بحوث في علم الأصول - ج8

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
490 /
55

فمن يسلك هذا هناك لا بدّ و أن يقول بالتضاد هنا، إذن فلا يمكن التمسك بهذا المسلك.

2- المسلك الثاني: و هو مسلك من يتخلص من التضاد في المبادئ بدعوى، أنّ الحكم الظّاهري ليس مضادا للحكم الواقعي، لأنّه لا مبادئ للحكم الظّاهري في متعلقه أصلا

، باعتبار أنّ الأحكام الظّاهرية تنشأ من مصلحة في نفس جعلها لا من مصلحة متعلقاتها.

و حينئذ بناء على هذا يدفع التضاد بين الأحكام الظّاهرية و الواقعية، و سوف نذكر مزيد تحقيق لهذا المطلب.

و حينئذ من يلتزم بهذا المسلك، أيضا لا بدّ و أن يلتزم به هنا، فيقال: بأنّ الحرمة الواقعيّة المقطوعة ناشئة من مبادئ في متعلقها، لكن الترخيص المشرّع للقاطع، من حيث أنّه ناشئ من مصلحة في جعله، فحينئذ لا تضاد بينهما، بل جريان نفس المسلك هنا هو أحد أدلة بطلانه، حيث أنّ وجدانية عدم إمكان جعل حكم ظاهري على خلاف الحكم الواقعي المقطوع به، هو بنفسه دليل على الصور تلك المسالك و عجزها عن حلّ و علاج مشكلة الجمع بين الأحكام الظّاهرية و الواقعية.

نعم على المسلك الصحيح كما سيأتي بيانه، سوف يظهر أنّه لا ينطبق على محل الكلام.

إذن يحتاج حساب الموقف إلى حساب المسالك الّتي عولج بها شبهة التضاد بين الأحكام الظّاهرية و الواقعية لنرى، أنّه هل يمكن إجراء روحه أو لا.

و إن ادّعي الثاني أي التضاد بلحاظ عالم الامتثال، أي عالم التنجيز و المحركيّة بين التكليف المقطوع و الترخيص المترتب.

و هنا الموقف أشدّ غموضا منه في موارد الأحكام الظّاهرية المجعولة

56

في موارد الإمارات و الأصول، لأنّه هناك عند ما عالجوا هذا قالوا: بأنّه لا تضاد بينهما بلحاظ عالم الامتثال، بدعوى انّ التكليف الواقعي باعتباره غير واصل لا يكون منجزا فلا امتثال له، بخلاف المقام، فإنّ المفروض فيه وصول الحكم الواقعي إلى المكلّف، بالقطع و تنجّزه.

إذن فهذه الصيغة مع ذلك، لا تنطبق في المقام، لأنّ التكليف الواقعي هنا واصل إلى المكلّف، كما أنّ الترخيص كذلك واصل إليه، إذن فيبقى التضاد بينهما، و حينئذ يقال: بأنّهما متضادان في مقام التأثير العملي، لأنّهما معا واصلان.

إلّا أنّه مع ذلك التضاد الموجود في هذه المرتبة، فإنّ حساب هذا المطلب يرجع إلى أنّنا يجب أن نقدّر مقدار محركيّة التكليف الواقعي المقطوع به الّتي هي فرع منجزيته، و حينئذ، إذا كان هذا الترخيص الشرعي بالخلاف صالحا لرفع منجزية القطع، إذن، لم يبق لهذا القطع محركيّة ليلزم التضاد، لأنّ محركيّته فرع منجزيّته، و حينئذ، يصبح المقطوع كالمظنون، ليس له مقام تنجيز و عمل.

نعم لو لم يقدر هذا الترخيص الشرعي على رفع حجيّة القطع و بالتالي منجزيّته، يبقى التضاد واقعا بينهما لا محالة، و هذا معناه: أنّ روح هذا يرجع إلى البرهان الثاني، و هو ما يقال: من أنّ حكم الشارع بالترخيص على خلاف التكليف المقطوع غير معقول، لأنّه لا يمكن أن يزيل حكم العقل بالحجيّة، لأنّ هذا ذاتي للقطع، و الذاتي لا ينفكّ و لا يتخلّف، و معه يكون معارضا له، فيرجع هذا التضاد بلحاظ عالم الامتثال إلى البرهان الثاني.

2- البرهان الثاني، و حاصله: انّ حجيّة القطع ذاتية، لكن هل أنّ الحجيّة بالنسبة إلى القطع، نسبتها إليه، هل هي نسبة المقتضي إلى المقتضى، أو نسبة المعلول إلى العلّة التامة؟

، فمثلا: الحرارة ذاتيّة

57

للنّار، لأنّ النّار حارة بالطبع، و البرودة ذاتيّة للماء، لأنّه جسم بارد بالطبع، لكن الحرارة ذاتية على نحو العلّة التامة، و نسبة البرودة إلى الماء نسبة المقتضى إلى المقتضي، أي أنّه لو خلّي الماء و طبعه فهو بارد، لكن يمكن أن يتخلّف، إذن، فالذاتي على نحوين.

و حينئذ يحتاج إلى استئناف بحث، في أنّ الحجيّة، هل هي ذاتية عليّا، أو أنّها ذاتية اقتضائيا؟. فإذا كانت ذاتية عليّا، فهذا معناه: انّ حكم العقل بالحجيّة يكون تنجيزيا، و أمّا إذا كانت الحجيّة اقتضائية، فهذا معناه: انّ العقل يحكم بالحجيّة التعليقية، بمعنى أنّه على تقدير عدم المانع يحكم العقل بحجية القطع، بأن يفرض انّ العقل يرى انّ القطع حجّة ما لم يجي‏ء ترخيص على خلافه، حيث أنّ مجي‏ء الترخيص على خلافه يرفع موضوع الحجيّة.

