرف عدم الإزالة، يكون ملاكه تاما، و هكذا خطاب الإزالة في ظرف عدم الصلاة ملاكه تام. إذن فكل منهما واجب على تقدير، لا على كل تقدير. إذن فالتخيير بينهما عقلي.

____________

(1) المصدر السابق.

92

و أمّا القسم الثاني و هو: ما إذا كان الواجبان مشروطين بالقدرة الشرعية بالمعنى الثاني، أي: بمعنى عدم وجود مانع من قبل المولى، أو عدم وجود أمر بالخلاف، فهنا إن فرض أنّ الدليل الذي شرط كل واحد بعدم المانع، أراد عدم المانع لو لا هذا الخطاب، و بالنسبة له، حينئذ يكون كل من الخطابين غير تام الموضوع بالنسبة الى الآخر، فلا موضوع هذا الخطاب تام، و لا موضوع ذاك الخطاب تام، إلّا إذا قام إجماع من الخارج على تماميّة أحدهما، فنحكم بالتخيير، و إلّا فلا.

و أما إذا فرض أنّ مفاد الدليل هو عدم المانع بالفعل، ففي المقام يكون كل من الخطابين فعليّته دوريّة، لأنّ فعليّة كل منهما فرع عدم فعليّة الآخر، و عدم فعليّة الآخر فرع فعليّة الآخر، و بهذا ينتج توقف الشي‏ء على نفسه إذن فلا يعقل مثل هذين الجعلين، فيدخلان في باب التعارض.

و إن شئت قلت: إنّ الصحيح في عالم الثبوت، فيما إذا فرضنا أنّ القدرة عقلية، بمعنى أنّها غير دخيلة في الملاك، أو إنّ الدخيل في الملاك هو القدرة الشرعية بالمعنى الأول.

و عليه، يكون ملاك التكليفين معا فعليا، إلّا أنّ المكلّف عاجز عن استيفائهما.

و حينئذ كما يمكن للمولى أن يجعل خطابين تعيينيّين لكل من الواجبين مشروطا بترك الآخر- كما في التخيير العقلى- فإنّه كذلك يمكنه أن يجعل خطابا واحدا بالجامع بينهما- كما في التخيير الشرعي، و لا يكون الفرق بينهما إلّا مجرد كيفيّة صياغة التشريع.

و ما قيل من تعدد العقاب على التارك لهما معا، فيما إذا كان التخيير عقليا، و وحدة العقاب فيما إذا كان التخيير شرعيا، غير تام على هذا التقدير، لأنّ كون التخيير عقليا، و إن كان يستلزم فعليّة الخطابين معا على التارك لهما، إلّا أنّه لا يستلزم تعدد العقاب عليه لما ذكرناه في أبحاث‏

93

الترتّب من تشخيص ما هو الميزان في تحقق العصيان، و صحة العقوبة.

حيث كانت النتيجة أنّه في موارد كون المأخوذ شرطا هو القدرة العقليّة سواء أ كان هناك خطاب واحد بالجامع، أو خطابين مشروطين، إذ إنّ أحد الملاكين في المقام فواته قهري على كل حال، و ليس بتفويت من المكلف.

و أما إذا كانت القدرة المأخوذة شرطا في الواجبين المتساويين المتزاحمين، قدرة شرعية، بمعنى أنّها دخيلة في الملاك، فإن كانت بمعنى وجود الملاك بمقدار وجود القدرة، بحيث أنّه كما لا يوجد إلّا قدرة واحدة على أحدهما، فكذلك لا يوجد ملاك إلّا في أحدهما، فأيضا لا يكون إلّا عقوبة واحدة سواء جعل الخطاب بنحو التخيير العقلي، أو الشرعي.

و إن كانت القدرة الشرعيّة بمعنى توقف الملاك على عدم الاشتغال بضد واجب آخر مساء، أو أهم، فهناك ملاكان فعليّان على تقدير تركهما معا، و هذا يعني أنّ المكلف كان يمكنه أن لا يفوّت على المولى شيئا من ملاكيه، فيما إذا أتى بأحدهما.

