بحوث في علم الأصول - ج6

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
749 /
305

مشتركا من مقدمات الحكمة، يجري في مورد الإطلاق البدلي، و الإطلاق الشّمولي على حد سواء.

و هذا المقدار ليس هو المعيّن للبدليّة أو الشمولية، و لكن بضم مقدمة عقلية إليه في بعض الموارد ينتج البدلية، و بضم مقدمة عقلية أخرى إليه ينتج الإطلاق الشمولي، و هذه الضميمة تدخل في مقدمات الحكمة، و تساهم في إنتاج البدلية تارة و الشمولية أخرى.

و نذكر هذه الضميمة في ثلاثة أمثلة:

المثال الأول: هو في متعلقات الأوامر، فإذا قال المولى: «صلّ»، فلا يخلو متعلّق الأمر هذا من أحد شقوق ثلاثة:

أ- أن يكون متعلق الأمر جميع الصلوات، و هو معنى الإطلاق الشمولي أو الاستغراقي.

ب- ان يكون متعلق الأمر هو إحدى الصلوات لا بعينها، و هو معنى الإطلاق البدلي.

ج- أن يكون متعلق الأمر مجموعة من الصلوات، لا الكل، و لا الواحد. أي: إنّه عبارة عن إيقاع عشرين صلاة في عشرين مسجد.

و الشق الثالث من هذه الشقوق يبطل بمقدمات الحكمة بصيغتها المشتركة العامة حيث نقول:

إنه لا خصوصية لتلك المجموعة من الصلوات، كي نحمل اللفظ عليها. إذ لو كان مراد المولى مجموعة معينة من الصلوات، إذن لكان عليه أن ينصب قرينة على ذلك، لعدم دلالة اللفظ عليها، و المفروض في مقدمات الحكمة كون المولى في مقام البيان. و ما دام هكذا، و لم ينصب قرينة على واحدة من هذه المجاميع، إذن لم يرد واحدة بعينها.

و أمّا الشقّان الباقيان:

306

فالشق الأول منهما باطل أيضا بمقدمة عقليّة، مفادها: إنّ جميع الصلوات غير مقدور امتثال جميعها عقلا، إذن لا يمكن إيجاب جميعها، و حينئذ يتعيّن الشق الثاني، و هو أن يكون المراد إيجاب الصلاة بنحو الإطلاق البدلي.

المثال الثاني: و هو في متعلقات النواهي، و ذلك كما لو قال: «لا تشرب الخمر»، أو «لا تكذب»، فأيضا هنا احتمالات ثلاثة:

أ- أن يكون الحرام، كل كذب كذب بنحو الشمول الاستغراقي، أي:

جميع أفراد الكذب.

ب- أن يكون الحرام أحد أفراد الكذب، لا بعينه، بحيث يكتفى من المكلف أن يترك كذبا واحدا، و هو الإطلاق البدلي.

ج- أن يكون الحرام مجموعة معينة من الأكاذيب، من قبيل الكذب على الله و رسوله، أو الكذب في حالة الصوم.

و الشق الثالث من هذه الشقوق، منتف و باطل بمقدمات الحكمة بصيغتها المشتركة المتقدمة حيث يقال، إنّه: لو كان مراد المولى تحريم هذه المجموعة، أو الفئة المعينة من الكذب- رغم كونه في مقام البيان- لكان عليه أن ينصب قرينة على ذلك، و حيث أنّه لم ينصب، و اللفظ لا يدل عليه، إذن فهو لم يرد هذه الفئة المعينة من الكذب، إذن فهذا الاحتمال باطل.

و يبقى الاحتمالان الاخيران، الأول و الثاني:

و نجد في هذين الاحتمالين عكس ما وجدناه هناك في متعلقات الأوامر، إذ نجد أنّ المقدمة العقلية تنفي الإطلاق البدلي- أي: الشق الثاني- لأنّ الإطلاق البدلي غير معقول، لأنّ مقتضى طبع المطلب أن يترك الإنسان كذبا واحدا- أي: أحد أفراد الكذب- إذ ترك كذب واحد أمر ضروري و قهري، و حينئذ لا معنى، بل لا يعقل التكليف بما تركه قهري‏

307

و ضروري. إذن فيتعين الاحتمال الأول، و هو الإطلاق الشمولي.

المثال الثالث: و هو فيما سمّاه بموضوعات الأحكام الوضعية، من قبيل، «أحلّ الله البيع». فإنّه أيضا فيه احتمالات ثلاثة:

أ- أن يكون قد أحلّ كل بيع.

ب- أن يكون قد أحلّ بيعا لا بعينه، أي: أحد البيوع.

ج- أن يكون قد أحلّ فئة أو مجموعة معيّنة من البيوع، كالبيوع العقدية مثلا.

و هنا كذلك تأتي نفس المعالجات السابقة، فيقال: إنّ الاحتمال الثالث ينتفي بالقدر المشترك من مقدمات الحكمة بصيغتها المشتركة، إذ لو كان مراده مجموعة معيّنة من البيوع، و هو في مقام البيان، لوجب عليه أن ينصب قرينة على إرادتها بالخصوص، و حيث لم ينصب، إذن فهو لم يردها.

و ينفى الثاني، و هو الإطلاق البدلي، بمقدمة خاصة من مقدمات الحكمة، و هي إنّه لا معنى، بل من اللّغو تحليل بيع لا بعينه.

و حينئذ يتعين الاحتمال الأول، و هو الإطلاق الشمولي و ذلك بواسطة القدر المشترك من مقدمات الحكمة بعد ضم هذه المقدمة الخاصة.

هذا حاصل ما أفاده السيد الخوئي (قده) (1) في مقام الجواب عن السؤال المتقدم.

و ما ذكر السيد الخوئي (قده) فيه مواضع للنظر نذكر منها نكتتين:

1- النكتة الأولى، هي: إنه ليس استفادة الشمولية تارة، و البدلية أخرى، مستندة إلى لغوية الآخر، و امتناعه كما تقدم في كلام السيد الخوئي‏

____________

(1) محاضرات فياض: ج 4 ص 113- 114- 115.

308

(قده)، إذ ليس الميزان الفني في استفادة البدلية أو الشمولية، هو عدم معقوليّة الآخر.

و ذلك ببرهان، أنه في كثير من الموارد يكون كل من الشموليّة و البدليّة معقولا، و رغم ذلك، لا شك أنّ الفهم العرفي يقتضي تعيين واحد منهما، و ذلك كما في موضوعات الأوامر، دون متعلقاتها. فمثلا حينما يقول:

«أكرم العالم»، فإنّه بالنسبة إلى الموضوع، و هو العالم، لا إشكال في كون الإطلاق فيه شموليا، و الحكم فيه ثابت لكل فرد من أفراد طبيعة العالم، مع أنه لا إشكال و لا لغوية في كون الإطلاق بدليا بمعنى أنّه لا يجب إكرامه بكل أشكال الإكرام، أو إنه يجب إكرام عالم «ما» فقط، و إن كان الإطلاق بجانب العالم شموليا. إذن فكل من الشموليّة و البدلية معقوليّته على حد واحد.

ففرق، بين أكرم «العالم أو العلماء، أو عالما».

أمّا حين يقول «العالم أو العلماء»، هنا نستفيد الإطلاق الشمولي، فينحل إلى عدد العلماء.

فمثلا، كلمة مسجد، في قوله «طهّر المسجد»، إطلاقها شمولي، بينما بحسب مقام الثبوت، الشموليّة و البدلية فيها، كلاهما معقول، إذ يعقل أن يأمر بتطهير مسجد واحد لا بعينه، كما يمكنه أن يأمر بتطهير جميع المساجد.

فاستفادة الشمول هنا، لم تكن باعتبار أداة العموم، بل بحسب الإطلاق و مقدمات الحكمة، و مع هذا ثبت أنّه إطلاق شمولي، و إن كان الإطلاق البدلي معقولا أيضا.

و هذا يبرهن على أنّه وراء استحالة البدليّة في مورد أو الشموليّة في مورد آخر، نكتة، هي التي تقتضي أن يكون الكلام شموليا أو يكون بدليا.

309

2- النكتة الثانية، هي: إنّه في موارد متعلق الأوامر- كما في المثال الأول- إذا أردنا أن نطبّق فكرة كون الاحتمالات ثلاثة: فإذا كان الأول غير معقول، و أن الثالث تنفيه مقدمات الحكمة، فيتعين الثاني.

أقول: ما أفيد بهذه الطريقة ليس كافيا، كي ننتهي إلى البدلية، لو لم يكن وراء هذه الطريقة نكتة، هي التي أوصلتنا إلى هذه النتيجة، و ذلك لأنّنا إن بنينا على أنّ القدرة ليست شرطا شرعيا في مدلول الخطاب، و إنّما هي شرط في مقام الامتثال كما ذهب إليه السيد الخوئي (قده) دون أن يفرّع عليه في أيّ مورد، و لكن بنينا على أنّ القدرة شرط عقلي، فهنا لا بأس بحمله على الإطلاق الاستغراقي بحيث يشمل كل أفراد المتعلق، غاية الأمر أنّ العقل يحكم بتنجز المقدور منها.

و أمّا إذا بنينا على المبنى المشهور، و هو أنّ القدرة شرط عقلي في الخطاب، حينئذ حيث أنّ القدرة قيد عقلي لبّي متصل فلا بأس أن يقال، بأنّ الشمولية تثبت بالمقدار المقدور لأفراد المتعلق، و في حدود هذا المقيّد المتصل، المقيّد لدائرة الإطلاق الشمولي، و حينئذ يكون كبقية المقيّدات للإطلاقات الشموليّة.

و هنا لا يقال: أيّ قرينة على تعينه؟ لأنه يقال: بأنه مقيد بمخصص متصل.

و هكذا لو قلنا: بأنّ الخطاب يقتضي تقييد المادة بالمقدور منها، حينئذ يكون الحال فيها أوضح، فهنا حين حمل الخطاب على الحصة المقدورة لم يكن اعتباطا بل كان بضم المخصّص المتصل، غايته أنّه يضيّق الإطلاق الشمولي بقرينة متصلة، إذن لا بدّ من ذكر نكتة أخرى تقتضي البدليّة في متعلقات الأوامر، و الشمولية في متعلقات النواهي و تحل الإشكال، و تكون وراء هذا الكلام.

و قد تقدّم شرح هذه النكتة مفصلا في بحث المرة و التكرار نعيده هنا مجملا فنقول:

310

إنّ الشمولية و البدليّة تارة تكون مفادا لأداة العموم من قبيل قولنا:

«أكرم كل عالم»، فإنّ الشمولية هنا استفيدت من أداة العموم، و هي «كلّ»، و من قبيل قولنا: «أكرم أيّ عالم»، فإنّ البدليّة هنا قد استفيدت من أداة العموم و هي «أيّ»، و هذا النحو من الشموليّة و البدلية خارج عن محل الكلام كما هو واضح لأن استفادتها كانت من اللفظ و هو أداة العموم، و ليس بواسطة مقدمات الحكمة التي هي محل السؤال و الإشكال.

و تارة أخرى تكون الشمولية و البدليّة في موارد الإطلاق و مقدمات الحكمة، و هذا النحو هو محل الكلام، و قد توهم في هذا النحو فقيست المطلقات على العمومات و تصوّر فيها أنّ البدليّة و الشموليّة من شئون إطلاق اللفظ و مقدمات الحكمة.

و لذا أورد السؤال المتقدم، و هو: إنّ مقدمات الحكمة في كلا الموردين واحدة، فكيف أنتجت في أحد الموردين الشمولية و في المورد الآخر البدليّة؟.

و الصحيح إنّ هذا توهم، فإنّ الشموليّة و البدليّة في موارد الإطلاق، و مقدمات الحكمة، خارجتان عن مدلول اللفظ و ليسا مدلولين، لا لمقدمات الحكمة، و لا للوضع.

بل إنّ غاية ما تقيده مقدمات الحكمة و الإطلاق هو أنّ الطبيعة بذاتها وقعت موضوعا للحكم، أو متعلقا له، من دون قيد زائد عليها، لأنه يقال:

إنّ المولى في مقام البيان، فلو أراد قيدا زائدا على ذات الطبيعة لبيّنه، و حيث أنّه لم يبيّنه، فيدل ذلك على أنّ موضوع حكمه، أو متعلقه، هو ذات الطبيعة:

فهذا ما تنتجه مقدمات الحكمة في جميع الموارد، غاية الأمر أنّ هذا الحكم المنصب على ذات الطبيعة.

تارة يفرض أنّه قابل للانحلال في مقام تطبيقه على مصاديقه.

و أخرى يفرض أنّه غير قابل لذلك.

311

فإن كان الأول، سمّي بالشموليّة، و إن كان الثاني سمّي بالبدليّة.

فالشمولية و البدليّة في موارد الإطلاق و مقدمات الحكمة ليس مفادا للفظ، لا بالوضع و لا بمقدمات الحكمة، ليتوجه السؤال و الإشكال، و إنّما هما من شئون الطبيعة.

و توضيح ذلك هو: إنّ الحكم له موضوع، و له متعلّق، كما في قولنا:

«أكرم العالم». فإنّ موضوع الحكم هو «العالم» و متعلقه هو «الإكرام».

و من الواضح أنّ الموضوع دائما يفرض في مرتبة سابقة على الحكم، لتوقف الحكم على الموضوع، إذ لا بدّ من فرض وجود عالم كي يوجب المولى إكرامه.

و أمّا المتعلق و هو «الإكرام»، فلا يفرض وجوده قبل الحكم، و إلّا لكان طلبه تحصيلا للحاصل. فالمتعلق دائما يكون من تبعات الحكم.

و مبنيا على ذلك يقال: إن الأصل في طرف الموضوعات هو انحلال الحكم و تعدّده بتعدد الموضوع.

