بحوث في علم الأصول - ج8

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
490 /
455

الاشتغال، و لهذا لا يشكّ في جريان أصالة الاشتغال بالاتفاق حتّى عند من ينكر حجيّة الاستصحاب كما عرفت، و عليه: فيبقى هذا النقض واردا على كلّ حال.

و الصحيح أن يقال في دفع هذا النقض: إنّ أصالة البراءة لا تجري هنا لقصور في دليلها، و ذلك لأنّ البراءة موضوعها الشكّ في التكليف، و هنا لا شكّ في التكليف لا حدوثا و لا بقاء، أمّا حدوثا فواضح لأنّنا نعلم بوجوب الظهر عند الزوال.

و أمّا بقاء: فلأنّه لا شكّ في بقاء الوجوب، و إنّما الشكّ في محركيته.

و توضيحه هو: انّ توهم كون الوجوب مشكوك البقاء مبني على تخيّل انّ الوجوب يسقط بالامتثال، أو العصيان، مع انّ هذا غير صحيح كما بيّناه في بحث الترتب من أنّ الامتثال و العصيان ليسا من مسقطات الوجوب بمبادئه و إنّما مسقطية الامتثال أو العصيان للوجوب بمبادئه لا يكون إلّا بأن يؤخذ عدم الامتثال و عدم العصيان في موضوع الوجوب كي يسقط بأحدهما، مع أنّه لم يؤخذ في موضوع الوجوب، لا عدم الامتثال، و لا عدم العصيان، و إنّما الامتثال يسقط فاعلية الوجوب، لا نفس الوجوب، إذن، ففي حالة عدم الامتثال، الوجوب باق، و إنّما تسقط محركيته، لأنّها تكون تحصيلا للحاصل حينئذ، و الوجدان يشهد بذلك، و يتضح ذلك بقياس الإرادة التشريعيّة، بالإرادة التكوينيّة، فإنّ الإرادة التشريعيّة بمعنى الحب و الّذي هو روح الوجوب، على وزان الإرادة التكوينيّة بهذا المعنى و من الواضح أنّ وقوع المحبوب خارجا لا يخرجه عن كونه محبوبا و مرغوبا، غايته أنّ الحب يفقد محركيته و فاعليته في حال وجود المحبوب، لأنّ محركيته حينئذ تكون تحصيلا للحاصل، و وزان عالم الوجوب، وزان مبادئه، إذ الوجوب بحسب الدقة لا يسقط

456

نفسه بالامتثال، و إنّما الّذي يسقط بالامتثال هو محركية الوجوب، و فاعليته، و عليه فكما أنّه لا شكّ في حدوث الوجوب في المقام، كذلك لا شكّ في بقائه، و معه لا يبقى موضوع لأصالة البراءة، لأنّ البراءة موضوعها التكليف المشكوك، و هنا من حيث كونه حكم اللّه فهو معلوم و إنّما يشكّ في أنّه حقّق ذلك أم لا و هذا مورد حينئذ لأصالة الاشتغال لأنّ الشكّ في محركية الوجوب.

و بهذا يتضح انّ الصحيح في المقام هو أنّ العلم الإجمالي ليس علّة تامة لوجوب الموافقة القطعية، و إنّما هو مقتضي لذلك كما هو مختار الميرزا (قده)، و معه، فإذا جرت الأصول في بعض الأطراف بلا معارض فلا مانع من ذلك.

و تظهر الثمرة العملية بين القول بالاقتضاء، و القول بالعليّة، فيما إذا كان أحد طرفي العلم الإجمالي موردا لأصل مؤمّن كأصالة البراءة، و لم يكن أصل مؤمّن صالح لمعارضتها في الطرف الآخر، و لا أصل مثبت للتكليف في ذلك الطرف الآخر، فإنّه في مثل هذه الحالة إذا قلنا بالاقتضاء تجري أصالة البراءة في هذا الطرف بلا معارض، و لا يلزم الترخيص في المخالفة القطعية، بينما لا تجري أصالة البراءة بناء على القول بالعليّة، و أمّا إذا وجد في الطرف الآخر أصل مؤمّن صالح لمعارضة البراءة فلا ثمرة عملية كما هو واضح لعدم جريان الأصول على كلا القولين، أمّا على القول بالعليّة، فلا يجري كلا الأصلين كما هو واضح، و أمّا على القول بالاقتضاء فلتعارض الأصول و تساقطها.

كما أنّه لا تظهر ثمرة فيما إذا كان هناك أصل مثبت للتكليف في الطرف الآخر، لأنّ أصالة البراءة تجري حينئذ في الطرف الأوّل على كلا القولين، أمّا على القول بالاقتضاء فواضح، و أمّا على القول بالعليّة فلانحلال العلم الإجمالي بذلك الأصل المثبت، و بعد الانحلال يسقط

457

عن العليّة لأنّ عليته فرع عدم انحلاله، و معه لا يبقى أيّ مانع من جريان البراءة في الطرف الأوّل، و تحقيق ذلك، و تحقيق جهاته يأتي في مباحث الأصول العملية إن شاء اللّه تعالى.

458

إجزاء العلم الإجمالي بالامتثال و عدمه‏

بعد أن فرغنا بمنجزية العلم الإجمالي، يقع الكلام في مسقطية الامتثال الإجمالي الراجع إلى العلم الإجمال بالامتثال، بمعنى أنّ هذا الامتثال الإجمالي هل يكون مجزيا في مقام الخروج عن العهدة أو لا؟

و من الواضح انّ هذا النزاع لا يجرى في التوصليّات، إذ لا إشكال في كفايته فيها، لأنّ المطلوب فيها صرف إيجاد الفعل كيفما اتفق، كما أنّه لا إشكال في كفاية الامتثال الإجمالي فيما إذا تعذّر الامتثال التفصيلي، و إنّما وقع الكلام في كفاية الامتثال الإجمالي في خصوص التعبّديّات فيما إذا كان الامتثال التفصيلي ممكنا، و أنّه في هذه الحالة، هل انّ الإجمالي يقع في عرض التفصيلي، أو أنّه يترتب عليه أو لا؟.

[مسالك وجوب تقديم الامتثال التفصيلى على الاجمالى‏]

و قد ذهب جملة من الفقهاء الأصوليّين إلى عدم كفايته، لأنّ الامتثال التفصيلي متقدّم رتبة، فمتى أمكن الامتثال التفصيلي لا يجوز الاقتصار على الامتثال الإجمالي، و هذا القول في وجوب تقديم الامتثال التفصيلي يبتني على أحد ثلاثة مسالك.

1- المسلك الأول: هو أن يبنى على انّ هذه التفصيليّة واجبة، باعتبار توقف أمر مفروغ عن وجوبه عليها

، فمثلا في باب العبادات قد فرغ عن وجوب قصد القربة، و حينئذ قد يدّعى انّ هذا العنوان المفروغ عن وجوبه، لا يحصل بدون الامتثال التفصيلي.

459

و هذا المسلك لا يدّعي وجوبا زائدا، بل يدّعي انّ ما هو مفروغ عن وجوبه، لا يحصل إلّا بالامتثال التفصيلي.

2- المسلك الثاني: هو أن يدّعى انّ عنوان التفصيلية في مقام الامتثال، متعلّق للوجوب الشرعي، فهو دخيل في غرض الشارع، فهو إمّا خطابي أو غرضي‏

، و لأجل ذلك يوجبه إمّا يجعله متعلّقا للأمر إذا أمكن ذلك، و إمّا روحا فقط إذا لم يمكن أخذها في متعلّق الأمر، و إمّا روحا و خطابا إذا أمكن أخذها كما هو مذكور و محقّق في باب التعبّدي و التوصلي من إمكان أخذ قصد القربة و أمثاله قيدا في متعلّق الأمر و عدم إمكانه.

و هذا المسلك مرجعه إلى دعوى وجود شرط شرعي جديد زائد على أصل الفعل، اسمه التفصيلية، إذن، فمرجعه إلى مسألة فقهية.

3- المسلك الثالث: هو أن يدّعى الوجوب، فيقال: بأنّ التفصيلية في الامتثال، بنفسها ممّا يحكم العقل بوجوبها

، إمّا لاقتضاء نفس التكليف لذلك، و إمّا لسبب آخر كما ستعرف بيانه.

[وجوه إثبات عدم كفاية الامتثال الإجمالي عند التمكن من التفصيلي‏]

و الوجوه المذكورة في الكتب في مقام إثبات عدم كفاية الامتثال الإجمالي عند التمكن من التفصيلي ترجع إلى أحد هذه المسالك، فبعضها يرجع إلى الأوّل، و بعضها الآخر إلى الثّاني، و بعضها الآخر إلى الثالث كما سنستعرضها.

1- الوجه الأول: هو ما ذكره الميرزا (قده) (1)، و هو مركب من جزءين، أوّلهما ينطبق على المسلك، بينما الجزء الثاني يناقضه‏

، و ما ذكره أولا، هو أنّه يجب الإتيان بالعبادة بعنوان حسن عقلا، لأنّ هذا

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي، ج 2، ص 25- 26- 27.

460

هو معنى العبودية و العبادية، فيقع الفعل موصوفا بالحسن عقلا، حينئذ يقال: بأنّ العقل لا يحكم بحسن الامتثال الإجمالي مع التمكن من الامتثال التفصيلي، و إنّما يحكم بحسن الامتثال الإجمالي في فرض تعذّر الامتثال التفصيلي و قد اكتفى المحقّق الكاظمي (قده)، بحلاوة توضيحه لأجل البيان و لكن بدون برهان.