و بهذا يتعدّد العقاب لا محالة، و يكون التخيير عقليا.

و الخلاصة هي: إن المقياس في تعدّد العقوبة و وحدتها، ليس مربوطا بكون التخيير عقليا، أو شرعيا، و إنّما هو مربوط بدخل عدم الاشتغال بضد مزاحم في الملاك، هذا فيما إذا لم يكن الواجبين المتزاحمين مشروطين بالقدرة الشرعية، بمعنى عدم الأمر بالخلاف.

و أمّا فيما إذا اشترطا بالقدرة الشرعية؛ بمعنى عدم الأمر بالخلاف، فإن أريد به عدم المنافي اللّولائي، ففي فرض تساوي الخطابين، لا يمكن التمسك بإطلاق شي‏ء من الدليلين، و ذلك لعدم تحقق الشرط المذكور، إذن فلا يثبت شي‏ء من الحكمين، ما لم يضم العلم من الخارج بانحفاظ حكم في الجملة، كما لو كان هناك إجماع على ذلك، و حينئذ تكون شبهة حكمية يدور الأمر فيها بين التخيير و التعيين.

94

و إن أريد بالشرط «عدم المنافي» الفعلي، ففي هذه الحالة يحصل التعارض بين الدليلين، إذ جعل وجوبين من هذا القبيل أمر غير معقول لاستلزامه الدور كما عرفت، إذ تكون فعليّة كل من الخطابين فرع عدم فعليّة الآخر، و يكون كل منهما بجعله رافعا لموضوع الآخر، فيدخل في باب التعارض. هذا تمام الكلام في الجهة الثانية.

95

تنبيهات باب التزاحم‏

بعد أن تمّ الكلام في التزاحم في مرحلتين، يقع الكلام في عدة تنبيهات:

التنبيه الأول: هو إنّه في مورد التزاحم، إذا فرض وجود مرجح، وجب تقديم أحد المتزاحمين على الآخر بموجب قوانين الترجيح‏

التى تقدمت، حينئذ بعد الفراغ عن إمكان الترتّب في نفسه، نتكلّم في أنّه متى يمكن أن نلتزم بالترتّب، و متى لا يمكن، يعني متى يمكن أن نلتزم في الطرف الآخر المرجوح بنكتة الترتّب و متى لا يمكن؟.

و بعد أن عرفنا أنّ الترتب في نفسه معقول، نبحث هنا في أنّه متى ما فرضنا ترجيح أحد الخطابين على الآخر بمرجح من مرجحات التزاحم فهل يمكن أن نلتزم بالترتب أحيانا، أو إنّه أحيانا لا يمكن الالتزام بالترتّب لنكتة خاصة؟.

و قبل أن ندخل في التفصيلات لا بدّ من ذكر ضابط كلّي لهذا، و بعده نستعرض كلام الميرزا (قده): و الضابط هو إنّه متى ما وقع التزاحم، و ثبت بمرجح «ما» ترجيح أحد الخطابين على الآخر، و تقديمه، فإنّ الالتزام بالترتّب في الطرف الآخر، متعين دائما، و لكن بشرطين:

الشرط الأول هو: أن لا تكون القدرة المأخوذة في جانب الخطاب المرجوح، قدرة شرعيّة بأحد معنيي القدرة الشرعية.

96

و توضيحه، هو: إنّ القدرة الشرعيّة لها معنيان:

المعنى الأول هو: أن يكون الملاك موقوفا على عدم الاشتغال بالضد الواجب، و إلّا فمع الاشتغال به لا ملاك، و إنما يتم الملاك مع عدم الاشتغال، كما إذا قال المولى: «إذا لم يكن لديك شغل فتوضأ».