أو فقل: إنّ الطبيعة المفروض الفراغ عنها قبل الحكم، تستتبع لا محالة انطباقها على جميع مصاديقها، و بهذا يتعدّد الحكم بتعدّد مصاديق تلك الطبيعة من قبيل ما يقال في شأن القضايا الشرطية. فقولنا: «أكرم العالم»، يرجع إلى قولنا: إن كان هذا عالما وجب إكرامه، هذا في طرف الموضوعات.

و أمّا في طرف المتعلقات: فالأصل يقتضي العكس، أي: عدم التعدد بتعدّد الحكم، لأنّ المتعلق لم يفرض وجوده في مرتبة سابقة، كي يتعدد الحكم طبقا لتعدد مصاديقه، و ذلك لأنّه إنّما يثبت بنفس الحكم، فلا موجب لتعدده.

و إن شئت قلت: إنّ الموضوع لأنّه كان لا بدّ من فرض وجوده في مرتبة سابقة على الحكم، كان لا بدّ من تعدد الحكم بتعدد الموضوع في مقام‏

312

جعل الحكم على الموضوع، لأنّ المولى قد فرض وجود العالم خارجا، و هو يعلم بتعدد مصاديقه. فإذا جعل له حكما لا بدّ و أن ينحلّ هذا الحكم إلى أحكام متعددة بعدد أفراد العالم، و هذا ما يسمّى بالشموليّة.

و أمّا في طرف المتعلق: فالمفروض أنّ المتعلق من تبعات الحكم، و يوجد بعد وجود الحكم، و عليه فلا يتعدد الحكم بتعدده، و هذا ما يسمّى بالبدليّة.

و بعبارة أخرى: إنّ القضية الحقيقية التي أنيط فيها الحكم بالشرط، أو الجزاء بفرض الشرط، يتعدد فيها الجزاء بعدد فعليّات ذلك الشرط، و ليس بلحاظ المتعلق. إذ لا يتعدد الجزاء بعد فعليات شي‏ء آخر لم ينط الجزاء به.

و في المقام، الذي أنيط به الحكم، هو الموضوع دون المتعلق. فمن هنا يتعدد الحكم بتعدد الموضوع، و لا يتعدد بتعدد المتعلق.

و من هنا ذكرنا في المرة و التكرار إنّ الأصل في طرف الموضوعات، هو انحلال الحكم و تعدده بتعدد الموضوع، و الأصل في طرف المتعلّق هو عدم الانحلال، و الأصل الأول عبارة عن الشمولية، و الأصل الثاني عبارة عن البدليّة.

ثم إنّه قد استثني من كل من هذين الأصلين استثناء بواسطة قرينة.

أمّا ما استثنى من الأصل الأول في طرف الموضوعات، فهو ما لو كان الموضوع فيه منونا بتنوين التنكير، كما لو قال: «أكرم عالما»، فإنّه و إن كان مقتضى الأصل فيه تعدد الحكم بتعدد الموضوع، و هو «العالم» كما عرفت إلّا أنه في المقام يوجد قرينة على عدم التعدد، و على كون الموضوع مأخوذا على نحو البدليّة، و هذه القرينة هي تنوين التنكير، إذ إنّ تنوين التنكير ظاهرة في أخذ قيد الوحدة، و هذا لا يجتمع مع الشموليّة، فيكون الإطلاق في المقام هو البدليّة في طرف الموضوع، و هذا خروج عن الأصل، لوجود قرينة على ذلك.

و أمّا ما استثنى من الأصل الثاني في طرف المتعلقات و الذي كان‏

313

مفاده عدم تعدد الحكم بتعدد المتعلق، فقد استثنى منه متعلقات النواهي، إذ مقتضى الأصل فيها و إن كان عدم انحلال متعلقاتها كما عرفت، إلّا أنّه قد خرجنا عن هذا الأصل بقرينة، و هي إنّ النهي إنّما ينشأ عن مفسده، و الغالب كون المفسدة انحلاليّة و متعددة بعدد أفراد الطبيعة. فمفسدة الكذب مثلا تنحل إلى مفاسد بعدد أفراد الكذب، فهذا هو الغالب في المفسدة، و هذه الغلبة تكون قرينة على انحلال و تعدد الحكم بتعدد أفراد المتعلق، و بذلك كان الحكم في متعلقات النواهي انحلاليا و شموليا على خلاف أصله، و ذلك للقرينة المذكورة. بينما في متعلقات الأوامر، فإنّ هذه الغلبة غير متحققة فكان الحكم فيها جاريا على مقتضى الأصل المتقدم، و هو عدم الانحلال، فيكون الحكم بالنسبة للمتعلق فيها بدليا.

و بهذا يثبت أن الحكم في الأوامر بالنسبة لمتعلقاتها بدلي، و في النواهي شمولي، و حينئذ لا يرد السؤال و الإشكال المتقدم، لأنّ هذه الشموليّة، لم تكن مستفادة من اللفظ، لا بالوضع و لا بمقدمات الحكمة.

بينما كان السؤال و الإشكال المتقدم مبنيا على كون الشموليّة و البدليّة مستفادين من اللفظ بواسطة مقدمات الحكمة، و لكن بعد أن ثبت أنّ الشمولية و البدليّة ليست مستفادة من اللفظ، لا بالوضع و لا بواسطة مقدمات الحكمة، ينقطع ذلك السؤال و الإشكال.

و قد اعترض السيد الخوئي (قده) (1) على كون الغالب في المفسدة الانحلال باعتراضين:

1- الاعتراض الأول: هو إنّ قرينيّة غلبة المفسدة على كونها انحلاليّة، إنّما تتم بناء على تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد.

و أمّا بناء على مذهب «الأشاعرة»، من إنكار التبعيّة للمصالح و المفاسد، فلا تتم هذه القرينة، لأنّ النهي حينئذ لا يكون ناشئا عن مفسدة

____________

(1) محاضرات فياض: ج 4 ص 107- 108- 109- 110- 111- 112- 113.

314

ليقال: إنّ الغالب كون المفسدة انحلاليّة، فيصير ذلك قرينة على ما ذكر.

و هذا الاعتراض غير تام، و ذلك لأنّ كلامنا في الظهور العرفي اللغوي للكلمة، بينما النزاع بين «الأشاعرة» «و الإمامية» في التبعية نزاع ثبوتيّ في الأحكام الشرعيّة خاصّة.

و من الواضح أنّ «الأشاعرة» و إن كانوا ينكرون ذلك في أحكام الله تعالى، فهم لا ينكرون تبعيّة نواهي الناس للمفسدة، و هذا كاف في تماميّة القرينة المدّعاة، لأنّ محل كلامنا، هو نواهي الناس، و كون المفسدة هي ملاك هذا النهي في كل فرد من أفراد الطبيعة، سواء أ كانت هذه المفسدة ملاكا في كلام المكلّف، أو المولى، إذ لا ربط لهذا البحث، ببحث التبعية بين «الأشاعرة» و «الإماميّة» لا سيّما و نحن في مقام تأسيس ظهور عرفي، إذ المدّعى غلبة انحلاليّة «المفسدة»، ملاك النواهي العرفية لا الشرعيّة، و غلبة انحلال هذه المفسدة تستوجب الظهور العرفي في النهي، و بذلك يكون هذا الظهور حجة لو صدر هذا النهي من الشارع أيضا.

و بهذا يظهر الفرق بين الأوامر و النواهي، لأنّ الأمر يسقط بالعصيان أو الامتثال لما قلناه، بينما النهي خلاف ذلك، فإنّه لا يسقط بالعصيان مرة و ذلك لما قلناه من جهة تعدّد الحرمة و النهي، و ظهور غلبة المفسدة و انحلال الملاك فيه.

2- الاعتراض الثاني، هو: انّ المفروض، أنّا لا نعلم بملاكات المولى، إلّا عن طريق خطاباته، حيث نستكشف انحلالية ملاكاته بانحلالية خطاباته، و معه لا يعرف أنّ الملاك و هو «المفسدة»- كما في محل الكلام- انحلالي، إلّا إذا علمنا بانحلالية الخطاب.

و عليه فكيف يحكم بانحلالية الخطاب لانحلاليّة الملاك؟ إذ لازم ذلك هو الدور.

و هذا الاعتراض قد اتضح دفعه من جواب الاعتراض الأول، إذ إنّنا لا ندّعي انحلال ملاكات الشارع ليرد هذا الاعتراض، بل المدّعى هو انحلاليّة ملاكات النواهي العرفية- نواهي الناس- لا الشرعيّة، لأنّ الغالب نشوء

315

نواهي الناس عن مفاسد انحلاليّة، و هذه الغلبة في نشوء مفاسد نواهي الناس، تكون قرينة تستوجب ظهور الكلام في الانحلالية، فيكون حجة، و حينئذ فإذا صدر مثل هذا الكلام، و هو النّهي من الشارع، نحكم بانحلاليته، لأنّ المولى لم يخترع لنفسه طريقة غير هذه الطريقة التي سار عليها عرف الناس، بل أمرهم على مثل ذلك.

و بذلك تثبت انحلالية النّهي إذا صدر من المولى، و ذلك بواسطة القرينة المذكورة، فيكون مفاد النّهي هو الانحلاليّة و الشموليّة، بينما يبقى مفاد الأمر على الأصل، و هو عدم الانحلاليّة في متعلقه، لعدم وجود مثل هذه القرينة فيه. و بذلك يندفع السؤال المتقدم.

و الخلاصة، هي: إنّنا نعرف ممّا تقدّم، لما ذا يبقى النهي بعد العصيان، و لا يبقى الأمر بعد العصيان أو الامتثال بل يسقط، و هذا بخلاف النهي، فإنّه حتى بعد صدور امتثاله، يبقى مفعول خطابه، فإنه إذا عصى و شرب الخمر في المرة الأولى، لا تسقط حرمة شرب الخمر في الساعة الثانية، بل يبقى خطاب، «لا تشرب الخمر» ساريا، و كذلك من امتثل، و لم يشرب الخمر مرة واحدة، فإنّه لا تسقط حرمة شرب الخمر بعدها، بل يبقى خطاب «لا تشرب الخمر» مستمرا.

و معنى هذا: إنّه يوجد خطابات متعددة بلا تشرب الخمر، و أحكام متعددة تنتظر امتثالها و عصيانها، بخلاف الأوامر، فأنّه حيث لا يوجد إلّا أمر واحد و تكليف واحد، لا يبقى عصيان بعد العصيان الأول للأمر، و لا امتثال بعد الامتثال الأول له.

فعدم التكليف و بقاؤه من حيث انحلاليّة الحكم في جانب النواهي، و عدمه في جانب الأوامر، هو لما عرفت.

و بذلك ظهر أن ما ذكره المحقق الخراساني (قده) (1) في «الكفاية»،

____________

(1) كفاية الأصول: المشكيني- ج 1 ص 233.

316

من إمكان إثبات النّهي بعد العصيان، بالتمسك بإطلاق المتعلق، حيث فسّر بقاء النّهي بمقتضى إطلاق المتعلق للشرب الثاني، حيث أن هذا الكلام غير صحيح لما أوضحناه، من أنّ إطلاق المتعلق الثابت بمقدمات الحكمة، لا يقتضي أكثر من كون الطبيعة بما هي موضوع لهذا الأمر.

و أمّا كون هذا الأمر استغراقيا، أو انحلاليا، فإنّه يحتاج إلى قرينة أخرى كما عرفت.

و أمّا بقاء النّهي بعد العصيان الأول، فإنّه من تبعات تكثّر النّهي و تعدد الحكم كما عرفت أيضا.

و هذا التعدّد لا يفي به إطلاق المتعلّق الثابت بمقدمات الحكمة، إذ إنّه على نهج واحد في الموضوعات و المتعلقات، كما تقدم معنا.

الجهة الثالثة: [فرق آخر بناء على أن النهي كان نهيا واحدا، و لم يكن انحلاليا]

و هي: إنه لو فرض أن النهي كان نهيا واحدا، و لم يكن انحلاليا و استغراقيا- بعد أن أثبتنا استغراقيّته بقرينة في باب النواهي- بحيث صار مفاد «لا تشرب الخمر» حكما واحدا و إلزاما واحدا، كمفاد الأمر بالطبيعة، نقول: مع هذا سوف يبدو لنا فرق بين الأمر و النّهي غير الفرق الذي ذكرناه في الجهة الثانية، حيث ذكرنا هناك أنّ مرجع أحدهما الانحلال إلى تكاليف متعددة و أمّا هنا فكل منهما تكليف واحد و تحريم واحد، و هذا لا يتحمّل وجوبين و عصيانين، بل لا فرق بينهما من حيث السقوط بالعصيان، حيث يرتفع النّهي بعد العصيان الأول.

و بهذا يتساوى الأمر مع النّهي، و بهذا يزول الفارق المتقدم.

و لكن مع هذا يبقى بينهما فرق هو في كيفيّة امتثال هذا الأمر و النّهي، فخطاب «صلّ» يمتثل بإتيان أحد أفراد الطبيعة و من ثم يسقط الأمر و لا يكون عصيانه إلا بترك تمام إفراد الطبيعة.

و أمّا في جانب النّهي، فالتحريم الواحد يمتثل باجتناب تمام أفراد

317

الطبيعة، و لا يكفي اجتناب بعض أفرادها، و إنما يقع العصيان و يحصل، بإيقاع فرد واحد من أفراد الطبيعة، و حينئذ يعتبر المكلّف بهذا عاصيا، و يسقط النهي حينئذ.

و هذا هو مفاد الكلام المشهور بين الأصوليين، بأنّ الأمر يمتثل بإيجاد فرد من أفراد الطبيعة الواحدة مفهوما، و لا تنعدم إلّا بانعدام تمام أفرادها.

و هذا الفارق فسّره الأصوليون على أنه مفاد حكم عقلي، و ليس مفاد دلالة لفظيّة، حيث قالوا: بأنّ الطبيعة مطلوبة الوجود في جانب الأمر، و هو يحصل بإيجاد فرد واحد، و مطلوبة العدم في جانب النّهي، و هو لا يحصل إلّا بانعدام جميع أفرادها.

