بحوث في علم الأصول - ج6

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
749 /
355

نسبة العنوان الرمزي إلى ذي الرمز، هي نسبة اللفظ إلى معناه، لا نسبة الكلّي إلى مصاديقه، و في مثله يكون الأمر و النّهي في الحقيقة متعلّقين بذي الرمز، و ذو الرمز واحد، فيلزم اجتماع الضدّين في واحد، و هو مستحيل، كما لو أمر بإحدى خصال ثلاث، فإنه لا يمكنه أن ينهى عن أحدها بالخصوص، لأنّ معروض الأمر و الحب سيكون واقع هذه الخصال بنحو التخيير الشرعي، لأنّ الذهن يرى من خلال هذا العنوان الانتزاعي، واقع العناوين المنطبق عليها، و في مثله يقع التضاد و التهافت.

3- التحفظ الثالث: [العنوانان المتغايران المشتركان في ركن أساسي لهما و لكنهما مختلفان بالحيثية]

هو إنّه إذا كان العنوانان المتغايران مشتركين في ركن أساسي لهما و لكنهما مختلفان بالحيثية، كما في القيام تعظيما للعادل، و القيام تعظيما للفاسق، فلو أمر المولى بالأول فوجب، و نهى عن الثاني فحرم، و انطبق كلا هذين العنوانين على قيام واحد في الخارج، كما لو قام المكلّف للعادل و الفاسق في مورد ينطبق على قيامه كلا العنوانين. ففي مثله لا يكون تعدد العنوان مجديا في رفع غائلة التضاد، لأن هذا القيام الذي اجتمع فيه العنوانان يكون محبوبا و مأمورا به و لو ضمنا، و باعتبار لزوم التخيير الشرعي منه سوف يتعلّق الحب بهذا الفرد المبغوض، فيكون هذا من قبيل اجتماع محبوبية مطلق الصلاة مع مبغوضية الصلاة في الحمّام الذي ذكرنا أنه مستحيل. فمقامنا يكون من قبيل النحو الأول، و هو ما لو اختلف متعلق الأمر بالإطلاق و التقييد، لا من قبيل النحو الثاني. و هو الاختلاف في العنوان.

و الخلاصة هي: إنّ تعدد العنوان، أنّما يوجب جواز الاجتماع فيما إذا كان العنوانان متغايرين و متمايزين بتمام حقيقتهما.

و أمّا إذا كانا متغايرين في الخصوصية مع الاشتراك في ذي الخصوصية، فإنّه يكون من قبيل النحو الأول و هو اختلاف العنوانين بالإطلاق و التقييد. ثمّ إنّه كما تحفّظنا حول الملاك الثاني للجواز، و هو

356

كفاية تعدّد العنوان لدفع غائلة التضاد، و بحثناه بحثا تطبيقيا صغرويا، فأيضا نبحث بحثا تطبيقيا صغرويا الملاك الثالث لجواز الاجتماع و هو ثبوت كون المجمع متعددا و التقرب بالمجمع حتى لو كان منضما إلى مصداق الحرام كما تقدّم.

و إنما سلك المحققون من الأصوليين هذا المسلك لتصوير الجواز- و لم يكتفوا بتعدّد العنوان شافعا في جواز الاجتماع- لما اشتهر من أنّ الأحكام إنّما تتعلق بالعناوين، لا بما هي هي، بل تتعلق بها بما هي فانية في الخارج و حاكية عنه، و بهذا احتملوا كون المعروض إنّما هو الخارج.

و عليه، بنوا كون الخارج متعددا لتعدد العنوان الحاكي عنه، و بهذا جوّزوا الاجتماع، كما ذهب إليه الخراساني، و النائيني، و الخوئي، من تفسير فناء العنوان في المعنون، بمعنى أنّ الحكم المنصب على العنوان يسري و يقف على المعنون خارجا.

و قد أوضحنا هذه المغالطة عند عرض كلمات هؤلاء الأعاظم، حيث قلنا هناك: بأننا حتى لو سلّمنا بهذا التفسير للفناء و الإفناء بما ذهب إليه هؤلاء الأعاظم- من كون الحكم المنصب على العنوان يقف على المعنون خارجا- فمع هذا لا يلزم أن يكون الميزان في رفع غائلة التّضاد، و جواز الاجتماع هو تعدّد الوجود خارجا، لأنّ تفسير الفناء و الإفناء كما ذكروه، ليس معناه أنه يوجد شيئان: العنوان و المعنون. و أن الحكم يسري من الأوّل إلى الثاني، بل ليس هنالك إلّا معروض واحد للحكم و هو العنوان.

و هذا العنوان: تارة نلحظه بالحمل الأوّلي فيكون معروضا للحكم.

و أخرى نلحظه بالحمل الشائع الصناعي فلا يكون معروضا للحكم.

إذن فالفناء في الخارج عبارة عن لحظ العنوان بالحمل الأولي في مقام جعل الحكم، فيرى العنوان كأنه شي‏ء في الخارج، فإذا تعدّد هذا العنوان تعدّد لا محاله مرئيّة و خارجيته دون أن يكون هناك أيّ ربط لذلك بالمعنون، أو الوجود الخارجي.

357

بل نصعّد هذا النقض فنقول: بأننا حتى لو سلّمنا بأنّ الحكم يعبر من العنوان إلى المعنون الخارجي- و قطعنا النظر عمّا يلزم من محاذير و لوازم باطلة- فإنّ غاية معناه: أنّ الذهن يجعل العنوان وسيلة لصب الحكم على المعنون بمقدار ما يرى المعنون بالعنوان.

و حينئذ يقال: إنّ جواز الاجتماع على هذا، لا يحتاج إلى فرض تعدد المعنون في وجوده الخارجي، و إنّما يكفي تعدّد المقدار المرئي من المعنون بكل من العنوانين سواء أ كان وجوده متحدا مع المرئي بالعنوان الآخر، أم لم يكن كذلك، لأنّ الذهن إنّما يرى المعنون بمقدار ما يحكي عنه العنوان لا بمقدار ما هو موجود من المعنون خارجا، و ذلك لأنّ المرآة إنما تكشف ذا المرآة بقدر المرآة، لا بقدر ذي المرآة الخارجي، و لذا لو كان ذو المرآة خارجا أكبر حجما من المرآة، فلا يرى ذو المرآة بتمام حجمه الخارجي.

هذا من دون فرق بين هذه العناوين الذاتية- نوعية كانت أم جنسية أم فصلية- و العناوين الانتزاعيّة، كالفوقيّة، و التحتية لأنها هي أيضا حيثيات واقعية في خارج الذهن، و إن لم تكن من سنخ الوجود كما ستعرف تفصيله.

و الخلاصة هي: إنّ الذهن يرى المعنون بواسطة العنوان، إذن فلا محالة يرى المعنون حينئذ بقدر ما يحكي عنه العنوان، و لا يراه بتمام حجمه الخارجي.

و مهما كان، فقد ذهب المحقق الخراساني (قده) إلى أنّ المجمع واحد مهما تعدّد العنوان، لأنّه يمكن انطباق عناوين متعددة على وجود واحد، و قد يكون هذا الوجود الواحد بسيطا من كل الجهات كالواجب تعالى. إذن فمجرد تعدّد العنوان لا يوجب تعدّد المعنون. و عليه: ذهب هذا المحقق العظيم إلى عدم جواز الاجتماع.

إذا اتضح ذلك فنقول: إنّ العناوين تنقسم الى قسمين:

1- القسم الأول، هو: العناوين الذاتية.

358

2- القسم الثاني، هو: العناوين الانتزاعيّة العرضيّة كالفوقية و التحتية و القسم الأول له شقان:

1- الشق الأول: العناوين الذاتيّة النوعيّة، و هو ما يسمّى بالنوع كالإنسان.

2- الشق الثاني: العناوين الذاتيّة الجنسيّة و الفصليّة كالحيوان و الناطق.

أمّا الشق الأول، و هو العنوان النوعي: فإنّه إذا جعل مرآة لمعنون، كالإنسان إذا جعل مرآة لزيد، فيكون محكيّه هو تمام الوجود الخارجي لزيد.

و أمّا الشق الثاني، و هو العنوان الجنسي أو الفصلي: فإنّه إذا جعل مرآة لمعنون، كالحيوان أو الناطق إذا جعل مرآة لزيد، فحينئذ لا يكون محكيّه تمام الوجود الخارجي لمعنونه، «زيد»، لأنّ تمام الوجود الخارجي لزيد لا يرى بالحيوانية أو بالناطقية، و إنما يرى بالإنسانية.

نعم إنما يرى بالحيوانية حيثيّة ضمنيّة من الوجود الخارجي لزيد، و كذا يرى بالنطقية حيثيّة ضمنيّة منه مغايرة للحيثيّة الأولى، فإنّ الوجود الخارجي و إن لم يكن قابلا للتبعض خارجا، إلّا أنّه يتبعّض في عالم رؤية الذهن.

و عليه فلا مانع من أنّ يتعلق الأمر بالحيثيّة الأولى، و النّهي بالحيثية الثانية و إن كان ما بإزاء الحيثيّتين في الخارج شيئا واحدا، إذ إنّه لا محذور في ذلك؛ بعد أن عرفت أنّ الوجود الخارجي لم ير بتمامه بواسطة عنوانه، و إنما الذي رئي منه هو الحيثيّتان المذكورتان، فالحكم يسري من العنوان إلى هاتين الحيثيّتين فيتعلق الأمر بالأولى، و النّهي بالثانية، و لا محذور.

و أمّا القسم الثاني، و هو العناوين الانتزاعيّة العرضية: فأيضا لا يشترط في جواز الاجتماع فيها تعدد الوجود خارجا، فمثلا، عنوان التقدم عنوان‏

359

عرضي انتزاعي، فإذا تعلّق الأمر بتقدم الصلاة على التسبيح، و تعلّق النّهي بتقدم الصلاة على الأكل، فأوقع المكلّف الصلاة، ثم أوقع بعدها التسبيح و الأكل، فهنا يوجد تقدمان للصلاة:

أحدهما: تقدم على التسبيح، و هذا مأمور به.

و الثاني: تقدم على الأكل، و هذا تقدم منهي عنه.

و هذان التقدمان حيثيّتان عرضيّتان انتزاعيّتان فلا مانع من أن يتعلق الأمر بإحداهما، و النّهي بالأخرى، و إن كان ما بإزائهما في الخارج وجودا واحدا، و هو تقدم ذات الصلاة، و ذلك لما عرفت من أنّ معنى الإفناء، هو أنّ الحكم لا يقف على العنوان، بل يسري إلى المعنون، و المعنون في مقامنا جهة واقعية ثابتة في لوح الواقع بناء على ما بيناه سابقا من أنّ العناوين العرضية الانتزاعيّة ما بإزائهما في الخارج حيثيات واقعية، و بنفسها خارجية لا بوجودها.

إذن فمعنون كل عنوان عرضي انتزاعي حيثية واقعية مغايرة للحيثية الأخرى، و عليه فلا مانع من أن يتعلق الأمر بإحدى الحيثيتين، و يتعلق النهي بالحيثية الأخرى و إن كان ما بإزاء الحيثيتين في الخارج شيئا واحدا، كما ألمحنا إليه سابقا، لأنّ المرئي بالعنوان هو تلك الحيثية، لا ذلك الوجود الخارجي، حتى تكون وحدته مانعة من جواز الاجتماع.

و بهذا نثبت، أنّه حتى لو تنزّلنا و فسّرنا الإفناء بمعنى سراية الحكم من العنوان إلى المعنون، فلا يكون ميزان رفع غائلة التّضاد ما ذكره الخراساني و النائيني و الخوئي «قدست أسرارهم» من تعدد الوجود خارجا.

بل الميزان، هو: أن يكون المقدار المحكي لكل عنوان مغايرا للمقدار المحكي للعنوان الآخر، بحسب رؤية الذهن لهذه المعنونات، كما عرفت تفصيله.

و مجمل القول إلى الآن، هو: إنّك قد عرفت أنّ المختار- فيما لو كان‏

360

الاختلاف بين مركزيّ الأمر و النّهي بالإطلاق و التقييد الذي هو النحو الثاني- هو جواز اجتماع الأمر و النّهي، ثم ذكرنا للقول بجواز الاجتماع تحفظات، و قد ذكرنا في التحفظ الأول: إنّ القول بالجواز إنما هو إذا لم يكن الواجب عباديا.

و أمّا إذا كان عباديا فلا نقول بجواز الاجتماع، و عدم قولنا بجواز الاجتماع ليس لغائلة التضاد، إذ إنّها مرتفعة بتعدد العنوان، كما عرفت.

و إنّما لا نقول بالجواز لأنّ مثل هذه العبادة لا يمكن التقرب بها للمولى، كما عرفت تحقيقه، و هذا إنما يتم فيما لو كان متعلق الأمر و النّهي هو نفس الحركة الصلاتية، بحيث لم يكن تعدد العنوان موجبا لتعدد المعنون.

و أمّا إذا كان تعدد العنوان موجبا لتعدد المعنون، فحينئذ يكون متعلق الأمر غير متعلق النّهي، و حينئذ لا تكون الصلاة المأتي بها في الغصب مبغوضة للمولى فتقع صحيحة.

و من هنا كان لا بدّ أن نبحث في أنّ تعدد العنوان هل يوجب تعدد المعنون خارجا، أو لا يوجبه؟.

و قد عرفت أنّ المحققين الأعاظم: الخراساني و النائيني و الخوئي قد بنوا القول بجواز الاجتماع على كون تعدد العنوان موجبا لتعدد المعنون.