و مرجع هذا الكلام، إلى أنّ حجيّة القطع لا بدّ من حسابها، و هل أنّها تنجيزية أو تعليقيّة، فعلى الأول تكون نسبتها إلى القطع نسبة المعلول إلى العلّة التامة، و حينئذ، يكون الترخيص مناف و مضاد للحجيّة، و إذا كانت حجيّة القطع اقتضائية تعليقيّة، تكون نسبتها إلى القطع نسبة المقتضى إلى المقتضي، و حينئذ لا يكون الترخيص مناف و مضاد لحكم العقل.

و بناء عليه: فهذا المقدار لا يكفي للبرهنة إذن، ما لم يتحقّق أنّ نسبة الحجيّة هي نسبة المعلول إلى العلّة التامة، و إلّا فلا تنافي و لا تضاد.

و الحاصل هو، أنّ البرهان الثاني بهذا المقدار الّذي عرفت هو غير تام أيضا، لأنّ ما ذكر فيه من انّ إزالة الحجيّة عن القطع تفكيك بين الذات و الذاتي، و العلّة و المعلول هو، غير كاف في البرهنة، و إنّما يصلح للبرهنة فيما لو كانت علّية القطع للتنجيز علّية تامة لا علّية اقتضائية

58

معلّقة على عدم ورود الترخيص الشرعي بالخلاف، بعنى أن يكون حكم العقل بالحجية و التنجيز تنجيزيا لا تعليقيا كما هو الحال في موارد الاحتمال المنجز في موارد الشك في الامتثال، أو الشك قبل الفحص، بل مطلق الشك و الشبهة بناء على إنكار البراءة العقلية لما عرفت سابقا.

3- البرهان الثالث: المستخلص من كلماتهم في مقام إثبات استحالة الحكم على خلاف القطع هو، برهان نقض الغرض.

و حاصله: انّ المكلّف إذا قطع بصدور الحرمة، و فرض أنّ الشارع رخّص بارتكاب هذه الحرمة بالنسبة لمن يقطع بها، إذن، سوف يتساءل القاطع عن الغرض من تشريع هذا التحريم المتنجز في حقّه، لأنّه بالترخيص تنهدم حجيّة القطع و بالتالي منجزيته.

و هذا البرهان يجاب عليه: بأنّ الغرض الّذي يقال بأنّه يلزم نقضه بالترخيص، إن أريد به الملاك الواقعي و المفسدة الواقعية الموجودة في الحرام و الّتي تمثل ملاك التحريم الواقعي، حيث أنّ المولى لا يحرم شيئا إلّا لأجل اشتماله على مفسدة.

فجوابه: إنّ هذا يرجع في الحقيقة إلى دعوى و برهان التضاد بين الترخيص و بين مبادئ الحكم الواقعي، إذن فيرجع إلى البرهان الأول، و قد عرفت الكلام فيه.

و إن أريد بالغرض الّذي يلزم نقضه، أنّه الداعي إلى الجعل، أي الداعي إلى جعل التحريم، بأن يقال مثلا: بأنّ الداعي لكل مولى إلى الجعل هو التحريك، فإذا جعل بعد ذلك ترخيصا بهذه المحركيّة و إبطالها، كان ذلك نقضا للغرض من جعل الخطاب الواقعي.

فالجواب هو، انّ الغرض من جعل كل خطاب و حكم، و إن كان هو التحريك، لكن التحريك بحسب ما يستقل به العقل و يقتضيه في مقام التنجيز و التحريك، فالمولى يجعل الخطاب بداعي المحركيّة، لكن‏

59

المحركية بمقدار صلاحيته الفعلية للتحريك و قابليته للتنجيز، فالداعي إلى جعل الخطاب هو، جعله محركا بالمقدار الّذي يستقل به العقل من التحريك و يراه قابلا للتنجيز و التحريك.

و حينئذ، بناء عليه، إذا فرض أنّ العقل يستقل بحجية القطع بنحو تنجيزي علي، إذن فسوف تكون محركية هذا الخطاب المقطوع به محركية تنجيزية علّية ببركة حكم العقل، و حينئذ، يكون الترخيص على خلاف ذلك، نقضا للغرض، لأنّ الداعي من جعل الخطاب هو أن يحرك بمقدار ما يستقل به العقل، و العقل يستقل بالمحركيّة التنجيزيّة العلّية، إذن سوف يكون الترخيص نقضا للغرض.

لكن إذا بني على أنّ العقل يحكم بالحجية الاقتضائية التعليقية للقطع، أي بالحجية مشروطة بعدم ورود الترخيص من قبل الشارع على خلافها كما هو الحال في باب الظن و الاحتمال المنجز، فإنّ العقل يحكم هناك بأنّ الاحتمال إمّا مطلقا منجز أو قبل الفحص، ما لم يرد ترخيص على خلافه.

فإذا فرضنا أنّ حجية القطع كانت تعليقية اقتضائية، إذن يكون الغرض من الخطاب الواقعي هو جعله محركا بهذا المقدار، و هو مقدار ما تقتضيه هذه الحجية التعليقية، فلو اقترنت بما يرفعها و يعطلها، فلا يكون هذا نقضا للغرض.

و عليه فيرجع البرهان الثالث إلى البرهان الثاني بعد هذه الغربلة، و حينئذ لا يكون هذا برهانا ثالثا.

[التحقيق فى جعل الاحكام الظاهرية]

و تحقيق الحال و ما ينبغي قوله في المقام هو: انّه يستحيل جعل الحكم على خلاف الحكم المقطوع به، و هذا بخلاف ما يجعل في موارد الظن و الشك حيث لا يستحيل ذلك فيها.

