بحوث في علم الأصول - ج6

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
749 /
405

على المقام، حيث أنّه كلما كان الموجود واحدا، كانت هناك ماهيّة حقيقية واحدة أيضا، كما تقدّم، و إنّما يتصور التكثّر في عناوين الموجود الواحد فيما إذا كانت تلك العناوين عرضيّة انتزاعيّة، لا ذاتيّة ماهويّة حقيقية له.

و عليه: فلا تخلو مسألتنا من بناء على تلك المسألة بالنحو و المقدار الذي عرفته، حيث أنّه لا خلاف بين القول بأصالة الوجود، و القول بأصالة الماهيّة، من حيث الوحدة و التعدّد الخارجي، فإنّ كل ما يراه القائل بأحدهما واحدا، يراه الآخر واحدا أيضا، و إنّما الاختلاف في أنّ الأصل ما هو قوام الشي‏ء و حقيقته، هل هو أمر عيني، «في مصطلح أهل العرفان».

حيث لا يمكن أن تدركه العقول إلّا عرضا، كمفهوم الوجود المشار به إلى الخارج؟ أو إنّ الأصل و قوام الشي‏ء هو ما ينتزعه العقل، و يدركه من المعقولات الأوليّة من الخارجيات؟ إذن فالخلاف في هويّة الخارج لا في وحدته و تعدده.

* التنبيه الخامس: و حاصله: هو إنّه هل يشترط في موضوع مسألة الاجتماع، فرض ثبوت الملاكين في المجمع، بحيث تكون الصلاة في الدار المغصوبة واجدة لملاك الوجوب، و لملاك الحرمة، أو لا يشترط ذلك؟. و الكلام هنا يقع في عدة مقامات:

المقام الأول: في أصل هذه الشرطية، التي ذكرها المحقق الخراساني (قده) (1) حيث ذهب إلى اشتراط ذلك في المجمع‏

، لأنّه إذا لم يكن المجمع واجدا لكلا الملاكين في مورد الاجتماع، بل كان واجدا لأحدهما فقط، ففي مثل ذلك يكون هذا الفرض خارجا عن هذا البحث، لأنّه على كل تقدير سوف يقع التعارض بين دليلي الحرمة و الوجوب، و لا

____________

(1) كفاية الأصول- مشكيني: ج 1 ص 241- 242.

406

يعقل ثبوتهما معا، كما هو مقتضى القول بجواز الاجتماع، لأنّ معناه، ثبوت أحد الحكمين بلا ملاك، كما أنّه لا يعقل التزاحم بين مقتضيهما، لأنّه فرع ثبوت الملاكين. و عليه: فلا تدخل المسألة في باب الاجتماع و عدمه.

و أمّا إذا فرض كون المجمع واجدا لكلا ملاكيّ الأمر و النّهي، فحينئذ تدخل المسألة في باب الاجتماع.

فإن قلنا بالجواز فمعنى ذلك، أنّ الملاكين يؤثران معا، و يجتمع الوجوب و الحرمة تمسكا بإطلاق دليلهما و إن قلنا بالامتناع، فحينئذ تدخل المسألة في باب التزاحم بين الملاكين و الاقتضاءين، دون أن يقع التعارض بينهما، لأنّ الملاكات مفروضة الوجود.

و عليه: فلا بدّ من فرض ثبوت الملاكين في المجمع، كي تدخل المسألة في باب الاجتماع و عدمه.

هذا خلاصة ما ذكره في «الكفاية»، من دون أن يستدل عليه بشي‏ء، و سوف يتوضح من خلال التعليق عليه، ما يمكن أن يكون دليلا على مدّعاه.

و قد اعترض غير واحد من المحققين، كالمحقق النائيني (قده) (1) على هذا الكلام، فذكر ما حاصله:

إنّ مرجع ما ذكره المحقق الخراساني (قده) هو إلى ابتناء مسألة الاجتماع على مسألة تبعيّة الأحكام للمصالح و المفاسد في متعلقاتها. إذ بناء على ذلك، لا بدّ أن يكون المجمع واجدا لكلا الملاكين، و أمّا إذا لم يكن واجدا لهما، فمعنى ذلك هو عدم تبعيّة الأحكام لذلك، كما يقول بذلك (الأشعري)، و الصحيح أنه لا وجه لدعوى ابتناء مسألة الاجتماع على ذلك،

____________

(1) أجود التقريرات- الخوئي: ص 345- 346- فوائد الأصول- الكاظمي: ج 1 ص 256.

407

لأنّ كلا منهما مسألة مستقلة عن الأخرى، لأنّ مسألة تبعيّة الأحكام و عدمها، مربوطة بمسألة الإيمان بالحسن و القبح العقليّين و عدمه. و أمّا مسألة الاجتماع، فموضوعها إنّ اجتماع الأمر و النّهي على عنوانين تصادقا على موضوع واحد، بحيث يكون أحدهما متعلقا للأمر و الآخر للنّهي، هل يلزم من هذا الاجتماع اجتماع الضدّين، أو لا؟

فمن قال بلزوم اجتماع الضدّين: يقول بعدم جواز الاجتماع.

و من قال بعدمه: يقول بجواز الاجتماع.

و عليه: فيمكن حتى للأشعري أن يتكلّم في جواز الاجتماع و عدمه في مورد واحد، ما دام أنّ مناط البحث، هو لزوم اجتماع الضدّين- أي: الأمر و النّهي- في موضوع واحد، فإن كان (الأشعري) يرى المحال في لزوم اجتماع الضدّين، إذن هو لا يقول بالاجتماع، رغم أنّه ينكر التبعيّة.

و عليه: فلا وجه لاشتراط وجود الملاكين في مورد الاجتماع حيث أنّه لا ربط بين المسألتين.

هذا ملخص ما ذكر في اعتراض الميرزا (قده) على المحقق الخراساني (قده). إلّا أنّه لا يظن أنّ صاحب الكفاية (قده) أراد ممّا ذكره، ما فهمه منه الميرزا (قده)، لوضوح عدم الربط بين المسألتين، إذ ليس مقصود صاحب الكفاية (قده) من الملاكين، المصلحة و المفسدة، بل مقصوده من الملاك، الغرض، سواء أ كان الغرض هو المصلحة و المفسدة، أو كان المراد منه التحكم، أو أيّ شي‏ء آخر غير ذلك، فإنّ (الأشعري) الذي ينكر التبعية، لا ينكر نشوء الحكم عن الإرادة.

غايته أنّ الكلام بين الأشعري و غيره، في أنّ هذه الإرادة هل هي لمصلحة في فعل المكلف دائما، أو ليست كذلك.

فمقصود المحقق الخراساني (قده) من وجوب وجدان المجمع لكلا الملاكين، هو إنّ الصلاة في الدار المغصوبة، يجب أن تكون واحدة

408

للحيثيّة، أيّ شي‏ء كانت تلك الحيثيّة الداعية للأمر بها، بحيث لو لم يكن غصب، لأمر بها المولى جزما و تعيينا، كما أنها يجب أن تكون واجدة للحيثيّة التي تدعو المولى للنهي، بحيث لو لا الصلاة، لنهى المولى عن الكون في الدار المغصوبة جزما و تعيينا، و هذا الاشتراط المذكور يمكن افتراضه حتى على مبنى (الأشعري) كما عرفت.

و بناء على ذلك، لا يكون كلام الميرزا (قده) واردا على المحقق الخراساني (قده).

و إن شئت قلت: إنّ ما أورده الميرزا (قده) على صاحب «الكفاية»، منشؤه التشابه اللفظي بين ما ذكره صاحب «الكفاية» من لزوم فعليّة وجدان المجمع لكلا الملاكين، و بين مسألة تبعيّة الأحكام للملاكات بمعنى المصالح و المفاسد. بينما من المظنون قويا أنّ مقصود صاحب «الكفاية» من الملاك في المقام، ليس هو الملاك في مسألة تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد لوضوح عدم الربط بين المسألتين، بل مقصوده من الملاك، سنخ ملاك لا يختلف فيه (الأشعري) المنكر للتبعية عن غيره، كالغرض و مبادئ الحكم، سواء أ كان هذا الملاك هو المصلحة و المفسدة الراجعة إلى المولى نفسه، أو إلى العبد. و سواء أ كان هذا الملاك جزافيّا و تحكّميّاً، و لا مصلحة للمكلّف فيه، أو لم يكن كذلك، إذ كل حكم لا بدّ له من منشأ و غرض يكون داعيا له، و ينشأ منه لا محالة، حتى و لو لم يكن فيه مصلحة للمكلف.

و عليه: يكون مراد صاحب «الكفاية» من لابدّية وجدان المجمع لملاك الأمر و النّهي، أي: وجدان الحيثية الداعية إلى الأمر، و الحيثية الداعية إلى النّهي، إذ حينئذ يمكن بحث إمكان فعليّة الأمر و النّهي في المجمع، من حيث لزوم التضاد، أو عدم لزومه.

و بهذا يتضح عدم الربط- في كلام صاحب «الكفاية»- بين ما جعله شرطا، و بين ما جعله الميرزا (قده) تفسيرا لكلام الخراساني (قده) حيث‏

409

فسّر هذه الشرطية بكونها مبنيّة على تبعيّة الأحكام للمصالح و المفاسد.

و لعلّ السر في دعوى صاحب «الكفاية» لهذه الشرطية، هو دفع أحد إشكالين قد يوردان على المشهور:

1- الإشكال الأول: إنّه اذا وجد عنوانان بينهما عموم من وجه، فقد ذهب بعضهم في مسألة الاجتماع إلى جواز اجتماع الأمر و النّهي فيهما، و ذهب آخرون إلى عدم جوازه.

بينما اتفق الجميع في بحث التعادل و التراجيح، على أنّه إذا كان هناك دليلان متكفّلين لحكمين متنافيين، و كانت النسبة بينهما العموم من وجه، فيقع التعارض بينهما، فحينئذ قد يشكل فيقال: إنّ القائل بالجواز منهم، لما ذا يقول بالتعارض في مثل ذلك، مع أنّ مقتضى مبناه هو عدم التعارض، و ذلك لتعدّد العنوان.

فلعلّ صاحب «الكفاية» (قده) اشترط في المجمع أن يكون واجدا لكلا الملاكين، لدفع هذا الإشكال، لأنّه يقال: بناء على هذا الاشتراط، فرض وجدان المجمع لكلا الملاكين في مسألة الاجتماع، و من أجله قالوا بالجواز.

بينما في مبحث التعادل و التراجيح، فرض وجود الملاك في أحدهما فقط، و من أجله قيل بالتعارض، حيث لا يمكن الجمع بينهما.

و بهذا يتلاءم القول بالجواز في هذه المسألة، مع القول بالتعارض في تلك المسألة.

و إن شئت قلت: عند ما كان قول القائل بجواز الاجتماع- لتعدد العنوان و عدم التعارض- فيما إذا كانت النسبة بين العنوانين العموم من وجه- متنافيا مع قوله نفسه، بوقوع التعارض بينهما- في بحث التعادل و التراجيح- فيما إذا كانت النسبة بين العنوانين عموما من وجه أيضا، حيث يشكل فيقال: لما ذا قال بالتعارض بينهما في بحث التعادل و التراجيح، بينما

410

مقتضى مبناه في مسألة جواز الاجتماع، هو عدم التعارض، لتعدد العنوان؟

لأجل ذلك حاول صاحب الكفاية (قده) دفع هذا الإشكال، فاشترط وجدان المجمع لكلا الملاكين في مسألة اجتماع الأمر و النهي، و عليه قالوا بجواز الاجتماع، بينما قالوا بالتعارض بينهما و عدم إمكان جمعهما في بحث التعادل، لعدم فرض وجود الملاك، الّا في أحدهما فقط من قبيل، «أكرم العالم و لا تكرم الفاسق»، و بهذا يتلاءم قول القائل بجواز الاجتماع في المقام مع قوله بالتعارض في مسألة التعادل و التراجيح.

إلّا أنّ دفع هذا الإشكال لا يتوقف على ما ذكره صاحب «الكفاية» (قده) من الاشتراط، بل يمكن دفعه بوجه آخر، فيقال: إنّ التعارض قد يكون من ناحية المتعلّق كما في «صلّ، و لا تغصب»، و قد يكون في الموضوع، كما في «أكرم عالما، و لا تكرم الفاسق»، و حينئذ، فإن كان التعارض من ناحية المتعلّق، فيدخل ذلك في مسألة الاجتماع، و إن كان من ناحية الموضوع، فقد يكون عندهم خارجا عن بحث الاجتماع، و داخلا في بحث التعارض لما أشرنا إليه من أنّ هذه المبادئ تحمل بلحاظ الموضوع بحمل «ذو هو». و كيف ما كان، فقد يقرّب مستند هذه الشرطية التي ذكرها صاحب الكفاية (قده) بأحد تقريبين:

1- التقريب الأول، هو: كون تعقّل جواز اجتماع الأمر و النّهي مبنيا على كون مقتضي الحكمين موجودا، أو ثابتا في موردهما في المرتبة السابقة، إذن فلا بدّ من افتراض وجود الملاكين في المجمع قبل بحث جواز اجتماع الأمر و النّهي فيه، و إلّا كان من الواضح امتناع الاجتماع على كل حال، و لو لعدم ملاك أحدهما.

و هذا التقريب غير تام، و ذلك، لأنّ هذا خلط بين الامتناع بالذات، و الامتناع بالغير، إذ إنّ امتناع اجتماع الأمر و النّهي لعدم ملاك أحدهما، إنما هو امتناع بالغير، و هذا ليس هو المبحوث عنه.

411

و إنما المبحوث عنه هو، الامتناع بالذات من ناحية التضاد، سواء وجد هناك مناطان، أم لم يوجدا.

إذن فحيثية بحث الاجتماع، هي كون الامتناع بالذات من ناحية التضاد و عدمه، حتى مع إحراز المناطين.

و هذا أمر لا يلزم في تعقله ثبوت المناطين، بل قد يكون ثبوت الجواز في هذه الحيثية منشأ لإحراز المناطين كما يصرح به صاحب الكفاية (قده) في موضع آخر من كلامه.