و هنا يقع بحث آخر حيث يقال: بأنه لو سلّمنا بأن تعدد العنوان يوجب تعدد المعنون، فهل أنّ هذا المسلك هو أوسع في النتيجة من المسلك الذي بنينا عليه جواز الاجتماع، أو لا؟.

و من أجل ذلك و غيره، كان لا بدّ و أن نبحث في أنّ تعدّد العنوان هل يوجب تعدد المعنون، أو لا؟ حيث يتضح من خلال هذا البحث، حقيقة الخلاف الذي وقع بينهم في تطبيق ما ذكروه من القاعدة الكليّة التي اتفقوا عليها، و التي قد عرفت عدم تماميّتها.

361

فنقول: قد عرفت أنّ المحقق النائيني (قده) يذهب إلى أن تعدد العنوان يوجب تعدد المعنون إذا كانت النسبة بين العنوانين العموم من وجه.

و نحن و إن كنّا قد ذكرنا حاصل استدلاله، و لكن هنا سنفصّل هذا الاستدلال، مع استعراض ما ذكره المحقق الخوئي (قده) عليه من الاعتراض، كي تتضح حقيقة المطلب.

و تفصيل ذلك هو: إنّ المحقق النائيني (قده) (1) ذكر أن العناوين على قسمين:

1- القسم الأول: العناوين الاشتقاقية التي تحمل على الذات، من قبيل عنوان العالم، و العادل، و الطويل، و أمثالها.

2- القسم الثاني: العناوين التي هي عناوين لمبادئ الاشتقاق.

أو فقل مبادئ اشتقاق تلك العناوين، من قبيل عنوان، العلم، و العدل، فإنه هو المبدأ لاشتقاق عنوان العالم و العادل الذي يحمل على الذات.

و في القسم الأول: عندنا محمول عليه، و هو زيد، و محمول، و هو العالم. و عندنا حيثيّة الحمل و الصدق، و هي العلم، فإنّ قيام هذه الحيثية في زيد هي التي صحّحت حمل العالم عليه، و هذه الحيثية، حيثية تعليليّة لأنّها هي العلة في صدق هذا المحمول على هذا الموضوع. إذن فهذه العناوين منتزعة من الذات، و جهة صدقها عليها كونها تعليلية و ليست تقييدية، و بناء على ذلك، فتكثر الحيثيّات في مثل ذلك لا يوجب تعدد الموضوع- «المعنون»- خارجا، بل يمكن تكثرها مع انحفاظ ذات واحدة في الخارج، فيقال، «زيد عالم»، لحيثية العلم القائمة به، و «أبيض»، لقيام حيثية البياض و نحو ذلك، فتعدّدت الحيثيات الموجبة لصحة الحمل، مع أنّ‏

____________

(1) فوائد الأصول- الكاظمي: ج 1 ص 244- 245- 246- 247.

362

الذات واحدة. و عليه فتعدد الحيثيات التعليلية لا يوجب تعدد الموضوع- «المعنون»- خارجا.

إذن لا يكون تعدد العناوين الاشتقاقية هذه موجبا لتعدد المعنون خارجا، و إن كانت النسبة بينها عموما من وجه. و من هنا يكون التركيب بين كل هذه العناوين الاشتقاقية كالحلو، و الأبيض، و المصلّي، و الغاصب، في مورد الاجتماع اتحاديا دائما، و من هنا لا يصح الاجتماع.

و أمّا القسم الثاني من العناوين، و هي: عناوين مبادئ الاشتقاق من قبيل «العلم و العدل»، و التي هي مبادئ لاشتقاق عنوان العالم و العادل، فإنّ هذه العناوين بنفسها حيثيات تعليلية و تقييديّة. كما يقال: «هذا علم»، و يشار إلى الكيف النفساني المخصوص فيما أنّ المحمول عليه هو نفس تلك الحيثية التي هي كيف نفساني، فتكون هذه الحيثية حينئذ حيثية تقييدية. و بما أنّ هذه الحيثية هي التي صحّحت الحمل، فتكون حيثية تعليليّة.

و بناء على ذلك: فإذا تعددت حيثيّات الصدق كما لو فرض وجود عنوانين «كالغصب، و الصلاة»، لا الغاصب، و المصلّي، و كان لكل منهما حيثية صدق، غير حيثية الصدق في الآخر، فلا محالة حينئذ يتعدد المصداق بتعددها، فتعدد العنوان في مثل ذلك، يوجب تعدد المعنون خارجا.

و الميزان الكلّي الذي فيه تكون حيثية الصدق في أحد العنوانين غير حيثية الصدق في العنوان الآخر، هو ما إذا كان بين العنوانين عموم من وجه، لأنّه إذا كان بينهما عموم من وجه، فهذا يحتاج لافتراض حيثية صدق محفوظة في مورد الاجتماع و الافتراق.

و هذا معناه، أنه في مورد الاجتماع نحتاج إلى افتراض حيثيّتي صدق:

إحداهما: تحفظ في مورد اجتماع الصلاة مع الغصب. و افتراق الصلاة عن الغصب.

و الأخرى: تحفظ في مورد اجتماع الغصب مع الصلاة، و افتراق‏

363

الغصب، عنها. و إحدى الحيثيتين غير الأخرى كما عرفت تفصيله سابقا.

و بهذا يتبرهن أنّ حيثيّة الصدق التي هي تقييدية و تعليلية بالنحو المتقدم، متعددة في كل مورد تكون النسبة بين العنوانين عموما من وجه، و إذا تعدّدت الحيثية هذه، فلا محالة يتعدّد المصداق المحمول عليه خارجا، و معه يكون التركيب بين العنوانين و المصداقين انضماميا فيصح الاجتماع.

و من هنا قال المحقق النائيني (قده) بجواز اجتماع الأمر و النّهي.

و ما تقدم كان توضيحا لما ذكره في تقسيم العناوين إلى قسمين.

و الخلاصة، هي: إنّ النوع الثاني من العناوين، حيث أنّه ينتزع من نفس مبادئ الاشتقاق التي هي عناوين ذاتية لها، فتكون هي مصداقها بنحو الحيثية التقييدية، إذن فتعددها يوجب تعدد المعنون خارجا إذا كان بين العنوانين عموم من وجه، كالغصب و الصلاة، لا الغاصب و المصلي، و حينئذ لا بدّ لكل من العنوانين من جهة صدق بنحو الحيثية التقييدية محفوظة في مورد افتراقه عن العنوان الآخر، و هذا لا يكون إلّا مع تعدد المعنون، و إلّا لزم عدم صدقهما في مورد الاجتماع.

و بهذا يتبرهن أن التركيب انضمامي بين المبادئ و العناوين الذاتية في مورد الاجتماع، إذا كان بينهما عموم من وجه، كما في الصلاة، و الغصب، و لأجله ذهب الميرزا (قده) إلى القول بجواز الاجتماع.

نعم لا يتم هذا البرهان في العناوين و الماهيّات الطوليّة، كما في الأجناس المتصاعدة، أو النوع، أو الفصل، فإنّه حتى لو كانت النسبة بين العنوانين فيها التساوي أو العموم من وجه، فقد يكون التركيب فيها اتحّاديا، و لذلك لا يتم فيها البرهان الذي ذكره.

و قد اعترض السيد الخوئي (قده) (1) على هذا الكلام، فذكر أنّه و إن‏

____________

(1) أجود التقريرات- الخوئي: ج 1 هامش ص 337- 338.

364

كان يوافق على أصل هذا الاستدلال، إلّا أنّ القسم الثاني من العناوين التي هي عناوين مبادئ الاشتقاق لها شقّان:

1- الشق الأول: العناوين المقوليّة، أي: الماهيّات الأولية، فإنّه في مثلها يكون تعدد العنوان موجبا لتعدد المعنون و المصداق، و ذلك لاستحالة أن يكون لمصداق واحد ماهيتان حقيقيتان.

2- الشق الثاني: العناوين الانتزاعية العرضيّة، التي لا حقيقة مقولية لها في الخارج، كالفوقيّة، و التحتية، و نحوها، فإنّها حيث أنّها ليست من الماهيّات المتأصلة في الخارج، فلا يلزم من تعدد العنوان فيها، تعدد المعنون خارجا، و لو كان بين العنوانين منها عموم من وجه، لإمكان أن يكون للعنوان الانتزاعي الواحد مناشئ انتزاع متباينة، كما يقال في «السقف أنّه فوق، و السماء فوق» و هكذا كما عرفت تفصيله، لاحتمال أن يكون العنوانان في مادة الاجتماع منتزعين من ماهيّة واحدة، و حيث أنّ الصلاة، و الغصب من هذه العناوين، و يحتمل أن يكون منشأ انتزاعها في الخارج حركة واحدة، فلا يكون تعدد العنوان فيها حينئذ موجبا لتعدد المعنون، و عليه فيلزم امتناع الاجتماع.

و التحقيق في المقام أن يقال: إنّ مرد هذا النزاع بين هذين العلمين ليس كبرويا، و إنما النزاع بينهما مبني على جهة لم تبحث بينهما، فكأنّه نزاع صغروي، يرجع إلى تشخيص كون الحمل في العناوين الانتزاعيّة، ما هو؟

هل هو حمل اشتقاق فقط، أي: حمل ذو هو؟ أو حمل مواطاة، أي: حمل هو هو، كما يكون في المبادئ الذاتية المتأصلة؟.

و توضيح ذلك، هو: أنّ الحمل ينقسم إلى قسمين:

1- القسم الأول: حمل المواطاة، أي: حمل «الهوهوية»، كما يقال:

هذا بياض، و يقصد باسم الإشارة، نفس البياض، فيكون المحمول نفس الموضوع، و لذا سمي هذا الحمل، بحمل، «هو هو»، أو الهوهوية.

365

2- القسم الثاني: حمل الاشتقاق، أو حمل، «ذو هو»، كما لو أشير إلى جسم و قيل: هذا ذو بياض، و قد يعبّر عن «ذو»، بهيئة اشتقاقية فيقال:

هذا، أي الجسم، أبيض.

إذا عرفت ذلك نقول: إنّ عناوين مبادئ الاشتقاق، ذات شقين، كما ذكر السيد الخوئي (قده) (1).

1- الشق الأول: العناوين المقولية، التي هي ماهيّات حقيقية لمصاديقها في الخارج، من قبيل عنوان، العلم و البياض، فمثل هذه العناوين تحمل بكلا الحملين، حيث أنّها تحمل على مصاديقها بحمل الهوهويّة، فيقال: «هذا علم، و هذا بياض»، و تحمل على معروض ذلك المصداق بحمل ذو هو، فيقال: هذا. أي جسم. ذو بياض، أو أبيض.

2- الشق الثاني: هو العناوين العرضية الانتزاعيّة، فلا إشكال في أنها تحمل بحمل «ذو هو» في الخارج على مناشئ انتزاعها، فيقال: السقف فوق، أي: ذو فوقية، و الإنسان عالم، أي: ذو علم.

إلّا أنّ الكلام في أنّ مثل هذه العناوين هل تحمل بحمل الهوهوية، أو لا؟ فهل يصح أن نشير إلى شي‏ء في الخارج و لو ذهنا فنقول: هذه فوقية أو هذه تحتية، أو لا يصح؟

و الخلاصة هي: إنّ مرجع هذا الاختلاف بين العلمين، النائيني، و الخوئي (قده)، ليس كبرويا، و إنما هو صغروي، بمعنى أنّه يرجع إلى تشخيص أنّ الحمل في العناوين الانتزاعيّة هل هو حمل مواطاة، أي: حمل هو هو، كما هو في المبادئ الذاتية المتأصلة، حيث يمكن أن يشار إلى حيثية في الخارج فيقال: هذه فوقية، و هذه تحتية؟ أو إنّ الحمل فيها هو

____________

(1) نفس المصدر.

366

حمل اشتقاق فقط أي: حمل ذو هو، فيقال: السقف فوق، و الإنسان عالم، أي: ذو فوقيّة، و ذو علم.

و صحة ذلك و عدمه مبني على مسألة تقدم تحقيقها، و اخترنا فيها خلاف ما عليه المشهور.

و حاصلها هو: إنّ المشهور ذهبوا إلى أن هذه العناوين الانتزاعية هي أمور، ظرف العروض فيها هو الذهن، و ظرف الاتصاف فيها هو الخارج.

و بناء على ذلك يتعذر حمل «الهوهوية» في هذه العناوين، لأنّ ظرف الفوقيّة هو الذهن، و عليه فوراء الذهن لا يمكن أن نشير إلى شي‏ء في الخارج بحمل مواطاة، فنقول: إنّه فوقيّة، بل نشير إلى سقف فنقول: «هذا ذو فوق»، لأنّ ظرف الاتصاف هو الخارج، إذن فالمتعيّن هو حمل «ذو هو» فقط.

و أمّا بناء على ما اخترناه من أنّ هذه العناوين لها واقع خارجي ثابت في لوح الواقع خارج الذهن، و هو أوسع من لوح الوجود بقطع النظر عن عالم الاعتبار و الذهن، فإنّ هناك حيثية في خارج الذهن يحمل عليها عنوان «الفوقية» و يصدق عليها، كصدق سائر المبادئ الذاتية على مصاديقها بحمل المواطاة، فإنّ السماء فوق الأرض، حتى لو لم يكن هناك ذهن.

إذن فالفوقية ثابتة على كل حال، و ظرف العروض في هذه العناوين هو ظرف الاتصاف، و لا يعقل أن يكون غير ذلك كما عرفت سابقا، غايته أنّ هذه الأمور الانتزاعية بنفسها خارجية، لا بوجودها.

و بناء على هذا المسلك، يصح حمل «هو هو» في هذه العناوين الانتزاعية، أي: حمل المواطاة، لأنّ الفوقية لها واقع خارجي بقطع النظر عن عالم الذهن، و حينئذ يشار إلى هذا الخارج و يقال: هذا فوق، أو هذه فوقيّة.

