بحوث في علم الأصول - ج6

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
749 /
155

بينما دليل وجوب الحج لم يؤخذ فيه شي‏ء من هذا.

و عليه، فنطبق المرجّح الآخر للتزاحم، فنقدم ما كان مشروطا بالقدرة العقلية، على ما هو مشروط بالقدرة الشرعيّة.

3- التقريب الثالث: هو أن نتنزّل في دليل وجوب الحج، و نفترض أنّ القدرة المأخوذة فيه، قد طعّمت بالمعنى الشرعي.

و هنا أيضا يقدم دليل وجوب الحج على دليل وجوب النذر، لأنّه على هذا، و إن أصبح كل من الخطابين مشروطا بالقدرة الشرعيّة.

أمّا دليل وجوب الوفاء بالنذر، فلما تقدّم.

و أمّا دليل وجوب الحج، فهو مشروط بالقدرة الشرعية بالمعنى الأول، و هو كون الملاك، عدم الاشتغال بضد واجب، بينما دليل وجوب الوفاء بالنذر مشروط بالقدرة الشرعية بالمعنى الثاني، و هو كون الملاك متوقفا على عدم وجود أمر بالخلاف، سواء اشتغل بضد واجب آخر، أو لم يشتغل.

و قد برهنّا سابقا على أنّ المشروط بالقدرة الشرعيّة بالمعنى الأول، يقدّم على المشروط بالقدرة الشرعية بالمعنى الثاني.

4- التقريب الرابع: هو أن نتنزل و نفترض أنّ القدرة المأخوذة في دليل وجوب الحج، لها سنخ معنى حيث ينتفي بوجود المانع الشرعي، و لو مع عدم الاشتغال بضد واجب، بدعوى أنّ الممتنع شرعا كالممتنع عقلا، و عليه، يصبح دليل وجوب الحج أيضا مشروطا بالقدرة الشرعيّة بالمعنى الثاني، لأنّ مرجعه أنّ الملاك في دليل الحج متوقف على عدم المانع، فيصبح كلا الدليلين مشروطا بالقدرة الشرعية بالمعنى الثاني.

و مع هذا نقدم دليل وجوب الحج على دليل وجوب الوفاء بالنذر، إذ قد برهنّا هناك على أنّه كلما وجد خطابان مشروطان بالقدرة الشرعيّة بالمعنى‏

156

الثاني، و كان أحدهما مشروطا بأن لا يوجد مانع بقطع النظر عن الخطاب الآخر، و كان الخطاب الثاني مشروطا بعدم المانع الشرعي بالفعل، فإنّه حينئذ يقدّم الخطاب الثاني على الخطاب الأول.

و هنا خطاب الوفاء بالنذر، مشروط بعدم المانع الشرعي، بقطع النظر عن خطاب الحج، فإنّ خطاب الوفاء بالنذر مسبوق في المرتبة السابقة بشرط اللّه تعالى، فإنّ ما كان شرطا للإنسان و مخالفا لشرط اللّه، و هو مخالفة كتابه، حينئذ يلغى شرط الإنسان.

و هذا معناه، إنّ خطاب وجوب الوفاء بالنذر أخذ في موضوعه عدم المانع في نفسه، و إلّا فإن لم يوجد مانع فلا بأس.

أمّا دليل وجوب الحج حتى بعد التنزل، و تطعيم القدرة فيه بالمعنى الشرعي للقدرة، فإنّه مع هذا، ليس المقصود بالمانع في دليل وجوب الحج المعنى اللّولائي، كما هو مقصود في دليل وجوب الوفاء بالنذر.

فدليل وجوب الوفاء بالنذر بقطع النظر عنه، هو مشروط بعدم المانع في نفسه، و لكنّ دليل وجوب الحج إذا قيّد فهو مقيّد بعدم المانع العقلي.

و عليه، فيقدّم دليل وجوب الحج على دليل وجوب النذر، أو العهد، إذا تزاحما.

ثم إنّه بقطع النظر عمّا تقدم من وجوه، فقد ذكر وجهان آخران لتقديم دليل وجوب الحج على دليل وجوب النذر، و كذلك فقد ذكرت وجوه لتقديم دليل وجوب النذر على دليل وجوب الحج نستعرضها تباعا.

و نستعرض أولا الوجهين اللذين ذكرا لتقديم دليل وجوب الحج على دليل وجوب الوفاء بالنذر:

1- الوجه الأول: هو إنّه لم يؤخذ في موضوع دليل وجوب الحج، القدرة الشرعية، بينما أخذ في موضوع دليل وجوب الوفاء بالنذر القدرة

157

الشرعيّة، و حينئذ، إذا تزاحما، يقدّم ما لم يؤخذ في موضوعه القدرة الشرعيّة على ما أخذ في موضوعه القدرة الشرعيّة، لأنّ الأول، و هو الحج مطلق و منجز فعلي، و الثاني، و هو النذر، مشروط، و يحتمل أن تذهب المزاحمة بالشرط و لا نتمكن من تحصيله.

و أمّا أنّ دليل الحج لم يؤخذ في موضوعه القدرة الشرعيّة، فلما تقدّم في التقريب الأول.

و أمّا أنّ دليل وجوب الوفاء بالنذر، أخذ في موضوعه القدرة الشرعيّة، فيكفي ما ذكرناه فيما تقدّم.

و توضيحه، هو: انّ وجوب الوفاء بالنذر، موضوعه النذر، و هو الالتزام، أي التزام الشخص بالإتيان بعمل معيّن، و التزام الشخص بعمل لا يعقل أن يتعلّق إلّا بالمقدور، إذ إنّ العاقل لا يلتزم بما لا يدخل تحت قدرته، فالالتزام النذري بحسب طبعه يستدعي أخذ القدرة فيه بحسب جعل الناذر، و ذلك لاستحالة أن يلتزم بالعمل على أيّ حال حتى لو كان ميّتا، أو مشلولا.

إذن فالالتزام هو موضوع دليل وجوب الوفاء بالنذر، و القدرة مأخوذة فيه، فمع العجز، لا نذر، و لا عهد. إذن فلا يتصوّر كون الملاك فيه مطلقا حتى لحال العجز، فالمصلحة في الوفاء، و المفسدة في الحنث، متقوّمة بالقدرة، و هذا معناه، أنّ القدرة شرعيّة، و بهذا يتمّ تقديم دليل وجوب الحج على وجوب الوفاء بالنذر.

و هذا الكلام لا يخلو من خدشة، و ذلك لأنّ الأمر و إن كان كما أفيد من حيث أنّ الناذر لا يلتزم إلّا بالمقدور و تكون حينئذ القدرة دخيلة في ملاك وجوب الوفاء بالنذر على أساس أنّه في حال العجز، لا ملاك لوجوب وفاء الناذر.

لكن هنا نسأل: أيّ قدرة هذه التي تكون دخيلة في ملاك وجوب الوفاء بالنذر؟.

158

أ هي القدرة التي لا بدّ و أن تؤخذ في موضوع التزامه، و هي القدرة التكوينية في مقابل العجز التكويني؟.

إن كانت هذه هي القدرة، فهذا يبرهن على أنّ القدرة التكوينيّة تكون مأخوذة في موضوع النذر، و بالتالي في الوجوب الشرعي.

أم هي القدرة بمعنى أوسع حيث يشمل القدرة الشرعية، و عدم الاشتغال بضد واجب آخر؟.

إن كانت هذه هي القدرة الدخيلة في ملاك وجوب الوفاء بالنذر، فهي ممّا لا برهان على لزوم أخذها في موضوع النذر، لأنّه يعقل أن يلتزم الناذر بالفعل على كل حال، حتى لو كان مشغولا بواجب آخر، بحيث أنّ هذا الالتزام يصرفه عن الواجب إلى الفعل هذا.

و مثل هذا معقول من الناذر، و لو لكي يتخلّص من الأضداد على أمل أن يمضي الشارع له هذا.

إذن فلا برهان من ناحية هذا البيان، على أنّ القدرة بمعنى الاشتغال بواجب تكون ثابته أو داخلة، بل لا يبرهن على أكثر من دخل القدرة التكوينية في وجوب الوفاء.

و قد تقدّم و قلنا في بحث المرجّحات: إنّ المغلوب هو الواجب الذي يثبت أنّ القدرة فيه- بمعنى عدم الاشتغال بضد واجب- دخيلة في ملاكه، لا القدرة التكوينيّة.

أما إذا ثبت أنّ القدرة التكوينيّة دخيلة في ملاكه، فلا يكون حينئذ مغلوبا و مرجوحا.

و عليه، إذن فهذا التقريب غير صحيح.

الوجه الثاني: و هو مبني على التنزّل بشكل جديد، و ذلك بأن نفترض أنّ كلا الدليلين، دليل وجوب الحج، و دليل وجوب الوفاء بالنّذر، مشروط

159

بالقدرة الشرعيّة، بنحو واحد، بحيث لا يكون ميز لأحدهما على الآخر، و مع ذلك، يقدّم دليل وجوب الحج باعتباره الأسبق زمانا.

و قد تقدم بأنّ أحد المرجّحات للمشروطين بالقدرة الشرعيّة هو الأسبقيّة الزمانية، أي كون أحدهما أسبق زمانا.

و توضيحه، هو: إنّنا نبني على امتناع الواجب المعلّق، و نقول: إنّ وجوب زيارة الحسين (ع) يوم عرفة لا يكون إلّا في يوم عرفة، لا من حين انعقاد النذر و إنشائه، أو تحقق الشرط، كي لا يلزم من ذلك الواجب المعلّق و إنما يصبح فعليا حين أداء الفعل المنذور.

و أمّا وجوب الحج، فلا إشكال في فعليّة وجوب الخروج إليه و تهيئة الزاد و الراحلة قبل مجي‏ء (ذي الحجة)، و بذلك يكون وجوب الحج أسبق زمانا.

و هذا الكلام غير صحيح، لأنّ وجوب الخروج، إن أريد به وجوب غيري مولوي، باعتباره مقدمة للواجب، فهذا معناه، الالتزام بوجوب الحج من أول الأمر، و معنى هذا هو الالتزام بالواجب المعلّق، و هو خلف، إذ قد فرض امتناعه.

و إن فرض أنّ وجوب الخروج من باب المقدمات المفوّتة عقلا، بحيث أنّ تفويتها يضيّع الواجب في حينه، فهذا معناه، أنّ ملاك الحج ليس مشروطا بالقدرة، إذ لو كان مشروطا بالقدرة لانتفى الملاك، إذن، بضياع المقدمات، لا إنّه يضيّع.

و يلزم من هذا، أن تكون القدرة عقليّة لا شرعية، و أمّا إذا كانت شرعية، كما هو المفروض، فلا تجب مقدماته المفوتة قبل الوقت، كما حقق في محلّه.

و إن شئت قلت: إن فرض كون القدرة في الواجبين عقليّة، فقد عرفت عدم الترجيح فيهما بالأسبقيّة الزمانيّة.

160

و إن فرض كون القدرة شرعيّة:

فإن أريد من تقدم الحج زمانا تقدّم الوجوب الغيري المقدمي، فهذا يستلزم تقدم الوجوب النفسي للحج أيضا، و هذا خلف الالتزام باستحالة الواجب المعلّق، كما فرض في هذا الوجه.

و إن أريد به تقدم وجوب الخروج للحج الثابت بحكم العقل، من باب وجوب المقدمات المفوتة قبل وقت الواجب، فهذا لا يصح إلّا في واجب يكون ملاكه فعليا في الوقت، و هو متوقف على أن تكون القدرة فيه عقليّة، و أمّا إذا كانت القدرة فيه شرعيّة، كما هو المفروض، فلا تجب مقدماته المفوتة قبل الوقت، كما عرفت في محلّه.

قد يقال: إنّ شرط فعليّة الملاك هو ثبوت القدرة على الواجب، و لو قبل الوقت، و ذلك بالقدرة على مقدماته المفوتة.

فيقال: إنّه لو استظهر ذلك من دليل شرطيّة القدرة، فإنّه يبطل الترجيح بالأسبقيّة، لأنّ المتأخر زمانا، سوف يكون ملاكه فعليّا، و يكون الاشتغال بالمتقدم تفويتا له، لا رافعا لموضوعه، كما عرفت.

هذا، و قد عرفت في بحث الترجيح بالأسبقيّة الزمانية، أنّ الراجح هذا يحتاج إلى استظهار تقييد زائد في دليل الخطاب، حيث لا يمكن تخريجه على القاعدة.

ثم إنّنا نستعرض ثانيا وجهين آخرين لترجيح دليل وجوب الوفاء بالنذر على دليل وجوب الحج:

1- الوجه الأول: هو إنّ دليل وجوب الحج، قد أخذ في موضوعه قيد القدرة الشرعيّة باعتبار قيد الاستطاعة، و لم يؤخذ مثله في دليل وجوب الوفاء بالنذر.

و عليه، تكون القدرة في الحج دخيلة في ملاكه، بينما في النذر تكون دخيلة في خطابه فقط، و بهذا يقدّم النذر عند التزاحم على الحج.

161

و هذا الكلام غير صحيح، و يرد عليه.

أولا: إنّ دليل وجوب الحج لم يؤخذ في موضوعه القدرة الشرعية.

