بحوث في علم الأصول - ج6

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
749 /
205

العقليّة، فإرادة معناهما الحقيقي هنا في المقام، أقرب إلى التشبيه و المجاز و المسامحة، منه إلى الحقيقة.

الاعتراض الثالث، هو: إنّ المسألة ناظرة إلى مقام الثبوت، بينما بحثنا في مقام الإثبات، فلا ربط له بها.

و توضيحه: إنّ المسألة مطروحة في الفلسفة لتحقيق أنّ الجنس هل يبقى بعد ارتفاع الفصل، أو إنّه يستحيل بقاؤه؟.

فلو قلنا: بأن الجنس يبقى، فليس معنى ذلك أنّه باق فعلا و حتما، و نحن نبحث عن أنّه هل هو باق، أولا؟ إذن فيحتاج إلى تخريج آخر.

و إن شئت قلت: إنّ المسألة مطروحة في الفلسفة، لتحقيق مقام الثبوت، أي: إنّها تبحث عن إمكان بقاء الجنس بعد زوال فصله، أو استحالته على مستوى الإمكان العقلي، بينما بحثنا في المقام إثباتي، بمعنى أنّ الدليل المنسوخ هل يمكن أن يستفاد منه بقاء الجواز إثباتا أم لا، و عليه، فلا ربط بين البحثين.

و هذا الاعتراض أيضا غير صحيح: لأنّ مقصود من يفرّع هذه المسألة على تلك المسألة، أن يقول: إنّه بعد الفراغ عن عدم تبعيّة الدلالة التضمّنية للدلالة المطابقيّة في الحجيّة، إذن نطبّق هذه الكبرى في المقام، فنتمسك بالدلالة التضمّنيّة لدليل الوجوب للإثبات على الجواز، و التمسك بذلك فرع إثبات إمكان بقاء الجنس بعد ارتفاع الفصل.

و توضيحه، هو: إنّ الوجوب يدل تضمنا على الجنس و الفصل، فدليل الوجوب يدل تضمنا على الجنس، و في المقام، الدلالة المطابقيّة لدليل الوجوب سقطت، فهل تتبعها الدلالة التضمّنية في السقوط، أو إنّها لم تسقط بعد؟.

فإذا قلنا: بأنّ الجنس يبقى بعد ارتفاع الفصل، إذن لا يعلم ببطلان المدلول التضمّني، و ما لم يعلم ببطلانه و سقوطه فهو باق على حجيّته.

206

و أمّا إذا برهنّا في بحث فلسفي، أو منطقي، على استحالة بقاء الجنس بعد ارتفاع فصله، إذن يصبح الجنس معلوم الارتفاع.

نعم يمكن أن نحتمل جعل وجود آخر له و لو في ضمن فرد آخر فيبقى على الحجيّة إلا أنّه لا يكون مدلولا تصديقيا للدليل المنسوخ و إنما مدلول تصوري و لكن قد علمنا بارتفاع المدلول التّصديقي الموجود لدليل الوجوب، إذن فالتفريع معقول.

و كلّ هذه الاعتراضات لا موجب لها، و إنّما الصحيح هو كلام المشهور، الذي مرجعه التقريب الوسط من هذه التّقريبات السابقة، و هو التمسّك بالدلالة التضمّنية بعد سقوط الدلالة المطابقيّة، و لا داعي للتمسّك بألفاظ الجنس و الفصل، و إن وردت في بعض الكلمات، و حينئذ لا بدّ من إكماله بالتقريب الأول و الثالث ليتضح الحق في المسألة.

هذا تمام الكلام في المقام الأوّل، و هو في بيان الدليل الاجتهادي.

المقام الثاني: [فى الاصل العملى فى اثبات الجواز]

في تنقيح الأصل العملي في المسألة، بمعنى أنّه هل يمكن بالأصل العملي، إثبات الجواز بالمعنى الأعم بعد نسخ الوجوب، أو إنّه لا يمكن ذلك؟.

قد يقرّب ذلك بالتمسّك بالاستصحاب، حيث يقال: بأنّه كانت عندنا قضيّتان متيقّنتان هما: الجواز بالمعنى الأعم، و الوجوب، و أنّ الثانية علم ارتفاعها بدليل النسخ، و الأولى لم يعلم ارتفاعها، فيجري استصحاب بقائها.

و قد أورد السيد الخوئي (قده) (1) على هذا بإيرادين:

1- الإيراد الأول، هو: إنّ هذا الاستصحاب لا يجري لأنّه من استصحاب‏

____________

(1) محاضرات فياض: ج 4 ص 25.

207

القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي، لأنّ الجواز بالمعنى الأعم، جامع محفوظ في ضمن الوجوب تارة، و في ضمن الاستحباب، أو الكراهة، أو الإباحة بالمعنى الأخص، تارة أخرى، و قد وجد في ضمن حصة و هي الوجوب، و هذه الحصة يعلم بارتفاعها، و نشك في بقائه في ضمن حصة أخرى، و هذا هو استصحاب الكلي من القسم الثالث، و هو لا يجري.

و هذا الاعتراض غير وارد، و ذلك، لأنّ الجواز بالمعنى الأعم ليس عبارة عن أمر وجودي محفوظ في ضمن الوجوب تارة و في ضمن الاستحباب أخرى، كعنوان الإنسان الذي يحفظ في عدة حصص، و إنّما الجواز الذي نريد أن نثبته، هو عبارة عن عدم الحرمة، إذ المفروض هو التأمين من جهة الحكم التّحريمي، و عدم الحرمة كان معلوما سابقا، و لا ينبغي أن يقال: إنّه من القسم الثالث من استصحاب الكلي، لأنّه لا تحصّص له في ضمن الوجوب تارة، و في ضمن الاستحباب أو الكراهة تارة أخرى، و إنّما هو حصة واحدة تقترن بالوجوب تارة، و بالاستحباب تارة أخرى، و هذا لا يجعله متغيرا و لا متعددا بحسب تعدد و اختلاف ما قارنه إذ العدم المشكوك هو عين ذلك العدم المتيقّن، و الأثر الذي هو التأمين، إنّما يترتب على الجواز بمعنى عدم الحرمة، بينما الجواز بالمعنى الأعم بمعنى آخر، جامع بين الأحكام الأربعة، كما أورد السيد الخوئي (قده)، فإنّه جواز بمعنى أعم ليس موضوعا لأثر عملي.

فالاعتراض إن أريد به أنّ الجواز هو أمر وجودي له حصص، فإنّنا مضافا إلى أنّنا لا نتصور مثل ذلك الجامع الوجودي، كما عرفت، فإنّنا لا نحتاج إلى استصحابه أيضا.

و إن أريد بالجواز بمعنى عدم الحرمة، فمن الواضح أنّه لا ينطبق عليه القسم الثالث من استصحاب الكلّي. لأن العدم لا يتعدد، و لا يتحصّص، و لا يختلف بتعدد و اختلاف و تحصص ما يقارنه. و إن قارن الوجوب تارة، و الكراهة تارة أخرى، و عليه، فهو من الاستصحاب الشخصي، و ليس الكلي.

208

نعم قد يتوهم أنّ استصحاب عدم الحرمة، لا يجري لأنّه معارض باستصحاب آخر، و ذلك لأنّ الواجب بعد نسخ وجوبه علمنا بحدوث أحد الأحكام الأربعة الأخرى فيه، و تبدّل عدمها بالوجود بعد نسخ الوجوب، و حينئذ يتعارض عدم الحرمة هذا مع عدم أحد هذه الأحكام الأربعة، كعدم الاستحباب، أو مع عدم الكراهة، و هكذا، قد يتوهم.

و لكن هذا التوهم غير صحيح، إذ أقل ما يقال فيها: إنّه حتى لو سلّمنا أنّ الإباحة حكم وجودي في مقابل الأحكام الأخرى، فإنّ الاستصحاب لا يجري فيها في نفسه، فضلا عن أن يكون معارضا باستصحاب عدم الحرمة، و ذلك لأنّ الاستصحاب إنّما يجري إذا كان منجزا، أو معذرا، لأنّه أصل عملي، و قد جعل لذلك، فاستصحاب عدم الحرمة مثلا معذّر، بينما استصحاب عدم الإباحة بالمعنى الأخص، ليس بمعذر، و لا بمنجز، لأنّه لا يلائم مع الحرمة، و لا يثبت به الإلزام كي يكون منجّزا.

أمّا كونه غير معذّر فلأنّ نفي الإباحة بالمعنى الأخص، يلتئم مع الحرمة.

و أمّا كونه ليس بمنجّز، فلأنّ التنجّز به فرع إثبات الإلزام، و استصحاب عدم الإباحة لا يثبت الإلزام به إلّا بالأصل المثبت، و هو كما تعلم حكايته، ناهيك عن أنّ التنجيز ليس مترتبا على استصحاب عدم الإباحة لو فرض أنّها حكم وجودي، فكيف بك إذا لم تجعل أصلا، فإنّه لا يترتّب عليها تنجيز بطريق أولى.

إذن ففي المقام، حتى لو قلنا بأنّ الإباحة بالمعنى الأخصّ، حكم وجودي، و أنّه يوجد في المقام أحكام وجودية أربعة، و قد علم بحدوث واحد منها و وجوده، فإنّه رغم هذا كله، لا يجري استصحاب عدم الإباحة بالمعنى الأخصّ، لأنّ استصحاب عدم الإباحة بالمعنى الأخصّ، ليس بمعذّر، و لا بمنجّز كي يشمله دليل الاستصحاب، بينما دليل الاستصحاب‏

209

يشمل استصحاب عدم الحرمة، لأنّه معذّر و منجّز، و هو يشمله بلا معارض.

إذن، فالصحيح إمكان إجراء الاستصحاب لإثبات الجواز بالمعنى الأعمّ.

2- الإيراد الثاني، هو: إنّ هذا الاستصحاب، (1) من الاستصحاب في الأحكام الإلهيّة الكليّة، و السيد الخوئي (قده) ممّن لا يقول بجريانه في الأحكام الكلية الإلهية في الشبهات الحكمية، بل هو لا يرى الاستصحاب إلّا في الشبهات الموضوعيّة.

و هذا غير صحيح، مبنى و بناء:

أمّا مبنى: فلما سوف يأتي في مباحث الاستصحاب، من كون المختار أنّه يجري في الشبهات الحكمية، كما يجري في الشبهات الموضوعيّة.

و أمّا بناء: فلأنّه حتى لو اخترنا مبنى السيد الخوئي (قده)، فإنّ مبناه لا ينطبق في المقام لأنّه على خلاف ما يقول به من التفصيل بين استصحاب الحكم الإلزامي، و استصحاب الحكم الترخيصي، فهو عند ما يمنع من جريان الاستصحاب في الأحكام الكليّة، إنما يمنع من جريانها في الأحكام الإلزاميّة، فهو مثلا لا يستصحب حرمة وطي الحائض، أو بقاء النجاسة في الماء بعد زوال تغيّره.

إذن فالاستصحاب الذي يراه السيد الخوئي (قده) غير جار للمعارضة مع استصحاب عدم الجعل، إنّما هو استصحاب بقاء الحكم الإلزامي في الشبهات الحكميّة، و ليس استصحاب عدم الحكم و الترخيص، كما في مقامنا.

و بناء على هذا نقول: بأنّ الاستصحاب الذي نتمسّك به، هو

____________

(1) محاضرات فياض: ج 4 ص 25.

210

استصحاب في الحكم الترخيصيّ، لا الإلزامي لأنّه استصحاب للجواز بالمعنى الأعم، أي: بقاء الإباحة، فيجري الاستصحاب، لأنّه لا تعارض بين استصحاب بقاء المجعول و الحكم الترخيصيّ، هذا كله في استصحاب الجواز بالمعنى الأعم.

نعم يمكن أن يشكل فيما لو كان المراد استصحاب ما هو أخصّ من الجواز بالمعنى الأعم، كإثبات خصوص الطلب بالاستصحاب حيث يقال:

إنّه بناء على مسلك المشهور من كون الطلب الوجوبي و الطلب الاستحبابي متغايرين جعلا من قبل الشارع، حينئذ لا يجري استصحاب بقاء أصل الطلب الموجود وجودا تضمنيا تحليليا في ضمن الطلب الوجوبي الذي هو مفاد الأمر المنسوخ، و ذلك لشبهة استصحاب القسم الثالث من الكلّي، حيث يقال هنا: بأنّ الطلب جامع بين نوعين منه أحدهما الطلب الوجوبيّ الذي هو مفاد الأمر المنسوخ، و أصل الطلب الموجود ضمن الوجوب وجودا تضمنيا تحليليّا هو مشكوك بقاؤه، فلا يجري استصحاب وجوده، إلّا إذ أجري الاستصحاب في القسم الثالث من الكلّي.

و أمّا بناء على مسلك الميرزا (قده) (1) من أنّ الطلب شي‏ء واحد، و المجعول سنخ واحد، غايته أنّه يقترن بالإذن بالتّرك، فينتزع العقل عنوان الاستحباب تارة، و إن اقترن بعدم الترخيص بالتّرك، انتزع العقل عنوان الوجوب تارة أخرى.

بناء على هذا المسلك، حينئذ لا بأس بإجراء استصحاب الطلب و يكون هذا استصحابا شخصيا، إذ لا مانع من أن يستقر طلب على فعل يبدأ واجبا و ينتهي مستحبا فيجري استصحاب جامع الطلب.

____________

(1) فوائد الأصول- الكاظمي: ج 1 ص 70- 71.

211

و بتعبير آخر: إنّ شخص ذلك الطلب المجعول ممّا يمكن بقاؤه بعد طروّ الناسخ للوجوب.

