بحوث في علم الأصول - ج6

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
749 /
255

آخر بالجامع بين الأقل «بشرط لا» عن الزيادة و بشرط الزيادة إذن فهذا الجامع قهري الحصول، فيكون الأمر الضمني به حينئذ لغوا، لأنّه تحصيل للحاصل.

نعم لو قيل: بأنّه يكفي في كون التكليف عقلائيا- استجابة لفحوى المقيّد اللبّي- أن لا يكون متعلّق التكليف حاصلا. فإنّه حينئذ يمكن أن يكون التخيير المذكور معقولا.

2- الكلمة الثانية، هي: إنّه إذا فرضنا ملاكا واحدا يترتّب على الأقل «بشرط لا»، و على الأقل مع الزيادة، فحينئذ هذا الملاك يحتاج إلى جامع واحد يؤثر فيه‏

، و حينئذ يشكل الأمر- بناء على قانون أنّ الواحد لا يصدر إلا من واحد- و ذلك، لأنّ هذا الملاك، إن كان قد أثّر في حصوله، الأقل «بشرط لا» بما هو «بشرط لا»، و الأقل «بشرط شي‏ء»، أي: الأكثر بما هو أكثر، رغم كونهما متباينين، إذن لزم صدور الواحد من الكثير و المتباينين، و إن كان قد أثّر في حصوله، الجامع المحفوظ في ضمن الأقل «بشرط لا»، و الأكثر، فإنّ الجامع يتحقق بذات الأقل، فإذن يكون ذات الأقل هو المؤثّر في الملاك. إذن فيعود الإشكال طرا، لأنّ الجامع يتحقق بالتسبيحة الأولى سواء أتى بثانية و ثالثة، أو لم يأت، فيكون ضم الزيادة دائما بعد تحقق الجامع، و تحقّق الملاك.

و الخلاصة، هي: إنّه إذا كان الملاك يحصل بالجامع بين الأقل و الأكثر، و المفروض أنّ الجامع يتحقق بذات الأقل، فمعنى هذا، أنّ الملاك يحصل بالأقل، و حينئذ يرجع إشكال سقوط الواجب بالأقل قبل تحقق الأكثر.

3- الكلمة الثالثة، هي: إنّه إذا فرض أنّ ملاكا واحدا يحصل من الأقل «بشرط لا» بما هو أقل «بشرط لا» و من الأقل «بشرط شي‏ء» بما هو أقل «بشرط شي‏ء»، فمعنى هذا، إنّ عدم الزيادة كوجود الزيادة، يكون دخيلا في حصول الملاك،

و معنى هذا أنّ الشي‏ء و نقيضه كلاهما دخيلين في‏

256

حصول الملاك، و هذا أشدّ استحالة من مسألة أنّ الواحد يصدر من متعدد.

و هنا يمكن دفع كلتا الكلمتين و ذلك بافتراض فرضيّة أخرى، و هي:

أن يكون المؤثر في الملاك هو الطبيعة الجامعة، أي: ذات التسبيحة، الجامعة بين الأقل و الأكثر، دون أن يكون «للبشرطلائيّة» أو «البشرطشيئيّة» دخل في تحقق الملاك.

نعم يمكن أن يمنع من تحقق الملاك و وجوده، كون عدد الطبيعة اثنين.

و حينئذ في مقام تحصيل الملاك، لا بدّ من الإتيان، إمّا بتسبيحة واحدة، أو ثلاثة، فيكون المقتضي موجودا، و المانع مفقودا.

و بهذا يندفع الإشكال الثاني. و لكنّ هذه الفرضية يقطع بعدمها خارجا، و لكنها تكفي.

و كذلك تتم هذه الصيغة في تصوير التخيير بين الأقل و الأكثر، و تندفع الكلمات كلها، و لا يلزم إشكال صدور الواحد من الكثير، و ذلك فيما إذا افترضت نظريّة الأمرين التعيينيّين المشروطين، كل منهما إذ أتي به، بترك الآخر، باعتبار وجود ملاكين تعيينيّين متضادّين، و ذلك لأنّ الأمر بالأقل مشروط بترك الأكثر- و لو كان هذا الأكثر هو اثنين لا ثلاثة- فإنّه لا يلزم منه تحصيل الحاصل، لأنّ من يترك الأكثر قد يأتي بالأقل و قد لا يأتي بشي‏ء أصلا، كما تقدّم معنا، و هكذا الحال فيما لو كان الأمر بالأكثر مشروطا بترك الأقل.

و كذلك، فإنّه بناء على هذه الفرضيّة، لا يلزم صدور الواحد من الكثير، و لا صدوره من النقيضين، كما عرفت.

257

الوجوب الكفائي‏

[فروض فى تصوير الوجوب الكفائي‏]

وقع الإشكال في تصوير الوجوب الكفائي، كما وقع الإشكال في الوجوب التخييريّ، و ذلك، حيث إنّ الوجوب الكفائي، رغم كون متعلقه واجبا، فإنّه يجوز للمكلّف تركه إذا أتى به آخر غير المكلّف به، مع أنّ الواجب لا يجوز تركه.

و تحقيق الحال فيه هو: إنّ الوجوب الكفائي لا يخلو تفسيره من أحد فروض من ناحية كيفيّة تعلّقه بالمكلف:

1- الفرض الأول، هو: أن يكون موضوعه جميع المكلّفين‏

، بحيث يكون لكل واحد منهم وجوب يخصّه، فيكون الوجوب بعدد المكلّفين.

2- الفرض الثاني، هو: أن يكون موضوعه مجموع المكلّفين‏

، بمعنى أنّ مجموع المكلّفين كالواحد، كما لو كلّف عشرة بحمل الحجر، فالمكلّف هو المجموع، بنحو العموم المجموعيّ، لا العام الاستغراقي، فكأنّ العشرة معا مكلّف واحد، فالوجوب الواحد، على مجموعهم.

3- الفرض الثالث، هو: أن لا يكون الوجوب لا للجميع، و لا للمجموع، بل يكون الوجوب متعلّقا بالجامع بنحو العموم البدلي‏

، أي: إنّه متعلق بعنوان «أحد المكلّفين» على سبيل البدل، و الذي قد يعبّر عنه «بصرف الوجود».

4- الفرض الرابع، هو: أن لا يكون للوجوب الكفائي موضوع أصلا، بل له متعلّق واحد، هو نفس الفعل الواجب‏

، من دون نظر إلى‏

258

المكلّفين، لا بنحو المجموع، و لا بنحو العموم البدلي، و لا الاستغراقي، و إنّما هو إيجاب للفعل فقط.

و هذه الفروض، لا بدّ من فحصها، لنرى ما يصحّ منها تفسيرا للوجوب الكفائي، هذا بعد الفراغ عن ثلاثة خصائص للوجوب الكفائي، لا بدّ من الفراغ عن ثبوتها فيه أولا

[خصائص الوجوب التخييرى‏]

و قبل كل شي‏ء، لأنّه لا غنى عنها فيه أبدا، و هذه الخصائص هي:

1- الخصيصة الأولى، هي: إنّ الوجوب الكفائي إذا قام به البعض امتثالا، سقط عن الباقين، و لو كانوا قادرين.

2- الخصيصة الثانية، هي: إنّ الواجب الكفائي لو تركه جميع المكلّفين، فالجميع عاصون و يستحقون العقاب مع الالتفات.

3- الخصيصة الثالثة، هي: إنّ الواجب الكفائي، لو كان ممّا يقبل التكثر و التعدّد، من قبيل الصلاة على الميت، فحينئذ لو اقترنت صلاتان على الميّت، يحصل الامتثال و يثابون جميعا على ذلك، و إن كان لا يقبل التكثّر، فحينئذ لو تعاونوا على إيقاعه جميعا حصل الامتثال و كفى.

و هذه الخصائص مفروغ عنها فقهيا و أصوليا.

[مناقشة الفروض الاربعة للوجوب التخييرى على ضوء خصائص الوجوب التخييرى‏]

و عليه، فيجب وضع نظريّة معقولة في نفسها و كافية، و وافية، بهذه الخصائص، فنتكلم في هذه الفروض الأربعة المزبورة على ضوء تلك الخصائص.

[صيغ الفرض الاول‏]

و قد كان الفرض الأول، يفترض أنّ موضوع الواجب الكفائي هو كل مكلّف بنحو العام الاستغراقي، بحيث يكون لكل مكلّف وجوبه المستقل، و هذا الفرض له عدة صيغ:

- الصيغة الأولى، هي: أن نفترض وجوبات عينية متعددة بعدد المكلّفين، إلّا أنّها مشروطة

، بحيث أنّ كل مكلّف، وجوبه مشروط بعدم الوجوب على غيره بمعنى انه إذا قام به الأول سقط عن الآخر، باعتبار أنّ‏

259

قيام الآخر بالفعل يسدّ عليه باب القيام به، و سوف نبيّن ما اعترض به على هذه الصيغة.

- الصيغة الثانية، و هي: الصيغة التي حقّقناها نحن في تفسير هذا الوجوب في الفرض الثاني‏

، و خلاصته هي: إنّ الوجوب الكفائي عبارة عن وجوبات متعددة بعدد أفراد المكلّفين، و مطلقة و غير مشروطة، و لكن متعلق الوجوب الذي هو الواجب، ليس هو تغسيل من كل مكلّف بالخصوص، بل هو جامع الفعل القابل للانطباق على تغسيل زيد أو عمرو من المكلّفين، فزيد يجب عليه أن يغسّل هذا الميّت، أي: يكون مغسّلا، و كذلك عمرو يجب عليه كما وجب على زيد، إذن فالواجب هو حصول الفعل خارجا، و هذا معناه، جعل الوجوب الكفائي و صدوره خارجا في عهدة كل مكلّف.

و قد عرفت في بحث التعبّدي و التوصّلي، أنّه يعقل تعلّق التكليف بالجامع بين فعل زيد و فعل غيره، و إن كان زيد لا يقدر على فعل غيره، لأنّ الجامع بين المقدور و غير المقدور مقدور.

و هذا التفسير في الصياغة الثانية، يفي بالخصائص الثلاثة للوجوب الغيري.

أما الخصيصة الأولى: فإنّ الجميع لو تركوا تغسيل الميت، إذن فقد عصى كل واحد منهم الخطاب الموجه إليه، لأنّ الخطاب جعل وجوب التغسيل على عهدة كل واحد منهم، و حيث أنّ كل واحد منهم كان له وجوب فعلي مطلق، و من لم يمتثله يكون عاصيا.

و أما الخصيصة الثانية و هي: أنّه لو قام بالفعل أحد المكلّفين، سقط الوجوب عن الباقين، لتحقّق الامتثال و الغرض، إذ إنّ الواجب عليهم تحصيل جامع الفعل في الخارج و هو كون الميت مغسّلا، و هذا الجامع قد حصل، فترتفع العهدة عن الآخرين.

و أمّا الخصيصة الثالثة، و هي: إنّه لو قام الجميع دفعة واحدة بهذا

260

الواجب و حققوه في الخارج، كان فعل الكل امتثالا واحدا، و يثاب الجميع على ذلك، لأنّ الجامع الواجب قد تحقق بفعلهم جميعا، و يكون فعلهم هذا نظير من وجب عليه تعيينا عتق رقبة فأعتق رقبتين دفعة واحدة.

و بهذا تكون هذه الصيغة الثانية واضحة الصحة، لكونها مستوفية لكلّ خصائص الوجوب الكفائي.

[الاعتراض على الصيغة الأولى من الفرض الأول‏]

و لكن قد اعترض على الصيغة الأولى من الفرض الأول باعتراضين:

1- الاعتراض الأول‏

، هو: إنّ الملاك الذي من أجله جعل هذا الوجوب الكفائي على عهدة أحد المكلّفين، إن أفترض أنه ملاك واحد، فمعنى هذا أنّه يناسبه وحدة الوجوب و الخطاب أيضا، و معنى هذا أنّه لا موجب لتعدّده.

و إن افترض أنّ هذا الملاك متعدد، بمعنى أنّ فعل كل مكلّف مترتّب على ملاك خاص به، مناف مع ملاك فعل المكلف الآخر، و لذلك لا يؤمر المكلّف بالفعل على كل تقدير، بل يؤمر بالفعل مشروطا بترك المكلّف الآخر له، احترازا من التنافي بين الملاكات، إن افترض التعدّد في الملاك هذا، فالتنافي بين هذه الملاكات إنّما يتعقّل إذا كان الواجب الكفائي سنخ أمر قابل للتكثّر، كصلاة الميت، و أمّا إذا كان الواجب الكفائي سنخ أمر واحد لا يقتضي التكثّر، من قبيل دفن الميّت، حينئذ لا معنى لتعدد الملاكات.