و ثانيا: إنّ دليل وجوب الوفاء بالنذر، أخذ في موضوعه القدرة الشرعيّة.

و ثالثا: لو سلّم أنّ دليل وجوب الحج، قد أخذ في موضوعه القدرة الشرعيّة، دون النذر، لكن مجرّد عدم أخذ القدرة الشرعيّة في لسان الدليل، لا يثبت كون القدرة عقليّة، كما عرفت، بل غاية ما ينتج، هو أن نشك في أنّ ملاك وجوب الوفاء بالنذر، هل هو مطلق حتى لحال العجز عن الفرد المزاحم، أو إنّه ثابت في حال القدرة فقط؟.

و حينئذ لا بدّ من الرجوع إلى نكتة سابقة في مثل هذا المورد، و هي إنّ أحد الدليلين لو كانت القدرة دخيلة فيه جزما، بينما نحتمل أن تكون هذه القدرة دخيلة في الآخر، فإنّه يقدّم ما كانت القدرة فيه محتملة الدخول في ملاكه، على ما جزم بدخولها في ملاكه.

2- الوجه الثاني: لترجيح دليل وجوب الوفاء بالنذر، هو أن يقال:

بأنّ كلا من الدليلين مشروط بالقدرة الشرعيّة، و رغم هذا يقدّم دليل وجوب الوفاء بالنذر لأسبقيّته زمانا على دليل وجوب الحج.

و هذا الكلام باطل مبنى و بناء:

أمّا مبنى: فلما عرفت من كونهما غير مشروطين بالقدرة الشرعيّة معا.

و أمّا بناء: فلأنّه لو سلّم بأنّهما مشروطين بالقدرة الشرعيّة، فالأسبقيّة زمانا عبارة عن الأسبقيّة بلحاظ زمان الواجب و الوجوب لا سبق الوجوب فقط بدعوى أنّ القدرة الشرعية المأخوذة في كل منهما تنصرف إلى ذلك.

بل الميزان في التقديم، السبق بلحاظ زمان الواجب و الوجوب كما تقدم تفصيله.

162

و عليه، فالصحيح تقديم دليل وجوب الحج على دليل وجوب الوفاء بالنذر، لما عرفته سابقا.

و بذلك ينتهي بحث الترتب و التزاحم الحقيقي الذي هو خارج عن باب التعارض الحقيقي.

و لو لا أنّ قسما آخر من التزاحم هو بحسب الحقيقة من باب التعارض- و إن سمّاه المحقّق الخراساني (قده) بالتزاحم بين مقتضيات الأحكام و ملاكاتها في مقام التأثير- لكنّا أكملنا البحث فيه، لكنّه خلاف الغرض.

163

[الاوامر]

الأمر بشي‏ء مع علم الآمر بانتفاء شرطه‏

هذا العنوان ظاهر في الفراغ عن الجواز مع عدم العلم بانتفاء الشرط.

و إنما الإشكال تسبّب من ناحية علم الأمر بالانتفاء.

و من الواضح أنه ينبغي أن يحمل على أنّ ما يكون قد انتفى شرطه هو مرتبة من الأمر.

و ما يتكلم عن جواز صدوره إنما هو مرتبة أخرى من الأمر، و إلّا فمن الواضح إنّه لو كان المقصود «بالأمر» في العنوان مرتبة واحدة، فإنّه من الواضح استحالة وقوع هذه المرتبة مع انتفاء الشرط واقعا، سواء علم بالانتفاء، أو ظنّ، أو شكّ، لأنّ المشروط تابع لواقع شرطه، و المعلول ينتفي بانتفاء علته واقعا لا علما، إذن فتلك المرتبة المنوطة بذلك الشرط المنتفي، منتفية قطعا.

و أمّا ما يمكن أن يقع الكلام في «أنّه يجوز أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه» فهو مرتبة أخرى من الأمر.

إذن فالأحسن أن يقال في صياغة السؤال: هل يجوز جعل حكم على تقدير مع العلم بانتفاء ذلك التقدير؟.

فإنّه هنا، حينئذ، يكون ما انتفى شرطه هو «المجعول» و ما نتساءل عن جوازه هو «الجعل»، و جواز الجعل غير منوط بشرط.

164

[اقسام انتفاء شرط المجعول‏]

إذن، فينبغي أن يقال: بأنّ انتفاء شرط المجعول، تارة يكون انتفاء ضروريا قهريا، و تارة أخرى يكون انتفاء باختيار المكلّف.

[الأول: الانتفاء الضرورى القهرى‏]

أمّا الأول: من قبيل أن يقول الآمر: «إذا وجدت في مكانين في زمان واحد فتصدّق»، فهنا الشرط منتف بالضرورة و القهر، لامتناعه في نفسه، كما في اجتماع الضدّين، من دون فرق بين أن يكون انتفاء الشرط بسبب غير الجعل، كما لو كان ممتنعا في نفسه، كما في المثال، أو كان انتفاؤه بسبب الجعل نفسه، كما لو قال: «إذا لم يجعل عليك وجوب الصّدقة، فتجب عليك الصّدقة».

فهنا، الشرط في المجعول هو عدم الجعل، و هذا الشرط منتف بنفس الجعل. إذن يستحيل فعليّة هذا المجعول، لأنّه بنفس هذا الجعل ينتفي موضوع المجعول لانتفاء شرط جعله بنفس هذا الجعل.

و في كلتا الحالتين، يكون الجعل هذا مستهجنا عقلائيا، حتى لو فرض إمكانه عقلا، لأنّه بعث مشروط بشرط لا يتحقق، بل هو مستهجن حتى لو فرض إمكان أن يكون الغرض في نفس الجعل، فإنّ هذا ليس غرضا عقلائيا من الجعل.

و أما القسم الثاني، و هو ما لو كان الانتفاء اختياريا:

فتارة يكون الانتفاء بنفس الجعل، أي إنّ منشأ انتفاء الشرط هو نفس الجعل، كما لو قال: «من أفطر في يوم رمضان على حرام متعمدا، فعليه كفارة الجمع بين عتق رقبة، و صيام شهرين متتابعين و إطعام ستين مسكينا»، فإنّ هذا الجعل مستلزم لانتفاء شرط هذا الجعل خارجا، إذ بسبب هذا الجعل امتنع الناس عن الإفطار، خوفا من الكفارة، فامتنع الشرط.

و تارة أخرى: يكون منشأ انتفاء الشرط غير ناحية الجعل، بل يكون منشؤه هو نفسه، بقطع النظر عن الجعل، كما لو كان الشرط متأصلا رفضه في عمق الوجدان و طبع الإنسان، فرفضه ثابت في طبع الإنسان بقطع النظر

165

عن الجعل، كما لو قال: «من أكل العذرة فعليه كفارة»، فهذا الشرط بنفسه على خلاف طبع الإنسان.

و حينئذ، فإن كان سبب الانتفاء هو نفس الجعل كما في الافتراض الأول، فإنّه لا إشكال في صحته، إذ لا يخرج عن كونه محقّقا و طريقا إلى المقصود و الغرض من الجعل.

و إن كان سبب الانتفاء اختياريا، سببه غير ناحية الجعل، فإنّه حينئذ لا يمكن أن يكون الجعل مرادا بإرادة ناشئة من ذاك الغرض الأصلي، إذ إنّ ذاك الغرض الأصلي مؤمّن للمولى، إذ من المعقول أن يكون هنا غرض في جعل باعث على تقدير، و إن لم يتحقق هذا التقدير خارجا، إذ إنّه مربوط بظروف المولى.

و إن شئت قلت في الثاني: إنّه كما إذا جعل الكفارة على شرط أكل العذرة، فأنّ الشرط هنا بحسب طبعه منتف خارجا.

فالجعل، و إن كان معقولا و جائزا في نفسه، إلّا أنّه لا يمكن أن يكون كسائر الأوامر التي تكون بملاك الإرادة الغيرية و المقدميّة للمولى، يقع في طريق امتثال المكلّف خارجا، لأنّ ذلك مضمون في المقام بحسب طبع القضيّة، إذ لا محالة يكون الجعل مرادا لغرض مترتب عليه، من قبيل أن يتمكن المكلّف من التعبّد، و قصد الامتثال الموجب لترتب الثواب عليه، و نحو ذلك من الأغراض و المصالح التي تترتّب على الجعل.

166

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

167

تعلق الأمر بالطبيعة أو الأفراد

و تحقيق ذلك هو: إنّه لا بدّ من توضيح مقدمة بين يدي البحث، حاصلها:

إنّ الأعراض على خمسة أقسام:

1- القسم الأول، الأعراض الذهنية: و هي التي يكون معروضها لا محالة ذهنيا، لأنّ العرض الذهني لا يعرض إلّا على الذهن، و يمثّلون لها بالمعقولات الثانوية في منطق الحكمة كالنوعيّة، و الفصليّة، و الجنسية، و يطلق على هذا القسم، العوارض الذهنية، و ظرف العروض فيها هو الذهن، لأنّ المعروض هو صورة الكلّي في الذهن بما هو موجود فيه، فالمعروض ذهني، فالإنسان الذهني يتّصف بأنّه نوع لا الإنسان الخارجي.

2- القسم الثاني، هو الأعراض الخارجية: و هي عكس الأول تماما، و هي ما يكون عروضها و الاتصاف بها كلاهما في الخارج، من قبيل الحرارة بالنسبة إلى النار، فإنّ ظرف العروض هو الخارج، و ظرف الاتصاف بها هو الخارج، إذ الحرارة تعرض للنار في العالم الخارجي على النار الخارجية، دون أن يكون لها وجود في الذهن، و وصفها بأنّها حارة، إنما هو بلحاظ النار الخارجية، لا النار الذهنيّة.

3- القسم الثالث: و هو يختلف عن كلا القسمين، و هو من قبيل، الإمكان و الامتناع، و الضرورة، و الاستلزامات، كما في استلزام العلة للمعلول و نحو ذلك.

168

و قد أفاد مشهور الحكماء في ذلك حيث قالوا: بأنّ هذا النوع من الأعراض يكون الاتصاف به خارجيا، إذ الإنسان الخارجي هو الممكن، و النار الخارجيّة هي الملازمة للحرارة استلزام العلة لمعلولها، أو العكس.

إذن هذا القسم ليس من قبيل القسم الأول، و هو ليس من قبيل القسم الثاني، حيث أنّ الإمكان ليس كالحرارة و البياض، فإنّ الحرارة لها وجود في الخارج، بينما الإمكان و الملازمة ليس كذلك، فإنّ عروضها يكون في الذهن و بالاعتبار، بل لا يعقل، بل يستحيل أن يكون عروضها في الخارج، لأنّ ذلك يستلزم وجودها في الخارج و هو محال.

و برهان ذلك لزوم التسلسل، إذ لو كان الإمكان موجودا خارجيا، و يعرض على الممكن الموجود الخارجي، كان ذلك الوجود كوجود، معروض له الإمكان أيضا، و يلزم من هذا وجود ثالث في الخارج يعرض عليه الإمكان، فيكون من ثم وجود رابع، و هكذا يتسلسل.

و الخلاصة هي: إنّ الإمكان و الملازمة ليس لهما وجود في الخارج كالحرارة، و إلّا لزم التسلسل فيهما.

و بهذا يتبرهن أيضا، بأنّ الاستلزام لا يعقل وجوده في الخارج، و هو مناف لكونه وجودا ذهنيا.

و من هنا قال مشهور الحكماء: إنّ مثل هذه الأعراض يكون وجودها و عروضها في الذهن و الاعتبار، و بذلك تكون معقولات ثانوية عند الحكيم، و هي ليست كذلك عند المنطقي‏ (1).

و لذلك قالوا: بأنّها وسط بين القسمين الأوّلين.

و نحن قد أشرنا سابقا إلى عدم تعقّل هذا المطلب، إذ لا يعقل أن يكون عالم العروض غير عالم الاتصاف، أي: ظرف العرض غير ظرف‏

____________

(1) منظومة السّبزواري في المنطق و الحكمة: ص 39- 40.

169

المعروض، كما بينّا أنّ الاستلزام و الإمكان إذا لم يكن موجودا في الخارج، فلا يمكن أن نقول: إنّ قوامه العقل، إذ من الواضح أنّ قضيّة «أنّ العلة تستلزم المعلول» لا تتوقف على وجود العقل، بل حتى لو لم يكن هناك عقل في العالم، فهذه القضايا صادقة.

و من هنا قلنا: بأنّ الإمكان و الاستلزام هي أمور خارجية، و ظرف الاتصاف فيها هو الخارج، لكنّها خارجيّة بنفسها، لا بوجودها.

و توضيحه، هو: إنّ هناك وعاء اسمه الخارج، و معناه، أنّ كل مطلب لا يكون للاعتبار دخل في حقّانيته فهو خارج.

و هذه القضايا التي لا يكون للاعتبار دخل في حقّانيتها هي على قسمين:

القسم الأول: أن تكون حقانيّتها بالوجود، لا بذاتها، كالإنسان.