60

[نبذة إجمالية عن كيفية التوفيق بين الأحكام الواقعية و الظّاهريّة، و كيفيّة رفع التضاد بينهما بلحاظ عالم المبادئ‏]

و من أجل توضيح هذا، لا بدّ من نبذة إجمالية يأتي تفصيلها عن كيفية التوفيق بين الأحكام الواقعية و الظّاهريّة، و كيفيّة رفع التضاد بينهما بلحاظ عالم المبادئ، لنرى أنّ ذلك العلاج و التوفيق لا يأتي في محل الكلام.

و هذا يستدعي رسم مقدّمة، حاصلها هو، أنّ الأحكام على قسمين.

1- القسم الأول: الأحكام النفسية، و المقصود بها، الأحكام الناشئة من مصالح و مفاسد في متعلّقات أشخاصها من قبيل وجوب الصّلاة الناشئ من مصلحة ملزمة في الصّلاة، و هكذا بقية الأحكام النفسية، فإنّ هذه الأحكام هي بنفسها تتنجز و عليها ثواب، و لها عقاب باعتبارها أحكام نفسية.

2- القسم الثاني: هو الأحكام الطريقية، و هي اسم لأحكام تكون ناشئة من مصالح و مفاسد في متعلقات تلك الأحكام النفسية لا متعلقاتها هي، و هذا يكون في مورد اختلاط متعلقات الأحكام النفسية و عدم تميّزها على المكلّف خارجا، فإنّ المكلّف، تارة يميّز موارد الأحكام النفسية، و هنا لا يكون موضوع للأحكام الطريقية أصلا، و أخرى يفرض أنّ المكلّف لا يصيبها بأعيانها، فلا يدري أيّ الإناءين هو الخمر.

فهنا يوجد عندنا أحكام نفسية ناشئة من ملاكات في أنفسها لحرمة الخمر الناشئة من مفسدة نفسية في نفس الخمر، و إباحة الخل الناشئة من مصلحة نفسية في إطلاق العنان نحو الخل.

فهذان حكمان نفسيان، فإذا ميّز بينهما المكلّف فلا أحكام طريقيّة، و إذا لم يمكنه أن يميّز بينهما و اشتبه عليه الحلال بالحرام، إمّا بنحو الشبهة الموضوعية، أو بنحو الشبهة الحكمية، حينئذ، في هذه الحال،

61

المولى باعتبار أنّ عنده ملاكان، أحدهما مفسدة الخمر، و الآخر مصلحة إطلاق العنان في الخل أو لحم الطير مثلا، و بما أنّه لم يصل ذلك إلى المكلّف، حينئذ، إمّا أن يحكم عليه حكما طريقيا بوجوب الاحتياط فيهما معا، تحفظا على مفسدة الخمر، و بهذا تفوت المصلحة الموجودة في الخل أو لحم الطير، و إمّا أن يعكس المطلب، و حينئذ، يقع في مفسدة الخمر أو لحم الأرنب مثلا، و أيّهما جعل، فهو حكم طريقي، لأنّ هذا الحكم لم ينشأ في صورة جعل الحرمة من مفسدة في الاثنين، بل من مفسدة في الخمر، لكن حفاظا على عدم الوقوع فيها يجعل تلك الأحكام، و من هنا قلنا: إنّ هذه الأحكام تنشأ من متعلقات ملاكات تلك الأحكام الواقعية النفسية، و كذا الحال لو جعل الحلية للإثنين معا، فإنّ هذا حكم طريقي لم ينشأ من مصالح في الموردين، بل حفاظا على مصلحة الخل أو لحم الطير، و من هنا فالأحكام الطريقية ناشئة من ملاكات في متعلقات تلك الأحكام النفسية، و يترتب عليها أنّها إنّما تتميّز و تعذر عن الأحكام النفسية، و أمّا بنفسها فلا تميّز لها و لا تعذير، فوجوب الاحتياط مثلا منجز للأحكام الواقعية المشكوكة.

و بمثل هذا البيان دفعنا التضاد بين الأحكام الواقعية و الأحكام الظّاهرية في عالم المبادئ، إذ يتضح من هذا انّ مبادئ الحكم الظاهري هي عين مبادئ الحكم الواقعي النفسي، لا ملاكات و مبادئ أخرى يقع التضاد بينهما، و بمثل هذا جمعنا بين الأحكام الواقعية و الأحكام الظاهرية، و بمثل هذا صوّرنا وجوب الاحتياط و البراءة و أمثالها.

و هذا البيان لا يأتي في محل الكلام، لأنّه في محل الكلام لو فرض أنّ المكلّف كان قاطعا بأحكام ترخيصية، و المولى يريد أن يجعل ما يشبه وجوب الاحتياط عليه أو بالعكس، و كلاهما غير ممكن، لأنّ‏

62

هذا الحكم الّذي يشبه وجوب الاحتياط، إن كان نفسيا، فيلزم حينئذ اجتماع الضدين، لأنّ هذا حكم مستقل و له مبادئ مستقلة، و المقطوع له أيضا مبادئ مستقلة فيلزم التضاد، و إن كان هذا المجعول حكما طريقيا، إذن فهو لا يتنجز بنفسه، و إنّما يتنجز غيره، و هي الحرمة الواقعية الّتي يقطع المكلّف بعدمها، حيث أنّه يقطع بالترخيص.

و هذا هو فرق القاطع عن الظان و الشك، ففي موارد الظن و الشك إذا حكم المولى بوجوب الاحتياط طريقيا تنجز الواقع المشكوك أو المظنون، و المكلّف يحتمل وجوده في الواقع، إذن فقد نجا من وجود شي‏ء قد تنجز عليه، فيكون وجوب الاحتياط مؤثرا في مقام العمل.

أمّا وجوب الاحتياط في محل كلامنا، فلا ينجز غيره، إذ لا وجود لغيره، هذا برهان استحالة جعل ما يشبه وجوب الاحتياط.

