بحوث في علم الأصول - ج6

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
749 /
105

يمتنع الترتب، إذ لا يكون فيه حينئذ ملاك لكي يعقل الأمر به على نحو الترتّب.

و قد استشكل السيد الخوئي (قده) على هذا الكلام، بأنّه يلزم منه الدور (1)، و ذلك لأنّ إثبات الأمر في مورد لا يتوقف على إحراز الملاك، بل إحراز الملاك يتوقف على إحراز الأمر، فلو توقف إثبات الأمر على إحراز الملاك، و المفروض أنّ إحراز الملاك يتوقف على إحراز الأمر، إذن يتوقف إحراز الأمر، على إحراز الأمر و هو دور.

و بتعبير آخر: إذا كان الملاك يستكشف بالخطاب دائما، فهو موقوف عليه في مقام الإثبات، فلو كان الخطاب الترتّبي يستكشف بالملاك، و موقوفا على إحرازه لزم الدور، و من ثمّ لزم بطلان الترتّب في جميع الموارد، حيث لا علم لنا فيها جميعا بالملاك إلّا من ناحية الخطاب.

و الصحيح هو: إنّ الترتّب يجري في المشروط بالقدرة الشرعية أيضا، إذ لا يشترط في جريان الترتّب إحراز الملاك قبل الأمر، و إلّا لتعذّر الترتّب في جميع الموارد.

و بعبارة أخرى: إنّ قلنا إنّه يشترط في الترتّب إحراز الملاك، بقطع النظر عن الأمر الترتّبي، إذن فلا ترتّب في مورد أصلا، إذ لا طريق حينئذ إلى إحراز الملاك، و إن قلنا: إنّه لا يشترط إحراز الملاك، إذن فلا يضر في المقام عدم إحراز الملاك في الترتّب.

و أما ما أفاده السيد الخوئي (قده) فلا محصّل له، و ما ذكره الميرزا (قده) ليس على إطلاقه، و ما يقتضيه فنّ الصناعة، هو أنّ القدرة الشرعية إن كانت بالمعنى الثاني المتقدم- و لعلّ نظر الميرزا (قده) إليها-.

____________

(1) محاضرات فياض- ج 3- ص 267- 268.

106

إذن فكلام الميرزا (قده) في غاية الوضوح، إذ لا يعقل الترتّب حينئذ في المشروط بالقدرة الشرعية، لا من ناحية أنّه يجب إحراز الملاك قبل الأمر، كي يقال، بالدّور، لأنّ كلا من الملاك و الأمر يتوقف على الآخر، و لكن لأنّ الخطاب الترتّبي يحتاج إلى دليل، و دليل «صلّ»، المرجوح أخذ في موضوعه عدم الاشتغال بآخر، إذن فإطلاق دليل «صلّ» لا يشمل محل الكلام، إذن فالترتّب هنا غير وارد لأنّه لا دليل عليه.

و أمّا إذا كانت القدرة الشرعية بالمعنى الأول، فإنّه حينئذ من الواضح إنّ الترتب معقول، إذ في فرض عدم الاشتغال بضد آخر، حينئذ يتم موضوع دليل «صلّ»، إذن فيلتزم بوجوب الصلاة في هذا الفرض لوجود المقتضي و عدم المانع.

إذن فالصحيح هو التفصيل؛ و قد يكون ذلك الكلام منشأ للصلح بين الميرزا (قده) و السيد الخوئي (قده) و يكون هذا الكلام بالجملة صحيحا، و بالجملة غير صحيح.

و إن شئت قلت: إنّ الصحيح هو إنّ القدرة الشرعية الدخيلة في الملاك، إن أريد بها دخل عدم وجود المانع الشرعي، و الأمر بالخلاف في الملاك، فلا يعقل الترتّب، و ليس عدم معقوليّة الترتب لعدم إحراز الملاك في المرتبة السابقة كي يلزم الدور، كما ذكر السيد الخوئي (قده) بل لانتفاء التكليف ملاكا و خطابا بانتفاء شرطه، و هو القدرة بالمعنى المذكور.

و إن أريد بها دخل عدم الاشتغال بالواجب الآخر في الملاك، كان الترتّب معقولا، و ذلك لتحقق الشرط، بترك الاشتغال بالواجب الآخر.

و قد ذكر لهذا المطلب مثال فقهي كتطبيق لمورد عدم إمكان الترتّب، و من ثم خروجه عن باب التزاحم، كما في ماء الوضوء، إذا تزاحم مع واجب آخر أهم يقتضي حفظ الماء لإرواء نفس محترمة، فيقع الكلام في أنّه لو توضأ المكلّف في هذه الحالة، و عصى إرواء النّفس المحترمة، فهل‏

107

يمكن تصحيح وضوئه بالترتّب، حيث يقال: إنّه هنا موجه إليه خطابان:

خطاب «اسق العطشان»- و هذا أهم- و خطاب ثان ترتبي، هو: «إن لم تسق العطشان فتوضّأ»؟ فيصح الوضوء للأمر الترتّبي به.

و هنا ذهب الميرزا (قده) (1) تطبيقا لما تقدم و المشهور إلى سقوط وجوب الوضوء، و الانتقال إلى التيمم، بحيث أنّه لو صرف الماء بالوضوء، كان وضوؤه باطلا، لكون وجوب الوضوء قد أخذ في القدرة الشرعيّة، و المفروض أنّها منتفية في المقام إذن، فلا يتم فيه الترتب و بالتالي يخرج عن باب التزاحم.

إلّا أن السيد الخوئي (قده) (2) لم يقبل هذا، و ذهب هنا إلى أنّ الترتّب لا يفرق الحال فيه بين أن يكون المرجوح مشروطا بالقدرة الشرعية، أو العقلية.

و نحن نعترض على المشهور، و نقول: أولا: لم يثبت أنّ الوضوء مشروط بالقدرة الشرعية لكونه مما له بدل، و لكون ما له بدل يكون مشروطا بالقدرة الشرعية دائما، و لذلك يرجح عليه ما ليس له بدل.

إذ تقدم معنا مفصلا، عدم إمكان استفادة ذلك من مجرد وجود البدل للواجب، و لهذا كان هذا المشهور، مشهورا لا أصل له.

و نقول ثانيا: بأنّ ما استدل به على أخذ القدرة الشرعية في وجوب الوضوء، دليل مركب من مقدمتين:

أ- المقدمة الأولى هي: إنّه أخذ في موضوع التيمم، في قوله تعالى:

فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً* أخذ عدم وجدان الماء، و بمقتضى كون التفصيل قاطعا للشركة، يفهم منه أنّ موضوع وجوب الوضوء هو

____________

(1) فوائد الأصول- الكاظمي: ج 1 ص 192- 193.

(2) محاضرات فياض: ج 3- ص 267.

108

الواجد للماء، و إن لم يذكر ذلك في الآية الموجبة للوضوء.

إذن فحيث أنّ موضوع الثاني مأخوذ فيه عدم الوجدان، فلا بدّ من أن يكون قد أخذ في موضوع الأول- و هو وجوب الوضوء- الوجدان.

ب- المقدمة الثانية هي: إنّ الوجدان المأخوذ في موضوع دليل الوضوء، لم يقصد به الوجدان الخارجي للماء بما هو ماء، بسبب أنّه عطف المريض على المسافر، و المسافر و إن غلب أنّه لا يجد ماء، و لكن المريض كالصحيح قد يجده. فعدم الوجدان يقصد به عدم التمكن من استعمال الماء، و لو بقرينة ذكر المرض مع السفر، و يقابله التمكن منه، ممّا يدل على أنّ الميزان هو القدرة، و هو معنى كون القدرة الشرعية مأخوذة في موضوع وجوب الوضوء.

و بتعبير آخر يقال: إنّ المراد من وجدان الماء ليس هو وجوده التكويني بما هو ماء، و إنّما المراد هو القدرة على استعماله و لو بقرينة ذكر المرض مع السفر، ممّا يدل على أنّ الميزان، إنّما هو القدرة و عدم المشقة، و هو معنى كون القدرة الشرعية مأخوذة في دليل وجوب الوضوء.

إلّا أنّ هذا الكلام يعترض عليه:

أولا: باستذكار ما سبق في أبحاث التزاحم في المرحلة الثانية، حيث ذكرنا هناك، بأنّ أخذ العجز في دليل البدلية ليس قرينة على أخذ الخطاب الأول مخصوصا بالقادر، لا أنّ القدرة دخيلة في الملاك و الخطاب معا.

نعم لو أنّ المولى تصدّى لأخذ هذا القيد في الخطاب الأول، أمكن حينئذ أن يقال: بأنّ هذه النكت هي للتنبيه على دخل القدرة في الملاك.

إذن فالقدرة إنما نبني على كونها شرعية، إذا أخذها المولى قيدا متصلا في الخطاب، و حينئذ من باب ظهور الحال في التأسيس، لا التأكيد على ما يحكم به العقل، نقول: إنّها دخيلة في الملاك.

و ثانيا: لو سلّم أنّ القدرة شرعية، فهي بالمعنى الأول الذي يناسب‏

109

معه الترتّب، لا المعنى الثاني، لأنّ التمكن من استعمال الماء، مرجعه إلى عدم العجز تكوينا، و عدم الاشتغال بالمزاحم أكثر، فلما ذا نقول لا بدّ أن لا يكون هناك أمر بالخلاف؟ مع عدم القرينة على ذلك.

و ثالثا: لو سلّم أنّ خطاب الوضوء هنا مشروط بالقدرة الشرعية بالمعنى الثاني، و عدم إمكان الترتّب، فإنّنا نصحح الوضوء بخطاب ترتّبي آخر، و هو الأمر الاستحبابي به، و ذلك بأن يقال: بأنّ الوضوء له خطابان:

أحدهما: غيري، و الآخر: نفسيّ استحبابيّ.

و من الواضح أنّه لم يؤخذ في موضوع الثاني القدرة الشرعية، و هذا يكفي في تصحيح الوضوء.

هذا كله إذا افترضنا عصيان الأمر بالأهم بنفس عملية الوضوء.

و أمّا إذا فرضنا أنّ عصيان ذلك تحقق قبل الوضوء، فلا إشكال.

و صورته أن يريق الماء على وجهه مبتدئا من أدنى إلى أعلى، ثم إنّه عند رجوعه يتوضأ به، و بهذا يتعذر امتثال الأمر بإرواء العطشان، و هذا خارج عن محل الكلام، و خارج عن الترتّب.

و إن شئت قلت:

تارة نريد أن نجعل من إحراز أخذ القدرة الشرعية بالقرينة الداخلية، أو الخارجية، مانعا عن إمكان الترتّب في الأمر بالوضوء.

و تارة أخرى، نريد أن نجعل من احتمال كون القدرة المأخوذة فيه شرعية أيضا، مانعا عن الترتّب بحيث لا بدّ من إحراز عدم أخذها في إثبات الأمر الترتّبي.

و كلا المرادين غير تام.

أما المراد الأول: فغير تام مبنى و بناء:

110

أما عدم تماميّة المبنى: فلأنّ القدرة الشرعية لو كانت بمعنى عدم المنافي المولوي المانع عن الترتب، فإنّ احتمالها أيضا يكون مانعا عن إمكان الترتّب، كما لو فرض كون الخطاب مشروطا بما يحتمل أن يكون المراد منه القدرة الشرعية بالمعنى المذكور- كقيد الوجدان في الآية- فإنّه حينئذ لم يجز التمسك به لإثبات الأمر، و لو مشروطا، ذلك لكونه مقيدا بقيد يحتمل ارتفاعه بنفس ثبوت الخطاب الآخر، بل لا بدّ من إحراز عدم أخذ القدرة الشرعية بالمعنى المذكور و لو بإطلاق و نحوه.

نعم لو أريد بالقدرة الشرعية دخل عدم الاشتغال بالأهم في الملاك، أمكن حينئذ إثبات الأمر الترتّبي حتى لو علم بأخذها فيه، و معنى هذا هو إنّ الصحيح هو التفصيل بين المعنيين للقدرة الشرعية، لا بين إحراز أخذ القدرة الشرعية و عدم إحراز أخذها.

و أمّا عدم تماميّة البناء فلأمرين:

1- الأمر الأول، هو: أنّه يكفي لتصحيح الوضوء الأمر الاستحبابي به، فإنّه غير مقيّد بحسب لسان دليله بالقدرة الشرعية.

2- الأمر الثاني، هو: إنّ الخطاب الوجوبي أيضا لم تقم قرينة فيه على أخذ القدرة الشرعية في موضوعه، و استظهار كونه مقيّدا بفرض القدرة- باعتبار أخذ عنوان عدم وجدان الماء الذي هو كناية عن العجز، و عدم القدرة على الوضوء، و لو بقرينة عطف المرض على السفر في موضوع آية التيمم، فتكون القدرة عليه مأخوذة في موضوع وجوب الوضوء- لا يكفي، لأنّ عنوان القدرة و الاستطاعة لم يؤخذ بصورة مباشرة في لسان دليل وجوب الوضوء.

و ما تقدّم من إمكان استظهار دخل القدرة في الملاك بنكتة أنّ الأصل في قيود الخطاب أن تكون للتأسيس، إنّما يتم فيما إذا أنيط الحكم صريحا بالقدرة في لسان دليله، لا في مثل المقام الذي ورد فيه العجز في دليل البدل‏

111

لتأسيس حكم آخر عليه، ثم علم منه بقرينة أنّ التفصيل قاطع للشركة أنّ نقيضه مأخوذ في الحكم المبدل، إذ لا يلزم من عدم دخل القدرة في ملاك المبدل أن يكون دليل البدل تأكيدا، كما هو واضح.