و جوابه هو: إنّنا نختار أنّ الملاكات متعددة ثبوتا، و يمكن تصوير التعدّد حتى إذا لم يكن الواجب الكفائي قابلا للتكثّر، كما في حالة الدّفن، إذ إنّ الفعل الصادر من «زيد» غير الفعل الصادر من «عمرو». فالصادر من «عمرو» له ملاك، و الصادر من «زيد» له ملاك آخر غيره.

غاية الأمر أنّ الدفن كنتيجة، «أي: على نحو اسم المعنى المصدري»، غير متعدّد، لكن هو من حيث حيثيّة الصدور، فهو مركز ملاك‏

261

مستقل، فكما تعقل هذه الفرضيّة في صلاة الميت، تعقل هنا (1).

2- الاعتراض الثاني‏

، هو: إننا إذا التزمنا بالوجوبين المشروطين بهذا النحو، بحيث أنّه إذا قام بالفعل «الواجب الكفائي» أكثر من مكلّف واحد، فإنه يلزم من ذلك، أن لا يكون قد وقع امتثال أصلا، لأنّ كل واحد، إنّما ثبت الوجوب في حقه بشرط ترك المكلّف الآخر له، و المفروض، أنّ مكلّفين أو ثلاثة قد قاموا أو قاما بالفعل. إذن فلا وجوب على واحد منهم، و معنى هذا، عدم تحقق الامتثال فيبقى الأمر في ذمة المكلّفين بدون امتثال.

و لا يمكن التخلّص من هذا الاعتراض كما تخلصنا في الوجوب التخييري، حيث تصورنا في الوجوب التخييري عدلا ثالثا، و هو المجموع من الفعلين، إذ قلنا هناك: إنّ الوجوب التخييري متقوم بثلاثة بدائل فيكون مرجع وجوب أحد البدائل الثلاثة إلى وجوبات تخييرية ثلاثة هي: هذا البدل، و هذا البدل، و مجموع البدلين، فهنا إنما تعقّل هذا في مجموع فعلين صدرا من مكلّف واحد.

و لكن هنا في الوجوب الكفائي، لا يعقل، لأنّ كل فعل صدر من مكلّف غير المكلّف الذي صدر منه الفعل الآخر، إذ لا شي‏ء وراء زيد و عمرو، كي يكون الواجب على المجموع المركب من زيد و عمرو و ذاك الشي‏ء، فهذا الاعتراض باق.

و كذلك لا يمكن التخلّص من هذا الاعتراض، بما لو افترض أنّ الشرط، هو عدم إتيان المكلّف الآخر بالفعل قبله فإذا أتى به المكلّف الآخر مقارنا لا يكون مسقطا.

فإنّ معنى هذا، إنّه في آخر الوقت يجب على كل المكلّفين الإتيان بالفعل، لكن بحيث أنّه لو علم بأنّ المكلّف الآخر يأتي به في هذا الوقت،

____________

(1) و لعلّه بسبب التنافي و التدافع بين وجودات هذه الملاكات المتعددة، كان الوجوب مشروطا (المقرر).

262

إذن لا يكون ذلك مسقطا، و هو خلف خصائص الوجوب الكفائي كما عرفتها.

و كذلك لا يمكن التخلّص من هذا الاعتراض بافتراض أنّ الشرط هو عدم إتيان المكلّف الآخر بالفعل وحده، بحيث أنّه في صورة إتيانهما معا يكون شرط الوجوب فعليا.

فإنّ معنى هذا: إنّ إطلاق الوجوب شامل لصورة ما إذا كان المكلّف الآخر قد جاء بالواجب، و لكن لا مطلقا، بل على تقدير أن يأتي المكلّف الأول به أيضا، كي لا يكون وحده.

و هذا الإطلاق كما ترى فإنه يؤدي إلى تحصيل للحاصل، إذن فهذا الاعتراض يبقى مسجّلا.

- الصيغة الثالثة: من صيغ الفرض الأول، هي: أن نتصور ما تصوّره المحقق الأصفهاني (قده) (1) في الواجب التخييريّ‏

، و نطبّقه على المقام، حيث كان تصوره هناك يفترض، أنّ صدور الفعل له مبرزان: كونه مطلوبا للمولى أولا، و مطلوبا صدوره من كل المكلّفين ثانيا، إلّا أنّه باعتبار أنّ مصلحة التسهيل و الإرفاق تقتضي عدم إلزام كل المكلّفين بالقيام بالفعل، فيرخص المولى لكل واحد منهم بترك الفعل مشروطا بامتثال الآخر لطلبه هذا و هكذا الآخر، يرخّصه المولى بالتّرك، إذا امتثل الآخر مطلوبه.

أو فقل: إنّه يفترض أنّ الفعل واجب على كل المكلّفين، لكن هناك ترخيص في التّرك لكل واحد منهم مشروط بفعل الآخر، مراعاة لمصلحة التسهيل و الأرفاق.

و قد تقدم إنّه بناء على مذهب المحقق النائيني (قده) في الوجوب و الاستحباب، من أنهما عقليّان بلحاظ ورود الترخيص تارة، و عدم وروده‏

____________

(1) نهاية الدراية الأصفهاني: ج 2 من المجلد الأول ص 68- 69- 75.

263

أخرى، فينتزع العقل الوجوب و الإلزام أو عدمه، و من أنّ المجعول من قبل الشارع إنّما هو الطلب فقط.

بناء على مذهب المحقق النائيني (قده) هذا، تكون هذه الفرضيّة الأولى في تفسير الوجوب الكفائي، معقولة و مستوفية لكل خصائصه المتقدمة، و ذلك، إذا افترضنا أنّ غاية ما يترقب صدوره من المولى هو صدور الطلب، و قد صدر، غايته أنّه باعتبار مصلحة التسهيل و الإرفاق، رخّص لكل من المكلّفين في مخالفة الطلب، ترخيصا مشروطا بعدم ترك الآخر، و هذا وسط بين الاستحباب و الوجوب العيني.

إذن فالوجوب الكفائي وسط، فيطلب من كلا المكلّفين، و يرخّص لكل منهما على تقدير عدم ترك الآخر.

و حينئذ، إذا أتى المكلّف بهذا الفعل، فقد امتثل، فإذا فرض أنّ أحدهما فقط قام بالواجب، فقد امتثل أيضا، إذ إنّ الآخر مرخّص له بالترك، و إذا لم يأت أحد منهما بالواجب أصلا، فيعاقبان، لأنّ كلا منهما كان الواجب مطلوبا منه، غايته أنّه مشروط بعدم إتيان الآخر به، و المفروض أنّ الآخر لم يأت به، و الأول لم يأت به، إذن فقد عصيا معا.

أو فقل: إنّ هذه الصيغة وافية بجميع خصائص الوجوب الكفائي المتقدمة، إذ لو جاء أحد المكلّفين بالواجب، أمكن للآخر تركه، لأنّه مرخّص له بالترك في حال مجي‏ء الآخر به، و إلّا فلو عصيا معا، و لم يأتيا معا بالفعل، فيعاقبان معا، لأنّ الطلب فعليّ في حقهما، و إن قاما كلاهما بالفعل، كانا ممتثلين للطلب، و إن كان أحدهما يصح له ترك الفعل عند قيام الآخر به.

بل بناء على هذا، يمكن الاستغناء في الكفائي و في الواجب التخييري عن افتراض مصلحة ثالثة للترخيص هي مصلحة التسهيل و الإرفاق، على أنها ملاك برأسه يزاحم كلا الطلبين.

264

بل نفترض أنّ كلا الطلبين التخييري و الكفائي ناشئ من ملاك موجود فيه، و ليس إلزاميا، و إن كان قريبا منه.

غايته أنّ تجمّع التفويتات قد تستبطن الاستهانة و الاستخفاف بالمولى، مما يوجب أذيّته، فلا يرخص بترك أحدهما، إلّا مشروطا بفعل الآخر.

و أمّا بناء على المسلك الصحيح و المشهور، من أنّ الوجوب و الاستحباب مجعولان للشارع، فإنّ الطلبين المجعولين على المكلّفين بعد فرض كونهما وجوديّين، فلا محالة يقع تناقض بين كونهما مطلقين لعدد المكلّفين، إذن فلا يجوز الترخيص فيهما و بين الترخيص لبعضهم مشروطا إذن فلا يجوز الترخيص فيهما. إذن فلا بدّ من تضييق دائرة الوجوبات، حيث يرجع إلى الصيغة الأولى.

أو فقل: إنّه بعد فرض كون الطلبين المجعولين على المكلّفين وجوديّين، فإن كانا مطلقين، فلا يعقل الترخيص فيهما، و إن كانا مقيّدين و مشروطين، فكذلك لا يعقل الترخيص فيهما، إذن فيرجع إلى الصيغة الأولى.

- الصيغة الرابعة، هي: أن يكون مرجع الوجوب الكفائي إلى المنع عن بعض أنحاء العدم‏

، فالمولى يمنع كل مكلّف عن بعض أنحاء العدم الجمعيّ، أي: إنّه يمنعه أن يترك، منضما في تركه إلى ترك الآخرين، لا مطلق الترك، فهنا أحكام ليس مرجعها إلى الأمر و النهي، بل مرجعها إلى بعض حصص العدم.

و هذه صياغة تشريعيّة معقولة لإيجاب الفعل، يعني: لو افترض ملاكات متعددة مزاحمة لمصلحة التسهيل و الإرفاق، أو إنها فيها قصور ذاتي، فإنّه- بناء على مسلك المشهور، من كون الوجوب و الإلزام مجعولا مولويّا- حينئذ يصوغ المولى تشريعه بهذا النحو بحيث لا يرد عليه، أنّه إن كانا مطلقين يلزم عدم الترخيص فيهما، و إن كانا مقيّدين مشروطين فلا

265

يجوز الترخيص فيهما أيضا، بل المولى هنا يمنع عن الترك المنضم إلى ترك الآخرين، و بذلك يحصل على مطلبه، مع استيفاء كل خصوصيات الواجب الكفائي، فإن فرض أن ترك أحدهما دون الآخر إذن فلا عقاب لأحدهما، و لو فرض أن قاما معا أو أكثر من واحد بالفعل، فلا عقاب كذلك بل يكون كل واحد منهم قد حقق الملاك و تجنب الحرام، و إن فرض أنهما تركاه معا، فيعاقبان، لأنّ كلّا منهما أتى بترك منضم إلى ترك الآخر.

و هذا الإيجاب على الجميع بهذا النحو، قد يعبّر عنه بصيغة الوجوب الكفائي، و هو أحد الأساليب العرفيّة.

و بهذا يثبت أنّ الفرض الأول معقول، و يدخل في نطاقه عدة صيغ معقولة ثبوتا.

و في مقام فحصنا للفرض الثاني الذي كان يفسّر الوجوب الكفائي بأنه وجوب و تكليف لعموم المكلّفين، بنحو العموم المجموعي، بحيث يكون العموم موضوعا واحدا لخطاب الوجوب الكفائي، يتراءى لنا فيه احتمالان:

1- الاحتمال الأول، هو: أن يكون المقصود منه مقايسة الوجوب الكفائي بمثل خطاب: «أيّها العشرة دحرجوا هذا الحجر»، حيث يقال، هنا أيضا، يقال في الوجوب الكفائي: «أيّها العشرة ادفنوا الميت». فيتوجه الخطاب إلى مجموع المكلّفين.

أو فقل: إنّه كما يكلف مجموع العشرة برفع الحجر، كذلك في الوجوب الكفائي، يكلف العشرة بدفن الميّت.

إن كان هذا المعنى هو المقصود، فيرد عليه أولا:

إنّه من الواضح أنّ خطاب «أيّها العشرة دحرجوا الحجر»، ليس خطابا واحدا متعلقا بالمجموع، بل هو تحريكات متعددة بعدد الأفراد، بنحو العموم الاستغراقي، فمتعلّق التكليف هو تعدد الطاقة، و إيقاع الفعل من‏

266

العشرة ينتج الدحرجة. و ليس هذا من قبيل العام المجموعي في شي‏ء، غايته أنّه يعبّر عنه بهذا اللسان.

و بناء عليه، يصبح من الواضح، أنّه لا يمكن تفسير الوجوب الكفائي و تنظيره، بمثل خطاب «أيّها العشرة دحرجوا الحجر»، لأنّ الوجوب الكفائي لا يعقل صدوره من الجميع، بحيث يكون لكل واحد حصة في هذا الواجب حتى لو تعقّلنا توجه التكليف إلى الجميع، إذ فرق بين رفع الحجر، و بين الصلاة على الميّت، فإنّ الصلاة على الميّت عمل فرد واحد لا يساهم غيره فيها فضلا عن كون صلاة كل مكلف عليه غير صلاة الآخر عليه، بينما رفع الحجر أو دحرجته، تساهم طاقات متعددة فيها كي تكون دحرجة.