و بما ذكرناه من التمييز بين هذا الفارق، و الفارق في الجهة السابقة، يتضح جملة من المغالطات وقعت في كلام الأصوليين، منها- على سبيل المثال- ما وقع في كلام المحقق العراقي (قده) (1) عند ما أراد أن يعالج الفرق بين الأمر و النهي «حيث لا يبقى الأمر بعد العصيان. بينما يبقى النهي بعد العصيان». حيث طرح النكتة التي ذكرناها سابقا. و أجاب عليها بالكلام المشهور حيث جعل الفارق العقلي في كيفيّة الامتثال، هو الفارق حيث يمتثل الأمر بإيجاد فرد، و النهي بإعدام جميع الأفراد كما ذكرناه آنفا بينما هذا ليس له دخل بل هو من تبعات ما عالجناه في الجهة الثانية.

و من الواضح أنّ كلام المحقق العراقي (قده) لا ربط له في دفع السؤال و الإشكال.

و قد عرفت أنّ الانحلالية في النّهي هي الموجب لبقاء النّهي بعد العصيان، و عدم الانحلاليّة هي الموجب لعدم بقاء الأمر بعد العصيان.

و بعد اتضاح هذه المسألة يتبيّن عندنا فارقان:

____________

(1) مقالات الأصول: العراقي- ج 1- ص 121- 122.

318

الأول: هو فارق الانحلالية.

و الثاني: فارق في طريقة امتثال كل من الأمر و النّهي.

و لا ينبغي أن نجعل أحد الفارقين ملاكا للآخر، حينئذ نسأل: هل صحيح أنّ الأمر و النّهي يختلفان في كيفية الامتثال؟ أم إنّهما يختلفان في شي‏ء آخر؟.

و قد استشكل المحققون المتأخرون عن صاحب (الكفاية) في هذا الفارق و أنكروه، و قد تعرضنا في بحث المرة و التكرار لهذه المسألة و لاعتراضات المتأخرين، و أجبنا عنها مفصلا، و أثبتنا صحة ما ذهب إليه المشهور في حلّها.

و ملخّص ما أجبنا به عن هذه المشكلة في بحث المرة و التكرار هو:

إننا إذا لاحظنا الوجود الخارجي للكلّي الطبيعي، فهناك نظريتان في تصوير وجوده في الخارج:

1- النظرية الأولى، و هي: الصحيحة و المشهور، و هي إنّ الكلّي الطّبيعي موجود بوجودات كثيرة، و لهذا قالوا: إنّ نسبة الكلي الطبيعي إلى أفراده الخارجية، هي نسبة الآباء إلى الأبناء، و في مقابل كل وجود من هذه الوجودات عدم.

2- النظرية الثانية، كما ينقلها ابن سينا (1) عن رجل همداني فيلسوف، هي: إنّ الكلّي الطبيعي له وجود واحد عددي، و هذا الوجود الواحد العددي يوجد مع أول فرد، ثمّ تعرض عليه جميع العوارض العارضة

____________

(1) رسالة في الكلي الطبيعي: ابن سينا- ج 1 ط 1 ص 67.

منظومة السبزواري- تعليق الآملي: ص 146- 147- 148- 149.

الأسعار- الشيرازي- المقولة الثالثة: ج 2 ص 272- 273.

الشفاء- إلهيات- ابن سينا- المقالة السابعة- الفصل الثاني ص 314- 315.

319

على بقية الأفراد، و يعبّر عن هذا الكلّي الطبيعي، بأنّ نسبته إلى الأفراد نسبة الأب الواحد إلى أبنائه، بخلاف الأول، فإنّه في الكلي الهمداني، كل حالة للفرد هي حالة لأبيه الكلّي الطبيعي.

و هنا على مستوى البحث الفلسفي يقال: بأنّ الإتجاه الأول هو الصحيح و الثاني خطأ.

و على مستوى البحث الأصولي: فقد ربط البحث الأصولي بالبحث الفلسفي، فقيل: بأنّ الكلي الطبيعي إن كان وجوده على طريقة الفيلسوف الهمداني، فحينئذ، التفرقة بين كيفية امتثال الأمر و النّهي، تكون صحيحة كما تقدّم في كلام المشهور من أنّ الكلي الطبيعي يوجد بفرد واحد، و لا ينعدم إلّا بانعدام تمام أفراده، لأنّ وجود الكلّي الطبيعي في كل فرد محفوظ في ضمن ذلك الفرد فقط، و لا يعدم إلّا بانعدام ذلك الفرد. فالوجودات العديدة للطبيعة يقابلها أعدام عديدة، فإذا تعلق الأمر بوجود واحد، فإنّ النّهي يتعلق بعدم واحد من تلك الأعدام، و حينئذ لا يبقى معنى لكلام المشهور.

و أمّا إذا كان وجود الكلّي على النحو الأول المشهور، و هو الوجودات المتعددة؛ و أنّ وجود كل فرد ناقض لعدم الكلي الطبيعي في ضمن ذلك الفرد، فإنّه حينئذ لا نتصور أن تكون الطبيعة محفوظة في فرد واحد، و لا تنعدم إلّا بانعدام جميع الأفراد، إذ تقدم و قلنا: إنّ وجود الكلّي الطبيعي و إن كان في أفراد متعددة، إلّا أنّها مقابلة بأعدام متعددة بعددها.

و الخلاصة، هي: إنّ نسبة الكلّي الطبيعي إلى أفراده الخارجية، هي نسبة الآباء إلى الأبناء، و في قبال كل وجود منها عدم، كما هو المسلك الصحيح و المشهور.

و في مقابل ذلك، مسلك الفيلسوف الهمداني، من أنّ نسبة الكلي الطبيعي إلى أفراده نسبة الأب الواحد إلى أبنائه فما يصيب أحدهم يصيبه، و ما يطرأ على الفرد من أفراده يطرأ عليه.

320

و هنا على مستوى البحث الفلسفي يقال بصحة الأول و خطأ الثاني.

و لكن بعد ربط البحث الأصولي بالبحث الفلسفي، يقال: بأنّ الكلي الطبيعي، إن كان وجوده على طريقة الهمداني، فحينئذ، هذه التفرقة بين كيفية امتثال الأمر و النّهي، تكون صحيحة كما تقدم.

و أمّا إذا كان وجود الكلي الطبيعي على النحو الأول المشهور، و هو الوجودات المتعددة، و أنّ وجود كل فرد ناقض لعدم الطبيعة في ضمن ذلك الفرد لا مطلقا، إذن لا يبقى معنى محصل لما اشتهر من أنّ الكلي الطبيعي يوجد بوجود فرد واحد، و لا ينعدم إلّا بانعدام تمام أفراده، إذ لا نتصور أن تكون الطبيعة محفوظة في فرد واحد، و رغم هذا، لا تنعدم إلّا بانعدام جميع الأفراد، ذلك لأنّ وجود الطبيعي في ضمن كل فرد لا يحفظ إلّا في ضمن ذلك الفرد، و لا ينعدم إلّا بانعدام ذلك الفرد، إذ كما أنّ هناك وجودات عديدة للطبيعة، فأيضا هناك أعدام عديدة لها، و حينئذ إذا كان الأمر متعلقا بوجود واحد، فكذلك يكون النّهي متعلقا بعدم واحد من تلك الأعدام.

و قد تقدم في بحث المرة و التكرار أنّ الربط بين المسألة الأصولية و المسألة الفلسفية غير صحيح.

و أمّا بطلان مسلك الفيلسوف الهمداني، إنما كان بلحاظ المسألة الفلسفية، و عالم الوجود الخارجي للكلي الطبيعي.

و لكنّه بلحاظ المسألة الأصولية، و في عالم الذّهن، فإذا أمكن توصل الذهن البشري إلى انتزاع جامع، يكون قدرا مشتركا بين الأفراد، و انعدام ما به الامتياز بينها، فإنّه حينئذ يصح كلام الفيلسوف الهمداني، إذ لا إشكال في وحدة الكلي الطبيعي عنوانا و مفهوما، و نحن، كلامنا في الأوامر و النّواهي ينصبّ على هذا الوجود الذّهني لهذا العنوان و المفهوم الواحد، لا الوجود الخارجيّ له، إذ إنّ هذا الوجود الذهني المتعلق للأمر و النّهي ملحوظ بما هو مرآة للخارج، فما يكون من هذا الوجود الذهني متعلقا للأمر

321

حقيقة، ينحفظ بفرد واحد، و لا ينعدم الّا بانعدام تمام أفراده.

و لعلّ ذلك هو معنى الكلام المشهور، حيث يكون المطلوب في الأمر حفظ ذلك المفهوم الذهني، بينما يكون المطلوب في النواهي إعدامه.

و قد عرفت تفصيل ذلك في بحث المرة و التكرار.

الجهة الرابعة: و هي تشتمل على تنبيهين‏

مرتبطين بالجهتين السابقتين:

1- التنبيه الأول، هو: إنّ الفارقين المذكورين في الجهة الثانية و الثالثة و اللّتين تميزان النّهي عن الأمر، محفوظان و ثابتان للنّهي‏

سواء قلنا بأنّ النّهي عبارة عن الزّجر عن الفعل كما هو الصحيح. أو قلنا إنّه عبارة عن طلب الترك. إذ لا فرق بين قول: «لا تشرب الخمر»، و بين قوله: «أترك شرب الخمر»، و السرّ فيه، هو إنّ النكتتين اللّتين أوجبتا الفارقين، موجودتان في قوله «اترك شرب الخمر»، كما هما موجودتان في قوله «لا تشرب الخمر».

فنفس ما يستفاد من الأول يستفاد من الثاني، لما قلناه من وجود كلتا النكتتين في طلب الترك، و هما كون نشوء طلب الترك، غالبا ما يكون من مفسدة انحلالية في الفعل، فيكون الحكم انحلاليا، و نكتة كون الطبيعة لا تترك إلّا بترك تمام أفرادها، فيكون امتثال الحكم بترك تمامها.

2- التنبيه الثاني، هو: إنّك قد عرفت في الفارق بين الأمر و النّهي، أنّ الأمر يتعلق بإيجاد الطبيعة، و بما أنّ الطبيعة توجد بوجود فرد واحد، فيكتفى في باب الأوامر، بإيجاد فرد واحد، و أمّا في النّهي فلا بدّ من إعدام جميع الأفراد

، لأنّ النّهي متعلق بالطبيعة، و إعدامها، و الانتهاء عنها لا يكون إلّا بترك جميع أفرادها. و قد عرفت أن هذا الفارق أمر يدركه العقل، و يحكم به. و لا يمكن التخصيص في الحكم العقلي. و من هنا قد ينشأ إشكال بالنسبة للجامع الانتزاعي كعنوان «أحدهما، أو أحدهم» حيث خرج‏

322

عن مقتضى هذه القاعدة العقلية، و ذلك لأنه إذا قال المولى: «ائت بأحد الفردين»، و أتى المكلّف بفرد واحد، فهذا يكون على مقتضى القاعدة، حيث يكتفى بالإتيان بفرد واحد.

و لكن لو قال المولى: «لا تأت بأحدهما»، فمقتضى القاعدة هو وجوب الاجتناب عن كلا الفردين لأنّ النّهي تعلّق بعنوان أحدهما، فلا بدّ من ترك كلا الفردين كي يتحقق إعدام العنوان كما هو مقتضى القاعدة، مع أنّنا نرى أنّ الاجتناب عن عنوان أحدهما يكفي فيه ترك أحد الفردين فقط و حينئذ يقال: كيف خرج هذا النحو عن مقتضى القاعدة، مع أنّ القاعدة قد حكم بها العقل، و حكمه غير قابل للتخصيص؟.

و إن شئت قلت: إنّ حكم العقل، بأنّ الطبيعة توجد بانوجاد فرد واحد، و لا تنعدم إلّا بانعدام جميع أفرادها، هذا الحكم العقلي ينطبق على كل كلي عقلي و طبيعة ما عدا الجامع الانتزاعي مثل «أحدهما»، فإنّ المولى لو طلب إيجاد أحدهما، اكتفي بإيجاد واحد من أفراد الطبيعة.

بينما إذا طلب المولى إعدام أحدهما، أو ترك أحدهما، فإنّه لا يفهم من خطابه تركهما و إعدامهما معا، مع أنّه من الواضح، أنّ الحكم العقلي، أو القاعدة العقلية لا تقبل التخصيص.

و في مقام الجواب عن ذلك نقول: إنّ الصحيح هو أنّ عنوان «أحدهما» و ما شابهه، ليس من الجوامع الحقيقية من قبيل الإنسان لأفراده، بل عنوان أحدهما هو مجرّد أمر ذهني يشار به إلى فرد بعينه في الخارج، أو إلى أحد فردين لا بعينه في الخارج.

و حينئذ لا يكون هذا جامعا ينطبق على كلا الفردين، المشار إليه و غيره كما في بقية الجوامع، و إنما هو كما في الواجب التعييني و التخييري، فيكون عنوان أحدهما من قبيل الدالة الجبريّة و الرياضيّة التي يعبّر بها عن الأعداد.

323

فلفظ «س» تارة يرمز به إلى عدد «ثلاثة»، و أخرى يرمز به إلى عدد «أربعة»، حيث لا يكون معنى ذلك، أنّ هذا اللفظ «الرمز» جامع بين العددين، و إنما هو بقوة قوله، «هذا أو ذاك» فلا يكون طلب ترك الجامع «أحدهما» طلبا لترك الجامع، و إنّما هو طلب لإلغاء و ترك إحدى الخصوصيتين.

و الدليل على ذلك هو أنّ كل جامع لا يعقل انطباقه على الفرد بخصوصية و إنما ينطبق عليه بذاته دون خصوصيته لأنّ الجامع ينتزع عن الأفراد بعد إلغاء خصوصياتها كما هو واضح.