و أمّا عدم تماميّة المراد الثاني الذي يبني أصحابه على افتراض أنّ الأمر الترتبي بالوضوء مبني على إحراز عدم دخل القدرة في الملاك و لو بإطلاق الخطاب حيث يقولون:

إن أريد من القدرة فيه ما يقابل العجز التكويني، فإنّه يقال: إنّ القدرة بهذا المعنى، إذا ثبت عدم دخلها في الملاك، صحّ الأمر الترتّبي، و المفروض أنّه في المقام لا يمكن إثبات ذلك، لأنّ المثبت له واحد من اثنين: إمّا إطلاق المادة، و إمّا المدلول الالتزامي للخطاب، كما تقدم شرحهما، و تبيّن أنّ كليهما غير جار فيما نحن فيه، لأنّ المقيّد لدليل الوضوء متصل به، و حينئذ لا ينعقد إطلاق للمادة، و أمّا المدلول الالتزامي، فإنه لا دلالة التزاميّة في الأمر لإثبات الملاك في فرض العجز التكويني.

و هذا المراد بهذا التخريج غير تام حيث يرد عليه:

أولا: كفاية إطلاق الخطاب الاستحبابي في إثبات الأمر الترتّبي بالوضوء كما عرفت آنفا.

و ثانيا: إنّ دخل القدرة التكوينيّة المقابلة للعجز التكويني في الملاك، لا يضر بإمكان الترتّب، و ذلك لانحفاظها في المقام، و عدم ارتفاعها بمجرد ثبوت الأمر الأهم.

و ثالثا: تماميّة إطلاق المادة، و كذلك الدلالة الالتزاميّة في المقام، لو سلّم بهما كبرويا.

أمّا تماميّة الإطلاق و كفايته: فلأنّ ما يصلح لرفعه هو أن يرد القيد على المادة ابتداء، و قبل جعلها موضوعا للحكم و الملاك، و لا يكفي مجرد كون‏

112

التفصيل قاطعا للشركة بعد ورود قيد عدم وجدان الماء في الآية، كي يمنع من هذا الإطلاق.

و أمّا الثاني: و هو عدم تضرّر إمكان الترتب بسبب دخل القدرة التكوينيّة المقابلة للعجز التكويني في الملاك: فلأنّ آية التيمم ليست ظاهرة في التفصيل من حيث الحكم و الخطاب، و إنما هي مفصّلة من حيث الوظيفة، فلا يستفاد منها إلّا التفصيل في عالم الامتثال.

و أمّا اختصاص التكليف بالقادر عقلا، فهو مقيّد عام منفصل بحسب الفرض، و إلّا ما كان ليتم شي‏ء من الطريقين كبرويا.

و إن كان المراد بالقدرة الشرعيّة، هو القدرة الشرعيّة المقابلة لعدم الاشتغال بواجب آخر، فيرد عليه مضافا إلى الاعتراضات المتوجهة إلى المعنى المتقدم للقدرة: إنّه لا يمكن استفادة هذا المعنى من مجرد عنوان عدم وجدان الماء في الآية، بل غاية ما يمكن أن يذكر لتمرير هذه الاستفادة هو: ذكر المرض مع السفر في آية التيمّم، و أنّ المريض يجد الماء عادة فلا بدّ أن يراد من عدم الوجدان، إذن معنى اوسع. و قد عرفت أن هذه القرينة لا تقتضي أكثر من كفاية القدرة العرفية على الوضوء، و قد عرفت بأنّها محفوظة في المقام.

و إن كان المراد بالقدرة الشرعية، القدرة الشرعية بمعنى عدم المنافي المولوي، حينئذ تكون الاعتراضات الأربعة تامة، باستثناء الاعتراض الثاني منها، إذ إنّ القدرة الشرعية بمعنى عدم المنافي المولوي يمنع عن إمكان الترتب حينئذ، حيث يرتفع موضوع الأمر بنفس ثبوت الخطاب الآخر- المنافي المولوي- سواء امتثله، أم لم يمتثله، و حينئذ فلا يعقل الأمر الترتّبي.

و بهذا يتّضح أنّ الأمر الترتّبي بالوضوء، يمكن حفظه في موارد المزاحمة مع وجود تكليف آخر أهم.

113

و ممّا ذكروا مثالا فقهيا لمورد عدم إمكان الترتّب، و من ثمّ خروجه عن باب التزاحم، هو: ما إذا كان الماء مغصوبا، و بذلك يحرم استعماله لكونه تصرفا في مال الغير دون إذنه، و حينئذ ترفع اليد عن وجوب الوضوء.

و الصحيح إنّه لا إشكال في عدم صحة الوضوء، و لو ترتّبا، لأنّ الترتّب إنما يعقل إذا لم يكن الواجب المهم متصفا بالحرمة، و هنا قد اتصف الواجب بالحرمة فعلا، إذن فيستحيل اتصافه بالوجوب، لاستحالة اجتماع الأمر و النهي، إذن فالترتب في مثله غير معقول.

و مثله ما لو حرم الوضوء من أجل الضرر، فهنا لا بدّ من الالتزام بعدم إمكان الترتب، و عدم تصحيح الوضوء بالتالي، لأنّ الوضوء وقع مصداقا للحرام بعد البناء على عدم اجتماع الأمر و النهي، فلا يقع مصداقا للحرام بعد البناء على عدم اجتماع الأمر و النهي، فلا يقع مصداقا للواجب، و هنا رفعنا اليد عن وجوب الوضوء لأجل الضرر.

هذا بخلاف ما لو رفعنا اليد عن وجوب الوضوء للحرج، لا للضرر، فإنّ الإقدام على الحرج ليس حراما، فيصحح فيه الوضوء باعتبار دليل الاستحباب النفسي للوضوء، لأنّ الاستحباب لا حرج فيه، و إنما الحرج بالإلزام.

و إن شئت قلت: إنّه بناء على امتناع اجتماع الأمر و النهي، يدخل هذا في باب التعارض، و أمّا بناء على الجواز، فمع عدم المندوحة يكون من باب التزاحم بين التكليفين، إلّا إذا قيل بكون القدرة شرعية في الأمر بالوضوء، فيكون باطلا لعدم إمكان الأمر به، و لو بنحو الترتّب.

و أمّا إذا كانت هناك مندوحة، فالأمر بالوضوء فعلي على كل حال، لأنّ ملاكه المشروط بالقدرة الشرعية فعلي. و حينئذ إن قيل بمقالة الميرزا (قده) (1) من عدم التزاحم بين الواجب الموسع و المضيّق، بحيث كان‏

____________

(1) المصدر السابق.

114

يمكن الأمر بالجامع المنطبق على الفرد المزاحم للتكليف الأهم- كما هو الصحيح- صحّ الوضوء بالأمر الترتّبي بذلك الفرد، ذلك لكون الملاك فعليا على كل حال.

و الصحيح هو ما تقدّم، من عدم اشتراط الوضوء بالقدرة الشرعية بالمعنى الذي يستحيل معه الأمر بنحو الترتّب.

و ممّا ذكروا مثالا فقهيا لمورد عدم إمكان الترتب، و من ثمّ خروجه عن التزاحم، هو: ما إذا كان الماء المباح موجودا في آنية مغصوبة، و كان نفس الاغتراف منها تصرفا فيها، فيتوقف الوضوء على مقدمة محرمة، فترفع اليد عن وجوبه، فإذا توضأ المكلّف حينئذ به، فقد فصّل المشهور، بين صورة الانحصار بهذه الآنية، و عدم الانحصار بها، فذهبوا إلى أنّه في صورة الانحصار، لا يعقل تصحيح الوضوء، لأنّ وجوبه مشروط بالقدرة الشرعية عندهم، و الحال إنّه لا قدرة شرعية في حالة الانحصار، و حيث لا قدرة شرعيّة فلا ملاك في الوضوء، إذن فيبطل، و لا يمكن تصحيحه و لو ترتّبيا.

و أمّا إذا فرض عدم الانحصار، كوجود الماء في آنية أخرى مباحة، حينئذ ذهبوا إلى صحة الوضوء، لأنّ ملاك الوضوء موجود، حيث أنّ الجامع مقدور، غايته أنّ المكلّف طبّق الجامع على فرد محرم، و هذا لا ينافي صحة الوضوء، و إنّما يستلزم تطبيق المكلّف هذا ارتكابه محرما بسوء اختياره.

و إن شئت قلت: إنّ التحقيق في هذه الحالة هو أن يقال:

إنّه تارة، يفرض كون الوضوء من الإناء المغصوب بنحو يعدّ بنفسه تصرفا في المغصوب، كما لو كان ارتماسا، فإنّه في هذه الحالة تدخل هذه الصورة في الصورة السابقة.

و تارة أخرى يفرض كون الوضوء بنحو لا يعدّ تصرفا في الآنية، كما لو اغترف كل ماء وضوئه دفعة واحدة، و وضعه في إناء آخر مباح، ثم توضأ

115

منه، فإنّه حينئذ، لا إشكال في صحة وضوئه لوجود أمر مطلق به بعد سقوط الحرمة بالعصيان الأول عند نقله إلى إناء مباح، حيث لا يبقى حينئذ مزاحم لهذا الوضوء عند القيام به.

و إن اغترف الماء شيئا فشيئا حال التوضؤ، فإن عدّ هذا الاغتراف تصرفا في المغصوب عرفا، فإنّه حينئذ يندرج أيضا في الصورة السابقة، حيث يجتمع في هذا التصرف عنوانان: عنوان الوضوء و عنوان الغصب. و إن لم يعدّ هذا الاغتراف المتكرّر بنفسه، تصرفا في المغصوب، و إنّما عدّ تصرفا بالاغتراف الذي يكون مقدمة للوضوء، فقد ذهب الميرزا (قده) (1) هنا إلى التفصيل، بين صورتي الانحصار، و عدمه، فحكم بالبطلان في الصورة الأولى، لكون الوجوب مشروطا بالقدرة الشرعية، و حيث لا قدرة شرعية في حالة الانحصار، إذن فلا ملاك في الوضوء، فيبطل، و لا يمكن تصحيحه و لو ترتّبيا، و حكم بالصحة في الصورة الثانية لفعليّة الملاك بفعليّة القدرة الشرعيّة على الوضوء حيث أنّ الجامع مقدور، فيمكن الأمر به، و لو بنحو الترتّب، غايته أنّ المكلّف طبّق الجامع على فرد محرم يستلزم ارتكابه محرما بسوء اختياره، لكن يصح وضوؤه.

و قد ذهب السيد الخوئي (قده) (2) إلى خلاف المشهور، حيث حكم بصحة الوضوء، حتى في حالة الانحصار، و ذلك بدعوى أنّ القدرة الشرعيّة المأخوذة في وجوب الوضوء، ليست أقل من القدرة التكوينيّة، و ذلك لأنّه إن كانت القدرة الشرعية مأخوذة على وزان القدرة العقليّة، فيكفي إذن الوجود التدريجي في القدرة العقليّة، و مثله يجري في القدرة الشرعيّة.

و توضيحه هو: إنّا إذا لاحظنا القدرة التكوينية، سوف نجد لها فردين، أحدهما: القدرة التكوينية الدفعيّة، كأن يكون لدى الإنسان ماء كاف من أول‏

____________

(1) فوائد الأصول- الكاظمي: ج 1 ص 228- 229.

(2) محاضرات فياض: ج 3- 188- 189- 190- 191.

116

الأمر: و الفرد الثاني، هو: القدرة التكوينيّة التدريجية، بحيث أنّ المكلف حين يغسل وجهه لا يكون قادرا على أكثر من ذلك، ثم تحدث له القدرة تدريجيا كما لو كان لديه قطعة ثلج تذوب تدريجيا، فهو واجد للماء على مراحل.

و لا شك في أنّ كلا من هذين النّحوين من التكوينيّة، يكفي في إيجاب الوضوء فكما يجب في الحالة الأولى يجب في الثانية.

إذ تارة يجد ماء بلا محذور شرعي، بحيث يكفي لوضوئه كله من أول الأمر.

و تارة أخرى يجد الماء بلا محذور شرعي بالتدريج، و معناه، إنّ القدرة المأخوذة في وجوب الوضوء، أعم من وجدانها دفعيا أو تدريجيا، فالمكلّف الذي يغترف غرفة بعد غرفة لوضوئه، و إن كان غير واجد لماء تمام وضوئه وجدانا شرعيا فإنه حينما يأخذ ماء وجهه، و يرتكب المحرم، لا يبقى محذور في غسل وجهه، ثمّ يعصي مرة ثانية فيغترف لليمنى، ثم هكذا لليسرى.

إذن المناط هو انتفاء المحذور الشرعي عند التلبّس بالوضوء، فكما أنّ الوجدان التكويني يكفي، فكذلك الوجدان التدريجيّ التشريعيّ يكفي.

و بتعبير آخر يقال: إنّ السيد الخوئي (قده) حكم بصحة الوضوء، حتى في صورة الانحصار بدعوى: أنّ القدرة تتجدّد عند كل جزء من أجزاء الوضوء بالعصيان، و بارتكاب المحرم، حيث أنّ المكلّف بعد ارتكابه المحرم، و اغترافه الماء من الآنية المغصوبة، يقدر على الوضوء بمقدار غسل الوجه، و بما أنّه يعلم بارتكابه المحرم ثانيا و ثالثا إلى أن يتم الوضوء فهو يعلم بطروّ التمكن عليه من غسل سائر الأعضاء، فعندئذ لا مانع من الالتزام بثبوت الأمر به مترتّبا على عصيانه، بناء على ما ذكرنا من صحة الترتّب و جوازه، و إنّ وجود القدرة في ظرف الإتيان بالأجزاء اللاحقة، شرط لوجوب الأجزاء السابقة على نحو الشرط المتأخر.

117

و من المعلوم أنّه لا فرق في ذلك، بين كون القدرة تبقى من الابتداء، أو تحدث في ظرف الإتيان بها، و قد عرفت أنّه لا دليل على اعتبار القدرة بأزيد من ذلك.

و هذا غير صحيح، لأنّ القدرة المأخوذة في وجوب الوضوء، إذا كانت بالمعنى الثاني، فلا يتصور الترتب و إن كانت بالمعنى الأول، فلا بأس بالترتب.

و توضيحه: إنّه إن كانت القدرة بالمعنى الثاني، أي: بمعنى عدم المانع، و الأمر بالخلاف من قبل المولى، فهذا المعنى لا يكفي فيه الوجدان التدريجي.