أمّا إذا عكس المطلب، و كان برهان استحالة جعل ما يشبه البراءة، فيما إذا فرض أنّ المكلّف قطع بحكم إلزامي، و ذلك لأنّ المولى يرى انّ هذا القاطع سلوكه في أكثر الموارد متحفظا على الحاجات الّتي تخيّلها محرمات، فيريد ترخيصه في تمام ما قطع به، و هذا مستحيل، باعتبار انّ هذا الحكم الّذي يجعله على القاطع، إن كان نفسيا، إذن يلزم اجتماع الضدين في تمام المبادئ كما تقدّم، و إن كان حكما طريقيا من باب تقديم مصلحة الحلال على مفسدة الحرام، إذن لا يكون مؤثرا في حق هذا المكلّف، لأنّ هذا الحكم الطريقي إنّما يصدر من الشارع، من باب عدم إمكان التحفظ على كلا الملاكين، و العبد يرى أنّ بإمكانه التحفظ، لأنّه يرى انّ قطعه مصيب، فمثل هذا الترخيص الاضطراري لا يكون معذرا لمكلف يرى أنّه قادر على التحفظ على كل ملاكات الشارع، كما لو فرض أن تعرّض للغرق كل من صديق الشارع و عدوه، فيقول الشارع للعبد لا تنقذهما معا اضطرارا، فلو فرض أنّ‏

63

العبد يميز بينهما، فلا يكون هذا معذرا بالنسبة إليه، إذن فالمولى إذا جعل ما يشبه البراءة على القاطع، فكل قاطع يمكنه أن يعتذر عن إنشاء الحكم من قبل المولى عند ضيق الخناق.

و الخلاصة هي، أنّه لا يمكن جعل حكم على خلاف الحكم المقطوع به، كما يجعل في موارد الشك و الظن من الأحكام الظّاهرية.

أمّا إذا كان القطع بحكم ترخيصي و أراد المولى جعل حكم ظاهري إلزامي نظير الاحتياط في الشّبهات، فهذا الحكم، إن فرض نفسيا، لزم التضاد كما تقدّم توضيحه في البرهان الأول، و إن فرض طريقيا- و الحكم الطريقي عندنا هو الحكم الناشئ بملاك التزاحم بين الأحكام الترخيصية و الإلزامية في مرحلة حفظ الملاك الأهم، و لذا يجعل المولى حكما طريقيا يبرز به اهتمامه بما هو المهم من تلك الملاكات المتزاحمة، و من هنا قلنا: إنّ تلك الأحكام الطريقية هي أحكام ناشئة من مبادئ و لكن لا في نفسها، بل في متعلقات ملاكات تلك الأحكام الواقعية النفسية- فلا يكون تضاد بينهما بلحاظ المبادئ، لأنّ مبادئ الحكم الظاهري هي عين مبادئ الحكم الواقعي النفسي، لا ملاكات و مبادئ أخرى ليقع التضاد بينها، و بمثل هذا جمعنا بين الأحكام الواقعية و الظاهرية، و بمثل هذا صوّرنا وجوب الاحتياط و البراءة و أمثالها.

إلّا انّ هذا البيان لا يعقل جعله في محل الكلام، لأنّ الحكم الطريقي هنا غير منجز في نفسه، و إنّما هو منجز لغيره، أي أنّه ينجز الحكم الواقعي و ملاكه النفسي كما تقدّم، و المفروض أنّ المكلّف يقطع بعدم الملاك الإلزامي الواقعي، حيث أنّه يقطع بالترخيص به، و معه لا يتنجز الحكم الإلزامي الواقعي بهذا الحكم الطريقي، و هذا هو فرق القاطع عن الظان و الشاك كما عرفت.

64

و أمّا إذا عكس المطلب، و كان المكلّف قاطعا بحكم إلزامي و أراد المولى جعل حكم ظاهري ترخيصي، فهذا مستحيل أيضا، لأنّه إن كان ما يجعله حكما نفسيا، إذن فيلزم اجتماع الضدين في تمام المبادئ كما تقدّم.

و إن كان طريقيا ناشئا عن التزاحم بين الملاكات الواقعية الترخيصية و الإلزامية و تقديم مصلحة الترخيص على الإلزام، فمثل هذا الحكم لا يكون مؤثرا و معذرا للمكلّف، لأنّ هذا الحكم إنّما يصدر من الشارع من باب عدم إمكان التحفظ على كلا الملاكين، و القاطع يرى أنّ قطعه مصيب للواقع دائما، إذن فهو يرى أنّه بإمكانه أن يحفظ الملاك الإلزامي للمولى من دون تزاحم، إذن فمثل هذا الترخيص لا يكون معذرا لمكلّف يرى أنّه قادر على التحفظ على كل ملاكات الشارع، فهو يرى عدم شمول خطاب الشارع له روحا و ملاكا، و إن كان يشمله خطابا.

فالنتيجة هي، أنّه لا يعقل جعل الخطاب الظّاهري في مورد القطع، لا نفسيا، لاستلزامه التضاد، و لا طريقيا، لأنّ القاطع يرى نفسه مستثنى من الخطاب روحا و ملاكا و إن كان مشمولا له صورة، و كلّ خطاب يكون شموله للمكلّف هكذا، لا يكون منجزا و لا معذرا له. هذا هو حاصل البرهان الصحيح في المقام.