و من هنا يتضح الأمر فيما ألمح إليه في (الكفاية) (1)، من أنّ العرف يرى تغاير الوجوب و الاستحباب و تباينهما في الوجود، و إن كان بحسب الدقّة العقليّة لا فرق بينهما إلّا في الوجود الواحد، و حينئذ لا مجال للاستصحاب إذا شك في تبدّل أحدهما بالآخر، فإنّ حكم العرف و نظره يكون متّبعا في هذا الباب.

أقول: بناء على مسلك الميرزا (قده) من كون الوجوب و الاستحباب حكما عقليا، فإنّه كما يمكن إجراء استصحاب الطلب استصحابا شخصيا، لكون شخص ذلك الطلب المجعول يمكن بقاؤه بعد طروّ الناسخ للوجوب، كذلك يمكن إجراء استصحاب روح الطلب- التي هي الإرادة التشريعيّة و حبّ المولى- في أصل الإرادة و الحب استصحابا شخصيا، و لو بالمرتبة الضعيفة للإرادة التي لا يعلم بارتفاعها.

و من هنا يتّضح عدم تماميّة ما ألمح إليه في (الكفاية) من عدم جريان الاستصحاب في روح الطلب.

ذلك لأنّ العرف، و إن كان يرى التباين بين الوجوب و الاستحباب، و لكنه لا يرى تباينا بين الإرادة التشريعيّة اللزوميّة، و الإرادة التشريعيّة غير اللزوميّة التي هي من مبادئ الحكم.

هذا تمام الكلام فيما إذا نسخ الوجوب.

____________

(1) كفاية الأصول- مشكيني: ج 1 ص 225.

212

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

213

الواجب التخييري‏

ينقسم الواجب إلى: تعييني و تخييري.

و قد عرّف «التعييني»: بأنّه ما ليس له بدل، و عرّف «التخييري» بأنّه ما يجوز تركه إلى بدل.

و قد أثيرت مشكلة في تفسير الواجب التخييري، باعتبار ما قيل في تعريفه: من أنّه الواجب الذي يجوز تركه إلى بدل، إذ إنّ التعريف اشتمل على أمرين و عنصرين متنافيين و هما: الإلزام المتمثل في كلمة الواجب، و العنصر الثاني المنافي للإلزام هو كلمة «يجوز تركه إلى بدل»، و حينئذ استشكل في وجوب استبطن اللّاوجوب.

و قد قيل في تخريج الوجوب التخييري و تصويره، لدفع مشكلة تعريفه عدة نظريات:

النظرية الأولى: و حاصلها رجوع الواجب التخييري إلى الواجب التعييني‏

، [توضيح النظرية الثانية]

و ذلك أنّ الوجوب في موارد التخييري، يتعلّق دائما بفعل معيّن، و هو الذي سوف يختاره المكلّف في مقام التطبيق و الامتثال واقعا، فمن اختار صيام شهرين متتابعين، يكون الوجوب في حقه متعلقا بالشهرين المتتابعين تعيينا، و هكذا من اختار إطعام ستين مسكينا، فالوجوب دائما يتعلق بما يختاره المكلف‏

214

من البدائل، و حينئذ يكون ما اختاره المكلّف من البدائل خارجا، هو الواجب عليه تعيينا.

و بهذا يرجع الواجب التخييري إلى الواجب التعييني، غايته أنّ متعلق الوجوب في صيام الشهرين غير متعلق الوجوب في الإطعام.

و هذه المحاولة لإبطال جنبة التخيير، و إرجاع التخييري إلى التعييني،

[اعتراضات السيد الخوئى على النظرية الاولى‏]

قد تصدّى السيد الخوئي (قده) (1) لها، و اعترض عليها بعدّة اعتراضات:

1- الاعتراض الأول، هو: إنّ هذا التفسير للواجب التخييري، يخالف و ينافي صريح القاعدة و دليل الاشتراك في التكاليف‏

، التي هي من القواعد الضرورية، إذ إنّ دليل الاشتراك يفيد بأنّ المكلّفين ضمن ظروف واحدة يكلّفون بتكليف واحد لا فرق بينهم، و إن كان قد يتغاير التكليف بتغاير ظروف المكلفين، حيث لا يجب «الحج» على غير المستطيع، بينما يجب على المستطيع.

إذن تفسير الوجوب التخييري كما طرح هو خلاف دليل الاشتراك، حيث يختار كل مكلّف غير ما يختاره الآخر.

2- الاعتراض الثاني، هو: إنّ هذا التفسير يرجع الوجوب التخييري إلى تحصيل الحاصل‏ (2)

، لأنّ الواجب التخييري سوف يكون منوطا باختيار المكلف، فكأنّه يرجع إلى قوله: «إذا اخترت الصوم وجب عليك الصوم»، و هذا ممّا لا معنى له، لأنّ إناطة وجوب شي‏ء باختيار ذلك الشي‏ء، يجعل الوجوب بمثابة تحصيل الحاصل، إذ يصبح بلا موجب، و لا ملاك في بعثه و تحريكه، و هو محال.

و هذان الاعتراضان متهافتان لا يمكن الجمع بينهما.

____________

(1) محاضرات فياض- ج 4- ص 26.

(2) محاضرات فياض- ج 4 ص 26- 27.

215

و توضيح ذلك، هو: إنّ عنوان «ما يختاره المكلّف» كما في التفسير الأول للواجب التخييري، تارة يؤخذ بنحو الموضوعية، بحيث يكون هذا العنوان هو موضوع الوجوب، و مركز التكليف.

و أخرى يؤخذ بنحو المعرّفيّة و المشيريّة، بحيث يكون مصب الوجوب و مركز التكليف هو ذات الشهرين بلا دخل لعنوان الاختيار.

فإن فرض الأول، و هو كون العنوان مأخوذا على نحو الموضوعية:

فالاعتراض الأول لا يرد عليه، لأنّ الاشتراك محفوظ، حيث أنّ الكل يجب عليهم عنوان واحد، هو «عنوان ما يختاره المكلّف»، فهو مشترك بين الجميع.

غايته أنّ هذا العنوان يختلف مصداقه الخارجي، و لكن يكون كل من البدائل مصداقا لما هو الواجب، و هو «عنوان ما يختاره المكلف»، لا إنّه الواجب.

و مثاله عنوان «وجوب امتثال ما يؤمر به الإنسان» رغم كونه مختلف المصاديق، إذ المناط في دليل الاشتراك، هو وجود عنوان واحد يكون مصبا للوجوب، و هنا في المقام، عنوان واحد هو مصب الوجوب لدى الجميع، و عليه فالاعتراض الأول باطل.

و إن بني على الفرض الثاني، و هو كون العنوان مأخوذا على نحو المعرفيّة و المشيريّة إلى ذات ما يختاره الشخص الذي في علم اللّه أنّه سوف يختار صيام شهرين، كما لو قيل له من أول الأمر، صم شهرين، لكن من دون إناطة الوجوب بالاختيار و إنّما الاختيار معرّفا و مشيرا، حينئذ لا يبقى مجال للاعتراض الثاني لأنّ الوجوب فيه ليس منوطا جعله بالاختيار و إنما الاختيار عنوان مشير للمكلف به ..

و بتعبير آخر، يقال: إنّ الواجب هو واقع الفعل الذي اختاره المكلف، و لكنّ المولى أشار بهذا العنوان إلى أحكام عديدة بعدد المكلفين، لم‏

216

يجعلها عليهم، و إنّما استغنى عنها بهذا العنوان المشير، هذا بالنسبة للاعتراض الأول.

و أمّا بالنسبة للاعتراض الثاني، و هو لزوم تحصيل الحاصل، فإنّه إنّما يكون واردا، فيما إذا كان متعلق ما يختاره المكلف بنحو القضية الفعليّة، و أمّا إذا كان المتعلق هو ما يختاره المكلف بنحو القضية التعليقيّة كما لو أوجب المولى مختار المكلف من البدائل فلا يكون حينئذ من باب تحصيل الحاصل، لأنّ عنوان «ما يختار المكلف» مأخوذ قيدا في الواجب، لا في الوجوب.

3- الاعتراض الثالث، هو: إنّ الوجوب التخييري، إذا كان متعلقا بما يختاره المكلف في الواقع، حينئذ نسأل: إذا لم يختر المكلف شيئا- كما في حالة العصيان- فهل إنّ الوجوب يكون ثابتا في حقه، أو لا يكون ثابتا؟ فإن قيل: بأنّ الوجوب ليس ثابتا في حقه، فمعنى هذا، أنّ العصيان أيضا هو غير ثابت في حقه، و هذا غير معقول، إذ الوجوب الذي ليس له عصيان، لا يكون جعله معقولا.

و إن قيل بالأول، و هو كون الوجوب ثابتا في حقه: فهذا أيضا غير معقول، و ذلك لبقاء الوجوب بلا متعلّق، حيث أنّ المكلّف لم يختر شيئا، و بقاء الوجوب في حقه من دون متعلّق لهذا الوجوب محال أيضا.

و هذا الاعتراض، إنّما يرد، فيما إذا كان المراد من الاختيار، هو الاختيار بنحو القضية الفعليّة، لا بنحو القضيّة الشرطيّة.

و توضيحه، هو: إنّه تارة يراد بهذه النظرية إناطة الوجوب بالاختيار الفعلي، فيقال حينئذ: بأنّ العاصي لا اختيار فعلي له.

و أخرى يراد بهذه النظرية، إناطة الوجوب بالاختيار التقديري، أي إنّ الوجوب متعلّق بذلك الفعل الذي لو أراد المكلف الامتثال لفعله، حينئذ يمكن أن يقال: بأنّ متعلق الوجوب محفوظ حتى في ظرف العصيان، إذ إنّه‏

217

في فرضه، سوف يختار متعلقا يناسب مزاجه و قواه.

و بهذا البيان يدفع الاعتراض الثاني أيضا، و ذلك إذا فسّرنا الاختيار على نحو القضية الشرطيّة، حينئذ يكون مرجع الوجوب إلى أنّه، «إن كنت سوف تختار الصوم في حالة، لا بدّ لك فيها من الاختيار، فيجب عليك الصوم»، و حينئذ، يكون وجوب الصوم منوطا بتفضيل الصوم على بديله لا باختياره فعلا. فيكون من يرجح الصوم على بديله ملزما بالصوم. و هذا ليس تحصيلا للحاصل كما فرض في الاعتراض الثاني، و ذلك لأنّه ليس كل من يؤثر الصوم على بديله يصوم.

ففرق بين أن يكون الصوم منوطا بالاختيار المطلق، فينتج تحصيل الحاصل، و بين أن يكون الصوم منوطا بالاختيار النسبي، فلا يلزم تحصيل الحاصل.

نعم إذا فرضنا أنّا بنينا على أنّه يمكن فرضا ترجيح أحد المتساويين على الآخر بلا مرجح، بل فرضنا وقوع ذلك خارجا، من قبيل طريقي الهارب، و رغيفيّ الجائع.

حينئذ قد يقال: بأنّ ما سوف يختاره بهذا المعنى الشرطيّ من الاختيار، أمر غير متعيّن أصلا، إذ لا توجد أيّ مرجّحات لما يختاره، فإذا فرضنا أنّ الإنسان لا يؤثر الصوم على بديله، لأنّ البدائل كلها بالنسبة إليه سواء، إذن سوف يختار واحدا منها بلا مرجح، و حينئذ، حتى لو قلنا بهذا، فهذا اعتراض غير مهم، لأنّه حتى لو جوّزنا ترجيح أحد المتساويين بلا مرجح، و قلنا بإمكانه، فهو غير عمليّ، و هذا يكفي لدفع الإشكال.

إذن فالاعتراض الثاني و الثالث كلاهما غير صحيح، و إن كان الاعتراض الأوّل له صورة، لأنّ المفروض أنّ الوجوب لم يكن منوطا بالاختيار في عالم جعله، بل الاختيار عنوان مشير لمتعلق التكليف، أو للمكلف به.

218

و إن شئت قلت: بأنّه يمكن دفع الاعتراض الثالث، بأن يقال: بأنّ متعلق الوجوب هو ليس ما يختاره المكلّف بالفعل، و إنما متعلق الوجوب هو ما يؤثره و يفضّله المكلّف من البدائل، إذا شاء أن يختار أحدها في حالة لا بدّ له فيها من الاختيار، و حينئذ يكون وجوب ما آثره المكلّف و فضّله منوطا بتفضيل ما فضّله على بديله، و ليس منوطا باختياره فعلا، و حينئذ يكون من يرجح المفضّل على بديله، ملزما بهذا البديل المفضّل، و هذا محفوظ حتى في فرض العصيان كما عرفت، و حينئذ لا يلزم من هذا تحصيل الحاصل.

نعم لو فرضنا حالة، فقد فيها المكلّف كل ترجيح لأحد البدائل على الآخر، بل لو فرضنا وقوع هكذا حالة خارجا، كطريقي الهارب، و رغيفيّ الجائع، فإنّه حينئذ- حتى لو بنينا على إمكان الترجيح بلا مرجح في الأفعال الاختياريّة،- فإنّه لا يوجد أيّ تعيّن أو تقرّر لمتعلق الوجوب.

و هذا رغم كونه معقول ثبوتا، و إن لم يقع إثباتا، إلّا أنّه لا يمنع عن كونه تكليفا عقلائيا.

و قد عرفت بأنّ هذا الجواب، هو أيضا جواب على الاعتراض الثاني، كما مرّ.

الاعتراض الرابع، هو: إنّ محاولة تفسير الوجوب التخييريّ كما عرضت، خلاف ظاهر دليل الواجب التخييريّ، إذ ظاهر دليله إثباتا، إنّ التكليف واقف بين البدائل كلها على مسافة واحدة، و ليس الوجوب هو خصوص ما يختاره المكلف فقط.