و نكتة الفرق بين القدرة التكوينيّة و الشرعيّة: إنّه في التكوينيّة يكتفى بالوضوء التدريجيّ، و لا يكتفى بذلك في القدرة التدريجية، هي إنّ القدرة التكوينية و ما يلحق بها من عدم الاشتغال بالضد الواجب المساوي أو الأهم، هو قيد عقلي في الخطاب، فمن الواضح أن البرهان العقلي هو حكم العقل، و من الواضح أنّ هذا البرهان إنما يبرهن على جامع الوجدان للقدرة، لأنّ نكتة هذا التقييد عقلا هي قبح التكليف بما لا يطاق، و من الواضح أنّ القادر الواجد للماء مثلا لا يقبح من المولى أن يأمره بالتوضؤ و إن لم يجد الماء دفعة واحدة، و لكن هو واجد له شيئا فشيئا.

إذن فالبرهان لا يأبى عن صورة الإطلاق في القدرة العقلية.

و أما القدرة الشرعية بالمعنى الثاني: فهذا القيد زائد، لم يكن ببرهان العقل، و إنما هو شرعي مولوي يستفاد من لسان الدليل، و حينئذ يكون من الواضح أنّ الظاهر في كل قيد يفرض في لسان الدليل أن يكون مقارنا لا متأخرا، فيجب أن يكون الأمر بالوضوء مقارنا مع عدم وجود مانع شرعي عن تمام الوضوء، و هذا غير حاصل في المقام، إذ حينما يغترف لوجهه، لا يأتي له أمر «توضأ»، لعدم وجود القيد، و لا يأتي له، «اغسل وجهك»، لأنّ‏

118

غسل الوجه أمر ضمني يوجد ضمن الاستقلالي، فوجوب الوضوء لا يشمل مثل هذا، أما في القدرة التكوينيّة، حيث أنّ الدليل على أخذها حكم العقل في سائر الموارد يكتفى بالقدرة التدريجية، بخلافه هنا.

إذن فالصحيح هو الرجوع إلى التفصيل السابق المشهور.

و إن شئت قلت: إنّ الصحيح هو أنّ القدرة الشرعيّة المأخوذة في خطاب الوضوء، إن أريد منها دخل القدرة التكوينيّة، أو عدم الاشتغال بالضد الأهم في الملاك، فالوضوء صحيح في المقام بالخطاب الترتّبي، و إن أريد منها دخل عدم المنافي المولوي بأن كان مشروطا بعدم وجود حكم شرعي على خلافه، حينئذ لا يمكن تصحيح الوضوء، لأنّ القدرة الشرعيّة بهذا المعنى قد عرفت أنّها قيد شرعي محض لا بدّ في إثباته من تقييد الخطاب به، بحسب لسان دليله، و لا يخفى أنّ ظاهر الأمر بشي‏ء، مشروط بعدم المنافي المولوي حين الإتيان به، حدوثا و بقاء، و لا يكفي عدمه بقاء فقط، لأنّه مقتضى اشتراط الحكم بعدم المنافي الظاهر في ترتّبه عليه.

و بتعبير آخر يقال: إنّ المستفاد من دليل شرطيّة القدرة بهذا المعنى، هو أنّ الأمر بالوضوء لا يجتمع مع فعلية الحكم المنافي له لأنّه يكون معلّقا على عدمه، و في المقام و إن كان كل جزء من أجزاء الواجب في ظرف الإتيان به، لا يوجد مناف مولوي له بالخصوص، إلّا أنّه باعتبار ارتباطيّة هذه الأجزاء و عدم إمكان فعليّة الوجوب الضمني لكل منها مستقلا عن وجوب الآخر، فإنّه لا يمكن فعليّة الأمر بها، لاستلزامها فعليّة الأمر بالوضوء، و المنافي المولوي معا.

هذا و لكنك عرفت عدم الدليل على اشتراط القدرة الشرعيّة بالمعنى المذكور في خطاب الوضوء، كما أنّه لو فرض استفادة ذلك من دليل الأمر الوجوبيّ في الآية، فإنّه يكفي الأمر الندبيّ المطلق في تصحيح الوضوء كما هو واضح.

119

*- المورد الثاني، و الذي استثناه الميرزا (قده) (1) من جريان الترتّب و من ثم خروجه عن التزاحم، هو: ما لو كان المتزاحمان واجبين طوليين، مع كون المتأخر منهما هو الأهم، و كانا مشروطين بالقدرة العقليّة، فلو قدّم الأهم منهما بالأهميّة، فقد ذهب الميرزا (قده) (2) هنا إلى استحالة الأمر بالآخر على وجه الترتّب، و ذلك لأنّ الشقوق المتصورة للترتّب في المقام باطلة كلها.

و توضيحه هو: إنّ الأمر السابق زمانا إذا التزمنا بثبوته على وجه الترتب، فلا بدّ من الالتزام بأنه مقيّد بأحد أربعة قيود:

القيد الأول: أن يكون مقيّدا بعصيان الأمر المتأخر، كما لو قال المولى: «صلّ يوم السبت إذا عصيت صلاة يوم الأحد في ذلك اليوم»، و هذا قد أبطله الميرزا (قده) (3) بوجهين:

الوجه الأول هو: إنّه يلزم منه الشرط المتأخر، و الميرزا (قده) لا يقول به.

الوجه الثاني هو: إنّه يلزم من الأمر بصلاة يوم السبت أن يزاحمه خطاب لزوم حفظ القدرة على صلاة يوم الأحد، لأنّ ملاكها أهم، و وجوب حفظ القدرة خطاب فعلي من يوم السبت، و لو كان يزاحم الأمر بصلاة يوم السبت، الأمر بصلاة يوم الأحد فقط، لتم الكلام.

القيد الثاني: ان يكون شرط خطاب «صلّ يوم السبت» تعقبي العصيان.

و التعقب محاولة يستعملها الميرزا (قده)، للتخلّص من محذور الشرط المتأخر، بدعوى عنوان التعقّب، حيث يرجع الشرط المتأخر إلى عنوان التعقب، فيقال: إنّ الأمر بصلاة يوم السبت، ليس مشروطا بعصيان صلاة يوم‏

____________

(1) فوائد الأصول- الكاظمي ج 1 ص 220.

(2) نفس المصدر.

(3) فوائد الأصول- الكاظمي: ج 1 ص 215- 229- 230.

120

الأحد، لأنّه مقارن، و قد أبطله بوجهين أيضا، نفس الوجه الثاني السابق، و ثانيا بأنّ عنوان التعقب، و إن كان معقولا، إلّا أنّه يحتاج إلى دليل، لأنّه على خلاف القاعدة، و إنما نلتزم به في مورد يدل دليل خاص عليه، كما لو فرض ذلك في بيع الفضولي، و قلنا: إنّ الإجازة مصحّحة بناء على الكشف.

القيد الثالث: أن يكون الشرط عصيان خطاب آخر، كما في مثل خطاب «صلّ يوم السبت بشرط عصيان خطاب حفظ القدرة»، فيقال: «صلّ السبت إن عصيت خطاب احفظ القدرة» كما يقول الميرزا (قده). و هذا عنده غير صحيح، لأنّ عصيان خطاب «احفظ القدرة» يكون بالاشتغال بأحد أضداد صلاة يوم الأحد، كالاشتغال بصلاة يوم السبت، فإن كان عصيان «حفظ القدرة» متمثلا بصلاة السبت، فلا يمكن الأمر بعد ذلك بصلاة يوم السبت، لأنّه تحصيل للحاصل، و إن تمثل عصيان خطاب «حفظ القدرة» بالاشتغال بضد ثالث، إذن سيكون المكلّف عاجزا عن صلاة يوم السبت أيضا لأنّه مشتغل بضدها.

القيد الرابع: أن يكون الشرط هو العزم على العصيان، و على هذا الأساس قال الميرزا (قده) بعدم إمكان الترتّب، و إن كان الصحيح هو إمكان الترتب في هذا الاحتمالات الأربعة.

و إن شئت قلت: إنّ المورد الثاني ممّا ادّعى فيه الميرزا (قده) استحالة الترتّب، و من ثمّ خروجه عن باب التزاحم، هو ما إذا كان المتزاحمان طوليّين مع كون الأهم متأخرا، و كون القدرة عقلية فيهما، فقد ذهب الميرزا (قده) في المقام إلى استحالة الأمر بالمتقدم منهما بنحو الترتّب، و إنّما قيّدا بكون القدرة فيهما عقليّة، لأنّها لو كانت القدرة فيهما شرعيّة فقد تقدّم من الميرزا (قده) أنّه لا يجري حينئذ الترجيح بالأهميّة، و لا بالترجيحات الأخرى الراجعة إليه، أو إلى الترجيح بالقدرة العقلية غير الموجود في شي‏ء منهما، و يكون التخيير حينئذ شرعيا عنده، لوجود قدرة واحدة على الجامع، و ملاك واحد.

121

و لو كانت في أحدهما عقليّة، و في الآخر شرعيّة، فقد عرفت سابقا أيضا عدم إمكان الترتّب عنده في المشروط بالقدرة الشرعيّة حيث لا يوجد إلّا تكليف مطلق بالمشروط بالقدرة العقليّة فقط.

و قد أفاد في منع الترتّب في ذلك، إنّ الأمر بالمتقدّم على نحو الترتب، إنّما يتصوّر على وجوه أربعة، و كلها باطلة:

1- الوجه الأول هو: أن يكون مشروطا بعدم الإتيان بالخطاب المتأخر.

و هذا مستحيل، لأنّه يلزم من ذلك الشرط المتأخر، و هو غير معقول عنده.

هذا مضافا إلى كون هذا التقييد غير كاف لدفع المنافاة بينه و بين خطاب وجوب حفظ القدرة المتولد بلحاظ الواجب المتأخر الأهم.

2- الوجه الثاني هو: أن يكون مشروطا بعدم تعقّب امتثال الأهم، و التعقب شرط مقارن عند الميرزا (قده)، و به حاول تصحيح ما ثبت في الفقه، ممّا ظاهره الإناطة بالشرط المتأخر، و هو مستحيل عنده أيضا، لأنّه لا يدفع المحذور الثاني في الوجه الأول.

هذا مع العلم أنّ التقييد بمثل هذا القيد بحاجة إلى دليل، و لا دليل عليه إثباتا.

3- الوجه الثالث هو: أن يكون مشروطا بعصيان خطاب وجوب حفظ القدرة، و هو شرط مقارن.

و هذا مستحيل عنده أيضا، لأنّ عصيان وجوب حفظ القدرة، إمّا أن يكون بنفس الواجب المتقدم، أو بفعل آخر مضاد لهما- لو فرض وجوده-

و التقييد بكليهما غير معقول، إذ يلزم على الأوّل طلب الحاصل، و على الثاني طلب الضدّين.

122

4- الوجه الرابع هو: أن يكون مشروطا بالعزم على عصيان الواجب المتأخر الذي يكون شرطا مقارنا.

و هذا أيضا غير معقول عند الميرزا (قده)، باعتبار ما تقدم من عدم إمكان الأمر الترتّبي مشروطا بالعزم على العصيان‏ (1).

و التحقيق هو: إنّ ما أفاده الميرزا (قده) في إبطال الوجوه المتقدمة غير تام.

و جواب ما أورده في إبطال الوجه الأول من استحالة الشرط المتأخر، هو: إنّه لا استحالة فيه على ما حقّقناه في محله، و بنينا على إمكانه، إذ لا محذور في أخذ العصيان المتأخر شرطا بعد إمكانه، خصوصا في مثل هذا الشرط.

و توضيحه هو: إنّ الشرط المأخوذ في الوجوب، تارة يكون دخيلا في تماميّة الملاك، و أخرى، يكون دخيلا في تصحيح الخطاب، و القدرة تكون من القسم الثاني في المشروط بالقدرة العقلية، لأنّ القدرة تؤخذ لتصحيح الخطاب دون الملاك، و أمّا الملاك، فإنّه تام على القادر و العاجز.

و حينئذ، القيد المأخوذ للوجوب، إن كان لأجل تتميم الملاك، فقد يستشكل في الشرط المتأخر، بدعوى أنّ المتأخر، مع تأخره كيف يؤثر في تتميم الملاك باعتبار أنّه أمر تكويني، فيلزم منه تأثير المتأخر في المتقدم، و أمّا إذا كان المتأخر قيدا في الوجوب، لأجل تصحيح الخطاب، فلا يأتي فيه تأثير المتأخر في التقدم، حيث يقال للميرزا (قده) بالفم الملآن: إنّ الشرط المتأخر معقول.

و نحن لو بنينا على عدم معقوليته، فإنما نبني على هذا عند ما يكون دخيلا في تتميم الملاك، إذ حينذاك يلزم منه تأثير المتأخر في المتقدم.

____________

(1) أجود التقريرات- الخوئي: ج 1- ص 318- 319.

123

و إن شئت قلت: إنّه لا استحالة في أخذ الشرط المتأخر على ما حقّقناه في محله، خصوصا في أمثال المقام الذي يكون فيه الشرط المتأخر شرطا في الوجوب، لأجل تصحيح الخطاب، أي: إنّه شرط في الخطاب فقط، مع فعليّة الملاك، إذ المفروض كون القدرة في الواجبين عقليّة، و ليس شرطا في الاتصاف كي يتخيّل استلزامه تأثير المتأخر في أمر تكوينيّ متقدم.

و جواب ما أبطل به الوجه الأول ثانية بدعوى بقاء المضادة بين الأمر الترتّبي، و بين خطاب وجوب حفظ القدرة للواجب المتأخر:

فإنّ جوابه أولا: إنّ هذه الدعوى مبنيّة على كون وجوب حفظ القدرة خطابا شرعيا، لا مجرد حكم العقل باستحقاق العقاب على تفويت الواجب الأهم بتفويت القدرة عليه كما حقق في المقدمات المفوتة، إذ على هذا لا يكون هناك إلّا حكم العقل بلزوم إطاعة التكليف الأهم.