2- المعنى الثاني هو: أن يكون الملاك منوطا بعدم وجود أمر بالخلاف، بحيث أنّ مجرّد وجود أمر يرفع الخلاف، سواء اشتغل به المكلّف، أو لم يشتغل، و حينئذ هنا إذا فرض وقوع التزاحم، و فرض تقديم أحد الخطابين على الآخر، حينئذ فالمرجوح، إن كان مأخوذا فيه القدرة الشرعيّة بالمعنى الثاني، فمن الواضح أنّ هذا الخطاب لا يكون فعليا أصلا، سواء امتثلنا أولا، إذ إنّ الخطاب الراجح بنفس وجوده، يرفع ملاك الخطاب المرجوح، و مع عدم الملاك لا معنى للالتزام بالخطاب الترتّبي حينئذ.

و هذا بخلاف ما إذا لم يكن الخطاب المرجوح مشروطا بالقدرة الشرعية بالمعنى الثاني، أو لأنّه غير مشروط بالقدرة الشرعية أصلا، أو إنّه مشروط بالقدرة الشرعية، و لكن بالمعنى الأول، فإنّه حينئذ في فرض عدم امتثال و إعمال الترجيح، يكون المرجوح تاما لأنّ المقتضي للترجيح موجود و المانع مفقود. أمّا تمامية المقتضي فلتماميّة الملاك، و أمّا عدم المانع فلأنّ الأمر بالأهم ليس بمانع مع القول بالترتّب. و بهذا تبيّن أنّ أخذ القدرة الشرعية بالمعنى الثاني في ملاك الخطاب المرجوح، يوجب تعذر الترتب فيه، إذ لا ملاك فيه حتى مع العصيان.

إذن فالشرط الأول لجريان الترتّب في جانب المرجوح، هو أن لا يكون الشرط فيه هو القدرة الشرعية بالمعنى الثاني، و أمّا إذا كانت القدرة الشرعيّة فيه بالمعنى الأول، فلا بأس بجريان الترتب بلحاظه.

2- الشرط الثاني هو: أن يكون فرض عصيان الراجح ملائما مع فرض‏

97

امتثال المرجوح و عصيانه، و أمّا إذا كان فرض عصيان الراجح ملازما دائما مع امتثال المرجوح، فلا يعقل الترتّب حينئذ.

و توضيحه هو: إنّه إذا فرضنا التزاحم بين ضدّين لهما ثالث: فهنا إذا فرضنا أنّ الإزالة أهم من الصلاة، و قدمنا خطاب «أزل» على خطاب «صلّ»، فيقال: إنّ فرض عصيان خطاب «أزل» يناسب مع «صلّ» و مع «لا تصلّ»، إذ فرض عصيان خطاب «أزل» لا يستلزم وجود الصلاة، و لا لا وجودها.

و بعبارة أخرى يقال: إنّ فرض عصيان «أزل»، يناسب مع الصلاة و عدمها، إذ يمكن للمولى أن يعمل مولويته، فيقول: «لو عصيت «أزل»، فصلّ على الأقل»، و لكن إذا فرض أنّ الضدّين لا ثالث لهما، كالحركة و السكون، حينئذ إذا قدمنا أحد الخطابين على الآخر، فمن الواضح أنّ فرض عدم الإتيان بالراجح، ملازم لفرض وقوع الضدّ الآخر فلا ترتّب.

و بعبارة أخرى يقال: إنّ الشرط الثاني للالتزام بالترتّب في الطرف الآخر، هو أن لا يكون ترك أحد الخطابين مساوقا مع تحقق الخطاب الآخر كما في الضدّين اللّذين لا ثالث لهما، و إلّا كان الأمر به، و لو مشروطا بعدم الآخر، مستحيلا، لأنّه يكون من باب طلب الحاصل.

التنبيه الثاني هو: إنّه بعد هذا البيان العام في ضابط الترتب و إمكانه، نستعرض الأقسام التي ذكرها المحقق النائيني (قده) (1)، لنرى في أيّ قسم يجري الترتّب‏

لأجل انوجاد الشرطين المذكورين، و في أيّ قسم لا يجري لعدم انوجاد الشرطين المذكورين، و إن كان المحقق النائيني (قده) (2) ادّعى استحالة الترتّب في هذه الأقسام الخمسة، و بالتالي خروجها عن باب التزاحم:

____________

(1) أجود التقريرات- الخوئي: ج 1 ص 309- 310.