2- التقريب الثاني لمستند الشرطيّة، هو أن يقال: إن ترتب ثمرة بحث جواز الاجتماع تتوقف على ثبوت كلا الملاكين في المجمع، و ذلك لأنّ ثمرة القول بالجواز هو ثبوت كلا الحكمين، و ثبوتهما لا يكفي فيه مجرد عدم امتناع الاجتماع، بل يتوقف على ثبوت ملاكيهما.

و هذا التقريب غير تام أيضا حيث يقال: إنّ الثمرة منوطة بعدم إحراز انتفاء الملاكين في المجمع، دون أن يشترط إحراز ثبوتهما، لأنّه إذا قلنا بالجواز، و لم نعلم من الخارج بانتفاء المناطين، فإنّه يتمسك حينئذ بإطلاق دليل المناطين لإثبات متعلقهما، و بالتالي إثبات فعليتهما.

هذا مع أنّه لا ينبغي أن يؤخذ في موضوع مسألة، ما يكون دخيلا في ترتّب الثمرة على تلك المسألة، بل يكفي كون المسألة بنفسها دخيلة في ترتبها فمثلا: إذا كانت الثمرة المترتبة على ظهور صيغة الأمر في الوجوب، متوقفة على عدم وجود معارض له، فلا يعني هذا، أنّ عدم وجود المعارض هذا، شرط في موضوع بحث ظهور صيغة الأمر في الوجوب.

و عليه: فلا وجه للشرطيّة التي ذكرها صاحب «الكفاية» لأنّ مسألة الاجتماع غير منوطة بإحراز الملاكين في المجمع.

2- الإشكال الثاني، الذي قد يورد على المشهور هو: إنّ القائلين من‏

412

الأصحاب بامتناع اجتماع الأمر و النّهي، أفتوا بصحة الصلاة في الدار المغصوبة مع الجهل بالغصب، و ببطلانها مع العلم به.

و من هنا قد يشكل عليهم فيقال: إنّ القائل بجواز الاجتماع ينبغي أن يقول بصحة الصلاة في الدار المغصوبة، حتى مع العلم بالغصب.

و القائل بامتناع الاجتماع، ينبغي أن يقول ببطلانها، حتى مع الجهل بالغصب، لأنّ مقتضى الامتناع هو وقوع الصلاة باطلة حتى مع الجهل، كما لو صلّى بلا وضوء جهلا.

و حينئذ تأتي محاولة صاحب الكفاية (قده) لدفع هذا الإشكال، حيث يقال: إنّ هناك فرقا بين الصلاة في المغصوب مع الجهل، و بين الصلاة بلا وضوء مع الجهل، حيث يحكم بصحتها في الأول، و ببطلانها في الثاني، و ذلك لأنّه في بحث مسألة الاجتماع نفترض إحراز وجود الملاكين في الجمع من أول الأمر. فإذا قلنا بالامتناع و تقديم جانب النهي بعد التعارض، تقع الصلاة باطلة في الغصب، مع العلم، و لأنّها منهيّ عنها تكون معصية.

و أمّا مع الجهل فتقع صحيحة لوجود المقتضي، و هو الملاك، و فقدان المانع، حيث لا معصية مع الجهل.

و أمّا في موارد تقييد الصلاة بالوضوء، فيحكم بالبطلان حتى مع الجهل، لعدم إحراز الملاك حينئذ.

و قد عرفت فيما تقدم، أنّه لا وجه للشرطية التي ذكرها المحقق الخراساني (قده).

المقام الثاني: في إمكان إثبات كلا الملاكين في المجمع في باب الاجتماع و عدم إمكان إثباتهما، سواء قلنا بالشرطية التي ذكرها صاحب «الكفاية» و اعتبرها، أو لم نقل باعتبارها:.

و من الواضح أنّه لو وجد دليل خاص على ثبوتهما، لأمكن التمسك‏

413

بدلالته، و كذلك لو وجد إجماع فلا إشكال في ذلك.

كما أنّه من الواضح إنّه بناء على القول بجواز اجتماع الأمر و النّهي، أيضا يتم الدليل على وجودهما، لأنّ نفس خطاب «صلّ» و خطاب «لا تغصب»، يدلّان بالمطابقة على ثبوت الحكم، و بالالتزام على ثبوت الملاك.

كما أنّه لا إشكال في أنّ الدليلين إذا كان مفادهما الحكم الاقتضائي لا الفعلي، فأيضا يمكن إثبات كلا الملاكين بنفس إطلاق دليل «صلّ» و دليل «لا تغصب»، سواء قلنا بجواز الاجتماع، أو امتناعه.

أمّا إثباتهما إذا قلنا بالجواز: فواضح، لأنّه يمكن التمسك بمفاد دليل الوجوب، الذي هو الحكم الاقتضائي، في مورد النّهي، لعدم منافاة مدلوله مع الحرمة.

و أمّا إثباتهما إذا قلنا بالامتناع: فلأنّه لا مانع من الجمع بين مدلولي الدليلين، لأنّ مدلوليه حكمان اقتضائيان مناطيّان، أي: عبارة عن الملاكين، لا فعليّين، و الامتناع يكون في مرحلة الفعلية، لا في المرحلة الاقتضائيّة، فلا يحصل تعارض بين الدليلين، فيعمل بهما معا.

نعم يقع التزاحم بين الاقتضاءين في الفرض الأول و الثالث، دون الثاني، لأنّه ليس فيه تزاحم و لا تعارض، كما ذكر هذه الحالات صاحب «الكفاية» أيضا.

و أمّا في غير هذه الحالات. و ليسمّ ذلك حالة رابعة، فقد ذكر صاحب «الكفاية»، إنّه لا سبيل لإثبات الملاكين في المجمع، لأنّ معنى الحالة الرابعة هو القول بالامتناع مع عدم ثبوت أيّ حالة من الحالات الثلاثة المتقدمة، و حينئذ يكون معنى القول بالامتناع، وقوع التكاذب و التعارض بين دليلي «صلّ» و «لا تغصب»، و معه لا يبقى دليل على ثبوت كلا الملاكين.

414

أو فقل: إنّه في هذه الحالة، إذا كان مفاد الدليلين حكما فعليا، و قلنا بالامتناع، فهنا ذكر صاحب «الكفاية» إنّه لا سبيل إلى إثبات الملاكين في المجمع، و ذلك لوقوع التعارض و التكاذب بين دليل الأمر مع دليل النّهي فيتساقطان، و مع التساقط لا يبقى دليل نثبت به كلا الملاكين.

إلّا أنّ المحقق الأصفهاني (قده) ذكر أنّه يمكن إثبات الملاكين في هذه الحالة الرابعة بأحد طريقين: (1).

الطريق الأول: هو التمسك بالدلالة الالتزامية لدليلي الأمر و النّهي على الملاك، بعد سقوط دلالتهما المطابقية على الخطاب في مورد الاجتماع، و ذلك لعدم تبعيّتها لها في الحجية، فإنّ لدليل، «صلّ»، و «لا تغصب» مدلولا مطابقيا هو ثبوت الحكم الفعلي، و مدلولا التزاميا هو ثبوت الملاك، و بعد سقوط المدلول المطابقي بالمعارضة، يبقى المدلول الالتزامي بلا مكذب و معارض له، فيكون حجة. و هذا الكلام لا يمكن المساعدة عليه:

أمّا أولا: فلأنّه مبنيّ على عدم تبعيّة الدلالة الالتزامية للمطابقية في الحجيّة، و هذا غير تام لما عرفت من أنّ الصحيح هو التبعيّة.

و أمّا ثانيا: فلو سلّم ذلك، لجرى هذا الكلام في سائر موارد التعارض بين دليلين في موضوع واحد، كما لو قال «صلّ و لا تصلّ» فإنّه حينئذ يقال:

إنّ «صلّ» يدل بالمطابقة على الأمر، و بالالتزام على ملاكه، و هو محبوبيته الشأنيّة، و خطاب «لا تصل» أيضا يدل بالمطابقة على ثبوت النّهي، و بالالتزام على ملاكه، و هو مبغوضيته الشأنيّة. و بعد سقوط الدلالة المطابقية بالمعارضة، تبقى الدلالة الالتزامية فيهما على الحجيّة، و حينئذ يدخل المقام في باب التزاحم بين الملاكات، لتماميّة الملاكين بالدلالة الالتزاميّة لكل منهما، مع أنّ دخولهما في هذا الباب لم يلتزم به أحد.

____________

(1) نهاية الدراية- الأصفهاني: ج 2 ص 91- 92- المطبعة العلمية- رقم 1379 ه.

415

و قد حاول المحقق العراقي (قده) (1). أيضا، إثبات كلا الملاكين في المجمع بالدلالة الالتزامية، كما فعل المحقق الأصفهاني (قده)، إلّا أنّه كأنه التفت إلى ورود النقض على ما ذكره الأصفهاني (قده)، فحاول إثبات مراده ببيان آخر، حيث لا يرد عليه مثل هذا النقض الذي ورد على الأصفهاني (قده). فقدّم على بيان مراده مقدمة حاصلها:

إنّ كلّ خطاب يتكفّل طلب الفعل، كما في «صلّ»، فإنّه يدل بالمطابقة على طالب المادة المأخوذة فيه و هي الصلاة، و يدل بالالتزام على الردع عن نقيضها و هو ترك الصلاة- بناء على أنّ الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده العام- و طلب المادة يكشف إنّيا عن وجود مبادئ الطلب في تلك المادة، و إلّا لما طلبها، كما أنّ الردع عن نقيض المادة، يكشف إنّيا عن عدم وجود مبادئ الطلب في هذا النقيض، و إلّا لما ردع عنه، و بذلك يكون لدليل «صلّ» أربعة مداليل: الأول: طلب المادة، و هي الصلاة، الثاني: الردع عن ترك الصلاة، الثالث: و هو مدلول التزامي للمدلول الأول، و هو إنّ الصلاة التي طلبت، واجدة لمبادئ الطلب. الرابع: هو: مدلول التزامي للمدلول الثاني، و هو إنّ نقيض الصلاة، و هو تركها الذي ردع عنه، غير واجد لمبادئ الطلب و كذلك يقال فيما لو كان الخطاب متكفلا للردع عن الفعل كما في قوله لا تصلّ.

فيكون ذا مداليل أربعة على غرار ما ذكر أولا:

فالمدلول الأول هو: طلب ترك الصلاة.

و الثاني: هو الرّدع عن نقيض ترك الصلاة، و هو الصلاة.

الثالث: و هو مدلول التزامي للأول، و هو إنّ الردع عن الصلاة واجد لمبادئ الطلب.

____________

(1) مقالات الأصول- العراقي: ج 1- ص 130- 131 المطبعة العلمية في النجف الأشرف 1358 ه.

416

و الرابع: هو مدلول التزامي للثاني و هو إنّ نقيض ترك الصلاة الذي هو الصلاة، غير واجد لمبادئ الطلب. و بعد هذه المقدمة قال:

إنه تارة يرد دليلان متعارضان على موضوع واحد من قبيل: «صلّ و لا تصل».

و تارة أخرى، يرد دليلان متعارضان بنحو العموم من وجه، من قبيل:

«صلّ و لا تغصب».

و حينئذ لا بدّ من معالجة هذين الموردين على ضوء هذه المقدمة.

أمّا المورد الأول، و هو ما لو ورد «صلّ، و لا تصلّ»، فهنا قال المحقق العراقي:

إنّ بابه باب التعارض البحت، و لا يمكن إثبات الملاكين معا، ليكون داخلا في باب التزاحم.

و الوجه في ذلك هو، إنّ دليل «صلّ» و إن كان دالا بالملازمة على وجدان الصلاة لمبادئ الطلب، و هي المحبوبيّة التي هو المدلول الثالث له، إلا أنّ خطاب «لا تصلّ»، كما يكذّب خطاب «صلّ»، بلحاظ مدلوله الأول، و هو فعليّة طلب الصلاة الذي هو مدلول مطابقي «لصلّ»، كذلك يكذّبه بلحاظ مدلوله الالتزامي الثالث، و هو كون الصلاة واجدة لمبادئ الطلب لأن المدلول الرابع لخطاب لا تصل هو إن نقيض عدم الصلاة. و هو الصلاة غير واجد لمبادئ الطلب فيكون بذلك مكذبا للمدلول الثالث لخطاب صلّ، و هو كون الصلاة واجدة لمبادئ الطلب.

و بعبارة أخرى: يقال: كما أنّ الدليلين يتكاذبان بلحاظ مدلولهما المطابقي كما تقدم، فكذلك يتكاذبان بلحاظ مدلوليهما الالتزامي الرابع و الثالث في كل منهما، لأنّ الرابع في كل واحد منهما يدل على أنّ نقيض مادته ليس واجدا لمبادئ الطلب، و نقيض مادة كل منهما هو عين مادة الآخر، و الثالث في كل منهما يدل على أنّ مادته واجدة لمبادئ الطلب، و بذلك يقع التكاذب، و لهذا يقع التعارض بين الخطابين.

417

و إن شئت قلت: ما دام أنّه لكل خطاب هذه الدلالات الأربع، إذن في مورد التعارض سوف يقع التكاذب فيما بينها، حيث يقع التكاذب بين المدلولين الالتزاميّين الثالث و الرابع في كل من الدليلين مع الآخر، أي إنّ المدلول الرابع في خطاب «صلّ» يعارض المدلول الثالث في خطاب «لا تصل»، و كذلك فإنّ المدلول الرابع في خطاب «لا تصلّ»، يعارض المدلول الثالث في خطاب «صل»، و بناء على هذا لا يبقى ما يثبت الملاك.

و أمّا المورد الثاني الذي عالجه المحقق العراقي (قده)، فهو في مورد الاجتماع، و هو ما لو ورد، «صلّ، و لا تغصب»، و حينئذ: فإمّا أن يفرض أنّ الصلاة و الغصب متباينان ذاتا بتمام أجزائهما، و إمّا أن يفرض اشتراكهما في جزء، و اختلافهما في آخر، كما لو فرض كون الصلاة عبارة عن الحركة المضافة إلى المولى، و كون الغصب عبارة عن الحركة المضافة إلى مال الغير.