و هذا الاعتراض منهجيّته غير صحيحة، لأنّ صاحب محاولة تفسير الوجوب التخييريّ، إنّما يفسره بهذه الصورة على أساس أنّه من الحقائق التشريعيّة المعروفة في المجتمعات العقلائيّة، و المركوزة في أذهان العقلاء و وجداناتهم.

219

و عليه يقال: إن كان هذا التفسير صادقا و موافقا مع المركوز في أذهان العقلاء و وجداناتهم، حينئذ يجب إخضاع الدليل لهذا التفسير، و حمل ظاهر الدليل عليه، كما هو الحال في كل ارتكاز عقلائي، فإنّه يكون حاكما على ظاهر الدليل، و إن لم يكن هذا التفسير على طبق المرتكزات العقلائية، بل كان على خلافها، حينئذ يرد ما ورد عليه، من أنّه على خلاف المرتكز في أذهان العقلاء و بهذا يكون الإشكال ثبوتيا.

و الصحيح هو أن يقال: إنّ الوجوب التخييريّ حسب التفسير الأول، إن أريد بالاختيار فيه، مجرّد المعرفيّة و المشيريّة، فهو على خلاف الارتكاز العقلائيّ و العرفيّ.

و إن أريد أخذ الاختيار فيه على نحو الموضوعية، بحيث يكون ما يختاره مصداقا لمتعلق الوجوب فهذا معناه، التفتيش عن جامع انتزاعيّ بين الأفراد، و حينئذ نقول: إن كان «عنوان ما يختاره» عنوانا جامعا بين البدائل على حدّ «عنوان أحدها»، إذن فلنقل ابتداء: إن كان الوجوب التخييريّ الشرعي عبارة عن إيجاب الجامع، فحينئذ، لا موجب لتطويل المسافة، و أخذ «عنوان ما يختار»، بل يقال من أول الأمر: فليكن متعلق الوجوب و العنوان الجامع بين البدائل هو «عنوان أحدها».

النظرية الثانية: في تفسير الوجوب التخييري، هي للمحقق الخراساني (قده) (1)

[بيان النظرية الثانية]

و حاصلها، هو: إنّه يمكن إرجاع الوجوب التخييريّ في بعض الموارد إلى فرض ملاكين و مصلحتين كاملتين موجودتين، كل منهما قائمة في أحد العدلين، حيث يكون مقتضى الطبع حينئذ، أن يحكم المولى بوجوب كل واحد منهما على نحو الوجوب التعيينيّ، إلّا أنّ الذي منع من ذلك، هو وجود التنافي بين هذين الملاكين اللّذين يراد التوصل إليهما عن طريق هذه الأفعال.

____________

(1) كفاية الأصول- مشكيني: ج 1 ص 225- 226.

220

و إن لم يكن هناك تناف بين الفعلين، بل إنّه يمكن الجمع بين الصوم و العتق، و لكن ملاك الصوم لا يترتّب على الصوم، لو وجد العتق و ملاكه.

و من هنا فالمولى لا يأمر بهما معا بأمرين تعينيّين، لأنّه لا يمكن التوصل إلى كلا الملاكين، لأنّ وجود أحدهما يمنع من حصول الآخر، و حينئذ هنا، يحكم المولى بوجوبين مشروطين، كل منهما متعلق بأحد الفعلين بخصوصه و عنوانه، مشروطا بعدم الآخر.

غاية الأمر أنّ الوجوب المتعلق بكل واحد من الفعلين، ليس وجوبا على الإطلاق، بل مشروط بترك الفعل الآخر، و هذا معناه، وجود تناف و تضاد بين الملاكين.

[الاعتراضات على النظرية الثانية]

و قد اعترض على هذه النظرية السيد الخوئي (قده) (1) و غيره من المحقّقين بعدة اعتراضات:

1- الاعتراض الأول: هو إنّ هذه الفرضيّة على خلاف ظاهر دليل الوجوب التخييري‏

، إذ إنّ ظاهر دليله لا يناسب إنشاء وجوبات متعددة على الأفعال بعناوينها التفصيليّة، بل ظاهره إثباتا، في أنّه خطاب واحد، و إنشاء لوجوب فارد، لا خطابان مشروطان.

و هذا الإشكال كأنّه إثباتي، لا ينطبق على هذه الفرضيّة، و لذلك لا يكون واردا على المحقق الخراساني (قده).

و التحقيق، هو: إنّ صاحب هذه الفرضيّة، لم يفترض هذا التفسير للوجوب التخييري في سائر موارد الوجوب التخييريّ، و إنّما قصد: إنّ هذه الفرضيّة تنطبق على بعض موارد الوجوب التخييريّ، لأنّ الوجوب التخييريّ ليس دائما بلسان «صم»، أو «أعتق»، أو «أطعم» حتى يقال: بأنّ الوجوب التخييريّ لا يناسب جعل وجوبين.

____________

(1) محاضرات فياض- ج 4 ص 33- 34- 35- 36- 37- 38.

221

و توضيحه هو: إنّ الوجوب التخييريّ، تارة يتحصّل للفقيه من دليل واحد، كما لو ورد في دليل واحد، «إذا أفطرت، فصم»، أو «أعتق»، أو «أطعم»، و حينئذ قد يدّعى: إنّ هذا اللسان ظاهر في وحدة الوجوب.

و تارة أخرى، يحصل الفقيه على الوجوب التخييريّ، من ضمّ دليلين أحدهما إلى الآخر، كما لو دلّ دليل على وجوب «خصلة»، و دلّ دليل آخر على وجوب «خصلة» أخرى، و حينئذ، فإمّا أن نفرض أنّ كلا من الدليلين ليس له إطلاق لفرض فعل الآخر، و ذلك إمّا لكون الدليل لبّيا ليس له إطلاق، و إمّا لكون الدليل لفظيا، لكن المولى لم يكن في مقام البيان من سائر الجهات، فلم تتم فيه مقدمات الحكمة لكي يثبت له وجوب على الإطلاق.

و في مثل ذلك يقال: بأنّ القدر المتيقّن من دليل، «إذا أفطرت فأعتق»، هو وجوب العتق في فرض عدم الصيام، و هكذا الحال بالنسبة لدليل «إذا أفطرت فصم» فإنّ وجوب الصيام يكون في فرض عدم العتق، إذن فبضم أحد الدليلين إلى الآخر، نحصل على الوجوب التخييريّ.

و إمّا أن نفرض أنّ لكل من الدليلين إطلاقا في نفسه، فيجب عليه العتق على كل حال سواء، «صام، أم لم يصم»، لكن علم من الخارج أنّه لا يجب عليه الجمع العرفي بينهما، المقتضي لتقييد وجوب كل واحد منهما بترك الآخر، كما هو مختار السيد الخوئي (قده) في مثل ذلك، حيث يقال:

بأنّ أصل الوجوب في كل منهما لا ينافي الوجوب في الآخر.

و بتعبير آخر، إنّ هذين الوجوبين يتعارض إطلاق أحدهما مع ما إذا صام، و يتعارض إطلاق ما إذا ضام لما إذا تصدّق و إذا تعارضا و تساقطا يبقى القدر المتيقن، و هو ما إذا صام و لم يعتق، أو أعتق و لم يصم.

أو فقل: إنّه يتعارض إطلاق كل منهما في حال الإتيان بالآخر، فيبقى إطلاق كل منهما على حاله في حال ترك الآخر.

و في مثل هذا الفرض، فرض العلم بالتخيير، من ضم دليل إلى دليل،

222

يصح تصور المحقق الخراساني (قده)، و يكون منسجما مع ظاهر دليل التخيير، و موافقا له في مقام الإثبات، و ليس مخالفا له، إذ الفرضيّة التي طرحها المحقق الخراساني (قده) هي من الناحية الإثباتيّة غير متوقفة على الذي ذكر في الاعتراض، فالاعتراض غير تام.

2- الاعتراض الثاني: [فى طبيعة التنافى بين الغرضين و الملاكين‏]

هو أنّ الغرضين و الملاكين المفروض التنافي بينهما:

تارة يفرض عدم حصولهما معا في عمود الزمان لا مقترنين، و لا مترتّبين، بل كلما وجد أحدهما امتنع الآخر.

و أخرى يفرض عدم إمكان اجتماعهما مترتبين فقط، و أمّا وجودهما مقترنين فمعقول، يعني من «صام و أعتق». في وقت واحد، فسوف يحصل كلا الملاكين، و من صام ثم أعقبه بالعتق، لم يحصّل إلّا ملاكا واحدا.

و حينئذ، فإن فرض الأول، و هو التنافي بينهم اقترانا و ترتّبا، لزم منه، أنّه لو أتى بكلا عدليّ الواجب التخييريّ في وقت واحد، لزم عدم تحصيله شيئا من أغراض المولى، لأنّهما متنافيان، و لا يمكن الجمع بينهما بحال، إذ إنّ أحدهما يمنع عن تأثير الآخر في ملاكه، فلا ملاك «العتق» يحصل، لأنّ الآخر موجود، و هكذا الآخر.

و هذا خلاف الضرورة و الوجدان في باب الواجبات التخييريّة.

و إن فرض الثاني، كان لازمه أنّ المولى يجب عليه أن يأمر بإيجادهما معا مقترنين دائما، لأنّ المفروض وجود ملاك ملزم في كل منهما، فيمكن تحصيلهما لو أمر بهما مقترنين، و هذا أيضا خلف الوجوب التخييريّ.

[تقريبان لبطلان الاعتراض الثانى‏]

و هذا الاعتراض غير صحيح، و يمكن ردّه بصياغة فرضيّة المحقق الخراساني (قده) بأحد تقريبين:

1- التقريب الأول، هو: أن يقال: بأنّ أحد هذين الغرضين المتنافيين بنحو أنّ أحدهما ترتّبه على فعله و سببه، موقوف على عدم وجود الآخر، لا قبله و لا معه‏

223

، بمعنى أنّ مطلق وجود العدل الآخر في عمود الزمان مانع عنه، و أمّا الغرض الثاني فترتّبه على فعله، و سببه هو فرع عدم وجود الأول قبله، لا حينه، مثلا نفرض أنّ الإطعام لا قبل العتق و لا بعده. و أمّا الإطعام فترتب الغرض عليه موقوف على أن لا يكون قبله عتق.

و هذا بحسب الحقيقة، تعبير آخر عن افتراض الجمع الملفّق من الفرضين اللّذين أبداهما صاحب الاعتراض، و هما: إنّ العتق يترتّب غرضه على عدم كون الصوم قبله، أو مقارنا معه، و أمّا الصوم فترتّب غرضه موقوف على أن لا يكون قبله عتق.

و بناء عليه، فلو أنّ المكلّف جمع بينهما، فقد استوفى ملاك الصوم، لكون وجود الآخر مقارنا معه غير مانع من ترتب غرضه عليه و بذلك يكون الامتثال قد حصل به.

نعم ملاك العتق لم يوجد، لأنّنا فرضنا أنّ ملاكه موقوف على أن لا يكون قبله، و لا حينه، إطعام.

و من هنا فليس من اللازم أن يأمر المولى بالجمع بينهما، لأنّ ذلك لا يؤدي إلى تحصيل كلا الملاكين، حتى لو جمع، كما عرفت، و إنما يأمر بهما لو كان يحصّل كلا الملاكين.

2- التقريب الثاني، هو: أن نفرض التنافي في كل منهما بنحو يماثل التنافي في الآخر.

و حاصله، هو: إنّه كلما وجد أحدهما، فسوف يكون سببا في إسقاط المتأخر عن التأثير رأسا، فلو عتق، فلن يترتب على الإطعام ملاكه، و لو أطعم لم يترتب على العتق ملاكه رأسا، و أمّا لو اقترنا، فهنا أيضا يكون كل منهما مانعا، و لكن مانعيته في حالة الاقتران، أضعف من مانعيته في حال التقدم، فهو يمنع، بمعنى أنّه يضعّف الآخر و ينصّفه.

224

و معنى هذا إنّه في حال الاقتران نحصل على نصف ملاك العتق، و نصف ملاك الإطعام و هذان النصفان يساويان ملاكا كاملا من الملاكين.

و بناء على هذه الفرضيّة، فإنّ المكلف سوف لن يؤمر بالجمع، و إنما يكون الجميع امتثالا، لأنّ المولى في مثل هذه الحالة يكون له ثلاثة أبدال:

العتق وحده، و الإطعام وحده، و المجموع المقترن في زمن واحد، و المحقق لملاك كامل من المقترنين، و حينئذ يحكم المولى بوجوب كل من هذه الثلاثة مشروط بترك الآخرين، و حينئذ لا يلزم كلا المحذورين، لا محذور عدم الاستيفاء، لأنّ الوجود الجمعي صار أحد الأعدال الثلاثة، فيحصل الاستيفاء، كما لو كان قد أتى بكل واحد على حدة، و حينئذ لا يرد إشكال إلزام المولى بالجمع، لأنّه حين الجمع و الاقتران سوف يتنصّف أثر كل واحد منهما، و ينتجا معا امتثالا واحدا.

و الخلاصة، هي: إنّ هذا الاعتراض يفترض أنّ الوجود السابق لكل من العدلين على الآخر يؤثر في المنع المطلق لاستيفاء ملاك الآخر، و أمّا الوجود الجمعي المقارن لهما، فهو يمنع عن استيفاء نصف الملاك الآخر في كل منهما، لكن استيفاء نصف ملاك كل واحد منهما، يشكّل ملاكا كاملا، كما لو كان استوفى ملاك أحدهما كاملا.