(2) فوائد الأصول- الكاظمي: ج 1- ص 197- 198- 199- 200- 201.

98

1- القسم الأول هو: أن يكون التزاحم بين الخطابين ناشئا من عجز المكلّف عن الجمع بين الواجبين المتزاحمين.

أو فقل: إنّ التزاحم ناشئ من تضاد المتعلقين لاجتماعهما في زمان واحد كالغريقين.

2- القسم الثاني هو: أن يقع التزاحم لأجل التضاد بين المتعلقين، كما لو قال: «إذا أمطرت السماء فقم، و إذا حدث الخسوف فاجلس»، فحدث المطر و الخسوف صدفة، فحينئذ بمقتضى الخطاب الأول يجب القيام، و بمقتضى الخطاب الثاني يجب الجلوس.

و الفرق بين القسم الأول و الثاني اصطلاحي، إذ في القسم الأول ليس الواجبان من حيث هما ضدان، و أما في الثاني فالجلوس و القيام ضدان، إذن ففي الثاني يكون التضاد بين الواجبين.

القسم الثالث هو: أن ينشأ التزاحم من توقف واجب على فعل المقدمة المحرّمة و كان الواجب هو الأهم ملاكا فيقع التزاحم بين وجوب ذي المقدمة، و حرمة نفس المقدمة، و في مثله لا يعقل جعل خطاب تحريمي على المقدمة المحرمة بنحو الترتب.

4- القسم الرابع هو: أن يقع التزاحم باعتبار تلازم اتفاقي بين الواجب و الحرام عرضيا، لا بمعنى توقف أحدهما على الآخر من قبيل استقبال القبلة، و استدبار الجدي، و قد اتفق صدفة ملازمة استقبال أحدهما لاستدبار الآخر.

5- القسم الخامس هو: مورد اجتماع الأمر و النهي مع عدم المندوحة فيما لو فرض أنّ الإنسان واجه فعلا له عنوانان، و كان بعنوان كونه صلاة واجبا و بعنوان كونه غصبا يكون حراما من قبيل الصلاة في الأرض المغصوبة، و حينئذ، إن قلنا بامتناع اجتماع الأمر و النهي، فقد دخل في باب التعارض و خرج عن التزاحم، و لكن إذا قلنا بجواز اجتماع الأمر و النّهي، و فرضنا عدم المندوحة، فهنا يقع التزاحم بينهما، و قد نشأ من مادة الاجتماع‏

99

بناء على جواز الاجتماع و عدم المندوحة و حينئذ يبحث، بأنّه مع كون النهي أهم ملاكا، لم يعقل إطلاق الأمر في مورد النهي، لأنّه يلزم من ذلك التكليف بغير المقدور.

و لكن هل يمكن بقاؤه بنحو الترتب كما لو قال: «إذا غصبت فصلّ» أم إنّه لا يمكن ذلك؟.

و لنا حول هذا التقسيم ملاحظتان عامتان:

1- الملاحظة الأولى هي: إنّ الميرزا (قده)، قيّد التزاحم في هذا التقسيم بأن يكون التضاد بين متعلقيهما اتفاقيا، كما ذكر ذلك في القسم الأول‏ (1) و الثاني و الثالث، حيث قال في الأول: العجز عن الواجبين الحاصل اتفاقا.

و قال في الثاني: فيما إذا وقع التزاحم اتفاقا. و قال في الثالث: إذا وقع التلازم بين المتضادّين اتفاقا.

و هذا يعني إخراج ما لو وقع التزاحم دائميا كما لو فرض أن كان التضاد بين الواجبين دائميا، فإنّه يخرج عند الميرزا (قده) عن التزاحم، و يدخل في التعارض، و إنّما يدخل في التزاحم فيما لو كان التضاد اتفاقيا.

و تحقيق الحال في هذا هو أن يقال: إنّ التضاد المفروض كونه دائميا، إمّا أن يفرض أنّ الضدّين فيه لا ثالث لهما، و حينئذ لا إشكال في وقوع التعارض بين دليلي وجوبيّ هذين الضدّين، إذ لا يعقل اجتماعهما، لا على الإطلاق، و لا مشروطا.