367

إذا عرفت ما تقدّم نقول: إنّ هذه العناوين الانتزاعية، بناء على أنّها تحمل على الخارج بحمل «الهوهوية» أي حمل مواطاة، كما لو كان لها مصداق بالذات، فيكون الإتجاه العام لكلام الميرزا (قده) هو الصحيح.

و أمّا بناء على أنّها لا تحمل بهذا الحمل، بل تحمل فقط بحمل «ذو هو» على مناشئ انتزاعها، فتكون الخارجية لمناشئ انتزاعها، فحينئذ يكون الإتجاه العام لكلام السيد الخوئي (قده) هو الصحيح.

فالنزاع بين هذين العلمين (قده) مبني على هذه النقطة، و كأنهما لم يلتفتا إلى ذلك، و لهذا لم يبحثاها.

و لهذا فما ذكره النائيني (قده) يتم بنحو عام، بناء على أنّ هذه العناوين تحمل بحمل «الهوهوية»، و ذلك لأنّ هذا العنوان الذي يحمل على تلك الحيثية بحمل «الهوهوية»، تكون نسبته إلى تلك الحيثية نسبة العنوان الذاتي إلى مصداقه. فكما لا يمكن أن يكون لموجود واحد في الخارج ماهيّتان حقيقيتان، و عنوانان عرضيان منتزعان من مرتبة ذاته، لأنّ الموجود الواحد ليس له إلّا ماهيّة واحدة، كذلك الأمر هنا، فإنّه لا يمكن أن يكون لجهة خارجية واحدة عنوانان ذاتيان عرضيان، فإنّ قولنا: هذه فوقية، أي:

إنّ اسم الإشارة هو بنفسه المصداق بالذات للعنوان المحمول عليه، و حينئذ، لا يمكن أن يكون مصداقا لعنوانين عرضيّين بحيث يكون كل منهما تمام ماهيته، و عليه فلا بدّ و أن يتعدّد المحمول عليه بتعدد الحيثيّات المصحّحة لحمل العناوين عليه، و حيث أنّ هذه الحيثيات خارجية بأنفسها، فلا محالة تكون خارجيّة إحداها غير خارجيّة الأخرى.

و بهذا يثبت، أنّ تعدّد العنوان في مثل ذلك يوجب تعدّد المعنون خارجا، كما ذكر النائيني (قده)، و لا يرد حينئذ ما ذكره المحقق الخوئي (قده)، من أنّ العناوين الانتزاعية كالفوق و التحت، قد تنتزع من منشأ واحد، و أنّ عنوانا واحدا قد ينتزع من مناشئ متباينة، كالسقف و السماء، لأنّ هذا ناظر إلى حمل العناوين الانتزاعية على مناشئ الانتزاع الذي هو

368

حمل «ذو هو» و نحن لا ندعي تعدد المحمول فيها بتعدد الحيثيات، بل ندّعي ذلك في حمل «هو هو» كما عرفت.

و عليه يكون ما ذكره المحقق الخوئي (قده) من الخلط بين حمل المواطاة، و حمل الاشتقاق، إذ إنّ «السقف و السماء» المتباينين يحمل عليهما، الفوق حمل اشتقاق، لا حمل مواطاة كما هو ثابت حتى في الماهيّات المتأصلة، هذا بناء على أن يكون لهذه الحيثيات خارجية، فتحمل عليها هذه العناوين بحمل «الهوهوية»، حينئذ يتم ما ذكره المحقق النائيني (قده) بنحو عام.

و أمّا إذا أنكرنا أن يكون لهذه الحيثيات خارجية- و إنما الخارجية لمناشئها، أي: لما تحمل عليه بحمل الاشتقاق- و بنينا على مسلك الحكماء، فإنّ هذه العناوين حينئذ لا تحمل إلّا بحمل «ذو هو» فقط، و حينئذ يتجه كلام المحقق الخوئي (قده)، و لا يتم كلام النائيني (قده).

و ذلك لأنّ مجرد تعدّد العنوان الانتزاعي لا يوجب تعدد المحمول عليه في الخارج، لأنّ المحمول عليه في الخارج محمول عليه بحمل «ذو هو» أي: هو مصداق بالعرض و المسامحة للمبدا، و ما هو مصداق بالعرض و المسامحة، يمكن أن يكون بالعرض و المسامحة مصداقا لمبدأين.

و هذا معنى قول المحقق الخوئي (قده) إنّه يمكن أن ينتزع عنوانان من منشأ انتزاعي واحد، و بناء على هذا المسلك، حينئذ لا يكون تعدد العنوان موجبا لتعدد المعنون.

و حيث قد عرفت أنّ المسلك الصحيح هو أنّ هذه العناوين الانتزاعية لها واقع خارجي، بقطع النظر عن عالم الاعتبار و الذهن، و أنّ ظرف العروض فيها هو ظرف الاتصاف خلافا لمشهور الحكماء، فحينئذ بناء على هذا المسلك الصحيح، يمكن أن تحمل هذه العناوين على الخارج بحمل «الهوهوية». و متى ما صحّ هذا الحمل يكون كلام المحقق النائيني (قده) هو

369

الصحيح كبرويا كما عرفت، إلّا أنّه يبقى لنا حساب مع المحقق النائيني (قده) من جهتين:

1- الجهة الأولى، هي: إنّ ما ذكره الميرزا (قده)، برهانا، و وافقه الخوئي (قده)، على كون تعدّد العنوان موجبا لتعدد المعنون، لا يختص بما إذا كان بين العنوانين عموم من وجه، كما ذكر الميرزا (قده)، إذ غاية ما ذكر في فذلكة هذا البرهان هو: إنّ الحيثيتين العرضيتين يستحيل أن يكون لهما مصداق واحد بالذات في الخارج، لأنّه يستحيل أن يكون للشي‏ء الواحد ماهيّتان عرضيّتان.

و هذا البرهان و الفذلكة يصدق أيضا فيما لو كان بين العنوانين نسبة التساوي، لأنّه يستحيل أيضا أن يكون للشي‏ء الواحد ماهيتان عرضيتان، سواء أ كانت النسبة بين العنوانين عموما من وجه، أو التساوي، فإنّه متى ما كان هناك عنوانان، و لكل واحد منهما مصداق بالذات في الخارج، و كان العنوانان عرضيّين، فإنه حينئذ يستحيل أن يكون مصداقهما بالذات واحدا، و لو كانا متساويين لما عرفت من دون فرق بين العناوين الحقيقية و الانتزاعية كما تقدّم. نعم يمكن أن يكون هذا الاختصاص للبرهان فيما إذا كانت النسبة بين العنوانين العموم من وجه في الماهيات المتداخلة، و التي يتمم بعضها البعض الآخر.

2- الجهة الثانية، هي: إنّ هذا الملاك لجواز الاجتماع، إنّما ينفع فيما إذا تعلّق الأمر و النّهي بالمبدإ الانتزاعي بجنبته المصدرية، لا فيما إذا تعلق الأمر و النّهي بالمبدإ بجنبته الاشتقاقية. و نحن هنا نخالف بعض مصطلحات النحويين.

و توضيح المقصود في المقام هو: إنّه إذا تعلق الأمر بالعبادية و النّهي بالغضبيّة، فيصح الاجتماع حينئذ بهذا الملاك المذكور، لأن الصلاة التي هي فعل واحد، هي معروضة لجهتين واقعيتين:

370

1- الجهة الأولى، هي: كون هذا الفعل الصلاتي مضافا إلى الله تعالى بإضافة التعبّد.

2- الجهة الثانية، هي: كون هذا الفعل مضافا إلى استعمال ملك الغير بغير رضاه.

فهاتان إضافتان و أمران انتزاعيّان قد عرضا على الصلاة، فهي منشأ انتزاعهما بمعنى من المعاني، فحينئذ إن تعلق الأمر بعنوان إحدى هاتين الإضافتين كما لو أمره المولى أن يجعل عمله هذا عبادة و مضافا إلى المولى و تعلق النّهي بعنوان الإضافة الأخرى كما لو نهاه المولى عن جعل عمله هذا غصبا فيصح الاجتماع، لأنّ هذين العنوانين، يحملان بحمل «الهوهوية» على تلك الإضافة، لأنّ الإضافة الأولى هي العباديّة، و الثانية هي الغصبية.

و عليه فيكون تعدّد العنوان موجبا لتعدد المعنون لما عرفت تفصيله، و مع التعدد يصح الاجتماع، هذا إذا كان متعلق الحكم نفس الإضافة أي العباديّة و الغصبيّة.

و أمّا إذا فرض أنّ متعلّق الأمر و النّهي هو الفعل المضاف، أي: الفعل العبادي المعبّر عنه بالعبادة، و الفعل الغصبي المعبر عنه بالغصب، لا العباديّة، و الغصبيّة، فإنّ أسماء الأفعال هذه، و إن كانت مبادئ بحسب عرف اللغة و النحو، إلّا أنّها بحسب الحقيقة نسبتها إلى مصادرها، نسبة المشتق إلى المصدر، فهي تستبطن اشتقاقا مستترا. فالعبادة، و الغصب فيهما جنبة اشتقاق، و إن لم يذكر في اللغة. فمصدر الغصب هو الغصبية، و كذلك العبادة، فإنّ مصدرها هو العباديّة و نحن كلامنا في طبيعة الأشياء، لا حسب مصطلحات النحاة و اللغويين. و حينئذ، فإذا تعلق الأمر و النّهي بالمبدإ الانتزاعي بجنبته الاشتقاقيّة، أي: تعلق بالعبادة، و الغصب، أي:

بمعروض الإضافة في كل منهما، لا بنفس الإضافة، فحينئذ لا يصح الاجتماع لأنّ حمل الغصبية و العبادية على الفعل الغصبي و الفعل الصلاتي يكون حمل ذو هو و فيه لا يكون تعدد على الحيثيات و الإضافات موجبا

371

لتعدد المحمول عليه، فلا يكون تعدد العنوان موجبا لتعدد المعنون، و معه لا يصح الاجتماع.

و الخلاصة، هي: إنّ هذا الملاك الثالث لجواز الاجتماع، كما ذهب إليه المحقق النائيني (قده)، إنما ينفع إذا كان متعلق الحكم هو نفس الإضافة، لا الفعل المضاف، أي: فيما إذا كان العنوانان عرضيين و محمولين على الخارج حمل مواطاة، أي: إنّ لهما مصداقا بالذات، لا حمل اشتقاق.

أو فقل: إنّ الملاك الذي ذهب إليه المحقق النائيني، إنّما ينفع في جواز الاجتماع، إذا كان متعلق الحكم هو نفس الإضافة، فيحمل هذا العنوان على مصداقه الخارجي بالذات، حمل مواطاة، لا الفعل المضاف، لأنه إذا كان متعلق الحكم هو نفس الإضافة، يكون الحمل حينئذ حمل مواطاة، أي: حمل «هو هو»، و معه لا يتعدّد المعنون بتعدد العنوان.

و أمّا إذا كان متعلّق الحكم هو الفعل المضاف، فحينئذ يكون الحمل حمل اشتقاق، أي: حمل «ذو هو»، و معه لا يتعدّد المعنون بتعدد العنوان.

على ضوء ما سبق فقد تحصّل لدينا ملاكان صحيحان لجواز اجتماع الأمر و النّهي:

الملاك الأول، هو: ما ذكرناه من أنّ تعدّد العنوان يكفي لرفع غائلة التضاد، لأنّ كون الأمر متعلقا بصرف وجود الطبيعة في الخارج، لا ينافي كون النّهي متعلقا بالفرد و الحصة، إذ لا تضاد بينهما، حيث أنّه لا محذور في إرادة صرف وجود الجامع و النّهي عن أحد أفراده.

الملاك الثاني، هو: ما ذكره الميرزا (قده)، من كون متعلّق الأمر غير متعلّق النّهي بحسب العنوان، و إن انطبق العنوانان على وجود واحد في بعض الموارد خارجا، فإنّ تعدد العنوان يوجب تعدّد معروض الأمر و النّهي، و الحب و البغض، حقيقة.

372

و هناك ملاك ثالث للجواز: ذكرناه في النحو الأول، و هو ما بنى عليه المحققون جواز الاجتماع كبرويا، و اختلفوا في تشخيص مورده صغرويا.

و خلاصته كبرويا، هي: ما لو كان الاختلاف بين مركزيّ الأمر و النّهي بالإطلاق و التقييد، و كان التركيب بين عنوانيّ المأمور به و المنهيّ عنه انضماميا، لا اتحاديا، حيث يكون الأمر متعلقا بصرف وجود الطبيعة، و لا يسري إلى الأفراد، و يكون النّهي متعلقا بالفرد، و لا يصعد إلى الطبيعة.

و بهذا يتعدّد العنوان فيكون مستلزما لتعدد المعنون خارجا.

و حينئذ لو أغمضنا النظر عن الوجدان الذي أبطلنا به هذا الملاك للجواز، فإنّه يتحصل عندنا حينئذ ثلاث ملاكات لجواز الاجتماع.

و إذا أردنا المقارنة بين هذه الملاكات، لنرى ما هو الأوسع منها بحسب النتيجة، فإننا نرى أنّ الملاك الثاني الذي ذكرناه و أثبتناه نحن- و هو كون تعدّد العنوان يكفي في رفع غائلة التضاد- لا يختلف كثيرا من حيث النتائج عن الملاك الثالث الذي ذكره الميرزا (قده)، من كون تعدد العنوان موجبا لتعدد المعنون، إذ نرى كأنّه بين الملاكين ملازمة لتصادقهما معا، و ارتفاعهما معا، باستثناء مورد واحد حيث يصدق ما ذكرناه و أثبتناه نحن، دون ما ذكره الميرزا (قده)، فيكون ما ذكرناه من ملاك و تبينّاه أعمّ ممّا ذكره الميرزا (قده) و تبنّاه.