و هذا المعنى غير متحقق في عنوان «أحدهما» لأنّ هذا العنوان ينطبق على كل فرد من الفردين بخصوصيّته، فهو ينطبق بالنتيجة على الخصوصية بما هي خصوصية، و هذا بخلاف الجامع، فإنّه لا يمكن أن ينطبق على الفرد بخصوصيّته.

و هذا يبرهن، على أنّ هذا الجامع ليس بجامع حقيقي، و إنّما هو رمز، و بذلك، لا يلزم تخصيص القاعدة العقليّة، لأنّ القاعدة العقليّة، إنما كانت بالنسبة للنّهي إذا تعلّق بالجامع الحقيقي، فحينئذ، الانتهاء عنه لا يكون إلّا بترك جميع أفراده.

و هذه قاعدة مطّردة في جميع الجوامع الحقيقيّة إذا تعلق بها النّهي.

و أمّا في مثل عنوان «أحدهما» فيكتفى فيه بترك أحد الفردين إذا تعلق به النّهي، باعتبار أنّه ليس بجامع حقيقي كما عرفت.

إذن فلا تخصيص في هذه القاعدة العقلية.

و بهذا ينتهي الكلام في الجهة الرابعة، و بها يتم الكلام في الفصل الأول، أي: في صيغة النّهي.

الفصل الثاني: [فى مادة النهى‏]

و الكلام في الفصل الثاني في مادة النّهي يقاس على الكلام في صيغة النّهي في الجهات الأربع التي تقدمت.

324

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

325

اجتماع الأمر و النّهي‏

و الكلام في جواز اجتماع الأمر و النّهي و امتناعه، إنما يكون بعد فرض أصل موضوعي مفروغ عنه. و هذا الأصل الموضوعي، عبارة عن التضاد بين الأمر و النّهي إذا كان مركزهما واحدا، من دون أيّ فارق بين متعلقيهما من قبيل قوله: «صلّ و لا تصلّ».

و بعد الفراغ عن هذا الأصل الموضوعي، يقع الكلام في أنه إذا اختلف مركز الأمر و النّهي بالإطلاق و التقييد كما في قوله: «صلّ، و لا تصلّ في الحمّام»، أو اختلف مركزهما بالعنوان، من قبيل «صلّ، و لا تغضب»، فيما لو أضطر إلى الصلاة في الأرض المغصوبة، فهل إنّ اختلاف مركز الأمر و النّهي بأحد هذين النّحوين يكفي لدفع غائلة و محذور التضاد، بحيث يمكن أن يثبت الأمر و النّهي معا، أو لا يكفي؟.

و لتحقيق ذلك، لا بدّ من تحقيق ذلك الأصل الموضوعي، لنرى ما هو ملاك التضاد فيه، كي نبحث بعد ذلك، عن أنّ اختلاف مركز الأمر و النّهي بأحد هذين النّحوين، هل يرفع ملاك التضاد هذا، أو لا يرفعه؟

إذن، فيقع الكلام أولا في تحقيق ملاك التضاد بين الأمر و النّهي، إذا كان مركزهما واحدا و من دون أيّ اختلاف في متعلقهما الذي هو الأصل الموضوعي.

فنقول: إنّ توجيه خطابين إلى المكلف، من قبيل، «صلّ و لا تصلّ».

326

محال، و هذه المحاليّة نشأت من التضاد بين الحكمين، إذن لا بدّ أولا من معرفة مركز هذا التضاد.

و في هذا المقام، تارة نتكلم على غير مبنانا، كمبنى السيد الخوئي (قده) و أخرى نتكلم على مبنانا.

[التضاد على مبنى السيد الخوئي (قده): بين قوله: «صلّ، و لا تصلّ»]

أمّا على مبنى السيد الخوئي (قده): فلا تضاد بين قوله: «صلّ، و لا تصلّ» أصلا في أيّ مرتبة من مراتب الحكم.

و توضيح ذلك، هو أنّ للحكم مراتب ثلاثة:

1- المرتبة الأولى: مرتبة نفس الحكم.

2- المرتبة الثانية: مرتبة الامتثال.

3- المرتبة الثالثة: مرتبة المبادئ.

أمّا بلحاظ مرتبة نفس الحكم: فلا تضاد، على مبنى السيد الخوئي (قده)، لأنّ الحكم عنده مجرد أمر اعتباري، و هو سهل المئونة، فلا تضاد بين الوجوب و الحرمة، لأنّه لا تضاد بين الاعتبارين كذلك.

و أمّا بلحاظ عالم الامتثال. فأيضا، لا تضاد، لأنّ المكلّف، و إن لم يكن قادرا على امتثال هذين الحكمين، إلّا أنّ القدرة عند السيد الخوئي (قده) ليست شرطا في الخطاب، بل هي شرط في حكم العقل، و عليه فلا مانع من توجه هذين الخطابين إلى المكلف. فإن وصل أحدهما دون الآخر، حكم العقل بوجوب امتثاله، و إن وصلا معا، لم يحكم بأيّ منهما، لتساوي نسبة المولوية بالنسبة إليهما.

و أمّا بلحاظ عالم المبادي، أي مبادئ الحكم، كالحب و البغض:

فأيضا لا تضاد لأنه قد تكون مبادئ الحكم قائمة في نفس الجعل، لا في متعلقه، فلا يتّحد مركز المصلحة الفعلية مع مركز المفسدة الفعلية كما بنى على ذلك السيد الخوئي (قده). إذن فلا تضاد، أو لأنّ المبادئ، بمعنى‏

327

المصلحة و المفسدة، قائمة بالمتعلّق، إلّا أنه ينكر الحب و البغض في أحكام المولى كما هو ظاهر بعض الأصوليين فلا تكون المصلحة و المفسدة موجبة للحب و البغض، فبناء على ذلك، لا تضاد، إذ لا مانع من أن يكون شي‏ء واجدا للمصلحة و المفسدة معا.

و الحاصل: إنّه لا تضاد بين خطاب «صلّ» و خطاب «لا تصلّ» بناء على مبنى الخوئي (قده). و قد أوضحنا في محلّه بطلان هذه المباني.

[التضاد على مبنى السيد الشهيد (قده): بين قوله: «صلّ، و لا تصلّ»]

و أمّا إذا تكلمنا على مبانينا: فسوف نرى أنّ التضاد قائم بين هذين الخطابين.

أمّا بلحاظ عالم الحكم: فالتضاد موجود بين هذين الخطابين «صلّ، و لا تصلّ» في عالم الجعل و الحكم، باعتبار أن الحكم متقوم بداعي المحركيّة و الزاجرية. و من الواضح أنّ هذين الداعيين متضادان فيستحيل اجتماعهما على عنوان واحد.

أمّا بلحاظ عالم الامتثال: فلأنّ القدرة شرط في التكليف، و عليه، فحيث أن المكلف ليس له إلّا قدرة واحدة إذن فهو غير قادر على امتثالهما معا، إذ لا قدرة لهذا المكلف على أن يصلي، و لا يصلي، إذن فيستحيل أن يتوجه الخطابان معا إليه.

و إذا كان يمكن دفع محذور التضاد في باب التزاحم، عن طريق افتراض قدرتين مشروطتين كل منهما بعدم الأخرى، لكنه هنا في المقام غير معقول.

و أمّا بلحاظ عالم المبادي: فلا يمكن اجتماع هذين الخطابين المتضادّين، لأنّ الأمر يكشف عن مصلحة تامة و محبوبية فعلية في الفعل، و كذلك النّهي يكشف عن مفسدة تامة و مبغوضيّة فعلية قائمة في الفعل.

و عليه فلا يمكن تعلّقهما بشي‏ء واحد للزوم اجتماع الضدّين. و قد ذكرنا في بحث الجمع بين الأحكام الواقعية و الظاهرية أنه لا يعقل قيام المبادئ بنفس الجعل، بل هي قائمة بالمتعلق. و بناء عليه، فيحصل التضاد بينهما، لأن‏

328

مقتضى قوله: إنّ الصلاة ذات مصلحة و حب فعلي، و مقتضى قوله: «لا تصلّ»، أن الصلاة ذات مفسدة و بغض فعلي، و لا يعقل اجتماع هذين الأمرين في مركز واحد.

و بهذا يثبت التضاد بين «صلّ، و لا تصلّ» بلحاظ تمام مراتب الحكم، و بهذا تمّ الكلام في هذا الأصل الموضوعي.

[ارتفاع ملاك التضاد و محذوره باختلاف مركزي الأمر و النّهي بالإطلاق و التقييد، أو بالعنوان،]

ثم إنّه يقع الكلام ثانيا، في أنّ اختلاف مركزي الأمر و النّهي بالإطلاق و التقييد، أو بالعنوان، هل يرفع ملاك التضاد و محذوره على أساس مبانينا، كي لا يكون مانع من توجه الأمر و النّهي معا حينئذ، أو إنّه لا يرفعه، بل يستحيل توجه كلا الخطابين معا إلى المكلف؟

و لا يخفى أنّ الاختلاف بالإطلاق و التقييد، يبحث فيه من جهة واحدة، و هي إنّ هذا الاختلاف هل يكفي في جواز اجتماع الأمر و النّهي فيه، أو لا يكفي؟

و أمّا الاختلاف بالنحو الثاني فيبحث فيه من جهتين:

1- الجهة الأولى، هي: إنّ تعدد العنوان هل يوجب تعدد الخارج ليجوز الاجتماع؟

2- الجهة الثانية، هي: إنّه على تقدير أنّ تعدد العنوان لا يوجب تعدّد الخارج، حينئذ يبحث في أنّ نفس اختلاف العنوان، هل يصحّح اجتماع الأمر و النّهي أو لا يصحّح؟.

أمّا إذا كان الاختلاف بالنحو الأول، أي: بالإطلاق و التقييد

، من قبيل قوله، «صلّ»، و «لا تصلّ في الحمّام»، فإنّه في مثله لا تضاد بين الحكمين بحسب عالم المحركية و الزاجريّة، إذ يمكن فعليّة انقداح كلا الداعيين: داعي البعث نحو المطلق، و داعي الزجر عن المقيّد، في عرض واحد بلا أي محذور، فيأمر المولى بالمطلق بداعي المحركيّة، و ينهى عن المقيّد بداعي الزاجرية حينئذ بلا أيّ محذور.

329

و أمّا بلحاظ عالم الامتثال: فأيضا لا تضاد، لأنه يمكن للمكلف امتثالهما معا، بأن يأتي بالجامع بغير الحصة المحرمة كما لو صلّى في غير الحمّام.

و أمّا بلحاظ عالم المبادئ: فتارة تلحظ هذا التنافي بينهما بالنسبة إلى عالم الذهن و المفاهيم، أي: المعروض بالذات.

و أخرى تلحظ التنافي بينهما بالنسبة إلى عالم الخارج و الوجود الخارجي، أي: المعروض بالعرض.

أمّا إذا لاحظته بالنسبة إلى عالم الذهن، العالم الأول: فقد يقال بوجود تضاد بينهما، بتقريب أنّ الصلاة بعنوانها قد وقعت تحت الأمر مستقلة، فتكون محبوبة استقلالا بالفعل، كما أنها وقعت تحت النّهي، و معروضة للمبغوضيّة ضمنا، أي: ضمن المقيّد لأنّ النّهي قد تعلق بالصلاة بالحمّام، فتكون الصلاة بعنوانها واقعة ضمنا تحت النّهي، و بذلك تكون مبغوضة ضمنا.

و حينئذ يقال: كما أنه يستحيل اجتماع المحبوبيّة و المبغوضيّة الاستقلاليتين، كذلك يستحيل اجتماع المحبوبيّة الاستقلاليّة و المبغوضيّة الضمنيّة، إذ من غير المعقول، الأمر بالصلاة استقلاليا مع النّهي عن السجود ضمنيا، و ذلك لتضادهما.

و لكن الصحيح أنّ هذا الكلام غير تام، و توضيح ذلك هو: إنّه إذا أحبّ شخص شيئا مركبا من شيئين، كما لو أحبّ، «اللبن و الخبز مجتمعين» بحيث لا يكون كل منهما وحده محبوبا. ففي مثل ذلك ينحل هذا الحب إلى حبّين ضمنيّين، بمعنى أنّ حب اجتماعهما يحركه نحو إيجاد كل منهما.

و أمّا لو فرض أنه كان يبغض مركبا من شيئين، بحيث أنه كان لا يبغض كلا منهما وحده، ففي مثل ذلك لا ينحل بغضه إلى بغضين ضمنيّين، بمعنى أنّ‏

330

بغضه لاجتماعهما لا يحركه نحو إعدام كل منهما، و إنما يحركه نحو إعدام أحدهما فقط.

إذن ففي طرف الحب: لا يتحقق محبوبه إلّا بإيجاد الشيئين.

و أمّا في طرف البغض: فيمكن التخلّص من مبغوضه بإعدام أحد الشيئين.

و إن شئت قلت: إنّه فرق بين المحبوبيّة الضمنيّة، و المبغوضيّة الضمنيّة:

إذ الأولى لا يمكن اجتماعها مع المبغوضيّة الاستقلاليّة.

بينما الثانية يمكن اجتماعها مع المحبوبية الاستقلالية، إذ يمكن للمولى أن يبغض مجموع أمرين مع تعلق حبه الاستقلالي بأحدهما.

فالنتيجة هي: إنّ المحبوبية الضمنيّة يستحيل اجتماعها مع المبغوضيّة الاستقلاليّة، بينما يجوز اجتماع المبغوضيّة الضمنية مع المحبوبيّة الاستقلاليّة.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّه في مثل مقامنا لا يلزم اجتماع المحبوبيّة الاستقلاليّة مع المبغوضيّة الضمنية بالنسبة إلى قوله: «صلّ و لا تصلّ في الحمّام»، و ذلك لعدم كون الصلاة مبغوضة ضمنا بناء على ما ذكرناه، إذ المبغوض إنما هو المركب و هو «الصلاة في الحمّام» و هذا المبغوض لا ينحل إلى بغضين ضمنيّين، كما يشهد بذلك الوجدان.