و من الواضح أنّ هذا ليس حكما آخر وراء التكليف الأهم، كي تكون له محركيّة زائدة على محركيّة ذلك التكليف، و الحال إنّه قد فرض الفراغ عن عدم المنافاة بين محركيّة الخطاب الأهم المطلق مع محركيّة الأمر الترتّبي، كما عرفت في مبحث الضد.

و جوابه ثانيا هو: إنّه لو فرضنا كون وجوب حفظ القدرة خطابا شرعيا أيضا، و ليس حكما عقليا بلزوم الطاعة، فإنّه مع هذا، لا ريب في أنه حكم طريقيّ محض، للحفاظ على الواجب الأهم.

إذن ليس لوجوب حفظ القدرة على هذا الأساس محركيّة، كي تكون منافية مع محركيّة الأمر الترتّبي بالضد.

و كان الوجه الثاني الذي طرحه الميرزا (قده) (1)، هو أن يكون الشرط هو عنوان التعقّب كما تقدم، و قد أشكل عليه الميرزا (قده) بوجهين:

____________

(1) أجود التقريرات- الخوئي- ج 1

124

1- الوجه الأول هو: الوجه الثاني من الوجهين المتقدمين إشكالا على الأول، و هو بقاء محذور المطاردة بين الأمر الترتّبي، و وجوب حفظ القدرة.

و قد أجبنا عليه بما ذكرناه سابقا من حل مشكلة التصادم بين الخطابين.

2- الوجه الثاني هو: أنّ شرطيّة التعقب، تحتاج إلى دليل خاص على وجود الحكم، كي نلتزم بشرطية التعقب.

و أجبنا عن هذا: بأنّه غير تام، لأنّ شرطية التعقب ليس معناها في مثل هذا المقام إلّا التبعيض في رفع اليد عن وجوب صلاة يوم السبت، أي: في رفع اليد عن الإطلاق في «صلّ يوم السبت»، فالدليل الإثباتي دال على وجوب مطلق سار في كل حال يوجب صلاة يوم السبت فنرفع اليد عنه بأقل مقدار ممكن، و المقدار هذا، هو ما يتعقّبه من صلاة يوم الأحد.

إذن فاشتراط التعقّب هنا، نتيجة الجمع بين عاملين، هما: الإطلاق في «صلّ يوم السبت» و بين أن لا يجوز رفع اليد إلّا عمّا يقتضيه الجمع بين الوجوبين.

إذن فالوجه الثاني الذي أبطله الميرزا (قده)، معقول و غير باطل.

و بتعبير آخر يقال: إنّه يرد على ما أبطل به الميرزا (قده). الوجه الثاني من بقاء محذور الثاني، و هو المطاردة بين الأمر الترتّبي و وجوب حفظ القدرة ما تقدم.

و أجيب على ما أبطل به الميرزا (قده) ثانيا هذا الوجه الثاني من عدم الدليل على شرطية التعقّب إثباتا، بما مجمله: إنّ الدليل موجود، و هو إطلاق الأمر بالواجب المتقدم الشامل لحالة تعقبه بعصيان الواجب المتأخر، حيث لا وجه لرفع اليد عن هذا الإطلاق، كما عرفت، و بهذا يثبت الأمر الترتّبي المشروط بتعقّب عصيان الأهم.

125

و كان الوجه الثالث الذي أبطله الميرزا (قده) هو: شرطيّة عصيان خطاب «حفظ القدرة»، بدعوى أنّ هذا لا يعقل أن يكون شرطا، لأنّه إمّا أن يصلي يوم السبت، و إمّا أن يجلس بلا عمل، و إن فرض أنّ المكلّف أتلف قدرته حيث صلّى يوم السبت، فلا معنى حينئذ ليقال له «صلّ»، و إن أتلف قدرته بالراحة يوم السبت، فلا معنى ليقال له «صلّ يوم السبت»، لأنّه من باب الجمع بين الضدّين و هو غير معقول.

و جواب ما أبطل به هذا الوجه هو أن يقال أولا: إنّ خطاب «حفظ القدرة» يكون عصيانه بأمر عدمي، و هو عدم حفظ القدرة، و هذا يلازم الفعل الوجودي، و هو الصلاة أو التمشي، و ليس هو عين الصلاة يوم السبت، أو عين التمشي.

و ثانيا: لو سلّمنا أنّ عصيان خطاب «احفظ القدرة» يكون بنفس «صلاة يوم السبت، أو التمشي»، فمع ذلك لا بأس بأخذ عصيان خطاب «احفظ القدرة». في موضوع «صلّ يوم السبت».

و النكتة في ذلك هي إنّ القيد ليس هو الصلاة بما هي صلاة، و لا التمشي بما هو تمشي، بل هو الجامع بينهما الذي ينطبق على الصلاة حينا، و على التمشي حينا آخر.

و من الواضح أن التقييد لا يسري من الجامع إلى الفرد كي يلزم منه ما قاله الميرزا (قده)، فلو قال المولى: «إذا جاءك عالم، فصلّ ركعتين»، فالقيد هو جامع العالم المأخوذ بنحو صرف الوجود.

نعم لو كان الجامع مأخوذا بنحو مطلق الوجود، أي: كانت القضيّة انحلاليّة بعدد أفراد الجامع، حينئذ يسري التقييد إلى كل فرد من أفراد الجامع.

و محلّ الكلام من أخذ الجامع، هو ما كان بنحو صرف الوجود،

126

و عليه فلا يلزم، لا محذور تحصيل الحاصل، و لا محذور طلب الجمع بين الضدّين، و عليه، فالترتّب معقول في هذا الوجه.

و بتعبير آخر يقال: إنّ الجواب على ما أبطل به الوجه الثالث أمران:

أ- الأول هو: إنّ حفظ القدرة أمر وجودي، فيكون عصيانه بأمر عدمي، هو عدم حفظ القدرة، و هو ملازم مع الواجب المتقدم ملازمة عدم الضد لضدّه، فيكون التقييد به كالتقييد في سائر موارد الترتّب، حيث يكون الشرط في الأمر الترتّبي هو ترك الضدّ الآخر.

ب- الثاني: إنّ عصيان خطاب «احفظ القدرة»، و لو فرض أنّه يكون بنفس الواجب المتقدم- «صلاة يوم السبت، أو التمشي»- فمع ذلك لا محذور من تقييد الأمر به، لأنّ القيد هو جامع عدم الحفظ، الأعم من الإتيان بالواجب المتقدم، أو بضد آخر، و لأنّ هذا القيد مأخوذ بنحو صرف الوجود.

و من الواضح أنّ التقييد بالجامع المأخوذ بنحو صرف الوجود، لا يسري إلى الأفراد كي يلزم المحذوران، تحصيل الحاصل و طلب الجمع بين الضدّين، بل يبقى على الجامع بحده.

و معه لا يكون الأمر بأحد فرديّ ذلك الجامع، مشروطا بتحقق ذلك الجامع من طلب الحاصل، أو طلب الضدّين.

نعم قد يحصل ما يمنع عن الترتّب، و هو فيما إذا فرض كون الجامع محرّما، و قيل: إنّه عين الواجب المتقدم، أو معلول له، فإنّه حينئذ تسري الحرمة الغيريّة إليه، و بهذا يلزم محذور طلب الجمع بين الضدّين.

إلّا أنّ هذا خارج عن محل الكلام.

و كان الوجه الرابع يقول: بأنّ الشرط هو العزم على العصيان. و قد أشكل عليه الميرزا (قده) إشكالا كبرويّا، لأنّه في بحث الترتّب بناه على صيغة خاصة، و عليه، فلم يقبل فيه الترتّب.

127

و جوابنا عليه هو: إنّنا أثبتنا في أبحاث الترتّب أنّ الترتّب كما يكون ممكنا و لو بأخذ العصيان شرطا، كذلك يكون ممكنا و لو بأخذ العزم على العصيان شرطا.

و عليه، فيمكن الترتّب فيه و لا محذور، كما يمكن الترتّب في الشقوق الأربعة التي ردّها الميرزا (قده).

و إن شئت قلت: إنّ إبطال الميرزا (قده) للوجه الرابع غير تام لما ذكرناه و أثبتناه في أبحاث الترتّب، من إمكانية جعل الأمر الترتّبي مشروطا بالعزم على عصيان الأهم.

و بهذا يتضح معقوليّة الترتّب في المقام، و به يكون مندرجا في باب التزاحم.

المورد الثالث من الموارد التي استثناها الميرزا (قده) (1) من عدم جريان الترتب فيها، و من ثم خروجها عن التزاحم هو: ما لو وقع التزاحم بين واجب و محرم، كما لو توقف الواجب على مقدمة محرمة، كإنقاذ الغريق و اجتياز الأرض المغصوبة، و كان الواجب هو الأهم ملاكا، فاستشكل الميرزا (قده) على الترتب فيه فيما إذا قدّم وجوب ذي المقدمة بالأهميّة، فإنّه لا يتعقل ثبوت حرمة الاجتياز و لو بنحو الترتب.

و توضيحه هو: إنّه تارة نبني على عدم وجوب مقدّمة الواجب.

و أخرى نبني على وجوبها، غير أنّ الوجوب الغيري يختص، أو يمكن أن يختص بالحصة الموصلة.

و ثالثة نبني على وجوب مطلق المقدمة و عدم إمكان اختصاصه بالموصلة فقط.

____________

(1) فوائد الأصول،- الكاظمي: ج 1 ص 232- 333.

128

فعلى الأول: ليس أمامنا إلّا حكمان: حرمة المقدمة، و وجوب ذيها، و في مثل ذلك فرضنا أنّ ذا المقدمة أهمّ فقدّم، و مقتضى ذلك، رفع اليد عن حرمة الحصة الموصلة من المقدمة، لأنّ الحصة الموصلة توأم مع الاشتغال بواجب أهم، فلا تكون حراما. و أمّا الحصة غير الموصلة فلا موجب لسقوط الحرمة عنها، لأنّ التزاحم اندفع بسقوط الحرمة عن الموصلة، إلّا أنّ هذه الحرمة ليست ترتّبيّة، بل هي فعلية، و قيد عدم التوصل قيد في الحرام، لا في الحرمة، إذ فرق بين «إذا لم تنفذ الغريق فلا تمش على الأرض»، فهنا الحرمة مشروطة، و بين أنّه بالفعل «يحرم عليك المشي الخاص»، فالحرمة هنا ليست مشروطة، بل متعلّقها مشروط، فتتعيّن الصيغة الثانية، لأنّ مقتضى إطلاق الهيئة في «لا تغصب»، أنّ الحرمة غير مشروطة، غاية الأمر أن متعلّقها ليس مطلق الغصب، بل الغصب الخاص المجرد عن إنقاذ الغريق، فمقتضى القاعدة الالتزام بحرمة فعليّة مقيّدة.

و عليه، فلا نصحّح الترتّب لوجود ما هو أحسن منه، و هو الحرمة الفعليّة المتعلّقة بحرمة خاصة.

و الشي‏ء نفسه نقوله على التقدير الثاني و هو: فيما إذا بنينا على الوجوب الغيري، و كان هو المتعلق بالموصلة، إذ يمكن ذلك، و بناء على ذلك، لا مانع من حرمة الحصة غير الموصلة مطلقا بمقتضى إطلاق الهيئة في دليل «لا تغصب».

حينئذ هنا، لا نقول بالترتّب، و وجه الأحسنية في كلا التقديرين و أنّ هذه الحرمة هنا تكون ثابتة على وجه الإطلاق، و متعلقة بالحصة غير الموصلة، وجهه، هو: إنّه هنا يمكن اجتماع امتثال كلا التكليفين دون تضاد.

و على هذا لا يرد إشكال المحقق الخراساني (قده) (1) على الترتب،

____________

(1) كفاية الأصول- المشكيني: ج 1- ص 212- 213.

129

من أنّه يؤدي إلى طلب الجمع بين الضدّين، إذ في محل الكلام لا يوجد تضاد، و إن وجد في غير المقام، و عليه، كان ما قلناه أحسن من الترتّب المتعارف.

و أمّا على التقدير الثالث و هو: ما لو بنينا على الوجوب الغيري، و بنينا على أنّه لا يمكن اختصاصه بالموصلة، بل يتعلّق بجامع المقدمة، حينئذ بناء عليه، تتصف هذه المقدمة بأنها واجبة بالفعل، لأنها مقدمة الواجب بالفعل، فيستحيل اتصافها بالحرمة، لا بخصوص الحصة غير الموصلة منها، و لا بصيغة الحرمة الترتّبيّة المشروطة لمطلق المقدمة، إذ كلاهما غير معقول، لأنّ الحصة غير الموصلة مصداق للواجب، فيستحيل أن يكون هذا مصداقا للحرام، لأنّ التنافي هنا بين الملاكين في موضوع واحد.

و دعوى التوفيق بين الوجوب الغيريّ و الحرمة الترتبيّة بأن يقال: بأنّ الوجوب الغيري توأم مع الوجوب النفسي للإنقاذ، لأنهما مشتقّان من ملاك واحد، و الحرمة الترتّبيّة في طول وجوب الإنقاذ فتتأخر عنه، فتتأخر عن الوجوب الغيريّ للمقدمة، إذن فيصطلحان.

هذه الدعوى غير صحيحة، صغرى و كبرى:

أما صغرى: فلأنّه لو سلّم أنّ الوجوب الغيريّ و النفسيّ في مرتبة واحدة، و أنّ الحرمة في طول النفسيّ، فهذا لا يكفي، لأنّ المتأخر عن أحد المتساويين لا يلزم أن يكون متأخرا بالرتبة عن مساويه.

و أما كبرى: فلأنّه حتى لو سلّمنا ذلك فإنّ التقدّم و التأخر الرتبي، لا يسوّغ اجتماع الضدّين على أمر واحد، إذن فهذا لا يفيد في دفع الغائلة المزبورة. إذن على هذا يتعذر الترتّب.