و يرد عليه ثانيا: إنّه لو فرض إمكان اشتراك الجميع في الوجوب الكفائي، فمع هذا إذا قام به واحد سقط عن الجميع، و لا يشترط أن يأتي به الجميع، و هذا لا ينسجم مع خصائص الوجوب الكفائي، حيث يسقط التكليف عن الجميع إذا قام بالفعل واحد.

و من هنا يتبيّن أنّ الوجوب الكفائي- بناء على هذا التنظير برفع الحجر- يرجع إلى وجوبات عديدة بالنسبة لكل مكلّف، و يكون متعلق التكليف فيه هو المشاركة في رفع الحجر، و ليس رفع الحجر، و لذلك يكون هناك امتثالات عديدة، و عصيانات عديدة أيضا.

و الخلاصة هي: إنّ تنظير الواجب الكفائي، برفع الحجر أو دحرجته من قبل عشرة مكلّفين معا قياس مع الفارق، و بالتالي فهو غير صحيح.

2- الاحتمال الثاني، هو: أن يكون المراد من مجموع المكلّفين كأنهم مكلّف واحد، بحيث تكون هذه الوحدة منشأ لوحدة اعتباريّة، و يكون المكلّف جزءا من هذا المركّب الاعتباري، فكما أنّ السجود، و الركوع، و القيام، و الجلوس، تشكل وحدة اعتبارية تكون منشأ للصلاة، بينما كل واحد من هذه المفردات جزء من الواجب، فكذلك في المقام، فإنّ هذا المكلّف الكبير المركّب من عشرة مكلّفين، هو المكلّف بالواجب الكفائي،

267

حينئذ فلو أنّ جزء هذا المكلّف الكبير الذي هو أحد المكلّفين، قام بالفعل و امتثل، لحصل الامتثال و سقط الواجب عن هذا المركب الاعتباري، و هذا كما لو كان زيد هو المكلّف برفع الحجر فرفعه برجله، أو يده اليمنى فقط، فحينئذ لا يرد على هذا الاحتمال الإيرادان السابقان، لأنّ ما يصدر من الكلّ يصدر من الجزء.

و الخلاصة هي: إنّه إن كان المراد من مجموع المكلّفين في هذا الاحتمال كونهم مكلفا واحدا بالوحدة الاعتبارية، بحيث يكون منه امتثال واحد، و عصيان واحد، فلو أنّ واحدا من هذا المجموع، قام بالفعل، فكأنّ هذا الفعل قد صدر من المجموع، نظير المكلّف الذي قد يدحرج الحجر بيده فقط، أو برجله فقط، و مع هذا يكون ممتثلا، فكذلك في الواجب الكفائي، عند ما يكون المراد منه جعل التكليف على مجموع المكلّفين.

و لكن هذا الاحتمال غير صحيح في نفسه، لأنّ التركيب الاعتباري، إن كان يصحّ في متعلّق التكليف، أي: المكلّف به، كما في تعلّق التكليف بمجموع أجزاء الصلاة المركّب الاعتباري من السجود، و الركوع، و القيام، و الجلوس، حيث أنّ المطلوب إيجاد هذه المفردات و إيجاد المركب فيما إذا كان يمكن انقداح الدّاعي نحو هذا المركب، قلت: إن كان يصحّ تعلّق التكليف في طرف متعلّقه، فإنّه لا يصح تعلّقه بالمركب الاعتباري من مجموع المكلّفين، لأنّ المركب الواحد الاعتباري من اثنين أو ثلاثة من المكلّفين ليس مكلّفا واحدا حقيقة، بحيث يمكن زجره، أو مثوبته، أو عقوبته، أو إشغال ذمته بالتكليف لعدم إمكان قدح الداعي في نفس هذا المركب الواحد الاعتباري من مجموع مكلّفين، و إنّما المكلّف حقيقة إنما هو كل فرد فرد من هذا المركّب.

و عليه فلا يعقل تصور امتثال واحد، أو عصيان واحد لهذا المجموع المركب، إذن فهذا الاحتمال ساقط، و بالتالي فهذا الفرض ساقط أيضا.

و في مقام فحصنا للفرض الثالث الذي كان يفسر الوجوب الكفائي‏

268

بكونه وجوبا متعلقا بالمكلّفين عامة على سبيل العموم البدلي، أي:

بأحدهم، مقايسة بالعموم البدلي في طرف المتعلقات، فكما يقال، «أكرم عالما»، فيجزي إكرام أحد العلماء، كذلك هنا حينما يجب الدفن على المكلّفين، فإنّه يكفي أن يقوم أحدهم به.

و تحقيق الحال فيه، هو: إنّ العموم البدلي في طرف متعلقات الأمر، يتصوّر على نحوين:

فإمّا أن تكون طبيعة العموم المتعلقة للأمر، مقيّدة بقيد الأوّليّة، كما لو كان «عالم»- في قولنا، «أكرم عالما»- مقيّدا بالأوليّة، كما لو قال:

«أكرم أوّل عالم تشاهده».

و النحو الثاني هو: أن تكون طبيعة العموم المتعلقة للأمر مقيّدة بقيد الوحدة، كما لو قال، «أكرم عالما واحدا» حيث لا يجب إكرام اثنين.

و أمّا إذا لم يؤخذ قيد من قبيل الأوليّة أو الوحدة، فسوف تكون طبيعة متعلق الأمر، استغراقية، كما هو الحال في «أكرم العالم».

و في محل الكلام، عندنا وجوب كفائي معلّق على المكلّف، فإن لم يؤخذ فيه قيد زائد على طبيعته، فيكون بحسب طبيعته استغراقيا، لا محالة، فينحلّ الحكم فيه إلى أحكام عديدة بعدد أفراد الموضوع.

و حينئذ إذا أريد من هذا العموم البدليّة، فلا بدّ من تقييده بعناية مخصوصة كي يخرج عن طبيعته الاستغراقيّة.

و حينئذ نقول: إن كانت هذه العناية هي قيد «الأوليّة» و أنّ التكليف متعلّق بأوّل المكلّفين، فهذا واضح الفساد، و لا معنى معقولا له، لأنّه على خلاف خصائص الوجوب الكفائي، إذ فيه لا يفرّق بين المكلّف الأوّل، و الآخر، بل هما فيه سواء.

و إن كانت هذه العناية هي قيد «الوحدة»، أي: إنّ متعلّق الوجوب هو المكلّف، بقيد «الوحدة»، بمعنى أنّ المكلّف «أحدهم»، نظير الوجوب‏

269

التخييريّ الذي هو وجوب لأحد الفعلين على بعض المباني، و عليه يتعين أن يكون العموم بدليا لا محالة، و كذلك هي حقيقة الوجوب الكفائي.

فإنّ هذا غير تام أيضا، و إن كان يتم في طرف متعلق الوجوب التخييريّ.

و وجه الفرق، هو: إنّ الوجوب الكفائي المجعول على عنوان «أحد المكلّفين» يختلف عن الوجوب التخييريّ، إذ إنّ إرجاع الوجوب التخييريّ إلى وجوب لأحد الفعلين معقول، لأنّ المطلوب في طرف متعلقه، أي: من المكلّف، إنّما هو إيجاد الفعل خارجا، بسبب جعل التكليف بأحد الفعلين داعيا نحوه، و قدح الدّاعي نحو أحد الفعلين أو الأفعال معقول، إذ يمكن إيجاد الفعل خارجا، و به يتم المطلوب.

و أمّا في جانب المكلّف، و جعل أحد الإنسانين موضوعا للوجوب، فهو غير معقول، لأنّ الغرض من هذا الوجوب و التكليف، هو إشغال ذمته بالتكليف، بنحو يتحرك المكلف في الخارج نحو الامتثال.

و من الواضح أنّ هذا الإشغال يتعلّق بنفس ما تعلّق به الوجوب، و هو أحد المكلّفين.

و حينئذ إن أريد بتكليف أحد المكلّفين تشغيل ذمة و عهدة هذا العنوان الاعتباري، دون أن تسري إلى الخارج، لأنّ كل مكلف في الخارج سوف يتبرأ من هذا العنوان بحجة أنّه واقع أحد المكلّفين و ليس عنوان أحد المكلفين.

إذا كان المراد من تكليف أحد المكلّفين هذا، فهو لغو، إذ ليس لهذا العنوان ذمة كي تنشغل بالتكليف.

و لو فرض أنّ هذا العنوان سرى إلى المعنون، فأشغلت ذمة كل فرد من أفراد الخارجيين، باعتبارهم مصاديق لهذا العنوان، فهذا غير معقول أيضا، لأنّه خلاف وحدة التكليف.

270

و إن فرضت سراية هذا العنوان إلى أحد مصاديقه المعنونين بعينه، فهو غير معقول أيضا، لأنّه ترجيح بلا مرجح.

و إن فرضت سراية هذا العنوان إلى أحد مصاديقه المعنونين لا بعينه، فأريد تشغيل ذمة أحدهم المردّد، فهو مستحيل أيضا، لاستحالة وجود الفرد المردّد، فلا يعقل إذن تشغيل ذمته.

إذن فهذا الفرض غير تام، و يبقى الإشكال مسجلا عليه.

نعم يمكن أن يقال: بأنّ التكليف من قبل المولى، و جعل الفعل في عهدة العنوان، يستوجب من العقل، أن يحكم على كل واحد من المكلّفين- باعتباره قابلا لانطباق العنوان عليه- بلزوم التحرك، و حفظ غرض المولى بمرتبة «ما»، بحيث لا يجوز لهم الترك المطلق للواجب.

و هذه الدّعوى إن صحّت، فيجب تصوير صيغة أخرى للوجوب الكفائي، و لو على مستوى حكم العقل، و حينئذ لا بدّ من القول: إنّ العقل يحكم بلزوم الفعل على هذا المكلّف بالخصوص، و ذاك بالخصوص، مع إعمال عناية في طرف اللزوم، أو المكلف، أو غيرهما.

و هذا رجوع إلى بعض الوجوه المتقدمة في تفسير الواجب الكفائي، لتشخيص من تشتغل عهدته بالتكليف، و معنى هذا عدم تماميّة هذا الفرض.

4- و أما الفرض الرابع. الذي كان يصور الواجب الكفائي بأنّه عبارة عن طلب مولوي و إيجاب للفعل من دون إضافته إلى مكلّف أصلا، و إنّما له متعلّق و هو دفن الميّت. غاية الأمر أنّه حيث كان الطلب من قبل المولى، و حاجة من حاجاته، فيجب على عبيده، بمقتضى عبوديتهم له، تحقيق حاجته و إيجادها.

و هذا الافتراض معقول على مستوى مبادئ الحكم، أي: عالم الحب و البغض، إذ من المعقول أن يتعلق الحب و الشوق بأمر في نفسه، بقطع النظر عن صدوره من أيّ إنسان. و لكن هذا الافتراض غير معقول على‏

271

مستوى عالم الجعل و الباعثيّة و إشغال العهدة. إذ هنا عالمان:

1- عالم الحب و البغض المسمّى بعالم مبادئ الوجوب: في هذا العالم لا بأس بأن يكون غرض المولى متمثلا في حبّه دفن الميّت، من دون أن ينظر إلى المكلّفين. فلو أنّ غرابا وارى هذا الميت لحصل المحبوب، لأنّه غير مشروط بدفن الإنسان له، مضافا إلى أنّ المصلحة قائمة بذات الدفن دون أن يكون لصدور الدفن من مكلف دخل في المصلحة، حيث لا يلزم أن يكون هناك من يجب عليه هذا الفعل، و إن كان الحب من الصفات الإضافية التي تحتاج إلى متعلق «يحب». فهو مضايف مع المحبوب، إذن فعدم وجود موضوع للوجوب الكفائي بحسب عالم الحب، أمر معقول.

2- عالم الخطاب و الباعثيّة و التحريك: فالأمر غير معقول، لأنّ الباعثية مضايفة للمبعوث، لا للمبعوث عنه، إذ لا يتصور باعث بلا مبعوث، و لو كان هناك مبعوث نحوه، و كذلك إشغال العهدة فإنّه بغير ذي عهدة، أمر غير معقول إذ لا بدّ من فرض ذي عهدة لكي تشتغل بذلك عهدته، فاشتغال العهدة مضايف مع من تشتغل عهدته. إذن فلا يعقل في هذا العالم افتراض باعثيّة و تحريك من دون طرف هو المكلّف.