و توضيح ذلك، هو: إنّه بالنسبة لجميع عناوين المبادئ الحقيقية أو الانتزاعية التي تعتبر من المعقولات الأوليّة- و التي تحمل على مصاديقها حمل مواطاة- ينطبق ما اختاره الميرزا (قده) و ما اخترناه.

أمّا انطباق ملاك الميرزا (قده) فلأنّه إذا أمر المولى بالسجود، و نهى عن الكلام، فهنا عنوانان، و تعددهما يوجب تعدد المعنون، باعتبار أنّ كلا من عنوانيّ السجود و الكلام، له محمول عليه مواطاتي في الخارج، لأنّه‏

373

يمكن الإشارة إلى شي‏ء في الخارج، فنقول: هذا كلام، و هذا سجود، فيكون تعدد العنوان موجبا لتعدد المعنون.

و أمّا انطباق ما اخترناه هنا من الملاك أيضا، فلأنّ العنوان متعدد، فإنّ عنوان السجود غير عنوان الكلام. هذا بالنسبة لعناوين المبادئ الحقيقية.

و أمّا بالنسبة إلى عناوين المبادئ الانتزاعيّة، فيما إذا تعلق الأمر و النّهي بالعنوان الانتزاعي بجنبته المصدرية كما ذكرناه، أي: بالعباديّة و الغصبية، فهنا أيضا يصدق كلا الملاكين. أمّا ملاكنا، فباعتبار تعدد العنوان كما هو واضح، و أمّا صدق ملاك الميرزا (قده) فلأنّ العباديّة و الغصبية لهما محمول عليه مواطاتي، كما عرفت، و حينئذ يكون تعدد العنوان موجبا لتعدد المعنون.

و أمّا إذا فرض أن الأمر و النّهي قد تعلّقا بالعنوان الانتزاعي بجنبته الاشتقاقية، و الذي يحمل على مصداقه حمل اشتقاق، أي: بالعبادة و الغصب، كما عرفت، فإنّه هنا لا يصدق كلا الملاكين.

أمّا عدم صدق ملاك الميرزا (قده)، فلأنّ المحمول الاشتقاقي لعنوانين انتزاعيّين، قد يكون واحدا وجودا، فلا يكون المعنون حينئذ متعددا.

و أمّا عدم صدق ملاكنا، فلأنّ كلا من الأمر و النّهي قد تعلق بذي الإضافة، أي: بالعبادة و الغصب، و معه يكون هناك محمول مشترك بين متعلق الأمر و النّهي، أعني عنوان العبادة و الغصب، و هو الفعل و الذات، لأنّ الغصب و الصلاة، نسبتهما إلى الغصبيّة و الصلاتيّة، نسبة المشتق إلى المصدر، فيكونان مطعّمين بنحو من التركيب بين الحيثية التي قلنا إنّها خارجية بنفسها، و بين ذي الحيثية، حيث يكون للعنوانين محور مشترك، هو الذات المتّصفة بالحيثية.

374

و إذا كان الأمر كذلك، فيدخل هنا تحت التحفظ الثالث الذي قلنا إنّه كلما كان هناك محور مشترك بين العنوانين، فلا يتم فيه الملاك الثاني، و إن تعدد العنوان، و كذلك الملاك الثالث للجواز، لأنّه بلحاظ ذلك المحور المشترك، سوف يجتمع الأمر و النّهي على عنوان واحد، فلا يصح الاجتماع، إذن ففي المقام لم يصدق كلا الملاكين.

نعم هناك مورد واحد يصدق فيه ملاكنا، و لا يصدق فيه ملاك الميرزا (قده)، و هو ما لو تعلق الأمر بعنوان حيثية الجنس، و تعلق النّهي بعنوان حيثية الفصل. ففي مثل ذلك يصدق ملاكنا لأنّ الجنس و الفصل، و إن كانا موجودين بوجود واحد خارجا، إلّا أنّ الذهن يمكنه تحليل هذه الماهية الواحدة، فينتزع عنوانا من حيثية جنسها، و عنوانا آخر من حيثية فصلها، فيتعدد العنوان، و معه يصح الاجتماع، بناء على ملاكنا. و مثاله: ما لو أمر المولى برسم خط، و نهى عن إيجاد الانحناء. فلو أوجد المكلف خطا منحنيا، أمكن فيه اجتماع الأمر و النّهي، لأنّ الخط المنحني نوع من الخط، و جنسه الخط، و فصله الانحناء، فهو و إن كان موجودا واحدا في الخارج، إلّا أنّ الذهن يحلّله كما تقدم، و مع كون الانحناء «الفصل» من المبادئ بالنسبة إلى الخط «الجنس» و ليس بينهما محور مشترك، إذن فيكون العنوان متعددا فيجوز الاجتماع، و معه يصدق ملاكنا.

و أمّا عدم صدق ملاك الميرزا (قده)، «الملاك الثالث» فلأنّ خارجيّة الجنس و الفصل ليست مستقلة بإزاء كل منهما مستقلا بنفسه، و إنما خارجيتهما بوجودهما معا ضمن ماهية واحدة لها وجود واحد في الخارج فهما جزءا ماهيّة، فوجودهما واحد لأنّ التركيب بينهما اتحادي، و معه يكون المعنون واحدا، لا متعددا، إذ ليس ما بإزاء الخط وجود خارجي مغاير للوجود الخارجي الذي بإزاء عنوان الانحناء، و ذلك كما في مثال ما لو رسم المكلف خطا منحنيا، و لهذا اشترطنا في صحة هذا الملاك، كون العنوانين عرضيّين، و ليسا طوليّين، كما في الجنس، و النوع، و الفصل، لأنّ الفصل متمّم للجنس، و في طوله.

375

و هذا المورد يكون برهانا «إنّيا» على صحة ملاكنا من كفاية تعدد العنوان في جواز الاجتماع، و إن كان المعنون واحدا بحسب وجوده الخارجي، فإنّ الوجدان قاض بجواز أن يقول المولى: «أرسم خطا و لا توجد انحناء».

و بهذا يثبت أنّ ملاك جواز لا ينحصر في ملاك الميرزا (قده)، كما يثبت بهذا، أنّ النسبة بين ملاكنا، «الملاك الثاني» و بين ملاك الميرزا (قده).

«الملاك الثالث»، هي نسبة العموم و الخصوص المطلق، بمعنى أنّ الملاك الثاني «ملاكنا» هو الأوسع بحسب النتيجة.

و أمّا النسبة بين هذين الملاكين للجواز «ملاكنا، و ملاك الميرزا (قده)، و بين ذلك الملاك الأول المذكور في النحو الأول، و الذي كان يكتفي في الجواز بأن يكون الأمر متعلقا بصرف الوجود، و النّهي متعلقا بفرده- مع قطع النظر عن مسألة لزوم التخيير الشرعي بحسب عالم الإرادة و الحب- فهي نسبة العموم من وجه.

أمّا مورد تماميّة ذلك الملاك الأول، دون تماميّة ملاكنا و ملاك الميرزا (قده)، إنّما هو في العنوانين اللّذين بينهما محور مشترك، فإنّه فيه لا يتم كلا هذين الملاكين، ملاكنا و ملاك الميرزا (قده) كما عرفت سابقا في مثال الأمر بالصلاة و النّهي عن الصلاة في الحمّام.

و أمّا الملاك الأول، فإنه يتم، لأنّ الأمر تعلّق بصرف وجود الصلاة و هو لا يسري إلى الحصص، و النهي تعلق بحصة الغصب و هو لا يسري إلى الطبيعة.

و أمّا تماميّة ملاكنا و ملاك الميرزا (قده) دون الملاك الأول، فهو فيما لو فرض وجود عنوانين متغايرين، و قد تعلّق الأمر بأحدهما بنحو مطلق الوجود، و تعلّق النّهي بالآخر كذلك كما في «الصلاة» و «الغصب»، فيما لو فرض تعلق الأمر و النّهي بعنوان الصلاة و الغصب، بجنبتهما المصدرية كما عرفته سابقا.

376

و الحاصل هو: إنّ نكتة ملاكنا تامة باعتبار تعدّد العنوان، و نكتة ملاك الميرزا (قده) تامة أيضا باعتبار أنّ تعدّد العنوان يوجب تعدد المعنون، لأنّ كلا من هذين العنوانين له محمول عليه مواطاتي كما عرفت.

إلّا أنّ الملاك الأول لا يتم، باعتبار أنّ كلا من الأمر و النّهي تعلّق بمطلق الوجود، و معه يسري الحكم إلى الحصص، لا انّ الأمر تعلّق بصرف الوجود، و تعلّق النّهي بالحصة ليتم ذلك الملاك الأول.

377

تطبيق ملاكات اجتماع الأمر و النهي‏

و بعد استعراض الملاكات في بحث اجتماع الأمر و النّهي، ينبغي أن نبحث في تطبيق هذه الملاكات على المثال المعروف لهذه المسألة، و هو «الصلاة في المغصوب» فيما لو اجتمع الأمر بالصلاة، و النّهي عن الغصب في مورد واحد، كما لو صلّى في المغصوب، فإنه حينئذ يسأل: هل تقع الصلاة صحيحة و مصداقا للمأمور به، أم لا؟

و هذا المثال ينحل إلى فرعين:

1- الفرع الأول: الصلاة في اللباس المغصوب.

2- الفرع الثاني: الصلاة في المكان المغصوب.

أمّا الفرع الأول، فله شقان:

1- الشق الأول، هو: أن يكون اللباس المغصوب هو نفس الساتر.

2- الشق الثاني: أن يكون المغصوب غير الساتر.

أو قل: أن لا يكون الساتر هو المغصوب، و إنّما المغصوب غيره.

و في هذا الفرع الأول يوجد تقريبان لبيان عدم جواز الاجتماع فيه:

حدهما يختص بالامتناع بالشق الأول، و ثانيهما يعمّ كلا الشقّين.

378

1- التقريب الأول و هو: المختص بالشق الأوّل، و هو ما لو كان نفس الساتر مغصوبا.

و حاصل هذا التقريب، هو: إنّ الصلاة في الساتر المغصوب من موارد اجتماع الأمر و النّهي في واحد، باعتبار أنّ التستّر فعل واحد، و هو مصداق للواجب، لأنّ التستر واجب في الصلاة، و هو مصداق للحرام لأنه تصرّف بالمغصوب، ففعل واحد، صار مصداقا للأمر و النّهي معا، و هذا غير جائز.

و هذا التقريب غير تام بقطع النظر عن جواز الاجتماع و عدمه، و الوجه في ذلك هو أنّ هذا المورد ليس من موارد الاجتماع أصلا، لأنّ التستر بالمغصوب، و إن كان مصداقا للحرام، إلّا أنّه ليس مصداقا للواجب، لأنّ التستر قيد في الصلاة الواجبة و ليس جزءا منها، و الأمر بالمقيّد لا ينبسط على ذات القيد، بل على التقيّد فحسب، كما حقق ذلك سابقا. و عليه: فلا يكون القيد مصداقا للواجب، فيكون التستر بالمغصوب خارجا عن مصب الأمر بالصلاة.

و من هنا، نحكم بصحة الصلاة في الساتر المغصوب على مقتضى القاعدة، لو لا قيام إجماع تعبّدي على خلافه، حتى و لو قلنا ببطلان جميع ملاكات جواز الاجتماع، و ذلك لأنّ المورد ليس من موارد الاجتماع.

هذا مضافا إلى أنّه لو كان التستر جزءا، لوجب إتيانه مع قصد القربة، مع أنّه من الوضوح بمكان عدم وجوب قصد القربة فيه، ناهيك عن قصور الأدلّة عن إثبات جزئية التستر.

2- التقريب الثاني: الشامل لكلا شقي الفرع الأول، أعني الصلاة في الساتر المغصوب، و في الثوب المغصوب، و إن لم يكن ساترا.

و حاصل هذا التقريب، هو: أنّه يلزم منه اجتماع الأمر و النّهي في الفعل الصلاتي الواحد نفسه، من ركوع و سجود و قيام، فإنّ الركوع مثلا

379

فعل صلاتي واحد، و هو مأمور به باعتباره جزءا من الصلاة الواجبة، و منهيّ عنه باعتباره علة للغصب، بناء على أنّ ما هو جزء من الصلاة إنّما هو نفس الهوي للركوع، و حينئذ يقال: بأنّ هذا الهويّ علة في تحريك الثوب، و تحريكه، حرام لأنّه غصب، فيكون الهوي حراما لأنّه علة للحرام، و المفروض أنّه واجب باعتباره جزءا من الصلاة، فيلزم حينئذ اجتماع الوجوب و الحرمة على نفس الهوي، و هو فعل واحد، و هذا مستحيل.

و كذلك الحال إذا قلنا: بأنّ ما هو جزء الصلاة، هو نتيجة الهوي، و هو نفس الركوع، ففيه أيضا يلزم الاجتماع في فعل واحد، حيث يقال: إنّ تقوّس الجسم الذي هو عبارة عن الركوع واجب، لأنّه جزء من الصلاة، و هو حرام لأنّه علة في تحريك الثوب المغصوب أو تقوّسه و طيّه، فيلزم الاجتماع في فعل واحد، هو مستحيل.

و هذا التقريب لو تمّ، فإنّه لا يفرّق فيه بين أن يكون المغصوب هو الثوب الساتر، أو غير الساتر كما هو واضح.