و هذا الكلام ينطبق على المسلك الأول، لأنّ مرجعه إلى أنّ وجوب الامتثال التفصيلي إنّما هو باعتبار توقف أمر قد فرغ عن وجوبه عليه، و هو الإتيان بالفعل على وجه حسن عقلا، دون أن يقيم الميرزا (قده) دليلا على هذه الدعوى في فوائده و إنّما اكتفى بكون التفصيلية واجبة لدخلها في تحصيل الحسن العقلي الّذي هو واجب بنفسه في العبادات.

بخلاف أجود التقريرات‏ (1) حيث حاول إقامة صورة برهان عليها، فذكر انّ الامتثال الإجمالي متأخر رتبة عن الامتثال التفصيلي باعتبار أن الامتثال الإجمالي انبعاث عن احتمال الأمر، بينما الامتثال التفصيلي انبعاث عن شخص الأمر مباشرة، و الانبعاث عن احتمال الأمر متأخر رتبة عن الانبعاث عن شخص الأمر، و كأنّه يريد أن يقول بأنّه لمّا كان احتمال الأمر متأخر رتبة عن نفس الأمر كذلك يكون الانبعاث عن احتماله لا بدّ و أن يكون متأخرا رتبة عن الانبعاث عن نفسه و شخصه.

إلّا أنّ هذا الوجه غير تام، و يرد عليه: إنّنا لا نرى طولية بين الامتثال الإجمالي، و الامتثال التفصيلي بلحاظ حكم العقل بالحسن، لأنّ حكم العقل بالحسن هنا ليس بملاك مرموز غيبي، و إنّما هو بملاك مفهوم، و هو تعظيم المولى و الانقياد له، و هذه النكتة و الملاك ليس‏

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي، ج 2، ص 44- 45.

461

تواجدها في الامتثال التفصيلي بأشدّ و أبرز من تواجدها في الامتثال الإجمالي، كما يشهد عليه الوجدان.

و أمّا ما ذكره في أجود التقريرات كبرهان لتلك الدعوى فيرد عليه:

أولا: إنّ كلا الامتثالين، التفصيلي و الإجمالي ليسا منبعثين عن شخص الأمر، لأنّ شخص الأمر بوجوده الواقعي التشريعي النّفس الأمري لا يكون محركا، و إنّما يكون محركا بوصوله للمكلّف، و لهذا لو بقي الأمر في لوح التشريع، و المكلّف غافل عنه، لما حركه بوجه من الوجوه، و إنّما يكون محركا بوصوله، و هذا الوصول على نحوين، وصول احتمالي، و وصول تفصيلي، فالامتثال الإجمالي انبعاث عن احتمال الأمر، و الامتثال التفصيلي انبعاث عن العلم بالأمر، و كلاهما انبعاث عن حالة وجدانية متعلّقة بالأمر، لا أنّ أحدهما انبعاث عن شخص الأمر، و الآخر انبعاث عن احتمال الأمر ليتمّ ما ذكره، و معه تكون صورة البرهان غير تامة، لأنّ الأمر ليس منشئا للانبعاث، و إنّما يكون منشئا بتوسط أحد الأمرين، و كلاهما بمرتبة واحدة، إذن فلا موجب لتقدّم أحد الانبعاثين على الآخر فضلا عن عدم كون التقدّم بالتفصيلية و التأخر بالاحتمالية، بمعنى أنّ الاحتمال و التفصيل ليس مرجحا لأحدهما على الآخر، بل هو تقدّم و تأخر رتبي في عالم التكوين، هذا مضافا إلى إنّ كون احتمال الأمر في طول الأمر لا يلزم منه كون الانبعاث عن احتمال الأمر في طول الانبعاث عن شخص الأمر، و هذا إشكال ثاني.

و يرد عليه و ثانيا: أنّه لو سلّمنا انّ الامتثال الإجمالي انبعاث عن احتمال الأمر، و الامتثال التفصيلي انبعاث عن شخص الأمر، لكن لم يعرف السبب بعد، و كيف صار هذا الانبعاث من مصدريه موجبا لتقديم الامتثال التفصيلي على الامتثال الإجمالي، لأنّ المطلوب في باب‏

462

العبادة هو انتساب العبادة إلى المولى، و هذا المعنى محفوظ فيهما معا، سواء تعدّدت الوسائط أو اتحدت، و كون احتمال الأمر في طول الأمر تكوينا، لو سلّم فهو تأخر و تقدّم رتبي في عالم التكوين لا دخل له ليكون نكتة في وجوب تأخر الامتثال الإجمالي في عالم التشريع عن الامتثال التفصيلي بحيث أنّ العقل العملي لا يرى حسن هذا إلّا إذا تعذّر ذاك.

ثمّ انّ الميرزا (قده) (1) ذكر في الجزء الثاني من كلامه، أنّه لو أبيت عن التصديق بما ذكرناه أولا، فلا أقل من حصول الشكّ في حصول الحسن العقلي في الامتثال الإجمالي في ظرف التمكن من الامتثال التفصيلي، إذ حينئذ يكون المقام من دوران الأمر بين التعيين و التخيير، لأنّه يدور بين وجوب الامتثال التفصيلي تعيينا، أو التخيير بينه و بين الامتثال الإجمالي، و في هذه الموارد تجري أصالة الاشتغال، فيتعيّن الامتثال التفصيلي.

و هذا الجزء من كلامه غير تام، و يرد عليه.

أولا: بأنّ هذا الجزء الثاني من كلامه (قده) لا يتناسب مع الجزء الأوّل من كلامه، حيث أنّ الجزء الأول يناسب إرجاع الشكّ إلى الشكّ في المحصل، لا إلى دوران الأمر بين التعيين و التخيير الراجع إلى الشكّ في أصل جعل الشارع و كيفيته و الّذي هو مجرى للبراءة كما ستعرف، و الوجه في ذلك هو أنّ ما ذكره في كلامه الأول قد خرجناه على أساس المسلك الأول، و هو أنّه العبادة يجب فيها تحصيل عنوان حسن عقلا، و هو يتوقف على التفصيلية في الامتثال، و عند عدم تحصيل هذا العنوان كما لو فرض أنّ أصل الواجب لا إشكال فيه و لكن يشكّ في المحصل‏

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي، ج 3، ص 72- 73.

463

لهذا العنوان، فإنّه حينئذ يكون الشكّ في المحصل، حينئذ لا إشكال في جريان أصالة الاشتغال فكان المناسب مع الجزء الأول من كلامه أن يدّعي أنّ الشكّ هنا هو شكّ في المحصل، و تجري في مثله أصالة الاشتغال، لا انّ الشكّ راجع إلى الدوران بين التعيين و التخيير، فإنّه لا يناسب كلامه الأول.

و ثانيا: هو أنّه لو فصلنا الجزء الثاني من كلامه عن الجزء الأول منه، و تعاملنا مع الجزء الثاني وحده على أساس أنّ الشكّ في أصل جعل الشارع، و انّ الشكّ هنا يرجع إلى الدوران بين التعيين و التخيير، فإنّه هنا أيضا لا يتمّ ما ذكره، لأنّه بناء عليه يرجع الشكّ إلى الشكّ في أصل جعل الشارع لوجوب التفصيليّة في الامتثال و عدمه، فيرجع إلى الشكّ في وجوب شرط زائد على شرطية قصد القربة في العبادة، و في مثله لا إشكال في جريان أصالة البراءة.

و بعبارة أخرى: هي أنّه إن أرجعنا وجوب التفصيليّة إلى توقف الطاعة العقلية عليه، كان الشكّ حينئذ في التفصيلية شكّا في المحصل، و لكن إذا تنزلنا و قلنا أنّه يدّعى وجوب مستقل للتفصيلية، فإنّه حينئذ، يكون الشكّ في شرط زائد، و في مثله لا إشكال في جريان البراءة.

و ثالثا: هو أنّه لو سلّمنا أنّ المقام من موارد دوران الأمر بين التعيين و التخيير، فأيضا تجري البراءة عن التعيين، لأنّه إذا فرض أنّه لم نفرغ عن عنوان واجب و نشكّ في حصوله بالامتثال الإجمالي، لكن نحتمل ابتداء أن تكون التفصيليّة في المقام أمرا معتبرا، حينئذ يكون هذا الشكّ شكّا في الشرط الزائد، لأنّ التفصيليّة في الامتثال أمر زائد على قصد القربة، و حينئذ يكون هذا من موارد الشك في الشرطية، فتجري البراءة عنها، سواء قلنا بالبراءة في موارد دوران الأمر بين التعيين و التخيير، أو قلنا بالاشتغال.

464

و الحاصل أنّه لو سلّم انّ المقام من موارد التعيين و التخيير، فهنا أيضا نقول بجريان البراءة.