و رغم كون الوجدان قائما على ذلك، فإنّ البرهان أيضا قائم على ذلك، و ذلك بدعوى، أنه لا معنى للمبغوضيّة الضمنيّة، و ذلك لأنّ البغض الضمني إمّا أن يكون له اقتضاء، أو لا، و على الثاني يلزم أن لا يكون جزءا من الاستقلالي، و على الأول، إن كان يقتضي ما يقتضيه الاستقلالي. فحينئذ لا يكون بغضا ضمنيا بل يكون عبارة أخرى عن البغض الاستقلالي، و إن كان يقتضي نفس ترك الصلاة التي هي جزء من المبغوض الاستقلالي المركب، من «الصلاة في الحمّام» فهذا معناه أنّ البغض الضمني اقتضى ما لا يقتضيه البغض الاستقلالي، و هذا خلف الضمنية، و عليه فلا يتمّ ما ذكر.

331

و إن شئت قلت بعد دلالة الوجدان: إنّ البرهان أيضا قائم على ما ذكرنا، بدعوى أنّ المبغوضيّة الضمنيّة غير معقولة في نفسها بخلاف المحبوبيّة الضمنيّة، لأنّ الحب عند ما يتعلّق بمجموع أمرين سيكون معنى ذلك، أنه تعلّقت بالجزءين محبوبيّتان ضمنيّتان، و يكون لكل من هاتين المحبوبتين اقتضاء غير مستقل لإيجاد الجزء الذي تعلّقت به تلك المحبوبيّة، و كذلك الأخرى، لا كاقتضاءين مستقلّين، بل كل محبوبيّة تشكّل جزءا من اقتضاء الحب الاستقلالي للمجموع، و هكذا فإنّ الحب الضمني يكون جزءا تحليليا لذلك الحب الاستقلالي للمجموع.

و أمّا البعض: فهو خلاف ذلك، فأنّه إذا تعلق بمجموع أمرين، فهو إنما يقتضي إعدام المجموع، و هذا يكفي فيه إعدام أحد الأمرين لا إعدام كليهما، و هذا الاقتضاء بخلافه في طرف الحب، فإنّه هنا في البغض لا يمكن أن يتبعّض الاقتضاء فينحل إلى بغضين ضمنيّين يتعلقان بكلا الأمرين المبغوضين كي يكون لهما اقتضاءان تحليليّان كما في الحب، ذلك لأنّه تعلق بإعدام المجموع و بغضه، لا بإعدام الجميع، و حينئذ يكون معنى ذلك أنّ البغض في صورته هذه يكشف عن عدم انحلال المبغوضيّة للمجموع إلى مبغوضيتين ضمنيتين، و ذلك لأنّه لو كان هناك بغض ضمني، فهو لا يخلو أمره من إحدى حالتين: فإمّا أن يكون له اقتضاء أو لا يكون:

فإن كان له اقتضاء لإعدام أحد الأمرين كما يقتضيه البغض الاستقلالي كان معناه أنه عبارة عن البغض الاستقلالي.

و إن كان يقتضي نفس ترك الصلاة التي هي الجزء من المبغوض الاستقلالي المركب منها، و من الكون في الحمام، فهذا معناه أنّ البغض الضمني اقتضى ما لا يقتضيه البغض الاستقلالي، و هو خلف كونه مبغوضا ضمنيا. هذا مع العلم أن المجموع يوجد بوجود كل أجزائه، بينما يكفي في إعدامه إعدام أحد أجزائه. و أمّا إذا كان ذلك البغض لا يقتضي، فيلزم من هذا أن لا يكون جزءا من المبغوض الاستقلالي و هو خلف كونه مبغوضا.

332

و قد يضاف إلى هذا البيان، بيان آخر، حيث يقال: إنما يتنافى الحب و البغض فيما إذا فرض تنافيهما في مقام الاقتضاء و التأثير، كما لو كان بين مقتضاهما تضاد ذاتي لا عرضي كما عرفت ذلك في باب التزاحم، حينئذ يستحيل اجتماعهما.

فلو فرض عالم آخر غير عالمنا، حيث يمكن فيه اجتماع النقيضين، لأمكن تعلق الحب و البغض بشي‏ء واحد، إذ إنّ البغض ليس نقيضا للحب بذاته، إذ لا تضاد ذاتي بينهما، و إنما التضاد و التنافي بينهما إنما هو بلحاظ متعلقهما.

و على هذا الأساس نقول: إنّه لا تنافي و لا تعاند ذاتي بين مقتضى الحب الاستقلالي لشي‏ء، و مقتضى البغض الضمني لذلك الشي‏ء نفسه، ذلك لأنّ البغض الضمني لا يقتضي أكثر من إعدام المجموع لا الجميع، و هذا لا يتنافى مع مقتضى الحب الاستقلالي لأحد جزأي المجموع لأنّ إعدام المجموع، لا يتوقف على إعدام هذا الجزء منه.

و إلى هنا ثبت أنه بحسب عالم الذهن و المعروض بالذات لم يلزم اجتماع الضدّين، فلا يكون هناك تضاد بين قوله «صل و لا تصلّ في الحمّام» بأي مرتبة من مراتب الحكم، حتى لو وقعت الصلاة مركزا للمحبوبية الاستقلاليّة، و مركزا للمبغوضية الضمنية.

و أمّا التنافي بين الأمر و النهي بحسب عالم الخارج و المعروض بالعرض، فقد يقال أيضا بأنّه: يلزم اجتماع الضدّين، بدعوى، أنّ الأحكام إنّما تتعلق بالعناوين الذهنية باعتبار حكايتها و مرآتيتها للخارج، و حينئذ، تكون الصلاة في الحمّام موردا للأمر و النّهي، لأنّ الصلاة في الحمّام هي وجود للمطلق و المقيّد، إذ إنّ الصلاة موجودة بعين وجودها في الحمّام عند الإتيان بها في الحمّام، فبما أنها وجود للمطلق تكون متعلقا للأمر، و بما أنها وجود للمقيد تكون متعلقا للنّهي، و بهذا يلزم اجتماع المحبوبية

333

و المبغوضيّة في شي‏ء خارجي واحد، و هو الصلاة في الحمّام، و هو غير ممكن، لاجتماع الضدّين.

و بتعبير آخر يدّعى: إنّ الأحكام إنما تتعلق بالعناوين باعتبار حكايتها و مرآتيتها للخارج، و حيث أنّه ليس في الخارج إلّا شي‏ء واحد، إذن، فقد صار هذا الوجود الواحد متعلقا للمحبوبيّة و المبغوضيّة الاستقلاليتين معا، و هو غير ممكن لأنّه اجتماع للضدّين.

و لكن هذه الشبهة غير تامة، و ذلك لأنّ الأحكام و إن تعلّقت بالعناوين الذهنية باعتبار حكايتها عن الخارج، و فنائها فيه، إلّا أنّ فناءها في الخارج و مرآتيتها له، إنما يكون بمقدار ما تساعد عليه المرآة من الكشف، أو فقل:

بمقدار مرآتية ذلك العنوان المتعلق و كشفه.

و قد تقدّم تحقيق كون الأمر متعلقا بالطبيعة بنحو صرف الوجود، فما هو مفنيّ فيه، هو صرف وجود الطبيعة في الخارج القابل للانطباق على أيّ فرد، و ليس هو الفرد بالذات، إذ الفرد مصداق للواجب، و ليس هو نفس الواجب، و لذا، لو أنّ المكلف أتى بفرد على أنّه هو الواجب، لكان مشرّعا.

و أمّا متعلق النّهي- و المعروض بالعرض لقوله، «لا تصلّ في الحمّام»، و المفنيّ فيه خارجا- إنما هو الفرد أو الحصة الخاصة التي تكون مرآة للفرد، لأنّ الإطلاق في النّهي شمولي، بينما المعروض بالعرض، و المفنيّ فيه خارجا لقول «صلّ»، إنما هو صرف وجود الطبيعة، و صرف الوجود لا يلحظ من خلاله الأفراد كي يكون المعروض بالعرض واحدا كما عرفت، و عليه فلم تجتمع المحبوبيّة و المبغوضيّة في مركز واحد خارجي في عالم المعروض بالعرض، و كذلك لم تجتمع في مركز واحد خارجي بلحاظ المعروض بالذات.

ثمّ إنّه في مقابل هذا الكلام، هناك بيانان لبيان استحالة اجتماع الأمر

334

بالصلاة و النّهي عن الصلاة في الحمّام، الذي هو محل الكلام، فإن تمّ أحدهما ملاكا للامتناع، فسوف نلتزم بالامتناع في هذا النحو.

1- البيان الأول: هو ما أفاده المحقق النائيني (قده) (1).

و حاصله هو: إنّ الأمر بمطلق «الصلاة»، مع النّهي عن «الصلاة في الحمّام»، متنافيان بالعرض لا بالذات، و ذلك لأنّ الأمر المتعلق بالصلاة أخذ على نحو الإطلاق البدليّ إذ إنّ هذا مفاد الأمر بصرف الوجود، و الإطلاق البدلي مرجعه إلى ترخيص المولى بتطبيق الصلاة على أيّ فرد من أفرادها و منها الصلاة في الحمام. و هذا ينافي حينئذ الصلاة في الحمّام.

إذن فالأمر بصرف الوجود يلزم منه الترخيص في التطبيق حتى على الصلاة في الحمّام.

و بذلك يكون التنافي عرضيا باعتبار هذا اللازم.

و إن شئت قلت: إنّه لا يوجد تضاد بين الأمر و النّهي المتعلقين بالمطلق و المقيّد حال كون التركيب اتحاديا و ليس انضماميا، لأنّ مركز الأمر هو صرف الوجود، و مركز النّهي هو الفرد، و لا تنافي ذاتي بينهما، و إنما التنافي بينهما بالعرض.

و هذا التنافي يقتضي عدم إمكان اجتماع الأمر بالصلاة و النّهي عن الصلاة في الحمّام، و ذلك لأنّ الأمر بصرف وجود الطبيعة يلزمه إمكان تطبيقها على أيّ فرد من أفراد الطبيعة خارجا حتى الفرد المحرّم. و حينئذ يقع تناف لا محالة، بين المدلول الالتزامي المستفاد من بدليّة متعلق الأمر، و بين النّهي عن الفرد.

____________

(1) فوائد الأصول، الكاظمي: ج 1- ص 259- 267 268.

- فوائد الأصول ج 2 الكاظمي- مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة تاريخ ذي الحجة الحرام 1404 ه.

335

و الفرق العملي المهم بين هذه الصياغة لبيان التنافي و الامتناع بالعرض، و بين الصياغة المتقدمة لبيان التنافي و الامتناع بالذات بين مدلولي الأمر و النهي، هو: إنّه بناء على الصياغة السابقة، لا يفرق الحال في الامتناع بين كون النّهي تحريميا، أو كراهيا، لأنه لا يعقل اجتماع المحبوبيّة مع المبغوضيّة و لو كانت خفيفة.

بينما بناء على أساس هذه الصياغة للميرزا (قده)، فامتناع الاجتماع يختص بما إذا كان النّهي تحريميا، بينما لا يوجد تناف فيما كان النّهي كراهيا، لأنّه لا مانع من اجتماع كراهة الصلاة في الحمّام مع الترخيص في تطبيق الأمر بالصلاة على الصلاة في الحمّام.

و على أيّ حال، فالصحيح عدم تمامية هذا البيان للامتناع.

و توضيح ذلك هو: ليس معنى الإطلاق البدلي المذكور هو الترخيص الفعلي في تطبيق الواجب على أيّ فرد من أفراده، و ليس معنى لازمه ذلك أيضا، بل المعنى المطابقي للإطلاق هو أخذ الطبيعة بلا قيد موضوعا للوجوب كما عرفت تحقيقه سابقا. فإن المستفاد من مقدمات الحكمة هو أنّ تمام ما أخذ في مقام الإثبات، هو تمام ما هو موضوع في مقام الثبوت، و ذلك لأصالة التطابق بينهما. إذ لو زاد مقام الثبوت على مقام الإثبات بشي‏ء لوجب بيان هذا الزائد، و المفروض أنّه لم يبيّن.

إذن فالمعنى المطابقي للإطلاق هو هذا المعنى المذكور، و لازم هذا المعنى هو عدم المانع من تطبيق الجامع على أيّ حصة من الحصص، لكن عدم المانع من قبل شخص هذا الوجوب، باعتبار ما عرفت من كون هذا الوجوب عرضا على الطبيعة، و أن معروضه هو ذات الطبيعة المبيّنة بحسب مقام الإثبات دون أخذ أيّ قيد فيها، و ليس المقصود عدم المانع الفعلي من قبل الشارع.

كما أن تشريع المولى لم ينحصر في هذا الأمر ليقال: إنّه إذا لم يكن‏

336

مانع في التطبيق من قبل هذا الأمر، فلا مانع أيضا من قبل الشارع.

و الخلاصة هي: إنّه وقع خلط في المقام بين الترخيص الوضعي المتمثل في اقتضاء الأمر، إذ الأمر يقتضي الترخيص الوضعي في تطبيق الحكم على أيّ فرد من أفراد الطبيعة المعروضة للحكم و الإجتزاء بأي فرد يحقق هذه الطبيعة، و معنى هذا: إنّ هذا لا ينافي أن يكون هناك مانع من ناحية أخرى، إذن فلا تنافي بين مدلول الأمر و النّهي لا بالذات، و لا بالعرض.

2- البيان الثاني: لاستحالة اجتماع الأمر بمطلق الصلاة مع النهي عن الصلاة في الحمّام.