و لكن هذا التقريب غير تام أيضا: سواء قلنا بأنّ الهويّ هو نفسه جزء الصلاة، أو أنّ نتيجة الهوي الذي هو الركوع، هو جزء الصلاة، فعلى كلا الحالين لا يتم هذا التقريب.

و ذلك لأنّ نفس الهويّ و بقية أفعال الصلاة ليست علة تامة للغصب، و تحريك هذا اللباس المغصوب، حتى مع فرض كون هذا التحريك تصرفا في المغصوب، لأنّ الهوي، و الركوع، و القيام، ليست سببا تاما في تحريك الثوب، و إنّما هي جزء السبب. و هناك أجزاء أخرى كإبقاء الثوب على البدن و غيره، تشكل بمجموعها مع القيام و الركوع و السجود، سببا تاما و علة تامة للحرام، و ما لم يكن علة تامة للحرام لا يكون حراما، فالركوع و السجود بمفردهما ليسا علة تامة للحرام. إذن فالفرع الأول ليس من موارد اجتماع الأمر و النّهي. و عليه: فيحكم بصحة الصلاة في مثل هذا المورد، إذا لم يقم إجماع على خلافه، و إن لم نقل بتمامية كل ملاكات جواز الاجتماع.

380

2- الفرع الثاني، و هو: «الصلاة في المكان المغصوب». و الكلام فيه ليس من جهة الروايات، و إلّا فقد ذكرت رواية واحدة (1) تدل على عدم جواز الصلاة في المكان المغصوب، و هي مناقشة سندا و دلالة، و إنّما الكلام في هذا الفرع من جهة مسألة الاجتماع، و حينئذ يقال- كما جرت العادة، أن تطرح هذه المسألة- بأنّه يوجد عندنا عنوانان: أحدهما متعلق للأمر، و هو الصلاة، و الثاني متعلق للنّهي، و هو الغصب.

و حينئذ لا بدّ و أن يرى أنّ تعدّد العنوان في المقام، هل يكفي لرفع غائلة الاجتماع بأحد الملاكات المتقدمة، أو إنّه لا يكفي؟

و الصحيح إنّ هذا الطرح لهذه المسألة غير صحيح، لأنّ الغصب ليس محرما بعنوانه، و إنّما المحرّم هو مصاديقه، «كأكل مال الغير»، و نحوه، ممّا ورد في القرآن الكريم النص على تحريمه كقوله تعالى‏ لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا.

و من المعلوم أنّه لا خصوصيّة للدخول كي تحرم مصاديقه لحرمته أيضا، إذ عنوان الغصب ليس بنفسه مركزا و مصبا للنّهي. و عليه فلا بدّ من تنقيح العناوين التفصيلية لمصاديق الغصب التي هي المحرمة، لنرى أنّه هل أخذ واحد منها تحت الأمر في قوله: «صلّ»، أو لم يؤخذ؟

و هل يتحد شي‏ء منها مع أفعال الصلاة، أم لا؟.

فنقول:

إنّ الغصب و التصرف في ملك الغير يكون بأحد أمور:

1- الأمر الأول، هو: أن يكون بإحداث تغيير في ملك الغير.

2- الأمر الثاني، هو: أن يكون بالكون في ملك الغير.

____________

(1) الوسائل: باب 2 من أبواب مكان المصلي حديث 2.

381

3- الأمر الثالث، هو: أن يكون بإلقاء الثقل على ملك الغير دون مجرد المماسة، فإنّه لا يصدق عليها أنّها تصرّف في ملك الغير.

و قد انصبّ التحريم على هذه المصاديق الثلاثة.

من هنا لا بدّ من النظر في أجزاء الصلاة، كي نرى أنّه هل يكون واحدا منها أحد هذه المصاديق لتدخل المسألة في مسألة اجتماع الأمر و النّهي، أو لا يكون شيئا منها أحد هذه المصاديق، فتكون هذه الأجزاء خارجة عنها؟

فنقول: إنّ الصلاة تقسم إلى عدة أقسام:

1- القسم الأول، النيّة: و لا إشكال في أنّها ليست أحد الأمور الثلاثة المتقدمة.

2- القسم الثاني، الأقوال: كالقراءة التي هي من مقولة اللسان، أو كيف له. و لا إشكال أيضا في أنّها ليست أحد الثلاثة المتقدمة.

إلّا أنّه فلا يدّعى أنّ القراءة مرجعها إلى الصوت، و هو يستوجب تموج الهواء، و هذا التموج تصرف و تغيير في فضاء ملك الغير، فإنّ الغير كما يملك ذلك المكان، فإنّه يملك فضاءه أيضا. و عليه، فتكون القراءة محرمة، و المفروض أنها واجبة، لأنّها جزء من الصلاة، فتدخل في مسألة الاجتماع.

إلّا أنّ هذه الدعوى شبهة غير صحيحة.

أمّا أولا: فلأنّ الصوت أو القراءة، ليس عبارة عن تموج الهواء، بل هو مسبّب عن ذلك، فأحدهما غير الآخر.

و أمّا ثانيا: فلو أغمضنا عن ذلك، و سلّمنا أنّ القراءة هي نفس التموج، إلّا أنّه لا دليل على ملكيّة الغير لهذا الهواء، إذن فلا حرمة في التصرف في الهواء، حتى لو قلنا بملكيّة الغير للفضاء.

و أمّا ثالثا: فلو سلّمنا بملكيّة الغير للهواء، إلّا أنّه لا يصدق على ذلك أنّه تصرف في ملك الغير، بحسب النظر العرفي، أو تغيير فيه، لكي يشمله‏

382

دليل حرمة التصرف فهذا المقدار من التصرف لا بأس به.

و أمّا رابعا: فلو سلّمنا أنّه تصرف، إلّا أنّه لا إطلاق في دليل حرمة التصرف ليشمله. و عليه فلا مجال لعقد مسألة الاجتماع بلحاظ القراءة.

3- القسم الثالث من الصلاة: الاستقراء المعبّر عنه بالطمأنينة. و هذا عبارة عن الكون في المكان، فيجتمع فيه الأمر و النّهي. إلّا أنّ الصحيح عدم كونه موردا للاجتماع، و ذلك لأنّ الاستقرار عبارة عن عدم الاضطراب من دون أن يستبطن معنى المكان، كما لو أمكن الصلاة في غير مكان، فصلّى بلا اضطراب، فإنّه يصدق معه عنوان الاستقرار، كما يحدث ذلك لمن يركب «الطائرات أو البراشوت» في عصرنا.

4- القسم الرابع، من الصلاة: ممّا هو من مقولة أفعال الجوارح، كالركوع و السجود، و حينئذ قد يدعى أنّه من موارد اجتماع الأمر و النّهي، لأنّه تصرف في ملك الغير بنحو من الأنحاء. إلّا أنّ هذا غير صحيح، لأنّه بعد أن أشغل مكان الغير بالكون، فلا يصدق أنّ الركوع تصرّف في ملك الغير بل حتى لو سلّمنا بأنّ الكون تصرف، فلا نسلم بأنّ الكون جزء من الصلاة، هذا مضافا إلى أنّ الركوع و السجود بما هي أفعال المصلّي، فهي تصرّف في جسم الراكع و الساجد، لا في ملك الغير، إذ إنّ الركوع و أمثاله نسب بين أجزاء الجسم، فهو تصرف فيه.

و قد يقال: بأنّ الاجتماع يحصل بلحاظ الهوي إلى الركوع، لأنّه حركة في الكون في المكان، و الحركة كذلك كون في المكان، لأنّ الحركة من كل طبيعة، هي مصداق لتلك الطبيعة، و بذلك يجتمع الأمر و النّهي في الهوي.

إلّا أنّ هذا القول غير صحيح، لأنّ الهويّ كذلك، و إن كان موضوعا للنّهي، إلّا أنّه ليس موضوعا للأمر، فإنّ الهويّ ليس جزءا من الصلاة، و إنّما هو مقدمة للجزء.

383

و قد يقال: إنّ الاجتماع بين الأمر و النّهي يحصل بلحاظ السجود، بناء على أنّ السجود لا يكفي فيه مجرد المماسة بالأرض، بل لا بدّ فيه من إلقاء الثقل على الأرض، و هو نحو تصرف فيها، و في مثله يتحقق الاجتماع.

و هذا القول صحيح: و على ضوئه يبحث في جواز الاجتماع و عدمه.

و في المقام لا بدّ من القول بالامتناع عند من يستند في جواز الاجتماع إلى ملاك كفاية تعدّد العنوان، أو إلى ملاك الميرزا (قده) القائل بأنه لا بدّ من تعدّد المعنون خارجا.

و الوجه في ذلك هو أنّ عنوان الغصب في المقام، غير متعدّد، بل هو واحد، بعد أن عرفت أنّ المحرّم ليس هو عنوان الغصب، و إنما المحرّم هو واقع الفعل الذي به يتحقق الغصب، و هو «إلقاء الثقل على الأرض»، و عنوان إلقاء الثقل شي‏ء واحد، و قد صار هذا العنوان الواحد متعلقا للأمر و النّهي، و بهذا لا ينطبق واحد من الملاكين. الثاني و الثالث. هنا لما عرفت من اتّحاد المعنون فضلا عن عدم تعدد العنوان، و أنّ النّهي و كذلك الأمر متعلق بمصداق الغصب بالنحو المتقدم.

و عليه فمن يستند في جواز اجتماع الأمر و النّهي إلى ملاكنا، أو ملاك الميرزا (قده) يتعيّن عليه القول بامتناع الاجتماع في المقام لوحدة العنوان المتعلق للأمر و النّهي.

نعم من يستند في جواز الاجتماع إلى الملاك الأول المذكور في النحو الأول، القائل بأنّ الأمر متعلق بصرف الوجود، و هو لا يتنافى مع النهي عن الحصة، يجوز له أن يقول بجواز الاجتماع حيث يقال حينئذ: إنّ الأمر متعلق بصرف الوجود و هو لا يسري إلى الحصة، و النّهي متعلق بالحصة و هو لا يصعد إلى صرف الوجود. و عليه. فيجوز اجتماع الأمر و النّهي في المقام بلا محذور.

و الخلاصة: إنّه بناء على الملاك الأول، يمكن إدّعاء جواز الاجتماع‏

384

في مورد السجود- بمعنى كونه إلقاء الثقل- و عليه، فلا يكون من تطبيقات كبرى امتناع اجتماع الأمر و النّهي، إلّا إذا بنينا على الملاك الثاني و الثالث، و يبقى تنقيح بطلان الصلاة في المكان المغصوب، في ذمّة الفقه لما استدلّ له ببعض الروايات.

385

تنبيهات اجتماع الأمر و النهي‏

ثم إنّه بعد استعراض كلمات المحققين في أصل مسألة اجتماع الأمر و النّهي، و استعراض ملاكات الجواز و الامتناع فيها، نستعرض أخيرا ما ذكره صاحب الكفاية (قده) أولا، تحت عنوان «مقدمات»، و نذكره نحن تحت عنوان «التنبيهات»، لأنّه بعد استعراضنا لأقوال المحققين في أصل المسألة، يسهل فهمها:

* التنبيه الأوّل: في تحقيق كون هذه المسألة، أصولية، أو فقهية، أو كلاميّة، أو إنّها من المبادئ التصديقية أو الأحكامية لها.

فقد اختار صاحب الكفاية (قده) (1) إنّها مسألة أصوليّة، لانطباق ضابط المسألة الأصولية عليها، و هو وقوع نتيجتها في طريق استنباط حكم شرعي كلي، باعتبار أنّ القول بالجواز يترتب عليه صحة الصلاة في الدار المغصوبة، و القول بعدم الجواز يترتب عليه بطلان تلك الصلاة.

و قد أشكل عليه المحقق النائيني (قده) (2) حيث ذكر أنّ ضابط المسألة الأصولية، ليس هو مجرد وقوع نتيجتها في طريق الاستنباط، بل هو وقوعها

____________

(1) كفاية الأصول- مشكيني- ج 1 ص 226- 227.

(2) فوائد الأصول- الكاظمي: ج 1 ص 242- 243- المطبعة العلمية.

386

كبرى في قياس الاستنباط، حيث لا تحتاج معها إلى ضم مسألة أصوليّة أخرى إليها.

و الحال إنّها تحتاج إلى ضمّ كبرى أخرى إليها كفساد العبادة بالنّهي عنها، فإنّها من دون ضم هذه الكبرى لا تثبت حكما شرعيا. و عليه: فلا يمكن أن تكون مسألة أصولية، و إلّا فلو كان الضابط في المسألة الأصولية ما ذكره صاحب الكفاية (قده)، لكانت مسائل اللغة هي أيضا مسائل أصولية حيث أنّ نتيجتها تقع في طريق الاستنباط. فإنّ كون كلمة (الصعيد) دالة على مطلق وجه الأرض لغويا، هي أيضا تقع في طريق استنباط جواز التيمّم في مطلق وجه الأرض، لكن بناء على ما ذكرناه من الضابط، تخرج مسائل اللغة، لأنّه لا يمكن أن يستنبط منها حكم شرعي بلا ضم مسألة أصولية أخرى إليها.

و بناء على كون الضابط ما ذكرناه فلا تكون مسألة اجتماع الأمر و النّهي من المسائل الأصولية، لأنّه لا يمكن أن يستنبط منها حكم شرعي بلا ضمّ مسألة أصولية أخرى إليها، إذ إنّ مجرّد القول بامتناع الاجتماع لا يثبت بطلان الصلاة بمجرده، بل بناء على الامتناع يقع التعارض بين «صلّ، و لا تغصب» فلا بدّ من تطبيق باب التعارض. فلو قدّمنا جانب النّهي، فإنّ ذلك لا يثبت بطلان الصلاة ما لم يثبت أنّ النّهي عن العبادة يقتضي فسادها.