القسم الثاني: هو كون خارجيّة بعض القضايا بنفسها، لا بوجودها، كالإمكان و الاستلزام، فهي قضايا خارجيّة، لأنّه من الحق أنّ العلّة تستلزم المعلول، بقطع النظر عن الاعتبار، و من الحق استحالة اجتماع النقيضين، فإنّها ماهيّة بنفسها حقّة، دون إضافة شي‏ء لها، لا كماهيّة الإنسان بما هي ماهيّة الإنسان، إذ هذه الماهيّة يلبسها ثوب الوجود، فتصبح حقّة. إذن فوعاء الخارج أوسع من وعاء الوجود.

و القسم الثالث من العوارض: هو من وعاء الخارج الذي يكون خارجا بنفسه.

و يرد على مختار مشهور الحكماء، من التفكيك بين القسم الثالث، و القسمين الأوّلين، يرد عليهم إيرادان:

1- الأول: هو إنّ التفكيك بين ظرف العروض، و ظرف الاتصاف، أمر غير معقول، ذلك لأنّ الاتصاف إنما يكون بلحاظ العروض، و حينئذ

170

يستحيل أن يكون ظرفه غير ظرف العروض، حيث يكون ظرف الاتصاف في عالم، و العروض في عالم آخر.

2- الثاني: هو إنّ الإمكان و الاستلزام، و الشيئيّة، من المعقولات الثانوية، فما ذا تقصدون من كونها أمورا ذهنية؟ هل تقصدون إنّها بمعنى الاعتبارات الذهنيّة التي لا واقع لها إلّا اعتبار المعتبر، باعتبار أنّه بالضرورة.

إنّه فرق بين قولنا: الإنسان ممكن، و الإنسان طويل يصل إلى القمر؟ بمعنى أنّ القضية الأولى صادقة، وجد إنسان، أو لم يوجد إنسان، و القضيّة الثانية كاذبة، وجد أو لم يوجد إنسان.

فإن كان المقصود إنّ هذه الأعراض هي اعتبارية محضة، حيث لا حقيقة لها وراء الاعتبار، كما في «الإنسان طويل يصل إلى القمر»، فهذا واضح الفساد، لبداهة أنّ مثل قضيّة «الإنسان ممكن»، تختلف عن قضيّة، «الإنسان طويل يصل إلى القمر»، إذ إنّ العقل يدرك صدق القضية الأولى و واقعيّتها، بقطع النظر عن وجود عقل و معتبر.

و إن كان المراد من هذه المعقولات الثانوية، أنّها حالة عقلية معيّنة بالضرورة ينساق إليها الإنسان اضطرارا؟ حينئذ هذا يكون نحو فرق بينهما؟

فإنه يقال حينئذ: بأنّ هذا الانسياق، إمّا أن يكون باعتبار نكتة قائمة بالتركيب الفسلجي لذات الإنسان، أو باعتبار نكتة خارجة عن ذات المفكر.

فإن كان الأول، فهو أيضا خلاف الضرورة و الوجدان، بل الضرورة قائمة على الفرق بين القضيتين بغض النظر عن وجود إنسان، فمساوي المساوي مساو، و النقيضان لا يجتمعان، وجد أو لم يوجد مدرك في العالم.

إذن فكذب النكتة راجع إلينا على خلاف الضرورة.

إذن فقد انحصر الاختلاف بينهما في أنّه يرجع إلى نكتة خارجية عنّا،

171

فمتى تتصوّر الإنسان، تتصوّر فيه نكتة لها الإمكان، و هكذا في اجتماع النقيضين، إذن فتكون النكتة خارجة.

و عليه فالصحيح أن نعترف لهذه المحمولات و العوارض في القسم الثالث، بأنّها أمور خارجيّة بنفسها، لا بوجودها، فهي كالأعدام خارجيّة بنفسها. بمعنى أنّ الأعدام و العدم واقعي بنفسه، و ليس معناه، أنّ وجوده خارجا بمعنى أنّه موجود خارجا، فتكون خارجيته بوجوده، ليس هكذا، لأنّ العدم أفقه أوسع من أفق الوجود، و هو لا يتقبّل الوجود.

و هذا المسلك هو الذي يمكن أن يوصل إلى بطلان مقالة من يحصر الخارج بالمادة و ظواهر المادة، إذ إنّ مدّعي هذا الحصر، لا يمكنه أن يفسّر هذه العوارض، إذ من الضروري صدق، أنّ المساوي للمساوي مساو، فهو أمر حقيقي صادق بقطع النظر عن وجود أيّة مادة أصلا، لأنّها قضيّة خارجية، لا ماديّة، و لا قائمة بمادة.

و هذا معناه، أنّ الواقعيّة و الخارجيّة أوسع من المادية، فلوح الواقع أوسع من لوح الوجود.

و قد نقل عن المحقّق نصير الدين الطوسى (قده) (1) اقتراحا لحل هذه المشكلة، و هو التسليم بأنّ المحمولات و العوارض في القسم الثالث، أمور خارجيّة، لكن هي عوارض للعقل الأول قائمة فيه، لا ذهنيّة، لكي يقال:

إنّها إذا كانت ذهنية، و الذهن يخلقها، فكيف تكون صحيحة حتى مع فرض عدم الذهن؟.

و هذا الحل أيضا غير صحيح، لأنّ هذه القضايا مطلقة ثابتة حتى مع عدم وجود العقل الأول، إذ النقيضان لا يجتمعان قضية مطلقة ثابتة حتى لو لم يوجد عقل أول.

____________

(1) الأسفار الأربعة- الشيرازي: ج 1 ص 145- 146.

172

إذن فلا محيص عن الالتزام بلوح الواقع، و كون هذا اللوح أوسع من لوح الوجود، فضلا عن لوح المادة التي هي قطّاع من قطّاعات لوح الوجود.

و إن شئت قلت: إنه يرد على تفكيك مشهور الحكماء بين القسم الثالث، و القسمين الأوّلين، يرد إيرادان:

الإيراد الأول، هو: إنّ التفكيك بين ظرف العروض و ظرف الاتصاف، أمر لا نتعقّله، لأنّ الاتصاف إنّما يكون بلحاظ العروض، إذن فيستحيل أن يكون ظرفه غير ظرف العروض.

الإيراد الثاني، هو: إنّ هذه الأعراض إذا كان مرادهم من كونها اعتباريّة إنّها اعتباريّة ذهنية محضة كاعتبار «رجل طويل يصل إلى القمر»، بحيث أنّه لا حقيقة لها وراء الاعتبار، فإنّ هذا واضح الفساد، بداهة أنّ قضيّة «الإنسان ممكن» تختلف عن قضيّة. «رجل طويل يصل إلى القمر». إذ إنّ العقل يدرك صدق القضيّة الأولى و واقعيّتها، بقطع النظر عن وجود عقل و معتبر، بل حتى لو لم يوجد إنسان، و يدرك كذب الثانية حتى لو لم يوجد إنسان.

و إن كان مرادهم، إنها حالة عقلية معيّنة بالضرورة، بحيث أنّ الإنسان ينساق و يضطر إلى أن يعتبر هذه الأعراض، منذ ما يلاحظ معروضاتها، و لكن ليست كالأمور الاعتباريّة المحضة، حينئذ يكون هذا نحو فرق بينهما.

و حينئذ يقال: بأنّ هذا الانسياق إمّا أن يكون باعتبار نكتة فسلجيّة قائمة في ذات الإنسان، تضطرّه أن ينساق إلى هذه المعاني، من دون أن يكون هذا مرتبطا بالواقع الموضوعي في الخارج، بل هي مرتبطة بنكتة فسلجيّة قائمة في ذهن المفكر نفسه، كما ذهب إلى ذلك بعض الفلاسفة المحدثين. إن كان ذلك كذلك، فهذا أيضا خلاف الضرورة و الوجدان، بل الضرورة قاضية بأنّ قضيّة «الإنسان ممكن»، و أنّ قضيّة «مساوي المساوي مساو»، قضيّة صادقة حتى لو لم يوجد إنسان أو فكر، إذ العقل يدرك‏

173

استحالة اجتماع النقيضين، وجد أو لم يوجد مدرك في العالم.

و إن كان مرادهم من اعتبارية هذه القضايا أنّ الذهن ينساق إليها بسبب نكتة قائمة في الموضوع نفسه، أي: نفس القضيّة المفكّر فيها، و ليس في الفكر و فسلجته الذاتيّة، إذن فقد انحصر الاختلاف بين القضيتين، في أنّه يرجع إلى نكتة خارجيّة عنّا فتلك النكتة لا بدّ أن تكون هي النكتة الواقعيّة و الثابتة في لوح الواقع بنفسها و ذاتها، و إنّ خارجيتها و واقعيتها بالذات لا بالوجود، كما في اجتماع النقيضين، و الأعدام، فإنّها خارجية و واقعيّة بنفسها لا بوجودها، بل لا يمكن أن تكون خارجية بوجودها، و هذا أحد المسالك لإبطال مقالة من يحصر الخارج بالمادة و ظواهر المادة (1)، إذ لا يمكنه أن يفسر لنا هذه العوارض حيث أنه من الضروري صدق قضيّة «أنّ مساوي المساوي مساو» بقطع النظر عن وجود أيّة مادة، إذ إنّها قضيّة خارجية، لا مادية، و لا قائمة بمادة.

و قد عرفت بأنّ هذا معناه، أنّ الواقعيّة و الخارجية أوسع من المادية، إذ لوح الواقع أوسع من لوح الوجود، و كذلك عرفت بطلان مقالة المحقق الطوسي (قده) في دفع هذا الإشكال، من نقل القضيّة من الذهن بالمعنى المتقدم، إلى معنى آخر سمّاه بالعقل الأول- أي: الواجب، و أنّ هذه الأعراض ثبوتها و عروضها إنما تكون في العقل الأول، فهي ثابتة بثبوته، و ليس بوجود موضوعها في الخارج.

و قد عرفت أنّ هذه الأعراض ثابتة و واقعيّة حتى لو لم يكن هناك وجود للعقل الأول و الواجب، بل حتى المنكر لوجود الواجب يتقبّل صدق هذه القضايا، إذ صدق استحالة اجتماع النّقيضين قضية ثابتة و حقة حتى في عالم يفترض فيه عدم وجود واجب الوجود، و لو محالا.

____________

(1) مقالة في التفكير الإنساني- جون لوك- فيلسوف إنكليزي- و المادية و المثالية في الفلسفة- جورج بوليتزير: ص 71- 72- 75- و حول التطبيق- ماوتسي تونغ:

ص 11- 14.

174

و عقلنا عند ما يدرك صدق هذه القضايا، إنّما يدرك صدقها و ثبوتها دون أن يعوّل في ذلك على وجود العقل الأول بوجه من الوجوه.

إذن فلا محيص عن الالتزام بأنّ هذه الأعراض و المعاني، إنما هي أمور من لوح الواقع الذي هو أوسع من لوح الوجود، فضلا عن لوح المادة التي هي أحد قطاعات لوح الوجود.

4- القسم الرابع: العوارض الذهنيّة، ذات الإضافة إلى شي‏ء في الخارج، كحبّ علي و بغض معاوية و هي كالمعقولات الثانوية في المنطق، فهي كالقسم الأول منها، كما عرفتها، في كونها من عوارض النفس و الصورة الذهنيّة، و لكنها تختلف عنها في أنّ تلك العوارض تعرض على الصورة بما هي صورة و مفهوم، فتصوّر الإنسان بما هو تصوّر و مفهوم، يكون كليا أي: بما هو هو.

بينما هذه العوارض هنا تعرضها بما هي مرآة و فانية في الخارج، و لذلك يكون الوجود الخارجي معروضا بالعرض لها، و معروضها الحقيقي و الذاتي إنّما هو نفس الصورة الذهنية، فالصورة الذهنية بالحمل الشائع هي المعروض أولا و بالذات، و هي بالحمل الأولي معروض بالعرض، فالعلم، و الحب، و البغض، و غيرها، عوارض قائمة بالنفس و عالمها، فهي من أقسام الكيف النفساني، و معروضها بالذات أيضا هو أمر قائم في عالم النفس، و هو الصورة الذهنية القائمة في النفس، و ليس معروضها الأمر الخارجي وجدانا و برهانا:

أمّا الوجدان: فلوضوح ثبوت هذه العوارض أحيانا في موارد لا يكون في الخارج شي‏ء معروض لها أصلا، كحب زيد، مع أنّه لا وجود لزيد في الخارج، أو كالاعتقاد بإمامة زيد و ليست لزيد إمامة في الخارج، و إنّما كان المحب أو المعتقد يتوهّم وجود زيد، و يتوهم إمامته، فلو كان المتعلق الحقيقي هو الخارج كما هو المدّعى، فلا خارج هنا في المقام.

175

و أمّا البرهان، فهو لأنّ هذه الصفات ذات إضافة، فهي لا يمكن أن نتصور في تمام مراتب ثبوتها حتى في مرتبة ذاتها، أن تنفكّ الإضافة هذه عن طرفها الذي هو المضاف إليه، بل لا بدّ أن يكون المضاف إليه ثابتا حتى في مرتبة ذاته الكائنة في الذهن و النفس.

فالعلم لا تكمل حقيقته حتى يكون له معلوم، و هكذا الحب، و البغض.

و هذا معناه، إنّ الطرف المضاف إليه الحب و غيره، يجب أن يكون ثابتا في رتبة ذاته، و أفق وجوده، إذ معروض الحب و غيره، صفة قائمة في نفس أفق وجودها، و هو الذهن.