و هو مبني على أن التخيير الشرعي يلازم التخيير العقلي في عالم الحب، لا في عالم الجعل و الإلزام.

و توضيح ذلك هو: إنّ الأمر في المقام تعلق بالجامع بنحو صرف الوجود، و في مقام التطبيق على الأفراد يحكم العقل بالتخيير، إلّا أنّ هذا التخيير العقلي لا يلزمه تخيير شرعي بحسب عالم الجعل و الإلزام، لأنّ معنى التخيير الشرعي في المقام أنّه يرجع هذا الأمر إلى أوامر متعددة مشروطة، مع أنّنا بيّنا سابقا أنّه ليس معنى قوله «صلّ»، يعني: صلّ في المسجد، إذا لم تصلّ في البيت، و صلّ في البيت إذا لم تصلّ في المسجد.

و السر في ذلك. هو: إنّ الأمر مرجعه إلى الجعل و الإلزام من قبل المولى:

فالمولى تارة يجعل الأمر على الطبيعة بنحو صرف الوجود، و حينئذ فلا يسري إلى الأفراد و لو تخييرا.

و أخرى يجعله على الأفراد، و حينئذ لا يصعد إلى صرف الوجود للطبيعة.

337

و عليه فلا تلازم بين التخيير العقلي و التخيير الشرعي بحسب عالم الجعل و الإلزام.

و أمّا بحسب عالم الحب: فيوجد تلازم بينهما، لأنّه إذا تعلق الأمر بالجامع بنحو صرف الوجود، فمعنى ذلك تعلق الحب بهذا الجامع، و مرجع هذا الحب إلى التخيير العقلي كما هو واضح، و هذا الحب يلزمه عقلا في نفس المحب أفراد كثيرة من الحب، فكلما توجه لفرد و فرض عدم الأفراد الأخرى، فسوف يحب ذلك الفرد. و هذا معنى التخيير الشرعي في الحب، فيكون كل فرد محبوبا له لكن بشرط عدم وجود بقية الأفراد الأخرى.

و حينئذ نقول في محل الكلام: إنّ الأمر المتعلق بصرف وجود الصلاة وراؤه حب متعلّق بصرف وجودها، و هذا حب مرجعه إلى التخيير العقلي كما عرفت، و يلازمه حب بنحو التخيير الشرعي، فإنّ هذا الحب سوف يسري إلى الأفراد، غايته أنّه يسري بدلا، لا جمعا. و بذلك ستكون الصلاة في الحمّام التي هي من جملة أفراد الصلاة محبوبة على تقدير عدم الأفراد الأخرى.

و كون الصلاة في الحمّام محبوبة و لو على تقدير، ينافي كونها مبغوضة على كل تقدير كما هو مقتضى النّهي عنها.

فبهذا يثبت استحالة اجتماع الأمر بالصلاة بنحو صرف الوجود مع النّهي عن الصلاة في الحمّام، فلا يكون الاختلاف بالإطلاق و التقييد كافيا في رفع ملاك التّضاد بين الأمر و النّهي.

و الخلاصة هي: إنّ الحب المتعلق بالجامع بنحو صرف الوجود، لازمه تعلّق الحب بكل فرد على تقدير عدم الأفراد الأخرى. و معنى هذا أنّ التخيير العقلي دائما يلزم منه التخيير الشرعي بلحاظ عالم الحب، و إن لم يكن كذلك بلحاظ عالم الجعل و الحكم، و هذا يقتضي التضاد بين النّهي عن‏

338

الحصة و الأمر بالطبيعة، لأنّ النّهي عن الحصص يقتضي تعلق البغض بالحصة، و الأمر بالطبيعة يقتضي تعلّق الحب بها مشروطا بترك الحص الأخرى. إذن فبلحاظ عالم الحب، يكون الحب ساريا من الطبيعة إلى الأفراد بنحو مشروط، و إن لم يكن كذلك بلحاظ عالم الجعل و الحكم، فيلزم بذلك اجتماع الضدّين، إذ إنّه كما لا يجتمع الضدان مطلقا، فكذلك لا يجتمعان مشروطا.

و لا يخفى أن هذا البيان موقوف على تسليم التلازم بين التخيير العقلي و التخيير الشرعي بحسب عالم الحب، أيّ: على تسليم إرجاع كون الحب المتعلق بالطبيعة إلى كل فرد من أفرادها مشروطا بعدم الأفراد الأخرى.

و هذا التلازم، و إن لم يبرهن أحد عليه، و لكن مع هذا، لا يستطيع أحد إنكاره، لأنّه وجداني، فمثلا: من يعطش فيشرب الماء، لا يقال له: إنّ حبك متعلّق بصرف الوجود للماء، فما شربته من الماء ليس هو المحبوب لك، بل هو مصداق له، فإنّ مثل هذا الكلام ينكره الوجدان، و إن لم يمكن دعمه بالبرهان.

و معنى هذا أنه بلحاظ عالم الحب و البغض، يلزم دائما من التخيير العقلي تخيير شرعي.

و عليه فلا يمكن اجتماع الأمر بمطلق الصلاة، مع النّهي عن الصلاة في الحمّام، كما تقدّم و عرفت في البيان الثاني.

فالاختلاف بين مركزيّ الأمر و النّهي بالإطلاق و التقييد لا يرفع ملاك التضاد.

و عليه فهذا البيان تام في إثبات الامتناع.

[الاختلاف بين مركز الأمر و النّهي من ناحية تعدد العنوان‏]

و أمّا الاختلاف بالنحو الثاني و هو الاختلاف بين مركز الأمر و النّهي من ناحية تعدد العنوان من قبيل. قوله: «صلّ»، و «لا تغصب» فيما لو أضطر

339

المكلف إلى الصلاة في الغصب بسوء اختياره، ففي هذا النحو هل يكون تعدد العنوان مجديا في رفع محذور التضاد، أو لا يكون مجديا؟ و هنا توجد دعويان متطرفتان:

1- الدعوى الأولى: مفادها: إنّه يكفي في رفع غائلة التّضاد بين الحكمين، تعدد الوجود الذهني‏

لأنّه هو المعروض بالذات للحكم، كما إذا كان أحد الوجودات الذهنية معروضا للحكم بالوجوب، و الآخر معروضا للحكم بالحرمة، و لو كان هذان الوجودان الذهنيان متّحدين خارجا، أي: و لو اتّحد المعروض بالعرض لهما.

و هذه دعوى متطرفة في جواز الاجتماع، و لازم هذه الدعوى هو أنه لو أوجدنا ماهية واحدة في الذهن بوجودين مرّتين- كما لو تصورنا الصلاة مثلا مرتين- فإنّه بناء على هذا، يمكن أن يتعلق بإحداهما الحب، و بالأخرى البغض، لأنّ كلا منهما وجودها غير وجود الأخرى، و إن اتّحدتا في الماهيّة، نظير عروض أحد الضدّين على «زيد» و الآخر على «عمر» بلا فرق رغم كونهما وجودين خارجيّين لماهيّة واحدة.

و لا يخفى أنّ هذه الدعوى مبنيّة على أنّ الأحكام تتعلق بالوجودات الخارجية.

و هذا هو الأساس في عدم استحالة اجتماع الأمر و النّهي.

و دعوى أنّ الأحكام تعرض على الوجودات الذهنية و أنها لا تعرض على الوجودات الخارجية، قد برهن عليها بثلاثة براهين:

1- البرهان الأول: هو أنه لا بدّ من كون معروض الأمر و الحكم الشرعي محفوظا في حالتي الامتثال و العصيان، و لا يكون معروض الأمر محفوظا في كلتا الحالتين إلّا إذا كان وجودا ذهنيا، و ذلك لأنّ المعروض‏

340

الخارجي إنما يكون محفوظا في حالة الامتثال فقط، بينما لا يكون محفوظا في حالة العصيان لعدم تحققه، أو تحقق شي‏ء من مصاديقه في الخارج، و بهذا يثبت أنّ معروض الأمر و متعلقه هو الوجود الذهني، لا الخارجي.

2- البرهان الثاني: هو إنّ الأمر بالصلاة مثلا، لو كان عارضا على الوجود الخارجي للصلاة، لكان الأمر متأخرا عن وجودها الخارجي، مع أن وجود الصلاة في الخارج متأخر رتبة عن الأمر بها، إذ إنّ الصلاة إنما توجد خارجا بسبب الأمر بها، فالأمر من مبادئ وجودها في الخارج، و معه لا يعقل أن يكون الوجود الخارجي لها معروضا للأمر، و إلّا لزم الدور كما هو واضح. و هذا معنى ما يقال: من أن العليّة تنافي العروض، إذ إنّ كون الأمر علة لوجود الصلاة خارجا، ينافي مع كون الأمر عرضا من أعراض هذا الوجود للصلاة.

و قد أجاب المحقق الأصفهاني (قده) (1) عن هذا البرهان بما حاصله:

إنّ ما هو عارض على وجود الصلاة إنما هو الأمر بوجوده الواقعي. و أمّا ما هو علة لوجودها فهو الأمر بوجوده العلمي، أي: علم المكلف بالأمر، لأنّ العلة في إيقاع الصلاة هو علم المكلف بالأمر لا مجرد وجود الأمر واقعا و تقديرا، و إن لم يعلم به المكلف.

و الخلاصة هي: إنّ العارض على الوجود الخارجي للصلاة، إنما هو الأمر الواقعي، و ما يكون علة للوجود الخارجي إنّما هو الأمر بوجوده العلمي. إذن، فاختلف ما هو العلة و المتقدم عمّا هو العارض المتأخر، فلا دور.

الّا أنّ هذا الجواب غير تام: و ذلك لأنّه إذا كان الأمر بوجوده الواقعي عارضا و متأخرا عن الوجود الخارجي للصلاة، إذن فيستحيل أن يكون العالم‏

____________

(1) نهاية الدراية- الأصفهاني: ج 2 ص 98- المطبعة العلمية- رقم 1379- 1338.

341

بمثل هذا الأمر محركا نحو إيجاد الصلاة، إذ إنّ العلم بهذا الأمر سوف يكون كاشفا عن وجود معروض هذا الأمر في الخارج، و عليه يكون العلم بهذا الأمر كعدم العلم به، لأنّ متعلّق ما علمه حاصل، فتعلق العلم بالأمر الواقعي، إنما هو تحصيل للحاصل.

و من الواضح أنّ ما يكون محركا إنما هو العلم بالأمر الفعلي، لا العلم بالأمر التقديري. و الأمر إنما يكون فعليا بعد تحقق الموجود خارجا، و لا أقل من أنه بعد أن يرى العالم معروضه موجودا في الخارج، و إلّا فلا يكون الأمر فعليا، و عليه، لا يكون هذا الأمر محركا.

إذن فالصحيح هو صحة هذا البرهان.

3- البرهان الثالث: هو ما أشرنا إليه مرارا.

و حاصله: إنّ الأحكام الشرعية من الصفات الإضافية، فتكون الإضافة حينئذ مقوّمة لها، لا تنفك عنها في أي مرتبة، و هذا يعني أنّ الإضافة ذاتيّة لمثل هذه الصفات، حيث لا يعقل افتراضها في أيّ مرتبة منفكّة عن تلك الإضافة حتى مرتبة ذاتها، و إلّا فلو أمكن انفكاكها عن الإضافة في مرتبة من المراتب لأمكن تعقّل حبّ بدون محبوب، أو علم بلا معلوم، و هو غير معقول.

و هذا يبرهن، على أنّ المضاف إليه بالذات، يجب أن يكون موجودا بنفس وجود هذه الصفة، و ثابتا في مرتبة ذاتها، لا بوجود آخر مغاير و زائد عليها، و إلّا لكانت هذه الإضافة عرضيّة لهذه الصفة، و لما كانت ثابتة لها في مرتبة ذاتها و ذاتياتها، و هو خلف ما برهنّا عليه.

و بهذا يثبت أنّ المعلوم بالذات، و المحبوب بالذات، و المبغوض بالذات، إنما هو موجود بنفس وجود العلم و البغض و الحب، أي: إنّ المحبوب بالذات هو نفس الحب و البغض.

و بهذا يتبرهن أنّ الأحكام تعرض على الوجود الذهني لا الخارجي.

342

و حينئذ يكون تعدّد الوجود الذهني لمتعلق الأمر و النّهي رافعا لمحذور التّضاد، فيجوز الاجتماع.

و لا يخفى أنّ هذه الدعوى لو تمّت لاقتضت جواز الاجتماع في صورة تعدّد الوجود الذهني لمتعلّق الأمر و النهي، حتى و لو كان العنوان واحدا.

و من هنا كانت هذه الدعوى. دعوى متطرفة في الجواز.

إلّا أنّ هذه الدعوى غير صحيحة، فأنّ الأحكام، و إن كانت متعلقة و عارضة على الوجودات الذهنية، إلّا أنّه مع ذلك لا تتم هذه الدعوى.

و توضيح ذلك، هو: إنّ الوجودات الذهنية في نفس المولى لها اعتباران و لحاظان:

أحدهما: لحاظ بالحمل الأولي، و هو لحاظ تصوري.

و الثاني: لحاظ بالحمل الشائع، و هو لحاظ تصديقي، فمثلا العطشان حينما يحب الماء، فإن حبّه هذا إنما يكون قائما بالصورة الذهنية للماء، لا بالوجود الخارجي له، إذ قد لا يكون له وجود خارجي أصلا.

و هذه الصورة الذهنية التي تعلق بها الحب:

تارة ينظر إليها بالنظر التصديقي فنحمل عليها محمولاتها بالحمل الشائع، فيقال: هذه صورة ذهنية للماء لا تروي من العطش و لا تبرّد الغليل، و بهذا النظر سوف لن يحب العطشان هذه الصورة الذهنية للماء.