و على هذا يكون هناك ثلاثة بدائل، كل منهما منفردا، و مجموع العدلين مقترنين، و حينئذ لا يرد اعتراض أنّه يؤمر بالجمع بينهما، لأنّه بالجمع بينهما، و إن كان يستوفي نصف ملاك كل منهما، لكن باستيفاء النصفين فيهما، كأنه استوفى ملاكا كاملا، و هو كاف في مقام استيفاء المولى لملاكات أحكامه.

3- الاعتراض الثالث للسيد الخوئي (قده) (1) على صيغة التفسير المطروحة للوجوب التخييريّ، و حاصله هو: إنّ المكلّف- بناء على الصيغة

____________

(1) المصدر السابق.

225

المقترحة لتفسير الوجوب التخييريّ- ينبغي أن يعاقب بعقابين لو لم يأت بكلا العدلين، كما «لو لم يصم، و لم يعتق»، لأنّ كلا الفعلين المشروطين أصبح فعليا بترك الآخر.

و لا يقال: بأنّه كيف يعاقب بعقابين في حين أنّه لا يقدر على تحصيل كلا الملاكين، إذ إنّه على خلاف المفروض في الواجبات التخييريّة، إذ فيها، لا يحصل أكثر من معصية واحدة و استحقاق عقاب واحد، إذا ترك كلا العدلين.

فإنه يقال: بأنّه من قبيل التزامنا بتعدد العقاب في باب الترتّب- بالرغم من عدم إمكان الجمع بين الفعلين هناك- و في المقام كذلك، و ذلك لتكرر المخالفة و تعدّد العصيان، بينما هذا لا يمكن الالتزام به في المقام، فإنّ من يترك الوجوب التخييريّ، يعاقب بعقاب واحد.

و تحقيق الكلام في مقام، بيان عدم ورود هذا الاعتراض على تفسير المحقق الخراساني (قده) للوجوب التخييريّ يقال: إنّ الفعلين إذا تعلق بهما وجوبان مشروطان، بحيث كان كل واحد منهما مشروطا بترك الآخر، فهذا يكون على نحوين:

1- النحو الأول، هو: أن يكون ترك العدل الآخر، قيدا شرعيا في ملاك وجوب الأول، بحيث لو لا ترك الثاني لم يتصف الأول بكونه ذا ملاك أصلا، و لو لا ترك الأول لم يتصف الثاني بكونه ذا ملاك أصلا، فترك كل منهما يأخذ في موضوع الآخر في اتصافه و كونه ذا ملاك.

فمثلا إذا فرضنا أنّ وجوب الأكل، ملاكه الجوع، إلّا أنّ «الجوع» مشروط بعدم شرب «الماء»، فيكون وجوب الأكل مشروطا بترك شرب الماء.

كما أنّ وجوب شرب الماء، ملاكه «العطش»، لكن العطش مشروط بترك أكل «الفاكهة»، و مع أكل الفاكهة لا يحدث عطش، إذن فكل من الوجوبين مشروط بترك الآخر.

226

2- النحو الثاني، هو: أن يكون ترك الآخر مأخوذا في موضوع الأول، لكن لا باعتباره قيدا شرعيا، إذ كل منهما ذا ملاك في نفسه سواء ترك الآخر، أو لا، لكن لضيق الخناق، و لعجز المكلف عن الجمع بين الملاكين، يقيّد المولى بترك الآخر، لئلا يلزم طلب غير الممكن.

و الآن في النحو الأوّل، لو فرض أنّ المكلف خارجا، كان عنده «ماء» يمكن أن يشرب منه، «و طعام» يمكن أن يأكل منه، لكن لا يمكنه أن يجمع بينهما، ففي مثل ذلك، لو أنّ المكلف لم يأكل و لم يشرب، مع تمكّنه من أحد الأمرين، حينئذ سوف يحصل لدى المولى ألمان و خسارتان: «ألم الجوع، و ألم العطش»، و كلاهما بسبب المكلف، لأنّه كان قادرا على أن لا يؤلم المولى، لا جوعا و لا عطشا، و ذلك بتقديم أحد الأمرين، إذ لو قدّم الأكل لشبع و لما عطش، كذلك أصلا، و لو قدّم الماء لارتوى و لما جاع أبدا، إذن فكلتا الخسارتين مستندتان إلى العبد.

و في مثله يستحق عقابين.

و لا ينبغي أن يقال: بأنّه لا يمكن معاقبته بعقابين، لعدم تمكّنه من الجمع بينهما.

فإنّه يقال: نعم، هو صحيح أنّه لا يتمكّن من الجمع بينهما، لكن كان يمكنه أن يتفادى كلتا الخسارتين، تارة بالإشباع، و أخرى بالارتواء.

و أمّا في النحو الثاني: فإنّنا ندرس الحالة في عالم الملاكات، بقطع النظر عن حالة التكليف، فنرى أنّ المكلف لو اطّلع على هذه الملاكات، و لم يأت، لا بالماء، و لا بالطعام، إلى مولاه، إذن فسوف يلاقي هذا المولى ألمين و خسارتين، لكن إحدى الخسارتين واقعة على كل حال دون أن يقدر المكلف على دفعها، و إنّما يقدر على أن لا توجد إحدى الخسارتين لا بعينها، بل بدلا.

227

إذن ليس عليه إلّا عقاب واحد، و ليس للمولى أن يعاقبه على ألمين، لأنّ هذا المكلّف إنّما يقدر على دفع إحدى الخسارتين، غايته أنّه يقدر على دفعهما بدلا، فكذلك يكون عقابه بدلا، فيعاقب على واحدة.

هذا لو لوحظ عالم الأغراض و الملاكات بقطع النظر عن عالم الجعل و الإنشاء.

و من الواضح أنّ الجعل و الإنشاء لا يكثّر العهدة، و لا يكثّر العقاب، لأنّه لا يكثّر الملاكات و إنما هو ينجز التكاليف باعتباره معبرا عن الأغراض و الملاكات، و لهذا لم يكن هناك فرق في التعبير عن الأغراض، سواء عبّر عنها بالجمل الخبريّة، أو الإنشائيّة، بل تكاد تكون وظيفته كما قال الآخر:

إنّ الكلام لفي الفؤاد و إنّما* * * جعل اللّسان على الفؤاد دليلا

هذا مع حفظ النسبة بين الموردين.

إذن لا معنى لأن يفرض زيادة في حجم العقاب من حيث أنّ المولى استعمل الإنشاء في مقام التعبير عن تلك الأغراض تارة، أو إنّه استعمل الإخبار للتعبير عنها تارة أخرى.

و عليه، فالصحيح أنّ هذا التفصيل ينتج، أنّه متى ما وجد فعلان متضادان ذاتا، كما في التزاحم، أو متضادّان عرضا، كما في فرضيّة المحقق الخراساني (قده)، فإن كان ترك الآخر قيدا في اتصاف الآخر بكونه ذا ملاك- كما سمّيناه في باب الترتّب، بقيد القدرة الشرعية- فإنّه حينئذ لو تركهما معا يعاقب بعقابين، و قد ارتكب معصيتين.

و أمّا إذا كان ترك الآخر أخذ قيدا للمزاحمة و المضادة، أي شرطا في وجود الملاك الآخر، فإنّه حينئذ يعاقب بعقاب واحد، لأنّ المكلف لم يفوّت على مولاه إلّا خسارة واحدة، رغم أنّهما من حيث الإنشاء على حدّ سواء.

228

و قد عرفت أنّ الإنشاء لا يزيد في إحداث عهدة جديدة، و حينئذ يقال:

بأنّه لا تعدد في العقاب، لأنّ صاحب (الكفاية) (قده)، فرض أنّ الغرضين و الملاكين متنافيان و متضادان في الوجود لا في أصل اتصاف الواجبين بالملاك فلو ترك المكلف الجميع حينئذ، فأحدهما فائت على المولى على كل حال.

و بهذا تتّضح معقوليّة نظريّة المحقق الخراساني (قده) في تصوير الواجب التخييريّ.

نعم هي صحيحة في نفسها، و مطّردة فيما إذا كان الواجبان متضادّين في الملاك وجودا لا ذاتا، و لكنها ليست مطردة بالنحو المذكور، فهي قاصرة عن تصوير الوجوب التخييريّ، خصوصا في الوجوب التخييري في الضمنيّات، كالوجوب التخييريّ بين الفاتحة و التسبيحات في الرّكعة الثالثة، إذ إنّه فيها لا يعقل إرجاع الوجوب التخييريّ إلى وجوبين مشروطين، لأنهما مجعولين بجعل واحد استقلاليّ، مضافا إلى كون الجعل الضمني تابعا للجعل الاستقلالي.

إذن ففرضية المحقق الخراساني (قده)، معقولة و لكنها ليست مطّردة، و المحقق الخراساني لم يدّع اطّرادها فيما إذا لم يكن بين الواجبين تضاد في الملاك وجودا لا ذاتا.

و بتعبير آخر يقال: إنّ هذا الاعتراض على نظرية المحقق الخراساني (قده)، غير وارد أيضا، لأنّ شرائط الوجوب على نحوين، أحدهما: شرائط اتصاف الآخر بكونه ذا ملاك، و الثاني: شرائط وجود الملاك الفعلي على كل حال، و حينئذ يقال: إنّه في موارد التنافي و التضاد الذاتي بين الواجبين، كما في باب التزاحم، أو التنافي و التضاد ملاكا، كما في المقام.

في مثله، بناء على فرضيّة المحقق الخراساني (قده)، إذا كان ترك كل منهما قد أخذ شرطا في اتصاف الآخر بالملاك، فإنّ تركهما معا، معناه،

229

حصول خسارتين و ألمين للمولى و ذلك لأن المولى لم يحصل على شي‏ء منهما، رغم كون كلا الملاكين فعليا، و عليه، فيعاقب بعقابين، إذ كان هذا المكلف قادرا على عدم إيلام مولاه، لا جوعا، و لا عطشا، و ذلك بتقديم أحد الأمرين، فلو قدّم الأكل لشبع، و لما عطش، و لو قدّم الماء، لارتوى و لما جاع، و المفروض أنّه هنا لم يأكل و لم يشرب، إذن فكلتا الخسارتين مستندتان إلى المكلف و في مثله يستحق عقابين.

و أمّا إذا كان ترك كل منهما قد أخذ شرطا في وجود الملاك الآخر، حينئذ يكون ترك أحد الملاكين و وقوع إحدى الخسارتين ممّا لا مفرّ منه، بل هي واقعة على كل حال، و لا يقدر المكلف على دفعها، و إنّما يقدر على أن لا توجد الخسارة الثانية، إذا كان وقوع الأخرى ضروريا.

و حينئذ يقال: إنّه إن كان مناط الثواب و العقاب، هو دفع ألم المولى و خسارته، بحسب عالم الأغراض و الملاكات، إذن فلا موجب إلّا لاستحقاق عقاب واحد، لأنّ المكلف إنما كان قادرا على دفع خسارة واحدة لا بعينها من خسارتين.

و إن كان المناط هو مخالفة الإنشاء و الجعل بما هو إنشاء، بقطع النظر عن مبادئه من الأغراض و الملاكات، حينئذ، هنا مخالفتان لإنشاءين كان يمكن المكلّف منع تحققهما، بأن يأكل أو يشرب، و لكنه لم يأكل و لم يشرب، فحصلت الخسارتان بسببه، و في مثله، يستحق عقابين.

هذا، و من الواضح، إنّ الصحيح في مناط الثواب و العقاب إنّما هو مبادئ الحكم و ملاكه، لا جعله و إنشاؤه.

و من هنا، لا يفرق الحال في حجم العقاب و ترتّبه في المقام، سواء أبرز المولى ملاك حكمه بصيغة الإنشاء أو الإخبار.

و على ضوء ما تقدم، فالصحيح في موارد التضاد و التنافي الذاتي، أو التضاد الملاكي بين الواجبين، هو التفصيل، بين نحوين: أحدهما: فيما إذا

230

كان عدم كل منهما أخذ شرطا في اتصاف الآخر بالملاك، و بين الثاني: و هو ما إذا كان ترك الآخر شرطا في وجود الملاك الآخر.

فإنّه في الأول: يقال بتعدد العقاب لتعدّد المعصية، كما لو تركهما معا، و في الثاني: يقال بوحدة العقاب، لكون إحدى الخسارتين واقعة على كل حال، و لا يقدر المكلف على دفعها، و إن كان قادرا على دفع خسارة واحدة لا بعينها، رغم كونهما من حيث الإنشاء على حد سواء.

و بذلك يتضح بطلان هذا الاعتراض من السيد الخوئي (قده) على المحقق الخراساني (قده)، إذ إنّ المحقق العظيم هذا، قد افترض كون التضاد بين الملاكين في الوجود، لا في أصل اتصاف الواجبين بالملاك.

و عليه، فإنّ نظرية تصوير المحقق الآخوند (قده) لتفسير الوجوب التخييريّ، صحيحة في نفسها، لو لا أنها ليست مطّردة، بل هي واقفة في إطار ما لو كان الواجبان متضادّين في الملاك وجودا، لا ذاتا، و أمّا إذا لم يكن هذا التضاد بينهما بالنحو المذكور، كما لو كان التضاد ذاتيا بينهما، حينئذ تكون نظرية المحقق الآخوند (قده) قاصرة عن تصوير الوجوب التخييريّ، بينما المحقق المذكور، لم يدّع أكثر من ذلك.

- النظرية الثالثة في تفسير الوجوب التخييري، هي للمحقق الأصفهاني (قده) (1) و حاصلها هو:

إنّ الوجوب التخييري مرجعه إلى وجوبين متعلقين بكلا الفعلين، و لكن مع إذن المولى و ترخيصه في ترك أحدهما على سبيل البدل.