إلّا أنّ ظاهر الميرزا (قده) في أجود التقريرات، كأنّه يريد أن يبين بيانا آخر، غير ما ذكره في الفوائد، و لذلك فهو لم يعبّر بأنّ المقام من دوران الأمر بين التعيين و التخيير، بل ذكر أنّ التفصيلية في مقام الامتثال شي‏ء يحتمل اعتباره في الطاعة الّتي يحكم العقل باعتبارها فالشك هنا ليس على حدّ الشك في الطهارة في الصّلاة على الميت، لأنّ هذا شك في اعتبار الطهارة في الواجب الشرعي، و في مثله لا تجري البراءة عن اعتبار التفصيلية، و أمّا في المقام، فالشك ليس في اعتبار التفصيلية في الواجب الشرعي، و إنّما الشك في اعتبار التفصيلية في الطاعة اللازمة و الّتي مرجعها حكم العقل، و من الواضح أنّ أدلة البراءة غير ناظرة لما يحتمل اعتباره عقلا في الطاعة، بل هي ناظرة إلى ما يحتمل اعتباره في الواجب شرعا، ثمّ يقول (قده)، و ليس معنى هذا انّ الشارع لا يمكنه التصرف في باب الطاعة فيما يعتبر فيها عقلا، بل يمكنه ذلك كما في الرياء، فإنّ الشارع اعتبر الخلوص في الطاعة، فالشارع يمكنه التوسيع و التضييق، إلّا هذا التصرف يحتاج إلى دليل يثبته و لا دليل في المقام حيث أنّ دليل البراءة غير ناظر إلى ذلك كما عرفت، بل هو ناظر إلى ما يحتمل اعتباره في الواجب شرعا.

و هذا الكلام منه (قده) أقرب ما يكون إلى الجزء الأول من كلامه لأنّه يمكن تخريجه على أساس كون الشك شكّا في المحصل، و حينئذ لا يرد عليه الإشكال الأول الّذي أورد على ما ذكر في الفوائد من أنّ المقام من موارد دوران الأمر بين التعيين و التخيير، إلّا أنّه مع ذلك لا يتمّ هذا الكلام.

لأنّه إن أريد التفصيلية في الامتثال ممّا يحتمل اعتبارها في‏

465

الطاعة، يعني أنّ عنوان الطاعة لا يتحقّق بدونها، فهذا معناه انّ الشك فيها يكون شكّا في المحصل، و في مثله لا إشكال في جريان البراءة سواء كان ذلك الواجب الّذي احتمل دخالة التفصيلية فيه شرعيا أو عقليا، و حينئذ لا معنى لما ذكره من أنّ البراءة في المقام لا تجري باعتبار انّ الشك إنّما هو فيما يحتمل اعتباره عقلا لا شرعا، بينما دليل البراءة غير ناظر للواجبات العقلية و إنّما هو ناظر إلى الواجبات الشرعية، فضم مثل هذا الكلام لا موضوع له في المقام لما عرفت من أنّ الشك في المحصل مجرى لقاعدة الاشتغال حيث لا يفرق الحال فيما تتحقّق به الطاعة بين أن يكون ممّا يعتبر عقلا أو شرعا في الطاعة.

و إن كان المراد من كون التفصيلية في الامتثال ممّا يعتبر في الطاعة، بمعنى انّ العقل يحكم بوجوب التفصيلية مستقلا و أنّها قيد زائد على الطاعة، ففيه أنّه لا موجب للالتزام بلزوم ذلك في خصوص العبادات، لأنّ عبادية العبادة قد تثبت بالإجماع في أغلب الأدلة أو بما يكون مفاده مفاد الإجماع، و القدر المتيقن من الإجماع هو أن يصدق على العمل عنوان الطاعة، و أمّا ما زاد عن ذلك- كعنوان التفصيلية في مقام الامتثال- لم يثبت اعتباره.

و لعلّ مقصود الميرزا (قده) من كلامه كما ستعرف، من أنّ عنوان التفصيلية، كقصد القربة أو أي جزء أو شرط ممّا لا يمكن أخذه قيدا في متعلق الأمر للزوم الدور، فإذا شكّ في اعتباره، فتجري فيه قاعدة الاشتغال كما تجري في قصد القربة و سنتعرض لذلك فيما يأتي إن شاء اللّه تعالى.

ثمّ انّه لو تمّ ما ذكره الميرزا (قده) من انّ الانبعاث عن احتمال الأمر في طول الانبعاث عن شخص الأمر، أو عن الأمر المعلوم المتأخر عنه رتبة، لو تمّ هذا، فإنّه يقال: إنّ هذا إنّما يفيد في إبطال‏

466

عرضية الامتثال الاحتمالي للامتثال التفصيلي، و لا يبطل عرضية الامتثال الإجمالي للامتثال التفصيلي.

إذ تارة يكون الامتثال احتماليا بلا علم، لا تفصيلي و لا إجمالي كما لو شكّ في وجوب الدّعاء عند رؤية الهلال، و بدل أن يفحص المكلّف عن الحكم أتى بالدّعاء لاحتماله وجوبه، حينئذ يكون انبعاثه انبعاثا عن احتمال التكليف، و في مثله يتم كلام الميرزا (قده)، فإنّ الانبعاث عن احتمال الأمر كان في طول الانبعاث عن شخص الأمر أو الأمر المعلوم، إذ كان الواجب في مقام الاحتمال هذا الفحص عن دليل الوجوب، فإذا لم يعثر على دليله، يمكنه حينئذ الإتيان بالفعل لاحتمال وجوبه، و تارة أخرى يكون الامتثال إجماليا لأنّ المورد من موارد العلم الإجمالي، كما في محل الكلام، حيث يعمل إجمالا بوجوب أحد الفعلين، فيأتي بهما معا، كما لو علم إجمالا بوجوب الظهر، أو الجمعة من يوم الجمعة، فأتى بهما دون أن يفحص، فهنا يكون الانبعاث انبعاثا عن العلم الإجمالي بالأمر و ليس انبعاثا عن احتمال الأمر، غايته أنّه انبعاث عن معلوم بالإجمالي لا بالتفصيلي، و حينئذ في مثله لا يتم كلام الميرزا (قده)، إلّا إذا ضمّ إليه كلام آخر، و هو أنّ التحرك عن نفس الأمر المعلوم بالتفصيل مباشرة مقدّم على التحرك عن احتمال الأمر المعلوم بالإجمال، حينئذ لا يرد عليه هذا الإيراد.

و توضيح الحال في هذا الإيراد على الميرزا (قده) هو أنّه في موارد العلم الإجمالي، الأمر و إن كان معلوما، إلّا انّ هذا الأمر المعلوم و لو حدوثا- بما هو معلوم لا يكفي في أن يكون محركا نحو أحد الطرفين، و إنّما محركيته نحو أحد الطرفين تكون بعد ضمّ احتمال انطباق المعلوم الإجمالي عليه، و حينئذ يجعل هذا حالة ثالثة وسطا بين الحالتين بحسب تصورات الميرزا (قده)، إذ تارة يكون التحرك عن شخص الأمر المعلوم‏

467

مباشرة، و هذا يكون في موارد العلم التفصيلي، و تارة أخرى يكون المتحرك عن احتمال الأمر بلا توسيط أيّ علم كما هو الحال في موارد الشّبهات البدوية، كما في مثال الشك في وجوب الدّعاء عند رؤية الهلال، و ثالثة يكون الأمر ممزوجا بكلا الأمرين، بأن يكون التحرك عن احتمال انطباق الأمر المعلوم على هذا الطرف.

و هذا القسم الوسط لا إشكال فيه، لأنّه في موارد العلم الإجمالي لا يكفي نفس العلم للتحريك نحو أحد الطرفين إلّا إذا ضمّ إليه احتمال انطباق المعلوم بالإجمال عليه، و حينئذ، ففي مثله يكون التحرك نحو الطرف ناشئا عن احتمال انطباق الأمر المعلوم بالإجمال على هذا الطرف.

و حينئذ، قد يقال هنا: إنّ وجدان الميرزا أو دليله الّذي أقامه على أنّ الانبعاث عن احتمال الأمر في طول الانبعاث عن شخص الأمر أو الأمر المعلوم، يجري هنا أيضا، فإنّ الوجدان أو البرهان القائم في أصل المدّعى، و هو كون احتمال الأمر في طول الأمر يساعد على ذلك و يجري في محل الكلام، حيث يقال: إنّ الانبعاث عن احتمال الأمر المعلوم في طول الانبعاث عن نفس الأمر المعلوم مباشرة، لأنّ احتمال الأمر المعلوم في طول الأمر المعلوم، و حينئذ يكون ما أورد على الميرزا (قده) غير تام من هذه الناحية.

هذا حاصل الكلام في الوجه الأول ممّا استدلّ به على عدم كفاية الامتثال الإجمالي مع التمكن من الامتثال التفصيلي.

2- الوجه الثاني: هو أن يدعى انّ عنوان التفصيلية في مقام الامتثال واجب شرعي بنفسه و عنوانه إمّا خطابا، أو ملاكا

بناء على عدم إمكان أخذه في متعلق الأمر، و هذا الوجه ينطبق على المسلك الثاني كما هو واضح.

468

و هذا الوجه قد يستدلّ عليه تارة بالإجماع، و الاستدلال بالإجماع حينئذ يتناسب مع هذا المسلك، حيث أنّ الوجوب المدّعى شرعي، و في مثله- إذا تمّ الإجماع- يكون حجّة عليه تعبّدا فيثبت به حكم شرعي، نعم لو كان احتمال اعتبار التفصيلية باعتبار توقف الطاعة عليها عقلا كما هو حال الوجه الأول، لما أمكن الاستدلال عليه بالإجماع، لأنّ مثل هذا المدّعى يكون مسألة عقلية، و الإجماع غير حجّة فيها، و الحاصل هو أنّه قد يستدلّ بالإجماع على هذا المدّعى.