و يمكن التعبير عن المورد الثالث و تحقيق الكلام فيه بتعبير آخر، فيقال: إنّ المورد الثالث الذي استثناه الميرزا (قده) (1) من الترتّب و من ثمّ‏

____________

(1) فوائد الأصول- الكاظمي: ج 1 ص 232- 233.

130

من التزاحم، هو فيما إذا وقع التزاحم بين الواجب و المحرم، كما لو توقف الواجب على اجتياز الأرض المغصوبة، و كان الواجب هو الأهم ملاكا، فإنه في مثل ذلك لا يعقل جعل الحرمة على المقدمة المحرمة- اجتياز الأرض المغصوبة- و لو بنحو الترتب.

و توضيحه هو: إنّه تارة نبني على عدم وجوب مقدمة الواجب، و أخرى نبني على وجوب الحصة الموصلة من مقدمة الواجب، أو اختصاص الوجوب بها، و ثالثة، نبني على وجوب مطلق المقدمة (1) و عدم إمكان اختصاص الوجوب بالموصلة، و حينئذ، فإنّه بناء على الأول و الثاني يمكن تصور إمكان حرمة المقدمة بنحو الترتّب، و ذلك، بأن تكون المقدمة محرمة على تقدير عدم الإتيان بالواجب الأهم، و لكن الصحيح هو حرمة الحصة غير الموصلة من المقدمة مطلقا، حيث أنّه لا مانع من حرمتها كذلك، و لا تزاحم بينها و بين فعل الواجب، بل يمكن امتثالهما معا. و معه يبقى إطلاق الهيئة في خطاب «لا تغصب» على حاله.

نعم لا يعقل حرمة المقدمة الموصلة، لأنّ ذلك يستلزم التكليف بغير المقدور بعد فرض إيجاب ذيها، بل يستلزم محذور اجتماع الحرمة و الوجوب في واحد مع كون العنوان واحدا.

هذا لو قيل بوجوبها، لأنّ الواجب هو واقع المقدمة لا عنوانها.

فلو قيل: بأنّ الأمر دائر بين تقييد مدلول هيئة النهي عن المقدمة بما إذا لم يأت بذي المقدمة الأهم، أو تقييد المادة بالحصة غير الموصلة منها، و لا تعيّن لأحدهما أو ترجيحه على الآخر.

فإنه يقال: إنّ إطلاق المادة ساقط على كل حال، كما عرفت في محله، من رجوع شرائط الهيئة إليها في مثل المقام، إذ لا يعقل إطلاق المادة و صدقها في مورد لا يثبت فيه مفاد الهيئة، فتقيّدها بالحصة غير

____________

(1) كفاية الأصول- المشكيني ج 1 ص 148.

131

الموصلة معلوم على كل حال، و معه لا موجب لرفع اليد عن إطلاق الهيئة لإثبات حرمة مطلقة للمقدمة غير الموصلة.

و أمّا بناء على التقدير الثالث: فإنّه لا يعقل جعل الحرمة على المقدمة مطلقا لأنّ جعلها، و لو مشروطا، يتنافى مع عدم إمكان تخصيص وجوبها بالموصلة، إذ حينئذ يقع التعارض بين دليل حرمة المقدمة، و دليل وجوب ذيها، و يكون هذا من باب التعارض دون التزاحم.

و ما يمكن أن يدّعى من أنّ الأمر الغيري بالمقدمة هو في رتبة الأمر النفسي بذي المقدمة، لأنّ الأمر الغيري بالمقدمة مترشح من الأمر النفسي بذي المقدمة.

أو قل لا أقل أنهما في رتبتين متصلتين لأنّ تحريم المقدمة الترتّبي، متأخر عن الأمر النفسيّ برتبتين، لأنّه متأخر عن ترك الواجب النفسي المتأخر عن الأمر به، و على هذا الأساس لا مانع من تعلق التحريم بالمقدمة لعدم اجتماعه مع الوجوب الغيريّ في رتبة واحدة.

و هذا غير تام صغرى و كبرى.

أما صغرى: فلأنّ المتأخر عن أحد المتلازمين أو المتساويين لا يلزم أن يكون متأخرا بالرتبة عن مساويه، أو ملازمة الآخر، هذا مضافا إلى المناقشة في أصل تأخر الخطاب الترتّبي بالمهم عن خطاب الأهم، كما عرفت ذلك في أبحاث الترتّب.

و أمّا كبرى: فلما عرفته سابقا في أبحاث الترتّب من أنّ محذور اجتماع الضدّين في واحد، لا يرتفع بتعدد الرتبة.

و بهذا يتبيّن أنّه لا يمكن جعل الخطاب الترتّبي التحريميّ على المقدمة المحرمة على التقادير كلها في بحث وجوب المقدمة، و إنما الممكن، إمّا خطاب تحريميّ مطلق، حيث لا تزاحم و لا تعارض، أو خطاب تحريميّ يتعارض مع الأمر بذي المقدمة، و قد تقدم القول فيه.

132

المورد الرابع ممّا استثناه الميرزا (قده) (1) من الترتب و من ثمّ التزاحم، هو:

فيما إذا كان هناك تلازم بين الواجب و الحرام، كاستقبال القبلة الملازم لشي‏ء آخر حرام.

فإن فرض كونهما متلازمين متساويين فواضح، لأنّه إذا قدّم أحدهما بأيّ ملاك كان، يجعل من المتعذّر ثبوت الآخر و امتثاله، و عليه، فلا يتصور الترتب.

و بإمكانك أن تهتدي بمثال إثبات وجوب استقبال الجدي بعد أن تعذّر استقبال القبلة الملازم لاستدبار الجدي، فإنّه يلزم من ذلك طلب الحاصل، إذ لو كان استقبال القبلة الملازم لاستدبار الجدى، هو المأمور به الأصلي، و أريد إثبات وجوب استقبال الجدي بالأمر الترتّبي عند عصيان استقبال القبلة، فإنه يلزم من ذلك طلب استقبال الجدي بعد فرض حصوله، إذ لا يصح أن يقال: «إن لم تستقبل القبلة، فاستقبل الجدي»، و ذلك لأن عدم استقبال القبلة ملازم لاستقبال الجدي خارجا، فيلزم طلب استقبال الجدي بعد حصوله.

و إن ناقشت بالمثال، فعليك بمثال الجهر و الإخفات الذي تقدم الكلام عنه في رد مقالة كاشف الغطاء (قده) (2). و أمّا إذا كان أحدهما أعم من الآخر، فيتصور الترتب و هو في حالة تقديم الأعم على الأخص.

و الخلاصة: إنّه من خلال المورد الثالث، يتضح الحال في جميع موارد التزاحم بين الواجب و الحرام و منها هذا المورد، فيما إذا كان الواجب أهم، و لو لم يكن الحرام مقدمة للواجب، أو بين الحرامين، فإنّه لا حاجة

____________

(1) فوائد الأصول- الكاظمي: ج 1 ص 238.

(2) فوائد الأصول- الكاظمي: ج 1 ص 221- 222.

133

فيها إلى الترتّب، لأنّه إذا كان عصيان الواجب متلازما مع فعل الحرام دائما، كما في المثال المزبور، فحينئذ يكون من اللغو و طلب الحاصل، جعل الخطاب التحريميّ، و لو بنحو الترتب، لأنّ عصيان الواجب هنا مساوق مع فعل الحرام دائما.

و إن كان عصيان الواجب غير مساوق مع امتثال الحرام، كما لو أمكنه فعل الحرام أيضا، فإنّه حينئذ لا مانع من جعل التحريم المطلق على الحصة المقيّدة بترك الواجب من ذلك الحرام، من دون حاجة إلى الترتّب و دفع محذور المطاردة بين التكليفين فيه، إذ لا مانع من فعليّة مثل هذا الخطاب التحريميّ مع الأمر بالواجب الأهم، لأنّ المكلف قادر حينئذ على امتثالهما معا من دون أن يلزم من ذلك طلب الجمع بين الضدّين.

نعم إذا كان ترك الاشتغال بالواجب من شرائط حصول الملاك التحريميّ فيه، أي: كان ترك الاشتغال بالواجب من شرائط الاتصاف بالنسبة للحرام، حينئذ تكون الحرمة مقيّدة بعدم الاشتغال بالواجب بنحو الترتب، و لكن هذا خلاف إطلاق الهيئة، فيكون منفيا به.

و ما يدّعى من دوران الأمر بين تقييد المادة، أو الهيئة، فقد عرفت جوابه ممّا تقدّم. و هذا بخلاف التزاحم في الواجبات، إذ إنّ الأمر المطلق بالمهم غير ممكن، و لو أنّنا قيّدنا الواجب بالحصة الخاصة المقارنة لترك الأهم هناك، لاستلزم الأمر بالقيد، و هو ترك الأهم، و بذلك يكون منافيا للأمر بالأهم.

و محاولة المحقق العراقي (قده) (1) إرجاع الأمر بالمهم في موارد الترتّب، إلى حرمة تركه المقرون بترك الأهم، و الذي سمّاه بوجوب سدّ باب عدمه المقرون بعدم الأهم، عند ما كان يناقش المحقق الخراساني (قده) في‏

____________

(1) مقالات الأصول- العراقي: ج 1 ص 340- 341. طبعة جديدة.

134

الترتّب، هذه المحاولة، و إن كانت معقولة ثبوتا، إلّا أنّها خلاف ظاهر الأوامر إثباتا.

المورد الخامس: من الموارد التي استثناها الميرزا (قده) (1) من باب الترتب و من ثم الخروج عن باب التزاحم.

هو: مورد اجتماع الأمر و النهي، فإنه بناء على القول بالامتناع و عدم المندوحة، يدخل في باب التعارض و يخرج عن التزاحم، و أمّا إذا قلنا بجواز الاجتماع، فإنّه يدخل في باب التزاحم، و حينئذ، إذا قدّم دليل «لا تغصب». على دليل «صلّ» لكون النهي أهم ملاكا، فهل يمكن أن يثبت دليل «صلّ» على وجه الترتّب؟ بمعنى أنّه لو غصب، و دخل الدار، هل يعقل أن يقول له المولى مثلا: «إذا غصبت، فصلّ على الأقل» فيثبت الأمر بالصلاة على نحو الترتب، أم إنّه لا يعقل ذلك؟

ذهب المحقق النائيني (قده) إلى الثاني‏ (2)، و الصحيح هو الأول.

و توضيح ذلك هو أن يقال: إنّ جواز الاجتماع له مبنيان:

1- المبنى الأول، هو: إنّ تعدّد العنوان يوجب تعدّد المعنون، فالصلاة و الغصب كاشفان عن مصداقين في الخارج، و أحدهما غير الآخر.

2- المبنى الثاني، هو: إنّه بعد الاعتراف بأنّ المصداق الخارجي واحد، و ليس ما بإزاء أحد العنوانين خارجا، إلّا نفس ما بإزاء الآخر، لكن مع هذا يقال: لا بأس باجتماع الأمر و النهي، لأنّ النهي متعلق بالعنوان، و الكثرة في العنوان تكفي لدفع غائلة طلب الحاصل، أو اجتماع الضدّين.

فإن قلنا بالأول: فيمكن الترتب حينئذ، فيكون الحال من قبيل التلازم بين الواجب و الحرام، و قد قلنا فيما تقدّم: إنّه يعقل الترتب إذا لم يكونا

____________

(1) فوائد الأصول- الكاظمي: ج 1 ص 241- 272.

(2) فوائد الأصول- الكاظمي: ج 1 ص 272.

135

متلازمين متساويين بحيث لا ينفك معصية «الأهم» منهما عن امتثال الآخر «المهم» فإذا فرض خلو معصية أحدهما عن امتثال الآخر «المهم»، فيعقل الأمر بالصلاة على نحو الترتب.

و أمّا إذا قلنا بالثاني، لكن من حيث تعدّد العناوين و كثرتها، و أنّ الأحكام تتعلق بالعناوين فلا بأس بالترتّب، و إن كان القول بالترتب هنا يتعرض لإشكالين:

1- الإشكال الأول، هو: إنّ قوله: «إذا غصبت» ينطبق على نفس الصلاة. و على فعل آخر كالتحرك، حينئذ، يأتي إشكال الميرزا (قده) (1)، و هو أنّ الغصب المأخوذ شرطا في وجوب الصلاة، إمّا أن يتحقق بنفس الصلاة، أو بضدّها.

و من الواضح هنا، إنّه لا يعقل تعلّق الأمر بالصلاة المتحقق بالصلاة، للزوم تحصيل الحاصل، كما أنّه لا يعقل تعلّق الأمر بضدها للزوم الجمع بين الضدّين، إذن فلا يمكن الترتب.

و جوابه ما تقدّم، من أنّ أخذ الجامع قيدا بنحو صرف الوجود، لا يلزم منه سريان التقييد إلى الفرد الذي ينطبق عليه الجامع، و كون الجامع ينطبق عليهما ليس معناه أنّ التقييد يسري إلى الفرد، كي يلزم تحصيل الحاصل، أو الجمع بين الضدّين، و إنّما التقييد يقف على صرف الجامع.

2- الإشكال الثاني: هو إنّ مقتضى الجواب عن الإشكال الأول، هو إنّ المأخوذ قيدا في موضوع خطاب الصلاة، هو جامع الغصب بنحو صرف الوجود، فكأنّ المولى قال: «إذا أوجدت جامع الغصب بين الصلاة و المشي، فأوجده في ضمن الصلاة».

و هذا غير تام، و ذلك لأنّ هذه الصلاة مكوّنة من جزءين: أحدهما

____________

(1) فوائد الأصول- الكاظمي: ج 1 ص 272.

136

جامع الحركة الذي هو الجامع بين الصلاة و التمشّي، و الجزء الآخر: هو خصوصيّة هذه الحركة، و كونها حركة صلاتية، و عليه، فيكون الأمر المتعلّق بالصلاة، متعلقا بكلا هذين الجزءين، و المفروض أنّ الجزء الأول منهما، و هو جامع الحركة، قد فرض وجوده، لأنّه أخذ قيدا في موضوع خطاب الصلاة، كما عرفت، و معه لا يعقل تعلق الأمر به لأنّه تحصيل للحاصل.