و توضيحه، هو: إنّه في نظرية المحقق الآخوند (قده) فرض الملاكان إلزاميّين في كلا الطرفين، و لكنهما متنافيان ذاتا.

بينما هنا في نظرية الشيخ الأصفهاني (قده) تفرض عدم التنافي بينهما،

____________

(1) نهاية الدراية- الأصفهاني: ج 2 من المجلد الأول صفحة و هامش 68- 69.

231

لذلك كان مقتضى الطبع أن لا يرخص المولى، لا في ترك هذا، و لا في ترك الآخر، إلّا أنّه هنا يدخل ملاكا آخر، و هو مصلحة التّسهيل و الإرفاق، و مصلحة التّسهيل هذه و الإرفاق، اقتضت رفع الوجوب عن أحدهما، لكن ليس رأسا، لأنّ ثقلهما لا يحتمل، و إن احتمل حمل أحدهما، فالمولى سوف يصدر إذنا في ترك أحدهما على نحو البدل.

و هنا إذا فرض أنّ المكلف أتى بهما معا، فقد أتى بواجبين، و إن فرض ان المكلف تركهما معا، فسوف يعاقب بمقدار ما لا رخصة له في تركه.

و إن فرض أنّه ترك أحدهما، فلا عقاب عليه من أجله، لأنّه يجوز له ترك أحدهما لا معيّنا، و قد تركه.

و بعبارة أخرى: إنّ مصلحة التّسهيل و الإرفاق، أحيانا تقتضي رفع الوجوب رأسا، و أحيانا لا تقتضي، بل تقتضي الإذن في ترك أحدهما و عدم الجمع، فمن هنا إذا أتى المكلف بهما فقد أتى بواجبين و يثاب بثوابين، و إذا أتى بأحدهما، أثيب بثواب واحد و لم يعاقب على ترك الآخر، لأنّه مرخّص له بترك واحد منهما على نحو البدل، و إن لم يأت بأيّ واحد منهما أصلا، عوقب بعقاب واحد، و هو عقاب على أحدهما، دون أن يعاقب على أحدهما الآخر، لأنّه مرخص في تركه بمقتضى مصلحة التّسهيل و الإرفاق.

و الفرق بين النظريتين، هو: إنّ الأولى كان يفرض فيها التضاد الذاتي بين الملاكين في العدلين.

بينما هنا في نظرية المحقق الأصفهاني (قده) يستغنى عن افتراض التضاد الذاتي بين الملاكين في العدلين.

و إن شئت قلت: أنّ نظرية الشيخ الأصفهاني (قده) في تفسير الوجوب التخييريّ، هي: إنّ الوجوب التخييريّ: عبارة عن وجوب كل من العدلين، لأنّ الملاك موجود فيهما، و لكن لمّا كان تحصيل ملاكهما معا يعارض‏

232

مصلحة التّسهيل و الإرفاق بالمكلف، فإنّ المولى حينئذ يرخّص بترك أحدهما بدلا، و على هذا، فلو أنّ المكلّف تركهما معا، عوقب بعقاب واحد، لأنّه ليس مرخصا إلّا بترك أحدهما، و إن أتى بأحدهما، أو بهما معا، كان ممتثلا للواجب.

و فرق هذه النظرية عن نظريّة المحقق الآخوند (قده)، هو: إنّ هذه النظرية ليس فيها تضاد بين ملاكي عدليّ الواجب.

و هذه النظرية، و إن أصبحت أكثر وضوحا، على ضوء اعتراضات السيد الخوئي (قده) على نظرية الآخوند (قده) في تفسير الوجوب التخييريّ و أجوبتنا عليها، إلّا أنّنا هنا إنّما نستعرض اعتراضات السيد الخوئي (قده) (1) على نظرية الشيخ الأصفهاني (قده) في تفسير هذا الوجوب لتزداد هذه النظرية وضوحا أكثر:

الاعتراض الأول، هو: إنّ هذه النظرية خلاف ظاهر دليل الوجوب التخييريّ، إذ إنّ ظاهره، وحدة الجعل، بينما نظرية المحقق الأصفهاني (قده) تفترض جعلين و وجوبين مستقلّين.

و هذا الاعتراض، قد تقدّم نفسه، على نظريّة المحقق الآخوند (قده) من قبل السيد الخوئي (قده).

و قد علّقنا عليه سابقا و قلنا: إنّ الوجوب التخييريّ، تارة يستخرج من دليل واحد، و أخرى من الجمع بين دليلين.

أمّا إذا استخرج من دليل واحد، كما إذا ورد في دليل واحد، «إذا أفطرت فصم، أو أعتق، أو أطعم»، فإنّ مثل هذا اللسان ظاهر في وحدة الوجوب، و لا اعتراض عليه حينئذ.

و أمّا إذا استخرج من الجمع بين دليلين، فلا محل لهذا الاعتراض،

____________

(1) محاضرات فياض: ج 4 ص 28- 29- 30.

233

كما تقدم بيانه، مضافا إلى أنّ مجرد كون طرفيّ الوجوب التخييريّ. على خلاف ظاهر الدليل إثباتا، لا يجعل النظرية مرفوضة ثبوتا، سيّما إذا انحصر تفسير الوجوب التخييريّ فيها.

و من هنا يقال: إنّ المقصود من هذا البحث، هو إيجاد صيغة لتفسير الوجوب التخييريّ، بحيث لو انحصر تفسيره فيها، تعيّن الأخذ بها، و حمل خطاب المولى إثباتا عليها. فلو فرض أنها أيضا صادفت خلاف ظاهر دليل الوجوب التخييريّ، فلا بأس بإبداء نظرية أخرى معقولة ثبوتا و إثباتا.

2- الاعتراض الثاني، هو: إنّه لا طريق لنا لإثبات الملاك إلّا الخطاب، و المفروض أنّ الخطاب ظاهر في وحدة الحكم، و لا ينهض لإثبات وجود ملاكين تعيينيّين في كل من الواجبين.

و هذا الاعتراض كسابقه، الاعتراض الأول، حيث كان مفاده، إنّ ظاهر الدليل إثباتا وحدة الحكم.

و قد قلنا جوابا عليه، بأنّه يمكن استفادة تعدّد الحكم بالصيغة المتقدمة، و حينئذ لا يبقى مجال للاعتراض.

نعم يتعيّن حينئذ الكشف عن تعدّد الملاك بتعدد الجعل، و قد مرّ معنا ما يوضّح ذلك.

3- الاعتراض الثالث، هو: إنّه يرفض أن تكون مصلحة التّسهيل و الإرفاق، مهمة في نظر المولى، بحيث أنّه لأجلها يرخّص في ترك أحد الملاكين على سبيل البدل، ناهيك عن أنّه لو كان لمصلحة التسهيل وجود في حق المكلّفين، لاستفدنا ذلك من الدليل، بينما استفادة ذلك من الدليل على خلاف ظاهره، حيث لا مثبت له، و لا قرينة تدل عليه.

و هذا الكلام لا محل له، لأنّ الكلام ليس في استظهار ذلك من الدليل، بل الكلام في تفسير الوجوب التخييريّ.

فلو فرض أن استفدنا تعدّد الوجوب، حينئذ لا بدّ من حمل الدليل‏

234

عليه، و يكون هذا الدليل نفسه دالا على وجود ترخيص في ترك أحدهما لا بعينه إلى بدل، إذ بعد المفروغيّة عن عدم كون الجمع مطلوبا بينهما، لا يبقى كلام إلّا في كيفية تخريج كون أحدهما مطلوبا لا بعينه إلى بدل، ثبوتا.

إذن فهذا الاعتراض غير صحيح، و هو يرجع بروحه إلى الاعتراض الأول.

4- الاعتراض الرابع، هو: إنّه إذا بني على وجود واجبين، فكيف يسقط أحدهما إذا أتى المكلف بالواجب الآخر،؟ إذ إنّ سقوط الوجوب لا يكون إلّا بالامتثال، أو العجز الناشئ و لو من العصيان، أو أن يكون الوجوب مشروطا بشرط لم يتحقّق، فلو فرضنا أنّ المولى أوجب الصوم و العتق، فلما ذا يسقط وجوب العتق إذا أتى المكلف بالصوم؟.

و هذا الاعتراض، لو تمّ، و فرض أنّ مقصود المحقق الأصفهاني (قده) هو الوجوبين المشروطين، لكنّه كالاعتراض الأول، يرجع النظرية إلى أنّها خلاف ظاهر دليل الوجوب التخييريّ.

و قد عرفت جوابه ممّا تقدم، بل تكاد تكون هذه الاعتراضات، بل هي كذلك، تحمل روحا واحدة، و ترجع إلى اعتراض واحد، مفاده: مخالفة هذه النظرية لظاهر دليل الوجوب التخييري، الظاهر في وحدة الجعل لا تعدّده، و حينئذ يكون الجواب ما تقدّم، و قد عرفته.

5- الاعتراض الخامس، هو: إنّ مقتضى هذه النظرية، أنّ المكلّف لو ترك كلا العدلين، يلزم أن يعاقب بعقابين، بينما صاحب النظرية يفرض أنّه سوف يعاقب بعقاب واحد، لأنّه مرخّص بترك أحد العدلين، لا على التعين، و إنّما نقول نحن بتعدّد العقاب، لأنّ الترخيص الذي لا يلزم منه عقاب، إنما هو الترخيص بترك أحدهما على نحو البدل، و هو لم يتحقّق، كي يعاقب بعقاب واحد، و إنّما الذي تحقّق في فرض تركهما معا، هو الترك الجمعيّ، و هذا لم يكن هو المرخص بتركه، و فيه يعاقب على تركهما

235

بعقابين، و هذا على خلاف المفروض في موارد الوجوب التخييريّ.

و جوهر البحث في هذا الاعتراض، هو «الترخيص» الذي يتصوّره المحقق الأصفهاني (قده) ناشئا من مصلحة التّسهيل و الإرفاق، إذن لا بدّ من البحث حول هذا الترخيص، فنقول: إنّ الترخيص في المقام يتصوّر على أنحاء:

1- النحو الأول: هو أن يرجع إلى ترخيص فعلي مطلق متعلّق بحصة خاصة من التّرك، و هو التّرك المقرون بفعل الآخر.

و حينئذ، يتّجه الاعتراض الخامس، لأنّ نفس الترخيص ليس مشروطا، و إنّما المشروط هو متعلّق الترخيص، فالمرخّص به هو ترك الصوم المقرون بالعتق.

و حينئذ يقال: بأنّ كل واحد من العدلين لم يكن منطبقا على الترخيص المرخّص به، لأنّ ترك الصوم غير مقترن بالعتق، و كذلك ترك العتق غير مقترن بالصوم، و حينئذ يتجه الاعتراض الخامس، في أنّه في المقام، صدر منه عصيانان، لأنّه تركهما معا، هذا إذا بنينا على كون الميزان في تسجيل المعصية، إنّما هو مخالفة الإنشاء لا الملاك، و إلّا فالفائت واحد من الملاكين، حيث أنّه صدر من المكلف ترك واحد غير مرخص فيه.

2- النحو الثاني، هو: أن يرخّص في ترك كل منهما، مشروطا بفعل الآخر، لكن هنا، كلا الترخيصين مشروط، فالمشروط فيهما هو نفس الترخيص، لا الفعل، و إنّما فعل الآخر شرط في الحكم بالترخيص، فهو يرخص بترك «الصوم إذا أعتق»، و يرخص بترك «العتق إذا صام»، حيث يقال: إذا لم «يصم و لم يعتق» فلم يتحقق لا شرط هذا الترخيص، و لا شرط ذاك الترخيص.

و حينئذ يتجه الاعتراض الخامس فيقال: بأنّه في مثله، يتحقق منه عصيانان، لأنّه ترك كلا الشرطين في الترخيص.

236

و لأنّه غير مرخص بترك كلا شرطيّ الترخيص، إذن، فيعاقب بعقابين، بناء على كون الميزان في العقاب، إنّما هو مخالفة الجعل و الإنشاء، لا الملاك.

3- النحو الثالث، هو: أن يفرض ترخيص واحد متعلّق بالجامع بين التركين، و هو المسمّى، «بالجامع الانتزاعي»، كما لو قال: «أرخّصك بترك أحدهما».

و حينئذ يكون من الواضح، أنّ أحدهما بالفعل يكون مرخّصا به.

و على هذا الأساس، فلو أنّ المكلف تركهما معا، و في ضمن هذا الترك، قد ترك ما هو مرخص به، و ما ليس مرخصا به، إذن لم يصدر منه إلّا عصيان واحد بتركهما معا لأنّ أحد التركين مرخص به، إذن فلا يعاقب إلّا عقاب واحد.

و هنا يقال: إذا كان تعلّق الحكم بالجامع الانتزاعي- و هو عنوان أحدهما- معقولا، حينئذ يمكن اختصار الطريق، فيقال من أول الأمر: إنّ الوجوب التخييريّ متعلّق بعنوان أحدهما، و لا داعي للدوران، و تطويل المسافة بينهما.

4- النحو الرابع، هو: أن يكون الترخيص في ترك المجموع، ترخيصا واحدا ليس متعلقا، بالجامع بل بالمجموع، فإنّ المجموع له وجود واحد، و ترك واحد، نظير الأمر بالمجموع.

و حينئذ، إذا فرض أنّ الترخيص كان بترك المجموع، و المكلّف هنا تركهما معا، إذن هو لا يعاقب إلّا بعقاب واحد على ترك الجميع، و ترك الجميع لا يزيد على ترك المجموع إلّا بكونه تركا واحد لا تركين.

إذن فالاعتراض الخامس مدفوع.