إلّا أنّ هذا الاستدلال غير تام، لأنّه لا يمكن تحصيل مثل هذا الإجماع في مثل هذه المسألة الّتي لم يتعرّض لها أكثر الفقهاء القدماء، خصوصا و أنّ أكثر القائلين لا يرون الوجوب الشرعي فيها كالميرزا (قده)، بل يرون الوجوب بما هم عقلاء باعتبار الوجه الأول، و هو توقف أمر واجب عقلا عليه، إذن فالاستدلال بالإجماع ساقط.

و قد يستدلّ على هذا الوجه تارة أخرى بدليل آخر، فيقال، انّه لو تنزلنا عن الإجماع، نقول: انّه لا أقل من أنّ فتوى جملة من العلماء بوجوب التفصيلية في الامتثال توجب احتمال اعتبارها شرعا، و حينئذ يمكن ترتيب صغرى و كبرى يترتب عليها وجوب عنوان التفصيلية.

أمّا الصغرى فهي، انّ التفصيلية في الامتثال لا يمكن أخذها قيدا في متعلق الأمر، لأنّ مرجعها إلى تحصيص الانبعاث و قصد القربة بحصة خاصة من القربة، و هي القربة الناشئة عن العلم بالأمر و حيث ان أخذ قصد القربة في متعلق الأمر غير معقول، فكذلك أخذ حصة خاصة منه في متعلّق الأمر غير معقول، و بهذا يثبت ان التفصيلية لا يعقل أخذها في متعلّق الأمر.

و أمّا الكبرى، فهي انّ كل القيود الّتي لا يعقل أخذها في متعلّق‏

469

الأمر، إذا شك في اعتبارها و دخلها في غرض الشارع، مثل هذه القيود لا يمكن نفيها، بالإطلاق و لا بالبراءة.

أمّا عدم إمكان نفيها بالإطلاق، فلما عرفت من أنّه فرع التقييد، و قد عرفت انّ التقييد مستحيل فالإطلاق مثله، بل يكون من باب السالبة بانتفاء موضوعها.

و أمّا عدم إمكان إجراء البراءة، فلأنّ دليلها ناظر إلى القيود الشرعية المنظورة من قبل الشارع لا إلى ما حكم العقل بوجوبه، إذن فهذه القيود غير شرعية، لأنّها لا تؤخذ في متعلق الخطاب الشرعي، إذن فلا تجري البراءة فيها.

و حينئذ، فإذا تمّت الصغرى و الكبرى، أنتجت انّ عنوان التفصيلية الّذي هو مشكوك الاعتبار، لا يمكن نفي اعتباره لا بأصل لفظي، و لا بأصل عملي، و معه يتعيّن مراعاته مهما أمكن، و لعلّ هذا هو مقصود الميرزا (قده) عند ما ادّعى انّ المورد من موارد أصالة الاشتغال، لا البراءة لما ذكرنا.

و خلاصة هذا الوجه، هو انّ التفصيلية في الامتثال هي من القيود الّتي لا يمكن أخذها في متعلق الأمر، و إنّما وجوبها على فرض اعتبارها إنّما هو بحكم العقل، و حينئذ، نفي اعتبارها غير ممكن، لا بالإطلاق اللفظي، و لا بالأصل العملي، فتجري فيها حينئذ أصالة الاشتغال كما عرفت.

و هذا الكلام غير تام، لا بلحاظ الإطلاق، و لا بلحاظ الأصل العملي.

أمّا كونه غير تام بلحاظ الإطلاق، فلأنّه يرد عليه إيرادان.

الإيراد الأول: هو منع الصغرى، بمعنى أنّنا لا نسلّم انّ التفصيلية

470

لا يمكن أخذها قيدا في متعلق الأمر، أمّا بناء على مسلك من يقول بإمكان أخذ قصد القربة قيدا في متعلق الأمر، فالمطلب واضح.

و أمّا بناء على مسلك من يحيل أخذ قصد القربة قيدا في متعلق الأمر، فنقول: إنّ هذه الاستحالة لا تعني استحالة أخذ التفصيلية قيدا فيه، و الوجه في ذلك هو، انّ الامتثال التفصيلي يقابله الامتثال الإجمالي، و الامتثال الإجمالي ينحل إلى أمرين، أحدهما، قصد القربة، و الثاني، هو اقتران العمل عند امتثاله بالعلم الإجمالي و الشك في وجوبه حين الإتيان به، بينما الامتثال التفصيلي ينحل إلى أمرين أيضا، أحدهما قصد القربة، و الثاني هو أن يكون الفعل حين الإتيان به معلوم الوجوب، إذن، فقصد القربة هو الجزء المشترك بين الامتثال الإجمالي و التفصيلي، فما به امتياز الإجمالي هو الإجمال، و ما به امتياز التفصيلي هو عدم الإجمال، و حينئذ لا محذور في أن يؤخذ في متعلق الأمر، عدم الشك في وجوب الفعل حين الإتيان به، فيقال مثلا: ائت بهذا الفعل مقيدا بأن لا يكون مشكوك الوجوب حين الإتيان به، فيؤخذ الشك مانعا، و عدمه قيدا و نتيجة ذلك أخذ التفصيلية شرطا في الامتثال و لا محذور في ذلك أصلا حينئذ ممّا كان يرد على أخذ قصد القربة قيدا في متعلق الأمر، و حينئذ، لأنّه إذا أمكن التقييد بهذا، أمكن التمسك بالإطلاق لنفيه و عدم اعتباره عند الشك.

2- الإيراد الثاني: و هو ما أشير إليه في الكفاية (1)، في بحث التعبّدي و التوصلي، من أنّه إذا سلّمنا الصغرى و قلنا باستحالة التقييد، فغاية ما يقتضيه ذلك هو تعذّر الإطلاق اللفظي، و أمّا الإطلاق المقامي فيبقى ممكنا، لأنّ الشارع بصدد بيان ما له دخل في غرضه، و الحال أنّه‏

____________

(1) كفاية الأصول: الخراساني، ج 1، ص 112.

471

لم يذكر هذا الدخيل، و هذا يوجب مع عدم ذكر القيد انعقاد إطلاق مقامي في المقام، و إطلاق في الرّوايات الّتي هي بصدد بيان تمام كل ما له دخل في غرضه بالنسبة إلى كل قيد يشكّ في دخالته، و حينئذ، يمكن أن ينفى مثل هذا القيد بهذا الإطلاق.

و أمّا كونه غير تام بلحاظ الأصل العملي فلأنّه يرد عليه ثلاثة إيرادات.

1- الإيراد الأول: هو أنّنا نمنع الصغرى الّتي بني عليها استدلال عدم أخذ التفصيلية قيدا في متعلق الأمر، و ذلك لما عرفت من إمكان أخذ عدم الشك قيدا في متعلق الأمر في مورد العلم الإجمالي، و حينئذ، لا يرد محذور أخذ قصد القربة قيدا في متعلق الأمر.

2- الإيراد الثاني: هو أنّه لو سلّمنا الصغرى، و انّ هذا لا يعقل أخذه قيدا في متعلق الأمر.

إلّا أنّه هنا مغالطة، و هي انّ هذا واجب، بحكم العقل، و دليل أصل البراءة غير ناظر لذلك.

لكن مع ذلك، فنحن نمنع ما جاء في الكبرى، من عدم إمكان نفي التفصيلية بالبراءة، باعتبار أنّ وجوبها عقلي، لا شرعي.

و الوجه في هذا المنع هو، أنّ وجوبها شرعي، لأنّ غاية ما يحكم به العقل هو وجوب استيفاء غرض المولى، و أمّا ما هو الدخيل في غرضه، فهذا من وظيفة المولى إذ هو الّذي يلزم به، غاية الأمر، انّ هذا الإلزام تارة يكون غرضيا فقط، بحيث لا يمكن أخذه قيدا في متعلق الأمر، و أخرى يكون خطابيا فيما إذا أمكن أخذه قيدا في متعلق الأمر، إذن، فالإلزام شرعي على كلّ حال، فإذا ثبت أنّ وجوب التفصيلية شرعي، فلا مانع حينئذ من إجراء البراءة عنها عند الشك في اعتبارها.

472

نعم، في طول إلزام الشارع بها، يحكم العقل بلزومها من باب وجوب الطاعة و الامتثال، و الحاصل انّ وجوب هذه الخصوصية شرعي، و حينئذ لا يفرق الحال في جريان البراءة، بين أن يكون التحميل خطابيا، أو غرضيا بعد ان كانت هذه الكلفة من قبل الشارع، و حينئذ يشملها دليل البراءة.

3- الإيراد الثالث: هو أنّه لو سلّمنا دعوى انصراف أدلة البراءة الشرعية إلى خصوص ما كان بيانه بالخطاب، و قلنا انّ التفصيلية لا يعقل أخذها في متعلق الخطاب، فحينئذ لا يمكن إجراء البراءة الشرعية.