و أخرى ينظر إلى هذه الصورة الذهنية بالنظر التصوري، فنحمل عليها محمولاتها بالحمل الأوّلي فنقول: هذا ماء سائل بارد بالطبع. و بهذا المنظار سوف يحب العطشان هذه الصورة الذهنية، إلّا أنّ هذا نظر تصوري لا حقيقة له في مرحلة التصديق، لأنه لا يوجد في الذهن ماء سائل بارد بالطبع.

إذا عرفت ذلك فنقول: إذا تحقّق في الذهن وجودان لماهيّة واحدة، فبالنظر التصديقي نرى شيئين لا شيئا واحدا، إذ إنّ النظر التصديقي لا ينظر

343

إلى الماهيّة، و إنما يتمحض نظره بالوجود الذهني، و الوجود الذهني متعدّد.

إذن فهو في هذه الحالة يرى شيئين، إلّا أنّ هذا المرئي، المتعدّد لا يجدي في جواز الاجتماع، لأنّ الحب إنما يتعلق بالصورة الذهنية بالنظر التصوري لا التصديقي. و بالنظر التصوري سوف نرى شيئا واحدا، لأنّ الحب إنّما يتعلق بالوجود الذهني بما هو عين الموجود خارجا. و الحال إنّ الموجود خارجا إنما هو ماهيّة واحدة. إذن فبالنظر التصديقي نرى شيئين، لكن ذلك لا يجدي في جواز الاجتماع، و ذلك لعدم تعلق الحب بالصورة الذهنية المنظور إليها بالنظر التصديقي، و الصورة الذهنية بالنظر التصوري و إن تعلّق بها الحب، إلّا أنه بهذا النظر نرى شيئا واحدا لا شيئين، و معه لا يجوز الاجتماع. و عليه فلا ينبغي أن يجعل ميزان جواز الاجتماع هو تعدد الوجود الذهني مطلقا، بل الميزان هو تعدّده بالنظر التصوري، و قد عرفت أنه غير متعدّد بهذا النظر، و بذلك تبطل هذه الدعوى.

و إن شئت قلت: إنّ الوجودات الذهنية هي باللحاظ التصوري- الذي هو الحمل الأوّلي- هي عين الوجود الخارجي الملحوظ بها.

و الوجودات الذهنية هي باللحاظ و النظر التصديقي- الذي هو الحمل الشائع الصناعي- تكون مباينة للوجود الخارجي الملحوظ بها، و فاقدة لخصائصه و أحكامه، كما في الماء الموجود في الذهن، فإنّه بالنظر التصديقي صورة ذهنية للماء، دون أن يروي عطشا، أو يبرّد غليلا.

بينما هذا الوجود الذهني للماء بالنظر التصوري، يمكن أن نحمل عليه محموله بالحمل الأولي فنقول: هذا ماء سائل بارد بالطبع، و هو بهذا المنظار سوف يحب العطشان هذه الصورة الذهنية كما أنّ الحكم بمبادئه يتعلق بهذه الصورة الذهنية بحسب النظر التصوري، لا بالنظر التصديقي، لأنّه لا حقيقة له في مرحلة التصديق، لأنّه لا يوجد في الذهن ماء و لا سائل بارد بالطبع، و لذلك لا يكون مطلوبا و لا محبوبا في مرحلة التصديق، و إنّما المطلوب و المحبوب و المحرك نحو الخارج هو المنظور التصوري.

344

و عليه يكون الحكم و الحب بحسب لحاظ المولى متعلقا بالصورة الذهنية بالنظر التصوري بالحمل الأولي، و بالنظر التصوري هذا، سوف لا يرى به إلّا شيئا واحدا، لأنّ الحب بهذا النظر إنما يتعلّق بالوجود الذهني بما هو عين الموجود خارجا، و الموجود خارجا إنما هو ماهيّة واحدة.

إذن فالماهية و المنظور التصوري الذي تعلّق به الحب شي‏ء واحد- و لو كان ضمن وجودين ذهنيّين-

و عليه، فيستحيل اجتماع الأمر و النّهي على هذا المنظور التصوري الحاكي عن الماهية، لأنهما شي‏ء واحد.

و عليه فلا ينبغي أن تنحصر استحالة اجتماع الأمر و النّهي، فيما إذا كان الوجود الذهني المعروض للأمر و النّهي، وجودا ذهنيا بالحمل الشائع واحدا.

كما أنه لا ينبغي أن يجعل ميزان جواز اجتماع الأمر و النّهي هو تعدد الوجود الذهني مطلقا، بل الميزان هو تعدد الوجود الذهني بالنظر التصوري، أي: بالحمل الأوّلي.

و قد عرفت أنه في المقام غير متعدد بهذا النظر، و بذلك تكون هذه الدعوى باطلة و البرهان مثلها.

2- الدعوى الثانية: هي إنّه لا بدّ في رفع غائلة التّضاد من تعدّد الوجود الخارجي، و لا يكفي تعدّد الوجود الذّهني‏

و ذلك لأنّ الأحكام الشرعيّة، و إن كانت متعلّقة في بادئ النظر بالصور و العناوين الذهنية، إلّا أنها أنّما تتعلق بها باعتبارها بما هي فانية في معنوناتها الخارجية، إذ لو لا هذا الفناء لما أحبّ المولى هذه العناوين لأن المتعلّق المطلوب للمولى إنما هو المعنون الخارجي، و عليه، فيكون الميزان في رفع غائلة التّضاد، هو تعدّد الوجود الخارجي‏

345

لمتعلّق الأمر و النّهي، و إلّا حصل التضاد، حتى و لو كانت العناوين متعددة:

و من هنا قيل: بأنّ الميزان في جواز الاجتماع و الامتناع، إنما هو تشخيص أنّ تعدّد العنوان بعدد المعنون و عدمه بمعنى أنّ التركيب بين معنون المأمور به مع معنون المنهي عنه هل هو اتحادي أو انضمامي؟

فإن كان اتحاديا، بمعنى أنّ المعنون الموجود في الخارج واحد، لكنّه بإزائه عنوانين، فحينئذ امتنع الاجتماع لوحدة الوجود الخارجي.

و إن كان انضماميا، بمعنى أنّ المعنون الموجود في الخارج متعدّد حيث يكون لكل من العنوانين محكي خارجي مستقل، إلّا أنّ ما بإزاء أحدهما ينضم إلى ما بإزاء الآخر، فحينئذ يصح الاجتماع. لتعدّد الوجود الخارجي.

و هذا المقدار من البيان، يشترك فيه، المحقق الخراساني (قده) و المحقق النائيني (قده)، و المحقق الخوئي (قده)، حيث يتفقون على دعوى أن الأحكام تتعلق بالعناوين، إلّا أنهم يختلفون في تطبيقها على صغراها.

فالمحقق الخراساني (قده) (1) يقول: إنّه لا يصح الاجتماع، لأنّ الخارج غير متعدّد، باعتبار أنّ تعدّد العنوان لا يوجب تعدّد المعنون.

و هذا غير أصل الدعوى، و إنّما ذكر هذا في ضمن برهانه على الامتناع.

و المحقق النائيني (قده) يقول بالجواز لأنّ تعدّد العنوان عنده يوجب تعدّد المعنون فيما إذا كان بين العنوانين عموم و خصوص من وجه، كعنواني الصلاة و الغصب، فيكون الخارج متعددا فيصح الاجتماع‏ (2). و قد استدل على أنّ تعدّد العنوان يوجب تعدد المعنون في صورة ما إذا كان بين العنوانين عموم من وجه، كالصلاة و الغصب بما حاصله:

____________

(1) كفاية الأصول- المشكيني: ج 1 ص 240- 241.

(2) أجود التقريرات- الخوئي: هامش ص 337- 338.

346

إنّ كلا من العنوانين لا بدّ و أن يكون منتزعا من جهة مشتركة محفوظة في موارد الاجتماع و الافتراق. فعنوان الغصب لا بدّ و أن يكون منتزعا من جهة محفوظة في موارد الصلاة في الغصب، و في موارد اللعب في الغصب، و عنوان الصلاة لا بدّ و أن يكون منتزعا من جهة محفوظة في موارد الصلاة في الغصب، و في موارد الصلاة في المسجد. و بناء على ذلك لا بدّ من الالتزام بوجود جهتين في موارد الاجتماع، و إلّا استحال انتزاع عنوانين بينهما عموم من وجه، بل صحّ حينئذ انتزاع عنوان الغصب من الصلاة في المسجد، و صحّ انتزاع عنوان الصلاة من الغصب، حتى و لو لم يكن في البين صلاة.

إذن فالجهة الأولى هي: التي ينتزع منها عنوان الغصب في موارد الافتراق عن الصلاة، و هذه الجهة هي غير الجهة التي ينتزع منها عنوان للصلاة، لأنّ هذه الجهة الأولى محفوظة في موارد افتراق الغصب عن الصلاة. فلو كانت عينها لانتزع عنوان الصلاة من اللعب في الغصب، و هذا غير معقول.

و الجهة الثانية هي: التي ينتزع منها عنوان الصلاة في موارد الافتراق عن الغصب، و هي غير الجهة الأولى، لأنّ هذه الجهة الثانية محفوظة في مورد افتراق الصلاة عن الغصب، فلو كانت عين الأولى، يصحّ انتزاع عنوان الغصب عن الصلاة في المسجد، و هو غير معقول.

و بهذا يتبرهن أنّ تعدّد العنوان يوجب تعدّد المعنون في مادة الاجتماع، و معه يكون التركيب انضماميا، لأنّ المعنون متعدد خارجا، و عليه فيجوز الاجتماع.

و أمّا المحقق الخوئي (قده) (1)، فوقف موقفا وسطا بين المحقق‏

____________

(1) أجود التقريرات- الخوئي: ج 1 هامش صفحة 337- 338.

- محاضرات فياض ج 4 ص 169- 170.

347

الخراساني (قده) و المحقق النائيني (قده) حيث ذكر أنّ العنوانين إن كانا من الماهيّات الحقيقية و المقولات الأوليّة، فحينئذ تعدّدهما يوجب تعدد المعنون لأنه يستحيل أن يكون للشي‏ء الواحد ماهيّتان حقيقيتان.

و أمّا إذا كان هذان العنوانان من العناوين العرضية الانتزاعيّة التي تكون نسبتها إلى الخارج نسبة العنوان الانتزاعي إلى منشأ انتزاعه، لا نسبة الماهيّة إلى مصداقها، فحينئذ لا يكون تعدّد العنوان موجبا لتعدّد المعنون، حتى و لو كان بين العنوانين عموم من وجه، فإنّ العنوان إذا كان انتزاعيا، فلا يلزم أن يكون منشأ انتزاعه جهة واحدة مشتركة ليتمّ ما ذكره المحقق النائيني (قده)، بل يمكن انتزاعه من ماهيّات مختلفة.

و عليه فلعلّهما في مادة الاجتماع منتزعان من ماهيّة واحدة، و إن كان في مادة الافتراق كل واحد منهما انتزع من ماهيّة أخرى. و عليه فلا بدّ و أن يلحظ أنّه هل انتزعا من ماهية واحدة أو من ماهيتين؟

فعلى الأول: يكون تعدّد العنوان موجبا لتعدد المعنون، فيصح الاجتماع.

و على الثاني: لا يكون تعدّده موجبا لتعدده، فلا يصح الاجتماع.

و إن شئت قلت: إنّ المحقق الخوئي (قده) سلك مسلكا وسطا بين، الآخوند (قده) و الميرزا (قده) فرفض الإطلاق في دعوى عدم إيجاب تعدّد العنوان لتعدد المعنون، و كذلك رفض الإطلاق في دعوى إيجاب تعدّد العنوان لتعدّد المعنون في العامّين من وجه، و ذهب إلى التفصيل بين كون العناوين من المقولات الحقيقية و الماهيّات الخارجية، و بين كونها من العناوين الانتزاعيّة الاعتبارية.

فإن كان العنوانان من الأولى، فلا بدّ من تعدّد المعنون بتعدد عنوانه، لأنّه يستحيل كون ماهيتين لموجود واحد في الخارج، إذ الوجود الواحد ليس له إلّا ماهية واحدة.

348

و إن كان العنوانان من الثانية، فلا يوجب تعدّد العنوان لتعدد المعنون، حتى و لو كانا عامّين من وجه.

و عليه، فما ذكره المحقق النائيني (قده) من البرهان على مدّعاه غير تام، إذ لا يلزم أن يكون منشأ العنوان الانتزاعي ماهيّة واحدة، إذ قد ينتزع في مورد الاجتماع من ماهيّة، و ينتزع في مورد الافتراق من ماهيّة أخرى.

هذا زبدة مسالك هؤلاء الأعلام في مقام تطبيق القاعدة الكليّة التي اتفقوا عليها، و هي كون الميزان في دفع غائلة الاجتماع تعدد الوجود الخارجي و عدمه، و إن كانوا قد اختلفوا في تطبيقها، كما عرفت.

و قبل أن نتعرض لما ذكروه من التطبيقات و براهينها، نتكلم الآن في أصل الدعوى و القاعدة التي اتفقوا عليها، و هي كون الأحكام متعلقة بالصور و العناوين الذهنية بما هي فانية في معنوناتها الخارجية، حيث يكون الحكم بحسب الحقيقة متعلّقا بالخارج، و معه لا بدّ من تعدّد الخارج كي يصح الاجتماع.

و حينئذ نقول: إنّ هذه القاعدة الكلية غير تامة، و توضيح ذلك، هو:

إنّ الأحكام و إن كان صحيحا أنّها تتعلق بالعناوين بما هي فانية في معنوناتها الخارجية، لا بما هي هي، و على نحو المعنى الاسمي، إلّا أنّه ليس معنى ذلك أنّ الحكم يسري حقيقة إلى المعنون الخارجي، فإنّ هذا السريان مستحيل سواء قيل بأنه سريان تلقائي للحكم من الصورة الذهنية إلى المعنون الخارجي، أو قيل بأنه سريان حيث تكون العناوين الذهنية وسيلة و سببا في إدراك المولى للمعنونات الخارجية فيلقي عليها الحكم.