فإن فرض أنهما متباينان تماما كما في الأول، فحينئذ، لا يكون الطلب في كل منهما دالا على نفي مبادئ الطلب في الآخر، لأنّ كلا منهما يدل على نفي مبادئ الطلب في نقيض مادته، و نقيض مادة كل منهما ليس هو عين مادة الآخر، للتباين التام بينهما بحسب الفرض، إذ إنّ الأمر بالصلاة، و إن دلّ على فقدان نقيضهما من الملاك، إلّا أنّ نقيضها ليس هو عدم الغصب، كما أنّ النهي عن الغصب، لا يدل على فقدان الصلاة للملاك.

و عليه فيكون هذان الخطابان متعارضين في الحكم الفعلي، و غير متعارضين في إثبات المبادئ، إذن فنأخذ بالمبادئ في كل منهما.

و إن فرض أنهما يشتركان في جزء، و يختلفان في آخر، كما لو فرض أنّ الصلاة عبارة عن المجموع المركب من الحركة و الصلاتية، و فرض أنّ الغصب عبارة عن المجموع المركب من الحركة و الغصبية، فهما يشتركان في جزء، و هو الحركة، و يختلفان في غيرها، و حينئذ، إذا قال المولى:

418

«صلّ، و لا تغصب»، لا يكون كل من هذين الخطابين نافيا لمبادئ الطلب في الآخر، حيث لا منافاة بين محبوبية الحركة الصلاتية، و مبغوضيّة الحركة الغصبية، فيكون الملاك في كل منهما تاما. فإذا تصادقا في مورد، كالصلاة في الدار المغصوبة، يقع التزاحم بين ملاكيهما، و لا يقع التعارض بين ملاك الأمر بالصلاة و ملاك النّهي عن الغصب، بناء على الامتناع.

و بعبارة أخرى يقال: إنّ الأمر بالمجموع من الحركة و الصلاتية، يدل على وجود الملاك في هذا المجموع، و كذلك فإنّ النّهي عن المجموع من الحركة و الغصبية، يدل على وجود الملاك في ترك هذا المجموع، إذن فلا يتعارض ملاك الأمر بالصلاة، و ملاك النّهي عن الغصب، بناء على الامتناع، لأنّ ترك المجموع من الحركة و الغصبية، يختلف عن المجموع من الحركة و الصلاتية، و لكن يدخلان في باب التزاحم بلحاظ ملاكيهما.

و من ثمّ قال المحقق العراقي: إنّ هذا هو السر في تفريق مورد الاجتماع عن غيره، حيث قالوا: إنّ غير مورد الاجتماع من باب التعارض المحض كما عرفت، بينما قالوا إنّ مورد الاجتماع من باب التزاحم إذا قيل بالامتناع.

إلّا أن ما أفاده المحقق العراقي (قده)، فيه مواقع للنظر:

1- الموقع الأول: هو إنّه يرد عليه نفس الإشكال الأول الذي ورد على المحقق الأصفهاني (قده)، لأنّ ما أفاده العراقي (قده) مبنيّ على عدم تبعيّة الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية في الحجية، و قد عرفت تبعيّتها لها.

2- الموقع الثاني: هو إنّه بعد الغض عن الأول، يبقى الإشكال الثاني واردا عليه، و الوجه في ذلك هو: إنّ كلام المحقق العراقي (قده) مبنيّ على مقدمة، حيث فرض فيها أنّ لكل دليل أربعة مداليل، و قد أوقع التعارض بين المدلول الرابع و الثالث لكل من الدليلين، و بذلك دفع الإشكال الثاني.

إلّا أنّ التحقيق هو: إنّ المدلول الرابع الذي جعله مكشوفا إنّيا

419

للمدلول الثاني، لا وجود له، لأنّ النّهي عن النقيض، لا ينافي مع ثبوت مبادئ الطلب في ذلك النقيض، غايته، قد تكون مبادئ هذا الطلب مطلوبة لمبادئ أخرى، فلذلك نهى عنه.

فما ذكره، من أنّ الردع عن نقيض المادة، يكشف إنّيا عن عدم وجود مبادئ الطلب في ذلك النقيض، غير تام.

و عليه: فإذا لم يكن للمدلول الرابع وجود، فيبقى المدلول الثالث لكل من الدليلين سالما عن المعارض، و حينئذ يتوجه عليه الإشكال الثاني الوارد على المحقق الأصفهاني (قده) بالنحو الذي عرفت.

و إن شئت قلت: إنّه لا نسلم بالمدلول الرابع لخطاب، «صلّ»، أي:

الدلالة على فقدان ترك الصلاة للملاك.

لأنه إذا أريد استفادته بالملازمة، من نفس الأمر بالصلاة، أي: من المدلول المطابقي لخطاب «صلّ»، فمن الواضح، أنّ الأمر بفعل، لا يكشف عن فقدان الملاك في نقيضه، و إنما يكشف عن جود ملاك في طرف الفعل المأمور به، سواء أ كان نقيضه، أي: ترك الفعل، فاقدا لكل ملاك، أو كان فيه ملاك، و لكنه مغلوب لملاك الفعل المأمور به.

و إن أريد استفادته من المدلول الالتزامي الأول، أي: من حرمة الضد العام، فمن الواضح أنّ حرمة الضد حرمة تبعيّة ناشئة من نفس ملاك الأمر بالفعل، و ليس من ملاك آخر. و حينئذ يتوجه عليه نفس الإشكال الذي توجه إلى الأصفهاني (قده).

3- الموقع الثالث: هو إنّه لو قطع النظر عن الموقع الأول و الثاني، فإنّه يرد عليه: إنّ مقتضى ما ذكره هو دخول بعض موارد المطلق و المقيد في موارد التزاحم، مع أنّ هذا لا يلتزم به أحد.

و توضيحه هو: إنّه لو قال: «صلّ»، ثم قال: «لا تصلّ في الحمّام»،

420

فهنا، المطلق آمر، و المقيّد ناه، فيكون لدليل «صلّ» بناء على ما ذكره، أربعة مداليل:

الأول: كون الصلاة مطلوبة. الثاني: الردع عن تركها، الثالث: إنّ الصلاة واجدة لمبادئ الطلب. الرابع: إنّ تركها ليس واجدا أو موردا لمبادئ الطلب، و كذلك، يكون لقوله: «لا تصلّ في الحمّام»، أربعة مداليل: الأول: إنّ ترك الصلاة في الحمّام مطلوب. الثاني: إنّ نقيض هذا الترك، و هو الصلاة في الحمّام مردوع عنه. الثالث: إنّ ترك الصلاة في الحمّام واجد و مورد لمبادئ الطلب. الرابع: إنّ نقيض ترك الصلاة في الحمّام، و هو الصلاة في الحمّام، غير واجد لمبادئ الطلب، و حينئذ يقال:

إنّه لا منافاة بين المدلول الثالث لقوله، «صلّ»، و المدلول الرابع، لقوله، لا تصلّ في الحمّام»، لأنّ المدلول الثالث لقوله، «صلّ»، هو إنّ الصلاة مورد لمبادئ الطلب، و المدلول الرابع لقوله «لا تصل في الحمّام»، هو إنّ الصلاة في الحمّام ليس موردا لمبادئ الطلب، و لا منافاة بينهما، لأنّ ترك الصلاة في الحمّام عبارة عن ترك المجموع المركب من الصلاة و الكون في الحمّام، و ترك المجموع غير ترك الجزء، و هو نفس الصلاة، فليس ترك الجزء جزءا من ترك المجموع، بل فرد منه.

و الحاصل هو: إنّ كون الصلاة في الحمّام ليس موردا لمبادئ الطلب، لا ينافي كون ذات الصلاة موردا لها، فيكون الملاك في كل منهما موجودا، و بذلك يقع التزاحم بينهما، مع أنّ دخول ذلك في باب التزاحم الملاكي لم يلتزم به أحد، فإنّ مورد التزاحم الملاكي هو المورد المتعارف لبحث الاجتماع.

و بتعبير آخر. يقال: إنّه ينقض على العراقي (قده) بموارد المطلق و المقيد، فيما إذا ورد الأمر بالصلاة و النّهي عن الصلاة في الحمّام، و ذلك لأنّ النّهي يدل على حرمة المجموع، و حرمة المجموع تدل بالالتزام على وجود ملاك في تركه، و ترك المجموع غير ترك الصلاة، مع أنّه هنا لم يلتزم أحد بالتزاحم الملاكي بما فيهم العراقي (قده).

421

- الطريق الثاني الذي يريد من خلاله أن يثبت المحقق الأصفهاني كلا الملاكين في المجمع هو أن يقال: إنّنا نتمسك بإطلاق المادة في «صلّ»، و بذلك يثبت وجدان الصلاة لملاكها، و المفروض أنّ ملاك «لا تغصب» أيضا موجود، و حينئذ يثبت وجدان المجمع لكلا الملاكين.

و توضيح ذلك، هو: إنّ هناك موانع عقلية تمنع عن فعليّة الوجوب، كالعجز، و النسيان، و وجود حكم مضاد، بناء على امتناع الاجتماع.

و عليه، فلا بدّ من تقييد الوجوب، و هو مفاد الهيئة، بغير هذه الحالات.

و أمّا إطلاق المادة أعني نفس الواجب، فلا موجب لتقييده، و بذلك يثبت أنّ الوجوب المقيّد بغير حالة العجز و النسيان، و وجود حكم مضاد، متعلق بذات الصلاة، لا بالصلاة المقيدة بغير الغصب، لأنّه لا موجب لتقييد المادة بعد تقييد الهيئة.

و بهذا يبقى إطلاق المادة على حاله، و هو يقتضي تعلق الوجوب المقيّد، بغير تلك الحالات، بذات الصلاة، و بذلك يثبت أنّ ذات الصلاة واجدة لملاكها، لأنّ كونها موردا للوجوب، يكشف عن ثبوت الملاك في مورد الاجتماع.

و بتعبير آخر يقال: إنّه يتمسك بإطلاق المادة، أي: نفس الواجب، لإثبات الملاك في المجمع، بتقريب:

إنّ الموانع العقلية من مثل العجز، و النسيان و غيره، إنّما تقيّد إطلاق الهيئة و مفادها، بما إذا لم يكن شي‏ء من هذه المحاذير و الموانع العقليّة.

و أمّا مدلول المادة الذي هو نفس الواجب، فلا موجب لتقييده، بل يبقى الوجوب المقيّد متعلقا بالمادة المطلقة، أي: بذات الصلاة، لا بالصلاة المقيّدة بغير الغصب، لأنّه لا موجب لتقييد المادة بعد تقييد الهيئة. إذن فتعلق الوجوب المقيّد بالمادة المطلقة، يكشف عن ثبوت الملاك في مورد الاجتماع.

422

إلّا أن هذا الطريق غير تام أيضا:

أمّا أولا: فلأنّ هذا البيان إنّما يتم فيما إذا كان المحذور يقتضي تقييد الوجوب، أي: إطلاق الهيئة كما في موارد العجز و نحوه، و ليس في المقام الذي يكون المحذور راجعا إلى مدلول المادة مع بقاء الهيئة على إطلاقها، إذ إنّ المحال هنا إطلاق الواجب للفرد المحرّم بحسب الفرض. إذن ففي محل الكلام لا يتم هذا البيان، لأنّه لو فرض وجود مندوحة عن الصلاة في الغصب، ففي مثل ذلك لا موجب لتقييد الوجوب بناء على الامتناع، لأنّ الوجوب ثابت على كل حال في هذه الصورة، و لكن لا بدّ من تقييد الصلاة، و هي الواجب بخصوص الحصة المباحة. إذن فانصبّ التقييد هنا ابتداء على المادة، و معه لا يمكن إثبات ملاك الصلاة.

و أمّا ثانيا: فلو فرض أنّ التقييد بالقدرة منصبّ على الهيئة، أي:

الوجوب، و أمّا الواجب فهو مطلق الفعل حتى الصادر في حالة العجز، و سلّمنا أيضا بأنّ قيود الهيئة لا ترجع إلى المادة، فلو سلّم ذلك كله، فإنّه لا ينفع في إثبات وجدانية الصلاة لملاكها، و ذلك لما ذكرناه سابقا من أن القيود الدخيلة في المصلحة على نحوين:

الأول: ما يكون دخيلا في أصل اتصاف الفعل بكونه ذا مصلحة، كالاستطاعة بالنسبة للحج، و مثل هذه القيود تؤخذ في جانب الوجوب.

الثاني: هو ما يكون دخيلا في ترتب المصلحة خارجا، كالطهارة بالنسبة للصلاة، و مثل هذه القيود تؤخذ في جانب الواجب.

و عليه: فإطلاق المادة، غاية ما يقتضيه، هو نفي وجود قيد دخيل في ترتب المصلحة. و أمّا القيود الدخيلة في أصل الاتصاف فلا ينفيها، حيث أنّها تؤخذ في الوجوب و هو مفاد الهيئة، فمثل هذه القيود لا يمكن نفيها به، بل إنّ الوجوب مقيّد لا محالة بعدم العجز، و النسيان، و وجود حكم مضاد، بناء على الامتناع، و نحو ذلك. فإذا لم يكن إطلاق المادة نافيا لمثل هذه‏

423

القيود، فحينئذ لا يمكن الجزم بأنّ هذا القيد، و هو عدم الغصب، غير دخيل في اتصاف الصلاة بكونها ذا مصلحة و ملاك. إذن فإطلاق المادة لا يكشف عن ثبوت الملاك حينئذ.

و إن شئت قلت: إنّ شكّنا في المقام شك في اتصاف الفعل الواقع في حال عدم الوجوب بكونه ذا مصلحة و ملاك، و المفروض إنّ الإطلاق الذي يكشف عن الاتصاف بالملاك دائما، إنّما هو إطلاق الوجوب و فعليته في ذلك المورد، لا إطلاق المادة، فإنّها تنفي التقيّد بقيود الوجود، لا قيود الاتصاف، و المفروض سقوط إطلاق الهيئة، و عدم إمكان التمسك به.

فالصحيح في المقام: إنّه لا يمكن إثبات وجدانيّة المجمع لكلا الملاكين بهذين الدليلين. إذن فالتزاحم الملاكي ليس على القاعدة، لا في موارد الاجتماع، و لا في غيرها من موارد التعارض.