65

الجهة الثانية: مبحث التجري‏

و موضوع هذه المسألة هو، أنّ أيّ تكليف يتنجز على المكلّف سواء كان المنجز عقليا كما في موارد القطع الوجداني أو الشك و الاحتمال المنجز في موارد منجزيته، كالاحتمال قبل الفحص، أو الاحتمال المقرون بالعلم الإجمالي، أو كان المنجز شرعيا، كما في الإمارات و الأصول المنجزة كالاستصحاب، فإذا تنجز تكليف على هذا النحو، فإن فرض انّ هذا التكليف المنجز كان مطابقا للواقع، و منجزا بالواقع، بأن كان التكليف الواقعي الإلزامي موجودا في البين، و خالفه المكلّف، فهذا عصيان قبيح يستحقّ العبد على تركه العقاب في صورة مخالفته له بلا إشكال، و أمّا إذا فرض أنّ التكليف المنجز الواقعي هذا، لم يكن ثابتا في الواقع، بل كان الثابت هو الإباحة الترخيص، و لكن المكلّف خالف و تجرأ، فهذا هو التجرّي موضوع الكلام.

و حينئذ يبحث في أنّه هل يحكم بقبحه و استحقاق المتجري العقاب عليه بل و حرمته شرعا- على الرغم من عدم مطابقته التكليف المقطوع للواقع و عدم ثبوته- أو لا؟

و منه يظهر انّ هذا البحث لا يختصّ بخصوص موارد القطع، بل‏

66

يشمل بروحه كل ما كان منجزا سواء كان قطعا، أو منجزا بمنجز عقلي كالاحتمال قبل الفحص، أو بمنجز شرعي كما عرفت.

و هناك من توهم انّ هذا البحث لا يشمل موارد المنجزات الشرعية- أي موارد الحكم الظّاهري، كما لو قامت الإمارة ثابت على حرمة مائع- بدعوى أنّه في هذه الموارد، المعصية محققة، فيخرج المقام عن التجري و يدخل في المعصية، لأنّ الحكم على طبق الإمارة ثابت على أيّ حال، سواء كانت الإمارة مطابقة للواقع، أو لم تكن كذلك، كما لو أخبر الثقة بوجوب السورة، و ترك المكلّف السورة، و لم تكن واجبة في الواقع، و لكن خالف خبر العادل.

و هذا التوهم باطل على جميع المباني في باب جعل الحجية في باب الإمارات و الأصول، لأنّ الحكم الظّاهري ليس له عقاب و امتثال مستقل في مقابل التكاليف الواقعية.

و قد شمّ سر ذلك في البحث السابق، حيث ذكرنا أنّ الأحكام الظّاهرية هي أحكام طريقيّة لا تنشأ من مصلحة في متعلقاتها هي، بل منشؤها من ملاكات الأحكام الواقعية، حيث بها يحفظ الملاك النفسي في الحكم الواقعي، فيكون جعلها للمحافظة على ملاكات الأحكام الواقعية، حيث يقال: بأنّ هذا الحكم الظّاهري الّذي روحه روح الطريقي قد جعل بلسان جعل الحكم التكليفي، كما كان في صدق العادل، أو بلسان جعل الحكم المماثل، أو بلسان جعل الطريقية و الكاشفية، أو بلسان جعل الحجيّة و المنجزيّة، فكل هذه الألسنة هي مجرد صياغات فنية في مقام الجعل لا تغيّر من حقيقة الحكم الظّاهري، فإنّ روح الحكم الظّاهري تبقى بنفسها روح حكم لا حيثيّة لها في قبال الحكم الواقعي و الواقع، بل هي روح طريق لا تختلف الحال فيه بين لسان و آخر من هذه الألسنة.

67

و عليه: فالمقام داخل في باب التجرّي دون العصيان المستقل عن الحكم الواقعي، و لا يتوقف ذلك على ما ذكره الميرزا (قده) (1)، من أنّ الأحكام الظّاهريّة ليست تكليفية، بل هي تتميم للكشف و الطريقيّة، فليس لها عصيان مستقل عن الواقع، فإنّ هذا غير صحيح، فإنّ الحكم الظّاهري كيفما كان لسانه، سواء كان تتميم الكشف، أو بلسان جعل الحكم المماثل أو غيره، فهذه كلها تفنّنات في التعبير.

و أمّا روح الحكم الظّاهري فليس له عصيان و امتثال مستقل عن الحكم الواقعي، لأنّه عار عن المبادئ، سوى مبادئ الحكم الواقعي، و حيث أنّه لا واقع له، فيدخل في باب التجرّي.

و البحث في هذه المسألة يقع في عدّة مقامات.

1- المقام الأول: في تحقيق الكلام في قبح الفعل المتجرّى به و عدم قبحه عقلا.

2- المقام الثاني: في استحقاق العقاب على الفعل المتجرّى به و عدمه، سواء قيل بقبحه عقلا أو لا.

3- المقام الثالث: في حرمة الفعل المتجرى به شرعا.

____________

(1) فرائد الأصول: الكاظمي، ج 2، ص 15، 16.

أجود التقريرات: الخوئي، ج 2، ص 23، 24.

68

المقام الأول: في تحقيق الكلام في قبح الفعل المتجرّى به و عدم قبحه عقلا

أمّا المقام الأول و هو في قبحه عقلا، بمعنى أنّ حكم العقل بقبح التجري، هل يختصّ بالمعصية، أو أنّه يشمل التجري أيضا؟.

و الّذي ينبغي قوله هو، انّه بعد أن عرفنا في المقام أنّ حكم العقل بقبح التجري، يرجع- في الحقيقة و بحسب طريقة تحليلنا له- إلى حق الطاعة، و حق مولوية المولى على العبد، و حينئذ، لا بدّ من الفحص عن حق هذه المولوية و دائرتها و موضوعها، لنرى أنّ هذه الدائرة هل تنطبق على التجري، و انّ موضوع حق الطاعة هل يشمل موارد التجرّي أو لا؟

فإن انطبق و كان موضوع حق الطاعة يشمل موارد التجري، إذن، فللمولى حق، و المتجرّي سلب منه هذا الحق، و هذا السلب ظلم، و الظلم قبيح، فيكون الفعل المتجرّى به قبيحا.