أمّا عدم معقولية اجتماعهما على الإطلاق فواضح، لأنّ إطلاقهما معا يوجب الجمع بين الضدّين اللّذين لا ثالث لهما، و هو باطل، كما أنّ وجوبهما و لو مشروطا غير معقول، إذ في فرض ترك ذاك يتعيّن الآخر

____________

(1) فوائد الأصول- الكاظمي: ج 1 ص 186- 187.

100

بالضرورة و العكس صحيح أيضا، إذ لا ثالث لهما، إذن فوقوع أحدهما قهريّ.

و عليه، فيستحيل تعلّق التكليف به.

و أمّا إذا كان التضاد بين الضدّين دائميا، و لكن كان لهما ثالث، حينئذ، مثل هذا يدخل في باب التزاحم دون التعارض، بناء على ما تقدم من فصل باب التعارض عن باب التزاحم، فإنّ كل خطاب شرعي أخذ في موضوعه قيدا لبّيا مستترا، و هو عدم الاشتغال بضد واجب مساو أو أهم، ثم لم يبتل به، كما في (زيارة كربلاء في يوم الجمعة) إذا لم يكن مشغولا بضد واجب مساو أو أهم آخر (كزيارة سامرّاء) و كذلك العكس، فإنّه لا يقع التنافي بينهما أصلا، لأنّه متى ما زار أحدهما ارتفع موضوع الآخر، فلا موجب حينئذ لافتراض وقوع أيّ تعارض بين الخطابين، ذلك باعتبار نكتة القيد اللبّي الذي به فصلنا التزاحم عن التعارض، إذن فالقيد اللبّي لا يمنع من جعل هذين الخطابين، إذ لا منافاة بينهما حينئذ.

إلا أنّ واقع الحال في هذا الفرض، يتوقف على الالتفات إلى نكتة، و هي: إنّه بنفس إطلاق كل خطاب، لا يمكن إثبات أهميّة أحد الخطابين على الآخر، و تقديمه عليه، و قد توضح هذا المطلب بتقريبين:

التقريب الأول، هو: إنّ كل خطاب مخصّص لبّا بالقيد المستتر، و هو عدم الاشتغال بضد واجب آخر مساو أو أهم، فإنّه عند الشك في شي‏ء «ما» إنّه ضد واجب مساو أو أهم، حينئذ لا يمكن في مثله نفي كونه كذلك بالإطلاق‏ (1)، لأنّه تمسك بالعام في الشبهة المصداقيّة.

2- التقريب الثاني هو: إنّه لا يمكن التمسك بإطلاق كلام المولى لإثبات التفاضل بين خطاباته و أنّ هذا مقدّم و هذا مؤخّر، لأنّ المولى أساسا، ليس في مقام البيان من هذه الناحية.

____________

(1) و كذلك لا يمكن إثبات كونه كذلك للزوم نفس اللازم. (المقرر).

101

و حينئذ إن بنينا على الأول، فإنّه يتم ما ذكرناه، من أنّه في موارد التضاد الدائمي، لا تعارض، لأنّ كلا من الخطابين مفاده وجوب مشروط بعدم الاشتغال بضد آخر مساو أو أهم، و حينئذ لا محذور في الجمع بين الموردين: مورد التضاد الدائمي، و مورد التضاد الاتفاقي، فإنهما يكونان موردا للتزاحم.

و أمّا إذا بنينا على الثاني، و قلنا: بأنّ عدم التمسك بالإطلاق ليس له نظر إلى المزاحمات، و أنّ هذا يؤخّر أو يقدّم، إذا كان هذا هو المدرك، حينئذ يقال: بأنّ المولى لا يكون له نظر إلى ما كان من الواجبات ممّا يكون مزاحمته من باب الصدفة، فإنّ هذا المزاحم ليس للمولى نظر إليه، و أمّا ما يكون مزاحما دائميا، فيكون للمولى نظر إليه.