إذن، فالتزاحم عند المحقق الخراساني (قده)- و هو التزاحم الملاكي-، يختلف عن التزاحم عند المحقق النائيني (قده)، حيث أنّ التزاحم عند المحقق النائيني (قده) إنّما هو في مقام الامتثال، من حيث أنّه لا تنافي بين الحكمين في التزاحم الامتثالي، لأنّ كلا منهما قد جعل مشروطا بعدم الاشتغال بالأهم أو المساوي و لا محذور في ذلك فإنه بالاشتغال به يرتفع موضوع الآخر، فيرتفع بذلك التكاذب و التعارض بين دليليهما.

و عليه: فليس على المولى التدخل و بذل عناية مولوية في مورد التزاحم، بل المكلّف يختار الأهم منهما على المهم.

بينما التنافي في التزاحم الملاكي عند الخراساني (قده)، إنّما هو بين نفس الجعلين، لاستحالة اجتماعهما في موضوع واحد، ممّا يؤدي إلى التكاذب، و وقوع التعارض بين دليليهما، و كذلك يكون من وظيفة المولى هنا، أن يبذل عنايته في ترجيح أقوى المقتضيين على أضعفهما، لأنّ تشخيص مقتضيات الحكم و مبادئه الداعية للمولى إلى جعل الحكم، إنّما هي وظيفة المولى، لا وظيفة العبد.

424

و من هنا ندخل في المقام الثالث من التنبيه الخامس من تنبيهات اجتماع الأمر و النهي، حيث سئل هناك، إنّه:

هل يشترط في موضوع مسألة اجتماع الأمر و النهي، فرض ثبوت الملاكين في المجمع، أو إنّه لا يشترط ذلك.

و قد تقدم الكلام في مقامين في ذلك، و هذا هو المقام الثالث:

3- المقام الثالث، من التنبيه الخامس: يقال فيه انه بعد وضوح الفرق بين التزاحمين، و بعد فرض إمكان التزاحم الملاكي، و أنّ المجمع واجد للملاكين بتقريب من التقريبات المتقدمة، يقع الكلام في أنّه هل يطبّق على هذا التزاحم الملاكي، أحكام التزاحم الحقيقي المتقدمة في بحث الضد، أو إنّه يطبّق عليه أحكام باب التعارض؟

و قد كانت مرجحات باب التزاحم الحقيقي، عبارة عن تقديم الأهم على المهم، و تقديم المشروط بالقدرة العقلية على المشروط بالقدرة الشرعية، و تقديم ما ليس له بدل، على ما له بدل.

و هذا التساؤل و عدم الجزم بتطبيق أحكام باب التزاحم الحقيقي عليه إنما هو للفوارق المهمة بين هذا التزاحم، و ذاك التزاحم الحقيقي. و بعد استعراض هذه الفوارق ننظر، في أنه هل يجري و يطبق شي‏ء منها على التزاحم الملاكي، إذا أحرز شي‏ء منها في أحد الملاكين دون الآخر، أم لا؟

و هذه الفوارق ثلاثة:

1- الفارق الأول: هو إنّه في التزاحم الحقيقي، لم يكن تناف بين نفس الجعلين، و إنما التنافي بين فعليّة الجعلين معا كما عرفت، و ذلك لأنّ كلا من الجعلين جعل على نحو القضية الحقيقية، «كصلّ و لا تغصب»، و لا تنافي بين نفس هذين الجعلين كما هو واضح، نعم هناك تناف بين فعليتهما.

و أمّا التزاحم الملاكي: فإنّ التنافي فيه بين نفس الجعلين، لأنّهما

425

واردان على موضوع واحد، و يمتنع اجتماع حكمين على موضوع واحد كما هو المفروض في المقام.

2- الفارق الثاني: و هو متفرع على الأول، و حاصله:

إنّه في موارد التزاحم الحقيقي لا تعارض بين الدليلين لأنّ مفاد الدليل هو الجعل، و قد فرضنا عدم التعارض بين الجعلين.

و أمّا في موارد التزاحم الملاكي فيوجد تعارض بين الدليلين بعد فرض التنافي بين الجعلين.

3- الفارق الثالث: و هو متفرع على سابقيه، و حاصله: هو إنّه في موارد التزاحم الحقيقي، يكون العقل هو المرجع في تشخيص الوظيفة دون المولى لأنّ المفروض أنّه لا تناف بين الجعلين اللذين جعلهما المولى، ففي مقام الامتثال يرجع إلى العقل، و نطبق أحد قوانين الترجيح المتقدمة.

أمّا في موارد التزاحم الملاكي، فالمرجع في تشخيص الوظيفة، هو الشارع، إذ بعد فرض التنافي بين الجعلين، لا بدّ في تشخيص المجعول من الرجوع إلى الشارع، لأنّ الجعل من وظيفته و عمله.

و على ضوء هذه الفوارق، لا بدّ من البحث، لنرى أنّه أيّ مقدار من أحكام التزاحم و أحكام التعارض، يمكن تطبيقها في المقام.

و قد ذهب المحقق النائيني تفريعا على الفارق الثاني، إلى أنّ التزاحم الملاكي ملحق محضا بباب التعارض محضا، فنطبق عليه أحكامه.

و تحقيق المسألة يحتاج إلى بسط الكلام في عدة نقاط:

- النقطة الأولى، هي: إنّك قد عرفت أنّ الترجيح بأهميّة الملاك، إنّما هو من مرجحات باب التزاحم، دون التعارض، لأنّ هذا المرجح فرع وجود الملاكين، و هذا غير متحقق في باب التعارض، لأنّ موضوع التعارض هو عدم إحراز كلا الملاكين.

426

فالعلم بأهميّة الملاك الذي هو أحد مرجحات باب التزاحم الحقيقي، مرجعه إلى قضيّة شرطية و هو إنّه لو كان الملاكان موجودان لكان هذا الملاك أهم من الآخر، و شرط هذه القضية غير متحقق في باب التعارض كما هو واضح، فلا يكون هذا المرجح مفيدا بالنسبة إليه.

إذا عرفت ذلك نقول: هل يمكن إعمال هذا المرجح في باب التزاحم الملاكي، أو لا يمكن؟.

و تحقيق الكلام في ذلك هو التفصيل بين صورتين في المقام:

1- الصورة الأولى: هي أن يفرض قيام دليل خارجي، من إجماع و نحوه، على ثبوت أحد الملاكين في مورد الاجتماع، و أنّ أحدهما أهم أو غير مشروط بالقدرة الشرعية، أو ليس له بدل بخلاف الآخر، أي: إنّنا نعلم بالقضية الشرطية، و بنفس الشرط، من الخارج.

2- الصورة الثانية: هي أن يفرض إنّ أصل ثبوت الملاكين معلوم من نفس دليلي، «صلّ، و لا تغصب»، لكن العلم بأهميّة أحدهما، كان ثابتا من الخارج، و لا أقل بأحد التقريبين اللذين تقدما عن المحقق الأصفهاني (قده).

أمّا الصورة الأولى: كما لو علم بوجدان كل من «الصلاة و الغصب» لملاكه في موارد اجتماعهما، و علم أنّ ملاك الصلاة أهم، فإنّه حينئذ لا بدّ من إعمال المرجح المذكور، و هو ترجيح الأهم فيحكم حينئذ بصحة الصلاة، لأنّ هذا العلم المفترض يدلنا على أنّ المولى جعل حكما على طبق الأهم، و هو الصلاة، لأنّ المقتضي لوجوب الصلاة موجود لإحراز ملاكها من الخارج، و المانع مفقود، لأنّه لا يتصور مانعا إلّا دليل. «لا تغصب»، و هو لا يصلح مانعا، لأنّ ما هو أضعف ملاكا لا يمنع عن تأثير ما هو أقوى ملاكا.

و أمّا الصورة الثانية، و هي: أن يفرض ثبوت ملاكي، «صلّ، و لا

427

تغصب»، بنفس إطلاق الدليلين بواسطة الدلالة الالتزامية كما ذكره المحقق الأصفهاني كما عرفت، و يفرض أنّه علمنا من الخارج أنّه إذا ثبت ملاك الصلاة فهو أقوى من ملاك الغصب، ففي هذه الصورة، يخرج المقام عن باب التزاحم الملاكي حينئذ، و يدخل في باب التعارض، و تطبّق عليه أحكامه.

و توضيح ذلك: إنّ دليل «صلّ» يدل بالمطابقة على وجوب الصلاة، و بالالتزام على ثبوت ملاك الصلاة، و بالتزام آخر طولي على أهمية ملاك الصلاة، لأنّنا فرضنا أنّ ثبوت ملاك الصلاة ملازم لأهميته.

و أمّا دليل «لا تغصب» فيدل بالمطابقة على حرمة الغصب، و من الواضح، أنّ حرمة الغصب لا تجامع أهمية ملاك الصلاة، لأنّه لا يمكن جعل الحكم على طبق الملاك المغلوب. و عليه: فدليل «لا تغصب» يكون دالا بالالتزام على عدم أهميّة ملاك الصلاة، و عدم أهمية ملاك الصلاة يلزم منه عدم أصل ملاك الصلاة، للملازمة بين ثبوته و أهميته كما عرفت.

و عليه: فيكون دليل «لا تغصب» بمدلوله الالتزامي، و هو عدم أهمية ملاك الصلاة، مكذبا للمدلول الالتزامي لدليل «صلّ»، الدال على ثبوت ملاك الصلاة، فيقع التعارض بين المدلولين الالتزامين كما هو واقع بين المطابقيين كما عرفت. و عليه: فلا يتم في المقام كلام المحقق الأصفهاني (قده)، و هو الأخذ بالمدلولين الالتزاميّين على تقدير تسليمه، و يدخل المقام في باب التعارض لوقوع التكاذب بين الدليلين بمدلوليهما المطابقي و الالتزامي فيطبق عليهما أحكام باب التعارض.

- النقطة الثانية، هي: إنّه هل يمكن إعمال الترجيح بمحتمل الأهميّة في باب التزاحم الملاكي، أو لا يمكن؟.

و الكلام في ذلك يقع في صورتين.

1- الصورة الأولى، هي: أن يفرض أنّ ثبوت أصل الملاك فيهما، أي: في «الصلاة و الغصب»، كان بنفس إطلاق دليلهما بالنحو المتقدم،

428

و يفرض أنّنا علمنا من الخارج، أنّ ملاك الصلاة إذا ثبت فهو إمّا مساو، أو أهم من ملاك الغصب، ففي مثل ذلك لا يمكن ترجيح محتمل الأهمية، و ذلك لوقوع التعارض بين الدليلين، فاللازم حينئذ هو تطبيق قواعد التعارض، و توضيح ذلك يعلم من النقطة الأولى.

و لكن مجمل القول فيه، هو: إنّ دليل «لا تغصب» يدل بالالتزام على عدم أهمية، ملاك الصلاة كما يدل على عدم مساواته له أيضا، لأنّ حرمة الغصب لا تتناسب إلّا مع أهميّة ملاكه. و عليه: فيكون دليل «لا تغصب» نافيا لأصل ثبوت ملاك الصلاة باعتبار الملازمة بين أصل ثبوت ملاك الصلاة، و بين كونه أهم أو مساويا. فإذا انتفى الثاني، انتفى الأول، و بذلك يكون كل من الدليلين مكذبا بمدلوله الالتزامي للآخر، و هذا معناه، التعارض.

2- الصورة الثانية، هي: أن يفرض أنّ ثبوت أصل ملاك الصلاة كان بدليل خارجي، و كذلك ملاك الغصب، ففي مثل ذلك يقع التعارض أيضا.

و لا يمكن تقديم محتمل الأهمية، و ذلك لأنّ احتمال الأهمية هنا، مرجعه إلى شك في أصل التكليف، لأنّنا نقول: إنّ هذه الحركة في الأرض المغصوبة فيها مصالح و مفاسد، و لا ندري أنّ المصالح أكبر من المفاسد ليحكم بوجوبها، أو مساوية لها ليتساقطا، فيرجع الأمر إلى الشك في أصل جعل الوجوب و عدمه، و في مثله تجري أصالة البراءة.

و هذا الكلام لا يمكن تطبيقه في باب التزاحم الحقيقي، لأنّ أصل وجوب الصلاة، و كذا الإزالة، معلوم.

و من جملة المرجحات المذكورة في باب التزاحم الحقيقي، هو ترجيح ما كان احتمال الأهمية فيه أكبر من الآخر، و بعد أن عرفت عدم إجراء المرجّح السابق في باب التزاحم الملاكي، يظهر أنّ عدم إجراء هذا المرجع إنّما هو بطريق أولى كما هو واضح.

429

نعم بالنسبة إلى هذا المرجّح لا يكون دليل «لا تغصب» نافيا لأصل ثبوت ملاك الصلاة، باعتبار أنّه ينفي فرض أهميّة ملاك الصلاة، أو مساواته. و عليه: فلعلّ ملاك الصلاة موجود بنحو مغلوب، و المفروض أنّه لا تلازم بين نفي أهمية أو مساواة ملاك الصلاة، و بين نفي أصل وجوده، كما في الصورة الأولى.

- النقطة الثالثة، هي: إنّه من جملة المرجّحات المذكورة في باب التزاحم الحقيقي، هو تقديم ما ليس له بدل على ما له بدل، فهل يمكن إعمال هذا المرجح في باب التزاحم الملاكي، أو لا يمكن؟.

و الكلام في هذه النقطة كالكلام في النقطة الأولى، فإن كان أصل ثبوت الملاك معلوما من الخارج، فنقدم ما ليس له بدل على ما له بدل في باب التزاحم الملاكي، فيقدم في المقام دليل «لا تغصب» على دليل «صلّ» إذا فرض وجود مندوحة عن الصلاة في الغصب، و ذلك باعتبار القطع الوجداني، بأنّ المولى جعل الحكم على طبق «لا تغصب»، لأنّ المقتضي لحرمته حينئذ موجود، و هو ملاكه، و المانع مفقود، لأنّ ما يحتمل مانعيّته، هو المصلحة القائمة في الصلاة، و لكن هذه المصلحة بدليّة، لإمكان الصلاة خارج الأرض المغصوبة، و عليه: فلا تكون هذه المصلحة مانعة عن حرمة الغصب.