لكن هذه الصورة الذهنيّة المعروضة تختلف عن الصورة الذهنيّة التي هي معروض الكليّة و النوعية في القسم الأول إذ إنّه في القسم الأول تعرض الكلية و النوعية الصورة الذهنية للإنسان، لا بما هي فانية في الخارج، بل بما هي هي.

و أمّا هنا في المقام، فالحب يعرض للصورة الذهنية التي ترى فانية في الخارج، و حاكية عنه، و ترى أنّها عين الخارج بالنظر التصوري، و إن كانت بالنظر التّصديقي ترى غير الخارج.

و يترتب على ذلك، أنّ الحب له معروضان: معروض بالذات: و هو الصورة الذهنيّة، و معروض بالعرض: و هو الموجود الخارجي، و هو الذي انتزعنا منه الصورة الذهنية، و هذا بخلاف الكليّة و النوعيّة، فإنّها ليس لها معروض بالعرض.

و بهذا البرهان، تثبت أيضا وحدة المتعلّق و المتعلّق، و أنّ الصورة الحبيّة هي نفس الحب كما مرّ آنفا.

5- القسم الخامس: هو الأعراض الذهنيّة ذات الإضافة إلى صورة كليّة و طبيعية، لا إلى موجود خارجي، و مثاله تعلّق الطلب- لكن لا بما هو

176

إنشاء و اعتبار- بل بروحه و ملاكه الذي هو الحب في الأوامر، و البغض في النواهي، إذ إنّ الطلب يتعلّق بالمفهوم كما في القسم الأول و الرابع، و لكنّه يختلف عن كل منهما في شي‏ء، فيختلف عن الأول، في أنّه يتعلق بالمفهوم بما هو مرآة، لا بما هو هو، و يختلف عن الرابع في أنه ليس له معروض بالعرض، بل له معروض بالذات و هو نفس المفهوم الكلي، و إنّما لا يعقل أن يكون له معروض بالعرض، لأنّ وجود المعروض بالعرض مساوق مع التشخّص، و حيث أنّ الوجود مساوق للتشخص، إذن يكون تعلق الأمر به، تعلقا بالموجود المتشخص، إذن فتعلق الأمر به تحصيل للحاصل.

و الحاصل، هو: إنّ الصورة الذهنية النفسانية بالذات هي معروضة الطلب في هذا القسم بما هي مرآة، لا بما هي فانية في الخارج، لأن الصورة الذهنيّة للماء لا تدفع عطشا، فلا تطلب بما هي هي، و إنما الطلب يتعلق بالصورة الذهنية باعتبار أنها بالنظر التصوري هي عين الخارج، لكن هي بالنظر التصديقي مغايرة للخارج:

فهو يشترك مع القسم الرابع في الإفناء و المرآتيّة، و لكن في القسم الرابع كان له معروض بالعرض مطابقا للمعروض بالذات، بينما هنا في الخامس الصورة الذهنية كالحب مثلا، ليس له مطابق في الخارج، بل الموجود في الخارج هو مصداق للمعروض بالعرض، فالطلب ليس له معروض بالعرض، فإنّ صرف الوجود لا مطابق له، و إنما الخارج مصداق لمحكيّيه.

و بناء على هذا تندفع عويصة في تصوير الطلب حاصلها: إنّه إن كان موضوع الطلب أمرا خارجيا، فظرف عروضه و فعليته في طول ظرف تحقق الأمر و عروضيته و خارجيّته، و في هذا الظرف يكون الطلب تحصيلا للحاصل، إذ لا معنى حينئذ لعروض الطلب عليه.

و إن كان موضوع الطلب أمرا غير خارجي، فلا يمكن طلب عير الخارجي، لأنّ المولى يتوخّى من طلبه نتيجة تقع في الخارج.

177

أو فقل: إنّ الطلب إذا كان متعلقا بالمفهوم، بما هو هو، فهذا أمر لا يستفيد منه المولى شيئا، إذ المفهوم بما هو هو ليس إلّا هو، فهو موجود في ذهن المولى فقط.

و إذا كان الطلب متعلقا بالموجود الخارجي، فهو طلب للحاصل.

و حل العويصة هو أن يقال: إنّ الطلب متعلّق بالمفهوم و الصورة الذهنية، بما هو مرآة و فان في الخارج، فهو مطلوب حينئذ بالحمل الأوّلي، و لذلك لم يكن نفس المفهوم مطلوبا بالحمل الشائع، إذ ليس المفهوم المطلوب بالحمل الشائع مصداقا للمفهوم المطلوب بالحمل الأوّلي، و حينئذ لا يلزم من طلبه هكذا، طلب الحاصل، لأنّ الطلب هكذا ليس متعلقا بالوجود الخارجي، و لو بالعرض، و إنّما الوجود الخارجي يكون مصداقا لما يتعلّق به الطلب.

و حينئذ، لا يرد إشكال، أنّ المتعلق بالعرض، لو كان هو الوجود الخارجي للزم تأخر الطلب عنه، و كانت مرتبته متأخرة عن مرتبة المعروض بالعرض، حيث معه يستحيل طلبه، لأنّه طلب للحاصل.

و إن شئت قلت: إنّ القسم الخامس- و هو كما في الطلب- يشبه القسم الأول و الرابع، لأنّه عرض ذهني ذو إضافة إلى صورة كلية و طبيعية، و هو حينما يتعلّق بالمفهوم، فهو يتعلق به، لا بما هو إنشاء و اعتبار، بل يتعلّق بروحه و ملاكه الذي هو الحب في الأمر، و البغض في النهي.

إذن فهو يتعلّق بصرف وجود الطبيعة، و حينئذ، فبنفس البرهان و الوجدان المتقدم، نثبت أنّ الطلب معروضه بالذات الصورة الذهنيّة النفسانيّة، لكنّه يختلف عن الأول، في كونه يتعلق بالمفهوم، بما هو مرآة، لا بما هو هو، لأنّ المفهوم، بما هو هو، عبارة عن صورة ذهنية، و الصورة الذهنية للماء لا تدفع عطشا، إذن فلا تطلب، مضافا إلى كونها حاصلة في نفس المولى، فيكون طلبها من قبل المولى تحصيلا للحاصل.

178

إذن فالطلب يتعلّق بالصورة الذهنية، باعتبار أنها بالنظر التصوري هي عين الخارج، لكن هي بالنظر التصديقي مغايرة للخارج.

و يختلف هذا القسم عن الرابع، مع كونه يشترك معه في الإفناء و المرآتيّة، في أنّ القسم الخامس هذا، ليس له معروض بالعرض، و إنما له معروض بالذات، هو نفس المفهوم الكلي الطبيعي، و إنّما لا يعقل أن يكون له معروض بالعرض، لأنّ فرض معروض بالعرض، هو فرض نحو من الوجود لهذا المعروض بالعرض، و هذا النحو من الوجود للمعروض بالعرض، مساوق مع التشخّص، و حيث أنّه كذلك، حينئذ يكون تعلق الأمر به تحصيلا للحاصل.

نعم المعروض الموجود في الخارج، يكون مصداقا لمعروض الطلب، إذ الطلب ليس له معروض بالعرض، فإنّ صرف الوجود ليس له مطابق في الخارج، بل ما هو في الخارج، إنما هو مصداق صرف الوجود، لا مطابقه، و هذا بخلاف مثل الشوق و الحب المتعلق بالإيمان، مثل حبّنا لعليّ (ع)، و بغضنا لمعاوية، كما في القسم الرابع، فإنّه فيه، له معروض بالعرض، و هو الوجود الخارجي للمحبوب المطابق للمعروض بالذات.

و بذلك تندفع عويصة تصوير الطلب و إشكاله القائل: بأنّ الطلب إذا كان متعلقا بالمفهوم بما هو هو، أي: بالصورة الذهنية النفسانيّة، فهذا أمر غير مفيد للمولى، لأنّ الصورة الذهنية لهذا المفهوم موجودة و حاصلة في ذهن المولى، بينما المولى يتوخّى من طلبه نتيجة تقع في الخارج.

و إن كان موضوع الطلب امرا خارجيا، فأيضا لا يفيد، لأنّ ظرف عروض الطلب و فعليّته في طول ظرف تحقق الموضوع و خارجيته.

إذن، في مثل ذلك، يكون الطلب تحصيلا للحاصل، لكون عروضه على موضوع متحقق في الخارج، و حينئذ لا معنى لعروض الطلب عليه.

و دفع هذه العويصة هو أن يقال حينئذ: إنّ الطلب يتعلق بالمفهوم‏

179

و الصورة الذهنية النفسانية، بما هو مرآة فان في الخارج، فالمطلوب ليس هو نفس المفهوم بالحمل الشائع، لأنّه ليس مصداقا للمفهوم بالحمل الأوّلي، كما أنّ الطلب غير متعلق و لو بالعرض، بالوجود الخارجي لمعروضه، و أنّما يكون الوجود الخارجي مصداقا لمحكيّ الصورة الذهنية، و لما يتعلّق به الطلب.

و عليه، فلا يرد حينئذ قول المشكل: بأنّ المتعلّق بالعرض، إن كان هو الوجود الخارجي لمعروض الطلب، لزم تأخر الطلب عنه، لكون مرتبته متأخرة عن مرتبة المعروض بالعرض، و معه يلزم طلب الحاصل.

و قد تصدّى المحقق الخراساني (قده) (1) للجواب عن هذا الإشكال، فذهب إلى أنّ الطلب يتعلق بإيجاد الطبيعة، لا بالطبيعة الموجودة، و حينئذ لا يلزم تعلّق الطلب بالطبيعة الموجودة كي يلزم منه طلب الحاصل.

و هذا الجواب غير تام، ذلك لأنّه لا فرق بين الإيجاد و الوجود، بل هما بمعنى واحد، و إنّما الاختلاف بينهما بالاعتبار، إذ إنّ إضافة الشي‏ء إلى الفاعل تارة، و إلى نفسه أخرى، لا يغيّر من الواقع شيئا، حتى إذا كان الطلب متعلقا بإيجاد الطبيعة، فإنه سوف يكون متأخرا مرتبة عن رتبة هذا الإيجاد لأنه إن أريد بالإيجاد الخارج ففرض فعليّة العرض فرع فعليّة موضوعه، و موضوعه، حاصل، فطلبه تحصيل للحاصل و إن أريد به غير الخارج فلا يمكن طلبه.

إذن يكون طلب هذا الإيجاد إما طلبا للحاصل، و إمّا طلبا لما لا يمكن طلبه.

و عليه، فيبقى إشكال طلب الحاصل على حاله.

و الصحيح، إنّ حل هذه العويصة يعرف من خلال ما تقدم، و ذلك لأنّه‏

____________

(1) كفاية الأصول- مشكيني: ص- 222- 223.

180

إن لوحظ المعروض بالذات للطلب، فهو الصورة الذهنيّة التي هي بالنظر التصوّري عين الخارج، و بالنظر التّصديقي غير الخارج، و حيث أنّها بالنظر التصوّري عين الخارج، يتعلق الطلب بها رغم عدم خارجيّتها بالنظر التّصديقي، و حيث أنّها بالنظر التّصديقي غير الخارج، صحّ تعلّق الطلب بها، من دون لزوم تحصيل الحاصل، إذ إنّ الخارج تصور لا تصديق، هذا بلحاظ المعروض بالذات.

و أمّا بلحاظ المعروض بالعرض فقد أنكرناه، و قلنا: بأنه ليس للطلب معروض بالعرض، و إنما الموجود في الخارج هو مصداق المعروض بالعرض، أي: مصداق المرئي بالصورة، لا عين الصورة كما هو الحال في حب الأعيان المتقدم في حب علي (ع)، و بغض معاوية، فإنّ المحبوب بالعرض صرف الوجود، و إنّما المحبوب بالعرض خارجا هو مصداق المحبوب بالعرض.

و عليه، فلا يلزم محذور تحصيل الحاصل، لا على مستوى العروض بالذات، و لا على مستوى المعروض الخارج.

أما بالنسبة إلى المعروض بالذات، فلأنّ المعروض ليس هو الخارج، و أما بلحاظ التطبيق خارجا، فلأنّ معناه إيجاد مصداق للمحكي المعروض بالعرض.

و بناء على ما بيّناه، يمكن الاستغناء عمّا ذكره المحقق الخراساني (قده) (1) في (الكفاية) من دعوى أخذ الوجود في مفاد هيئة الأمر، حيث ذكر أنّ «صلّ» لها هيئة، و لها مادة، فمادة «صلّ» تدل على الطبيعة، و هيئتها تدل على الطلب.

و لكن هنا شي‏ء ثالث غير الطبيعة، و غير الطلب. و بما أنّ الطلب لا

____________

(1) المصدر السابق.

181

يتعلق بالطبيعة ابتداء، فالشي‏ء الثالث يكون هو الرابطة و الواسطة التي ندسّها في الطبيعة، و هو وجود ما هو مدلول الهيئة، و هو الطبيعة.

و بعبارة أخرى: الهيئة تدل على وجود الطبيعة.

و هذا الكلام إنّما كان باعتبار الحاجة لمبرّر لدس المفهوم الثالث في مدلول مادة الأمر.