و بهذا يتبين أنّ مجرد القول بالامتناع، لا يثبت البطلان إلّا بعد ضمّ مسألة التعارض، و مسألة اقتضاء النّهي للفساد، و كلاهما من المسائل الأصوليّة.

و قد حاول السيد الخوئي (قده) (1) أن يدفع الإشكال عن صاحب الكفاية (قده) حيث ذكر أنّ ضابط المسألة الأصولية، و إن كان ما ذكره‏

____________

(1) أجود التقريرات: ج 1 هامش- ص 333- 334.

387

الميرزا (قده) إلّا أنّه يكفي في أصولية المسألة أن يتوفر فيها هذا الضابط، و لو على أحد تقديريها.

و في المقام إذا قلنا بالامتناع يتوجه ما ذكره الميرزا (قده) من عدم إمكان استنباط بطلان العبادة إلّا بعد ضمّ غيرها من المسائل الأصوليّة إليها، إلّا أنّه بناء على جواز الاجتماع، يحكم بالصحة، بلا حاجة إلى ضمّ مسألة أصولية أخرى إليها، و هذا يكفي في أصولية المسألة.

و نحن بدورنا نعلّق على كل من كلام السيد الخوئي (قده) و الميرزا (قده).

أمّا تعليقنا على كلام السيد الخوئي (قده) فهو أن يقال: إنّه بناء على ما ذكره الميرزا (قده) من الضابط للمسألة الأصولية، فإنّه لا يمكن استنباط الحكم بالصحة من مجرد القول بالجواز، بلا ضمّ مسألة أصوليّة أخرى، و ذلك لأنّ القول بالجواز، لا بدّ و أن يكون بأحد الملاكات الثلاثة المتقدمة.

فإن قلنا بالجواز بناء على ملاك كون تعدّد العنوان يوجب تعدد المعنون: ففي مثله يكون ما هو الصلاة خارجا غير ما هو الغصب خارجا.

و حينئذ، فإمّا أن يفرض وجود مندوحة للمكلف. و إمّا أن لا يكون له مندوحة، أي: بمعنى إنّه لا يمكنه الإتيان بالصلاة إلّا في الأرض المغصوبة.

فإن لم يكن له مندوحة، فيقع التزاحم بين «صلّ، و لا تغصب».

و الحكم بصحة الصلاة يتوقف على أحد أمور ثلاثة، كما حقّقت في باب التزاحم. و هي أولا: أن نحصل على مرجح للأمر على النّهي.

و إمّا أن نقول بإمكان الترتب.

و إمّا أن نقول بإمكان التقرب بالملاك.

و هذه الأمور تثبت بقواعد التزاحم، و عليه فقد احتجنا في إثبات صحة العبادة إلى باب التزاحم الذي هو مسألة أصولية.

388

و أمّا إذا كان للمكلف مندوحة، فحينئذ، يكون للصلاة فردان:

أحدهما: مقدور شرعا، و هو الصلاة في غير المغصوب.

و ثانيهما: غير مقدور شرعا، و هو الصلاة في الأرض المغصوبة.

و في مثله إن بنينا على عدم إمكان تعلّق الأمر بالجامع بين المقدور و غير المقدور. كما يقول الميرزا (قده)، فحينئذ يقع التزاحم، و لا بدّ من الرجوع إلى قواعده.

و إن بنينا على إمكان تعلّق الأمر بالجامع بين المقدور و غير المقدور، فتقع العبادة صحيحة لكون الجامع بين المقدور و غيره مقدورا.

و عليه فتصحيح العبادة يتوقف على إثبات كبرى إمكان الأمر بالجامع بين المقدور و غيره، و كبرى إمكان الأمر بالجامع مسألة أصولية، إذن فإثبات صحة العبادة في مورد اجتماع الأمر و النّهي بحاجة إلى ضمّ كبرى أخرى على كل حال. فإذا فرض أنّ الثمرة لهذه المسألة هي تصحيح الصلاة في مورد اجتماع الأمر و النّهي، فهي بحاجة إلى ضمّ مسألة أصولية أخرى على كل التقادير في مسألة اجتماع الأمر و النّهي، و لا يكفي فيها مجرّد القول بجواز اجتماع الأمر و النّهي، هذا بناء على أنّ جواز الاجتماع بملاك كون تعدّد العنوان موجبا لتعدّد المعنون.

و أمّا إذا قلنا بأنّ جواز الاجتماع كان بالملاكين الأخيرين، ففي مثله يكون ما هو الصلاة خارجا، هو نفسه الغصب، كما عرفت تحقيقه. و عليه:

فلا يمكن الحكم بصحة الصلاة إلّا بعد إثبات عدم اقتضاء النّهي للفساد، لأنّ هذه الصلاة بناء على ذلك، و إن كانت مأمورا بها، إلّا أنّ المفروض أنّه منهيّ عنها. إذن فنحن بحاجة إلى ضمّ مسألة اقتضاء النّهي للفساد، و إثبات عدم اقتضائه لاستنباط الحكم بصحة الصلاة.

و بهذا يثبت صحّة ما ذكره الميرزا (قده) من الضابط في المسألة الأصوليّة تعليقا على صاحب «الكفاية». من أنّه لا يمكن استنباط الحكم‏

389

بالصحة أو البطلان من مسألة الاجتماع بمجردها، بلا ضمّ أيّ مسألة أصولية أخرى إليها على جميع التقادير.

و عليه: فإشكال الميرزا (قده) على المحقق الخراساني (قده) ثابت، و إشكال السيد الخوئي (قده) على الميرزا (قده) غير تام.

و أمّا التعليق على كلام المحقق النائيني (قده) فهو أن يقال: بأنه يمكن التخلص من إشكال الميرزا (قده) لو أنّ صاحب «الكفاية» جعل الوجوب و الحرمة، ثمرة اجتماع الأمر و النّهي، بدلا من جعل الصحة و البطلان كأن يقال: القول بجواز الاجتماع، يستنبط منه الحكم بالوجوب، و القول بامتناع الاجتماع، يستنبط منه الحكم بالحرمة، فإنّ الوجوب و الحرمة هما أيضا، حكمان شرعيّان كليّان، و أبعد عن إشكال الميرزا (قده)، و ذلك لأنّه بمجرد القول بالجواز، يثبت الوجوب و الحرمة معا، و إن كان القول بالامتناع لا يثبت أحدهما إلّا بضم كبرى أصولية أخرى إليه.

و بعد أن عرفت مبنى صاحب «الكفاية» (قده)، و مبنى الميرزا (قده)، و مبنى السيد الخوئي (قده)، يتبين لك أن كل هذا الكلام لا موضوع له، بناء على ما هو الضابط عندنا في المسألة الأصوليّة. إذ قد عرفت أنّ الضابط عندنا هو اشتمال المسألة الأصولية على ثلاثة خصائص:.

1- الخصيصة الأولى، هي: أن يكون استخراج الحكم الشرعي الكلي من المسألة بنحو الاستنباط و التوسيط لا التطبيق، و هذه الخصيصة متوفرة في مسألة الاجتماع، لأنّ استخراج الوجوب، و الحرمة، و الصحة، و البطلان، من قاعدة إمكان اجتماع الأمر و النّهي العقلية، أو من امتناعه، ليس بنحو تطبيق الكلي على مصاديقه، لوضوح أنّ الحكم المستخرج ليس مصداقا لإمكان الاجتماع، و امتناعه، بل هو مغاير له، و إنّما استخراجه بنحو الاستنباط و التوسيط.

2- الخصيصة الثانية، هي: أن تكون المسألة الأصولية بحسب مادتها مشتركة بين عدة أبواب غير مختصة بباب واحد. و هذه الخصيصة متوفرة في‏

390

المقام، لأنّ مسألة الاجتماع لا تختص بباب الصلاة- مورد مثالنا- بل تشمل غيره كالصوم و غيره.

3- الخصيصة الثالثة، هي: أن يكون المبحوث في المسألة أمرا مرتبطا بالشارع دون غيره، كوثاقة الراوي المرتبطة بأمر خارجي. و هذا متوفر في المقام أيضا، لأننا نبحث عن إمكان اجتماع الأمر و النّهي، و هما فعلان للشارع، و بهذا يثبت أنّ مسألة اجتماع الأمر و النهي مسألة أصوليّة لاشتمالها على خصائص المسألة الأصوليّة.

* التنبيه الثاني: هو إنّ الإمكان و الامتناع المبحوث عنهما في المقام، هل يختص بالإمكان و الامتناع الذي يكون بحكم العقل، أو إنّه يشمل ما يكون بحكم العرف أيضا؟.

و منشأ هذا التشقيق هو ذهاب البعض إلى جواز الاجتماع عقلا، و امتناعه عرفا.

و قد اعترض على كون النزاع في الإمكان و الامتناع بنحو يشمل حكم العرف، باعتبار أنّ الإمكان و الامتناع أمران واقعيّان يدركهما العقل فقط، و لا شأن للعرف في إدراك الأمور الواقعية، و ليس نظره حجة في تشخيصهما، و إن كان حجة في غيرهما كما في المفاهيم و مدلول اللفظ.

و قد ذكر في مقام توجيه مدخليّة العرف في ذلك ما حاصله:

إنّ الحكم بالإمكان و الامتناع، و إن كان هو العقل، حيث أنّ العقل هو الذي يحكم باستحالة اجتماع الأمر و النّهي على شي‏ء واحد، و عدم استحالته على شيئين، إلّا أنّ تشخيص كون هذا شيئا واحدا أو شيئين، يختلف فيه نظر العرف عن نظر العقل، باعتبار المسامحة في نظر العرف، و الدقّة في نظر العقل.

391

و قد أشكل على مدخليّة العرف في ذلك حيث قيل: بأنّ مدخليّة العرف في بحث الإمكان و الامتناع، مرجعه إلى تشخيص العرف للمصداق.

و حكمه في تشخيص المصداق ليس حجة، و إنما هو حجة في تشخيص مفهوم اللفظ. فمثلا- بعد أن يحكم العرف في معنى (الصعيد)، و نعلم أنّه خصوص التراب- لا يرجع إلى العرف ليشخص و يحكم على مشكوك الترابيّة بأنّه تراب، بل يرجع في ذلك إلى العقل المبني على الدقة و التحليل. و هذا الكلام و إن كان صحيحا في نفسه، إلّا أنّه مع ذلك يمكن القول بأنّ الكلام في الإمكان و الامتناع يشمل ما كان بحكم العرف إمكانا و امتناعا.

و توضيح ذلك، هو: إنّ العرف قد يدرك تلازمات قد لا يدركها العقل، باعتبار كون حكم العرف مبنيا على النظر المسامحي الذّوقي، بينما حكم العقل مبني على الدقة و التحليل. فمثلا: العرف يدرك التلازم بين مطهّرية الماء و طهارته، فإذا علم بمطهريّة ماء من دليله، تراه يحكم بطهارة هذا الماء بسبب هذا التلازم العرفي، لأنه لا يعقل كون المطهر غير طاهر، و هذا التلازم هو دلالة التزامية، و هي حجة كسائر الدلالات، بينما قد لا يحكم العقل بهذا التلازم، حيث أنّ التفكيك بين مطهريّة الماء و طهارته ليس مستحيلا بنظره.

و الحاصل هو: إنّ العرف المبني على النظر المسامحي بحسب مرتكزاته، قد يدرك تلازما بين شيئين لا يدركه العقل، كما لو ادّعى الحكم بالإمكان أو الامتناع، باعتبار إدراكه تلازما يكون مقتضاه الحكم بالامتناع، فمثل هذا الإدراك للتلازم حجة لأنّه دلالة التزامية، و هي حجة كما عرفت.

و نفس الشي‏ء يقال في المقام، فمثلا: دليل «صلّ»: يدل بالمطابقة على وجوب الصلاة، و بالالتزام بنظر العرف على أنّ الصلاة لا تقع في مورد «ما» مصداقا للغصب، باعتبار أنّه يرى التمانع بينهما و لو كانا ذا عنوانين، و كذا دليل «لا تغصب» فإنّه يدل بالمطابقة على حرمة الغصب، و بالالتزام- بنظر

392

العرف- على أنّ الغصب لا يقع في مورد مصداقا للصلاة، فإنّه حينئذ يحكم باستحالة الاجتماع لهذه الدلالة، و يكون دليل وجوب الصلاة حينئذ، دالا بالملازمة العرفية، على اختصاصها بغير الفرد المحرّم.

و بهذا يثبت أنّ البحث عن الإمكان و الامتناع، بحيث يشمل حكم العرف بهما، أمر معقول.

نعم يبقى فرق بين الإمكان و الامتناع بحكم العقل، و الإمكان و الامتناع بحكم العرف:

فالأول: لا يفرّق فيه بين ما إذا كان دليل الوجوب و الحرمة لفظيا أو غير لفظي، كما لو كان الدليل لبّيا، كالإجماع و غيره. بينما يختص الثاني بما إذا كان دليل الوجوب و الحرمة لفظيا باعتبار أنّ حكم العرف مبني على إدراك و وجود دلالة التزامية تشكّل موضوعا لكبرى حجية الدلالات، و هذا من شئون الخطابات اللفظية و دلالاتها.

و الحاصل: هو: إنّ البحث في الإمكان و الامتناع غير مختص بالإمكان و الامتناع العقلي، بل يشمل الإمكان و الامتناع العرفي أيضا.

و عليه: فلا مجال للتفصيل المذكور، و هو القول بجواز الاجتماع عقلا، و امتناعه عرفا.