و من هنا كان فرض الوجوب الكفائي بلا موضوع على مستوى الجعل و الخطاب، غير معقول. بل حتى لو تنازلنا عن ذلك فافترضنا- في أحسن الحالات- أنّ تعلّق التكليف بالفعل بلا مكلّف، أمر معقول، فكما قلنا في عالم الحب و مبادئ الحكم: إنّ هذا يكفي في إشغال العهدة بحكم العقل، كذلك نقول هنا في عالم الخطاب و التحريك. أقول: حتى لو قلنا بذلك، فإنّنا نحتاج إلى الرجوع إلى بعض التفاسير التي تقدمت في تفسير الوجوب الكفائي و كيفية اشتغال العهدة بشكل يتناسب مع خصائص الوجوب الكفائي التي ذكرناها. و عليه، فهذا الفرض غير تام، بعد أن عرفت الصحيح منه.

272

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

273

الواجب الموسّع، و المضيّق، و الموقت،

قسّموا الواجب إلى: مؤقت و غير مؤقت، و قسّموا المؤقت: إلى موسّع و مضيّق:

فالواجب المؤقت: هو الواجب الذي اشترط فيه، أداؤه في وقت معيّن.

و الواجب غير المؤقت: هو الذي لم يشترط في أدائه وقت دون وقت.

و الواجب الموسّع: هو ما كان وقته أوسع من فرض الإتيان به بحيث يكون له أفراد طوليّة، و الواجب هو الجامع بين هذه الأفراد الطوليّة.

و الواجب المضيّق، هو ما ليس له إمكان فردين طوليّين، أو قل: هو الذي حدّد وقته بمقداره كما يأتي بيانه.

و قد تعرّض هذا التقسيم لبعض الشّبهات، و حيث أنّها شبهات لا تستحق التوقف عندها، نتجاوزها كي ندخل في بحث ما هو المهم:

و المهم في بحثنا هو: مسألة، ما إذا لم يمتثل الواجب المؤقت في وقته، فهل يمكن إثبات وجوب امتثاله خارج الوقت، بنفس دليل وجوبه، أم إنّنا نحتاج إلى دليل آخر جديد؟ و هذا هو البحث المعروف، بمسألة تبعيّة القضاء للأداء.

فمن قال: بأنّه يمكن إثبات وجوب امتثال الفعل خارج الوقت بنفس‏

274

دليله الأول، فهو إذن لا يحتاج إلى دليل خاص على القضاء، بل يكون ذلك مقتضى القاعدة.

و من قال: بعدم إثبات وجوب امتثاله خارج الوقت بنفس دليله الأول، إذن فهو يحتاج لإثبات القضاء، إلى دليل خاص.

و تحقيق الكلام في ذلك، يقع في جهتين:

الجهة الأولى: نبحث فيها، عن الأنحاء المتصوّرة ثبوتا في دليل التوقيت، و مدى علاقة كل نحو بتبعيّة القضاء و عدمه.

الجهة الثانية: نبحث فيها عما هو الممكن من هذه الأنحاء إثباتا و وقوعا في الخارج.

و الأنحاء المعقولة ثبوتا في دليل التوقيت في الجهة الأولى، عديدة:

1- النحو الأول، هو: أن يكون دليل التوقيت لا بلسان التقييد، بل بلسان جعل وجوب جديد، و هذا الوجوب الجديد، تارة يجعل على التقييد فيكون القيد واجبا نفسيا، و أخرى يكون دليل التوقيت مقيدا لإثبات الوجوب على المقيّد لا على التقييد، بحيث يكون هناك أمر بالجامع بالدليل الأول، و بعده أمر بالحصة الخاصة ثابت بالدليل الثاني إذن ففي هذه الصورة يكون دليل التوقيت أجنبيّا عن التقييد، بل مفاده جعل الأمر المستقل، إمّا على التقييد، و إمّا على المقيّد.

و في مثل ذلك، لا إشكال بإمكان الالتزام بالوجوب في خارج الوقت بنفس الدليل الأول، لأنّ الثاني إذا لم يمتثل، فلا موجب لسقوط الأول.

و إن شئت قلت: إذا دلّ دليل على وجوب فعل مطلقا، ثم جاء دليل ثان يدل على وجوب آخر مستقل متعلّق، إمّا بتقييد نفس الواجب الأول بوقت خاص، و إمّا متعلق بالحصة الخاصة من ذلك الجامع، أي: الواقع منه في ذلك الوقت المعيّن، كما بنينا في بحث الإجزاء على معقوليّة تعدّد الأمر، حيث يتعلّق أحدهما بالجامع، و يتعلق الآخر بحصة منه.

275

و حينئذ بناء على ذلك، لا إشكال في وجوب الإتيان بالفعل خارج الوقت، بنفس الدليل و الخطاب الأول، لأنّ غاية ما يقتضيه فوات الوقت، هو فوات التكليف الثاني، بينما يبقى التكليف الأول المتعلق بذات الفعل على حاله.

2- النحو الثاني، هو: أن يكون دليل التوقيت لسانه لسان تقييد الوجوب المستفاد من الدليل الأول، إلّا أنّه تقييد لبعض مراتب هذا الوجوب، فكأنّ الوجوب المستفاد من الدليل الأول له مراتب، فالمرتبة الشديدة تقيّد بالوقت، بلسان الدليل الثاني، و أمّا المرتبة الضعيفة من الوجوب، فهي متعلّقة بطبيعي الوجوب، و هذا هو معنى أنّ دليل التوقيت يكون تقييدا لبعض مراتب الوجوب.

فلو أمكن هذا الفرض، تعيّن أيضا ثبوت القضاء بالدليل الأول، لأنّه يكون عندنا من أول الأمر وجوبان: وجوب ضعيف متعلق بالجامع، و وجوب شديد متعلق بالحصة، غايته أنّ الضعيف استفيد من الأول، و الشديد استفيد من الثاني.

و الفرق بين هذه الصورة، و الصورة الأولى، هو: إنّه في الصورة الأولى، استفيد وجوب الجامع من الدليل الأول، و وجوب الحصة، استفيد من الدليل الثاني.

و أمّا في هذا النحو، فالوجوبان مستفادان من الدليل الأول، و وظيفة الدليل الثاني في هذا النحو هي أن تقيّد ما هو معروض بعض مراتب الوجوب التي استفيدت من الدليل الأول فقط، و ليست وظيفة الدليل الثاني إنشاء الوجوب.

و الخلاصة، هي: إنّ دليل التوقيت في هذا النحو، لم يرد بلسان الأمر بالتقييد أو بالمقيّد، بل ورد بلسان تقييد الأمر في الدليل الأول الدّال على أصل الواجب. إلّا أنّه لا يقيّد أصل الوجوب فيه، و إنّما يقيّد المرتبة الشديدة من ذلك الوجوب، مع بقاء أصل الوجوب غير مقيّد بالوقت.

276

و هذا يعني، إنّ هناك وجوبان في داخل الوقت- و لو بنحو التأكيد- ثابتان بنفس الدليل الأول.

و بهذا يفترق هذا النحو عن سابقه، و يكون أحدهما مقيدا دون الآخر.

و لا إشكال في هذا النحو أيضا، من حيث بقاء الأمر بذات الفعل خارج الوقت، بنفس دليل الواجب.

3- النحو الثالث، هو: ان يفرض أنّ دليل التوقيت، لسانه التقييد بلحاظ تمام المراتب و لو لم توجد مراتب، و لكن هذا التقييد ليس تقييدا مطلقا ثابتا، بل هو تقييد، ما دام يمكن ذلك، إذن لا يكون مطلقا حتى لحال العجز و التمكن، بل هو تقييد ما دام يمكنه، من قبيل القيود غير الركنيّة في الصلاة، كالقيام حال التمكن، و إلّا فيسقط، أي: إن لم يمكنه القيام، فقيديّة القيام ترتفع، و إلّا لو بقيت حتى مع عدم التمكن، لارتفع وجوب الصلاة لا محالة.

فهنا دليل التوقيت مفاده القيديّة للواجب بتمام مراتبه، لكن القيدية ليست مطلقة، بل ما دام في الوقت، و حينئذ فلو لم يأت في الوقت، فيرتفع التقييد.

و نتيجة ذلك: إنّ هذا المكلف، حدوثا، مأمور بأمر واحد و هو الصلاة في الوقت و هذا الأمر يسقط بالعصيان و ذهاب الوقت، و يحدث أمر جديد بالصلاة غير مقيّدة بالوقت، و هذان الأمران متغايران، و حينئذ، يكون الوجوب الثاني أيضا ثابتا بالدليل الأول، لأنّه كان يدل على وجوب الصلاة بلا قيد، و الدليل الثاني قيّد بالوقت ما دام ممكنا، ثم سقط القيد، إذن فيرجع إلى الأول، و هو إطلاق «صلّ»، فيثبت الواجب في خارج الوقت.

و بناء على هذا، يثبت القضاء بنفس الدليل الأول أيضا.

أو فقل: إنه يفرض أن يكون دليل التوقيت- في هذا النحو- مقيدا للأمر الأول بتمام مراتبه، و لكن لا يقيّده مطلقا، بل في فرض إمكان الإتيان‏

277

بالقيد، فكأنّ الوقت فيه قيد غير ركني، و إنما يتقيّد به الواجب مع القدرة عليه، و أمّا مع العجز عنه، فلا تقييد به.

و هذا يعني تعدّد الأمر أيضا، و إنّ هناك أمرا بالمقيّد في حق القادر عليه، و أمرا آخر بذات الفعل في حق من لم يأت بالمقيّد، و هذا مقتضى إطلاق الدليل الأول لحال عدم الإتيان بالفعل المقيّد عند عدم التمكن منه، إذ إنّ دليل التقييد لم يقيّد حالة عدم التمكن.

و معنى هذا، أنّ القضاء يثبت بنفس الدليل الأول.

4- النحو الرابع، هو: أن يكون الدليل الثاني دالا على مقيّديّة الوقت بنحو الركنية في تمام الحالات و تمام المراتب بما فيها حالة التمكن و العجز، فيكون الوقت قيدا ركنيا.

و معنى هذا، إنّه يوجد هنا وجوبا واحدا بالمقيّد، أفيد بمجموع الدليلين، و حينئذ، فمقتضى القاعدة، أن يسقط الأمر بخروج الوقت، و مع سقوطه لا بدّ من أمر و دليل خاص لإثباته.

و الخلاصة، هي: أن يفترض كون دليل التوقيت مقيّدا لدليل الواجب بتمام مراتبه و حالاته، و حينئذ يكون الوقت قيدا ركنيا.

و معنى هذا أنّه يوجد وجوب واحد بالمقيّد، أفيد بمجموع الدليلين، و حينئذ مقتضى القاعدة، أنّه إذا فرض انتهاء الوقت، أن يسقط الأمر الأول، و لا يمكن أن نثبت به القضاء، و مع سقوطه، لا بدّ من أمر جديد و دليل خاص لإثباته.

هذه أربع احتمالات و أنحاء ثبوتية لدليل التوقيت.

و ها نحن الآن، نريد أن نبحث في الجهة الثانية عمّا هو الممكن من هذه الأنحاء إثباتا و وقوعا في الخارج، بحسب ظاهر الدليل، الذي افترض فيه، انفصال دليل التوقيت عن دليل الواجب، حيث نبحث فيه إنّه: هل‏

278

يمكن إثبات الوجوب خارج الوقت بإطلاق دليل الواجب أم أنه لا يمكن ذلك؟.

أما النحو الأول: فمنفيّ أو مفروض العدم على الأقل، لأنّنا نتكلم في مورد، بحيث لو كان القيد فيه غير الزمان، لتعيّن فيه حمل المطلق على المقيّد بنكات نفترضها أصلا موضوعيا، فيكون مورد تحقيقها المطلق و المقيّد، و ذلك كما لو قيل،- بدلا، عن «صلّ في النهار»- «صلّ إلى القبلة»، فإنّه حينئذ يقال- أي: عند ما نفترض الكلام أنّه في مورد لو كان المأمور به غير الزمان- بأنّ العرف لا يرى فرقا بين الزمان و غيره من الخصوصيات، فكما يستظهر التقييد من لسان «صلّ» متطهرا، و لا يرى الأمر الثاني استقلاليا عن الجامع، فكذلك هنا، يستظهر من «صلّ» في النهار، أنّه وارد مورد التقييد و جعل القيديّة للوقت.

فالنحو الأول ساقط من دون فرق، بين أن يكون دليل التوقيت متصلا، أو منفصلا.

و إن شئت قلت: إنّ النحو الأول خارج عمّا افترض من أنّ دليل التوقيت دال على كون الوقت قيدا للواجب، كما هو الحال في جميع التقييدات التي يحمل فيها المطلق على المقيّد، في حين إنّ ما افترض في هذا النحو هو خلاف ذلك، إذ أفترض فيه دلالة دليل التوقيت على وجوب مستقل للواجب المؤقت من دون أن يتعرض إلى الوجوب الثابت للواجب المطلق، إذن فهذا الاحتمال ساقط.