نعم لو كان الأمر الترتّبي متعلقا بالجزء الثّاني، و هو خصوصيّة هذه الحركة بما هي حركة صلاتيّة فقط دون الجزء الأول، حيث يكون المعنى، أنّه إذا أوجدت الجامع فليكن هذا الجامع متخصصا بالخصوصيّة الصلاتية، لكان ذلك معقولا، إلّا أنّ هذا خلاف ظاهر دليل «صلّ» الذي نريد أن نثبت بواسطته الخطاب الترتّبي بالصلاة، فإنّ ظاهره أنّه متعلق بكلا الجزءين، و عليه، فيلزم الإشكال المزبور، من تحصيل الحاصل، أو الجمع بين الضدّين.

إلّا أنّ هذا الإشكال غير تام، و حاصل جوابه هو: إنّ جامع الحركة الذي تعلّق به الأمر الترتّبي، و إن كان مفروض الحصول، لكونه مأخوذا في موضوع الأمر الترتّبي، إلّا أنّ حصوله كان استقلاليا، و المفروض أنّ الأمر الترتّبي يطلب حصوله ضمنيا لا استقلاليا، لأنّ الأمر الترتّبي تعلق بالصلاة المؤلفة منه، و من جزء آخر، و ما كان حاصلا استقلالا لا مانع من طلب حصوله ضمنا.

و عليه يثبت إمكان الترتّب في هذا المورد.

و قد ظهر ممّا ذكرنا أنّه بعد تسليم إمكان الترتّب كبرويّا، فإنّ معقوليته في أيّ مورد تتوقف على شرطين:

1- الشرط الأول: هو أن لا يكون خطاب «المهم» مشروطا بالقدرة الشرعيّة، بمعنى عدم وجود أمر بالخلاف.

الشرط الثاني: هو أن لا يكون عصيان «الأهم» ملازما لامتثال «المهم»

137

كما في الضدّين اللّذين لا ثالث لهما، كما عرفت ذلك مفصلا.

و عليه، فمتى ما تحقّق هذان الشرطان تمّ الترتّب.

كما أنّه قد ظهر ممّا ذكر أنّه قد يتوفر هذان الشرطان، و رغم ذلك لا يجري الترتّب، إلّا أنّ ذلك ليس من جهة استحالة جريانه، بل لعدم وجود أيّ داع له، لأنّه يوجد ما هو أحسن منه، كما عرفت تفصيله سابقا.

و الخلاصة، هي إنّه من مجموع ما تقدم، اتضح أنّ اللّازم في صحة الترتّب، و دخول اجتماع الأمر و النهي في باب الترتّب، و من ثم في باب التزاحم، هو أن يتوفر الشرطان المزبوران في أول بحث التزاحم، و هما:

عدم كون التكليف مقيّدا بالقدرة الشرعية، بمعنى عدم الأمر بالخلاف.

و الشرط الثاني، هو عدم كون اللّازم من عصيان الخطاب الآخر تحقّق متعلّق التكليف، كما في الضدّين اللّذين ليس لهما ثالث.

كما أنه اتضح ممّا تقدّم، أنّ موارد التزاحم بين الواجب و الحرام، أو بين محرّمين، لا يحتاج فيها للتحفظ على الخطاب التحريمي إلى مبنى إمكان الترتّب، لأنّ مقتضى القاعدة فيها، هو ثبوت الحرمة مطلقا مع تقييد الحرام بالحصة الخاصة المقرونة بترك مزاحمه.

التنبيه الثالث من تنبيهات التّزاحم، هو: في إمكان تصوير التّزاحم و تطبيق أحكامه على الواجبات الضمنية.

بعد أن عرفنا تصويره و تطبيق أحكامه بالنسبة للواجبات الاستقلالية، «كالصّلاة»، و «الإزالة»، فقد يقال: بأنّ التّزاحم يتصوّر في الواجبات الضمنية أيضا، كما لو كان هناك واجب مركب من عدة أجزاء و كان المكلف قادرا على كل جزء منها وحده، إلّا أنّه تعذّر عليه الجمع بين جزءين منها، كما لو عجز عن الجمع بين «القيام و الركوع» اللّذين هما واجبان ضمنيّان.

138

فحينئذ قد يقال بوقوع التزاحم بين هذين الواجبين الضمنيّين. كما ذهب إليه المحقق النائيني (قده) (1)، حيث أنّه لا يفرق الحال في تطبيق قواعد باب التزاحم بين الواجبات الاستقلاليّة المتزاحمة، و الواجبات الضمنية، كما لو وقع ذلك بين أجزاء المركب الارتباطي.

إلّا أن السيد الخوئي (قده) (2) أنكر ذلك، و جعل مثل هذا التزاحم، موجبا لدخوله في باب التعارض، لرجوعه إلى التنافي بحسب عالم الجعل.

و يمكن أن يبرهن على عدم إمكان التزاحم في المقام بأربع صيغ:

1- الصيغة الأولى، و حاصلها هو: إنّ جعل الوجوب الضمني ليس استقلاليا، بل هو ضمني في ضمن جعل الأمر بالمركّب من مجموع الأجزاء.

و عليه، ففي المقام يوجد أمر واحد قد تعلّق بالمركب من مجموع الاجزاء العشرة، و هو «الصلاة».

و حينئذ نقول: إنّ الصلاة إن كانت مقدورة بجميع أجزائها، فيؤتى بالجميع، و لا تزاحم، و أمّا إذا لم تكن الصلاة مقدورة بجميع أجزائها، بل طرأ عليها عجز، سواء أ كان هذا العجز عن جميع العشرة، أو عن جزء معيّن، أو جزء غير معيّن، بل مردّد بين أمرين: «كالركوع و القيام»، ففي جميع هذه الصور يسقط الأمر الأول المتعلق بالصلاة، لانتفاء القدرة على متعلقه، و إذا سقط، فيقع الشك في ثبوت أمر جديد ببقيّة الأجزاء المقدورة، إن كان هناك أجزاء مقدورة، و في مثله تجري البراءة لأنّه شك في أصل التكليف، فلا تزاحم في المقام.

و أمّا لو فرض أنّا علمنا بأنّ المولى جعل أمرا جديدا بالنسبة لبقية

____________

(1) محاضرات فياض: ج 3 ص 293.

(2) محاضرات فياض: ج 3 ص 294- 297- 299- 301.

139

الأجزاء المقدورة، و لكن جهلنا كيفيّة جعله، و وقع الشك في أنّه هل جعل أمرا بتسعة أجزاء ليس فيها ركوع، أو إنّه جعل أمرا بتسعة أجزاء ليس فيها قيام، أو جعل أمرا بإحدى التسعتين على نحو التخيير، فمثل هذه تكون شبهة حكميّة، فلا بدّ من تطبيق أحكام الشبهة الحكميّة فيها، و ليس هذا من التزاحم.

و عليه، فالتزاحم غير متصوّر في الواجبين الضمنيين على جميع هذه التقادير المفروضة.

2- الصيغة الثانية، هي أن يقال: إنّ هذين الجزءين و هما «القيام و الركوع»، اللّذين عجز المكلف عن الجمع بينهما.

إمّا أن يفرض أنّ كلا منهما له دخل في الملاك الذي من أجله أمر المولى بالصلاة، و حينئذ فمع تعذّر أحدهما يسقط الأمر بالصلاة لانعدام ملاكه، لأنّ المفروض أنّه متقوم بكلا هذين الجزءين.

و إمّا أن يفرض أنّ أحد هذين الجزءين المعيّن، و هو «الركوع» مثلا، له دخل في الملاك دون القيام، ففي مثل ذلك يكون عندنا وجوب واحد متعلّق بما يشتمل على الركوع، و أين هذا من التزاحم.

و إمّا أن يفرض أنّ الدخيل في الملاك هو الجامع بين هذين الجزءين، ففي مثل ذلك يكون عندنا وجوب واحد متعلّق بالجامع، و أين هذا من التزاحم أيضا.

و إمّا أن يفرض أنّ كلا الجزءين غير دخيل في الملاك، ففي مثله يكون وجوب واحد متعلّق بباقي الأجزاء، و أين هذا من التزاحم أيضا.

و بهذا يثبت عدم إمكان تصوير التزاحم، بناء على جميع هذه الفروض المتصورة في المقام.

و إن شئت قلت: إنّ الجزءين المتزاحمين إمّا أن يكونا معا مؤثرين في الملاك الذي من أجله أمر المولى بالواجب الارتباطي، «الصلاة» مطلقا.

140

و إمّا أن تكون دخالتهما في الملاك مخصوصة في حال القدرة عليهما.

و إمّا أن يكون أحدهما المعيّن مؤثرا مطلقا دون الآخر.

و إمّا أن يكون الجامع بينهما هو المؤثر في الملاك.

و من الواضح أنّ شيئا من هذه الفروض ليس له علاقة بالتزاحم، لأنّه بناء على الأول، يلزم منه سقوط التكليف رأسا، للعجز عن إمكان تحصيل الملاك منه.

و لو بنينا على الثّاني، فإنّه يلزم منه ثبوت التكليف بسائر الأجزاء فقط.

و إن بنينا على الثالث، فإنّه يلزم منه التكليف بسائر الأجزاء إضافة إلى الجزء المؤثر في الملاك.

و إن بنينا على الرابع فإنّه يلزم منه التكليف بسائر الأجزاء مع الجامع بين الجزءين.

3- الصيغة الثالثة، هي: أن يقال: بأنّ الوجوب الضمني مجعول بعين جعل الوجوب الاستقلالي، و حينئذ، فكل شرط يؤخذ قيدا في الوجوب الضمني، لا بدّ و أن يكون مأخوذا في الوجوب الاستقلالي.

و عليه، فلا يعقل أن يكون في المقام وجوبان ضمنيّان متعلّقان بالركوع و القيام، لأنّ موضوع هذين الوجوبين هو «القادر عقلا و شرعا» لا محالة.

و حينئذ، فلا بدّ من كون كل من هذين الوجوبين مشروطا بترك الآخر، لفرض عجز المكلّف عن الجمع بينهما.

و هذا ينتج، أنّ جعل الأمر الاستقلالي بالصلاة مشروط بترك الاثنين معا، كما عرفت، من أنّ كل شرط يؤخذ في الوجوب الضمني، لا بدّ و أن يكون مأخوذا في الوجوب الاستقلالي، فإذا أخذ في موضوع كل من هذين الوجوبين الضمنيّين ترك الآخر، فيكون معنى هذا، أنّ الأمر بالصلاة المركّبة

141

من عشرة أجزاء، مشروط بترك هذين الجزءين منها، و هذا غير معقول، لأنّ الأمر بالعشرة على أن يترك بعضها غير معقول.

و بهذا يثبت عدم إمكان تصوير التزاحم في المقام لعدم إمكان جعل وجوبين ضمنيّين في محل الفرض.

و إن شئت قلت: إنّ الوجوب الضمني مجعول بعين جعل الوجوب الاستقلالي، فهو غير مستقل في الجعل.

و عليه، فأيّ شرط يؤخذ فيه، لا بدّ و أن يكون مأخوذا في الجعل الاستقلالي، و حينئذ، عند ما يتراءى لنا وجوبان ضمنيّان، يتعذّر على المكلف الجمع بينهما، كما لو قدر على الركوع دون السجود، فقد يقال بوقوع التزاحم بينهما.

فإذا أردنا أن نتعامل مع الواجبين الضمنيّين كما نتعامل مع الواجبين الاستقلاليّين المتزاحمين من حيث أنّ كلا منهما مجعول على موضوعه، و هو «القادر عقلا و شرعا»، كان لازم ذلك، أخذ هذا الموضوع في الخطاب الاستقلالي أيضا.

و من الواضح أنّ القدرة على كل منهما، لا تكون إلّا بترك الآخر، و معنى كون إيجابهما مشروطا بالقدرة، هو اشتراط ذاك الوجوب الاستقلالي بترك الاشتغال بالجزءين معا، و معنى هذا أنّ الأمر بالصلاة المركّبة من عشرة أجزاء يكون مشروطا بعدم الاشتغال بشي‏ء من أجزائه، و هو واضح الفساد.

4- الصيغة الرابعة، هي: أنه قد عرفت في حال التزاحم بين الواجبين الاستقلاليّين «كالصلاة و الإزالة» أنه يتنجّز كلا الوجوبين في حق المكلف في حال تركهما معا، لأنّ وجوب كل منهما مقيّد بالقادر بمعنى يساوق ترك الآخر، فينتج أنّه إذا ترك الاثنين معا، تنجّز الوجوبان في حقه، لفعليّة شرط كلا الوجوبين، فإنّه بلحاظ تركه للصلاة، يتمّ في حقه موضوع وجوب الإزالة، و بلحاظ تركه للإزالة يتم في حقه موضوع وجوب الصلاة، و هذه‏

142

النتيجة، و هي فعليّة كلا الواجبين عند تركهما لفعليّة شرطهما، مستحيلة، فيستحيل ملزومها، و هو الأمر المشروط بنحو الترتّب.

و الوجه في استحالة هذه النتيجة، هو: إنّ الوجوبين في المقام جزءان تحليليّان من وجوب واحد، فلو فرض أنّ المكلف ترك كلا الواجبين، كان شرط كلا الأمرين الضمنيّين فعليا، و من ثمّ يصبح الأمر بالمركب كله فعليا.

و معنى هذا، ثبوت أمر استقلالي واحد يطلب فيه الجمع بين الضدّين، و هو محال لما عرفت، لا الجمع في الطلب كما هو الحال في الطلبين الاستقلاليّين المتزاحمين كما أشكل المنكرون للترتّب.

و قد تقدّم و ذكرنا أنّ هذا اللازم صحيح، و نلتزم به في الاستقلاليين، و لذلك، قلنا على أساسه بتعدد العقاب في صورة ترك الواجبين، و إن كان هذا اللازم لا يعقل الالتزام به في الوجوبين الضمنيّين.