و أمّا إذا كان أصل الملاك فيهما ثابتا، بإطلاق دليلهما بواسطة الدلالة الالتزامية، كما عرفت، فحينئذ، سوف يقع التعارض بين الدليلين، لأنّ دليل «صلّ» له إطلاق بدلي، و في نفسه يقتضي الشمول بدلا لهذه الحصة من الصلاة، و هي الصلاة في المغصوب، و هذا الإطلاق لا يتلاءم مع أصل وجود ملاك التحريم في الغصب الثابت بإطلاق دليل «لا تغصب»، باعتبار أنّ المصلحة البدلية يستحيل أن تغلب المفسدة التعيينية، و بذلك يكون دليل «صلّ» نافيا لثبوت أصل ملاك الغصب، فيقع التكاذب حينئذ، و معه لا بدّ من تطبيق أحكام التعارض.

430

- النقطة الرابعة، و هي: فيما إذا فرض وقوع التعارض بين دليلين:

فلا بدّ أولا: من ملاحظة إمكان الجمع العرفي بينهما، فإذا لم يمكن، فيرجع إلى المرجحات العلاجية، كأقوائية السند و نحوه، فإذا لم يمكن هذا أيضا، حينئذ تصل النوبة إلى التساقط، هذا إذا كان التعارض بين الدليلين بنحو التباين.

و أمّا إذا كان التعارض بنحو العموم من وجه: فلا مورد للمرجحات العلاجية حينئذ كما هو مفصّل في محله.

و الآن نريد أن نرى أنّ إحراز الملاكين في المجمع، هل يؤثر على قواعد الجمع العرفي، و قواعد المرجحات العلاجية، و التساقط، أو لا يؤثر؟.

إذن فيقع الكلام في ثلاث مقامات:

- المقام الأول، و هو: تأثير إحراز الملاكين على قواعد الجمع العرفي و عدم تأثيره:

و هنا، يظهر من صاحب الكفاية (1)، عدم تأثيره في ذلك، حيث أنّ إحراز الملاكين في المجمع، هو بنفسه يمهد للجمع العرفي بين الدليلين، فإنّه لو أحرز اشتمال كلا الحكمين على الملاك، و إنّ أحدهما أقوى من الآخر، حينئذ نفس هذا الإحراز، يوجد جمعا عرفيا، و ذلك بأن يحمل صاحب الملاك الأقوى على الفعلية، و صاحب الملاك الضعيف على الاقتضاء.

و معه لا تصل النوبة إلى المرجحات العلاجيّة، أو التساقط.

و إن شئت قلت: إنّه يظهر من صاحب الكفاية (قده)، عدم تأثير إحراز

____________

(1) كفاية الأصول- المشكيني: ج 1- ص 242.

431

الملاكين على قواعد الجمع العرفي، حيث أنّ إحراز الملاكين في المجمع، و إحراز أقوائيّة أحدهما على الآخر، هو بنفسه يمهّد لجمع عرفي بين الدليلين، و هو حمل دليل الحكم ذي الملاك الأقوى، على إفادة الحكم الفعلي، و دليل الحكم الآخر، على إفادة الحكم الاقتضائي الشأني.

و هذا الكلام فيه نظر، لأنّ إحراز الملاك، إمّا أن يكون مستفادا من خارج الدليلين، أو من إطلاق نفس الدليل.

فإن كان الملاك محرزا من خارج الدليلين، فلا يكون أيّ معنى للجمع العرفي، لأنّه فرع التعارض، و هنا لا تعارض، لأنّنا نعلم تفصيلا بكذب غير معلوم الأهميّة و عليه: فلا وجه للجمع العرفي.

و إن كان الملاك محرزا من إطلاق نفس الدليل بواسطة الدلالة الالتزاميّة مثلا، فهذا له صورتان:

الصورة الأولى، هي: أن يفرض كون التعارض بين الدليلين بنحو العموم من وجه كما في «أكرم الهاشمي» و «لا تكرم الفاسق» و يفرض تعارضهما في هاشمي فاسق، و يفرض أيضا أن علمنا من الخارج بأنّه متى ما ثبت ملاك الوجوب فهو أقوى.

و في مثله كما يمكن الجمع بما ذكره صاحب «الكفاية» (1) من حمل «أكرم الهاشمي» على الفعلية، و حمل «لا تكرم الفاسق» على الشأنيّة، كذلك يمكن الجمع بتقييد الهاشمي بغير الفاسق، أو تقييد الفاسق بغير الهاشمي.

و ليس أحد هذه التصرفات أقرب إلى الفهم العرفي من الآخر و معه فلا يتم ما ذكره الآخوند (قده).

و إن شئت قلت: إنّه اتضح ممّا تقدم، أنّه إذا كان الملاك الأرجح مستفادا من خارج الدليلين، سقط دليل الحكم المرجوح عن الحجية في‏

____________

(1) المصدر السابق.

432

نفسه، للقطع ببطلان مؤدّاه حينئذ، و إن كان لهذا الكلام وجه فيما إذا كان ثبوت الملاك الأرجح بنفس الدليل.

2- الصورة الثانية، هي: أن يفرض كون التعارض بين الدليلين بنحو التباين، كما في، «صلّ»، و «لا تصل»:

و في مثله لا يمكن حل التعارض بالتقييد، لأنّهما واردان على موضوع واحد، و إنّما يحل، بحمل أحدهما على الاقتضاء، و حمل الآخر على الفعلية. و المتعين هو حمل معلوم الأهميّة على الفعلية.

إلّا أنّ هذا ليس جمعا عرفيا بين الدليلين- باعتبار أنّ الحكم الإنشائي أو الاقتضائي ليس حكما، إذا لنظر العرفي لا يفهم من الحكم إلّا البعث و التحريك الفعلي-، و إنما هو إلغاء لدليل غير معلوم الأهميّة، لأنّ مرجع حمله على الاقتضاء أنّه حكم لولائي، بمعنى أنّه لو لا المصلحة الغالبة في الصلاة، لنهى المولى عن الصلاة، و هذا في نظر العرف إلغاء للدليل لا عمل به بوجه.

و الخلاصة، هي: إنّ إحراز الملاكين في المجمع، لا يحقق جمعا عرفيا بين الدليلين، بل حال المتعارضين مع إحراز الملاك، كحالهما مع عدم إحرازه بالنسبة للجمع العرفي.

- المقام الثاني: هو في تأثير إحراز الملاكين في المجمع على المرجحات السندية، و عدم تأثيره.

و الكلام في ذلك يقع في صورتين:

1- الصورة الأولى، هي: ان يكون التعارض بين الدليلين بنحو العموم من وجه، و في مثله لا تجري المرجحات السندية، سواء أحرز الملاكان، أو لم يحرزا، و ذلك لما هو مفصل في محله في باب التعادل و التراجيح.

2- الصورة الثانية، هي: أن يكون التعارض بين الدليلين بنحو التباين، و في مثله، يرجع إلى المرجحات السندية، سواء أحرز الملاكان، أو لم يحرزا، و ذلك لأنّ التعارض مستحكم بين الدلالة الفعلية لكل منهما،

433

و إن لم يكن بينهما تعارض بمدلوليهما الالتزاميّين. و حينئذ، فتسري هذه المعارض إلى السند، فيعمل بالمرجحات السندية، فإذا قدم أحدهما على الآخر سندا، فيكون ذلك مساويا لسقوط الآخر، و حينئذ فإن كان ملاكه محرزا بالدلالة الالتزامية، فيسقط هذا الملاك بسقوط أصل الدليل، و إن فرض أنّ ملاكه كان محرزا من الخارج، فسوف يبقى الملاك، إلّا أنّه يسقط عن الحجيّة.

و الخلاصة، هي: إنّه في هذه الصورة التي يثبت الملاك فيها بنفس دليل الحكم، يقع التعارض بينهما لا محالة، لأنّ دليل الحكم الآخر سوف يدل بالالتزام على نفي أصل ملاك الحكم الأول، و لو فرض العلم من الخارج بأنّه لو كان ثابتا لكان أرجح.

و هذا يعني وقوع التعارض بين الدليلين في إثبات الملاك أيضا.

و لصاحب الكفاية (قده) عبارة في المقام، حاصلها: إنّه في مثل ذلك يرجع إلى المرجحات الدلاليّة، أي: الجمع العرفي، و المرجحات السندية، فإذا قدّم أحدهما على الآخر بمرجح دلالي أو سندي، فيكشف ذلك بطريق الإنّ الأرسطيّ عن أقوائيّة الحكم الآخر مناطا.

و قد فسّرت هذه العبارة بتفاسير عديدة، أصحّها أن يقال: بأنّ مقصوده، أنّه بعد ترجيح أحد الدليلين، فيكون الدليل المرجّح دالا بالمطابقة على فعلية الحكم الدال عليه، و بالالتزام على أقوائية هذا الحكم، لأنّه لو لم يكن أقوى لما كان فعليا في صورة المعارضة، فإذا ثبتت فعليته تثبت أهميّته.

و إن شئت قلت: إنّ ظاهر مقصوده هو، استكشاف ذلك، بعد فرض إحراز فعليّة الملاكين في مورد الاجتماع، فإنّه حينئذ، لو ثبت ترجيح أحد الحكمين، ثبت بالدلالة الالتزاميّة أقوائيّة ملاكه.

و ليس المقصود، دلالة قوة الكشف و الدلالة في أحد الدليلين على قوة

434

الملاك، و نحو ذلك، ممّا جعل تفسيرا لكلامه، حيث اعترض عليه، بعدم التلازم بين مقام الإثبات و الكشف، و بين مقام الثبوت و الملاك.

3- و الخلاصة، هي: إنّه لا جمع عرفي بهذا الشكل في المقام، بل يرجع إلى المرجحات الدلالية الأخرى، أو المرجحات السندية إن كانت و كان التعارض بنحو التباين، و إن لم يكن شي‏ء من هذه المرجحات فلا مناص من استحكام التعارض ثم التساقط.

و لكن لا يجوز الرجوع حينئذ إلى أصل عملي يكون على خلاف كلا الملاكين المتزاحمين بحيث يلزم منه تفويتهما معا.

- المقام الثالث، هو: تأثير إحراز الملاكين على الحكم بالتساقط بعد عدم إمكان المرجحات السندية و الدلالية، و عدم تأثيره.

و مقتضى القاعدة مع فقد تلك المرجحات، هو الحكم بالتساقط فيما إذا لم يحرز الملاكان. و أمّا مع إحرازهما، فالمدلولان المطابقيان للدليلين، و إن سقطا بالتعارض، و كان لا يمكن الرجوع إلى أصل عملي يكون على خلاف كلا الملاكين المتزاحمين، لأنّ مثل هذا الأصل يلزم من العمل به تفويتهما معا، و هذا مخالفة للواقع جزما، لا سيما إذا كان تفويتهما على المولى بلا موجب.

و لكن هذا الرجوع إلى الأصل العملي المتضمن لحكم ثالث، ممكن في صورة عدم إحراز الملاكين.

هذا بالنسبة لما لو التزمنا بالتساقط الكلي، بحيث يرجع بعد ذلك للأصول، و لو كان الأصل على خلاف كلا الدليلين.

و أمّا إذا التزمنا بالتساقط الجزئي، و هو عدم ثبوت كل من الحكمين بخصوصه، لكن الحكم الثالث المخالف لهما، أيضا لا يصح الرجوع إليه.

ففي مثل ذلك لا يبقى فرق بين إحراز الملاكين و عدمه في عدم جواز الرجوع للأصول المخالفة للحكمين.

435

استدراك على المقام الثاني‏

كنّا قد ذكرنا في الصورة الثانية أنّه يمكن إجراء المرجحات السندية فيما إذا كان التعارض بين الدليلين بنحو التباين، سواء أحرز الملاكان، أو لم يحرزا، و قد عرفت هناك السرّ في ذلك، و لكن قد يفصّل في المقام فيقال:

إنّه يمكن الرجوع إلى المرجحات السندية، فيما إذا أحرز الملاكان على تقدير، و عدم الرجوع إليها على تقدير آخر.

و حاصل الكلام في توضيح ذلك هو: إنّ إحراز الملاكين، إمّا أن يكون بنفس إطلاق الدليل، و إمّا أن يكون من الخارج.

فإن كان من الخارج، فيرجع إلى المرجحات السندية، للسبب الذي ذكرناه في الصورة الثانية.

و أمّا إذا أحرز الملاكان بنفس إطلاق الخطاب، بدعوى التمسك بالدلالة الالتزامية، باعتبار عدم تبعيّتها للدلالة المطابقيّة في الحجية، ففي مثل ذلك لا يرجع إلى المرجحات السندية، و ذلك لأنّ الدلالة المطابقية، و إن سقطت عن الحجية، الّا أنّ الدلالة الالتزامية باقية، و بقاؤها لا يمكن أن يكون بلا سند. و عليه: فبقاء السند لا بدّ منه، و لا بأس بالتعبّد به، اذن، فالتعارض لا يسري إلى السّند ليرجع إلى المرجحات السندية.

و إن شئت قلت: قد يتوهم عدم صحة الرجوع إلى المرجحات السنديّة، فيما إذا أمكن إثبات الملاكين بنفس إطلاق الخطابين، و لو بدعوى‏

436

التمسك بالدلالة الالتزامية، باعتبار عدم تبعيّتها للدلالة المطابقية في الحجيّة، لأنّ إمكان الرجوع إلى المرجح السندي، فرضه فيما إذا تكاذب الدليلان في تمام مدلولهما، بحيث كان لا يمكن الأخذ بالسند في شي‏ء منهما.

و في المقام يمكن الأخذ بمدلوليهما الالتزاميّين بحسب الفرض.

إذن، فلا يسري التعارض و التكاذب إلى السّندين ليرجع إلى المرجحات السّنديّة.

و لكنّ التحقيق هو: عدم صحة هذا التفصيل، فإنّ المرجحات السّنديّة و العلاجيّة مطلقا، تجري حتى لو كان إحراز الملاكين، بالدلالة الالتزاميّة.

و يقرّب الدليل على ذلك بتقريبين:

1- التقريب الأول، هو: إنّ أهم مدرك للمرجحات العلاجيّة، هو الروايات، و قد أخذ في موضوع هذه الروايات، عنوان، «إذا جاء خبران متعارضان، و مختلفان، و هذا العنوان يصدق في محل الكلام، سواء قلنا بسريان التعارض إلى السند أو لم نقل، فلم يؤخذ في موضوع هذه الروايات خصوص ما سرى التعارض إلى سنده، ليتم ما ذكر». و عليه: فنفس هذه الأخبار- الدالة على الرجوع إلى تلك المرجحات العلاجية، و التي لم يؤخذ في موضوعها خصوص ما سرى التعارض إلى سنده- تكون دليلا على سريان التعارض إلى السند، و الرجوع إلى المرجحات السندية، فضلا عن المرجحات المضمونية و الجهتية.