إلّا أنّه لا مانع في المقام من إجراء قاعدة قبح العقاب بلا بيان بناء على مسلكهم لأنّ هذه الكلفة من قبل الشارع لا العقل، إذن فوجوبها شرعي، و حينئذ يقبح من الشارع العقاب عليها بلا بيان هذه الكلفة، و لو بجملة خبرية إن لم يتمكن من بيانها بجملة إنشائية.

و بهذا تعرف انّ هذا الوجه غير تام.

3- الوجه الثالث: هو دعوى انّ العقل يحكم بعدم جواز الامتثال الإجمالي، بقطع النظر عن كون التفصيلية في نفسها دخيلة في غرض الشارع‏

، و من الواضح انّ هذا الحكم العقلي ليس من تبعات حكمه بوجوب امتثال التكليف الأصلي، إذ من الواضح انّ كل تكليف لا يستدعي إلّا استيفاء غرضه، إذن فلا موجب لحكم العقل بلزوم التفصيلية ما لم يكن غرضه متوقفا على التفصيلية بعنوانها، و من هنا قيل: بأنّ حكم العقل بذلك إنّما كان باعتبار انطباق عنوان قبيح على الامتثال الإجمالي، بل لعلّه محرّم شرعا، لأنّه حينئذ يكون لعبا و سخرية بأمر المولى، بل المولى نفسه، و هو قبيح عقلا، و حينئذ لا بدّ من الالتزام ببطلان العبادة، باعتبار أنّه مع حرمتها شرعا لا يمكن الالتزام بصحتها خارجا.

473

و الخلاصة هي أنّ العقل يحكم بعدم جواز الامتثال الإجمالي، باعتبار انطباق عنوان قبيح عليه، و هو كون هذا الامتثال لعبا بأمر المولى، و اللعب بأمر المولى قبيح عقلا، بل محرّم شرعا، و معه لا بدّ من الالتزام ببطلان العبادة الممتثلة إجمالا، لأنّها تكون محرّمة بهذا العنوان، و معه لا يمكن أن تكون مصداقا للواجب، لعدم إمكان التقرّب بها، و الّذي هو شرط في صحة العبادة.

و هذا الوجه غير تام، و يرد عليه حلا و نقضا.

أمّا نقضا: فلأنّه لو تمّ بهذا البيان لسرى إلى الواجبات التوصلية، فإنّ الواجب التوصلي و إن كان لا يشترط فيه قصد القربة، لكن يشترط فيه أن لا يكون حراما لاستحالة اجتماع الأمر و النهي، بناء على الامتناع، فلا يعقل كونه مصداقا للواجب، لأنّه لا يعقل كون مصداق الواجب التوصلي حراما، إذ الأصل في الحرام أن لا يسقط الواجب، لأنّ ما تعلّق به النهي لا ينبسط عليه الأمر أو الوجوب، و أمّا أجزاؤه في بعض الموارد مع كونه حراما فإنّما هو لدليل خاص، مع أنّه لا إشكال في إجزاء الواجب التوصلي في موارد الامتثال الإجمالي.

و الحاصل: انّ الواجب التوصلي و إن كان يشترط فيه قصد القربة، لكن يشترط فيه أن لا يكون حراما لاستحالة اجتماع الأمر و النهي بناء على الامتناع، إذ لا يعقل كون مصداق الواجب التوصلي حراما، إذ الأصل في الحرام أن لا يسقط الواجب، لأنّ ما تعلّق به النهي لا ينبسط عليه الأمر أو الوجوب و إذا رأيت إجزاء الواجب التوصلي في بعض الموارد مع كونه حراما فإنّما ذلك لدليل خاص، مع أنّه لا إشكال في أجزاء الواجب التوصلي في موارد الامتثال الإجمالي، و حينئذ، إذا قيل بأنّ هذا لعب في أمر المولى، حينئذ يلزم أنّه في موارد التوصليات إذا احتاط المكلّف في مورد الاحتياط، إذن يصدّق عليه أنّه يتلاعب و يسخر

474

بأمر المولى و يكون هذا قبيحا و حراما لما عرفت، مع أنّه لا إشكال في أجزاء الواجب التوصلي في مورد الامتثال الإجمالي.

و أمّا حلا: فبثلاثة وجوه.

1- الوجه الأول: هو ما أفاده صاحب الكفاية (قده) (1)، من أنّه لا لعب في الامتثال الإجمالي، إذ كثيرا ما يتفق وجود داعي عقلائي شخصي في تفضيل الامتثال الإجمالي على الامتثال التفصيلي من قبيل أن يكون الفحص عند المكلّف، و تعيين الامتثال، أصعب من الاحتياط، كما في تعيين القبلة، فحينئذ يكون الامتثال الإجمالي لداع عقلي شخصي، و ليس لعبا، و هذا جواب صحيح.

و لكن قد اعترض على هذا الوجه، بأنّه لا يكفي في صحة العبادة أن يكون الداعي غير داعي اللعب، بل يشترط في صحتها أن يكون الداعي هو قصد القربة، لأنّ العبادة لا تصح بالداعي الشخصي، و هذا الوجه لا يثبت ذلك، فيبقى الإشكال.

و هذا الاعتراض غير تام، و جوابه واضح، لأنّ أصل برهان الخصم كان يعترف فيه أنّ الداعي القربي موجود، لكن كان يقول: بأنّ هناك داع آخر موجود معه، و هذا الداعي الآخر يوجب تعنون الفعل بعنوان قبيح عقلا، و هذا الوجه قد أثبت عدم وجود هذا الداعي الآخر أو العنوان الآخر، إذن الداعي غير القبيح يكفي و معه لا يبقى مانع من صحة العبادة، لأنّ أصل جامع العبادة وقع صحيحا، و حينئذ تطبيقه على مصداقه بداعي شخصي لا يضرّ بصحته، و عليه، فلا يرد هذا الإيراد على صاحب الكفاية، بل ما أفاده (قده) صحيح.

____________

(1) كفاية الأصول: الخراساني، ج 2، ص 40.

475

2- الوجه الثاني: هو أنّه لو سلّم أنّ الامتثال الإجمالي لعب، و لا يوجد داعي عقلائي، لكن هذا اللعب ليس لعبا بأمر المولى و لا سخرية به، و إنّما هو لعب في نفسه، و ليس كل لعب في نفسه يكون قبيحا أو حراما شرعا، و إذا لم يكن كذلك و انطبق على العبادة فلا يعنونها بعنوان قبيح، إذ فرق كبير بين اللعب بما هو لعب في نفسه، و اللعب بأمر المولى، إذ اللعب في نفسه حتّى لو انطبق على العبادة، فإنّه لا يعنونها بعنوان قبيح عقلا.

3- الوجه الثالث: هو أنّه لو سلّم انّ هناك لعبا، و أنّه لعب بأمر المولى، لكن هذا اللعب لا يوجب البطلان، لأنّه لعب في كيفية الطاعة و الأداء، و ليس لعبا بأصل الطاعة و أصل الأداء، فإذا كان هذا اللعب يوجب تعنون الفعل بعنوان قبيح و محرّم، فإنّما يوجب تعنون الكيفية لا أصل الطاعة.

إلّا أنّ هذا الوجه غير تام، لأنّه إذا كانت كيفية الطاعة متحدة وجودا مع أصل الطاعة فحينئذ يتعنون أصل الطاعة بعنوان قبيح، و معه يبطل الفعل، نعم يصحّ هذا الوجه إذا كانت كيفية الطاعة مقارنة لنفس الطاعة و أصلها لا متحدة معها، و على أيّ حال، فإنّه يكفينا في مقام الجواب الوجهان الأول و الثاني المتقدّمان، و بهذا يثبت انّ الصحيح هو أنّ الامتثال الإجمالي ليس في طول الامتثال التفصيلي، بل هو في عرضه.

476

تنبيهات المسألة

1- التنبيه الأول: هو أنّه لو بني على أنّ الامتثال الإجمالي في طول الامتثال التفصيلي، فهل هذه الطولية تختصّ بخصوص الامتثال التفصيلي الوجداني، أو تعمّ الامتثال التعبّدي؟

فإنّ المكلّف تارة يكون متمكنا من الامتثال التفصيلي الوجداني، بمعنى أنّ المكلّف يتمكن من تعيين الوظيفة واقعا و وجدانا، و أخرى يكون متمكنا من تعيين الوظيفة تعبّدا بواسطة قاعدة من القواعد الظاهرية أو أصل من الأصول.

و الجواب هنا يختلف باختلاف المدارك الّتي حاولوا بها إثبات هذه الطولية، فعلى بعضها، ينبغي إسراء الطولية إلى الامتثال التفصيلي التعبّدي، و على بعضها الآخر ينبغي عدم إسرائها، بل تختصّ بخصوص الامتثال التفصيلي الوجداني.

و توضيحه: هو أنّه إذا استندنا في إثبات طولية الامتثال الإجمالي- بالنسبة للامتثال التفصيلي- على الوجه الأول، فحينئذ يقال:

إنّ الطولية لا تثبت بالنسبة للامتثال التفصيلي التعبّدي، بل تختصّ بخصوص الامتثال التفصيلي الوجداني، و الوجه في ذلك هو أنّ إثبات الطولية بالوجه الأول كان بدعوى انّ الانبعاث عن احتمال الأمر في طول الانبعاث عن شخص الأمر، بمعنى انّ حسن الانبعاث عن احتمال الأمر منوط بعدم التمكن من الانبعاث عن نفس الأمر.