بل الصحيح، هو إنّنا في كل مورد قلنا فيه بجواز الامتناع و الاجتماع عقلا، نقول فيه بجوازه عرفا، و هكذا العكس.

و يشهد لذلك الوجدان، و هناك منبه على ذلك الوجدان، و حاصله هو: إنّ القول بجواز الاجتماع عقلا، معناه، إمكان اجتماع مبادئ الأمر من الحب مع مبادئ النّهي من البغض، كما يحصل للإنسان العرفي حيث يمر وجدانه بعناوين كثيرة يحبّ بعضها، و يبغض بعضها الآخر، و قد يجتمع حبّه و بغضه على عنوان واحد و مورد فارد، حيث يكون فصل واحد، بأحد العنوانين محبوبا، و بالعنوان الآخر مبغوضا، و الحب و البغض من الأمور

393

التكوينية الواقعية، فإذا كان يمكن اجتماعهما عقلا بلا محذور، إذن سوف لا يرى الإنسان العرفي بوجدانه أيّ مانع من اجتماع الأمر و النّهي على شي‏ء واحد ذي عنوانين، محبوبا بأحدهما، و مبغوضا بالآخر، و ليس معنى هذا إلّا جواز الاجتماع عرفا كما هو جائز عقلا.

* التنبيه الثالث: و هو قد عقد للتفرقة بين مسألة الاجتماع، و مسألة اقتضاء النهي لفساد العبادة و عدمه‏

، حيث أنّه قد يتوهم رجوعهما إلى مسألة واحدة، باعتبار أنّ البحث هنا، في أنّ النّهي عن العبادة هل يقتضي فسادها أم لا، يرجع إلى أنّ النّهي عن العبادة هل يقتضي بطلانها؟ بمعنى عدم كونها مصداقا للمأمور به، أم لا؟

و معنى البحث في المقام عن إمكان اجتماع الأمر و النهي و عدمه، هو: إنّ النهي عن شي‏ء هل يوجب زوال الأمر عنه حتى لا يكون مصداقا للمأمور به، أم لا؟

و معنى هذا، رجوع البحث في المسألتين إلى ما بحث عنه في مسألة اجتماع الأمر و النّهي.

و أول من حاول التفرقة بين المسألتين هو صاحب القوانين (قده) (1)، حيث ذكر أنّ المسألتين متغايرتان لتغاير موضوعهما، إذ إنّ موضوع مسألة أنّ النّهي هل يقتضي الفساد أم لا، هو أن يكون هناك طبيعة واحدة، تعلّق الأمر بمطلقها، و النّهي بمقيدها، كالأمر بالصلاة، و النّهي عن الصلاة في الحمّام، أي: يكون عندنا أمران بينهما عموم و خصوص مطلق، فيتعلق الأمر بالأعم، و النّهي بالأخص.

بينما موضوع مسألة الاجتماع، هو ما إذا كان عندنا عنوانان، بينهما

____________

(1) قوانين الأصول- المحقق القمي: بحث الاجتماع ص 77.

394

عموم و خصوص من وجه، فيتعلق الأمر بأحد العامّين، و النّهي بالآخر، و يقع الكلام في إمكان اجتماعهما في مادة الاجتماع، كما في مثال الغصب و الصلاة: إذ موضوع أحدهما غير موضوع الآخر، و من هنا يقع التغاير بينهما، و يكون أحدهما مستقلا عن الآخر.

و أشكل صاحب «الفصول» (1) عليه، حيث ذكر بأنّ موضوع مسألة الاجتماع هو ما إذا كان هناك عنوانان على معنون واحد، سواء أ كانت النسبة بينهما العموم من وجه، أو العموم المطلق، دون أن يختص ذلك بالعامين من وجه، لأنّ ضابط مسألة الاجتماع هو تعدّد العنوان.

و من هنا فرّق صاحب «الفصول» بين المسألتين بوجه آخر، حاصله:

إنّه في مسألة الاجتماع عندنا عنوانان، و في مسألة اقتضاء النّهي الفساد عندنا عنوان واحد، تعلق الأمر بمطلقه، و النهي بمقيده.

و هذا التفريق بين المسألتين من قبل هذين العلمين غير تام.

أمّا بطلان تفريق صاحب القوانين: فإنّه مضافا إلى ما قاله صاحب «الفصول»، من عدم اختصاص بحث الاجتماع بما إذا كان العنوانان عامين من وجه، بل يشمل ما إذا كان بينهما عموم مطلق، فإنه كذلك لا يختص البحث عن اقتضاء النّهي الفساد، بما إذا كان النّهي قد تعلق بالعبادة من خلال عنوان أخص منها، بل يشمل أيضا ما إذا تعلق النهي بها، و لو من خلال عنوان أعم منها من وجه.

و أمّا بطلان تفريق صاحب «الفصول» فإنّه مضافا لما عرفت و تعرف- فهو غير تام، خصوصا في مسألة اقتضاء النّهي للفساد، حيث جعل موضوعها عنوانا واحدا، تعلق الأمر بجامعه و النّهي بفرده. بل قد يكون لموضوعها عنوانان، كما لو فرض أنّ المقام من باب اجتماع الأمر و النّهي.

____________

(1) الفصول في الأصول- محمد حسين بن محمد رحيم: ص 126.

395

فإذا قلنا بامتناع الاجتماع، و رجّحنا جانب النّهي، فإنّه حينئذ يقع البحث في أنّ النّهي هل يقتضي الفساد أم لا؟. و بهذا يكون بحث موضوع مسألة اقتضاء النّهي للفساد مندرجا في مبحث اجتماع الأمر و النّهي، كما ذكر بالملاك الأول للجواز.

و من هنا سلك المحقق النائيني (قده) (1) طريقا آخر للتفرقة بين المسألتين، حيث فرّق بينهما بالرتبة لا بالموضوع، باعتبار أنّ مسألة الاجتماع تنقّح موضوع مسألة اقتضاء النهي للفساد، فهي في مرتبة متقدمة عليها، لأنّ البحث في مسألة الاجتماع هو الذي ينقّح سراية النّهي عن الغصب إلى الصلاة و عدم سرايته.

أو قل: إنّ المبحوث عنه إنّما هو سريان النّهي و عدمه إلى متعلّق الأمر، كالصلاة، فالقول بالاجتماع، معناه عدم السّراية، و القول بالامتناع معناه السّراية.

فإذا قلنا بالسراية تنقّح موضوع الاقتضاء، و حينئذ يقع البحث في أنّ هذا النّهي هل يقتضي الفساد أم لا؟ إذن فمسألة الاجتماع نقّحت موضوع مسألة اقتضاء النّهي للفساد.

و أمّا إذا ثبت عدم السّراية، فلا موضوع لهذه المسألة. و بهذا يثبت التغاير بين المسألتين.

و لكن هذه التفرقة غير تامة أيضا، لأنّ البحث في مسألة الاجتماع ليس منصبا ابتداء على السراية و عدمها ليتوجه التفريق المذكور، بل البحث ابتداء عن إمكان الاجتماع و عدمه، و لو مع فرض السراية، و وحدة المعنون، و إنّما السراية، هي أحد ملاكات الامتناع، فلا تكون إحدى المسألتين مترتبة على الأخرى، و إنّما يكون البحث في هذه الجهة في عرض البحث في مسألة

____________

(1) أجود التقريرات- الخوئي: ص 334.

396

«اقتضاء النهي الفساد من حيث الرتبة، كما لو بحث عن الجواز بملاك أنّ الأمر يتعلق بصرف الوجود، و لا يسري إلى الحصص، فمن يبحث بهذا الملاك المتقدم تفصيله، يكون بحثه في مسألة اقتضاء النّهي للفساد، و بحثه في إمكان الاجتماع في عرض واحد.

و قد فرّق صاحب الكفاية (قده) (1) بين المسألتين بفارق آخر هو غير الفوارق المتقدمة، حيث جعل الفارق بينهما هو الجهة، حيث أنّ جهة البحث في مسألة الاجتماع هي سراية النّهي إلى متعلق الأمر و عدم سرايته، بينما جهة البحث في مسألة اقتضاء النّهي للفساد، هي استتباع النّهي للبطلان و عدمه، و بهذا تختلف المسألتان.

و لكنّ هذا الفارق أيضا غير تام، لأنّ جهة البحث تحتمل أمورا، و كلها لا يتم على ضوئها هذا التفريق:

إذ تارة، يقصد بجهة البحث المحمول في القضية.

و تارة أخرى، يقصد بجهة البحث الحيثية التعليليّة و الواسطة في إثبات المحمول للموضوع.

و تارة ثالثة، يقصد بجهة البحث، الغرض الفقهي المتوخّى من المسألة.

فإن قصد بجهة البحث، المحمول الذي يبحث عن ثبوته للموضوع، و عدم ثبوته، فحينئذ لا يكون هذا منطبقا على ما ذكره في مسألة الاجتماع، حيث ذكر هناك أنّ‏ (2) جهة البحث في مسألة الاجتماع، هو السراية و عدمها، أي: كون التركيب اتحاديا أو انضماميا، مع أنّ السراية ليست هي محمول‏

____________

(1) كفاية الأصول، المشكيني- الأمر الثاني من أمور اجتماع الأمر و النهي: ص 234- 235.

(2) المصدر السابق.

397

مسألتنا، بل المحمول هو إمكان الاجتماع و عدمه. و أمّا السراية فهي حيثية تعليلية بمثابة البرهان على امتناع الاجتماع و عدمها، حيثية تعليليّة بمثابة البرهان على إمكان الاجتماع. هذا أولا.

و ثانيا، هو: إنّه بعد أن عرفت أنّ المحمول هو إمكان الاجتماع و عدمه، إذن فيتحد محمول المسألتين حينئذ، لأنّ معنى إمكان الاجتماع و عدمه، هو ملاءمة الأمر مع النّهي، و عدم ملاءمته، معناه: اقتضاء النّهي للبطلان، كما عرفت عند ذكر أصل الشبهة، و هذا هو بعينه محمول مسألة اقتضاء النّهي للفساد.

و إن قصد بجهة البحث، الواسطة في ثبوت المحمول للموضوع، أي: الحيثية التعليليّة التي بها نثبت محمول المسألة لموضوعها، فيرد عليه:

إنّ هذا لا يلائم ما ذكره، من أنّ جهة البحث في اقتضاء النّهي للفساد هو استتباع النّهي للبطلان و عدمه، لأنّ هذا هو نفس المحمول، لا حيثيته التعليلية.

أو فقل: إنّ كان المقصود بجهة البحث، واسطة الإثبات، فالسراية يمكن أن تكون واسطة لإثبات محمول مسألة الاجتماع. و لكن البطلان ليس واسطة في المسألة القادمة، بل هو نفس المحمول. إذن ينبغي أن يذكر إنّ الجهة فيها هي عدم إمكان قصد التقرب. هذا أولا.

و ثانيا: إنّ تعدّد الحيثية التعليلية لا يوجب تعدد المسألة، لإمكان أن تكون مسألة واحدة، و لها حيثيات تعليليّة، و براهين متعددة، و رغم هذا لا تخرج عن كونها مسألة واحدة.

و إن قصد بجهة البحث، الغرض المتوخى فقهيا من المسألة:

فيرد عليه: إنّ السراية و عدمها التي جعلها جهة للبحث في مسألة الاجتماع، ليست هي الغرض منها، بل الغرض منها المتبادر إلى ذهن المستشكل، هو تصحيح العبادة في تطبيق الأمر على مورد النّهي،

398

و بطلانها، و هذا الغرض بنفسه هو الغرض من اقتضاء النّهي للفساد، و عليه:

فيتحد غرض المسألتين.

و الحاصل، هو: إنّ جميع هذه الوجوه المذكورة للتفرقة بين المسألتين إذا أخذت على بساطتها، غير تامة، لكونها موردا للإشكال كما عرفت.

و الصحيح في مقام التفرقة بين المسألتين هو أن يقال: إنّ تعدّد المسألة يتوقف على مجموع أمرين:

1- الأمر الأول، هو: أن تعدّد القضية، و تعدّدها يكون بالمغايرة، إمّا بالموضوع أو المحمول، لأنّهما ركنا القضية الأساسيان.

2- الأمر الثاني، هو: أن لا يكون إثبات المحمول للموضوع في مسألة، مستلزما لثبوت المحمول للموضوع في المسألة الثانية، و إلّا لما كان وجه لعقد بحث في المسألة الثانية.

و بعبارة أخرى: هي أن لا تكون الحيثية التعليليّة و نكتة الثبوت واحدة في كلتا المسألتين بحيث لو ثبتت في إحدى المسألتين ثبتت في الأخرى.

هذا هو الضابط في تعدّد المسائل.

و عليه فلا معنى لعقد بحثين: أحدهما في مقدمة وجوب الصلاة، و آخر في مقدمة وجوب الصوم، و ذلك، لأنّ الجهة التعليلية في كلتا المسألتين واحدة، إذ كلا الوجوبين يستلزم وجوب مقدمته.

و حينئذ نقول: إنّ هذا الضابط بكلا أمريه متوفر في محل الكلام.

أمّا الأمر الأول: فلأنّ القضيتين مختلفتان و لو بالمحمول، فإنّ المحمول في مسألة اقتضاء النّهي للفساد، هو منافاة النّهي للصحة و عدمه.

و أمّا المحمول في مسألة الاجتماع، فهو منافاة النّهي للوجوب. فالمحمول في المسألة الأولى حكم وضعي. و المحمول في المسألة الثانية حكم تكليفي. و أحد هذين المحمولين غير الآخر.