و إن فرض أنّ موضوع المولويّة لا ينطبق على موارد التجرّي، إذن، لا حقّ هنا للمولى، فلا قبح إذن، لأنّ القبح فرع الظلم، و الظلم فرع سلب الحق.

69

إذن، فالسؤال هنا، هو أنّه، ما هو موضوع حق الطاعة، و ما هي دائرة حق المولوية؟.

و هنا يوجد ثلاث تصورات في البداية.

1- التصور الأول: هو أن يكون موضوع حق الطاعة و المولوية هو تكاليف المولى الموجودة بوجوداتها الواقعية النّفس الأمرية، سواء وصلت أو لم تصل، علم بها أم لم يعلم، و بناء على هذا، حينئذ، يلزم أن يكون حق الطاعة للمولى غير ثابت في موارد التجرّي، لأنّ تمام موضوع حق الطاعة هو التكليف بوجوده الواقعي النّفس الأمري و المفروض عدم وجوده في موارد التجري، إذن فحق الطاعة بهذا التصور لا يشمل موارد التجري.

لكن قد عرفت سابقا أنّ هذا التصور غير صحيح في نفسه، لأنّ لازمه تحقّق المعصية في موارد مخالفة التكليف الواقعي و لو لم يكن منجزا، بل حتّى إذا كان قاطعا بعدمه، لأنّه أيضا يكون حق الطاعة ثابتا، لأنّ تمام الموضوع محفوظ حتّى مع العلم بعدمه، و هذا غير معقول.

2- التصور الثاني: و هو عكس الأول، و ذلك بأن يقال: بأنّ حق الطاعة و المولوية، تمام موضوعها هو، إحراز التكليف بمنجز من المنجزات العقلية أو الشرعية، سواء كان هناك تكليف في الواقع أو لم يكن، إذن، فالإحراز هنا هو تمام الموضوع.

و بناء عليه: يكون حق الطاعة ثابت و شامل لموارد التجرّي، لأنّ تنجز التكليف ثابت و محرز فيها بالقطع المنجز عقلا و إن لم يكن موجودا في الواقع، و عليه: فحق المولوية يكون مسلوبا هنا و هو ظلم، و الظلم قبيح، و هو مورد التجري.

3- التصور الثالث: و هو تصور وسط بين التصورين السابقين،

70

و حاصله: هو أنّ موضوع حق الطاعة مركب من جزءين، أحدهما التكليف بوجوده الواقعي، و ثانيهما، إحرازه بمنجز عقلي أو شرعي، إذن، فلا التكليف الواقعي وحده موضوع حق الطاعة و تمام الموضوع، و لا العلم و الإحراز وحده هو الموضوع، و بناء عليه فلا يلزم ثبوت حق الطاعة من ترك الأول وحده، و لا من الثاني وحده، و حينئذ، بناء على هذا التصور يقال: بأنّ الفعل المتجرّى به لا يكون قبيحا، لأنّه لا حق للمولى مسلوب هنا من قبل المتجرّي ليكون قبيحا.

و هنا لنا كلامان:

1- الكلام الأول: هو انّنا ندّعي أنّ الصحيح من هذه التصورات الثلاثة هو الثاني.

2- الكلام الثاني: هو انّنا ندّعي فيه أنّه لو بني على التصور الثالث، فمع هذا نقول بقبح التجري.

أمّا الكلام الأول، و هو أنّ التصور الثاني هو الصحيح، فذلك لأنّ حق المولى، تارة يكون حقّا مجعولا من قبل مولى آخر، و أخرى يكون حقّا ذاتيا كما تقدّم.

و محل كلامنا هو حق المولويّة الذاتية، أي الثاني، و هذا الحق الذاتي للمولويّة ليس شأنه شأن الحقوق الأخرى العرفية أو الاجتماعية أو الشرعية الّتي لها واقع يتصور فيه انكشاف الخلاف، من قبيل حق المرتهن في العين المرهونة، أو حق المغبون في الغبن، فقد يفرض انّ هذه حقوق ثابتة، و لكن الإنسان لا يعلم بها، حيث يفرض أنّه يتخيل ثبوتها و هي غير ثابتة، لأنّ هذه الحقوق تابعة لموضوعاتها الواقعية النّفس الأمرية.

أمّا حق المولى في المولوية الذاتية، فهو بحسب الحقيقة مرجعه إلى استحقاق هذا المولى المرتبة اللائقة به من الاحترام و الرعاية لجانب‏

71

مولويته و تجنب الجرأة عليه، و الاستعداد لأداء الوظائف الّتي يأمره بها، إذ لا معنى لحق المولى و حق الطاعة إلّا هذا، و نحن إنّما نقول إنّ الطاعة حق ذاتي فباعتبار جنبة احتراميّتها.

و هذا الحق، تمام ميزانه و نكتته هو قطع المكلّف بتكليف المولى، و حينئذ، إذا أقدم المكلّف على الفعل مع قطعه بالنهي عنه من قبل مولاه، أو أقدم على تركه مع قطعه بالأمر به، حينئذ، تمام الجنبات الإهانية تكون موجودة في فعله، فيكون فعله هذا سلبا و ظلما للمولى.

نعم في فرض التجرّي عند ما لا يكون الفعل المتجرّى به بملاك تحصيل مصلحة له أو عدم إضرار به كما في حقوق النّاس و أموالهم، كما هو الحال في حق المالك في ملكه، فقد يقال: بأنّ من أتلف مالا يتخيل انّه لزيد من النّاس ثمّ تبين أنّه مال لنفسه، قد يقال حينئذ، انّه ليس ظالما لزيد لأنّه لم يخسره شيئا، حيث أنّه لم يعتد على ماله و لا على مولويّة المولى.