و أمّا النحو الثاني، فهو و إن كان لسان دليل التوقيت فيه لبعض مراتب المطلوبيّة، إلّا أنّه يمكن أن يقرّب إمكان التمسك بالدليل الأول لإثبات وجوب الفعل و لو بعد انتهاء الوقت، حيث يقال:

بأنّ دليل التوقيت إن كان متصلا، فهو يوجب هدم ظهور الدليل الأول في الإطلاق رأسا.

279

و أمّا إذا كان دليل التوقيت منفصلا، فقد يمكن التمسك بالدليل الأول لإثبات وجوب الفعل بعد انتهاء الوقت و ذلك بشرطين:

1- الشرط الأول، هو: أن يكون الدليل الأول- أي: دليل الواجب- مطلقا، حيث كون المولى في مقام البيان، و قد تمّت مقدمات الحكمة و انعقد الإطلاق، لا من قبيل الأدلّة المجملة أو المهملة، أو من قبيل الأدلّة اللّبيّة القاصرة دلالتها على كون الفعل في الوقت، و هو القدر المتيقّن من دلالتها.

2- الشرط الثاني: هو أن يكون دليل التوقيت ليس له نظر إلى تمام مراتب المطلوب في الدليل الأول، بمعنى أن يكون دليل التوقيت دليلا على التوقيت، لكن بنحو القضية المجملة أو المهملة التي لا إطلاق لها، كما لو كان دليلا لفظيا ليس في مقام البيان لأصل المطلب، أو دليلا لبّيا و ليس للّبي إطلاق.

أو فقل الشرط الثاني: هو أن لا يكون لدليل التوقيت إطلاق و ظهور في تقييد الدليل الأول بتمام مراتبه.

و حينئذ إذا تمّ هذا، يمكن أن يخرّج النحو الثاني، حيث يقال: بأنّ الدليل الأوّل يقتضي بإطلاقه، إنّ وجوب الفعل بتمام مراتب الوجوب، ليس منوطا بالوقت، و ليس للوقت دخل في الواجب بتمام مراتبه، و دليل التوقيت باعتباره مجملا أو مهملا، فالقدر المتيقن من دلالته هو كونه دخيلا في المراتب العالية من مدلول الدليل الأول، أي: دليل الوجوب، و حينئذ يتمسّك بالنسبة إلى سائر المراتب، بإطلاق الدليل الأول، و نرفع اليد عن القدر المتيقّن لدليل التوقيت، فيثبت أنّ الوجوب بمرتبة «ما» متعلّق بالفعل على الإطلاق، و هذا الوجوب ثابت حتى بعد خروج الوقت.

أو فقل: إنّ دليل التقييد باعتباره مجملا أو مهملا، فالقدر المتيقّن من دلالته، هو كونه مقيّدا للمرتبة العالية جدا من الوجوب الثابتة بالدليل‏

280

الأول، و ليس مقيّدا لأصل مفاد الدليل الأول، و حينئذ نتمسك بإطلاق الدليل الأول لإثبات أصل الوجوب في خارج الوقت.

و هذا التقريب لا يمكن المساعدة عليه، و ذلك لأنّ دليل التوقيت لا يخلو وضعه من حالتين:

1- الحالة الأولى هي: أن يفرض فيها أنّ دليل التوقيت غير ناظر إلى مفاد دليل الواجب أصلا، بحيث نحتمل أن يكون تقييدا لدليل آخر.

و في مثل ذلك، لا بأس بأن يقال: إنّ الدليل الأول يبقى على إطلاقه، حيث لا تقييد له أصلا، و يكون الواجب الأول مطلقا، بينما يكون دليل التقييد، قيدا لوجوب آخر لا نعلمه، و هذا رجوع إلى النحو الأول الذي عرفت سقوطه.

2- الحالة الثانية، هي: أن يفرض فيها أنّ دليل التوقيت قد انعقد له ظهور عرفي في مفاد الدليل الأول و لو في الجملة فيقيّده.

و في مثل ذلك لا يمكن التمسك بإطلاق الدليل الأول، كي نثبت به أصل الوجوب في خارج الوقت، بلحاظ بعض مراتب الوجوب، كما ادّعي، لأنه و إن فرض فيه الإطلاق إلّا أنّ معنى الإطلاق فيه إنّ الوجوب ثابت على كل حال، و ليس معناه إنّ الوجوب متعدد ذاتا أو مرتبة، إذ إنّ الدليل لو خلّي و نفسه، لا يثبت بلحاظ مدلوله التصديقي إلّا وجوبا واحدا للفعل، دون أن يثبت إنّ له مراتب.

نعم يثبت أنّ الوجوب الواحد لا يختص بزمان دون زمان، و لا بحصة دون حصة.

إذن فلا معنى للقول: إنّ التقييد يثبت بلحاظ بعض المراتب دون بعض، لأنّ هذا فرع أن يثبت مراتب متعددة.

نعم قد توجد عناية خاصة في دليل التوقيت تثبت هذا، لكن ليس هذا مقتضى طبع القضية.

281

و الخلاصة، هي: إنّه في الحالة الثانية، يفترض أنّ دليل التوقيت ناظر إلى مفاد الدليل الأول، فيقيّده، و حينئذ لا يصح التمسك بالدليل الأول كي نثبت به أصل الوجوب في خارج الوقت، و لو بمرتبة أخرى، بناء على معقولية تصوير المراتب في الوجوب بلحاظ المعتبر، رغم كونه غير معقول بلحاظ الاعتبار، كما تقدم، لأنّ مفاد الخطاب ليس إلّا جعل وجوب واحد، و هذا لا يثبت إطلاقا كي نثبته، أو نعمّمه لتمام مراتب الوجوب، كي يقال:

بأنّه يبقى الإطلاق ثابتا و لو لبعضها.

و من أجل هذا لا يستظهر من دليل الإيجاب لو خلّي و نفسه، أنّه واجب بالمرتبة العالية، و إنّما المستظهر منه بلحاظ مدلوله التّصديقي، وجوب واحد للفعل، دون أن يثبت إن له مراتب، بل الذي يثبت له، هو:

إنّ الوجوب الواحد لا يختص بزمان دون زمان، و لا بحصة دون حصة، فالقول إنّ التقييد يثبت بلحاظ بعض المراتب دون بعض، لا معنى له، لأنّ إثبات الإطلاق بلحاظ بعض المراتب، فرع ثبوت مراتب متعدّدة.

هذا و المفروض أنّ دليل التوقيت ناظر و مقيّد لمدلول الدليل الأول الواحد، إذن فلا يبقى للدليل الأول إطلاق كي يتمسك به في خارج الوقت.

و أمّا النحو الثالث: فقد يقرّب بسنخ ما قرّب به النحو الثاني، حيث ذكر السيد الخوئي (قده) (1) إنّه إذا كان لدليل الوجوب، أي الدليل الأول، إطلاق، و لم يكن لدليل التوقيت إطلاق، حينئذ يقال: بأنّ دليل التوقيت يدل على التقييد، إلّا أنّه لا يعلم، هل هو تقييد على وجه الركنيّة بحيث يسقط الوجوب رأسا عند العجز عن القيد، أو إنّه تقييد ما دام القيد ممكنا.

فيقال حينئذ: مقتضى إطلاق الدليل الأول، عدم أخذ قيد الوقت أصلا، و القدر المتيقّن من دليل التوقيت، هو أخذ الوقت قيدا في الدليل‏

____________

(1) محاضرات فياض: ج 4 ص 64- 65- 66- 67.

282

الأول ما دام ممكنا، لا مطلقا فيرفع اليد عن الدليل الأول بهذا المقدار فقط.

و هذا معناه، أنّه يتمسك بإطلاق أصل مفاد الدليل الأول لما بعد الوقت الذي يمثّل حالة عدم التمكن من القيد، من قبيل ما إذا كان دليل التقييد مقيدا للدليل الأول بالنسبة إلى بعض المكلّفين، كما في الأمر بالجهر في غير صلاة الظهرين بالنسبة للرجال في حال التمكن من ذلك خاصة و في حال عدم الغفلة أو العذر، فيبقى إطلاق الدليل الأول، أي: الواجب، تاما بالنسبة إلى سائر الحالات الأخرى، و حينئذ يتمسك بهذا الإطلاق لنفي ما يحتمل من قيود أخرى.

و حينئذ يقال: إنّه كما صحّ في مثل ذلك، التمسك بالإطلاق، كذلك في المقام، فإنّه يصح التمسك بالإطلاق، إذا فرض كون دليل التقييد بالوقت كان منفصلا، و كان القدر المتيقن المستفاد من التقييد بالوقت هو حالة التمكّن، أي: حال كون المكلّف في الوقت لا مطلقا، هذا إذا توفرت الشروط المذكورة التي تقدّمت.

و هذا البيان هو أيضا غير تام ثبوتا.

و توضيحه، هو: إنّه تارة يفرض قيام دليل على وجوب الفعل على عموم المكلّفين، و يكون مقتضى إطلاقه عدم اعتبار الشي‏ء الفلاني قيدا، ثمّ يدل دليل آخر على كون الشي‏ء الفلاني قيدا بالنسبة إلى بعض المكلّفين، من قبيل أن يرد، «صلّ» فإنّ مقتضى إطلاقه أنّه غير مقيّد بالجهر، ثم دلّ دليل آخر على كون الجهر قيدا بالنسبة للرجل، و لا إطلاق له ليشمل المرأة.

حينئذ لا بأس أن يقال: بأنّه هنا يتمسك بإطلاق الدليل الأول لإثبات عدم قيديّة الجهر في حق المرأة، إذ إنّ الدليل ينحل في الحقيقة إلى أحكام متعددة، فيعقل أن يقيّد بعضها دون بعض.

و أمّا إذا فرضنا أنّ الدليل دلّ على اعتبار قيد «ما» في حق كل‏

283

المكلّفين، غاية الأمر أنّه بعد العجز عن ذلك القيد، نشك في أنّ المولى هل رفع يده عن القيد، أو عن المقيّد رأسا؟.

ففي مثل ذلك، لا يجوز التمسّك بإطلاق الدليل الأول، لإثبات كون وجوب الفعل غير مقيّد بذلك القيد، و إلّا لزم من ذلك، أن يكون مدلول خطاب «صلّ»، له وجوبان على مكلّف واحد.

و قد تقدّم و قلنا باستحالته، لأنّ أدلة الوجوب لا يستفاد منها تعدّد الوجوب عرضيا، و إنّما استفدنا منها أنّ الوجوب له سعة، و أنّه غير مخصوص بزمان دون زمان.

و إن شئتم قلتم: إنّه يجب على المكلّف الإتيان بالصلاة في الوقت، ما دام الوقت موجودا، فإذا خرج الوقت، فإنّه تجب عليه الصلاة من دون وقت.

و هنا لكل من الوجوبين جعل مغاير لجعل الآخر، إذ لا يعقل أن يكون الوجوب الثاني هو نفس الوجوب الأول، لأنّ الوجوب الأوّل فيه وجوب ضمني متعلق بالوقت دون الوجوب الثاني، إذن فلا بدّ أن يجعل الوجوب الأول بجعل مستقل مغاير لجعل الوجوب الثاني.

و الخلاصة، هي: أنّ هذين الجعلين لا يستفادان من دليل جعل واحد، و إنّما غاية ما يثبت بإطلاق الدليل الأول، سعة الوجوب، لا تعدد الجعل.

إذن فالمتيقّن و المتعيّن بحسب القاعدة في عالم الإثبات، هو الاحتمال الرابع بعد أن تبرهن عدم إمكان الأنحاء الثلاثة، بحسب ظاهر دليل الواجب، مع دليل التوقيت، عند فقد القرينة على تعدّد الجعل. و بناء على هذا لا يبقى في الدليل الأول ما يقتضي وجوب الفعل بعد خروج الوقت.

نعم يبقى هناك بحث في أنه: هل يمكن إجراء الاستصحاب بعد خروج الوقت، أولا؟ و قد بحث في تنبيهات الاستصحاب تحقيق ذلك.

284

الأمر بالأمر

وقع البحث في أنّ الأمر بالأمر بشي‏ء، هل يكون بقوّة الأمر بذلك الشي‏ء مباشرة، أو لا يكون؟.

فلو أنّ المولى توجّه إلى عبد من عبيده، و أمره بأن يأمر شخصا ثانيا، فهل يكون الشخص الثاني ملزما أن يفعل الفعل بمقتضى الخطاب الأول، أو أنّه ينظر حال الوسيط؟.

فلو أنّه صدر من الآمر الثاني أمرا، و قام الدليل على وجوب إطاعته، كان على المأمور الثاني أن يأتي بمتعلّق أمر المأمور الأول، و إن لم يقم دليل على وجوب إطاعة المأمور الأول، فلا يجب على المأمور الثاني شي‏ء؟.