فيفرّق عرفا بين المزاحم الدائمي، و المزاحم الاتفاقي، فحينما يقول المولى: «يجب عليك القيام لطلوع الفجر»، و القيام مضاد مع الجلوس، فهذا له نظر إلى أنّ القيام مزاحم مع الجلوس، فالمزاحم الاتفاقي ليس للخطاب نظر للتفاضل من ناحيته بخلاف الدائمي.

و الخلاصة هي: أنّه يفرّق بين ما إذا كانت المزاحمة اتفاقية، فإنّه لا يقع التعارض، بل يثبت الخطابان المشروطان، و أمّا إذا كان الواجبان متضادّين دائما، فهنا يقع التعارض بينهما، لأنّ كلّا منهما له نظر في تقديم صاحبه على الآخر.

غايته أنّ التعارض يقع بين إطلاقيّ الخطابين: إطلاق «قم»، لحال ما إذا «قعد»، و إطلاق «أقعد»، لحال ما إذا «قام»، و حينئذ لا بدّ من تطبيق باب التعارض على إطلاقيّ الخطابين، و بهذا يفترق مورد التضاد الدائمي عن مورد التضاد الاتفاقي.

و خلاصة هذا التنبيه الأول، هو: إنّه هل يشترط في التزاحم بين‏

102

الخطابين أن يكون التّضادّ بين متعلقيهما اتفاقيا لا دائميا، أو إنّه لا يشترط ذلك؟.

الصحيح هو إنّه كذلك، إذ إنّ موارد التضاد الدائمي، تكون من موارد التعارض بين الخطابين، و لكن على تفصيل هذا مجمله و هو:

إنّه في موارد التضاد الدائميّ بين المتعلقين. تارة يفترض عدم وجود ضد ثالث لهما، و أخرى، يفترض وجود ضد ثالث لهما، فإذا كان المتعلقان ضدّين لا ثالث لهما، كان وقوع التعارض بين دليلي الحكمين واضحا، إذ لا يعقل التكليف بهما معا، لا جمعا لاستلزامه الجمع بين الضدّين، و لا بدلا بأن يشرط أحدهما أو كلاهما بعدم الآخر، لاستلزامه تحصيل الحاصل، إذ في فرض ترك أحدهما يتعين وقوع الآخر بالضرورة، إذ لا ثالث لهما، فوقوع الآخر قهريّ. إذن فطلبه تحصيل للحاصل، فيستحيل تعلق التكليف به، و حينئذ يكون أحد التكليفين، أو كلاهما، لغوا.

و أمّا إذا فرض كونهما من الضدّين الدائمين اللذين لهما ثالث، كما إذا ورد «يجب عليك القيام لطلوع الفجر»، و ورد في دليل آخر، «يجب الجلوس عند طلوع الفجر»، فهنا ضدان، القيام و الجلوس، غايته أنّ لهما ثالثا.

فهنا في المقام، هل يعامل معهما معاملة الخطابات المتزاحمة اتفاقا، فيقال بعدم التعارض بينهما، لأنّ كل واحد منهما مقيد لبّا بعدم الاشتغال بالمساوي أو الأهم، و لا يعقل أهميّة أحدهما من الآخر، بل هما إمّا متساويان في الملاك، فيكون الترتّب من الجانبين، و إمّا أحدهما أهم، فيكون الترتّب من جانب واحد، أو يقع بينهما تعارض.؟.

ذهب المحقق النائيني (قده) (1) و مدرسته إلى الثاني.

____________

(1) أجود التقريرات الخوئي: ج 1 ص 310- 311.

103

و الصحيح وقوع التعارض بين إطلاق الخطابين لا بين أصلهما، أمّا عدم التعارض بين أصل الخطابين، فلأنّ ثبوت كل منهما مشروط بعدم الاشتغال بالآخر لا محذور فيه، بعد البناء على إمكان الترتّب، و أمّا وقوع التعارض بين إطلاقيهما، فلأنّ المتفاهم عرفا ثبوت الإطلاق في كل منهما لحال الاشتغال بالآخر، فيكون معارضا مع إطلاق الخطاب الآخر كما يشهد بذلك الوجدان العرفي.