و الوجه في ذلك أنّه في حالة ترك كلا الجزءين، «القيام و الركوع»، فسوف يجب كلا الجزءين، لأنّه بلحاظ تركه «للقيام» يتنجّز في حقه وجوب «الركوع»، و بلحاظ تركه «للركوع»، يتنجز في حقه وجوب «القيام».

و المفروض أنّ هذين الوجوبين ضمنيّان، راجعان إلى وجوب واحد، فكأنّ المولى طلب الإتيان بالجزءين معا.

و هذا الأمر غير معقول، لعدم القدرة على متعلّق هذا الأمر، و المفروض أنّ متعلّق الأمر، لا بدّ و أن يكون مقدورا.

و هذا الإشكال لا يأتي في الواجبين الاستقلاليّين لأنّ المفروض فيهما وجود أمرين، لا أمر واحد، و مع وجود أمرين لا إشكال كما عرفت تفصيله في محله.

و عليه، فلا يمكن في المقام فرض وجوبين ضمنيّين.

و معه فلا يمكن تصوير التزاحم.

143

و ربّما يمكن في المقام إبداء نكتة، تثبت عدم كفاية هذه الصيغ، لإثبات استحالة تصوير التزاحم بين الواجبين الضمنيّين.

و حاصل هذه النكتة هي: إنّه يمكن افتراض تعلّق الأمر ابتداء بعنوان المقدور من أجزاء المركب.

و هذا عنوان جامع ينطبق على مجموع الأجزاء المقدورة، و على المقدور منها، إذا كان بعضها تعينيا غير مقدور. و عند ما يقع التزاحم بين اثنين منها، يكون ترك كل منهما محققا للقدرة على الآخر، فيكون الآخر مقدورا، و يكون هو الواجب المطلوب.

و هذا هو معنى انّ الأمر بكل منهما مشروط بترك الآخر، كما هو الحال في الواجبين الاستقلاليّين المتزاحمين.

و هذه النكتة، إن تمّت، فإنّها تثبت فشل كل الصياغات المتقدمة لإثبات استحالة التزاحم بين الواجبين الضمنيّين.

أمّا بطلان الصيغة الأولى، فيقال: انّه يمكن تصوير التزاحم بناء على التقدير الثاني، و هو ما إذا لم تكن الصلاة مقدورة بجميع أجزائها، فإنّه حينئذ، إذا كان قادرا على تسعة أجزاء منها، و عجز عن أحد الجزءين، إمّا «القيام» أو الركوع»، فيقع التزاحم بين الوجوبين الضمنيّين المتعلقين بهذين الجزءين.

و ذلك بأن يقال: بأنّ المولى، جعل أمرا بعنوان المقدور من العشرة، فيأمر بالإتيان بما هو الممكن من العشرة، و لا يأمر بعنوان العشرة لكي يقال بسقوط هذا الأمر بسبب العجز عن أحد أفراده كما عرفت تفصيله، بل يأمر بعنوان المقدور من العشرة و حينئذ، فإذا عجز المكلف عن جزء معين من العشرة، فسوف ينطبق الأمر على التسعة الباقية من العشرة، و إذا فرض أنّه عجز عن أحد الجزءين لا بعينه، كما هو فرض الكلام، كما لو عجز عن الجمع بين القيام و الركوع، فحينئذ يبقى الأمر متعلقا بعنوان المقدور من العشرة.

144

و هذا العنوان ينطبق على الركوع مع الأجزاء الثمانية، إذا لم يؤت بالقيام، كما أنّ هذا الأمر ينطبق على القيام مع الأجزاء الثمانية، إذا لم يؤت بالركوع.

و حينئذ يدور الأمر بين حالتين من الامتثال، إمّا الثمانية مع الركوع، و إمّا الثمانية مع القيام، و كل من هاتين الحالتين إذا امتثلت، ترفع موضوع الآخر، و بذلك يقع التزاحم بين هاتين الحالتين الناشئة من التزاحم بين الواجبين الضمنيّين.

و بهذه النكتة أمكن تصوير التزاحم بين الواجبين الضمنيّين، و بطل ما ذكر في الصيغة الأولى.

و الخلاصة هي: إنّه لأنّ الواجب في هذه الصيغة هو المقدور من الأجزاء العشرة، و ليس الأجزاء العشرة بعنوانها، لكي يسقط الوجوب بالعجز عن البعض، حينئذ كل من الجزءين المتزاحمين مقدور على تقدير ترك الآخر، فيقع التزاحم، فإمّا أن يؤتى بالثمانية مع الركوع، على فرض ترك القيام، أو العكس.

و أمّا بطلان الصيغة الثانية: فإنّنا نختار منها الشق الأول، و هو كون كل من الجزءين دخيلا في ملاك الصلاة، لكن لا مطلقا، حتى يرد الإشكال السابق، بل مقيدا بالقدرة، بمعنى يستبطن عدم الاشتغال بالواجب الضمني الآخر، فتكون القدرة شرعية، و يكون دخل الركوع في ملاك الصلاة متوقفا على عدم الإتيان و الاشتغال بالقيام. كما أن دخل القيام في ملاك الصلاة، يكون متوقفا على عدم الاشتغال بالركوع، و حينئذ يقع التزاحم بين الواجبين الضمنيّين، لأنّ كلا منهما دخيل في ملاك الصلاة، من دون ورود الإشكال السابق، لما عرفته من أنّ الدخالة مشروطة لا مطلقا.

و عليه، فيبطل ما ذكر في الصيغة الثانية.

و خلاصة حلّ الصيغة الثانية، هو أن يقال: لأنّ الدخيل في الملاك، كما عرفت، إنما هو المقدور من الأجزاء، و المفروض أنّ كلا من الجزءين‏

145

على تقدير ترك الاشتغال بالآخر مقدور، إذن، فيكون مأمورا به على هذا الأساس، و هو معنى الترتّب.

و بهذا يبطل ما ذكر في الصيغة الثانية.

إلّا أنّ هذا الحل للصيغة الثانية غير صحيح، إذ لو تمّ فإنّه يستدعي أن يكون التزاحم بين الواجبين الضمنيّين المشروطين بالقدرة الشرعية دون القدرة العقليّة، لأنّ معنى كونهما مشروطين بالقدرة العقلية، هو دخالة الواجبين الضمنيّين في الملاك مطلقا، و حينئذ يرد الإشكال السابق الذي ذكر في هذه الصيغة، كما عرفت، و كذا الحال لو كان أحدهما فقط مشروطا بالقدرة العقلية، لأنّ معنى ذلك، استحالة الأمر بالآخر حتى في حال عدم الاشتغال بالمشروط بالقدرة العقلية، لأنّه بناء على ذلك، يستحيل تحصيل الملاك، لأنّ دخالة المشروط بالقدرة العقلية دخالة مطلقة، و حينئذ، فعدم الإتيان به يفوّت الملاك، و إذا فات الملاك يستحيل الأمر بالآخر الذي يفرض كونه مشروطا بالقدرة الشرعية.

و الحاصل، هو: إنّ حلّ هذه الصيغة بالنحو الذي ذكر، لو تمّ، فإنّه لا يكون إلّا بين الواجبين الضمنيّين المشروطين بالقدرة الشرعيّة، و بذلك لا يمكن إجراء أكثر مرجحات باب التزاحم في المقام، إذ قد تقدّم ترجيح ما كان مشروطا بالقدرة العقليّة على ما كان مشروطا بالقدرة الشرعيّة.

فلو كان أحد الواجبين مشروطا بالقدرة العقلية، و الآخر مشروطا بالقدرة الشرعيّة، تعيّن الأمر بما يكون مشروطا بالقدرة العقليّة دائما.

و بذلك يستحيل الترتّب، فيستحيل التزاحم.

بينما هنا على أساس حل هذه الصيغة الثانية، فإنّ التزاحم لا يكون إلّا بين الواجبين الضمنيّين المشروطين بالقدرة الشرعيّة، و على أساسه، فلا يمكن ترجيح ما كان مشروطا بالقدرة العقليّة على ما كان مشروطا بالقدرة الشرعيّة، لما عرفت من عدم إمكان فرض كون أحدهما مشروطا بالقدرة

146

العقليّة. و إذا كان هذا الحل لا يتم إلّا بين الواجبين الضمنيّين المشروطين بالقدرة الشرعيّة، فإنّه يثبت التخيير بينهما دائما، و لم يمكن إجراء شي‏ء من مرجّحات باب التزاحم.

أمّا الترجيح بالقدرة العقليّة، فقد عرفت وصفها.

و أمّا عدم الترجيح بالأهميّة، فلما عرفت من أنّ الترجيح بها فرع كون الواجبين مشروطين بالقدرة العقليّة، و المفروض في حل الشبهة كونهما مشروطين بالقدرة الشرعيّة، إذن فلا يجري الترجيح بالأهميّة.

و كذلك لا يجري ترجيح ما لا بدل له على ما له بدل، لأنّه فرع الترجيح بالأهميّة، فهو راجع إليه، و قد عرفت إنّه لا مجال له في المشروطين بالقدرة الشرعيّة، و كذلك لا يمكن تصور الترجيح بالأسبقية الزمانية، إذ قد تقدّم عدم تماميته، حتى لو أريد به سبق الوجوب، فإنه لا موضوع له في المقام، حتى لو قيل به في الواجبين الاستقلاليّين، و ذلك لكون الوجوبين الضمنيّين متعاصرين زمانا، و إن أريد به سبق الواجب، فإنّ الأمر بالمتقدم يكون متعيّنا دائما.

و حينئذ لا يبقى مجال للأمر بالمتأخر لو ترك المتقدم، إذ بتركه يفوت الملاك، و هو واحد بحسب فرض الكلام.

و أمّا بطلان الصيغة الثالثة، على أساس النكتة، هو أن يقال: بأنّ الوجوب الضمني لكل من الركوع و القيام، لم يقيّد بالقدرة، بمعنى يستبطن ترك الآخر، حيث تكون القدرة شرعيّة، و ليرد بالتالي الإشكال المزبور، بل القدرة أخذت شرطا في الواجب، و يكون الوجوب متعلقا بعنوان المقدور، و بذلك يقع التزاحم.

و إن شئت قلت: إنّ الصيغة الثالثة كانت مبنيّة على أن يكون الأمر بالأجزاء بعنوانها، مع أخذ عدم كل من الجزءين بعنوانه في موضوع الأمر بالآخر، و أمّا إذا كان الأمر متعلقا بعنوان المقدور من الأجزاء كما لو قال:

147

«إذا كنت قادرا على شي‏ء من الأجزاء فأت به»، فلا محذور منه أصلا، إذ يكون كل من الجزءين على تقدير ترك الجزء الآخر مقدورا، فيكون كل منهما على تقدير ترك الآخر واجبا.

و بتعبير آخر: فإنّ المقدور في حقه هو أحد الجزءين، فلا يجب عليه أكثر من أحدهما مع سائر الأجزاء.

و أمّا إبطال النكتة للصيغة الرابعة، هو: ان يقال: انّ ما ذكر في هذه الصيغة من لزوم الأمر بالضدّين غير وارد حتى لو ترك المكلف الواجبين الضمنيّين معا، و ذلك لأنّ الواجب هو عنوان المقدور، و هذا الواجب يستحيل تطبيقه على الجمع بين الضدّين، لأنّ هذا الجمع غير مقدور، و المفروض أنّ عنوان المقدور كما يستبطن القدرة بمعنى عدم الاشتغال بواجب آخر، فكذلك يستبطن القدرة التكوينيّة، و الجمع بين الضدّين غير مقدور تكوينا.

و بذلك يرتفع إشكال الصيغة الرابعة و يقع التزاحم على أساس تلك النكتة.

و بهذه النكتة، يقال بجريان التزاحم، و يبطل ما ذكر في الصيغ الأربعة لإبطال التزاحم بين الواجبين الضمنيين.

و إن شئت قلت: إنّ الأمر إذا كان متعلقا بالمقدور من الأجزاء، إذن فهو لا ينطبق إلّا على سائر الأجزاء و الجامع بين الجزءين المتزاحمين، لأنّه المقدور للمكلف، إذن فلا يلزم طلب الجمع بين الضدّين، و قد عرفت أنّ هذه النكتة على فرض تماميّتها، فإنّها لا تنفع في إجراء أكثر مرجحات باب التزاحم في المقام فلا نعيد.

و التحقيق في المقام، هو عدم إمكان تصوير التزاحم بين الواجبين الضمنيّين، و ما ذكر من النكتة غير تام، و ذلك، لأنّ قيد القدرة المستبطن‏

148

لعدم الاشتغال بواجب آخر، إن أخذ قيدا في الوجوب فهو محال، لما ذكر في الصيغ الأربعة كما تقدّم.

و إن أخذ قيدا في الواجب، فهو خلف، لأنّ هذا القيد زائد، و على خلاف مقتضى القاعدة، و المفروض أنّنا نتكلّم في مقام إثبات كون التزاحم بابا مستقلا عن باب التعارض، استندنا في ذلك إلى مقتضى القاعدة، على أساس ذلك المخصّص اللبّي العقلي العام لكل خطاب، إذن فأخذ قيد آخر في الواجب هو تصرف بالدليل.

هذا مضافا إلى أنّه لو تعقّلنا التزاحم بين الواجبين الضمنيّين، فإنّ ذلك لا يفيد الفقيه شيئا، لأنّ الدليلين اللّذين يعالجهما الفقيه، ليسا هما الوجوبين الضمنيّين، بل هما دليلا الجزئيّتين لقوله (ع): «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب»، «و لا صلاة إلّا بطهور»، و نحو ذلك، و ليس مفاد أمثال هذه الأدلة هو الوجوب الضمني ليقال بوقوع التزاحم بينها، بل مفادها هو جزئيّة «الفاتحة و الطهارة» و التي هي حكم وضعي.

و من الواضح أنّ عنوان الجزئيّة لا يوجد فيه مخصّص لبّي يقيّده بعدم الاشتغال بجزء آخر، لأنّ هذا التقييد من شئون الأحكام التكليفيّة، و عليه فلا مانع من الإطلاق في دليل كل جزء، بحيث تكون الجزئيّة ثابتة حتى في حال الاشتغال بجزء آخر.