أمّا بطلان الأول: فلما تقدم من الأدلة على استحالة تقوّم الحكم بالوجود الخارجي.

و أمّا بطلان الثاني: فلأنّ الصورة الذهنية لا يمكن أن تحضر نفس الخارج لدى المولى الإنسان الذي تصور هذه الصورة، لأنّ الإدراك لا

349

ينصب إلّا على الصورة القائمة في الذّهن، كما برهنّا عليه سابقا.

فالتعبير بالفناء، و توهم أنّ لدى المولى شيئين، أحدهما الفاني، و الآخر المفنيّ فيه، مجرد توهم، و بالتالي هو مستحيل، كما عرفت.

و إنّما معنى الفناء هو أنّ الصورة الذهنية الحاضرة لدى المولى، تارة ينظر إليها بالنظر التصوري، أي: بنظر الحمل الأولي. و أخرى ينظر إليها بالنظر التصديقي، أي: بنظر الحمل الشائع الصناعي، كما عرفت تفصيل ذلك سابقا أنّ مصبّ هذين النظرين هو هذه الصورة الذهنية الواحدة.

فإذا نظر إليها بالنظر التصديقي، فمعنى ذلك، أنّنا لاحظنا هذه الصورة الذهنية بحقيقتها، و هي كونها صورة ذهنية فقط.

و إذا نظر إليها بالنظر التصوري، فمعنى ذلك أننا لم نلحظ هذه الصورة بحقيقتها، و إنما لاحظناها بما هي ماهية خارجية، و لذا حكمنا على الصورة الذهنية للماء بهذا النظر، بأنّه، سائل بارد بالطبع، كما تقدم تفصيله. فتكون الصورة الدهنية حينئذ مرآة و فانية في الخارج. فالفناء هو عبارة عن لحاظ الصورة الذهنية بالنظر التصوري، لا بالنظر التصديقي، هذا هو معنى حقيقة الفناء.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ الأحكام، و إن كانت متعلقة بالصور و العناوين الذهنية بما هي فانية في معنوناتها، إلّا أنّه ليس معنى الفناء أنّه سريان الأحكام إلى المعنونات الخارجية، كي يمتنع الاجتماع باعتبار أن الخارج حقيقة واحدة، و لا يتبعّض، بل معنى الفناء، هو أنّ الأحكام ترى من خلال هذه العناوين الذهنية بالنظر التصوري عين الخارج، و لا يعني كون هذه الأحكام أنّها ترى عين الخارج هكذا، أنّها تعرض على الخارج، و تتعلق به حقيقة، لأنّه يوجد عندنا عنوانين ذهنيّين قد لوحظا فانيين في الخارج، و حينئذ يكون عندنا شيئين مرئيّين في الخارج، فإنّ عالم الذهن هو عالم التحليل، فيحلّل الشي‏ء الواحد إلى أشياء متعددة بعدد المفاهيم التي يراها

350

عنوانا لذلك الشي‏ء. و عليه فيتعلق الأمر بأحدهما و النّهي بالآخر، و إن كان الخارج حقيقة هو شي‏ء واحد.

و عليه: يتضح جواز تعلّق الأمر و النّهي بالعنوانين، و إن كان المعنون و الوجود الخارجي لهما شيئا واحدا لما عرفت، من أنّ متعلق الأمر و النّهي، إنما هو الصورة الذهنية بالنظر التصوري، فيتعدد المعنون بنفس تعدّد العنوان بالنظر التصوري، لأنّه بحسب النظر التصوري يكون عندنا أمران مرئيّان في الخارج، إذ ليس معنى كونهما مرئيين في الخارج يعني لحاظ وجودهما الشخصي في الخارج، بل لحاظ نفس الطبيعة و العنوان في الخارج، و الحال أنهما متعددان بعدد المفاهيم الملحوظة عنوانا لذلك الشي‏ء، فيتعلق الأمر بأحدهما و النّهي بالآخر و إن كان الخارج حقيقة واحدا.

فالنتيجة إذن، هي أنّ تعدّد العنوان بحسب النظر التصوري- الذي هو ظرف عروض الحكم- يكون كافيا لدفع محذور التّضاد بالذات بين الأمر و النّهي في هذا القسم، كما كان كذلك في القسم الأول، و هو ما إذا كان بين العنوانين عموم مطلق.

ثم إنّه كنا قد ذكرنا في النحو الأول- و هو ما إذا كان الاختلاف بين متعلقي الأمر و النهي بالإطلاق و التقييد- بيانين لتقريب استحالة الاجتماع.

و قلنا هناك: إنّه إن تمّ أحدهما نلتزم بالامتناع هناك.

و أمّا هنا في هذا النحو الثاني فنقول: بأنّه لا يمتنع الاجتماع حتى لو تمّ البيانان السابقان.

و توضيح ذلك هو: إنّ البيان الأول الذي نقلناه هناك عن النائيني (قده) كان حاصله هو: إنّ الأمر بالصلاة ينافي النّهي عن الصلاة في الحمّام، لأنّ معنى الأمر بمطلق الصلاة، هو ترخيص المولى بتطبيقها على أي فرد من‏

351

أفرادها التي منها الصلاة في الحمّام، و هذا ينافي مع النّهي عن الصلاة في الحمّام.

فهذا البيان، لو تمّ، لجرى هناك، إلّا أنّه لا يجري هنا في النحو الثاني، و هو فيما إذا كان الاختلاف بين متعلقي الأمر و النّهي بالعنوان، ذلك، لأنّ الأمر بمطلق الصلاة و إن كان معناه ترخيص المولى في تطبيقها على أيّ فرد من أفرادها بما فيها الصلاة في المغصوب، إلّا أنّ هذا لا يتنافى مع النّهي عن أصل الغصب كما هو مفروض البحث، حيث أنّ الأمر تعلّق بالصلاة، و النّهي تعلّق بالغصب، و هو عنوان آخر غير الجامع المعروض للأمر، و ليس حصة منه إذ إنّ الصلاة في المغصوب شي‏ء، و أصل الغصب شي‏ء آخر.

و أمّا البيان الثاني، و الذي كان حاصله، أنّ الأمر بصرف وجود الصلاة يلزمه محبوبيّة حصصها بنحو التخيير الشرعي، بمعنى أنّ هذا الحب يكون متعلقا بحصصها بدلا، فيحب المولى هذا الفرد بناء على عدم الأفراد الأخرى، و حينئذ يكون المولى محبا للصلاة في الحمّام على بعض التقادير، و هذا ينافي بغضها على كل تقدير كما هو مقتضى النّهي عنها.

و هذا البيان لو تمّ لجرى هناك، كما عرفت، إلّا أنّه لا يجري هنا، لأنّ حبّ الصلاة في المغصوب على بعض التقادير- كما هو مقتضى الأمر بصرف وجود الصلاة- لا ينافي مع مبغوضيّة الغصب على كل تقدير، إذ إنّ حبّ الحصة، و هي الصلاة في الغصب، لا يتنافى مع بغض قيدهما و هو الغصب، فإنّ معنى التحصّص، هو أن يكون التقييد داخلا، و القيد خارجا، كما عرفت سابقا.

و عليه: فالأمر بمطلق الصلاة، و إن لزمه حبّ حصصها بنحو التخيير الشرعي- و من جملة حصصها الصلاة في الغصب، فيكون محبا لها على تقدير عدم بقية الحصص-.

352

إلّا أن هذا لا يتنافى مع بغض الغصب على كل تقدير، لأنّ الغصب الذي هو قيد هذه الحصة خارج عنها.

و من هنا كان المختار في النحو الثاني جواز اجتماع الأمر و النّهي.

و الخلاصة هي: إنّ متعلق النّهي هنا هو عنوان آخر، و هو الغصب، و هو غير الجامع المتعلق للأمر، بل ليس حصة منه، إذ إنّ الحصة المقيدة للصلاة بالغصب تعني الصلاة مع تقيّدها بالمكان المغصوب بنحو دخول التقيّد و خروج القيد، و معنى هذا أنّ عنوان الغصب الذي هو القيد يبقى خارجا عن معروض الأمر، أو الحب، المتعلقين بالصلاة حتى لو لزم منهما الترخيص في تطبيقه على الحصص الأخرى، أو تعلّق الحب بها بنحو التخيير الشرعي.

و بهذا يتضح أنّ معروض الحب و الأمر إنّما هو ذات الحصة و التقيّد، بينما معروض النّهي و البغض هو القيد، و هو الغصبية، و لا محذور في ذلك لأنّ هذا لا يتنافى مع بغض القيد، و هو الغصب على كل تقدير، لأنّ الغصب الذي هو قيد هذه الحصة، خارج عن معروض الأمر و الحب المتعلّق بالصلاة.

و عليه: فالمختار في النحو الثاني هو جواز اجتماع الأمر و النّهي، و على ضوء هذا النحو تعرف امتناع الاجتماع في النحو السابق، و هو فيما إذا تعلّق النّهي بالحصة المقيّدة كالصلاة في المكان الغصوب، لأنّه حينئذ، يلزم من الأمر بالجامع المنطبق على هذه الحصة المقيدة، اجتماع المتضادّين في مركز واحد.

إلى هنا نكون قد استعرضنا ثلاثة ملاكات و أنحاء، لجواز اجتماع الأمر و النّهي في موضوع واحد بحيث لو تمّ شي‏ء منها في مورد جاز اجتماع الأمر و النّهي:

1- النحو الأول، هو: ما إذا كان الأمر قد تعلّق بصرف وجود الطبيعة

353

في الخارج، و تعلّق النّهي بحصة أو فرد من أفرادها، فإنّه هنا لا تضاد بينهما فيجوز الاجتماع، إذ لا محذور في إرادة المولى صرف الوجود الجامع و نهيه عن فرد من أفراده.

2- النحو الثاني، هو: ما لو كان عنوان متعلّق الأمر غير عنوان متعلّق النّهي، فإنّه يجوز حينئذ الاجتماع حتى لو انطبق العنوانان على وجود واحد خارجا، ذلك لأنّ تعدّد العنوان يؤدي إلى تعدّد المعنون معروض الأمر و النّهي و الحب و البغض حقيقة، كما تقدّم.

3- النحو الثالث، هو: ما لو كان التركيب بين عنوان المأمور به و عنوان المنهي، تركيبا انضماميا، لا اتحاديا، بمعنى أن يكون تعدد العنوان مستلزما لتعدد المعنون خارجا.

هذه أنحاء و ملاكات ثلاثة لجواز اجتماع الأمر و النّهي.

و قد أوضحنا فيما تقدم أنّ الملاك و النحو الأول و إن كان صحيحا في نفسه بلحاظ نفس الأمر و النّهي، إلّا أنّه يلزم وقوع التضاد بين الأمر بالجامع و النّهي عن أحد أفراده في عالم الحب و البغض الذي هو عالم المبادئ و روح الحكم، إذ سبق أن ادّعينا أنّ الأمر بالجامع بنحو صرف الوجود يلزم منه وجدانا، التخيير الشرعي في عالم الحب و الإرادة المستلزم بدوره لتعلّق الحب بالفرد عند ترك سائر الأفراد، و بهذا يقع التضاد بينهما، كما عرفت.

و أمّا النحو و الملاك الثاني: فقد عرفت أننا أثبتنا جواز الاجتماع على أساسه حتى مع وحدة المعنون.

و أمّا الملاك و النحو الثالث: فقد عرفت أنّ المحققين بنوا عليه جواز الاجتماع كبرويا، و إن اختلفوا صغرويا في تشخيص موارده كما ستعرف مزيد تفصيل عن ذلك.

[التحفظات على القول بالجواز]

ثم إنّه بعد الفراغ عمّا تقدم، بقي بعض التحفظات- على القول بالجواز- لا بدّ من التنبيه عليها.

354

1- التحفظ الأول: هو: إنّ القول بجواز الاجتماع، إنما هو فيما إذا لم يكن الواجب عباديا.

و أمّا إذا كان الواجب عباديا- كما لو فرض أنّ الحركة الصلاتيّة صارت معنونة بعنوانين: عنوان الصلاة، و عنوان الغصب، بحيث كان كلا العنوانين منطبقين على شي‏ء واحد خارجا،- ففي مثل ذلك لا نقول بجواز الاجتماع، لا لغائلة التضاد، إذ لا تضاد مع تعدّد العنوان، كما عرفت، بل لأنّ الواجب العبادي يتقوّم بقصد القربة، و مع حرمة الحركة الصلاتيّة لأجل الغصب، يستقل العقل بقبحها، و معه لا يمكن التقرب بها، فإذا أتى بها حينئذ، تكون فاسدة، إذن فهذه الحركة الصلاتيّة امتنع كونها مجمعا للأمر و النّهي لما ذكرناه، لا من جهة التضاد.

و ممّا يذكر من ثمرات لهذا التحفظ، هو كون النّهي واصلا، و إلّا فمع الجهل به يمكن التقرب بالواجب، و يقع المجمع مصداقا له.

بينما على القول بالامتناع، يقع الواجب العبادي باطلا حتى مع الجهل بالنّهي. و هنا ثمرات عملية تترتب على هذين المسلكين، سوف نتعرض لها في تنبيهات مسألة الاجتماع إن شاء الله تعالى.

2- التحفظ الثاني: هو إنّ تغاير العنوانين، إنّما يكون موجبا لرفع غائلة التضاد بين اجتماع الأمر و النّهي، فيما إذا كان العنوانان حقيقيّين، سواء أ كانا ماهويّين أو انتزاعيّين.

و أمّا إذا كانا عنوانين رمزيّين، و من العناوين التي يخترعها العقل و ينشئها، كعنوان أحدهما، أو واحد منهما، فإنّ هذه العناوين إن هي إلّا رموز يشير بها الذهن إلى الخارج، و في مثلها لا ترتفع غائلة التضاد، لأنّ‏