و أمّا الأمر الثاني: فلأنّ إثبات المحمول للموضوع في إحداهما لا

399

يستلزم ثبوت المحمول للموضوع في المسألة الثانية، لأنّه يمكن القول بمنافاة النهي للصحة، و مع ذلك لا نقول بمنافاة النهي للوجوب، باعتبار كونهما في موضوعين، هذا بناء على أنّ الأمر يتعلق بصرف الوجود، و لا يسري إلى الحصة.

كما أنه يمكن أن يقال: بأنّ النّهي ينافي الوجوب، و مع ذلك لا نقول بمنافاة النّهي للصحة، بناء على كفاية التقرب بالملاك، و صحة العبادة بذلك.

و بهذا يثبت أنّ هاتين المسألتين متغايرتان، و حيثية الإثبات فيهما متعددة.

* التنبيه الرابع: هو إنّه قد يقال: بأنّ بحث مسألة اجتماع الأمر و النّهي، يبتني على مسألة، أنّ الأوامر و النواهي، هل تتعلق بالطبائع، أو إنّها تتعلق بالأفراد؟.

فإن قلنا بأنّ الأمور و النواهي تتعلق بالأفراد: فحينئذ يتعيّن القول بامتناع الاجتماع باعتبار ثبوت السراية، مع أنّ الموجود في الخارج فرد واحد فلا يعقل أن يكون متعلقا للأمر و النّهي.

و أمّا إذا قلنا بأنها تتعلق بالطبائع: فهنا تارة. يقال: إنّه يتعيّن القول بجواز الاجتماع، باعتبار تعدّد المتعلق، لأنّ طبيعة الصلاة، غير طبيعة الغصب، و المفروض أنّ الأوامر و النواهي تتعلق بالطبائع.

و تارة أخرى يقال: إنّه بناء على القول بتعلقها بالطبائع، حينئذ يقع الكلام في جواز الاجتماع و عدمه.

فإن قلنا إنّها تتعلق بالطبيعة من حيث هي هي: فيتعيّن القول بجواز الاجتماع لاختلاف الطبيعة.

و إن قلنا: إنّها تتعلق بالطبيعة بما هي مرآة و فانية في الفرد الخارج،

400

فحينئذ يقع البحث في أنّ هذه المرآتيّة هل تجرّ الأمر و النّهي إلى نفس الفرد، أو لا؟ فعلى الأول: يتعيّن القول بالامتناع، لوحدة الفرد خارجا، و على الثاني: يقال بجواز الاجتماع كما هو واضح.

و قد تعرّض صاحب «الكفاية» (قده) (1) لهذا التوهم و لم يرتضه، و ذكر أنّ مسألة الاجتماع غير مبنيّة على مسألة تعلّق الأوامر بالطبائع، أو الأفراد، بل يمكن على كلا التقديرين في تلك المسألة، البحث هنا في الجواز و الامتناع، و ذلك لأنّ نكتة جواز الاجتماع و الامتناع هي أنّ تعدّد العنوان مع كون المعنون خارجا واحدا، هل يرفع غائلة التضاد بين الأمر و النّهي في معنون واحد خارجا، أو لا يرفعها؟.

فإن قلنا: بأن تعدّد العنوان يرفع غائلة التضاد بينهما، فحينئذ لا بدّ من المصير إلى جواز الاجتماع، حتى على القول بتعلق الأوامر بالأفراد، لفرض كون تعدّد العنوان يجدي في رفع غائلة التّضاد.

و إن قلنا: بأنّ تعدّد العنوان لا يجدي في رفع غائلة التّضاد بينهما، فلا بدّ حينئذ من المصير إلى القول بالامتناع، حتى و لو كنّا نقول بتعلق الأوامر بالطبائع، لأنّه و إن كان عندنا طبيعتان و عنوانان.

إلّا أنّهما منطبقتان على موجود واحد خارجا حسب الفرض.

و أمّا المحقق النائيني (قده)، فقد سلك‏ (2) طريقا آخر في بيان عدم ابتناء مسألة الاجتماع على تلك المسألة. فهو لم يفرض كون الموجود في الخارج أمرا واحدا كما ذكر صاحب «الكفاية» (قده).

بل ذهب إلى أن مسألة الاجتماع و عدمه مبنية على أنّ الموجود في‏

____________

(1) كفاية الأصول- مشكيني: ج 1 ص 240- 241.

(2) فوائد الأصول- الكاظمي- طبعة مؤسسة النشر الإسلامي سنة 1404 ه ص 412- 416- 417- فوائد الأصول- الكاظمي: ص 255 طبعة المطبعة العلمية سنة 1368 هجرية.

401

الخارج، هل هو أمر واحد، أو أمران؟ أي: إنّ تعدّد العنوان هل يوجب تعدد المعنون، خارجا لكون التركيب بينهما انضماميا فيكون الموجود خارجا أمرين أو لا يوجبه، لكون التركيب بينهما اتحاديا، فيكون الموجود خارجا أمرا واحدا.

و بعبارة أخرى: هل إنّ التركيب بين العنوانين اتحادي أو انضمامي؟.

فإن قلنا إنّه اتحادي: فلا يجوز الاجتماع، حتى و لو قلنا بتعلق الأوامر و النّواهي بالطبائع، لأنّها إنّما تتعلّق بالطبائع، باعتبار فنائها في الأفراد، و المفروض أنّ الموجود في الخارج إنّما هو فرد واحد، فيستحيل تعلّق الأمر و النّهي به.

و إن قلنا إنّ التركيب بينهما انضماميا: فيجوز الاجتماع، حتى لو قلنا بتعلق الأوامر، و النّواهي بالأفراد، لأنّ المفروض- بناء على ذلك- كون الموجود في الخارج أمرين، لا أمرا واحدا.

و لتحقيق المقام يقال: إنّه بعد أن استعرضنا مسالك أربعة لمسألة تعلّق الأوامر و النّواهي بالطبائع أو الأفراد، كما استعرضنا ثلاثة ملاكات في جواز الاجتماع، ينبغي حينئذ استعراض كل مسلك من المسالك الأربعة في مسألة تعلّق الأوامر بالطبائع أو الأفراد، على ضوء كل واحد من ملاكات الجواز، لنرى مدى تأثير كل منها على ملاكات القول بالجواز.

و بذلك يتضح ابتناء مسألة الاجتماع على مسألة تعلّق الأوامر بالطبائع أو الأفراد و عدم ابتنائها:

المسلك الأول، من مسالك تعلق الأوامر بالطبائع أن يقال:

إنّ معنى تعلق الأوامر بالطبائع هو: إنّ الأمر متعلق بالجامع، و لا يسري إلى الأفراد، لا عرضا و لا بدلا، أي: تعلّق بالجامع بنحو صرف الوجود، فيكون التخيير بين الأفراد عقليا محضا.

و معنى القول بتعلّقها بالأفراد، هو: إنّ الأمر يسري من الطبيعة إلى‏

402

الأفراد، فيتعلق بكل فرد من أفراد الطبيعة على نحو البدل، فيكون التخيير بين الأفراد شرعيا، و حينئذ، فعلى ضوء هذا المسلك، إذا قلنا بتعلق الأوامر بالأفراد، إذن سوف يبطل الملاك الأول للجواز القائل بأنّ الأمر متعلق بصرف الوجود، و النّهي متعلق بالحصة، و الوجه في بطلانه، هو: إنّ الأمر بناء على هذا المسلك، سوف يسري إلى الحصة، إذ إنّ هذا، هو معنى تعلق الأوامر بالأفراد كما عرفت، و المفروض أنّ النّهي أيضا متعلق بالحصة، إذن فتكون هذه الحصة مركزا لتعلّق الأمر بالسراية و للنهي ابتداء، و هذا غير جائز، لأنّ متعلق الأمر و النّهي واحد.

و بذلك تكون مسألة الاجتماع مبنيّة على تلك المسألة بهذا النحو المذكور.

و أمّا الملاك الثاني، و الملاك الثالث لجواز الاجتماع: فلا يبطلان بناء على هذا المسلك، لأنّ الملاك الثاني عبارة عن أنّ تعدّد العنوان يكفي لرفع غائلة الاجتماع، و معه لا مانع من اجتماع الأمر و النّهي في هذه الحصة الخاصة، لأنّ لها عنوانين كما هو مفروض البحث.

و أمّا الملاك الثالث: فهو لا يبطل، لأنّ التركيب خارجا بين العنوانين انضمامي، و معه يكون الموجود في الخارج حصتين، و التركيب بينهما انضماميا، إذن فلا مانع من اجتماع الأمر و النّهي فيهما، و ذلك بأن يكون الأمر متعلقا بحصة، و النّهي بالأخرى.

و الحاصل: إنّ القول بتعلّق الأوامر بالأفراد بناء على هذا المسلك، يبطل الملاك الأول لجواز الاجتماع دون الملاك الثاني و الثالث، فتكون مسألة الاجتماع مبنيّة على تلك المسألة باعتبار الملاك الأول للجواز بالنحو الذي عرفت.

المسلك الثاني، و حاصله: إنّ معنى تعلق الأمر بالطبيعة هو: إنّ الأمر لا يسري إلى الطبائع الثانوية، أي: إلى المشخّصات العرفيّة للطبيعة

403

خارجا من «الأين و الكون» في زمان خاص، أو صفة خاصة، و غير ذلك، بل يبقى واقفا على الطبيعة، بينما معنى القول بتعلّقه بالأفراد أنّه يسري، و لذلك فبناء على هذا المسلك- إذا قلنا بتعلّق الأوامر بالأفراد- سوف يبطل الملاك الثالث للجواز دون الأول و الثاني.

أمّا بطلان الثالث: فلأنّ «الكون» في المكان المخصوص صار واجبا، لسراية الأمر من الصلاة إليه: لأنّ هذا «الكون» مشخّص لوجود الطبيعة في الخارج، و صار حراما، لخطاب «لا تغصب»، بينما هو «كون» واحد، و معه لا يمكن حينئذ دعوى أنّ التركيب انضمامي بين العنوانين ليصح الاجتماع، إذ حتى لو فرض كون التركيب انضماميا بينهما، فسوف يسري الأمر إلى المشخصات العرفيّة لوجود الطبيعة في الخارج، و التي منها خصوصيّة المبدأ المنهي عنه في مورد الاجتماع.

و أمّا عدم بطلان الملاك الأول: فلأنّ الأمر بالطبيعة و إن سرى إلى «الكون» المشخّص المسامحي لها، إلّا أنّه لا يسري إلى حصصه، كما هو مقتضى الملاك الأول للجواز، بل يقف على طبيعي الكون، فهو أمر بصرف الوجود، و المفروض أنّ النّهي متعلق بالحصة كما هو مقتضى هذا الملاك، و معه لا يلزم محذور، حيث أنّ الأمر متعلق بطبيعي الكون، بينما النّهي متعلق بالكون المخصوص، و لا منافاة، فلا مانع من الاجتماع حينئذ.

و أمّا عدم بطلان الملاك الثاني: فلأنّه و إن سرى الأمر إلى طبيعة الكون، «المشخّص المسامحي»، إلا أنّه لا يعني السريان إلى عنوان المشخص و طبيعي الغصب، بل السريان إلى طبيعة المشخّص سريان إليه بما هو مشخص، لا بما هو غصب. و عليه: فيكون العنوان متعددا، و معه يجوز الاجتماع، لأنّ تعدّد العنوان يكفي لرفع غائلة الاجتماع، كما هو مقتضى هذا الملاك.

و عليه فمسألتنا، مبنيّة على تلك المسألة على ضوء هذا المسلك،

404

بالمقدار الذي عرفته، أي: على ضوء الملاك الثالث للجواز فقط.

المسلك الثالث: من مسالك تعلّق الأوامر بالطبيعة أو الأفراد.

و حاصله، هو: إنّ معنى القول بتعلق الأمر بالطبيعة، هو إنّ الأمر متعلق بالطبيعة بما هي هي، و معنى القول بتعلقه بالأفراد، هو إنّه متعلق بالطبيعة بما هي فانية في الوجود الخارجي لأفرادها.

و حينئذ، فإن قلنا بتعلقه بالأفراد، فيمكن النزاع في تماميّة ملاكات الجواز الثلاثة و عدم تماميّتها.

و أمّا إذا قلنا بتعلقه بالطبيعة، فسوف يتعيّن الملاك الثاني للجواز القائل بأنّ تعدّد العنوان يكفي لرفع غائلة الاجتماع، و ذلك لأنّ العنوان متعدد في المقام.

المسلك الرابع هو: أن يقال: بأنّ تعلّق الأمر بالطبيعة أو الأفراد، مرجعه إلى البحث في «أصالة الوجود، أو الماهية».

فمن يقول بأصالة الماهية، يقول بتعلق الأوامر بالطبيعة لأنها هي الماهيّة.

و من يقول بأصالة الوجود، يقول بتعلق الأوامر بالأفراد. و بناء على هذا المسلك قد يتوهم ابتناء مسألتنا في المقام على تلك المسألة، بدعوى أنّه لو قلنا بأصالة الوجود، فلا إشكال في امتناع الاجتماع، لأنّه ليس عندنا إلّا وجود واحد في مورد الاجتماع، و عليه: فلا يمكن الاجتماع.

و أمّا لو قلنا بأصالة الماهية، و أنّ الأمر متعلق بالطبيعة، فلا إشكال في جواز الاجتماع، لأنّه يوجد عندنا ماهيتان، و هما: ماهيّة الصلاة، و ماهية الغصب. و عليه: فيصح الأمر بالأولى. و النّهي عن الثانية.

و جواب هذا التوهم، هو أن يقال: إنّ القول بأصالة الوجود، أو أصالة الماهيّة، لا يفرق فيه من ناحية الوحدة و التعدد، إذن هو غير مؤثر