و توضيحه، هو أن يقال: إنّ الخطاب الموجه من المولى إلى المكلف الأول بأن يأمر المكلف الثاني، فيه عدة احتمالات ثبوتا:

1- الاحتمال الأول، هو: أن يكون الخطاب صادرا لبيان إنشاء الأمر على المكلّف الثاني حقيقة.

غايته أنّ العبد الثاني حيث كان غائبا عن المولى، كلّف المولى العبد الأول أن يوصل أمره إلى العبد الثاني.

إذن فالخطاب مسوق إلى العبد الثاني، و عليه، يكون هذا الخطاب متضمنا تكليفين لبّا.

285

1- التكليف الأول، هو تكليف العبد الثاني بإيقاع متعلّق الأمر، و لنفترض أنه «الصدقة».

2- التكليف الثاني، هو: تكليف العبد الأول بإيصال خطاب المولى إلى العبد الثاني.

و حينئذ ينطبق على هذا الخطاب، عنوان «المسألة المبحوثة» عرفا، و إن كان لا ينطبق على حاق المسألة.

و معنى هذا، أنّ المطلوب إيقاع العمل في عهدة العبد الثاني، سواء أمره الأول، أو لم يأمره، و سواء وصل إليه التكليف بواسطة الأول، أو لم يصل، و ذلك لأنّ العبد الثاني هو المأمور حقيقة من قبل المولى، إذن فلا أمر بالأمر، و إنّما هناك أمر بإيصال الأمر.

إذن فالمطلوب إيقاع التكليف في عهدة العبد الثاني، سواء وصل إليه التكليف عن طريق العبد الأول، أو عن طريق غيره.

و الخلاصة هي: إنّ المجعول التشريعي بالأمر الأول، إنّما هو طلب الفعل من العبد الثاني.

2- الاحتمال الثاني، هو: أن يقال: إنّ المولى بخطابه هذا، يكون قد أصدر أمرا واحدا إلى العبد الأول، و متعلّق هذا الأمر هو: أن يأمر العبد الأول، العبد الثاني.

أو فقل: إنّه يكون المجعول في الأمر بالأمر، هو إيجاب أن يأمر المأمور الأول، العبد الثاني، و ليس إيجاب متعلق التكليف على العبد الثاني.

لكن ملاك هذا الأمر ليس نفسيا، بل طريقي بحت إلى حصول الفعل من الثاني، بمعنى أنّ المولى تعلّق غرضه، بأن يأمر المأمور الأول، العبد الثاني، حتى يصل إلى مقصوده، و هو فعل «الصدقة» من العبد الثاني.

غايته، أنّ الأمر من الأول له تأثير على الثاني، و في مثله، و إن لم يكن‏

286

الخطاب إنشاء تكليف على العبد الثاني ابتداء، إلّا أنّه كاشف عن أمره للثاني- بالدلالة الالتزاميّة العرفية- عن طلب الفعل منه، إذ بعد فرض أمر المولى للمأمور الأول أن يأمر العبد الثاني ليصل إلى واقع مطلوبه، «الصدقة»، من العبد الثاني، حينئذ يكون الأمر للعبد الثاني مستفادا من الخطاب بالالتزام.

و بناء عليه، يكون العبد الثاني مشغول العهدة بالصدقة، سواء أمره المأمور الأول، أو أمره غيره، و سواء وصله الخطاب بطريق المأمور الأول، أو بطريق غيره.

و ممّا يلاحظ، أنّ هذين الاحتمالين يتفقان على كون المأمور الثاني هو المطلوب منه إيقاع الفعل، «الصدقة»، من أوّل الأمر، و من دون أن يتوقف هذا على أمر المأمور الأوّل له، بل لو وصله هذا الأمر من أيّ طريق آخر، فقد صار منجّزا وجوب هذا الفعل عليه من أول الأمر، لأنّه وجوب صادر من مولاه.

3- الاحتمال الثالث، هو: أن يكون المولى أنشأ أمرا للعبد الأول بأن يأمر، و لم ينشئ أمرا للثاني بالصدقة، نعم تمام نظر المولى هنا هو إلى صدور الأمر من العبد الأول، إذ إنّ أمره هذا ملحوظ بنحو الموضوعية في غرض المولى، بل كأنّه هو المطلوب المولوي، و حينئذ، فهذا الأمر لا يدل على مطلوبية الصدقة للمولى من الثاني، لا مطابقة، و لا التزاما.

نعم يمكن أن تكون الصدقة على عهدة الثاني إن استظهرنا من قول المولى- «مر العبد الثاني»- ضمنا إعطاء مقام الآمرية للأول، حينئذ يقع الفعل على عهدة الثاني لكن لا لأجل كونه مأمورا به من المولى ابتداء و إنّما لأجل كونه مأمورا به من المأمور الأول المجعول له الولاية و الأمر، إذ بعد أمره يتحقق وجوب الفعل على عهدة المأمور الثاني.

و فرق ملاك هذا الاحتمال عن الملاك في الاحتمالين السابقين، هو أنّه هنا في الاحتمال الثالث، إنّما يقع الفعل في عهدة المأمور الثاني إذا أمره المأمور الأول، لا على كل تقدير كما في الاحتمالين السابقين، كما أنّ‏

287

العهدة هنا إنّما هي نتيجة وجوب مجعول من قبل المأمور الأول أمضي من قبل المولى.

و الخلاصة، هي: إن هذا الاحتمال هو نفس الاحتمال الثاني، لكن مع افتراض أنّ أمر الأول للثاني له موضوعية عند المولى، إذ يكون هو مطلوب المولى، و ليس صدور الفعل من المأمور الثاني، مطلوبا، و لا مرادا له.

و عليه لا يثبت وجوب الفعل على المأمور الثاني إلّا إذا استظهر من أمر المولى بالأمر- ضمنا- إعطاء مقام الآمرية للأول على الثاني، فحينئذ يجب الفعل على المأمور الثاني و يتحقق هذا الوجوب بمجرد صدوره و وصوله ممّن جعل له الأمر.

4- الاحتمال الرابع، هو: نفس الاحتمال الثالث مع فرض أنّ غرض المولى قائم بالمركّب من صدور الأمر من المأمور الأول، و من فعل الصدقة من المأمور الثاني، لا بأحدهما وحده، و ذلك بأن يفرض إنّ الملاك إمّا قائم بالمجموع المركّب من الصدقة و أمر المأمور الأول، أو إنّه قائم بأحدهما المقيّد بالآخر.

و حينئذ، يأمر المولى العبد الأول بأحد ركنيّ الملاك هذا، و يكون الركن الآخر منوطا بالعبد الثاني.

و بذلك يكون أمر المأمور الأول شرطا في إيجاب الصدقة على المأمور الثاني، و يكون فعل الثاني متوقفا على أمر الأول.

فإن فرض أنّ الملاك كان قائما بمجموع الفعلين، حينئذ يدل كلام المولى بالدلالة الالتزاميّة على أنّ المولى يريد الجزء الآخر من ركنيّ الملاك من العبد الثاني.

و إن فرض أنّ صدور الأمر من الأول كان دخيلا في أصل اتصاف فعل المأمور الثاني بالملاك، حينئذ لا بدّ من كون الملاك متعددا، و افتراض وجود ملاك مستقل قائم في أمر المأمور الأول، و إلّا فقد أمره معناه.

288

إذن فهنا ملاكان طوليّان: أحدهما: قائم في أمر العبد الأول، و الثاني: قائم في فعل العبد الثاني مشروطا بأمر الأول.

و الخلاصة هي: إنه، إمّا أن يكون غرض المولى و ملاكه واحدا، متقوما بمجموع أمر العبد الأول، و فعل العبد الثاني، بحيث يكون أمر العبد الأول من شرائط وجود ذلك الملاك بفعل العبد الثاني، بحيث يكون فعل الثاني متوقفا على أمر الأول.

و إمّا أن يكون أمر المأمور الأول من شرائط اتصاف فعل العبد الثاني بالملاك.

و عليه، لا بدّ من تعدّد الملاك و افتراض وجود ملاك مستقل قائم في أمر المأمور الأول.

و في كلتا الحالتين لا يجب الفعل، «الصدقة» على العبد الثاني، قبل صدور الأمر إليه من المأمور الأول.

و ممّا لا شك فيه. أنّ أظهر هذه الاحتمالات هو أحد الأوّلين، إن لم يدّع ظهوره في الأول منهما، إذ إنّ الظاهر من الخطاب، إن لم يكن جعل المأمور الأول مجرد وسيط في تبليغ العبد الثاني، فلا أقل من كون المأمور الأول مأمورا بأن يأمر، فيكون أمره توسيطا و فعلا طريقيا لا مصلحة فيه بالخصوص، فيلحقه حكم الأوليين، و هو ممّا يجعل ظهور الأمر بالأمر في وقوع العهدة و إيجاب «الصدقة» على المأمور الثاني.

289

الأمر بعد الأمر

اختلفوا في أنّ الأمر بعد الأمر، هل يحمل على التأسيس، أو على التأكيد؟ فإذا أمر ثم أمر من دون أن يختلف الأمران في الشروط، كما لو فرض أنّه ليس لهما شرط، أو إنّه كان لهما شرط متماثل، فهل التكرار هذا يقتضي الحمل على التأسيس، بحيث يكون هناك وجوبان، أو إنّه يقتضي الحمل على التأكيد، بحيث لا يكون هناك إلّا وجوب واحد؟

و توضيح ذلك، هو إنّه إن حملنا الخطاب الثاني على التأسيس، إذن فلا بدّ من إتيان الفعل مرتين.

و إن حملناه على التأكيد، إذن فكلا الخطابين يكون معبّرا عن وجود واحد للطبيعة.

و قد ذكر صاحب الكفاية (قده) (1) أنّه يقع تعارض بين ظهور الهيئة في التأسيس، و ظهور المادة في الإطلاق المقتضي، كون متعلق الأمرين مفادا واحد، و هذا معناه التأكيد، لأنّه لو جمعنا بين ظهور الهيئة في التأسيس، و بين ظهور المادة في الإطلاق، للزم من ذلك اجتماع وجوبين على صرف الطبيعة، و هو محال، و ذلك لأنّ ظهور الهيئة مفاده تعدّد الوجوب، و إن كان‏

____________

(1) كفاية الأصول- مشكيني: ج 1 ص 231.

290

ظهور المادة في وحدة الوجوب، إذن فلا بدّ من رفع اليد عن أحد الظهورين.

و صاحب الكفاية (قده) (1)، و إن كان قد استظهر في المقام تقديم ظهور الهيئة في التأسيس لا التأكيد، إلّا أنّه استظهر انسباق التأكيد، و حكم به نتيجة، و ذلك ببيان أنّ كون الهيئة مسبوقة بهيئة مثلها، و لم يذكر هناك سبب واحد، مثل هذا التكرار مع عدم ذكر سبب واحد ممّا يوجب إجمالها عرفا و سقوطها عن ظهورها في التأسيس.

و هذا ممّا يقتضي بقاء ظهورها في التأكيد، و عدم وجود أمر آخر.

و الصحيح هو، إنّه لا ظهور لهيئة الأمر في التأسيس و لا في التأكيد، لا في المقام، و لا في غيره، و إنّما هي ظاهرة في كونها للوجوب دون أن تكون مقتضية للكشف عن وجوب بقيد أن لا يكون مكشوفا قبل الآن بكشف لأنها غير ظاهرة في ذلك.

و لذا فإنّ استعمال الهيئة في الكشف عن وجوب كشف عنه سابقا، ليس فيه أيّ تجوز أصلا، لأنّه لم يؤخذ في مدلولها ذلك.

نعم هناك مزيّة لها بالظهور السياقي للمتكلم، قد نستعمله أحيانا في مقام إثبات التأسيس بدلا عن التأكيد، كما لو فرض أنّه أفاد معنى، ثم ذكر جملة، دار أمرها بين كونها إشارة إلى الأول، أو إلى معنى آخر صالح لتأكيد المعنى السابق، حينئذ قد يدّعى أنّ الظهور السياقي للمتكلم هو التأسيس لا التأكيد، لأنّ التأكيد حكم استثنائي، بينما التأسيس حكم طبيعي، فيكون أولى بالظهور فيه.

إلّا أنّ هذا البيان لا يمكن تطبيقه هنا، لأنّ «صلّ»، الأمر الأول، و «صلّ»، الثانية، الأمر الثاني، تارة نفترضهما منفصلتين بحيث أنّه قال‏

____________

(1) كفاية الأصول- مشكيني: ج 1- ص 231.

291

الثانية منهما بنحو لا يصح عرفا العطف بالواو على الأولى.

و أخرى، قال الثانية تبعا، بنحو يصح عطفها بالواو على الأولى.