ثم إنّه لو بني على هذا التفصيل، و اشترط في إعمال المرجحات السندية، سريان التعارض إلى السند، حتى بلحاظ الدلالة الالتزامية، لندر إعمال المرجحات السندية، بناء على عدم تبعيّة الدلالة الالتزامية للمطابقية في الحجية، إذ قلّما يوجد مورد ليس فيه دلالة التزامية سليمة عن المعارض.

437

أو فقل: إنّه لو فرض كفاية ثبوت المدلول الالتزامي للخطابات المتعارضة، في عدم سريان التعارض إلى السّندين، فسوف لن يبقى مورد معتدّ به لأخبار العلاج، و يكون ذلك بحكم إلغائها عرفا، لما عرفت من أنّه بناء على عدم التبعية بين الدلالتين في الحجية، لا يتفق مورد للتعارض لا يكون لأحد المتعارضين مدلول التزامي يسلم عن المعارضة. إذن، فمثل هذه الموارد، هي القدر المتيقن لمضمون أخبار العلاج.

2- التقريب الثاني، هو: إنّ صاحب المسلك القائل بعدم تبعيّة الدلالة الالتزاميّة للدلالة المطابقيّة في الحجيّة، إمّا أن يدّعي بأنّ الدلالة الالتزامية منتزعة من إطلاق الخطاب: و إمّا أن يدعي بأنّها منتزعة من أصل الخطاب:

فإن ادّعي الأول: و هو كونها منتزعة من إطلاق الخطاب، كما لو قال المولى: «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ»، و كان مقتضى إطلاقه هو تصحيح البيع المعاطاتي، و بأنّ البيع من أهم المعاملات، و مع ذلك صحّحنا المعاطاة فيه، فيحكم حينئذ بصحة الإجارة المعاطاتية. و عليه: فيكون لقوله‏ «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ»، مدلولان: أحدهما مطابقي، و هو حليّة البيع المعاطاتي.

و الثاني: التزامي، و هو حليّة الإجارة المعاطاتية. و هذا المدلول الالتزامي قد استفيد من إطلاق الخطاب. فإن ادّعى القائل بعدم تبعيّة الدلالة الالتزاميّة للدلالة المطابقية في الحجية، أنّ الدلالة الالتزاميّة منتزعة من إطلاق الخطاب، ففي مثله لا يكون للمدلول الالتزامي سند مستقل في مقابل المدلول المطابقي، لأنّ هنا كلاما واحدا له سند واحد، فإذا أسقط المدلول المطابقي عن الحجيّة، يبقى المدلول الالتزامي حجة مع ذلك السند، إذ لا يعقل وجود مدلول كذلك بلا سند، و حينئذ لا موجب لسريان التعارض إلى السند في المقام ليرجع إلى المرجحات السندية.

و أمّا إذا ادّعي الثاني، و هو كون الدلة الالتزامية منتزعة عن أصل الخطاب لا عن إطلاقه، كما هو محل كلامنا، حينئذ، إمّا أن يكون مقصود

438

القائل بعدم تبعيّة الدلالة الالتزامية للمطابقيّة في الحجيّة، هو أنّ الراوي كأنّه في قوله، «صلّ»، شهد بشهادتين: إحداهما بالمدلول المطابقي، و هو الوجوب، و الثانية: بالمدلول الالتزامي و هو الملاك، و كذلك بالنسبة لقوله «لا تصلّ»، فقد شهد أولا بالحرمة، و ثانيا بالملاك، و في مثله، التعارض السندي واضح، لأنّ التعارض واقع بين المدلولين المطابقين، و هذا التعارض يسري إلى السّند، فيرجع للمرجحات السّنديّة، هذا إذا كان مقصود القائل بعدم التبعيّة أنّ الراوي في قوله: «صلّ» شهد بشهادتين، و كذا في قوله «لا تصلّ».

و قد يكون مقصوده بعدم التبعية أنّه يثبت بشهادة الراوي أمر واحد، و هو شخص هذا الكلام، أعني «صلّ»، و لكن كلام «صلّ» له دلالتان:

إحداهما مطابقية، و أخرى التزاميّة، و في مثله، لا تعارض في السند، لأنّه ليس عندنا إلّا سند واحد و متن واحد، قد أثبته ذلك السند، غاية الأمر، أنّ هذا المتن له مدلولان: مطابقي و قد سقط بالمعارضة، و التزامي لا يزال ثابتا.

و بذلك اتضح أنّ الصحيح هو الرجوع إلى المرجحات السّنديّة من دون تفصيل بين ما إذا أحرز الملاك من إطلاق الخطاب بالدلالة الالتزامية مثلا، أو من الخارج.

* التنبيه السادس: و قد عقد هذا التنبيه لبيان إمكان تصحيح الامتثال بإتيان المجمع‏

، بناء على الأقوال و الاحتمالات في مسألة الاجتماع، فنقول:

إمّا أن نلتزم بامتناع الاجتماع، أو بإمكانه.

فإذا التزمنا بامتناعه، و قدّمنا جانب الأمر، فلا إشكال في صحة الامتثال بالمجمع و أجزائه، باعتبار كونه مصداقا للمأمور به، من دون أن يفرق فيه بين علم المكلّف بحيثية الحرمة المغلوبة و عدمه، و بين كون‏

439

الواجب توصليا أو عباديا، مع عدم وجود منشأ لشبهة البطلان.

و أمّا إذا قدّمنا جانب النّهي، فسيأتي حكمه قريبا.

و أمّا إذا التزمنا بإمكان الاجتماع، فحينئذ يثبت أمر و نهي.

و في مثله تارة يكون هناك مندوحة، و أخرى لا يكون.

فإذا فرض عدم المندوحة، فسوف يقع التزاحم بين الأمر و النّهي، فتطبّق قواعده، فإن قلنا بإمكان الترتب فيصح الامتثال بإتيان المجمع باعتباره.

و إن لم نقل بإمكان الترتب، و التزامنا بإمكان استكشاف الملاك من الأمر، فأيضا يصحّ الامتثال بإتيان المجمع بالملاك، و إلّا فسوف يتعذّر تصحيح الامتثال بالمجمع.

و أمّا إذا فرض وجود مندوحة، فلا تعارض و لا تزاحم، أمّا الأول:

فلأننا نقول بالجواز. و أمّا الثاني: فلوجود المندوحة.

نعم على مبنى الميرزا (قده) القائل: بأنّ الأمر بالجامع يختص بالحصة المقدورة، و لا يمكن أن يكون له إطلاق و لو بدليا للحصة غير المقدورة، فحينئذ سوف يقع التزاحم بين إطلاق الواجب البدلي، و بين الحرمة، لعدم اجتماعهما، فإنّ الفرد من الصلاة الملازم للحرام، هو غير مقدور شرعا، فيستحيل شمول إطلاق الواجب له، فيقع التزاحم بالنسبة لهذا الفرد، بين إطلاق الواجب و بين الحرمة باعتبار أنّ إطلاق الواجب يستدعي أن يكون هذا الفرد مقدورا شرعا و عقلا، و دليل الحرمة يجعله غير مقدور، و حينئذ لا يمكن تصحيح هذا الفرد إلّا بالترتب، أو بالملاك.

و أمّا إذا بنينا على امتناع الاجتماع، و تقديم جانب النهي، فحينئذ، تارة يفرض أن النهي معلوم، و أخرى، يفرض أنه غير معلوم.

فإن فرض أنّه معلوم، فلا إشكال في بطلان الامتثال بالمجمع إذا كان‏

440

عباديا، لأنه مبغوض، و معه لا يمكن التقرب به. و أمّا إذا لم يكن عباديا، بل كان توصليا، فإن أحرز ملاكه فيصح، لأنّ التّوصلي لا يحتاج إلى قصد القربة، و أمّا إذا لم يحرز الملاك، فيبطل.

و أمّا إذا فرض عدم العلم بالنّهي، فحينئذ: قد يقال: بأنّ الامتثال بالمجمع يقع صحيحا و لو كان عباديا، كما ذهب إليه المشهور، حيث حكموا بصحة الصلاة في الدار المغصوبة مع الجهل بالغصب، أو بحكمه.

و هذا الحكم منهم صار سببا للإشكال الذي طرحه صاحب الكفاية (قده) (1) و الذي حاصله هو:

إنّه إذا قلنا بجواز اجتماع الأمر و النّهي، ينبغي أن يلتزم بصحة الصلاة حتى مع العلم بالغصبية و بحكمه، باعتبار وجود أمر بالصلاة.

و إن قلنا بامتناع الاجتماع ينبغي أن يقال ببطلان الصلاة حتى مع الجهل بالغصبيّة، باعتبار وقوع التعارض بين الدليلين، فإذا قدّم جانب النّهي فلا بدّ من وقوع الصلاة باطلة، و عليه فلا حاجة لما ذكره المشهور من الحكم بصحة الصلاة في الدار المغصوبة مع الجهل بالغصب، أو بحكمه، و الحكم ببطلانها مع العلم بذلك.

و في مقام توجيه حكم المشهور يذكر عدة وجوه:

- الوجه الأول: هو ما أشير إليه في كلمات صاحب الكفاية (2) و هو متوقف على مقدمتين:

أ- المقدمة الأولى، هي: إنّ التّضاد بين الأحكام إنّما هو في مرحلة فعليّتها، لا بمرحلة واقعها و وجودها الإنشائي.

ب- المقدمة الثانية، هي: إنّ فعليّة الحكم تتوقف على وصوله، بمعنى العلم به، حيث يكون باعثا، و محركا، و مانعا، و زاجرا بالفعل.

____________

(1) كفاية الأصول- المشكيني: ج 1- ص 249.

(2) كفاية الأصول- مشكيني: ج- ص 249.

441

و بعد تماميّة هاتين المقدمتين يقال: إنّنا لو كنّا نقول بالامتناع، و بتقديم جانب النّهي على الأمر، فحينئذ نلتزم بصحة الصلاة مع الجهل بالغصب و بحكمه، كما نلتزم ببطلانها مع العلم بالغصب و بحكمه.

و الوجه في ذلك، هو: انّه مع الجهل بالغصب أو بحكمه لا يكون النهي فعليا كما هو مقتضى المقدمة الثانية، و إذا لم يكن فعليا، فلا يكون مضادا و مانعا عن الأمر بالصلاة، كما هو مقتضى المقدمة الأولى، و إذا لم يكن مانعا عن الأمر بالصلاة و لا معاندا له، فلا مانع من التمسك بإطلاق دليل الوجوب، حال الجهل بالغصب أو بحكمه، و معه يحكم بصحة الصلاة.

و أمّا إذا كان الغصب و حكمه معلوما، ففي مثله يكون النّهي فعليا بحكم المقدمة الثانية، و إذا كان فعليا فيكون مضادا و ممانعا للأمر بالصلاة، بمقتضى المقدمة الأولى، و إذا كان ممانعا له- و المفروض أننا في هذه الموارد نلتزم بامتناع الاجتماع، و تقديم جانب النّهي- فإنّه حينئذ لا يحكم بصحة الصلاة، و ذلك لسقوط الأمر حينئذ.

إلّا أنّ هذا الوجه غير تام نقضا و حلا:

أمّا نقضا، فلأنّه لو تمّ هذا الوجه، لجرى في سائر موارد التعارض و التنافي بين دليلين، مع أنّه لا يلتزم بذلك، فمثلا: لو ورد، «أكرم كلّ هاشمي»، و ورد، «لا تكرم أيّ فاسق»، فيتعارضان في الهاشمي الفاسق، بنحو العموم من وجه، و في مثله لا يكون الهاشمي الفاسق مشمولا لأيّ من الدليلين مع تساويهما، فإذا قدّمنا جانب النّهي ينبغي أن يلتزم بمقتضى هذا الوجه، بشمول دليل «أكرم كل هاشمي» للهاشمي الفاسق الذي لم يعلم بفسقه، لأنّ هذا و إن كان فاسقا في الواقع، إلّا أنّ حرمة إكرامه، ليست فعليّة، للجهل بها، و معه، لا مانع من ثبوت وجوب إكرامه، مع أنّه في مثل هذا المورد، لا يلتزم بذلك، بل يحكم بعدم شمول دليل الوجوب للهاشمي الفاسق، سواء أ كان فسقه معلوما، أو مجهولا.

442

و كذلك ينقض هذا الوجه، بأنّ مقتضاه، هو جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقيّة، فيقال: بأنّه إنّما ترفع اليد عن العام بمقدار ما يكون حكم العام مضادا مع حكم الخاص، و الخاص إنّما يضاد العام إذا كان الخاص فعليا، و مقتضى ذلك، جواز التمسك بالعام في الموارد التي يشك في انطباق الخاص عليها، و من جهة الشبهة المصداقية، لأنّ الخاص ليس فعليا بالنسبة لهذه الموارد، مع أنّ التمسك بالعام في الشبهة المصداقيّة لم يلتزم به.

و أمّا حلّا، فهو: إنّه إن كان مراد صاحب «الكفاية» بالفعلية التي أناط بها التضاد و التمانع بين الأحكام، إن أريد بها الفعليّة بمعنى التنجّز كما أفيد في المقدمة الثانية، فهو صحيح لأنّ التنجز فرع الوصول و العلم، إلّا أنّ المقدمة الأولى حينئذ لا تكون صحيحة، لأنّ التمانع بين الأحكام، إنما هو أيضا باعتبار مبادئها من المصلحة و المفسدة، و الحب و البغض، فلا يختص التمانع بين الأحكام بمرحلة الوصول و العلم بها، بل قبل هذه المرحلة أيضا يوجد تضاد بينها بلحاظ مرتبة مبادئها، كما مرّ سابقا، و هذا لا ربط له بمرحلة التنجز.

و إن أريد بالفعليّة، المرحلة إلى تكون قبل التنجز، و هي ما يقابل الإنشائية، أي كون التنجز على طبق اللفظ المنشأ من قبل الإرادة و الكراهة الحقيقيتين للمولى، فحينئذ تكون المقدمة الأولى صحيحة، لأنّ هذه الفعلية هي مناط التضاد و التمانع، إلّا أنّ المقدمة الثانية غير صحيحة، لأنّ الفعلية بهذا المعنى ليست منوطة بالوصول و العلم، بل هي منوطة بتماميّة موضوع الحكم واقعا، سواء علم، أو لم يعلم.