و التحقيق في الجواب على نظرية المحقق الأصفهاني (قده) هو أن‏

237

يقال: إنّه إذا بنينا على مسلك الميرزا (قده) في أنّ الوجوب ليس مجعولا من قبل الشارع، و إنّما هو مستفاد بحكم العقل المنتزع من طلب الفعل و عدم الترخيص بالتّرك، فإنّه حينئذ، يمكن أن تكون نظرية المحقق الأصفهاني (قده) في الواجب التخييريّ نظريّة معقولة، حيث أنّه يقال: بأنّ المولى إذا طلب فعلين لأجل ملاكين:

فتارة يرخّص في ترك كل واحد منهما، و هذا معناه استحباب كل منهما.

و أخرى لا يرخص في ترك شي‏ء منهما، و هذا معناه، إنّهما واجبان تعينيّان.

و ثالثة يطلبهما و يرخّص بترك أحدهما- و لو بملاك التسهيل و الإرفاق- فينتزع العقل عنوان الواجب التخييري.

و أمّا إذا بنينا على أنّ الوجوب مجعول من قبل الشارع، فهو مدلول للأمر، أو فرض أنّ المولى قد أنشأ هذا الوجوب بنفسه، فإنّه حينئذ، يلزم التهافت بين الوجوبين التعينيّين المطلقين، إذ لا يعقل جعل وجوبين تعينيّين مطلقين من قبل الشارع مع الترخيص بترك أحدهما، لأنّه نظير إيجاب شي‏ء و الترخيص بتركه، إذن لا بدّ أن يكون الترخيص هذا شرطا لوجوب كل منهما بما إذا ترك الآخر.

و بهذا نرجع إلى الاشتراط، في نظريّة المحقق الخراساني (قده)، فإنّ كون وجوب كل منهما مشروطا بترك الآخر، هو إنّه في حالة فعل أيّ واحد منهما لا وجوب للآخر.

إذن فهذه النظرية على مسلك الميرزا (قده) صحيحة قائمة بذاتها.

و أمّا إذا كان الوجوب مجعولا من قبل الشارع، فترجع هذه النظرية إلى نظرية المحقق الخراساني (قده).

238

النظرية الرابعة: هي إنّ الوجوب التخييري وجوب واحد متعلق بالمردّد بين العدلين أو البدائل.

فالفرق بين الوجوب التعيينيّ و الوجوب التخييريّ، ليس في التعدّد و الوحدة، بمعنى أنّ التعيينيّ واحد، و التخييريّ متعدد، و كذلك ليس الفرق بينهما إنّ التعينيّ متعلق بالفرد، و التخييريّ متعلق بالجامع، ليس هذا هو الفارق، بل كلاهما وجوب واحد متعلّق بالفرد، و إنّما الفارق بينهما، هو إنّ الوجوب التعيينيّ متعلق على نحو التعيين بالفرد، بينما الوجوب التخييريّ متعلّق بالفرد على نحو التخيير و هذا الكلام مبني على تعقل الفرد المردّد.

و قد اعترض على هذه النظرية المحقق الأصفهاني (قده) (1) حيث يقول: بأنّ تعلق الوجوب بالفرد المردّد إن أريد به، المردّد بالحمل الأولي، «أي: مفهوم المردّد»، فهذا معناه، تعلّقه بالجامع، لأنّ مفهوم المردّد ليس مردّدا، بل معيّنا، و يكون جامعا بين الفردين، و هذا رجوع إلى النظرية الخامسة.

و إن أريد بالفرد المردّد أنّه متعلق بواقع المردّد فهو مردد بالحمل الشائع، «أي: المردّد المصداقي»، فهو مستحيل، لأنّ ما هو بالحمل الشائع مردّد، يستحيل أن يكون له ثبوت و تحقق، لا في الخارج، و لا في الذهن، لأنّه يستلزم التناقض، إذ معنى أنّه مردّد بالحمل الشائع، يعني: إنّه «أ»، و ليس، «أ» و إنّه «ب» و ليس «ب»، فالمردّد بالحمل الشائع إن فرض حمل كلا العنوانين عليه و لو بدلا، فيلزم ما مرّ من التناقض، و إن فرض حمله عليه بحيث لا يكون تناقض كما لو قلنا بأنّ المردّد هو «أ» و ليس «ب»، و هو «ب» و ليس «أ»، إذن فيكون متعيّنا.

____________

(1) نهاية الدراية- الأصفهاني: ج 2 من المجلد الأول ص 69- 70.

239

و إن شئت قلت: إنّ الفرد المردّد يستحيل ثبوته و تحققه، لا في الخارج و لا في الذهن، لأنّه يستلزم التناقض، إذ لو كان ثابتا بحيث يحمل عليه أحد العنوانين فقط، فهذا معيّن لا مردّد، و إن كان بحيث يحمل عليه كل من العنوانين، فهذا يعني، أنّه يصح حمل كل من العنوانين عليه، و سلبه عنه، و هذا تناقض.

و اعتراض المحقق الأصفهاني هذا، متين، و في غاية الجودة، و بالتالي هو أحسن ممّا قيل في دفع الفرد المردّد المفترض في النظرية الرابعة، إذ قيل بأن الفرد المردّد المصداقي مستحيل باعتبار أنّ الوجود مساوق للتشخّص و التعيّن، فإنّ كون شي‏ء «ما»، موجودا لا بدّ من تعيّنه. إذ هذا الكلام تطويل للمسافة.

و نحن ننهيها منطقيا من دون بحث في الوجود و حقيقته و شئونه، و إنّه هل يعقل فيه تصور الفرد المردّد، أو التردّد، أو إنّه لا يعقل ذلك؟.

بل نقول من أول الأمر، بأنّ المردّد بين الألف و الباء، إن كان حقيقة هو المراد، فيلزم منه التناقض، بلا حاجة إلى ضمّ برهان، أنّ الوجود يساوق التشخّص، فيستحيل وجود الفرد المردّد مصداقا.

النظرية الخامسة، هو: إنّ الوجوب التخييريّ، يرجع إلى الوجوب التعيينيّ، و لكن يجعل المتعلّق هو الجامع، و ذلك بإرجاع التخيير الشرعيّ إلى التخيير العقليّ.

[تقريبان لارجاع الوجوب التخييرى إلى الجامع‏]

و إرجاعه إلى الجامع يكون بأحد تقريبين:

1- التقريب الأول، هو: إنه بعد أن نتصوّر جامعا حقيقيا من المعقولات الأوليّة، حينئذ يدّعى أنّ هذا الوجوب متعلقا بذاك الجامع الحقيقيّ.

و هذا الجامع الحقيقيّ يحاول إثباته بدليل و برهان، أنّ الواحد حتى النوعي لا يصدر إلّا من واحد بل الواحد لا يصدر من اثنين بدعوى أنّه إذا كان يجمع بين العدلين ملاك واحد، و كان هذا الملاك ممّا يحصل‏

240

بالصلاة تارة، و بالصوم أخرى، إذن نستكشف أنّ المؤثر في طلب كل من العدلين، بل المطلوب من كل منهما إنّما هو الجامع الذاتي بينهما، و من هنا ادّعى المحقق الخراساني (قده) (1) ضرورة وجود الجامع الحقيقي بين العدلين.

و قد تقدّم في بحث «الصحيح و الأعم» هذا السّنخ من الاستدلال.

و بحث هناك أنّه هل يمكن تطبيق هذا القانون في مثل هذا المقام، حيث يكون الواحد نوعيا لا شخصيا؟.

أو فقل: هل إنّ قانون، «أنّ الواحد لا يصدر إلّا من واحد»، يشمل ما إذا كان الواحد واحدا بالنوع، أو يختص فيما إذا كان الواحد واحدا بالشخص؟.

فإن قيل: بأنّ هذا القانون يختص فيما إذا كان الواحد واحدا بالشخص، إذن فلا يصدق في المقام. و إن قيل: بأنه يشمل ما إذا كان واحدا بالنوع، إذن فيصدق و يجري هذا البرهان في المقام.

و الصحيح، هو أنّه يعقل و لو بنحو الموجبة الجزئيّة افتراض الجامع الحقيقيّ، بحيث يرجع الوجوب التخييريّ الشرعيّ إلى وجوب متعلق بالجامع، و لكن هذا ليس ممكنا دائما، خصوصا إذا كان مرجع العدلين إلى الوجود و العدم، إذ إنّه لا جامع حقيقيّ بينهما، كما هو الحال في التخيير بين القصر و التمام، إذ إنّه تخيير بين إيجاد ركعتين بعد التشهّد الأول، و عدم ذلك.

2- التقريب الثاني، هو: أن يكتفى بالجامع الانتزاعيّ، و لو كان الجامع هو عنوان أحدهما، فيتعلّق الوجوب بعنوان أحدهما.

و هذا الجامع و إن كان انتزاعيا، إلّا أنّه يمكن تعلّق الوجوب به، و ذلك لأنّه ينظر إليه بما هو بالحمل الشائع، أي: بما هو مرآة و فان، و ليس بما هو

____________

(1) كفاية الأصول- مشكيني: ج 1 ص 225- 226.

241

عنوان انتزاعيّ، بمعنى أنّه ليس في الخارج إلّا واقع هذا أو واقع ذاك، فيمكن تعلّق الوجوب و مبادئه به، و عند التعلّق ينظر إليه بما هو عنوان بالحمل الشائع لا بالحمل الأوّلي.

و بهذا يتبيّن أنّ تفسير الوجوب التخييري لا ينحصر في نظرية أو فرضيّة واحدة، بل يمكن أن يتم في عدة تفسيرات.

فإن فرض ملاك واحد يحصل بكل واحد من العدلين، فيناسبه أن يكون وجوب واحد متعلّق بالجامع الحقيقي، أو الانتزاعيّ بين العدلين و الفعلين.

و إن فرض وجوبان تعيينيّان، كل منهما تعلّق بفعل، كما إذا كان هناك ملاكان تعيينيّان متضادّان، فيناسبه أن يكون كل واحد منهما مشروطا بترك الآخر كما ذكره المحقق الخراساني (قده) (1).

و هذا التفصيل هو الصحيح.

نعم المحقق الخراساني (قده) (2) افترض أنّ الجامع حقيقيّ دائما، بينما قد يكون انتزاعيا في بعض الموارد، كما عرفت.

و هذا الاختلاف في تفسير و صياغة الوجوب التخييريّ، له ثمرة فقهيّة في موارد الشك في كون الواجب تعيينيا أو تخييريا، و تختلف هذه الثمرة باختلاف تفسيره و صياغته، كما لو تردّد أمر الصوم شهرين في كفارة الإفطار عمدا، أنّه واجب تخييريّ أو تعيينيّ؟، حينئذ، إن فرض أنّ الوجوب التخييريّ يرجع إلى الوجوب المشروط حيث يرجع الشك إلى أنّ وجوب الصوم مطلق أو مشروط؟.

حينئذ، إن كان وجوب الصوم تعيينيّا، فمعناه أنّ الصوم واجب، حتى‏

____________

(1) كفاية الأصول- مشكيني: ج 1 ص 226.

(2) كفاية الأصول- مشكيني: ج 1 ص 225.

242

على من أعتق رقبة، و أمّا إذا كان وجوب الصوم تخييريا، بمعنى كون الوجوب مشروطا بعدم العدل الآخر، حيث نشك في وجوب الصوم لو أعتق رقبة، حينئذ يكون الشك في أصل التكليف بنحو الشبهة البدويّة، فتجري البراءة عنه.

و أمّا إذا فسّر و أرجع الوجوب التخييريّ إلى وجوب الجامع الذاتي الحقيقيّ بين العدلين، حينئذ تكون الشبهة من موارد الدوران بين الأقل و الأكثر، حيث يعلم بتعلّق الوجوب بالجامع، بينما يشك في تعلقه زائدا على ذلك بخصوصية الصوم، و حينئذ يتوقف جريان البراءة فيه على القول بجريانها في موارد الدوران بين الأقل و الأكثر التحليليّين، أي: الدوران بين المطلق و المقيّد.

و أمّا إذا فسّر و أرجع الوجوب التخييريّ إلى وجوب الجامع الانتزاعيّ، و هو وجوب أحدهما، أو أحد العدلين، حينئذ يدخل المقام في موارد الدوران بين التعيين و التخيير، حيث أنّه يتشكل علم إجمالي، إمّا بوجوب الصوم بعنوانه، و إمّا بوجوب عنوان أحدهما، أي: أحد العدلين رغم كونهما متباينين مفهوما، و حينئذ يقع بحث في أنّه هل تتعارض الأصول في أطراف العلم الإجمالي، أو إنّها لا تتعارض؟:

فإن قلنا بأنّها تتعارض فمعنى ذلك، أنّ العلم الإجمالي منجز في كلا طرفيه، و إن قلنا بأنها لا تتعارض، حينئذ تجري البراءة عن التعيين، أعني وجوب الصوم بعنوانه، لأنّه غير معارض مع البراءة عن الطرف الآخر للعلم الإجمالي، و هو وجوب أحد الفعلين كما هو الصحيح.

أو فقل: إنّه إن لم تتعارض الأصول، فتجري البراءة عن أشدّ طرفي العلم الإجمالي مئونة و كلفة زائدة، و هي كائنة في طرف وجوب الصوم فقط.

إذن فهذه التفسيرات للوجوب التخييريّ تؤثر في وضوح جريان البراءة و خفائها.

243

الكلام في تصوير إمكان التخيير بين الأقل و الأكثر و عدمه‏

و قد وقع الاستشكال في تصوير إمكان هذا التخيير و عدمه، حيث قيل: إنّ الأكثر، تارة يكون تدريجيا، بحيث أنّ الزيادة تقع زمانا بعد الأقل.