و هذا الكلام إنّما يثبت الطولية بين الامتثال الإجمالي، و الامتثال‏

477

التفصيلي الوجداني، لأنّه يقال: إنّ المكلّف إذا كان متمكنا من تحصيل العلم الوجداني بالوظيفة، إذن فهو متمكن من الانبعاث عن شخص الأمر، و حينئذ تتم الطولية لما ذكر من أنّ الانبعاث عن شخص الأمر متقدّم على الانبعاث عن احتمال الأمر.

و أمّا إذا فرض انّ المكلّف غير متمكن من الامتثال التفصيلي الوجداني، و كان متمكنا من الامتثال التفصيلي التعبّدي فحينئذ لا تتم الطولية لأنّ الانبعاث في صورة تعيين الوظيفة تعبّدا سوف يكون عن احتمال الأمر حتّى بعد قيام هذه الحجّة التعبّديّة و مهما كان لسان حجيّتها كما في الامتثال الإجمالي، لأنّ وظيفة الحجّة الّتي عيّنت الوظيفة العملية هي جعل الاحتمال منجزا، و الاحتمال الآخر مؤمّنا عنه، فالمكلّف على أيّ حال هو ينبعث عن الاحتمال المنجز في المقام، لا عن شخص الأمر كما في موارد العلم التفصيلي الوجداني، و ذلك لأنّه يحتمل عدم وجود شخص الأمر لاحتمال خطأ الامارة، و معه لا يمكن الانبعاث عن شخص الأمر.

و هذا الكلام يصدق حتّى بناء على مسلك الميرزا (قده) في جعل الطريقيّة من أنّ مفاد جعل الحجّة هو جعل الامارة علما و طريقا، لأنّ هذا الجعل إنّما يعطي للامارة صفة المنجزية و المعذرية، و لا يعطيها خصائص و صفات العلم التكوينيّة الّتي منها كون العالم ينبعث عن شخص الأمر.

و عليه: فلمّا كان الانبعاث في موارد العلم التفصيلي التعبّدي عن احتمال الأمر لا عن شخصه، يكون حاله حال العلم الإجمالي و معه لا معنى للطولية و انّ الأمر دائر بين الانبعاث عن احتمال الأمر و شخص الأمر ليقدّم الثاني على الأول، إلّا أن يدّعى دعوى أخرى فيقال:

إنّ الوجدان قاض بأنّ حسن الانبعاث عن احتمال لم يجعل علما

478

بنظر الشارع، كما في موارد الامتثال الإجمالي، هو في طول الانبعاث عن احتمال جعل علما بنظره، كما في موارد الامتثال التفصيلي التعبّدي.

و هذه الدعوى مبنية على أنّ مفاد جعل الحجّة هو جعل الامارة علما.

إلّا أنّ هذه دعوى جديدة لا ربط لها بأنّ الانبعاث عن المتأخر في طول الانبعاث عن المتقدّم كما جاء في الوجه الأول.

و أمّا إذا استند في إثبات الطولية إلى الوجه الثاني، فحينئذ تتم الطولية حتّى بالنسبة إلى الامتثال التفصيلي التعبّدي، فإنّ الوجه الثاني قد استدلّ عليه تارة بالإجماع، و أخرى بجريان أصالة الاشتغال بالتقريب المتقدّم، و في كلتا الحالتين تتمّ الطولية.

أمّا انّها تتمّ إذا استدلّ بالإجماع، فلأنّه قد نقل هذا الإجماع على بطلان عبادة تارك طريقي الاجتهاد أو التقليد، و من الواضح انّ التقليد عبارة عن الامتثال التفصيلي التعبّدي، و كذلك الاجتهاد في أغلب الأحيان، فلو سلّم انعقاد إجماع على ذلك لكان شاملا لمورد الكلام، من أنّه إذا أمكن الامتثال التفصيلي التعبّدي فلا يكفي الامتثال الإجمالي.

و أمّا إذا استدلّ بأصالة الاشتغال فأيضا تتمّ الطولية في مورد العلم التفصيلي التعبّدي فيقال: إنّ فتوى العلماء بالطولية ببركة هذا الإجماع المنقول يوجب احتمال اعتبارها بالنسبة للتفصيلي التعبّدي، و حيث لا يمكن نفي ذلك بالإطلاق و لا بالبراءة كما تقدّم، و حينئذ تجري أصالة الاشتغال، إذن فالوجه الثاني بكلا تقريبيه لا يبعد جريانه في المقام.

و أمّا إذا استند في إثبات الطولية إلى الوجه الثالث، و هو كون الامتثال الإجمالي لعبا بأمر المولى، فحينئذ لا تتمّ الطولية بالنسبة إلى الامتثال التفصيلي التعبّدي و ذلك لعدم انطباق «اللعب بأمر المولى»، على الامتثال الإجمالي حينئذ، و ذلك لأنّ العدول من التفصيلي التعبّدي، إلى الإجمالي، إنّما هو لداع عقلائي يرجع بالفائدة على‏

479

المولى، لأنّه بالامتثال الإجمالي الموجب للتكرار يحصل الجزم بالإتيان بالواجب و تحصيل غرض المولى، بينما في صورة تعيين الوظيفة تعبّدا إذا أتى بتلك الوظيفة فإنّه لا يحرز الإتيان بالواجب واقعا لاحتمال خطأ الدليل الّذي عيّن تلك الوظيفة و إن كان معذرا.

فإن قيل: لما ذا لا يعيّن الوظيفة فيأتي بها، ثمّ يأتي بالمحتمل الآخر احتياطا فيجمع بذلك بين الامتثال التفصيلي التعبّدي و الاحتياط مثلا كما صلاة الظهر و الجمعة من يوم الجمعة؟ ففيه: انّ العدول عن مثل ذلك إلى الإتيان الامتثال الإجمالي أيضا فيه داع عقلائي و هو أنّ التعيين و الاحتياط بعد ذلك، فيه مضافا إلى التكرار مشقة الفحص، و العدول إلى ما ليس فيه هذه مشقة أمر عقلائي.

أو قل: إنّ هذا العدول باعتباره أخف مئونة، لأنّ ذاك يستبطن الفحص و الاحتياط، بينما الامتثال الإجمالي يستبطن الاحتياط فقط، إذن، فالعدول عن الأصعب إلى الأخف صعوبة ليس لعبا بأمر المولى، بل هو تصرف عقلائي فضلا عن أنّه في الأصعب لا يحصل فيه إلّا احتمال إصابة الواقع، و بهذا ظهر أنّ الطولية لا تتمّ بالنسبة للعلم التفصيلي التعبّدي بناء على الوجه الثالث.

2- التنبيه الثاني: هو انّ الّذين استشكلوا في جواز الامتثال الإجمالي مع التمكن من الامتثال التفصيلي استشكلوا من ذلك عدّة موارد جوّزوا فيها الاجتزاء بالامتثال الإجمالي.

1- المورد الأول: فيما إذا كان الامتثال التفصيلي متعذّرا

، و ملاك هذا الاستثناء واضح و حينئذ لا ينبغي الاستشكال في صحة هذا العدم ورود الوجوه الثلاثة الّتي ذكرت في مقام إثبات الطولية في المقام، لا الأول، و لا الثاني و لا الثالث، أمّا الإجماع، فلأنّ مورده التمكن من الاجتهاد، أو التقليد، بل الإجماع قائم على الخلاف في المقام، و أمّا

480

ملاك اللهو و اللعب بأمر المولى، فلأنّ داعي التكرار هو الاحتياط و إحراز الامتثال، و أيّ داع عقلائي أوضح منه، و أمّا الطولية، فلأنّ موردها هو ما إذا كان الانبعاث عن شخص الأمر ممكنا لا ممتنعا كما في المقام.

2- المورد الثاني: هو ما إذا كان الحكم غير منجز الامتثال على المكلّف‏

، بحيث كان يمكنه تركه رأسا، و هذا له مصداقان.

أ- المصداق الأول: هو باب المستحبات، كما لو علم باستحباب الصّلاة يوم العذير و شكّ في أنّها ثنائية، أو رباعية فهنا بإمكانه ترك الصّلاة و لكن أراد أن يصلّي، فبدلا من الرّجوع إلى الدليل لتعيين المستحب ما هو، أتى بالصّلاتين رجاء لاحتمال أن يصيب المطلوب، و قد حكموا فيه بكفاية هذا الامتثال الإجمالي.

ب- المصداق الثاني: في الواجبات كما لو كان الواجب العبادي محتملا لاحتمال مؤمّن عنه غير منجز، فهو مردّد بين عملين بحيث يمكنه رفع هذا التردّد بالرّجوع إلى الدليل لتعيينه، و ذلك كما في صلاة يوم العيد، حيث يشكّ في أنّها ثنائية أو رباعية فيأتي بهما معا لعلّه يصيب الواقع، فهنا يقال بجواز الامتثال الإجمالي و ذلك بالإتيان بالصّلاتين احتياطا أو رجاء، و الحكم بكفاية الامتثال الإجمالي في هذا المورد الّذي كان المكلّف فيه متبرعا محتاطا و إن كان واضحا على الوجه الأول و الثاني، إلّا أنّه لا يخلو من غموض بناء على الوجه الثالث، باعتبار أنّ العلب بأمر المولى لا يفرق فيه الحال بين أن يكون ملزما بالتكليف، أو أن يكون مستحبا، أو أن يكون منجزا أو غير منجز، و نفس هذا الغموض يمكن أن يجعل نقضا على الوجه الثالث باعتبار أنّ صاحبه يعترف بالإجزاء في المقام مع أنّ دليله يقتضي ثبوت الطولية و عدم كفاية الامتثال الإجمالي فيه.