فإن فرض إنّ «صلّ» الثانية كانت منفصلة عن الأولى، فهو خارج عن الظهور في التأسيس، لأنّ الظهور الحالي في أن يؤسس بلحاظ شخص هذا الكلام، لا في غيره، حينما يدور الأمر بين التأسيس و التأكيد.

نعم لو كان الوجوب واحدا لزم منه أن يكون مقيّدا لكلام سابق، و هذا ليس على خلاف الطبع، بل الذي على خلاف الطبع هو الذي يلزم منه التكرار في كلام واحد.

و أمّا إذا فرضنا أنّ «صلّ» الأولى مع الثانية، كانتا متصلتين، بحيث يمكن أن يعطف إحداهما على الأخرى بالواو، فيلتزم حينئذ بالتأسيس، باعتبار أنّ الواو ظاهرة في المغايرة بين «صلّ» الأولى و «صلّ» الثانية، و إذا فرض أنّه قد أسقط حرف العطف، فإسقاطه قرينة عرفية على أنّ الثانية تكرار للأولى، و هذا التكرار يكون قرينة على التأكيد.

و الخلاصة هي: إنّ الصحيح، هو إنّ هيئة الأمر ليس لها مدلول إلّا الوجوب، دون أن يكون للتأسيس أو التأكيد دخل في مدلولها، لأنّ الهيئة لم توضع لطلب مقيّد بكونه لم يكشف عنه بكاشف قبل الآن، و لذا فإنّه ليس مجازا استعمال الهيئة في الكشف عن وجوب سابق، لأنّه لم يؤخذ في مدلولها ذلك، كما لو أمر عبده ثانية بما كان قد أمره به سابقا لأجل التأكيد.

نعم هناك مزيّة لها بالظهور السياقي الحالي للمتكلم، قد تستعمل في مقام إثبات التأسيس بدلا عن التأكيد، كما لو أفاد معنى، ثم ذكر جملة يمكن أن تصلح لتأكيد المعنى الأول، و يمكن أن تصلح لإفادة معنى جديد.

حينئذ قد يدّعى حملها على إفادة معنى جديد، ببيان أنّ الظهور السياقي للمتكلم هو التأسيس لا التأكيد، لأنّ التأكيد حكم استثنائي، بينما التأسيس حكم طبيعي، فيكون أولى بالظهور فيه.

292

إلّا أنّ هذا البيان لا ربط له بالمقام، لأنّ الأمر الثاني إن ذكر متصلا بالأول، بحيث يمكن عطفه عليه بالواو، و قد عطفه عليه فعلا بالواو، حينئذ كان العطف بنفسه قرينة على التأسيس، و ذلك لكون العطف ظاهرا في أنّ المعطوف غير المعطوف عليه، و إلّا فإن لم يذكر العطف بالواو، حينئذ يكون عدم ذكر العطف قرينة عرفيّة، و وسيلة من وسائل التأكيد عرفا، فتكون ظاهرة فيه.

و أمّا إذا ذكر الأمر الثاني منفصلا، حينئذ لا يكون له ظهور حالي، لا في التأسيس، و لا في التأكيد، لأنّ الظهور الحالي السياقي، يقتضي أن يؤسس بلحاظ شخص ذلك الخطاب، لا في خطاب آخر، إذ إنّ تكرار الأمر بشخص أمر آخر، ليس منافيا مع التأسيس بلحاظ شخص الأمر الثاني.

فالنتيجة هي: إنّه لا ظهور في مفاد الهيئة، كي يقتضي التأسيس، فيبقى إطلاق المادة مقتضيا للتأكيد.

و بهذا ننهي بحوث الأوامر، لندخل في بحوث النواهي، إن شاء اللّه تعالى، و آخر دعوانا، أن الحمد للّه ربّ العالمين.

293

النّواهي‏

و الكلام فيها يقع في فصول:

الفصل الأول: في دلالات صيغة النّهي.

الفصل الثاني: في مادّة النّهي.

الفصل الثالث: في دلالة النّهي على الفساد.

294

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

295

الفصل الأول [فى صيغة النهى‏]

و الكلام في الفصل الأول، يقع في جهات:

الجهة الأولى: في مدلول الصيغة و مفادها:

و قد اشتهر في كلمات الأصوليين، أنّ مفاد صيغة النّهي، هو الطلب، كما اشتهر أنّ مفاد صيغة «افعل»، هو الطلب، فكل من الصيغتين تدلّ على الطلب، غايته أنّ إحداهما: تدل على طلب الفعل، و الأخرى: تدل على طلب التّرك.

و قد اعترض مشهور المتأخرين من علماء الأصول، على هذا الكلام، مدّعين بأنّ مدلول الصيغة في كل منهما، تختلف عن الأخرى و تغايرها ذاتا، لا أنّهما تدلان على الطلب و تختلفان في متعلقه، لأنّ الصيغة ليس مفادها الطلب، و إنما مفادها في النّهي معنى يناسب مع الزّجر و الرّدع و نحوه، و كذلك في صيغة الأمر، فإنّ مفاد الصيغة فيه، معنى يناسب مع البعث، و الانبعاث، و التحريك.

و في مقام توضيح ذلك و بيان أنّ مفاد الصيغة ليس هو الطلب، يوجد ثلاث كلمات:

الكلمة الأولى، هي: ما نسبه السيد الخوئي (قده) (1) الى مشهور المعترضين.

____________

(1) محاضرات فياض: ج 4- ص 81

296

الكلمة الثانية، هي: للسيد الخوئي (قده) نفسه.

الكلمة الثالثة، هي: التحقيق و المختار.

و الكلمة الأولى، التي نسبها السيد الخوئي (قده) الى مشهور المعترضين‏ (1) هي: أنّهم ذكروا أنّ مفاد صيغة الأمر، إنّما هو البعث و التحريك نحو الطبيعة، و أنّ مفاد صيغة النهي، هو الزجر و الردع عنها، و ليس مفادها الطلب كما اشتهر.

إذن فالصيغتان متقاربتان و متعلقتان بالطبيعة.

غايته أنّ إحداهما تقرّب من الطبيعة، و الأخرى تزجر و تبعّد عنها.

و هذه الكلمة إن أريد بها إبداء فرضيّة معقولة في قبال مسلك المشهور، فيصح القول حينئذ: إنّ صيغة الأمر موضوعة للطلب، و إنّ صيغة النهي موضوعة لمعنى مقابل، هو: الرّدع و الزجر.

إن أريد بها هذا، فهذا بيان واف بذلك، و لكن ينقصه الدليل فقط.

و إن أريد بها البرهنة على بطلان الكلام المشهوري، فهو غير ممكن، إلّا إذا استعان بالوجدان العرفي مضافا الى نكات سنذكرها.

و حيث أنّ السيد الخوئي (قده) يرى أن هذه الفرضية في كلام المعترضين غير معقولة.

فقد أشكل عليهم، بأنّه لا معنى لما يقوله المعترضون: من أنّ صيغة الأمر موضوعة للطلب، و صيغة النّهي موضوعة للزّجر، و ذلك لأنّ الزّجر و التحريك لهما فردان: فرد تكويني، و فرد تشريعي.

فالتكويني كما لو دفعه بيده نحو الماء، أو دفعه عنه.

و التشريعي من المولى بما هو مولى، إنما يكون بخطابات المولى.

____________

(1) نفس المصدر.

297

فإن أريد أنّ صيغة «افعل» موضوعة للتحريك التكويني، و صيغة «النهي» موضوعة للزجر التكويني، فهذا واضح البطلان.

و إن أريد أنهما موضوعان للفرد التشريعي، فأيضا هذا واضح البطلان، لأنّ هذه الصيغة هي بنفسها الفرد التشريعي، لا أنها دالّة على الفرد التشريعي، لأنّ التحريك و الزّجر التشريعيّين يحصلان بنفس الأمر و النهي، لأنهما بوجوديهما الواقعيين مصداقان للتحريك و الزجر، لا بمدلوليهما، فكما لا يقال كلمة «زيد» تدل على صوت، لأنها بنفسها صوت، فكذلك، صيغتا «النّهي و الأمر» لا بدلان على الطلب أو الزجر التشريعيّين، لأنّ كلا منهما هو الفرد التشريعي.

إذن، فلا بدّ أن يكون مدلولهما أمرا آخر غير التحريك و الزجر.

و قد عرفت أنّ ما نسبه السيد الخوئي (قده) الى المعترضين بحدود بيانه لاعتراضهم، لا يشكل برهانا على ردّ مقالتهم، إلّا إذا أضيف إليها دعوى الوجدان العرفي مضافا الى نكات لهذا الوجدان سوف نذكرها فيما بعد.

و أما الاعتراض الذي وجّهه السيد الخوئي (قده) (1) إلى المعترضين، فكأنه مرتبط ذهنيا مع مبناه في باب وضع الجملة التامة، حيث كان يرى- كما تقدم- أنّ الجمل الموضوعة، دلالتها التّصديقيّة، هي الدلالة الوضعية، و ينكر الدلالة التصورية رأسا.

و قد سبق منه في بحث الوضع، أن بنى على التعهد، ثم صار في مقام تعيين ما هو المدلول التصديقي الثابت بالوضع.

فاعتراضه هذا، مبني على تلك الأصول، فهو يرى أنّ المعنى الموضوع له، هو معنى تصديقي، أي إنّه يدل اللفظ عليه و يكشف عنه كشفا تصديقيا.

____________

(1) محاضرات فياض: ج 4 ص 84- 85- 86- 87

298

و بعبارة أخرى، إنّ السيد الخوئي (قده) يرى أنّ الوضع ينتج مدلولا تصديقيا لا مجرد خطور، و لذلك فهو يتساءل، إنه: ما هو الذي يكشف عن الوضع كشفا تصديقيا؟ إذ لا الفرد التكويني يكشف حينئذ، و لا الفرد التشريعي كذلك، لأن المنكشف لا بدّ من مغايرته للكاشف، و المفروض أنّه عينه.

إذن لا بدّ أن يكون مدلولهما أمرا آخر غير التحريك و الزجر.

و أمّا بناء على مسلك المشهور و مختارنا، من أنّ الوضع هو منشأ الدلالة التصورية فقط، فمدلول مادة الأمر و النهي معنى اسمي، و مدلول الصيغة فيهما معنى حرفي نسبي، و دلالة الصيغة دلالة تصورية، فمدلول هيئتهما النسبة التكوينية الخارجية التي انتزع عنها ذلك المعنى الاسمي- كما تقدّم في معاني الهيئات- فهي النسبة الإرسالية التحريكيّة في «افعل»، و هي النسبة الزجريّة الردعيّة في «لا تفعل»، و كلتا النسبتين يراد منهما الإرسال و الزجر الخارجيّين التكوينيّين كمفهوم تصوّري لا تصديقي، فلا يرد حينئذ، أنّ هذا واضح البطلان لما عرفت من السيد الخوئي (قده)، لأنّ المدلول التصديقي- الذي هو عندنا كما هو عند المشهور- ليس من صنع الوضع، بل هو يرجع إلى الظهور الحالي، فإنه إذا صدر الكلام من المتكلم، يكون لهذا الكلام معنى تصوري، فيستظهر من حال المتكلم، و يكشف كشفا تصديقيا عن أنّ المعنى و المراد الحقيقي القائم في نفس المتكلم هو الداعي للتحريك التشريعي و الزجر التشريعي، ف «افعل» تدل على أنّ المولى يريد أن يحرّك العبد حقيقة، و «لا تفعل» تدل على إرادة المولى، الزجر حقيقة، و بهذا يكون مدلول النهي غير مدلول الأمر تصورا و تصديقا.

و هذه الصيغة معقولة، و إن كان ينقصها الوجدان.

الكلمة الثانية: و هي ما اختاره السيد الخوئي (قده) (1). و حيث أنه بنى‏

____________

(1) المصدر نفسه‏

299

على تلك المباني المشار إليها سابقا، صار في مقام التفتيش عن المدلول التصديقي لصيغة «افعل»، و «لا تفعل»، فقال إنّ صيغة «افعل» وضعت لإبراز اعتبار الفعل في ذمة المكلف، و «لا تفعل» وضعت لإبراز اعتبار مغاير للأول، كاعتبار كون المكلّف مصدودا و مردوعا عن الفعل.