و أخرى يكون الأكثر عرضي الأجزاء، بحيث أنّ الزيادة تقع معاصرة مع الأقل.

فإن كان الأكثر تدريجيّا، فمن الواضح أنّه بعد الإتيان بالأقل، و قبل الشروع بالزيادة التي بها يتميّز الأكثر عن الأقل، يكون الغرض قد استوفي، و الملاك قد حصل، و سقط التكليف بالامتثال، و حينئذ فلا معنى لكون الزيادة دخيلة في الواجب، و كونها مصداقا له.

و إن كان الثاني، و هو كون الأكثر عرضي الأجزاء، من قبيل التخيير بين التصدق بدرهم، أو التصدق بدرهمين، فحينئذ يقال: بأنّ التكليف، و إن كان محفوظا في حال وجود الأكثر، إلّا أنّ الزيادة في هذه الحال يجوز تركها لا إلى بدل، و ليس شي‏ء يجوز تركه لا إلى بدل يكون مصداقا للواجب، إذ إنّ الواجب لا يجوز تركه لا إلى بدل.

و إن شئت قلت: إنّه استشكل في إمكان التخيير بين الأقل و الأكثر و عدمه، حيث قيل: إنه إذا كان الأقل و الأكثر تدريجيين في الوجود، فإنّ التكليف يسقط بامتثال لأقل و يحصل ملاكه، و حينئذ لا يبقى مجال لأن يكون الأكثر مصداقا للواجب.

244

و إن كان الأقل و الأكثر عرضيّين، فإنّ التكليف و إن كان يستوفى في آن حصول الأكثر، إلّا أنّ الزيادة الواقعة في هذا الآن، لا يعقل أن تكون واجبة، لأنّه يجوز تركها لا إلى بدل. إذ لو كانت واجبة أو مصداقا للواجب لما جاز تركها لا إلى بدل.

[صيغتان لتصوير إمكان التخيير بين الأقل و الأكثر]

و الآن نستعرض صيغتين لتصوير إمكان التخيير بين الأقل و الأكثر ذكرهما المحقق الخراساني (قده) (1) كإجابة عن هذا الإشكال، و هما:

إمكان تعلق التخيير بالجامع الذي يرجع التخيير فيه إلى التخيير العقلي.

و إمكان تعلق التخيير بكل من العدلين مشروطا بترك الآخر كما ذكر في (الكفاية).

إذن، فتارة يقع الكلام على أساس صيغة رجوع التخيير الشرعيّ إلى التخيير العقليّ.

و أخرى يكون المنطلق هو صيغة الالتزام بوجوبين مشروطين، كل منهما بعدم الآخر.

الصيغة الأولى، هي: إنّه يمكن افتراض إنّ الطبيعة لها فردان: قوي، و ضعيف، أي: كامل و ناقص، و نفرض أنّ الملاك يفي به كلا الفردين،

ففي مثل ذلك، لا بدّ من الالتزام بتعلّق الوجوب التخييريّ بالطبيعة الجامعة بين كلا الفردين، باعتبار وفاء كل منهما بالملاك، و إلّا كان تخصيص الأقل أو الأكثر بالوجوب بلا مخصّص، هذا فيما إذا كان الأقل و الأكثر يشكل وجودا مستقلا واحدا للطبيعة، من قبيل الخط الطويل و القصير، باعتبار أنّ الاتصال يشكّل وحدة للطبيعة، أو طبيعة واحدة.

____________

(1) كفاية الأصول- مشكيني: ج 1 ص 226- 227.

245

- الصيغة الثانية، هي: إنّ الأقل و الأكثر هنا، غيره في الصيغة الأولى، فإنّه في الأولى، كان الأقل و الأكثر، كل منهما يشكل وجودا مستقلا واحدا للطبيعة. و أمّا في الصيغة الثانية، فإنه يراد بالأكثر، الوجودات المتعددة للطبيعة

، فإنّ دوران الأمر بين تسبيحة واحدة، و تسبيحات ثلاث، يشكّل وجودات متعددة للطبيعة.

و في مثله لا بدّ من تغيير الصيغة فيه، إذ لا يمكن القول: بأنّ الملاك يترتب على كلا الفردين: الناقص و الكامل كما في الصيغة الأولى، لأنّ التسبيحات ليست وجودا واحدا للطبيعة، بل هي ثلاثة وجودات، إذن فالملاك مترتب على التسبيحة، أي: على الأقل بشرط «لا» من حيث الزيادة، و على الأكثر، و حيث أنّ كلا من الأقل بشرط «لا» و الأكثر، يفي بالملاك، فلا بدّ من القول بالتخيير.

[توضيح الصيغة الأولى‏]

و توضيح الصيغة الأولى، في مقام حل الإشكال، يتوقف على الإشارة إلى بحث، مفاده، أنّ التفاوت بين الشيئين المتفاوتين يكون على نحوين:

1- النحو الأول، هو: أن يكون التفاوت بلحاظ جهة عرضيّة أجنبيّة، و ذلك كالتفاوت بين العالم و الجاهل، و هذا هو المسمّى بالتشريك العامّي، أو بتشريك العامّي، و الذي يكون ما به الامتياز فيه، غير ما به الاشتراك.

2- النحو الثاني، هو: أن يكون التفاوت له حيثيّة ترجع إلى الجهة المشتركة، كالتفاوت بين الثلاثة و الأربعة، فهما متفاوتان في العدديّة أيضا، إذ إنّ مرتبة هذا غير مرتبة هذا، و كذلك «الخط الطويل و القصير»، فهما «كمّ» متصل، و لكن يتفاوتان أيضا بهذا الكمّ المتصل.

و من هنا وقعت معركة آراء في تصوير أنه ما هو الذي به الاشتراك، و ما هو الذي به الامتياز؟.

246

فقيل: إنّ ما به الاشتراك هو «العدد أو الكم»، و ما به الامتياز هو خصوصيّة «أربعيّة الأربعة»، إذ أربعيّة الأربعة حالة عرضيّة، ترجع هذا النحو إلى النحو الأول.

و قيل: إنّ ما به الامتياز حيثيّة ذاتيّة لا عرضيّة، و كذلك فإنّ ما به الاشتراك حيثيّة ذاتية أيضا، و حيث أنّه يستحيل أن يكون ما به الاشتراك هو عين ما به الامتياز، إذن فلا بدّ من الالتزام بتعدد الأنواع في المقام، فيكون الثلاثة و الأربعة مشتركين في الجنس، و كل مرتبة من العدد نوع.

و عليه، تكون مراتب الأعداد أنواعا متباينة و كذلك مراتب الخطوط.

و قيل: إنّ ما به الامتياز أمر ذاتيّ، و لكن هذا الأمر الذاتيّ هو عين ما به الاشتراك، فالعدديّة هي بنفسها و ذاتها جهة الاشتراك، و جهة الامتياز، و هذا ما يسمّى في كلمات أهل المعقول، «بالتشكيك الخاصّي الماهوي».

ثم إنّه في إطار هذا التصوّر لما به الامتياز و الاشتراك، فقد ذهب بعضهم إلى أنّ عينيّة ما به الامتياز و الاشتراك، إنّما هي في مرحلة الماهيّة.

و ذهب البعض الآخر إلى أنّها في مرحلة الوجود، بناء على تصوير الثنائيّة بين الماهيّة و الوجود.

و قد وقع هذا التشكيك الخاصّي في الوجود بعد الماهيّة، إذ الوجود يحتوي على حيثيّة يكون بها الاشتراك، و حيثيّة يكون بها الامتياز. فالتشكيك في الماهيّة معناه: إنّ الخط الطويل في كونه خطا، هو أولى بالخطية و أشد في معناه من الخط القصير، و هذا لم يقبله إلّا الشواذ من أصحاب هذا التصور.

و التشكيك الخاصّي في الوجود، معناه:، إنّه في عالم الماهيّة لا تشكيك، و إنّما التشكيك في الوجود، إذ بناء على أصالة الوجود يكون الوجود الزائد على الماهيّة محتويا على حيثيّة وجوديّة يكون ما به الاشتراك بعينه هو الخطيّة، فالخطان خطّيتهما واحدة إذا جرّدا عن عالم الوجود،

247

و لكن في عالم الوجود، مرتبة وجود الطويل أكمل من مرتبة وجود القصير.

[حلّ إشكال التخيير بين الأقل و الأكثر، على ضوء الصيغة الأولى‏]

و إن شئت قلت: إنّ حلّ إشكال التخيير بين الأقل و الأكثر، على ضوء الصيغة الأولى، يتوقف على بحث فلسفي في مسألة التشكيك الخاصّي في الوجود، حيث قيل هناك: إنّ التفاوت و الاختلاف بين مفردات الطبيعة الواحدة، يتصور على نحوين:

1- النحو الأول: أن يكون هذا التفاوت بلحاظ امتيازات عرضيّة على الماهيّة، و لكنّها خارجة عنها، كالتفاوت بين الإنسان العالم، و الإنسان الجاهل، و هذا هو المسمّى بالتشريك العامّي، و هو الذي يكون ما به الامتياز فيه غير ما به الاشتراك.

2- النحو الثاني، هو: أن يكون التفاوت بلحاظ امتيازات داخلة في الماهيّة، و لكنّها تختلف فيما بينها بالمرتبة، و النقص، و الكمال، و الكمّ، كما في الماهيّات المشككة من قبيل الخط الطويل و الخط القصير، إذ كلاهما «كمّ متصل»، و لكن يتفاوتان فيه، و هكذا يقال في العدد بين الثلاثة و الأربعة و ما شابه ذلك.

و من هنا اختلفت التفسيرات الفلسفية في تصوير هذه الامتيازات التشكيكيّة للماهيّة الواحدة.

فذهب فريق إلى أنّ هذه الامتيازات بين مفردات الطبيعة و الماهية الواحدة، على وزان الامتياز و التفاوت في النحو الأول القائم على أساس اختلاف في خصوصيّات العرض، خارج عن ذات الماهيّة فيكون ما به الامتياز في كل وجود للماهيّة، غير ما به الاشتراك، ففي العدد مثلا، ما به الاشتراك، هو نفس العدد، أو نفس الكم، و ما به الامتياز هو خصوصيّة أربعيّة الأربعة، مع العلم أنّ هذه الخصوصيّة عرضيّة خارجة عن ذات الماهيّة، و هذا هو المسمّى عندهم «بالتشريك العامّي»، أو «بالتشكيك العامّي».

248

و ذهب فريق آخر إلى أنّ ما به الامتياز حيثيّة ذاتيّة للماهيّة لا عرضيّة، كما أنّ ما به الاشتراك فيها حيثيّة ذاتيّة أيضا.

و عليه، فما به الامتياز فيها هو عين ما به الاشتراك، و حيث أنّه يستحيل أن يكون ما به الاشتراك هو عين ما به الامتياز، إذن، فلا بدّ من الالتزام بتعدّد الأنواع في المقام، و ذلك بأن يفترض أنّ الامتياز بينها في مرحلة الذات و الماهيّة، فماهيّة الثلاثة و الأربعة، و إن كانتا مشتركتين في الجنس الذي هو «الكم»، لكن ماهيّة الثلاثة تختلف عن ماهيّة الأربعة، كما تختلف الأنواع في الجنس الواحد، فتكون كل مرتبة من العدد الذي هو الجنس، نوعا، و عليه، تكون مراتب الأعداد متباينة و كذا مراتب الخطوط، و إن كان ما به الامتياز فيهما هو من سنخ ما به الاشتراك و هو العدد، لكن تختلف الأربعة عن الثلاثة في الأربعيّة و الثلاثة كذلك، دون أيّ شي‏ء آخر، و مثلهما الخط الطويل في اشتراكه مع الخط القصير في «الكم»، الجنس، و اختلافهما في الطوليّة و القصريّة.

و هذا ما يسمّى في كلماتهم: «بالتشكيك الخاصّي الماهوي».

و ذهب فريق ثالث إلى أنّ ما به الامتياز في كل منها أمر ذاتيّ، و هذا الأمر الذاتيّ هو عين ما به الاشتراك، و لكنه في الوجود لا في الماهيّة، فالعدديّة هي بنفسها و ذاتها جهة الاشتراك و جهة الامتياز، فالماهيّة المنتزعة عن الفردين المختلفين في المرتبة، هي ماهيّة واحدة ذاتا، و إنّما الاختلاف بين الفردين إنّما هو في الوجود الذي هو الأصل في الخارج، بناء على أصالة الوجود، فالخط الطويل يمتاز عن الخط القصير في حقيقة الوجود الكامل للخط الطويل، فإنّه يختلف في كماله الوجودي، لا الماهوي، عن وجود الخط القصير، رغم كونهما من سنخ واحد، و كل منهما مصداق مستقل واحد لماهيّة واحدة هي «الكم».

و هذا ما يسمّى في كلماتهم «بالتشكيك الخاصي الوجودي».

249

و الخلاصة، هي: إنّ التشكيك الخاصي في الوجود، معناه، أنّ الوجود يحتوي على حيثية يكون بها الاشتراك و حيثية يكون بها الامتياز.

و التشكيك في الماهيّة، معناه: إنّ الخط الطويل، في كونه خطّا، هو أولى بالخطيّة و أشدّ في معنى الخطيّة من الخط القصير، و هذا لم يقبله إلّا الشواذ من أصحاب هذا التصور.

و التشكيك الخاصي في الوجود معناه: إنّه في عالم الماهيّة لا تشكيك، و إنّما التشكيك في الوجود فبناء على أصالة الوجود، يكون الوجود الزائد على الماهية محتويا على حيثية وجودية يكون ما به الاشتراك هو عين ما به الامتياز، فخطيّة الخطّين واحدة، و إن كان الخط الطويل يمتاز عن الخط القصير في كون مرتبة وجود الخط الطويل أكمل من مرتبة وجود الخط القصير.