و قد يخرّج هذا الوجدان العرفي فيقال: بأنّ ما ذكر فيما سبق للمنع عن التمسك بمثل هذا الإطلاق في أدلّة الأحكام، باعتباره تمسكا بالعام في الشبهة المصداقيّة لمخصصه اللبّي المتصل غير جار في المقام، لأنّ خصوصية كون التضاد بينهما دائميا بنفسها، قرينة عرفية على أنّ المولى ينفي مانعيّة الاشتغال بالآخر عن الأمر بهذا.

و عليه، فلا بدّ من تطبيق قواعد باب التعارض بين إطلاقيّ كلّ من الخطابين لحال الاشتغال بالآخر، فإن ثبت ترجيح لأحدهما كان مطلقا، و الآخر مشروطا بعدم الإتيان به، و إلّا فيتساقطان، و يثبت بهما حكمان مشروطان بنحو الترتب من الطرفين، لما عرفت من عدم التعارض بين أصل الخطابين، فإنّ إطلاق كل منهما لحال ترك الاشتغال بالآخر لا معارض له، كما هو واضح.

2- الملاحظة الثانية هي: إنّ القسم الثاني و الأول من التضاد، يمكن أن يعطيا عنوانا واحدا، هو عنوان القسم الأول، و يكون التزاحم في القسم الثاني ناشئا من التضاد اتفاقا، كما لو وجب القيام و القعود صدفة في وقت واحد.

و لعلّ نظر الميرزا (قده) إلى جعله قسما ثانيا، لكي يتمكن من التفصيل بين ما إذا فرض كون التزاحم بلحاظ التضاد، فإنّه حينئذ لا يتصور أنهما في زمان واحد، و بين ما إذا كان التزاحم من ناحية الجمع، فإنّه حينئذ يتصور كونهما مترتبين زمانا، و هو مع هذا يقول بعدم معقولية الترتّب.

104

و رغم أنّك عرفت من تعريف التزاحم أنّه يستبطن وجود جعلين مترتّبين، إمّا من جانب واحد، و إمّا من جانبين، و لذلك قلنا: إنّ خروج التزاحم من باب التعارض الحقيقيّ، موقوف على القول بإمكان الترتّب.

رغم هذا فإنّ المحقق النائيني (قده) استعرض عدة موارد، حكم فيها بعدم معقولية الترتّب، و من ثمّ أخرجه من باب التزاحم، رغم كون بعضها لا يختلف عن الأخر، و بعضها يختص بالأقسام الخمسة.

و قبل استعراض ما أخرجه الميرزا (قده) عن باب التزاحم، لعدم معقولية الترتب فيه، نوجز الضابط العام لإمكان الترتّب.

و قد ذكرناه سابقا متمثلا في شرطين أساسين:

1- الشرط الأول هو: أن لا يكون أحد الخطابين مشروطا بالقدرة الشرعيّة بالمعنى الثالث المتقدم، و هو عدم الأمر بالخلاف.

2- الشرط الثاني هو: أن لا يكون ترك أحدهما مساوقا مع تحقق الآخر، كما في الضدّين اللّذين لا ثالث لهما.

التنبيه الثالث: و فيه نستعرض الموارد التي ادّعي فيها استحالة الترتب، و من ثمّ خروجها عن باب التزاحم:

*- المورد الأول من الموارد التي يمتنع فيها الترتّب، و من ثمّ خروجها عن باب التزاحم هو: ما إذا كان المرجوح مشروطا بالقدرة الشرعية، بخلاف ما كان مشروطا بالقدرة العقلية، و ذلك لأنّه لا ملاك في المرجوح، و المفروض أنّ الترتب فرع الملاك، و المفروض أنّ هذا المرجوح مشروط ملاكا بالقدرة الشرعية، و مع وجود الأمر بالضد لا قدرة في المقام، إذن لا ملاك في المرجوح، و مع عدم الملاك لا يعقل الأمر به.

و إن شئت قلت: إذا كان أحذ التكليفين مشروطا بالقدرة الشرعية،