أو فقل: إنّ دسّ مفهوم الإيجاد، أو الوجود، في مدلول مادة الأمر، بحاجة إلى مبرر، و المبرّر هذا يقرب بتقريبات:

1- التقريب الأول: هو إنّ الطبيعة بما هي هي، ليست موردا لغرض الآمر، لأنّها حاضرة في ذهنه، بل طلبها لغو لأنّه تحصيل للحاصل، و الطبيعة الموجودة هي أيضا لا يتعلق بها الطلب، لكونها موجودة، فطلبها تحصيل للحاصل أيضا. إذن فلا بدّ من تعلق الطلب بوجود الماهيّة، و من هنا دسّ مفهوم الإيجاد في مدلول الهيئة.

و هذا المبرر باطل، لما عرفت من أنّ الماهيّة بما هي هي، و إن لم تكن موردا لغرض المولى، لأنّها أمر اعتباري، لكن عند ما تلحظ فانية في الخارج، أي: الماهية بالحمل الأوّلي، تصبح حينئذ موردا لغرض المولى، و يتعلّق طلبه بها، لأنّ المفهوم بالحمل الأوّلي، لا يصدق إلّا على المصداق الخارجي، دون الصورة الذهنية نفسها، أي: الماهية بما هي هي، لأنّ الماهية بما هي هي، ليست إلّا هي، لا تطلب، و لا لا تطلب، و بالتالي فهي ليست مصداقا لنفسها، و لذلك يكون امتثال الطلب بإيجاد المصداق الخارجي.

و بهذا نستغني عن توسيط الوجود و دسّه في مفاد الأمر، و إلّا لسرى الإشكال إلى الوجود المدسوس نفسه، لأنّه إن أريد به مفهوم الوجود، فحاله حال الماهيّة، فما دام لم يلحظ فانيا في الخارج، فلا يتعلّق به الطلب إذن فلا حاجة لتبعيد المسافة.

182

و أمّا حقيقة الوجود، فليست من مداليل الألفاظ، و حينئذ لا موجب لدسّه في مفاد الأمر من هذه لناحية.

2- التقريب الثاني: هو أن يقال: بأنّ الماهيّة، بما هي هي، ليست إلّا هي، لا موجودة و لا معدومة، لا تطلب، و لا لا تطلب، كما ذكر في الحكمة، و عليه فيستحيل تعلق الطلب بها، و حينئذ تعلّقه بها يحتاج إلى وسيط، و ليس هذا الوسيط إلّا الوجود، فندسّه في الطبيعة ليتعلق الطلب بها.

و هذا الكلام هو خلط بين مطلب و مصطلح في الحكمة، و بين محل الكلام، حيث أنّ الحكماء قالوا هذا عند ما تصوروا أنّ الماهيّة إذا لوحظت من حيث مرتبة ذاتها، فلا يثبت لها إلّا ذاتها و ذاتياتها، و أيّ شي‏ء يثبت لها في مرتبة ذاتها من جنس، و فصل، و نوع، لا بدّ أن يكون ذاتيا لها، فهي في مرتبة ذاتها و ذاتياتها، ليست إلّا هي، و أيّ أمر أو عرض آخر خارج عن هذه الذات، لا تكون متصفة به في هذه المرتبة، و بالتالي فهو ليس من ذاتياتها.

إذن فالماهية بما هي هي، في مرتبة ذاتها و ذاتياتها، ليست إلّا هي.

و لكن رغم هذا نقول: إنّ كلا النقيضين، و هما أنها لا موجودة و لا معدومة، غير ثابت لها، لأنّ وجودها و عدمها ليسا جنسا، و لا فصلا لها، و لا غيره.

و في محل الكلام، لا نقول: إنّ الطلب يثبت لها من حيث كونها مطلوبة في مرتبة ذاتها حيث يصبح الطلب جزءا من ذاتها، بل نقول: إنّ الطلب يثبت لها بحدّ ذاتها، و بما هي هي. و عند ما يؤخذ قيد «بما هي هي» لتحديد الموضوع المعروض في نفسه، و إنّه مرحلة الذات و الذاتيات، حينئذ يقال: بأنّها مطلوبة دون أن يعني عروض الطلب عليها، أنّها في مرحلة ذاتها أصبحت مطلوبة، و صار الطلب جزءا من ذاتها، فمصطلح «بما هي هي» قيد لتحديد المعروض، و أنّه مرحلة الذات و الذاتيات، و ليس لبيان ظرف الحمل، هو غير «بما هي هي»، الأخرى، التي تعني أنّ الطلب ليس من ذاتياتها.

183

و إن شئت قلت: إنّ الفلاسفة قالوا هذا و تصوروا أنّ الماهية إذا لوحظت في مرحلة ذاتها و ذاتياتها فهي ليست إلّا هي، و أيّ شي‏ء يثبت لها في هذه المرتبة، لا بدّ أن يكون ذاتيا لها، سواء أ كان جنسا، أو نوعا، أو فصلا.

و أمّا بقية الأمور و العوارض الخارجة عن ذاتها، فهي ليست من ذاتياتها، إذ الماهية في مرحلة ذاتها و ذاتياتها، ليست إلّا هي.

و هذا مطلب معقول خلاصته: تحديد مرحلة ذات و ذاتيات الماهية، و لكن الأصوليين استعملوا هذا المصطلح، و طبّقوه بشكل خاطئ، حيث تصوروا أنّ الماهيّة «بما هي هي» و في مرحلة ذاتها، لا يمكن أن يتعلّق أو يعرض عليها طلب، لأنّها «بما هي هي» ليست مطلوبة، و لا غير مطلوبة.

و قد غفل الأصوليون أنّ قيد «بما هي هي» إنما قاله الفلاسفة لتحديد المعروض، و لبيان أنّ المعروض و الموضوع، إنّما هو مرحلة الذات و الذاتيات، و أنّ الطلب ليس جزءا من ذاتها في هذه المرحلة، و إنما يثبت لها بحدّ ذاتها، و بما «هي هي»، فيقال حينئذ: إنّها مطلوبة، دون أن يعني عروض الطلب عليها، أنّها في مرحلة ذاتها مطلوبة، و صار الطلب جزءا من ذاتها.

3- التقريب الثالث: هو إنّ مدلول الأمر في، «صلّ»، هو طلب الصلاة، و مدلول النهي في، «لا تصلّ»، هو طلب ترك الصلاة.

و حينئذ يقال: بأنّه لو لم يكن كل من الوجود و العدم مأخوذا في مدلول الأمر و النهي في «صلّ»، و لا، «تصلّ»، أي: في طلب الصلاة و تركها، لما أمكن التفريق بين مدلول المادة و مدلول الهيئة فيهما، مع أنّ نفس المادة و نفس الهيئة موجودة فيهما، و كلاهما يدلان على طلب الطبيعة.

إذن لا بدّ من أخذ الوجود و العدم في طلب الصلاة و النهي عنها.

184

و هذا الكلام غير صحيح مبنىّ، و ذلك لأنّه مبنيّ على أنّ النهي مفاده الطلب، بينما النهي كما تقدم، و سوف يأتي، أنّ مفاده الزجر و المنع و هو يتعلق بالطبيعة ابتداء، كما أنّه مدلول للمادة، و يتعلق بها ابتداء، من دون حاجة لدسّ مفهوم ثالث كمفهوم الوجود و العدم بين الطلب و الماهية، للتفريق بينهما، لأنّ مدلول مادة «صلّ»، هو النسبة الإرسالية، و مدلول هيئة، «لا تصلّ»، هو النسبة الزّجريّة.

و هذا البحث، و هو تعلّق الحكم بالطبيعة أو بالأفراد، أغلق فهمه على المتأخرين من علماء الأصول، فاختلفت تفسيراتهم و تصوراتهم في صياغته و تخريجه، و سوف نذكر تقريباتهم هذه تباعا بعد ذكر القسم السادس من هذه الأعراض.

6- القسم السادس: و حاصله، هو: إنّ العرض فيه من العناوين التي يخترعها العقل في مقام الإشارة إلى الخارج، من قبيل عنوان، «أحد الفردين أو مجموعهما أو كلّ واحد منهما».

و هذا العرض، ليس ذهنيا، لوضوح أنّ «زيدا» الخارجي هو أحد الشخصين و الفردين، لا الصورة الذهنية «لزيد»، كما أنّ هذا العرض ليس من العوارض الخارجية، لوضوح أنّ عنوان أحد الفردين ليس موجودا في الخارج، و إنّما الموجود هو نفس شخص «زيد و عمرو».

إذن فهذا العرض، هو كيفيّة من كيفيّات ملاحظة الخارج، و العقل ينتزع من هذه الكيفية مفهوما، و هذا المفهوم يجعل محمولا في القضية.

و بتعبير آخر يقال: إنّ العرض في هذا القسم، هو حالة لكيفية لحاظ الشي‏ء الخارجي من قبيل عنوان «أحد الفردين أو مجموعهما»، و هذا العرض ليس من قبيل الأعراض الذهنية، إذن هو ليس من قبيل المعقولات الثانوية في الحكمة، كما في القسم الأول، و ليس من العوارض الخارجية، لوضوح أنّ عنوان أحد الفردين ليس موجودا في الخارج، و إنما الموجود هو نفس‏

185

«زيد و عمرو»، إذ إنّ «زيدا» المتّصف بأنه «أحدهما» لم يضف إليه شي‏ء زائد على نفسه، حتى في عالم الذهن و الاعتبار، فضلا عن الخارج، و إنّما عنوان أحدهما، تعبير عن كيفية لحاظ الذهن و تصوّره للموضوع، و إنّه ملحوظ بشكل مجمل، و غامض، و غيره.

إذن فهذه العناوين هي عبارة عن حدود للحاظ العقل و تصوره، كي يتمكن من التعبير عن الخارج و الإشارة إليه.

إذا عرفت ذلك، ندخل فيما هو المقصود من تعلق الأوامر بالطبائع، أو بالأفراد، بعد أن أشكل الأمر على متأخري الأصوليين في مقصود المتقدمين من هذا العنوان، فذهبوا فيه مذاهب شتى، و قرّبوه بتقريبات مختلفة نستعرضها تباعا:

التقريب الأول: هو إنّ النزاع في تعلق الأوامر بالطبائع، أو بالأفراد، على سبيل التخيير، هو في كون هذا التخيير عقليا، أو شرعيا؟.

فمن يرى أنّ الأوامر تتعلق بالطبائع، يرى أنّ التخيير فيها يكون عقليا، لأنّه يرى أنّ الأمر متعلّق بالجامع، و يكون تطبيق هذا الجامع على كل فرد من أفراده، جائز بحكم العقل من دون أن يكون للمولى نظر إلى هذا التطبيق، حيث لا يكون كل فرد من أفراد الجامع مأمورا به بعنوانه، بل يوجد حكم واحد متعلّق بالجامع، و نسبته إلى أفراده على حد سواء، فالترديد فيما بينها عقلي و هذا هو مرادهم من التخيير العقلي.

و من يرى أنّ الأوامر تتعلق بالأفراد يرى أنّ المقصود من التخيير هو التخيير الشرعي، لأنّه يرى أنّ هناك أحكاما عديدة بعدد أفراد الجامع، لكن على سبيل البدل، حيث يكون للمولى حينئذ نظر إلى تطبيق هذا الجامع على أفراده، فيطلب هذا الفرد، أو ذاك الفرد.

فيكون مرجعه إلى أمرين مشروطين، فيأمر بكل عدل على تقدير ترك الآخر.

186

إذن من يقول بتعلّق الأوامر بالطبائع، يرى أنّ التخيير العقلي ثابت، و كثيرا ما يقع، فيكون الأمر متعلّقا بالطبيعة أي: بالجامع، و يكون تطبيقه على أفراده بحكم العقل.

و من ينكر التخيير العقلي، و يقول بثبوت التخيير الشرعي فقط، يقول:

بأنّ الأوامر متعلقة بالأفراد على نحو البدل على ما عرفت تفصيله.

إلّا أنّ الميرزا (قده) (1) لم يرتض هذا التقريب، لأنّه استبعد أن ينكر الأصوليون القدماء التخيير العقلي رأسا، و هو في محلّه.

و نحن نضيف على ما ذكره الميرزا (قده)، فنقول: إنّه حتى لو قلنا بتعلّق الأوامر بالأفراد على نحو البدل، فلا بدّ من الالتزام بالتخيير العقلي.

و ذلك لأنّ كل مفهوم، إمّا أن يلحظ مشيرا إلى فرد خارجي مفروغ عنه، و في مثل ذلك يستحيل طلبه، لما تقدم و عرفت أنّ طلبه تحصيل للحاصل كما عرفت أنّ متعلق الأمر، إنما هو المفهوم، بما هو هو، لا بما هو مشير إلى واقع خارجي مفروغ عنه.

و إمّا أن لا يلحظ المفهوم كذلك، و في مثل ذلك يبقى «المفهوم»، متعلّق الأمر، مفهوما كليا، و إن حدّد بحدود، و قيّد بقيود، ما لم يفرغ عن وجوده المشخّص له حقيقة، لأنّ الكلّي لا يخرج عن كونه كليا بإضافة قيد كليّ له، و إن كانت تتضيّق دائرته بذلك.