481

3- المورد الثالث: هو ما إذا لم يلزم التكرار من الامتثال الإجمالي‏

كما في موارد دوران الأمر بين الأقل و الأكثر قبل الفحص حيث يكون منجزا، فبدلا من أن يفحص و يعين الوظيفة يأتي بالأكثر احتياطا، و هذا الاستثناء و إن كان واضحا على بعض المسالك لكنّه يختلف بحسب المسالك الأخر، إذ بناء على المسلك الثاني، و هو الاستدلال بالإجماع يتم ما ذكر و يصح الاستثناء، لأنّ من ادّعى الإجماع إنّما ادعاه في خصوص ما إذا لزم التكرار من الامتثال الإجمالي، و حيث لم يلزم التكرار في المقام، إذن لا إجماع- في المقام-، و كذلك يصحّ هذا الاستثناء بناء على المسلك الثالث حيث لا ينطبق عنوان اللعب و اللهو على من أتى بالأكثر، بل الّذي أتى به قد يكون هو المطلوب الشرعي للمولى، لأنّه لم يأت بأي شي‏ء زائد، و هذا بخلاف المسلك الأول حيث يجزم عند التكرار بأنّه أتى بأمر زائد و لذا، فانطباق عنوان اللعب واضحة في صورة التكرار، و هذا بخلافه في صورة الإتيان بالأكثر احتياطا عند الدوران بين الأقل و الأكثر، و أمّا بناء على المسلك الأول، فالحكم بكفاية الامتثال الإجمالي غير واضح لانطباق المسلك الأول المذكور، إذ لا يفرق بين المقام و بين موارد التكرار، لأنّه عند الإتيان بالجزء الزائد المشكوك لا يكون منبعثا عن شخص الأمر، بل يكون منبعثا عن احتمال الأمر لأنّ الأمر بالمركب يكون داعيا إلى كل جزء من أجزائه باعتبار تعلقه الضمني به، و تعلق الضمني بالجزء الزائد أمر مشكوك، فالإتيان به حينئذ يكون انبعاثا عن احتمال تعلق الأمر لا عن شخصه، و حينئذ يقال: إنّ الانبعاث عن احتمال الأمر في طول الانبعاث عن شخص الأمر كما هو لسان المسلك الثالث، و معنى هذا و مقتضاه هو عدم كفاية الامتثال الإجمالي.

و خلاصة المورد الثالث الّذي استثني و اكتفوا فيه بالامتثال الإجمالي، هو ما لم يلزم منه التكرار، كما في موارد دوران الأمر بين الأقل و الأكثر

482

كما في احتمال كون السورة داخلة تحت متعلق الأمر أو لا، حيث أنّه حينئذ تجري البراءة عن الأكثر، إذن، فهنا لا إشكال في جواز الامتثال الإجمالي، و لا حاجة حتّى مع التمكن من تحصيل الحجّة على الأكثر.

و لعلّ هذا المطلب يختلف باختلاف المسالك السابقة، فإنّه إذا بنينا على المسلك الأول- و هو أنّ الانبعاث عن احتمال الأمر متأخر رتبة عن الانبعاث عن شخص الأمر- فقد يقال هنا: بانطباقه على محل الكلام، و ذلك لأنّ المكلّف بلحاظ هذا الجزء المشكوك، و هو السورة، لا يكون منبعثا عن شخص الأمر، بل هو منبعث عن احتمال الأمر، لأنّ الأمر بالمركب يكون داعيا إلى كل جزء من أجزائه باعتبار تعلقه الضمني به، و من الواضح أنّ الأمر النفسي بهذه الصّلاة و إن كان معلوما، لكن تعلّق هذا الأمر الضمني بشخص هذا الجزء أمر مشكوك، إذن فالانبعاث فيه انبعاث عن احتمال تعلّق الأمر، إذ انّ شخص الأمر و إن كان معلوما إلّا أنّه لا يفيد في مقام الانبعاث، لأنّه فرع أن يكون متعلقا بالجزء المشكوك، و هذا التعلّق ليس معلوما، بل هو محتمل، إذن فالانبعاث يكون عن احتمال التعلّق لا واقع التعلّق، و حينئذ لا يبقى فرق واضح ما بين المطلبين، إلّا أن يدّعى المصادرة في مقام التمييز، بدعوى وجدانية من دون ربطها بميزان فني، و هي أنّ الانبعاث عن احتمال الأمر متأخر رتبة عن الانبعاث عن شخص الأمر فبناء على هذا المسلك لا يكون هناك فرق واضح.

نعم بناء على المسلك الثاني إذا استدلّ بالإجماع، فمن الواضح أنّه لا إجماع في هذه المسألة، لأنّ من ادّعى الإجماع خصّص كلامه بخصوص ما إذا استلزم التكرار، و هنا لا استلزام للتكرار، فانطباق عنوان اللعب عنا أخفى من هناك، لأنّ هذا الّذي أتى به هنا لعلّه لا يزيد عن مطلوب المولى، بينما هناك في التكرار يزيد جزما.

3- التنبيه الثالث: هو أنّه بناء على ما هو الصحيح من عرضية الامتثال الإجمالي للامتثال التفصيلي، و عدم الطولية بينهما يتضح أنّ الامتثال الإجمالي جائز في نفسه، بل حتّى مع التمكن من الامتثال التفصيلي‏

483

كما عرفت.

و المقصود في هذا التنبيه هو الإشارة إلى نكتة عدم الفرق بين الامتثال الإجمالي الوجداني، و الامتثال الإجمالي التعبّدي، و إنّ كليهما عرضيين بالنسبة للامتثال التفصيلي.

و مثالهما أنّه تارة يفرض بأنّ الامتثال إجمالي وجداني كما لو علم إجمالا بأنّ أحد هذين المائعين «ماء مطلقا»، لكن لا يدري أيّهما المطلق، فإذا توضأ تارة بهذا، و أخرى بذاك، فهذا امتثال إجمالي وجداني، فلا يحصل له بالتكرار علم وجداني بالامتثال هذا.

و تارة أخرى يفرض انّ هذا المكلّف لا يعلم إجمالا بأنّ أحد المائعين مطلق، لكن قامت عنده حجّة ظاهرية على أنّ أحدهما لا بعينه مطلق، ففي مثله لو توضأ بهذا تارة، و بالآخر أخرى، فهنا يحصل امتثال إجمالي لكن تعبّدي، لأنّه لا يحصل له يقين وجدانا بهذا الامتثال لاحتمال كون المائعين «مضافا» إذن، فالعلم بالامتثال علم إجمالي تعبّدي، و بناء على جواز الامتثال الإجمالي لا يفرق الحال بين التعبّدي منه و الوجداني، اللّهمّ إلّا إذا دليل حجّة هذه الحجيّة أخذ في موضوعه انسداد باب العلم، فحينئذ لا حجيّة مع انفتاح باب العلم و التمكن من تحصيله، إذ معه لا امتثال إجمالي أصلا، و هذا مطلب آخر مربوط بضيق دائرة الحجيّة وسعتها.

و الحاصل هو أنّه بناء على عرضية الامتثال الإجمالي للامتثال التفصيلي، لا يفرق الحال بين الامتثال التفصيلي الوجداني، و الامتثال التفصيلي التعبّدي من حيث العرضية المذكورة.

[اقسام الامتثال الاجمالى‏]

و توضيحه هو أنّ الامتثال الإجمالي على قسمين.

484

الأول وجداني‏

، كما لو علم وجدانا بإطلاق أحد هذين الماءين، فتوضأ بأحدهما أولا ثمّ بالآخر ثانيا، فحينئذ يحصل له علم إجمالي وجداني بأنّه قد توضأ بماء مطلق، و به يتحقّق منه الامتثال الإجمالي الوجداني.

و الثاني تعبّدي‏

، كما لو فرض أنّه قد قامت عنده الحجّة على إطلاق أحد الماءين لا بعينه، فلو توضأ بأحدهما ثمّ توضأ بالآخر، يحصل عنده علم إجمالي تعبّدي بأنّه قد توضأ بماء مطلق، و بذلك يتحقّق منه الامتثال الإجمالي التعبّدي لا الوجداني، لاحتمال خطأ الحجّة و كون الماءين مضافين.

[صور الامتثال الإجمالي‏]

ثمّ إنّ هذا الامتثال الإجمالي التعبّدي له صور.

الصورة الأولى: هي أن يفرض قيام الحجّة على إطلاق ماء أو الطهارة في ماء معين ثمّ بعد هذا يشتبه هذا الماء مع آخر مضاف‏

، و حينئذ، و إن كان مصبّ الحجّة معينا في البداية لكنّه بعد هذا اختلط و اشتبه بالمضاف قطعا، و في مثله لا إشكال فيما ذكرناه من الأجزاء لو كرّر الوضوء بهما لتحقّق الامتثال الإجمالي، باعتبار انّ هذا المكلّف و إن لم يعلم وجدانا بالامتثال الواقعي، لكنّه يعلم وجدانا بالامتثال الظاهري و أنّه توضأ بماء محكوم بالإطلاق ظاهرا، و هذا يكفي في مقام الخروج عن العهدة.