أمّا هنا في فرض المعصية، فالاعتداء على المولى موجود، لأنّه كان بلحاظ نفس حق الطاعة و حق المولوية، و قد عرفت، انّ حق الطاعة لا يرجع إلى حيثية واقعية و واقع التكليف، و إنّما يكون بملاك التحفظ على احترام المولى، لأنّ تمام موضوع حق المولى هو مطلق التنجز بالقطع و غيره بتكاليف المولى، فلو تنجز تكليف على العبد، و مع ذلك تجرأ و خالف مولاه، كان ذلك خروجا عن أدب العبودية و احترام مولاه و لو لم يكن هناك تكليف واقعا.

إذن، فمن حيث الجانب الاحترامي لا يوجد هناك دخل لمطابقة القطع للواقع و عدمه، و إنّما تمام موضوع حق الطاعة هو عبارة عمّا أحرز من التكاليف بمنجز ما، سواء كان هذا الإحراز مطابقا للواقع أم لا، بل حتّى لو لم يكن في الواقع تكليف.

و أمّا الكلام الثاني فهو، انّنا لو سلّمنا بالتصور الثالث، و هو كون‏

72

موضوع حق الطاعة و المولى مركب من جزءين، التكليف بوجوده الواقعي، و الإحراز، إذن، فهنا العبد لم يسلب من المولى حقّه في باب التجري، لأنّ أحد جزئي الموضوع غير موجود.

و لكن رغم ذلك نقول، بقبح التجرّي، و ذلك بدعوى أخرى ندّعيها، و هي أنّ هذا العبد حينما أقدم على ارتكاب ما قطع بحرمته، فإنّه كان يتخيل أنّه حق المولى، و هو يقطع بالتالي بأنّه يسلب المولى حقّه في صورة ارتكابه، بمعنى، أنّه أقدم على ظلم المولى و سلبه حقّه باعتقاده، و إن لم يظلمه واقعا، و ندّعي أنّه كما انّ الظلم قبيح، فكذلك ارتكاب ما يقطع بأنّه ظلم و لو اشتباها، فإنّه قبيح أيضا بحكم العقل، كمن كان يتخيّل و يعتقد بفضل إنسان عليه و إنعامه، ثمّ جحد نعمته، فهذا قبيح، إذ لا فرق بين من يقع في خطأ في أصل مولوية المولى، و بين من يقع في خطأ تطبيق مولويته، حيث انّ نفس الإقدام على فعل يقطع بأنّه ظلم للمولى قبيح و إن لم يكن في الواقع كذلك، فمن قبل و اعتقد انّ الظلم قبيح، ينبغي أن يعتقد انّ الإقدام على ما يعتقد انّه ظلم قبيح أيضا.

و موارد التجري من هذا القبيل، فإنّه و إن لم يكن قد سلب حق المولى- هذا بعد التنازل عن الكلام الأول- إلّا أنّ هذا المكلّف كان قد أقدم عليه، فيكون إقدامه هذا بهذا الاعتبار قبيحا، و بهذا يكون استحقاقه للعقاب من مولاه الحقيقي- مع أنّه لم يظلمه في الواقع- بملاك كون مقتضى مولوية المولى الحقيقي ان تعاقب المتجري الفاعل للقبيح بحسب اعتقاده، و إن لم يكن فعله القبيح هذا ظلما لمولاه في الواقع.

و مع اتضاح بطلان التصور الأول في دائرة حق الطاعة، و اتضاح أنّه بناء على التصور الثاني لا إشكال في قبح الفعل المتجرّى به كما هو الصحيح، ننقل الكلام إلى التصور الثالث.

73

و أمّا التصور الثالث: فقد عرفت سابقا أنّه حتّى لو سلّمنا و بنينا عليه، فرغم هذا نقول بقبح التجرّي لما عرفت و ادّعيناه من كون الظلم قبيحا، و كون الإقدام على ما يعتقد بكونه ظلما هو قبيح أيضا.

و حينئذ أشكل على هذا الكلام حيث قيل: إنّه إذا كان الظلم قبيحا، و كان الإقدام على ما يعتقد بكونه ظلما هو قبيح أيضا، إذن يلزم في موارد المعصية و إصابة القطع للواقع تعدد القبيح، لأنّ العاصي ظلم المولى، باعتبار انّ موضوع حق الطاعة محقق حتّى بناء على التصور الثالث، و قد فرض أنّه أقدم على هذا الظلم، فنفس الحالة الموجودة في المتجري، و هو إقدامه على الظلم، هي موجودة في هذا العاصي، لأنّه أقدم على الظلم، و بهذا يكون قد صدر عنه قبيحان.

أو قل: إذا كان الظلم قبيح، و الإقدام عليه قبيح أيضا، لزم في موارد المعصية و إصابة القطع للواقع، صدور قبيحين، و هو خلاف الوجدان.

و حل هذا الإشكال، هو أنّه لا تعدّد للقبح في المقام، لأنّ موضوع القبح عقلا دائما إنّما هو الإقدام على الظلم، لا نفس الظلم، غاية الأمر انّ الظلم يستبطن الإقدام عليه لكونه متقوما بالقصد و الاختيار، فالإقدام على الظلم يكاد أن تكون نسبته للظلم هي العموم المطلق، إذ متى ما كان ظلم، فهناك إقدام عليه، لأنّ الظلم متقوم بالقصد و الاختيار، و متى ما كان إقدام على الظلم، فقد يكون ظلم، كما في موارد المعصية، و قد لا يكون، كما في التجرّي، و ما هو موضوع القبح عقلا إنّما هو الإقدام على الظلم الّذي هو محور طرفي مورد العصيان و التجرّي، إذن فلا ندّعي تعدّد مراكز القبح و وجود عنوانين قبيحين أحدهما نفس الظلم، و الآخر الإقدام عليه، كي يردّ الإشكال في مورد العصيان.