إذا عرفت ذلك، نقول: إنّ القائل بتعلق الأمر بالأفراد، إن أراد بالأفراد، العناوين المشيرة إلى الأفراد الخارجية المفروغ عنها، حينئذ يكون طلبها تحصيلا للحاصل.

و إن أراد بالأفراد الحصص المفهوميّة، بمعنى أنّه بدل أن يكون هناك أمر واحد متعلق بالصلاة، يكون هناك أوامر متعددة متعلقة بالصلاة

____________

(1) أجود التقريرات- الخوئي: ج 1 ص 210.

187

المتحصّصة و المحددة بحدود مختلفة، كالصلاة في البيت، أو المسجد، و نحو ذلك.

ففي مثل ذلك لا بدّ من الالتزام بالتخيير العقلي، لأنّ تطبيق هذا المفهوم الكلّي على أحد حصصه يكون بحكم العقل.

و عليه، فحتى بناء على أنّ الأوامر تتعلق بالأفراد، لا بدّ من الالتزام بالتخيير العقلي.

و بهذا يظهر عدم تمامية هذا التقريب.

2- التقريب الثاني: هو ما ذكره الميرزا (قده) (1)، و حاصله، هو: إنّ النزاع في تعلق الأوامر بالطبائع، أو بالأفراد، مربوط ببحث فلسفي، و هو إنّ الوجود هل يعرض على الماهية المشخّصة، أو إنّه يعرض على ذات الماهية و الطبيعة، و التشخص إنما يكون بالوجود نفسه.؟.

فإن قيل بالثاني، و هو عروض الوجود على ذات الماهيّة، فهذا معناه أنّ الكلّي الطبيعي موجود في الخارج، و أنّ ما هو معروض أو موضوع الوجود، هو الكلّي الطبيعي، و هذا يستتبع أن تكون الإرادة التكوينيّة للعبد في إيجاد الفعل، متعلقة بذات الطبيعة، لأنّ الوجود حسب الفرض، ينصب على ذات الطبيعة، و هذا يستتبع أن تكون الإرادة التشريعيّة من قبل المولى، منصبة على ذات الطبيعة، لأنّ إرادة المولى بمثابة العلة لإرادة العبد، فينتج حينئذ أنّ الأوامر تتعلّق بالطبائع.

و أمّا إذا قيل بالأول، و هو أنّ الوجود يطرأ على الماهيّة المتشخصة، بحيث يكون التشخص داخلا فيما له الوجود، فهذا يستتبع أن تكون الإرادة التكوينية للعبد في إيجاد الفعل، متعلقة بالماهية المتشخصة، و هذا يستتبع أن تكون الإرادة التشريعية متعلقة بها كذلك، لأنّها تتعلق بما يتعلق به‏

____________

(1) أجود التقريرات- الخوئي: ج 1 ص 210.

188

الإيجاد و الإرادة التكوينية، و هذا ينتج حينئذ، أنّ الأوامر تكون متعلقة بالأفراد.

ثمّ إنّهم فرّعوا على هذا ثمرة حاصلها: إنّه بناء على تعلّق الأوامر بالماهيّة المتشخصة، فإنّه لا يمكن اجتماع الأمر و النهي، ذلك لأنّ العنوانين و إن كانا متغايرين بحسب عنوانيهما و مفهوميهما، إلّا أنّه لا إشكال في أنّ كل واحد منهما من مشخصات الآخر، و حينئذ يتحد متعلّق الأمر مع متعلق النهي، فيستحيل اجتماعهما. و هذا بخلافه فيما إذا قيل بعروض الوجود على ذات الماهيّة و الطبيعة حيث تكون المشخصات خارجة عن متعلق التكليف فإنّه حينئذ، يكون متعلق الأمر طبيعة، و متعلق النهي طبيعة أخرى، و إن تصادقا في مورد واحد؛ فإنّ كلا منهما يكون بمثابة المشخص للكلّي الآخر.

و هذا التقريب فيه مواقع للنظر، نكتفي بذكر واحد منها، و حاصله، هو: إنّه لا ترتّب بين مسألة تعلّق الأوامر بالأفراد، أو الطبائع، و بين المسألة الفلسفية هذه، إذ لا يلزم القائل في المسألة الفلسفية بأنّ الوجود يطرأ على الماهيّة المتشخّصة، و كون التشخص مأخوذا في معروض الوجود، لا يلزمه أن يقول في محل كلامنا: بأنّ الإرادة التشريعية للمولى تكون متعلقة بالماهية المتشخصة، و بنفس متعلق الوجود أيضا، بل يمكن للقائل بطروّ الوجود على الماهية المتشخصة، أن يقول في محل الكلام بطروّ الإرادة التشريعية على ذات الماهيّة.

و دعوى لزوم أن يكون متعلّق الإرادة التشريعية هو نفسه تمام متعلق الإرادة التكوينية فهو ممّا لا دليل عليه، و ذلك، لأنّ البرهان إنّما قام على أنّ الإرادة التشريعية للمولى يجب أن تكون متعلقة بشي‏ء يعقل أن يدخل تحت الإرادة التكوينية للعبد، حيث يمكن صدوره منه خارجا، كي لا يلزم التكليف بغير المقدور.

و عليه، فيعقل أن تكون الإرادة التكوينيّة للعبد متعلقة بالماهيّة

189

المتشخصة، في ظرف تكون الإرادة التشريعية متعلقة بالماهيّة بلا مشخّصات لأنها تحت قدرة المكلف و لا محذور في ذلك، حيث لا يلزم منه التكليف بغير المقدور، و عليه فهذا التقريب غير تام.

3- التقريب الثالث: و هو ما أفاده المحقق الأصفهاني (قده) (1)، و حاصله، هو: إنّ النزاع في تعلق الأوامر بالطبائع، أو بالأفراد، مربوط ببحث فلسفيّ، و هو: إنّ الكلّي الطبيعي، هل هو موجود في الخارج، أو غير موجود؟ فعلى القول بوجوده، يقال حينئذ: بأنّ الأوامر تتعلق بالطبائع، لأنّه يمكن وجودها خارجا.

و على القول بعدم وجوده في الخارج، يقال حينئذ: بأنّ الأوامر تتعلق بالأفراد، لعدم إمكان إيجاد الطبيعة خارجا، و إلّا لزم التكليف بغير المقدور.

و هذا التقريب غير صحيح، و ذلك لأنّ النزاع في وجوه الكلّي الطّبيعي في الخارج، و عدم وجوده، إنّما هو بالنسبة للوجود بالذات، لا للوجود و لو بالعرض و الانتزاع.

و توضيحه، هو: إنّه لا إشكال في وجود الكلي الطبيعي خارجا و لو بالعرض بنحو من أنحاء الوجود المصحح لحمله بالحمل الشائع على الخارج، فيقال: «زيد إنسان» فلو لم يكن للكلي الطبيعي، «إنسان» نحو من أنحاء الوجود مع «زيد» لما صحّ هذا الحمل، مع أنّه صحيح بلا إشكال.

فهذا يبرهن على وجود نحو اتحاد في الوجود بين الكلّي الطّبيعي و الفرد الخارجي.

غاية الأمر هي أنّه وقع الكلام في هذا النحو من الوجود، و أنّه هل هو وجود بالذات، لنفس الماهية؟.

____________

(1) نهاية الدراية: ج 2 ص 56- 57.

190

أو إنّ هذا، مفاده وجود الكلي الطبيعي في الخارج، و إنّ هذا الوجود هو وجود بالذات لماهية «زيد»، و يكون مفهوم الإنسان منتزعا من هذا الوجود؟.

و هذا معناه، إنّ الكلي الطبيعي موجود في الخارج بالعرض و الانتزاع لا ذاتا، إذن، فعلى كلا التقديرين يتعيّن أن يكون للكلي الطبيعي نحو من الوجود الخارجي، و هذا النحو من الوجود يصحح تعلّق الأمر و الإرادة التشريعية به، لطلب إيجاده في الخارج كيفما كان هذا النحو من الوجود، و معه لا يلزم التكليف بغير المقدور.

بل الصحيح إنّه لا يعقل أن تتعلّق الأوامر بالأفراد، لأنّ شخصيّة كل حصة إنّما تكون بخارجيّتها و وجودها لا محالة.

إذن فكل مفهوم نأخذه، إذا لم نطعّمه بالمشيريّة إلى فرد خارجي فهو كلّي، فلو كان متعلّق الأمر هو الطبيعة المشار بها إلى وجود حقيقي مفروغ عنه، كان هذا تحصيلا للحاصل، و إلّا كان متعلّقه كليا لا محالة.

إذن فهذا النزاع، و هو كون الكلي الطبيعي موجودا أو غير موجود في الخارج، غير مربوط بمسألة كون الأوامر متعلقة بالطبائع أو بالأفراد، إذ يمكن أن نقول بأنّ الكلّي الطبيعي غير موجود في الخارج، بمعنى أنّه ليس هذا الوجود وجودا له بالذات، و لكن مع هذا نقول بتعلّق الأمر به، لأنّ له نحوا من الوجود.

4- التقريب الرابع: و لعلّه أفضل صورة معقولة للقائلين بتعلّق الأوامر بالطبائع، و للقائلين بتعلقها بالأفراد:

و لكن قبل عرضه، نقدّم له بهذه المقدمة، و هي: إنّ المشخص الحقيقي هو الوجود، بناء على أصالة الوجود، إلّا أنّه يوجد مشخّصات عرضيّة و عرفيّة زائدة على وجود ذات الشي‏ء، تشكل ضمائم له، و هذه‏

191

الضمائم و إن كان يسبقها التشخّص الحقيقي للشي‏ء، إلّا أنّها هي التي تعيّن الشي‏ء المشخّص بالنظر العرفي.

فمثلا الإنسان الموجود في ضمن «زيد»، يشخّصه هذا النحو من الوجود الكائن في «زيد»، إلّا أنّ هذا النحو من الوجود له ضمائم و أحوال، و هي أعراض لا تنفك بحال عن الإنسان، كحاله في زمان، و مكان، و ذي لون، و هكذا تكون مشخّصات عرضيّة لزيد، رغم كونها بالدقة، ضمائم عرضيّة، و مصاديق لماهيّات أخرى كليّة، و هذه الأعراض و المشخّصات العرضيّة، يستعان بها في مقام تفهيم من هو «زيد» حينما نسأل: من هو زيد، فيستعان بهذه المشخّصات لتعيين الماهيّة، و لهذا كانت مشخصات عرفية و عرضيّة.

و بضم هذه المشخّصات العرضيّة و العرفيّة إلى الوجود المحور لهذه المشخصات، يكوّن و يتحقق ما نطلق عليه اسم الفرد من الإنسان، بينما نطلق على ذات الوجود المشخّص اسم الحصة من الإنسان القابل للافتراق عن بقية الأفراد.

فالحصة هي ذات الوجود المتشخّص الذي يكون مصداقا بالذات للماهيّة مع غض النظر عن مشخصاته العرفية، و الفرد عبارة عن تلك الحصة، مع انضمام تلك المشخّصات العرضيّة و العرفية الخارجيّة المشخّصة له إلى الوجود المحور لهذه المشخصات.

و بعبارة أخرى: فإنّ الفرد هو عبارة عن تلك المشخصات العرفيّة و العرضيّة منضمّة إلى الوجود و المحور لهذه المشخّصات، أو إنّه هو ذاك الوجود المحور لتلك المشخصات مع ضميمة تلك المشخصات العرفيّة إليه، بينما الحصة عبارة عن ذات ذاك الوجود، مجرّد عن مشخّصاته العرفيّة، و هذه الحصص هي بدورها تشكل محورا، فيقال فرد و يقصد به المتعيّن. و بهذا اختلفت الحصة عن الفرد.

فإذا ميّزنا و فرّقنا بين المشخّص بالذات، و المشخّص بالعرض، حينئذ

192

يقال: بأنّ القائل بتعلق الأوامر بالأفراد يقصد به أنّ الأمر يسري إلى تلك الحالات العرضيّة المشخّصة، و التي بها يتحقق و يتكوّن الفرد.

و سريان الأوامر إلى هذه الضمائم و الخصوصيات، إمّا بمعنى أنّ الأمر المتعلق بالطبيعة، بحسب عالم الجعل، لم يؤخذ في وجهه إلّا الطبيعة، لكن هذه الطبيعة في مقام التطبيق على مصداقها، تنطبق على الفرد، يعني هذه الحصة بما لها من الخصوصيات و الشئون تكون مصداق الواجب، و إمّا بمعنى أنّ السريان بحسب عالم الجعل، و لا أقل من كونه بحسب عالم الحب، فيقال: بأنّ الحب لا يقف على الطبيعة، بل يسري إلى لوازمها المشخصة لها، كما في كونها في مكان ما، أو زمان، و بذلك يجامعها، فلئن كان لا يعقل السريان بحسب عالم التكليف باعتبار أنّ هذه المشخصات قهرية الوقوع، فلا أقل من السريان بحسب عالم الحب الذي يعقل تعلقه حتى بما هو قهري.