و معنى ذلك، أنّ جزئيّة «الركوع» تكون ثابتة حتى في حال الاشتغال «بالقيام»، و كذلك العكس في القيام.

و لازم ذلك، هو سقوط الأمر بالصلاة رأسا، لعدم التمكن من امتثالها حينئذ، لأنّ المفروض عدم التمكن من الإتيان بالركوع و القيام معا.

و بما أنّ هذا اللازم، و هو سقوط الصلاة، لا نلتزم به، إذن فلا بدّ أن يكون أحد هذين الإطلاقين غير ثابت، و بذلك يقع التعارض بين الإطلاقين، و يخرج الفرض عن محل التزاحم الذي هو محل الكلام.

149

و بهذا يثبت أنّ التزاحم حتى لو قيل بإمكانه بين الواجبين الضمنيّين، فهو لا يفيد الفقيه.

و إن شئت قلت في عدم تماميّة هذه النكتة: إنّ القدرة إن أخذت قيدا للوجوب، إذن تتم هذه الصياغات الأربع في استحالة التزاحم، لأنّ معنى كون القدرة قيدا للوجوب، هو الأمر بالأجزاء العشرة بعنوانها، لكن مشروط بالقدرة عليها.

و أمّا إذا فرض كون هذه القدرة قيدا للواجب، كما هو مفروض النكتة، حينئذ يكون من الأمر بالجامع بين المتزاحمين، و هو يختلف عن باب التزاحم الذي يوجد فيه أمران تعينيّان، و لا يتأتّى فيه البيان الذي استطعنا به أن نخرج باب التزاحم على مقتضى القاعدة عن باب التعارض الحقيقي ببركة المقيّد اللبّي المستلزم لدخوله في باب الورود، كما عرفت، إذ إنّ جعل القدرة قيدا للواجب هو تصرف في ظهور الدليلين الدالّين على وجوب كل من الجزءين بعنوانه، و هذا ليس جائزا على القاعدة، بل مقتضى القاعدة أنّه لو علم بعدم سقوط الواجب الاستقلالي في مورد التزاحم، فإنّه يقع التعارض بين دليلي الجزءين، و إلّا كان مقتضى القاعدة سقوط الواجب مطلقا للعجز عنه، هذا مضافا إلى أنّ أدلة الأجزاء و الشرائط ظاهرة في الإرشاد إلى الجزئيّة و الشرطيّة.

و هذا المعنى ليس موردا للتزاحم، إذ ليس مفاده حكما تكليفيا يستحيل ثبوته للمتزاحمين معا كي نفتش عن المقيّد اللبّي له، بل مقتضى إطلاقات هذه الأدلة لحال العجز ثبوت الجزئيّة أو الشرطيّة فيه أيضا، و عليه فيلزم سقوط التكليف الاستقلالي بالمجموع رأسا.

فلو فرض العلم من الخارج بعدم سقوطه وقع التعارض حينئذ، بين إطلاق دليلي الجزءين المتزاحمين على أساس العلم بانتفاء إحدى الجزئيتين، و به يخرج الفرض عن باب التزاحم الذي هو محل الكلام.

150

التنبيه الرابع من تنبيهات التزاحم: هو في إجراء أحكام التزاحم على ما لو وقع التزاحم بين الواجب الموسّع و المضيّق‏

، و مثاله المشهور، هو نذر زيارة الحسين (ع) في اليوم التاسع، (يوم عرفة) من كلّ عام قبل الاستطاعة، فيقع التزاحم بين الوجوبين، «الحج و النذر»، و حينئذ يبحث في أنّه أيهما يقدّم على الآخر، «الحج، أو النذر»، أو إنه يخيّر بينهما؟.

الذي ينبغي أن يقال ابتداء هو: تقديم وجوب الحج على النذر، و بيان هذا يكون بعدة تقريبات:

التقريب الأول: هو: أن يقال بتقديم وجوب الحج حيث يقال: بأنّ دليل وجوب الوفاء بالنذر، لم يؤخذ في موضوعه القدرة الشرعيّة، و كذلك دليل وجوب الحج، لم يؤخذ في موضوعه القدرة الشرعيّة أيضا، إذن فكلا الدليلين مشروط بالقدرة العقليّة.

و عليه، فالمرجح فيهما هو، إمّا الأهميّة، أو محتمل الأهميّة، أو ما كانت الأهميّة فيه أكثر احتمالا، و لا إشكال في وجود الثلاثة في الحج، إذن فهنا افتراضات ثلاث:

أ- الافتراض الأول هو: إنّه لم تؤخذ في موضوع النذر، القدرة الشرعيّة، و هو أسوأ تقدير، فلا يجب إقامة البرهان عليه.

الافتراض الثاني هو: إنّه لم تؤخذ في موضوع دليل وجوب الحج، القدرة الشرعيّة، و هذا يجب إقامة البرهان عليه.

و هنا قد يتوهّم بأنّ دليل وجوب الحج أخذ فيه قيد القدرة الشرعيّة، باعتبار تقييد الخطاب بالاستطاعة، و معناه كون القدرة فيه شرعيّة.

و هذا التوهم غير صحيح.

أمّا أولا: فلأنّ القدرة هنا ينبغي أن تحمل على معناها العرفي،

151

و المعنى العرفي لها هو القدرة التكوينيّة في مقابل العجز التكويني.

و يلحق بهذا العجز، ما كان عجزا تكوينيا بالمسامحة، مثل ما إذا كان من قبيل المشقة عليه، و أمّا استبطان القدرة هذه لعدم الاشتغال بضد واجب، فليس هذا مأخوذا في موضوع دليل وجوب الحج.

و قد تقدّم أنّ ما كانت القدرة التكوينيّة دخيلة في ملاكه فقط، فهو، كغير المشروط، لا يؤثّر فيه الاشتغال بضد واجب، و الملاك فيه محفوظ على كل حال.

و ثانيا هو: إنّ دعوى أنّ آية الحج أخذ في موضوعها الوجدان و قد فسّر بالقدرة الشرعيّة.

هذه الدعوى، مرفوضة، لأنّ الوجدان معناه الوجدان التكويني، لا عدم الاشتغال بضد واجب، غايته أنّ العجز التكوينيّ يشمل المشقة، و هي الفرد الدقّي، و بهذا عطف المريض عليه، و هذا فرد من العجز، إذن فعطف المرض على السفر لا يعني تطعيم القدرة بمعنى شرعي كما ذهب إليه الميرزا قده».

و لو تنزّلنا و قلنا بأنّ هذه القرينة الميرزائيّة لو وجدت لتوسّع مفهوم القدرة، فمثل هذه القرينة غير موجودة في آية الحج، إذ مقتضى حمل اللفظ على معناه الظاهر منه عرفا، هو أن تكون القدرة تكوينيّة بمعناها العرفي.

ج- الافتراض الثالث هو: أن يقال: بأنّ الاستطاعة فسّرت في الروايات بالزاد و الراحلة، فلو فرض طلب هذه القدرة، فإنّه حينئذ لا بدّ من تقييدها بحدود هذا المقدار، و عليه، فلا نستفيد كون القدرة المأخوذة في الآية دخيلة في الملاك.

و حينئذ بعد أن ثبت ذلك يقال: بأنّ المتعيّن هو تقديم دليل وجوب الحج على دليل الوفاء بالنذر، لأنّ دليل وجوب الحج إن لم يكن معلوم الأهميّة فهو محتملها بحسب الروايات الواردة في الحج و إنّه من أهم‏

152

الواجبات، و إنّه من جملة ما بني عليه الإسلام، فهذه إن لم تكن قرينة قطعيّة على أهميّة الحج، فلا أقل من كونها محتملة القرينيّة، و بهذا يكون محتمل الأهميّة فيقدّم على النذر.

و إن شئت قلت في هذا التنبيه: إنه نسب إلى المحقق الثاني (قده) (1) القول بعدم جريان التزاحم، فيما إذا وقع بين واجب موسع و واجب مضيّق، كما في نذر زيارة الحسين (ع) في (يوم عرفة) من كل عام، و ذلك لإمكان الأمر بالواجب الموسّع المزاحم مع الواجب المضيّق في عرض واحد، و من دون حاجة إلى تقييد أحدهما بعدم الإتيان بالآخر، ذلك لأنّ الواجب الموسّع يرجع إلى إيجاب الجامع بين الأفراد الطوليّة.

و عليه، يكون الإتيان بهذا الجامع مع الواجب المضيّق مقدورا، فلا يلزم من الأمر بهما في عرض واحد المحال.

و عليه، فلا حاجة للأمر بهما على نحو الترتّب كي نجري التزاحم.

و قد منع من ذلك المحقق النائيني (قده) (2)، بدعوى، أنّ ما قاله المحقق الثاني (قده) مبتنيا على كون القدرة شرطا في التكليف بحكم العقل، لكونه يقبّح تكليف العاجز، بينما الخطاب بنفسه يخص متعلقه بالحصة المقدورة لأنّ مفاد الخطاب هو البعث و التحريك، و هو غير معقول نحو غير المقدور، حتى لو أنكرنا التحسين و التقبيح العقليّين، و كان الممتنع الشرعي كالممتنع العقلي، و حينئذ، لا بدّ من كون متعلّق الأمر مقيدا بالحصة المقدورة عقلا و شرعا من أفراده.

و معنى هذا إنّه لا إطلاق في الواجب الموسّع للفرد المزاحم، لعدم القدرة عليه شرعا، و هو معنى عدم إمكان الأمر به في عرض الأمر بالمضيّق.

____________

(1) جامع المقاصد- الكركي: ج 5 ص 13- 14.

(2) فوائد الأصول- الكاظمي: ج ص 271- 272.

153

نعم يمكن الأمر به بنحو الترتّب.

و اعترض السيد الخوئي (قده) (1) على المحقق النائيني (قده) بما حاصله: هو إنّ ما هو المشهور من كون الإنشاء إيجادا للمعنى باللفظ، مشهور لا أساس له أصلا، و إنّما حقيقة التكليف عبارة عن اعتبار المولى كون الفعل على ذمة المكلّف، و إبرازه بمبرز «ما»، و لا نتعقّل معنى سوى ذلك للتكليف و الإنشاء، و حينئذ نقول: إنّ اعتبار المولى الفعل على عهدة المكلّف، لا يقتضي الاختصاص بالحصة المقدورة، و لا نفس التكليف يقتضي اعتبار القدرة في متعلقه، و إنّما العقل يعتبرها شرطا في لزوم الامتثال و الإطاعة.

و لكن اعتراض السيد الخوئي (قده) غير تام، و ذلك لأنّ المدّعى فيما أفاده الميرزا قده»، ليس هو أخذ عنوان الباعثيّة و التحريك في المدلول التصوري لصيغة الأمر، كي يربط بينه و بين ما هو الصحيح في تشخيص معنى صيغة الأمر، أو الصياغة العقلائيّة للأحكام.

و إنّما المدّعى هو إنّ الخطاب المشتمل على التكليف، مهما كان مدلوله اللفظي التصوري، فإنّه يكشف كشفا تصديقيا عن أنّ داعي المولى من وراء خطابه إنّما هو بعث المكلّف، و تحريكه نحو الفعل، إذ مثل هذا الظهور التصديقي في أدلّة الأحكام، لا ينبغي التردّد فيه، و ليس المراد من الخطاب التكليفي مجرد إخطار معناه على ذهن المكلف، إذ لا يكون المراد منه حينئذ إلّا لقلقة اللسان و الاعتبار.

و لأجل كون المدّعى عند الميرزا (قده) هكذا، فلا يعقل حينئذ أن يتعلّق الخطاب بغير المقدور.

____________

(1) محاضرات فياض: ج 3 ص 66- 68 بتصرف- أجود التقريرات: ج 2 هامش صفحة 368.

154

و الصحيح في الجواب هو أن يقال: إنّ داعي الباعثيّة و التحريك، لا يتطلّب أكثر من كون متعلق الخطاب مقدورا، و الحال إنّ متعلّق الواجب الموسّع مقدور، لأنّ متعلقه هو الجامع بين الأفراد المقدورة و غير المقدورة.

و عليه، يكون هذا الجامع مقدورا، لأنّ الجامع بين المقدور و غير المقدور مقدور، و ليس متعلّق الواجب الموسّع هو كل فرد فرد.

و على هذا الأساس لا موجب لتقييد الواجب بالفرد غير المقدور، بل يبقى المتعلّق هو الطبيعة الكليّة، و يمكن للمكلّف تحقيق هذا الواجب في ضمن أيّ فرد، و يكون تحقيقه هذا امتثالا للتكليف.

نعم لو رجع التخيير العقلي في الواجب الموسّع إلى التخيير الشرعي، حيث يكون متعلّق الأمر هو كل فرد مشروطا بترك الأفراد الأخرى، حينئذ لا يكون الخطاب شاملا للفرد غير المقدور- كما في الفرد المزاحم- إلّا بنحو الترتّب.

و قد تقدّم في محلّه عدم رجوع التخيير العقلي إلى الشرعي، بل قد عرفت أنّ العكس هو الصحيح.

2- التقريب الثاني: هو أن نتحفظ فيه على ما افترضناه في دليل الحج من أنّ القدرة الشرعيّة غير مأخوذة فيه، لكن لا نتحفظ على ما أخذ في دليل وجوب الوفاء بالنذر من كونه مقيدا بالقدرة الشرعيّة، لأنّ دليل وجوب الوفاء بالنذر قد قيّد بأن يكون غير مناف مع شرط اللّه تعالى لما دلّ على أنّ «شرط اللّه قبل شرطك» (1)، و هذا يقتضي أن تكون الوجوبات الناشئة من قبل غير منافية لشرط اللّه تعالى.

و هذا واضح في أخذ القدرة الشرعيّة في دليل الوفاء بالنذر.

____________

(1) وسائل الشيعة- الحر العاملي: ج 17 ب 22 ص 409.