2- الصورة الثانية: هي أن يفرض قيام الحجّة على إطلاق ماء مردّد بين ماءين و لكنّه متعين بعنوان إجمالي في الواقع‏

، كما لو قامت الحجّة على إطلاق ماء إناء زيد ثمّ اشتبه هذا الإناء بإناء آخر حيث صار إناء زيد غير متعين بينهما، فهنا، مصبّ الحجّة في نفس الأمر و الواقع متعين، و لكنّه عند المكلّف هذا غير متعين من أول الأمر، فإذا كرّر المكلّف الوضوء بهما بأن توضأ بهما فإنّه يعلم وجدانا حينئذ بأنّه توضأ

485

بماء زيد، و المفروض أنّه مطلق بالتعبّد، إذن فلا إشكال في الإجزاء و يحصل الامتثال به، و هو كاف في الخروج عن العهدة.

3- الصورة الثالثة: هي أن يفرض قيام الحجّة على إطلاق أحد الإناءين، لكن هذا الإناء المطلق غير متعين في أفق علم المكلّف بأيّ معين‏

، سوى أنّه في أحد الإناءين، و كذلك لو احتمل إضافتهما معا أيضا و قامت الحجّة على أحدهما على إجماله مطلق، و هذا بخلاف الصورتين السابقتين.

و من الواضح أنّه- حينما يعلم إجمالا بإضافة أحدهما بل و يحتمل إضافتهما معا-، حينئذ أيّ قاعدة يراد إجراؤها في هذا الطرف لإثبات الإطلاق فيه، هي معارضة بمثلها في الطرف الآخر، كما لو كان الإطلاق حالة سابقة لكل منهما، فحينئذ، استصحاب إطلاق أحدهما، معارض باستصحاب إطلاق الآخر، إلّا أن يقال، إنّ المكلّف يعلم بأنّ أحد هذين المطلقين صار مضافا، و لا يعلم بإضافة ما زاد على الواحد منهما، و حينئذ يجري استصحاب الإطلاق في عنوان إجمالي و هو عنوان غير المعلوم بالإجمال، إذن، فمصبّ الاستصحاب عنوان غير المعلوم بالإجمال.

و بهذا تفترق هذه الصورة عن سابقتيها، حيث انّ مصبّ الحجّة في الصورتين السابقتين كان معلوما و متعينا، سواء خرج في علم اللّه تعالى انّ كلا الإناءين مضافا أو أحدهما دون الآخر و هذا بخلافه في هذه الصورة، فإنّه في هذه الصورة لو فرض انّ كلا الإناءين مضافا، حينئذ، لا يكون المعلوم بالإجمال متعينا، لأنّ المعلوم بالإجمال هو إضافة أحدهما لا بعينه من دون أن مميز، إذ المعلوم بالإجمال لا يتعين حينئذ، و لا ينطبق على أحدهما بالخصوص لأنّ نسبته إليهما على حد واحد و عدم تعينه إنّما هو في نفس الأمر و الواقع عند المكلّف، و إذا لم يكن‏

486

المعلوم متعينا، فغير المعلوم غير متعين أيضا لأنّ مصبّ الحجّة هو غير المعلوم فإذا لم يكن المعلوم متعينا ثبوتا فغير المعلوم غير متعين كذلك، و بهذا يثبت انّ مصبّ الحجيّة غير متعين ثبوتا لأنّ مصبّها هو عنوان غير المعلوم كما عرفت.

و من هنا ينشأ إشكال في كفاية الامتثال الإجمالي التعبّدي في هذه الصورة الثالثة، حيث أنّه قد يقال: بأنّ الامتثال الإجمالي هنا غير متعقل، و ذلك لأنّ هذا المكلّف إذا توضأ بالماءين مكرّرا لا يحصل له علم بأنّه توضأ بالماء الّذي هو مجرى الاستصحاب، لما عرفت من انّ مجراه هو عنوان غير المعلوم، و هذا العنوان غير متعين.

و هذا الإشكال سيّال في كلّ الموارد الّتي نريد أن نجري فيها أصلا بعنوان إجمالي، و هو عنوان غير المعلوم مع فرض انّ المعلوم لا تعيّن له في الواقع إلّا من ناحية عنوان أحدهما.

و هذا الإشكال يتخلّص عنه بعدّة تخلّصات نقتصر الآن على ذكر واحد منها.

و حاصل هذا التخلّص هو أن يقال: بأنّه نجري الاستصحاب في كل من الطرفين بعنوانه التفصيلي لا الإجمالي الّذي بني عليه الإشكال عند ما كان يستصحب إطلاق عنوان إجمالي غير متعيّن في الخارج و إنّما نجريه في كل من الطرفين بعنوانه التفصيلي، لكن نرفع اليد عن إطلاق الاستصحاب بمقدار يرتفع معه محذور المخالفة العملية، و ذلك بأن نستصحب إطلاق كل منهما مقيدا بأن يكون الطرف الآخر هو المضاف، و هكذا نصنع مع الطرف الآخر.

و توضيحه هو انّ إطلاق دليل الأصل يجري سواء كان ذلك الطرف مضافا أو مطلقا، و نفس الإطلاق موجود في الطرف الآخر، هذا بالنسبة

487

للدليل في نفسه، لكن التعبّد بإطلاق كل منهما حتّى على تقدير إطلاق الآخر غير معقول، للعلم بإضافة هذا الطرف على تقدير إضافة الآخر، إذن نرفع اليد عن إطلاق الأصل في كل منهما، و نجري الأصل في كل منهما مقيّدا بأن يكون الآخر مضافا، فينتج بذلك أصلين في عنوانين تفصيليّين مشروطين، و حيث أنّه يعلم وجدانا بأنّ أحد الماءين مضاف، إذن، فنعلم وجدانا بأنّ أحد الأصلين المشروطين تحقّق شرطه، و بذلك يكون مصبّه متعيّنا أيضا بحسب الواقع، لأنّ كلا من الأصلين صار مصبّه هو العنوان التفصيلي لا الإجمالي، و حينئذ ينحلّ الإشكال.

و الخلاصة هي انّنا نجري الاستصحاب في كل من الطرفين بعنوانه التفصيلي، لكن نرفع اليد عن إطلاق الاستصحاب بمقدار يرتفع معه محذور المخالفة العملية، و ذلك بأن نستصحب إطلاق كل منهما مقيّدا بأن يكون الآخر هو المضاف، فإنّ دليل الاستصحاب و إن كان مطلقا من هذه الناحية، إلّا أنّا نقيّده، للتخلّص من محذور المخالفة العملية، و بذلك يكون مصبّ الاستصحاب معلوما بالتفصيل، غايته أنّه استصحاب مشروط كما عرفت، و حيث أنّ المكلّف يعلم وجدانا بإضافة أحدهما، إذن، فهو يعلم بتحقّق الشرط لأحد الاستصحابين المشروطين، و المفروض انّ مصبّه متعيّن بحسب الواقع كما عرفت، و بذلك ينحلّ إشكال جريان أحد الاستصحابين بالشرط المذكور.

و للكلام تتمّة في مباحث إجراء الأصول.

هذا حاصل الكلام في التنبيه الثالث، و به يتمّ الكلام في مباحث القطع و الحمد للّه رب العالمين‏

488

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

489

الفهرس‏

مقدمة: في تقسيم مباحث الحجج و الأصول العملية 7

القسم الأول: مبحث القطع 41

الجهة الأولى: في أصل حجيّة القطع 43

الجهة الثانية: مبحث التجري 65

المقام الأول: في تحقيق الكلام في قبح الفعل المتجرّى به و عدم قبحه عقلا 68

المقام الثاني: استحقاق العقاب على الفعل المتجرّى به 124

المقام الثالث: في حرمة الفعل المتجرى به شرعا 130

تنبيهات 162

1- التنبيه الأول 162

2- التنبيه الثاني 166

3- التنبيه الثالث 170

الجهة الثالثة: أقسام القطع و أحكامه 172

1- الجهة الأولى: في أصل تصوير انقسام القطع الموضوعي إلى صفتي و طريقي 174

2- الجهة الثانية: في قيام الإمارات و الأصول مقام القطع الطريقي 187

3- الجهة الثالثة: في قيام الإمارات مقام القطع الموضوعي المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية الكاشفية 207

490

4- الجهة الرابعة: في قيام الامارة مقام القطع الموضوعي الصفتي 254

تنبيه 256

أخذ القطع بالحكم في موضوع الحكم 262

التنبيه الثالث 297

الجهة السادسة: حجية الدليل العقلي 308

المقام الأول 312

المقام الثاني 323

1- المقام الأول: في العقل النظري 326

المقام الأول: في العقل الأول 337

المقام الثاني: في العقل الثاني 344

2- المقام الثاني: في العقل العملي 348

3- المقام الثالث 359

في مخالفة العلم التفصيلي 364

مباحث منجزية العلم الإجمالي 379

1- المرحلة الأولى 379

2- المرحلة الثانية: في تنجيز العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية 402

1- الجهة الأولى: في أصل تنجيز العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية 402

2- الجهة الثانية: من المرحلة الثانية 439

إجزاء العلم الإجمالي بالامتثال و عدمه 458

تنبيهات المسألة 476

الفهرس 489