و إن شئت قلت: إذ اتضح الفارق بين المشخص بالذات، و المشخص بالعرض، حينئذ يقال: بأنّه يمكن أن يكون المقصود من تعلّق الأوامر بالطبائع، أو الأفراد، هو إنّ الأوامر هل تسري بحسب جعلها، أو بحسب التطبيق إلى الأفراد، أي: إلى الوجود و مشخّصاته أولا؟ فيقال حينئذ: بأنّ مقصود القائل بتعلق الأوامر بالأفراد هل هو السريان و التوسع بحسب عالم التطبيق، حيث يشمل تلك الضمائم المشخّصة كلها، أو هو السريان و الشمول لهذه الضمائم بحسب عالم الجعل، أو على الأقل بحسب عالم الحب، حيث لا يبقى الحب واقفا على ذات الطبيعة، «الصلاة»، مثلا بل يسري إلى ضمائمها و لوازمها المشخّصة لها، ككونها في زمان ما، أو مكان ما، لاحتياج الطبيعة إليها، و لئن كان لا يعقل السريان بحسب عالم التكليف، باعتبار وقوع هذه المشخّصات قهرا و حتما، فلا أقلّ من السريان بحسب عالم الحب الذي هو روح التكليف، فإنّه يعقل تعلقه حتى بما هو قهري.

إذن، فيرجع القول بتعلق الأوامر بالأفراد إلى سريان الأمر إلى الطبيعة

193

و ضمائمها المشخّصة لها، بحسب روح التكليف و هو الحب.

و قد عرفت أنّ هذا السريان للأمر، تارة يدّعى بحسب مرحلة التطبيق، و أخرى بحسب عالم الجعل.

و في مقابل ذلك القول، يقال: بتعلق الأوامر بالطبيعة، فإنّ الأمر لا يسري إلى تلك الضمائم و المشخّصات، لا بحسب عالم الجعل، و لا بحسب عالم التطبيق، و لا بحسب عالم الحب الذي هو روح التكليف.

أمّا عدم السراية بحسب عالم الجعل: فلأنّ الجعل تابع لملاكه و الملاك إنّما هو في ذات الطبيعة و لا ملاك في المشخصات، و لو كانت ملازمة للطبيعة، إلّا بناء على أنّ المتلازمين لا يختلفان في الحكم.

و أمّا عدم السراية بحسب عالم التطبيق: فلأنّ الماهية إنمّا تنطبق على الحصة، بينما العوارض كل واحد منها مطبق لماهية أخرى، و معه فلا معنى للسريان إليها.

و الأثر العملي لذلك، هو: إنّه لو بني في بحث اجتماع الأمر و النهي على أنّ الكون في المكان المغصوب، ليس موجودا بعين وجود الصلاة، بل كل منهما له كون، و إنّما الحرام هو الكون الغصبي أي: في المكان المغصوب، و حينئذ لو قلنا بتعلق الأمر بالطبيعة، و قلنا: إنّ هذا الكون من العوارض لماهيّة «الصلاة»، حينئذ لا بأس من اجتماع الأمر و النهي أي: إنه يلزم جواز اجتماع الأمر بالصلاة مع حرمة الغصب و لا يلزم من ذلك اجتماع الضدّين على أمر واحد.

أمّا لو قلنا بتعلق الأمر بالأفراد فإنه حينئذ يسري الأمر إلى مشخّصات الصلاة و منها المكان، فالكون في المكان يصير مصداقا للواجب، أو للمحبوب، و كذلك هو مصداق للحرام، فيلزم من ذلك امتناع اجتماع الأمر و النهي.

و قد تبيّن من خلال استعراضنا أنّ الحق هو تعلّق الأوامر بالطبائع لا بالأفراد ..

194

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

195

بحث النسخ‏

و هو إنّه إذا نسخ الوجوب، فهل يبقى دلالة على الجواز أولا؟

فالكلام يقع في مقامين:

1- المقام الأول: هو في تحصيل هذه الدلالة، بالدليل الناسخ أو المنسوخ.

2- المقام الثاني: في تحقيق ما هو الأصل العملي في ذلك.

أمّا المقام الأول: [فى دلالة الدليل الناسخ او المنسوخ على الجواز او عدمها]

فإنّه لا إشكال في أنّ دليل الناسخ، لا يمكن أن يستفاد منه بقاء الجواز- لمجرد نسخ الوجوب- إلّا بطرز لسان ليس له ضابط كلّي إلّا شاذا، كما لو قال: «خفّفت عنكم» فإنّه واضح حينئذ، أنّ المولى لم يرفع يده مطلقا، و إنما رفعها عن الوجوب فقط.

و حينئذ فإن اتّفق هذا اللسان أخذ به، و إلّا فلا.

و أمّا من ناحية دليل المنسوخ، فإنّهم لم يستشكلوا في الاستفادة منه بقاء الجواز، و ذلك بتقريب، أنّ دليل الوجوب المنسوخ مفاده معلوم ارتفاعه، و ما هو محتمل الثبوت ليس هو مفاده.

و التحقيق هو التفصيل بحسب المباني، إذ إنّه على بعضها يستفاد بقاء الجواز، و هذا يكون توضيحه بتقريبات:

196

1- التقريب الأول: و هو مبني على القول، بأنّ الدلالة الالتزامية غير تابعة للدلالة المطابقيّة في الحجيّة، و عليه يقال: بأنّ دليل «تصدّق» له دلالتان: دلالة مطابقيّة، و هي وجوب الصدقة دائما، و دلالة التزامية على نفي حرمة الصدقة في كل زمان. و لكن بدليل النسخ المنفصل، سقطت الدلالة المطابقيّة عن الحجيّة، و بقيت الدلالة الالتزاميّة على نفي الحرمة، و حينئذ فبناء على استقلالها في الحجيّة عند المشهور، يقال: حينئذ نتمسك بالدلالة الالتزاميّة لإثبات نفي الحرمة، و هو الجواز.

و قد أشكل على هذا التقريب بما حاصله، هو إنّ الدليل المنسوخ، «أي دليل وجوب الصدقة» له أربع دلالات التزاميّة، لا دلالة واحدة، و هذه الدلالات الأربعة هي: دلالة التزاميّة على نفي الحرمة، و دلالة التزاميّة على نفي الكراهة، و دلالة التزاميّة على نفي الاستحباب، و دلالة التزامية على نفي الإباحة بالمعنى الأخص.

و بعد نسخ الوجوب و انتفائه بالدليل الناسخ، يقع التعارض بين هذه الدلالات الالتزاميّة الأربعة، إذ لا يمكن التمسك بها، أو بكل واحدة منها، فتسقط جميعها بالمعارضة (1)، كما أنه لا دلالة لواحد من دليلي الناسخ و المنسوخ بإحدى الدلالات، على تعيين واحد من هذه الأحكام، إذ لا بدّ لتعيين واحد منها من دليل آخر.

و جواب هذا الإشكال، هو أن يقال: بأنّ الإباحة بالمعنى الأخص ليست مدلولا التزاميا لدليل الوجوب، لأنّها ليست إلّا سلب الأحكام الاقتضائية الأربعة التي هي: الوجوب، و الحرمة، و الاستحباب، و الكراهة، و ليست الإباحة أمرا وجوديا، إذن نفس الإباحة معناه أنّها نقيض هذه الأحكام الأربعة، إذن فدليل الوجوب المنسوخ يدل بالمطابقة على ذلك، و ينفي الإباحة بنفسه، إذن ليست الإباحة مدلولا التزاميا لدليل الوجوب، إذ

____________

(1) كفاية الأصول- مشكيني: ج 1 ص 224.

197

دلالات الوجوب الالتزامية لا يحصل بينهما تعارض، إذن فالإباحة بالمعنى الأخصّ لها معنى مركّب من أعدام أربعة، و دليل الوجوب المنسوخ ينفي واحدا منها، و هو عدم الوجوب، و يكون نفيه هذا بالدلالة المطابقيّة، لا بالدلالة الالتزاميّة.

و إن شئت قلت: إنّ نفي الإباحة بالمعنى الأخصّ إنّما هو بالدلالة المطابقية لدليل الوجوب المنسوخ، و ليس بالدلالة الالتزامية لهذا الدليل، و ذلك لأنّ الإباحة بمعناها الأخصّ تثبت بانتفاء الأحكام الأربعة، عند ما لا يكون لها مقتض، و دليل الوجوب المنسوخ يدل على انتفاء الاستحباب و الكراهة و الحرمة بالالتزام، و لا يدل على نفي الإباحة إلّا بنفس إثبات الوجوب، و مقتضي الإلزام، حيث أنّ نفي النفي إثبات، إذن فارتفاع انتفاء الأحكام الأربعة- غير الإباحة- إنّما يكون بنفس ثبوت أحدها الذي هو المدلول المطابقي للخطاب، و الذي قد نفي بالدليل الناسخ.

إذن فيكون نفيه هذا، منضما إلى الدلالات الالتزامية الثلاثة في الدليل المنسوخ على نفي الاستحباب و الكراهة و الحرمة، منتجا للإباحة بالمعنى الأخصّ.

و الخلاصة، هي: إنّ استفادة عدم الحرمة- التي هي الجواز بعد نسخ الوجوب- لا يمكن إثباتها بالتمسك بالدلالة الالتزاميّة لدليل المنسوخ، بعد أن سقطت دلالته المطابقيّة عن الحجيّة، بناء على كون الدلالة الالتزامية غير تابعة في الحجيّة للدلالة المطابقية.

و قد يتوهم أنّ كونه مباحا بالمعنى الأخصّ، هو أيضا منفي بدليل الوجوب المنسوخ، لكون دليل الوجوب قد سقط عن الحجيّة بسقوط الدلالة المطابقيّة، فيتبعه مدلوله الالتزاميّ في السقوط بناء على تبعيّة الدلالة الالتزاميّة للمطابقيّة في الحجيّة، و قد تقدم بطلانه في محله.

2- التقريب الثاني: و هو مبني على أصل موضوعي مفاده: إنّ الدلالة التضمنية غير تابعة للدلالة المطابقيّة في الحجيّة، فإذا سقطت الدلالة

198

المطابقيّة عن الحجيّة، بقيت حجيّة الدلالة التضمنيّة.

فبناء على هذا يدّعى، بأنّ دليل الوجوب المنسوخ مركّب من جزءين:

من طلب الفعل، و المنع من الترك، و دليل النسخ يكشف عن ارتفاع المجموع بما هو مجوع، و لا يدل على ارتفاع كلا الجزءين معا، أي: لا يدل على نفي الجميع، و نفي المجموع يكفي فيه نفي الجزء الأخسّ، و هو المنع من الترك، و يبقى الجزء الآخر- و هو طلب الفعل ثابتا-، لأنّه لا داعي لنفيه، و هو معنى الجواز بالمعنى الأعم، و تبقى الدلالة التضمنية بهذا محتفظة بحجيّتها، و الجواز بالمعنى الأعم متضمنا لطلب الفعل.

و الفرق بين التقريب الأول، و هذا التقريب، هو: إنّ الأول يثبت الجواز بالمعنى الأعم في ضمن الإباحة، و هذا التقريب الثاني يثبت الجواز بالمعنى الأعم في ضمن الاستحباب، بتقريب أنّ الوجوب مركّب من طلب الفعل و المنع من الترك، و الدليل الناسخ إنّما ينفي مجموعهما لا جميعهما، فيكون المتيقن منه انتفاء الثاني، و تبقى دلالة الدليل المنسوخ على أصل الطلب، فيثبت الجواز بالمعنى الأعم، في ضمن الاستحباب، لأنّنا نعلم بالطلب، و لا نعلم بعدم المنع، و ليس معنى الجواز بالمعنى الأعم في ضمن الاستحباب إلّا هذا.

و لعلّه يمكن تطبيق الفكرة نفسها، فيما لو قيل، بأنّ دليل الوجوب ليس مفاده طلب الفعل مع المنع من الترك، بل مفاده، الطلب الشديد و الإرادة الشديدة، فالمدلول التصديقي لدليل الوجوب المنسوخ هو الإرادة الشديدة، و المدلول التصديقي للاستحباب هو الإرادة الضعيفة، و حينئذ دليل النسخ ينفي الإرادة الشديدة، لا مطلق الإرادة، أي: إنّه ينفي مرتبة الشدة مع بقاء أصل الإرادة.

و بعبارة أخرى يقال: إنّ دليل الوجوب له دلالتان: دلالة تضمنيّة على أصل الإرادة، و دلالة مطابقيّة على شدة الإرادة، و قد أسقط دليل الناسخ مدلول الدلالة التصديقيّة عن الحجيّة، و لا موجب لسقوط الدلالة التضمنية،

199

فتبقى الدلالة التضمنيّة حجة في أصل الإرادة، و هو الطلب، و هو معنى الجواز بالمعنى الأعم، المتمثل في الاستحباب.

3- التقريب الثالث: و هو مبني على المسلك المعروف لمدرسة المحقق النائيني (قده) في باب الوجوب و الاستحباب، و هو: إنّ الوجوب ليس مدلولا للّفظ (1)، و كذلك الاستحباب، فإنّ مدلول «صلّ الصبح»، «و صلّ الليل»، مفادهما واحد، و هو الطلب، و إنّ الوجوب في «صلّ الصبح» إنّما يلزم به العقل، بعد أن ينتزعه من طلب الفعل، و عدم الترخيص في الترك، فإنّ المولى كلما تصدّى لطلب فعل دون أن يرخّص في تركه، يحكم العقل حينئذ بوجوبه.