- الوجه الثاني: في توجيه فتوى المشهور، هو: ما يستفاد أيضا من كلمات صاحب الكفاية (قده) (1)، لكن لا بنحو التبنّي، بل بنحو الإشارة، و حاصله:

____________

(1) نفس المصدر: ص 247.

443

إنّ الأحكام الشرعية تابعة للمصالح و المفاسد، لا بما هي هي، بل بما هي مؤثرة في الحسن و القبح عقلا، إذ إنّ الأحكام الشرعية هذه انعكاسات للواجبات و الألطاف العقليّة، و من الواضح إنّ تأثير المصلحة و المفسدة في الحسن و القبح، فرع العلم بالغصب:

إذ مع عدم العلم بالغصب: لا حكم شرعيّ بالحرمة، فيبقى دليل الوجوب على حاله، فتقع العبادة صحيحة، حيث لا ملاك و لا فعليّة للحرمة حتى تضاد و تنافي الوجوب.

و أمّا في فرض العلم بالغصب: فتكون المفسدة مؤثرة في القبح، و بالتالي مؤثرة في الحكم الشرعي بالحرمة، و معه تقع العبادة فاسدة.

و هذا الوجه غير تام أيضا، و يرد عليه أولا النقض السابق بنحو ما عرفت.

و يرد عليه ثانيا: إنّه لو تمّ هذا الوجه، لتمّ في فرض الجهل بالموضوع، و هو الغصب، و لا يتم في فرض الجهل بالحكم، و هو حرمة الغصب، و ذلك لأنّه في فرض الجهل بالغصب، تصح العبادة بالنحو الذي ذكر في هذا الوجه، و أمّا في فرض الجهل بحكم الغصب مع العلم بنفس الغصب، فإنّ هذا الجهل لا يمنع عن ثبوت الحرمة، لأنّ جهة الغصب معلومة، فتؤثر في القبح، لأنّ القبح تابع لوصول حيثيته أعني الغصب، و هي واصلة، و ليس تابعا لوصول نفس الحرمة- أعني، الحكم- لأنّنا فرضنا أنّ الحرمة هي تابعة له، لأنّ الأحكام تابعة للمصالح و المفاسد المؤثرة في الحسن و القبح. و عليه: ففي هذه الصورة تكون الحرمة موجودة، فلا تقع العبادة صحيحة، مع أنّ المشهور حكموا بصحتها في هذه الصورة أيضا، و هي العلم بالغصب مع الجهل بحكمه و هو الحرمة.

و يرد عليه ثالثا: إنّه لا دليل على ما ذكر، من أنّ الأحكام الشرعية تابعة للمصالح و المفاسد المؤثرة في الحسن و القبح العقليين، بل الدليل قام على عدمه، كما هو مذكور في محله.

نعم قام الدليل على تبعيّة الأحكام للمصالح و المفاسد الواقعية، فلو التزم بما ذكر في الكفاية، للزم أنّه لا بدّ في المرتبة السابقة على الحكم، من‏

444

وصول المصلحة و المفسدة، مع أنّ المصالح و المفاسد تعلم من قبل الأحكام، لا إنّها تعلم من قبلها.

و إن شئت قلت: إنّه يرد عليه ثالثا، عدم صحة المبنى، فإنّ الأحكام ليست تابعة للمصالح و المفاسد، بما هي مؤثرة في الحسن و القبح العقليّين، بل الدليل قام على عدمه.

نعم قام الدليل على تبعيّة الأحكام للمصالح و المفاسد الواقعية، و إلّا لو التزم بما ذكره في «الكفاية» للزم توقف تلك الأحكام على وصول تلك المصالح و المفاسد، و معرفة المكلفين بحيثياتها، مع أنّ تلك المصالح و المفاسد لا تعلم إلّا في طول فعليّة الأحكام و العلم بها.

- الوجه الثالث في توجيه فتوى المشهور، و هو: قد ذكر في «الكفاية» أيضا، و هو مبني على أصل موضوعي، و حاصله، هو: إنّه في موارد اجتماع الأمر و النّهي يكون المجمع واجدا لكلا ملاكيّ الوجوب و الحرمة، أي: إنّه يكون ملاك كل من الحكمين فعليا فيه، و يكون التمانع بين الحكمين. و بناء على هذا المبنى الذي افترضه أصلا موضوعيا لبحث الاجتماع يقال:

إنّ المكلف إذا كان عالما بالغصبية و بحرمتها، فتقع الصلاة حينئذ باطلة، لأنّها و إن كانت واجدة للملاك، إلّا أنّه باعتبار تنجّز الحرمة، تقع الحركة الصلاتية قبيحة، فتكون مبعدة، و في هذه الحالة لا يمكن التقرب بها، فتقع باطلة.

و أمّا مع عدم العلم بالحرمة: فتقع الصلاة صحيحة، لإمكان التقرب بها حينئذ، و المفروض أنّها واجدة لملاكها أيضا، و لا يعتبر في صحة العبادة أكثر من ذلك‏ (1).

و قد اعترض السيد الخوئي على هذا الوجه: بأنّ صحة التقرب بالفعل‏

____________

(1) نفس المصدر.

445

بلحاظ ملاكه، إنّما يكون فيما إذا لم يكن هذا الملاك مغلوبا، و المفروض في كلام «الكفاية» هو البناء على امتناع الاجتماع و تقديم جانب النّهي، و معه يكون ملاك الصلاة مغلوبا، و لا يمكن التقرب به حينئذ، لعدم صلاحيته لذلك، مع كونه مغلوبا، لأنّه في هذه الصورة يكون مبغوضا للمولى، و لو فرض جهل المكلف بالحرمة.

و هذا الاعتراض غير تام: لأنّ صلاحية الفعل للمقربيّة، مربوطة بوجدان المتقرب، إذ لا يشترط في فعليّة التقرب أكثر من تخيّل الأمر و المحبوبية و لو كان واقع الفعل مبغوضا دون اشتراط المحبوبيّة الفعليّة زيادة على الملاك، و لذا قد يفرض أنّ شيئا يكون مبغوضا محضا، و مع هذا يصلح للمقربية، كإنقاذ عدوّ المولى بتخيّل أنّه ولده تقربا إليه.

و في محل الكلام، فإنّ محبوبيّة الصلاة، و إن كانت مغلوبة بالنسبة لمبغوضية الغصب، إلّا أنّ المكلف لم يحرز هذه المبغوضيّة كي تمنعه عن التقرب بتلك المحبوبية.

و تحقيق الحال في هذا الوجه: إنّه سليم عن أيّ إشكال سوى أصله الموضوعي المذكور في هذا الوجه، و هو وجدان الفعل في مورد الاجتماع لنفس ملاك الأمر بالعبادة و مصلحته.

و قد عرفت سابقا، عدم إمكان إحراز ذلك، إلّا بالتمسك بالمدلول الالتزامي، بعد سقوط المدلول المطابقي، أو إطلاق المادة، و كلاهما كان باطلا. إذ لو كان شي‏ء منهما تاما، لحكم بذلك في سائر موارد التعارض، كما عرفت سابقا.

إذن فهذه الوجوه الثلاثة التي ذكرت في «الكفاية»، لا تفي بدفع الإشكال عن المشهور، كما أنّ هذه الوجوه كانت مبنية على اختيار امتناع الاجتماع مع الالتزام بتقديم جانب النّهي. و كأن صاحب الكفاية (قده) لم يستشكل بصحة الصلاة، بناء على القول بالجواز، سواء أ كانت الحرمة

446

معلومة، أو غير معلومة، و لذلك حاول دفع الإشكال من تلك الجهة.

- الوجه الرابع: هو ما ذكره المحقق النائيني (قده) (1) في وجه هذا التفصيل، و لكن بناء على القول بجواز الاجتماع، و ليس بناء على القول بامتناع الاجتماع، و كأن المحقق يعترف ببطلان الصلاة بناء على الامتناع، سواء أ كانت الحرمة معلومة، أو غير معلومة، و لذا حاول دفع الإشكال عن فتوى المشهور من الجهة الأخرى، حيث بنى تخريج فتوى المشهور بناء على الجواز.

و حاصل ما ذكره المحقق (قده) في المقام، و هو: مبنيّ على مبناه، من استحالة شمول الوجوب المتعلق بالجامع للفرد غير المقدور، شرعا أو عقلا، حيث قال: إنّه بناء على جواز الاجتماع، يخرج وجوب الصلاة على الإطلاق، و حرمة الغصب كذلك عن باب التعارض إلى باب التزاحم في مقام الامتثال، لأنّ إطلاق الواجب للصلاة الغصبية مستحيل، لأنّ هذا الفرد من الصلاة، و إن كان غير الغصب خارجا بناء على جواز الاجتماع، إلّا أنّه ملازم مع الحرام، فلا يكون مقدورا شرعا، و معه فلا يكون دليل الواجب شاملا له، لما عرفت من الأصل الموضوعي الذي بنى عليه كلامه. و عليه:

فيقع التزاحم بين إطلاق دليل الواجب و بين دليل الحرمة، و حينئذ فإذا كانت الحرمة منجزة فيستحكم التزاحم، و معه لا يمكن ثبوت الأمر بالنسبة لهذا الفرد، لأهمية النّهي كما هو المفروض، كما أنّه يستحيل أن يثبت أمر ترتّبي به، حيث أنّ الميرزا (قده) يبني على استحالة الترتّب في موارد اجتماع الأمر و النّهي، كما تقدم منه في محله. و عليه: فلا أمر بهذا الفرد من الصلاة.

نعم ملاك الصلاة موجود، إلّا أنّه لا يمكن التقرب بهذا الملاك، لأنّه مزاحم بقبح فاعلي، لأنّنا و إن قلنا بأنّ الصلاة و الغصب في الخارج، شيئان انضمّا لبعضهما، إلّا أنهما يوجدان بإيجاد واحد من قبل المكلف، و بفاعلية

____________

(1) فوائد الأصول: ج 1- ط 1- ص 263- 264.

447

واحدة، و هذا الإيجاد لهما قبيح، لأنّ أحد الفعلين و هو الغصب، معصية، فيكون هذا القبح مزاحما مع ملاك هذا الفرد، و معه لا يمكن التقرب به، فتقع الصلاة حينئذ فاسدة، لعدم الأمر، و عدم إمكان التقرب بملاكها الموجود.

هذا فيما إذا كانت الحرمة منجّزة، و قد عرفت أنّ الصلاة تقع باطلة.

و أمّا إذا لم تكن الحرمة منجزة من جهة عدم وصولها: ففي مثله لا تزاحم، لأنّ فعليّة التزاحم فرع وصول الخطابين، كما عرفت في محلّه، و إذا لم يكن تزاحم، فلا محذور في بقاء الأمر في جانب الصلاة على إطلاقه بلا أي قبح، و حينئذ، فيتقرب بامتثال ذلك الأمر، و تقع الصلاة صحيحة.

و يرد على هذا التخريج:

أولا: إننا لا نسلّم بوقوع التزاحم بين الأمر بالمطلق، و بين النّهي عن الحصة في المقام، لأنّ ما هو الواجب، و هو الجامع، لا مزاحمة بينه و بين ما هو الحرام، فعلى القول بالجواز، كما لا يقع تعارض، لا يقع تزاحم، كما عرفت تحقيق ذلك في بحث الترتب.

و ثانيا، هو: إنّه لو سلمنا وقوع التزاحم كما قال الميرزا (قده)، فلا مانع من الترتّب في مثله، كما حقق في محله أيضا.

و ثالثا، هو: إنّه بعد قطع النظر عن الأولين، فإنّ ما ذكره الميرزا (قده) من عدم إمكان التقرب بالملاك، لمزاحمته بالقبح الفاعلي، كما ذكر، غير تام، و ذلك لأنّه إمّا أن نبني على اتحاد الإيجاد و الوجود حقيقة، و أنّ الاختلاف بينهما اعتباري فقط، و إمّا أن نبني على اختلاف حقيقتهما:

فإن بنينا على الأول، و قلنا بجواز الاجتماع، فيكون عندنا في مثالنا وجودان و إيجادان: وجود للصلاة، و آخر للغصب، و إيجاد للصلاة، و آخر للغصب.

و لا ريب في تغاير هذين الوجودين، و كذلك الإيجادين، لأنّ إيجاد

448

الصلاة هو عين وجودها، فإذا كان وجودها غير الغصب، فينبغي أن يكون إيجادها غير إيجاده، و معه لا يكون في الصلاة أيّ قبيح، و حينئذ ينبغي أن يحكم بصحتها، حتى مع العلم بالحرمة، لأنّه إذا لم يكن في وجودها قبح، فلا يكون في إيجادها قبح، أيضا، لأنّ الإيجاد عين الوجود حسب الفرض، و إذا لم يكن في إيجادها قبح، فهذا معناه أنّه لا قبح فاعلي بها، حتى مع العلم بالحرمة. و عليه: فتقع صحيحة حتى في هذه الصورة.

و أما إذا بنينا على أن الوجود مغاير للإيجاد حقيقة، فحينئذ إن قلنا بأنّ لكل وجود إيجاد مستقل، فالكلام هو الكلام، لأنّ إيجاد الصلاة غير إيجاد الغصب حينئذ.

و معه لا يبقى أيّ قبح في إيجادها كما لا قبح في وجودها.

و إن قلنا، بإمكان صدور وجودات متعددة بإيجاد واحد، فيكون عندنا وجودان: أحدهما: للصلاة، و الآخر: للغصب إلّا أنهما وجدا بإيجاد واحد، و هذا يقتضي أن يكون هذا الإيجاد مقدمة للحرام، لأنّه مقدمة للغصب، إلّا أنّ مقدمة الحرام لا يسلّم كونها قبيحة و مبعّدة، كما هو محقق في محله، و لو سلّم قبحها، فلا مانع من التقرب بذيها، لأنّ القبح القائم بالمقدمة لا ينافي التقرب بذي المقدمة.

إذن فهذا الوجه غير تام أيضا.