و بذلك تكون الصيغتان عند السيد الخوئي (قده) متغايرتين، لأنّ النهي عنده ليس اعتبار عدم الفعل في ذمة المكلف ليرجع إلى الأول، و قد استشهد على هذا المطلب بما عليه أهل العدل من تبعيّة الأحكام للمصالح و المفاسد في متعلقاتها، حيث أنّ الأمر ينشأ من مصلحة في الفعل، فيتعيّن حينئذ اعتبار الفعل في ذمة المكلف، لأنّ الفعل هو مركز الأمر. و كذلك النّهي فإنّه ينشأ من مفسدة في الفعل، فيتعيّن اعتبار كون المكلّف مصدودا و مزجورا عن الفعل، لأنه مركز المفسدة، لا أنّه يعتبر عدم الفعل و تركه على ذمته، إذ ليس في عدم الفعل مصلحة، و هنا نقاط:

النقطة الأولى، هي: إنّ فرض كون صيغة الأمر «افعل»، و صيغة النهي، «لا تفعل»، قد وضعتا لإبراز الاعتبار النفساني على عهدة المكلف، فيكون مدلولا صيغة الأمر و النهي هو الاعتبار، مثل هذا الفرض، ينسجم مع مبنى السيد الخوئي (قده) في الوضع، حيث يبني على أنّ الوضع ينتج دلالة و كشفا تصديقيا.

و قد عرفت في محلّه، أنّ المدلول الوضعي للأمر ليس هو الاعتبار.

نعم قد يستظهر كون الاعتبار مدلولا تصديقيا للظروف الحاليّة للمتكلم بدلالة سياقيّة، و ذلك لوضوح كون نظرية الاعتبار و ما يلازمها- من فرض وعاء ذمة و عهدة للمكلّف- أمور معقدة، لا تتناسب مع بساطة الدلالة الوضعية، و أسبقيّة تصوّرها.

و لوضوح أن صيغة الأمر كما تصدر ممّن يملك اعتبار الفعل على العهدة، كالمولى العالي، فإنّها كذلك، تصدر ممّن لا يملك اعتبار شي‏ء أو جعله في عهدة المولى تعالى، فنحن حينما نقول: «يا ربّنا اغفر لنا»، لا

300

نملك أن نقصد اعتبار المغفرة في عهدة المولى.

إذن فالأوامر و النواهي كما تصدر من المولى العالي، تصدر من العبد الداني.

النقطة الثانية: هي إنّ ربط المدلول اللغوي لصيغة الأمر و النّهي، و كون مدلول النّهي هو اعتبار حرمان المكلّف، لا اعتبار الترك، في ذمته، أقول ربط كل هذا، لمذهب أهل العدل، لا رابط له، و لا أثر له.

لأنّنا نتكلم في المدلول اللغوي لصيغة «افعل و لا تفعل»، و حينئذ لا معنى للاستدلال على مدلول لغوي وضعي، بأحد مذاهب الكلام التي ظهرت مؤخرا عند المسلمين.

النقطة الثالثة: هي إنّه حتى لو أخذنا بمذهب أهل العدل في تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد، فإنّ ذلك لا يقتضي و لا يعيّن لنا أنّ الاعتبار في جانب النواهي، هو اعتبار المكلّف محروما من الفعل، إذ كما أنّ اعتبار المكلف محروم من الفعل، مناسب لجانب النواهي، كذلك اعتبار عدم الفعل و تركه في ذمة المكلّف، مناسب لها أيضا. إذ كلتا الطريقتين صالحة ليسلكها المولى في تبعيد المكلّف عن الفعل، غاية الأمر أنّ الطريقة الأولى أنسب، لكن متى كانت الأنسبية دليلا على الوضع اللغوي و أن الواضع قد لاحظ هذه الطريقة دون تلك.

الكلمة الثالثة: في أنّه ما هو المختار عندنا؟

و حينئذ يقال: إنّ ما قيل في الكلمة الأولى، من التمييز بين مفاد صيغة «افعل و لا تفعل»، صحيح.

فإن صيغة «افعل»، تدل هيئتها على النسبة الإرسالية دلالة وضعية تصورية، و هيئة «لا تفعل» تدل على النسبة الزّجريّة و الردعيّة دلالة وضعية تصورية.

كما أنّه صحيح ما قيل، من أنّ لهما دلالة تصديقيّة، تكشف في‏

301

«افعل» عن أنه إنّما أتى بها بداعي البعث و التحريك، و تكشف في «لا تفعل» عن أنّه إنّما أتى بها بداعي الزجر و الردع. كل هذا صحيح في الكلمة الأولى، فإنّ كلتا الصيغتين، «افعل». و «لا تفعل» لهما دلالة تصوريّة و دلالة تصديقية و هما تختلفان في كلتا الدلالتين كما عرفت.

و الحجة على هذا الاختلاف، هو الوجدان الذي يقضي بأنّ ما يفهم من صيغة «افعل» يختلف عمّا يفهم من صيغة «لا تفعل» اختلافا ذاتيا، فهما مفهومان متغايران.

و ليس كما قيل، من أنّ التغاير و الاختلاف بينهما، إنّما هو بحسب متعلقهما، كما يدّعي قدماء الأصوليين ذلك. و هذا الوجدان له منبّهات تعزّزه نذكر أهمّها:

و هو: إنّ صيغة «افعل» و صيغة لا «تفعل»، إذا فسّرناهما على أساس أنّ مفادهما متغاير متباين حيث كان مفاد هيئة «افعل»، هو النسبة التحريكيّة و الإرساليّة بنحو المعنى الحرفي، و كان مفاد هيئة «لا تفعل» كذلك هو النسبة الزجرية و الرّدعيّة، إذن، حينئذ لا نحتاج إلى افتراض شي‏ء وراء المعنى الحرفي للهيئة، و المعنى الاسمي للمادة، لاقتناص مفاد الأمر و النّهي، إذ حينئذ يكون مدلول هيئة «اشرب» هو النسبة التحريكية نحو الشرب، و مادته الشرب. و كذلك «لا تشرب»، يكون مفاد هيئته النسبة الزجرية عن مفاد المادة، أي: عن الشرب. و على هذا، لا نحتاج إلى ضمّ مفهوم آخر زيادة على المعنى الحرفي للهيئة، و الاسمي للمادة، فيصير مفاد «افعل» بلحاظ هيئته و مادته هو النسبة الإرساليّة نحو الشرب، و كذلك «لا تفعل»، يكون مفادها بلحاظ هيئتها و مادتها النسبة الزجريّة عن الكذب مثلا.

إذن، فالهيئة في كليهما تدل على النسبة.

و المادة فيهما أيضا تدل على طرف هذه النسبة و بذلك يتم ما أردنا.

لكن إذا أخذنا بما يقال عند القدماء من أن مفاد كلتا الصيغتين هو

302

الطلب، حينئذ نحتاج إلى توسيط عنصر ثالث و معنى آخر، غير مفاد الهيئة و المادة في مدلول النهي.

فمثلا لو قلنا: بأن مفهوم «لا تفعل» يحمل مفهوم «افعل»، و هو الطلب، إذن فيكون مفهوم «لا تفعل» هو التحريك نحو الفعل كما يكون مفهوم «افعل» هو التحريك نحو مدلول المادة. و هذا خلف، إذ إننا نريد في «لا تفعل»، الزجر و الردع و عدم الفعل. إذن فنحتاج إلى ضم مفهوم الترك إلى جانب مفهوم «لا تفعل»، حينئذ و هذا هو العنصر الثالث الذي يضطر أصحاب هذه النظرية إلى إدخاله، و هو الترك. و هذا العنصر لا يمكن إدخاله إلى مدلول المادة، لأن مدلول المادة هو الطبيعة، و هي لم يؤخذ فيها لا الوجود و لا العدم، و إنما تصلح أن تكون مرآة لأفرادها الموجودة دون المعدومة.

إذن كيف يؤخذ الترك في مدلول المادة؟

و بعبارة أخرى، كيف يؤخذ المفهوم العدمي في المدلول الوجودي للمادة؟.

و هذه مشكلة تنشأ من فرضيّة إرجاع مدلول صيغة النهي إلى مدلول صيغة الأمر. و حينئذ يكون أصحاب هذه النظرية بين أمرين:

فهم إمّا أن يفرضوا دالا مستقلا ثالثا غريبا عن الهيئة و المادة يدل على هذا العنصر الجديد، يكون وراء الهيئة و المادة، و المفروض عدمه.

و إمّا أن يأخذوا هذا الدال الثالث، و هو «الترك»، في مدلول أحد الدالين: إمّا الدال على المادة، و إمّا الدال على الهيئة.

فإن أخذ الترك في مدلول الدال على المادة، فهذا معناه استعمال لفظ الصلاة، أي: صلّ، في الترك، و هو واضح البطلان حتى مجازا لعدم العلقة بينهما.

و إن أخذ الترك- الذي هو العنصر الثالث- في مدلول الدال على‏

303

المادة، بدعوى أنها فانية في الترك الخارجي، فقد عرفت استحالته لما مرّ من أنّ الطبيعة فانية في وجوداتها المتمثلة في أفرادها الموجودة في الخارج، و ليست الطبيعة فانية في أفرادها المعدومة.

و أمّا أخذ هذا العنصر الثالث. «الترك»، في مدلول الدال على الهيئة، فكذلك هو واضح البطلان، لكونه خلاف الوضع اللغوي للهيئة، إذ مدلول الهيئة معنى حرفي نسبي. بينما مفهوم الترك معنى اسمي و هو طرف للنسبة.

و أخذ معنى اسمي في معنى حرفي ممنوع، إذ لم نعهد أن تكون الهيئة- ذات المعنى الحرفي- دالة على النسبة و طرفها الذي هو مدلول اسمي.

ثم إنّه حتى لو تنزلنا و قلنا: بأنّ الهيئة تدل على النسبة و طرفها الذي هو مدلول اسمي، معا، رغم ذلك تبقى مشكلة أخرى، و هي: إنّ العنصر الثالث، الترك هذا، لو دلّ على ما تدل عليه الهيئة، فإنّه حينئذ لا بدّ له من نسبة إلى الطبيعة.

أو فقل: إنّه حتى لو تنزّلنا و قلنا: بأن الهيئة تدل على النسبة و طرفها الذي هو مدلول اسمي، فإنّه رغم ذلك يحتاج الى نسبة أخرى بين الترك- المعنى الاسمي المدلول عليها بالهيئة- و بين المادة و هي الطبيعة، و هذه النسبة هي نسبة الإضافة لأنّ المطلوب هو ترك المادة، لا مطلق الترك، و المفروض أنّه لا دال على هذه النسبة الثانية فتحتاج إلى دال آخر، فإن كان هو الهيئة، إذن فخرج «الترك» عن كونه دالا على النسبة، و إن كان مفهوم اسمي آخر هو الدال على النسبة، فكذلك ننقل الكلام إليه و ندخله في مدلول الهيئة من جديد، و هكذا نعيد ما قلناه حتى يتسلسل.

إذن فهذه النظرية لمفاد صيغة النهي باطلة، و بهذا تمّ الكلام في صيغة «لا تفعل».

الجهة الثانية: هي أنه هل يستفاد من صيغة النهي الانحلال و تعدّد الحكم‏

، بحيث‏

304

توجد تحريمات متعددة بعدد أفراد الطبيعة، أم إنّه لا توجد إلّا حرمة واحدة كما هو الوجوب المستفاد من الأمر؟.

المعروف إنّ المستفاد من النّهي هو الحرمة بنحو العموم الاستغراقي لكل أفراد الطبيعة، لا حرمة واحدة، فيكون هناك تحريمات عديدة بعدد الأفراد، لا حرمة واحدة. فإذا قيل: لا تكذب، فهذه الحرمة تنحل إلى تحريمات بعدد أفراد الكذب لا حرمة واحدة. و الأثر العملي المميّز لأحد القولين عن الآخر هو أنه بناء على كون المستفاد تحريما واحدا، لو صدر منه الكذب مرة لا يكون الكذب الثاني منه محرما، لأنّ الحرمة ارتفعت بالكذب الأول.

و أمّا بناء على كون المستفاد من النهي الانحلال و التعدّد، فإنّ الكذب الثاني يكون فردا محرما بحرمة أخرى لا تسقط بالعصيان كالكذب الأول، بناء على دعوى المشهور للاستغراق و التعدّد.

و الصحيح هو ما عليه المشهور، فإنّ النهي بخلاف الأمر، إذ صيغة الأمر لا يستفاد منها تعدّد الوجوب، بل وجوب واحد متعلق بصرف وجوده، على نحو الإطلاق البدلي، بينما متعلق النّهي يكون شموليا استغراقيا.

إذن فمقدمات الحكمة جارية فيهما معا، و لكن تختلف باختلافهما، فهي جارية في متعلق الأمر و بمقتضاها يكون بدليا، و هي جارية في متعلق النّهي، و بمقتضاها يكون شموليا.

و من هنا يسأل، أنّه: كيف أنتجت مقدمات الحكمة هذا الحكم المختلف، رغم كون الإطلاق في المدلولين من نتاجها، و هي واحدة فيهما؟.

و قد عالج السيد الخوئي (قده) (1) هذا الإشكال، ببيان أنّ هناك مقدارا

____________

(1) محاضرات فياض: ج 4- ص 106- 114.