إذن، فالوجوب يحصل بضم مطلبين: أحدهما: مدلول اللفظ الذي هو الطلب، و الآخر: عدم ورود ترخيص بالترك من قبل المولى، كما أنّ الحكم باستحباب «صلاة الليل» أيضا عقلي مبني على أمرين: أحدهما:

صدور طلب من المولى، و الآخر: هو الترخيص بالمخالفة.

و بناء على هذا المبنى لا ندري لما ذا لم ينتبه أصحاب هذه المدرسة إلى إمكان إثبات الجواز بالمعنى الأعم، بعد نسخ الوجوب، إذ لا يبقى لدليل الوجوب المنسوخ مفاد، إذا ارتفع الوجوب، فإنّ الدليل الذي دلّ على نسخ الوجوب يكون بمثابة الدليل على الترخيص لا أكثر، و يبقى دليل الطلب، غايته أنّه إلى ما قبل النسخ لم يرد ترخيص، و من حين النسخ فصاعدا ورد ترخيص، و العقل هنا ينتزع الاستحباب.

و إذا تمّ هذا المبنى، فلا نبقى بحاجة إلى شي‏ء من تبعية الدلالة التضمنيّة، أو الالتزامية للدلالة المطابقيّة في الحجيّة و عدم التبعيّة، فلو فرض أن قلنا بتبعية الدلالة الالتزاميّة و التضمنيّة للدلالة المطابقيّة في الحجيّة، فإنّه على هذا المبنى تسقط جميع الدلالات عن الحجيّة، و سوف‏

____________

(1) فوائد الأصول- الكاظمي: ج 1 ص 70- 71.

200

يتعطّل بالتالي التقريب الأول و التقريب الثاني، دون هذا الثالث، لأنّنا هنا، نتمسك بالدلالة المطابقيّة، و غاية ما يثبته الدليل الناسخ هو الترخيص في الفعل، و لا ينفي الطلب، فيكون مدلول الوجوب غير منسوخ أصلا.

نعم، لو كان لدليل النسخ‏ (1) نظر إلى مدلول دليل المنسوخ و نفيه، فإنّه حينئذ يرتفع الطلب فعلا عن الوجوب و غيره.

إلّا أنّ هذه عناية زائدة.

و هذا التقريب مع التقريبين السابقين. لا يمكن المساعدة على شي‏ء منها لعدم تماميّة مبانيها.

أمّا الأول: فلأنّ الأصل الموضوعي القائل بعدم تبعية الدلالة الالتزاميّة في الحجيّة للدلالة المطابقيّة غير معقول، بينما نحن نقول بالتبعيّة، فإذا سقطت الدلالة المطابقيّة عن الحجيّة تبعتها الدلالة الالتزامية و التضمنية في السقوط عن الحجيّة أيضا، كما سيأتي تفصيل ذلك في بحث العام و الخاص.

و أمّا الثاني: فهو باطل أيضا، لأنّ بقاء التضمنيّة على الحجيّة دون المطابقيّة، و إن كنّا نقبله في الجملة، لكن لا نقبل أن يكون الوجوب مركّبا من طلب الفعل مع المنع من الترك كما هو مذهب الميرزا (قده) (2) في مدلول الأمر، كي يطبّق عليه قاعدة عدم تبعيّة الدلالة التضمنيّة في الحجيّة للدلالة المطابقيّة.

و قد أوضحنا ذلك في بحث دلالة الأمر على الوجوب، و أثبتنا أنّ الوجوب مدلول لفظي، و ليس عقليا.

____________

(1) بدائع الأفكار- الآملي: ج 1 ص 413.

(2) فوائد الأصول- الكاظمي: ج 1 ص 70- 71.

201

و أمّا الثالث: فهو غير صحيح أيضا، لأنّنا نرى أنّ الوجوب مدلول للّفظ لا للعقل.

و عليه، فالصحيح إنّه لا يمكن إثبات الجواز، لا بالمعنى الأعم و لا بالمعنى الأخص، فيما إذا نسخ الوجوب، لا بدليل الناسخ، و لا بدليل المنسوخ، إلّا إذا فرضت عناية زائدة في دليل الناسخ.

و الخلاصة هي: إنّ هذه التقريبات الثلاثة المتقدمة لإثبات الجواز، بعد نسخ الوجوب، تمسكا تارة بالدلالة الالتزاميّة، و أخرى بالدلالة التضمنيّة، و ثالثة بالدلالة المطابقيّة، بدعوى أنّ الدلالة المطابقية لم تنثلم أصلا بناء على مسلك الميرزا (قده) في تفسير الوجوب و الاستحباب، تبيّن أنّه لم يتم شي‏ء منها.

و على ضوء ما تقدم نعرف حال الكلام الذي ذكره المشهور في المسألة، من كونها مبنيّة على الخلاف في مسألة فلسفيّة معروفة، و هي إنّ الجنس هل يبقى بعد زوال الفصل، أو إنّه يزول بزوال الفصل؟.

بمعنى أنّه إذا قيل: بأنّ الجنس يزول بزوال الفصل، فهنا الوجوب له جنس، و هو الجواز، و له فصل، و هو حيثيّة الإلزام، أي: المنع من الترك، فالجواز بالمعنى الأعم، أي: «الجنس»، يزول بزوال حيثيّة الإلزام، التي هي المنع من الترك الذي هو «الفصل»، إذ معه لا يثبت الجواز بدليل المنسوخ.

و أمّا إذا قلنا ببقاء الجنس، حتى بعد زوال الفصل، حينئذ يثبت الجنس أي: الجواز بالمعنى الأعم حتى بعد نسخ الوجوب.

و يمكن أن يستفاد من هذا الكلام في مساعدة التقريب الثاني من التقريبات الثلاثة المتقدمة، و هو في التمسك بالمدلول التضمّني لدليل الوجوب المنسوخ، إلّا أنّ هذه الاستفادة مبنيّة على إمكان بقاء الجنس، و لو في ضمن فصل آخر.

202

و أمّا إذا لم نقل ببقاء الجنس بعد زوال الفصل، حينئذ يكون المدلول التضمّني لدليل الوجوب المنسوخ مرتفعا، و حينئذ لا يبقى كلام السيد الخوئي (قده) واردا كما ستعرف، حيث أن السيد الخوئي (قده) (1) اعترض بثلاثة اعتراضات على مسألة ابتناء بقاء الجواز بعد نسخ الوجوب على المسألة الفلسفيّة المختلف فيها، من بقاء الجنس بعد زوال الفصل و عدمه.

الاعتراض الأول: هو إنّ الوجوب و الاستحباب أساسا ليس من المجعولات الشرعيّة، بل هما حكمان اعتباريان من قبل العقل، و إنما ينتزع العقل حيثيّة الوجوب و الاستحباب من طلب المولى، و اعتباره، حيث لا يقترن طلبه بالإذن بالترك، و ينتزع الاستحباب من اقتران طلبه بالترك، فليس الوجوب و الاستحباب مدلولين لكلام المولى، بل يرجعان إلى حكم العقل و انتزاعه، و أمّا المجعول من قبل المولى، فإنّما هو نفس ذلك الاعتبار للفعل في ذمة المكلف.

و إن شئت قلت: إنّ الأحكام من الأمور الاعتبارية المحضة و هي بسائط لا جنس لها، و لا فصل كي ترتفع بارتفاع فصلها أولا ترتفع، إذ لا معنى لافتراض الجنس و الفصل للوجوب كي يقال: بأنّ الجنس هل يزول أو لا يزول بزوال الفصل؟.

و هذا الاعتراض غير تام و ذلك لوضوح أنّ الوجوب بناء على المسلك المشهور المعروف هو، أنه بنفسه مفاد صيغة «افعل»، و عليه فهو مجعول شرعي، لا منتزع عقلي، و إنّما العقل يحكم بلزوم الإطاعة بعد ثبوت الوجوب شرعا.

إذن فالوجوب و الاستحباب قسمة للحكم الشرعي في المرتبة السابقة على حكم العقل، و عليه، فلا معنى لاعتراض السيد الخوئي (قده).

____________

(1) محاضرات فياض: ج 4- ص 23- 24.

203

و أمّا إذا بنينا على مسلك الميرزا (قده) في تفسير الوجوب و الاستحباب، و قلنا بأنّهما من تبعات حكم العقل، حينئذ يكون من الواضح، أنّ الوجوب بعنوانه، و إن لم يكن مجعولا استقلاليا للشارع، لكنه مجعول بالتّبع، لأنّ الوجوب مركّب من جزءين: وجودي و عدمي: و الجزء الوجودي هو الطلب، و الجزء العدمي: هو عدم الإذن بالمخالفة، و كلاهما شأن المولى، و من مجموعهما ينتزع العقل عنوان الوجوب، إذن حيث أنّ منشأ الانتزاع هذا مربوط بالمولى بكلا جزءيه، إذن فيكون الوجوب مجعولا بالتّبع، و لذلك لا إشكال و لا استهجان فيما لو ورد نص شرعي في رفع وجوب صلاة الليل، باعتبار أنّ الالتزام و الوجوب بيد الشارع. إذن فالوجوب قابل للنسخ بلحاظ كل واحد من جزءيه، فقد ينسخ بلحاظ الجزء الوجودي، و قد ينسخ بلحاظ الجزء العدمي، و ذلك بأن يتبدل عدم الترخيص بالترخيص، و كلاهما نسخ للوجوب.

فنسخ الوجوب أمر عرفي، و حينئذ بناء عليه يقال: بأنّ دليل الناسخ قد فرضنا أنّه لا يستفاد منه أكثر من نسخ الوجوب، و هذا معناه: إنّ غاية ما يكشف عنه هذا الكلام هو رفع الجزء الثاني أي: الجزء العدمي من منشأ انتزاع الوجوب، و هو عدم الترخيص بالترك، أمّا الجزء الوجودي من منشأ الانتزاع، فلا يعلم برفع اليد عنه، و عليه، فنتمسك بدليل المنسوخ لإثبات الجزء الأول الوجودي لمنشا انتزاع الوجوب.

نعم بناء على هذا يكون إثبات الجواز بالمدلول المطابقي للدليل المنسوخ، كما مر عليك في التقريب الثالث، و لا يكون إثباته بالمدلول التضمّني، ذلك لأنّ عدم الترخيص في الترك، ليس مدلولا للأمر، و عليه، فلا تكون المسألة متفرّعة على المسألة الفلسفية بلحاظ مدلول الدليل، إذ مدلول الدليل ليس أكثر من الاعتبار عند السيد الخوئي (قده) كما عرفت.

و إن كان بلحاظ مبادئ الحكم- حتى لو كان محض الاعتبار- من الحب و الإرادة و الشوق، تكون المسألة صغرى لكبرى المسألة الفلسفية،

204

و لكن ليس الحكم هو مدلول الدليل، إذ حتى لو فرض عدم بقاء الجنس و تبدّله إلى وجود آخر، في ضمن فصل آخر، كشفنا عنه بمقتضى مدلول الدليل، إلّا أنّ هذا قريب الشبه بمدّعى المشهور، و إنّما احتاج المشهور لتفريع المسألة على المسألة الفلسفية، لكونهم قد فرغوا عن كون الوجوب مدلولا للّفظ، و عليه، لا محالة أنّه ينحلّ إلى جنس و فصل.

الاعتراض الثاني، هو: إنّه لو سلمنا بأنّ الوجوب مجعول شرعي، فمع ذلك لا دليل لنا على بقاء الجواز لأنّ الوجوب من الاعتبارات، و الاعتبارات من أبسط البسائط ليس لها جنس، و لا فصل، فضلا عن المادة و الصورة، إذ ليست ذات ماهيّة حقيقية، إذ الاعتبار من الكيف النفساني، فلا معنى لافتراض بقاء جزء و ارتفاع جزء بل حتى لو سلّمنا بكون الوجوب مركبا، فليست المسألة مبتنية على تلك المسألة لأنّ النزاع هناك في الإمكان العقلي بينما نزاعنا في بقاء الجنس بعد انعدام الفصل إنما هو في الوقوع الخارجي.

و هذا الاعتراض أيضا غير صحيح، و ذلك لأنّ من يقول: بأنّ جزءا من الوجوب يبقى، و آخر يرتفع، لا يقول: بأنّ الوجوب اعتبار واحد، كي يقال له: إنّ الاعتبار من البسائط، أو من أبسطها، فلا جنس له، و لا فصل، و إنما المدّعى بأنّ الوجوب متركب من مجموع اعتبارين: اعتبار عام، و اعتبار خاص، اعتبار طلب الفعل، أو كون الفعل في ذمة المكلّف، و اعتبار المنع من التّرك، و هما مندكّان في اعتبار واحد، فهما بمثابة الجنس و الفصل، و ليس المدّعى كون الاعتبار الواحد مركّبا من جزءين.

و عليه يقال: بأنّ الدليل الناسخ، إنّما يدل على ارتفاع المجموع، و ليس الجميع.

و عليه، يمكن إثبات أصل الجواز بالدليل المنسوخ.

و لعلّه كان أقرب إلى الصواب لو عبّر بالمدلول التضمّني و المطابقي، بدلا من التعبير بالجنس و الفصل لأنّ الجنس و الفصل من الأجزاء التحليلية