- الوجه الخامس، هو: ما يمكن اقتناصه من كلمات الميرزا (قده) مع بعض التغيير، و حاصله، هو: إنّه بناء على القول بالجواز، يقع التزاحم مع وصول الحرمة، بين إطلاق الواجب و الحرمة، كما أنّه يلتزم باستحالة الترتّب حينئذ، و إلى هنا يشترك هذا الوجه مع سابقه، إلّا أنّه في هذا الوجه يقال: بأنّ عدم إمكان التقرب بالملاك باعتبار عدم الدليل على ثبوته، لأنّ الكاشف عنه هو الأمر، و المفروض سقوط الأمر الأول بالواجب بالمزاحمة، كما أنّ المفروض عدم إمكان الأمر الترتّبي. و عليه: فلا كاشف عن الملاك، و بذلك تقع العبادة باطلة.

449

هذا إذا كانت الحرمة معلومة.

و أمّا إذا لم تكن الحرمة معلومة: فلا تزاحم لأنّه فرع فعليّة الطرفين.

و عليه: فيبقى إطلاق الأمر على حاله، فتصح العبادة بهذا الأمر، إذن، فاختلاف هذا الوجه عن سابقه، إنما هو في تفسير عدم إمكان التقرب بالملاك.

و من هنا سلم هذا الوجه عن الإشكال الثالث الذي ورد على الوجه السابق، و يبقى الإشكالان، الأول و الثاني، واردين عليه.

- الوجه السادس، و هو: مبني على القول بجواز الاجتماع بالملاك الأول للقول بجواز الاجتماع، و هو أنّ الأمر متعلق بالطبيعي، و لا يسري إلى الحصص، و إنّ النّهي متعلق بالحصة، و لا يصعد إلى الجامع، و بناء على هذا صحّ الاجتماع، و حينئذ يقال: إنّ المجمع- على هذا المسلك- يكون مصداقا للواجب، و يقع صحيحا إذا أتى به على وجه عبادي. و هذا إنما يتم إذا لم تكن الحرمة واصلة، و أمّا إذا كانت الحرمة واصلة: فلا يمكن الإتيان به على وجه عبادي، لأنّه قبيح بحكم العقل. و هذا أحسن وجه تخرّج به فتوى المشهور بناء على هذا المسلك.

- الوجه السابع: و هو مبنيّ على القول بجواز الاجتماع بالملاك الثاني للجواز، و هو: إنّ مجرد تعدد العنوان يكفي لرفع غائلة الاجتماع.

و يبنى على أنّ المجمع هو واحد خارجا له عنوانان، و يبنى أيضا على أنّ المقربية و المبعديّة من شئون الوجود الخارجي لا العناوين. فبناء على جميع ذلك يقال: إذا كانت الحرمة واصلة، فلا يقع المجمع مقربا لقبحه، باعتبار أنّه موجود، واحد، و يشتمل على الحرام. و أمّا إذا لم تكن واصلة، فلا قبح فيه، فيكون حينئذ مقربا، و يقع صحيحا.

و فرق هذا الوجه عن سابقه: إنّه قد فرض في هذا الوجه، كون تعدد العنوان موجبا لجواز الاجتماع، لا لإمكان المقربيّة و المبعديّة في المجمع، و إلّا لما كان هناك فرق بينه، و بين سابقه.

450

- الوجه الثامن، و هو مبنيّ على القول بالامتناع، بلحاظ الملاك الأول للامتناع الذي يبني عليه الميرزا (قده)، و هو: إنّ إطلاق الواجب للحصة المحرمة، يتضمن و يستلزم الترخيص في تطبيق الأمر على الحصة المحرمة، و هي الصلاة في المغصوب، و هذا ينافي مع حرمة هذه الصلاة، حينئذ يقال إذا كانت الحرمة معلومة فيلزم هذا التنافي المذكور و عليه: فلا بدّ من خروج هذه الحصة المحرمة من تحت إطلاق الواجب، و حينئذ إذا أتى المكلف بها، لا تقع صحيحه.

و أمّا إذا كانت الحرمة غير معلومة: فلا ضرورة لخروج الحصة المحرمة من الصلاة من تحت إطلاق الواجب، لعدم المحذور في شموله لها، باعتبار عدم حرمة هذا الفرد من الصلاة للجهل بالحرمة حسب الفرض، فليس في المقام ما ينافي الترخيص في الأمر بالجامع على هذه الحصة المحرمة واقعا، و حينئذ، فإذا أتى المكلف بها تقع صحيحة.

إلّا أنّ هذا الوجه غير تام.

لأنّه إمّا أن يكون مقصودهم أنّ إطلاق الواجب هو بنفسه ترخيص في تطبيق هذا الأمر على كل حصة من حصصه، و إن كانت محرمة.

و إمّا أن يكون مقصودهم أنّ للإطلاق معنى غير الترخيص، لكن يستلزمه كما ذكر في الوجه المذكور.

فإن كان المقصود هو الأول: فلا يكون هذا الوجه تاما، لأنّ الترخيص الثابت في صورة الجهل بالحرمة، ترخيص ظاهري، و هو لا يتنافى مع الحرمة الواقعية، و لزوم الإعادة بعد الانكشاف. و عليه: فهو خارج عن محل كلامنا في الإطلاق الواقعي للواجب المستدعي للترخيص الواقعي الذي يتنافى مع الحرمة. و مثل هذا الترخيص لم يثبت عند الجهل بالحرمة. و عليه: فيبقى الإشكال على حاله.

و إن كان المقصود هو الثاني. و هو إنّ إطلاق الواجب يستلزم‏

451

الترخيص لا إنّه عينه، فحينئذ، إن كان مقصودهم أنّه يستلزم الترخيص العملي- بمعنى أنّه لو أقدم لكان معذورا، فيتم هذا الوجه، لأنّ هذا الترخيص موجود في المقام، لأنّ الترخيص الظاهري الثابت، حال الجهل بالحرمة، هو ترخيص عملي بهذا المعنى- و إن كان مقصودهم أنّه يستلزم الترخيص الواقعي، فحينئذ لا يتم هذا الوجه، لأنّ الترخيص الثابت حال الجهل، عمليّ، لا واقعي.

- الوجه التاسع: و هو مبني على القول بالامتناع بلحاظ الملاك الآخر للامتناع الذي بنى عليه صاحب الكفاية (قده) و من تبعه، و هو: إنّ الأمر المتعلق بصرف الوجود، ينافي النّهي عن بعض حصص هذا المتعلق، باعتبار سريان الأمر إلى حصصه. فبناء على هذا المسلك يمكن أن ترفع المنافاة بين الأمر و النّهي بأحد شكلين.

أ- الشكل الأول، هو: أنّ يقيّد دليل «صلّ» بعدم الغصب مطلقا، أي: سواء أ كان معلوما، أو مجهولا. و حينئذ فيحكم ببطلان الصلاة في المغصوب حتى مع الجهل بالغصب.

و عليه: فيبقى الإشكال على حاله بالنسبة لفتوى المشهور.

ب- الشكل الثاني، هو: أن يقيّد دليل «صلّ» بعدم الغصب المعلوم و معه تصح الصلاة في الغصب إذا كان غير معلوم.

و هذا الشكل يرفع المنافاة بين الأمر و النّهي، لأنّ شمول الأمر للحصة يكون مترتبا على الجهل بحرمتها، فيكون الأمر في طول الجهل بالنّهي، و بذلك يرتفع التضاد.

و هذا الشكل غير تام، و أوضح ما يقال في الإشكال عليه، ما تقدم سابقا في بحث الترتّب: من أنّ تعدّد الرتبة لا يكفي لرفع غائلة اجتماع الضدّين، لأنّ المحال هو اجتماع الضدّين، على موضوع واحد، في زمان واحد، سواء أ كانا في رتبتين، أو رتبة واحدة.

452

و بهذه يظهر أنّ هذا الوجه لا يرفع الإشكال عن فتوى المشهور.

- الوجه العاشر، لتخريج توجيه فتوى المشهور، و يوجد فيه ثلاثة افتراضات:

أ- الافتراض الأول، هو: أن يفرض قيام الدليل على ثبوت الملاك في المجمع، كما يرى صاحب الكفاية (1)، و المحقق العراقي‏ (2)، و الأصفهاني (قده) (3).

ب- الافتراض الثاني، هو: أن يفرض عدم قيام الدليل على وفاء المجمع بالملاك، و لا على عدم وفائه- و لا بدّ من ملاحظة هذه الافتراضات لنرى صحة فتوى المشهور و عدمها، على ضوئها.

أمّا بالنسبة للافتراض الأول: فيصح كلام المشهور، و في الحقيقة إنّ هذا الافتراض عبارة عن الوجه الثالث الذي نقلناه عن الكفاية.

و أمّا بالنسبة للافتراض الثاني: فأيضا يصح على ضوئه ما ذكره المشهور من التفصيل بين صورة العلم بالحرمة، و الجهل بها، حيث يقال حينئذ: إنّه في صورة فرض العلم بالحرمة، بناء على هذا الافتراض، تقع الصلاة باطلة، سواء أ كانت وافية بالملاك واقعا، أو غير وافية، و ذلك لأنّها مبغوضة للمولى، فلا يمكن التقرب بها.

و أمّا في صورة فرض عدم العلم بالحرمة، فتقع الصلاة صحيحة.

و الوجه في ذلك: إنّ الصلاة حينئذ صالحة للتقرب بها، فإذا أتى بها المكلف، ثم انكشف أنّها كانت في المغصوب المحرم، حينئذ يقع الكلام في وجوب الإعادة و عدمه.

____________

(1) كفاية الأصول- الخراساني: ج 1 ص 246- 247.

(2) مقالات الأصول- العراقي: ج 1 ص 130- 131.

(3) نهاية الدراية- الأصفهاني: ج 2 ص 96- 97.

453

و مرجع هذا الشك إلى دوران الأمر بين الأقل و الأكثر، باعتبار رجوع هذا الشك إلى أنّ الملاك هل هو قائم بالمقيّد، أي: بخصوص الصلاة التي تكون في المكان المباح، و هو الأكثر، أو إنّه قائم بمطلق الصلاة، و إن كانت في مغصوب لا يعلمه، و هو الأقل و في مثله تجري أصالة البراءة عن القيد الزائد، و معه يحكم بعدم وجوب الصلاة إذا وقعت في المكان المغصوب حال جهل المكلف بذلك، و بهذا تثبت صحة الصلاة حينئذ.

هذا إذا لاحظنا عالم الملاك.

و أمّا إذا لاحظنا عالم الخطاب: و هو قوله، «صلّ»، فكذلك مقتضى الأصل هو عدم وجوب الإعادة.

و ذلك لأنّ الصلاة في المغصوب، إن كانت وافية بالملاك واقعا، فيسقط الوجوب، و إن لم يكن مصداقا للواجب بناء على القول بالامتناع، و كل ما يسقط الوجوب يكون الوجوب حينئذ مقيدا بعدمه.

و أمّا إذا لم تكن وافية بالملاك، فلا تسقط الوجوب، و حينئذ فلا يكون عدم هذه الصلاة قيدا في الوجوب.

و هذا معناه: إنّ الشك يرجع إلى أنّ وجوب الصلاة هل هو مطلق، أو مقيد بعدم الصلاة في المغصوب. و مرجع هذا إلى الشك في أنّ وجوب الصلاة هل هو ثابت على كل تقدير، أي: حتى لو أتى بها في المغصوب، أو إنّه ثابت في حال مخصوص، و هو حال عدم الإتيان بها في المغصوب، فيدور الأمر بين وجوب الأقل و الأكثر، فتجري البراءة عن وجوب الأكثر، و هو وجوبها على كل تقدير. و مقتضى هذا الأصل هو صحة الصلاة حينئذ.

و أمّا بالنسبة للافتراض الثالث: فهو لا يتناسب مع فتوى المشهور، لأنّه قد فرض فيه قيام الدليل على عدم وفاء المجمع بالملاك، و معه، تقع الصلاة باطلة في صورة العلم بالحرمة، و الجهل بها.

إلّا أنّه بالإمكان نفي هذا الافتراض الثالث، و تعيين أحد الافتراضين‏

454

الأوّلين، و بذلك يكون هذا الوجه صحيحا في مقام تخريج فتوى المشهور.

و الوجه في نفي الافتراض الثالث هو: إنّ ما يتصوّر دليلا على نفي وفاء المجمع بالملاك، هو التمسك بإطلاق الهيئة في خطاب «صلّ»، فإنّ مقتضى هذا الإطلاق هو: إنّ وجوب «الصلاة» ثابت مطلقا، أي: حتى مع الإتيان بالصلاة في الدار المغصوبة.

و هذا معناه: إنّ من يصلي في المغصوب، يجب عليه إعادة الصلاة.

و بذلك يثبت عدم وفاء الصلاة في المكان المغصوب بالملاك.

و لكن التحقيق: إنّ التمسك بإطلاق الهيئة، لإثبات ما ذكر غير تام.

و ذلك لأنّنا لو لاحظنا خطاب «صلّ»، بقطع النظر عن خطاب «لا تغصب»، لكان الإطلاق في هيئة «صلّ» و مادته، سليما، و لا محذور فيه، فيكون الوجوب ثابتا على كل حال، و الواجب هو الصلاة على أيّ حال، أي: و لو كانت في المغصوب.

لكن المفروض أنّه لا بدّ من ملاحظة دليل «لا تغصب» الذي يقتضي حرمة الصلاة في المغصوب، بناء على الامتناع. و عليه: فبمقتضى دليل «لا تغصب» لا بدّ من التصرّف في دليل «صلّ» بحيث تخرج الصلاة في المغصوب عن كونها مصداقا للواجب، لاستحالة كون الصلاة مصداقا للواجب و الحرام في آن واحد، بناء على الامتناع، كما هو المفروض، و التصرف بدليل «صلّ» لأجل ما ذكر يكون بأحد وجهين:

أ- الوجه الأول، هو: أن نبقي الهيئة على إطلاقها، و نقيّد إطلاق مادة الواجب، فتكون النتيجة: إنّ الواجب هو خصوص ما كان في المكان المباح. و عليه: فلا تكون الصلاة في المغصوب مصداقا للواجب، و بذلك يحصل المقصود من التصرف.

ب- الوجه الثاني: هو: أن نقيّد إطلاق الهيئة في دليل «صلّ»، و نبقي‏