و بعد هذا الاستعراض، نقول: إنّ كلام المحقق الخراساني (قده) يرتبط بهذه التصورات.

فإن فرض أنّ كلا من الأقل و الأكثر، كان فردا واحدا مستقلا للماهيّة، كما هو الحال في الخطّين، الطويل، و القصير، لا إنّ الأكثر أفراد عديدة كما في التسبيحات الثلاثة، فإن فرض أنّ التفاوت بينهما كان عرضيا، كما لو كان يشتمل على خصوصيّة زائدة على أصل الماهيّة المشتركة بينهما، فإنّه حينئذ لا يمكن التخيير بينهما، إذ لا محالة يكون الملاك في ذات الماهيّة الجامعة بين الفردين، فتكون هي الواجبة تعيينا و تكون الخصوصية التي بها الامتياز الزائدة على الطبيعة غير دخيلة في حاق مصداق هذه الماهية.

و قد عرفت أنّ الواحد لا يصدر إلّا من واحد في الأنواع.

و أمّا إذا أخذنا بالتصور الثاني، و قلنا: إنّ المائز بينهما ذاتيا، فما به الامتياز جهة ذاتية، و لكن قلنا بالتشكيك العامي، أي: إنّ ما به الامتياز غير ما به الاشتراك، حينئذ أيضا لا تتم صيغة صاحب (الكفاية).

لأنّه إن فرض أنّ الملاك الواحد قائم بالجنس من دون دخل للفصول‏

250

المميّزة، فهذا معناه، أنّ ما به يكون الخط طويلا، لا دخل له في الواجب.

إذن فهذه الزيادة لا دخل لها، إذن فما معنى التخيير بعد أن عرفت أنّ ما له دخل هو الجنس فقط. إذن فهذه الحيثيّة لا دخل لها في المقام في إيجاد الواجب.

و إن فرض أنّ الملاك قائم بكل من الفصلين، إذن فيلزم صدور الملاك الواحد من الكثير، و هذا ممّا لا يقبله صاحب (الكفاية) أيضا.

و أمّا إذا فرض أن أخذنا بالتصور الثالث، و هو كون ما به الامتياز هو عين ما به الاشتراك، فإن قيل بالتشكيك الخاصي الماهوي، فأيضا يجري الإشكال، لأنّ الملاك الواحد سوف يحصل بالمرتبة الضعيفة تارة، و يحصل بالشديدة أخرى دون أن يكون كل منهما بحدّه مشتركا في إيجاد الملاك، لأنّ الواحد لا يصدر إلّا من واحد.

و هذا معناه، أنه لا جامع ماهويّ بين المرتبتين، بل تكون المرتبة الشديدة ممتازة في نوعها و ماهيّتها عن المرتبة الضّعيفة.

و لكن إن قلنا بالتشكيك الخاصي الوجودي، أي: في الوجود، كما ذهب إليه من فسّر الامتياز بين مفردات الماهيّة الواحدة، و منهم صاحب (الكفاية)، فإنه حينئذ يتم ما أفاده صاحب (الكفاية) من التخيير بين الأقل و الأكثر، لأنّ الأكثر بحدّه المستقل في وجوده عن الأقل، لا يختلف عن الأقل في الماهية، ما دام أنّهما تجمعهما ماهيّة جامعة بين مرتبتين من الوجود، و في مثل ذلك يكون الوجوب التخييريّ متعلقا بالوجود الاستقلالي للطبيعة، و هذا الوجود الاستقلالي متمثل في إحدى المرتبتين، و المفروض أنّه بين المرتبتين جامع ما هوي. إذن فلم يصدر الواحد بالنوع من الكثير بالنوع بل من واحد بالنوع.

أو فقل: إنّه إذا قلنا بالتشكيك الخاصي الوجودي، فإنّه يتم ما أفاده صاحب (الكفاية)، إذ يتعين التخيير بين الأقل و الأكثر لا محالة، لأنّ الأكثر بحدّه المستقل في وجوده لا يختلف عن الأقل في الماهيّة، بل‏

251

الماهيّة، بل كلاهما وجود لطبيعة واحدة و ماهيّة فاردة، غايته أنّ الفارق بينهما في الوجود، و الفارق الوجودي أيضا من سنخ ما به الاشتراك، لا من سنخ آخر.

و عليه، فلا يلزم من تأثير كل منهما بحدّه في ذلك الملاك صدور الواحد من المتعدد بالنوع بل وحدة الماهيّة محفوظة فيهما.

و بهذا يتضح، أنّ هذه الصيغة لا تحتاج في إتمامها لأخذ قيد «بشرط لا» في الوجود الناقص، بدعوى أنّ الوجود الناقص يجب أن يؤخذ بقيد عدم الزيادة، إذ يعوّض عن هذا القيد بقيد الاستقلاليّة في الوجود.

و بذلك تكون هذه الصيغة في مقابل الصيغة الثانية.

أو فقل: لأنّ الأكثر ليس عبارة عن وجودين: وجود للأقل، و وجود للزيادة، فلا يقال حينئذ: إنّه لو لم يؤخذ الأقل «بشرط لا» عن الزائد، كان به الامتثال، و كان يجوز ترك الزائد لا إلى بدل و عليه فلا يكون هذا الزائد مصداقا للواجب.

لأنّه يقال: حيث أنّ المفروض أنّ الأكثر يشكل وجودا واحدا مستقلا للماهيّة، و ليس وجودات كثيرة، بدعوى أنّ الأكثر يشكل وجودات عديدة ببرهان أنّ الشي‏ء ما دام متحركا، و لم يقف في حركته، لا يكون له وجود مستقل، و إلّا، لزم حصر اللامتناهي بالفعل بين حاصرين و هو مستحيل.

فهذا الاعتراض حينئذ غير وارد، إذ قلنا سابقا: إنّه مخصوص بما إذا كان الأكثر ضمن وجودات عديدة للطبيعة لا وجود واحد لها.

و الصيغة الأولى هذه، حولها كلامان:

1- الكلام الأول، هو: إنّ هذه الصيغة إذا تمّت، فإنّما تتم في الأكثر الذي يشكل، بما هو أكثر، وجودا واحدا للطبيعة

، كما في الخط الطويل بالنسبة إلى الخط القصير، و لا تتم في الأكثر الذي يشكّل عدة وجودات متفاصلة للطبيعة من قبيل التسبيحات الثلاث، فإنّ الوجود الاستقلالي‏

252

لطبيعة التسبيح يحصل بالتسبيحة الأولى، سواء انضم إليها تسبيحة أخرى، أو لم ينضم إليها شي‏ء، لأنّ الزيادة هنا ليست من قبيل الحركة في الخط، ليقال: إنّ هذا وجود واحد.

إذن ففي المقام لا تتم هذه الصيغة فيما إذا كان الأكثر يشكل وجودات متفاصلة، و لعلّه لأجل ذلك تقدّم صاحب (الكفاية) بالصيغة الثانية.

2- الكلام الثاني، هو: أنّه يمكن الإيراد على هذه الصيغة ثانية

فيقال:

بأنّ المكلّف، بعد أن يبدأ بامتثال رسم الخط، فقد سقط التكليف، و لا يبقى معنى معقول للأمر به، لأنّه إن فرض أنّ الغرض و الملاك يحصل بمجرّد أن يبدأ بأصل وجود الخط، إذن فلا محالة يسقط التكليف بهذا المقدار، و عليه، فلا يكون الأكثر بحده دخيلا في الامتثال.

و إن فرض بقاء الأمر على ذمّة المكلّف، كما لو كان للمولى غرض آخر. كما لو كان يريد منه استقلاليّة الوجود، فأيضا لا معنى لبقاء الأمر الذي يطلب به الاستقلاليّة في الوجود ضمنا، و ذلك لأنّ الاستقلاليّة حاصلة على أيّ حال في ضمن أحد الوجودين، إذن فيكون الأمر به تحصيلا للحاصل.

و كأنّ الأمر هنا، ينحل إلى أمرين: أمر بذات الطبيعة، و أمر باستقلاليّة وجودها، و المولى هنا حصل على غرضه على كل حال كما عرفت، و معنى هذا أنّ الامتثال يتحقق بالأقلّ.

و هذا الكلام إن كان يرد، فهو يرد فيما لو فرض أنّ الواجب لم يكن موقتا، بأن فرضنا أنّ المقيّد اللبّي العرفي للخطاب بالمقدور، يقتضي أن تكون مقدوريّة متعلّق كل وجوب ضمني مستقلا.

و لكن هذا الكلام لا يرد فيما إذا كان الواجب مؤقتا، كما لو كن مقيّدا بزمان معيّن بأنّه يجب أن توجد الطبيعة وجودا مستقلا في ذلك الزمان،

253

بحيث أنّه إذا استمرت حركته في الخط إلى انقضاء ذلك الزمان القيد، بحيث أنّ وجود الطبيعة استقل في الزمان الثاني، فإنّه حينئذ لا يكون هذا الوجود في الزمان الثاني، مصداقا للواجب، و تكون الاستقلاليّة في الوجود غير حاصلة في الزمان المحدّد، و حينئذ يرتفع الإشكال، و يصح أن يبقى الأمر على ذمة المكلّف.

و هكذا يتضح، أنّ هذه الصياغة الأولى لعلاج التخيير بين الأقل و الأكثر عن طريق تصوير الأمر بالجامع بينهما، معقولة بشكل مجمل، و سواء افترضنا أمرا واحدا بالجامع، أو افترضنا وجود أمرين مشروطين كما لو فرض وجود ملاكين، فإنّ ذلك لا ينافي صدور الكثير من واحد بالنوع، و إنّما يستحيل هذا في الواحد البسيط، بينما غيره فلكونه مركبا فلا مانع فيه من صدور الكثير من فردين لنوع واحد.

2- الصيغة الثانية: و قد ذكرها المحقق الخراساني (قده) كحلّ لعلاج مسألة التخيير بين الأقل و الأكثر [و ذكر بحوث ثلاثة حول هذه الصيغة]

، فيما إذا كان الأكثر متحققا ضمن مصاديق متعددة للطبيعة، كما في التخيير بين تسبيحة واحدة، و تسبيحات ثلاث، فإنّه فيه يمكن أن نتصور أنّ الواجب التخييري هو الأقل «بشرط لا» و الأقل «بشرط شي‏ء»، فإنّ الواجب حينئذ يتحقق إمّا بالأقل أو بالأكثر، و حينئذ لا يكون الأقل في ضمن الأكثر واجبا أصلا.

و حينئذ لا يقال بسقوط التكليف بالأقل قبل الإتيان بالزيادة، لأنّه لم يتحقّق الواجب بالأمر الضمني بالأقل.

و هنا لا يشكل، بأنّ هذا خلف، لأنّ الأقل «بشرط لا»، و الأكثر متباينان فلا يكون هذا تخييرا بين الأقل «بشرط لا» و الأكثر بحسب الحقيقة، لأنّ صاحب (الكفاية) (قده) كان بصدد وضع فرضيّة تصور التخيير بين الأقل و الأكثر، لأنّه وقع في الفقه ما ظاهره ذلك، حتى و لو رجع ذلك إلى التخيير بين المتباينين. و كيفما كان فإن لنا حول هذه ثلاث كلمات:

254

1- الكلمة الأولى: إنّ الأمر المتعلق بالجامع بين الأقل «بشرط لا» و الأكثر ينحل إلى أمرين ضمنيّين‏

: أوّلهما: أمر ضمني بذات الأقل المحفوظ في الأقل «بشرط لا» و في الأكثر.

و ثانيهما: أمر ضمني بالجامع بين الأقل «بشرط لا» و الزيادة، و حينئذ يقال: إنّ هذا الأقل «بشرط لا و البشرطشي‏ء» لا يرتفعان أحيانا، و لا بديل لهما، كما لو فرض أنّ المولى خيّر بين تكبيرة واحدة «بشرط لا» و بين تكبيرة بشرط ضم أخرى إليها، فهنا الجامع بين الأمرين قهري الحصول بعد التكبيرة الأولى، و حينئذ لا يعقل الأمر الضمني الثاني.

و هذا الإشكال إنّما يرد في حالة عدم وجود شق ثالث متصور في المقام.

و أمّا إذا كان يوجد شق ثالث كما لو فرض أنّ التخيير بين تسبيحة واحدة «بشرط لا» ثانية، و بين تسبيحة واحدة «بشرط ثانية و ثالثة، فإنّه حينئذ لا يكون الجامع هنا قهري الحصول خارجا.

و إن شئت قلت: في الكلمة الأولى، إنّ هذه الصياغة الثانية إنّما تتم فيما إذا كان يمكن انتفاء الأقل و الأكثر معا مع بقاء وجود ذات الفعل، كما هو الحال في التسبيحة الواحدة و الثلاث تسبيحات، فإنّه يمكن وجود ذات التسبيحة في ضمن تسبيحتين، إذ حينئذ لم يتحقق لا الأقل، و لا الأكثر.

و أمّا إذا كان فرض وجود ذات الفعل مستلزما لتحقّق إمّا الأقل، و إمّا الأكثر على كل حال، كما هو الحال في التسبيحة الواحدة، و الأكثر منها، و لو ضمن تسبيحتين، فإنّه حينئذ، قد يقال: إنّ التخيير بين مثل هذا الأقل و الأكثر، غير معقول و إن أخذ الأقل «بشرط لا»، لأنّ الأمر بالتخيير هنا ينحل إلى أمر ضمني بذات الأقل المحفوظ ضمن التسبيحتين، و أمر ضمني‏