74

نعم هناك فرق بين مورد الإقدام على الظلم، مع تحققه، و بين الإقدام على الظلم من دون تحققه، و هو أنّه إذا أقدم على الظلم و كان الظلم متحقّقا، بأن نفرض أنّه عصى تكليف المولى، فهو هنا ارتكب قبيحا يستحقّ عليه العقاب التأديبي من كل عاقل، و إضافة لهذا يوجد له مظلوم و هو مولاه، و العقل يدرك هنا أيضا أنّ المظلوم له حق التعويض و القصاص ممّن ظلمه، و لهذا نجد انّ هذا الإنسان الّذي يظلم أباه مثلا، كلّ النّاس يذمّونه بملاك التأديب، لكن أبوه يذمّه بملاك التأديب بما هو عاقل، و بملاك القصاص بما أنّه مظلوم.

و هذا بخلاف موارد الإقدام على الظلم دون تحقق الظلم في الواقع، كمن يجحد نعمة من يتخيّل أنّه منعم عليه، فهنا صدر منه قبيح و يستحقّ عليه العقاب التأديبي من العقلاء، لكن العقاب القصاصي من المظلوم لا يستحقّه، إذ لا مظلوم في الواقع في المقام، أمّا القبح فلا يفرّق فيه بين الإقدام على الظلم و تحقّقه، أو عدم تحقّقه، بناء على التصور الثالث.

و في مقابل هذا المسلك الّذي سلكناه يوجد مسلكان آخران:

1- المسلك الأول: و هو ظاهر كلمات الشّيخ الأعظم (قده) (1) في الرّسائل، حيث ذهب إلى إنكار هذا القبح رأسا في الفعل المتجرّي به، حيث انّه يرى أنّه في الفعل المتجرى به لم يصدر منه ظلم أصلا، و إنّما هناك سوء سريرة انكشفت بهذا الفعل المتجرّى به. إذن، فقبح هذا الفعل، بسبب كشفه عن سوء السريرة، لا أنّه هو قبيح، فالفعل المتجرى به ليس قبيحا إلّا بما هو كاشف عن شي‏ء قبيح، و هذا نظير الكلمات القبيحة الكاشفة عن معانيها القبيحة، و قبح الكاشف بما هو كاشف، أمر عرضي مجازي.

____________

(1) فرائد الأصول: الأنصاري، ص 8.

75

و قد عرفت بطلان هذا المسلك ممّا ذكرناه، و ذلك لأنّه لا بدّ من الرّجوع إلى تشخيص موضوع حق الطاعة، كي نعرف أنّ المتجري هل صدر منه القبيح أو لم يصدر، فإن كان الشّيخ (قده) يتصور حق الطاعة بالتصور الثاني، إذن، فمن الواضح أنّ المتجري قد سلب من المولى حقّه، و معه فلا بدّ من القول بالقبح، و إن كان الشّيخ (قده) يبني على التصور الثالث، فهو «أولا» غير صحيح كما عرفت، و «ثانيا» لو سلّم، أيضا للزم منه القبح كما تقدّم، فإنّ العقل يستقل بقبح الإقدام على القبح، و قولكم بأنّ هذا القبح إنّما هو للفعل بما هو كاشف، على حدّ قبح الظلم، فهو قياس مع الفارق، لأنّ هذا الفعل يكشف كشفا تصديقيا عن عدم احترام العبد لمولاه و استخفافه به، و من الواضح، أنّ نفس كشف ذلك هو عبارة أخرى عن الخروج عن حريم مولوية المولى، و هذا ظلم قبيح، إذ أنّ موضوع هذا الكشف هو نفسه موضوع حق المولى و الطاعة.

2- المسلك الثاني: و هو ما يظهر من كلمات المحقق النائيني (قده) (1) حيث ذكر انّ التجري قبيح، لكنّه ميّز بين القبح الفعلي، و القبح الفاعلي، و قال بأنّ قبح التجري ليس فعليا بل فاعلي، و رتب على ذلك الانتهاء إلى نفس النتيجة الّتي توصل إليها الشّيخ (قده)، و هي، أنّه ما دام قبح التجري قبحا فاعليا لا فعليا، إذن لا يستحقّ العقاب عليه، لأنّ استحقاق العقاب من شئون القبح الفعلي كما في موارد المعصية.

و هذا الكلام لا يخلو من غموض، و عليه نطرح احتمالات متصورة حوله مع مناقشتها.

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي، ج 2، ص 16، ص 17.

أجود التقريرات: ج 2، ص 36.

76

1- الاحتمال الأول: هو أن يكون مقصوده إنكار قبح الفعل المتجرّى به أصلا، و إنّما قبحه عرضي مجازي لكشفه عن سوء سريرة المتجري.

و هذا رجوع إلى كلام الشّيخ (قده)، و قد عرفت ما فيه، كما أنّ هذا هو الّذي يظهر من كلمات أجود التقريرات‏ (1)، و فوائد الأصول من تقريرات الميرزا (قده).

2- الاحتمال الثاني: هو أن يكون مقصوده تصور نحوين من القبح ثبوتا.

أحدهما، قبح فعلي، و الآخر، قبح فاعلي، و القبح الفعلي مركزه ذات الفعل في نفسه بقطع النظر عن إضافته إلى فاعل مخصوص، و يقابله حسن فعلي، أي حسن الفعل بما هو هو، و هذا هو الحسن و القبح الفعليّان.

و الآخر، و هو القبح الفاعلي، و مركزه الفعل بما هو مضاف إلى فاعل مخصوص، و يقابله الحسن الفاعلي و مركزه الفعل بما هو مضاف إلى فاعل مخصوص، و هذا هو القبح و الحسن الفاعليّان، و حينئذ يدّعى، أنّه في باب المعصية يكون القبح فعليا حيث أنّ نفس الفعل قبيح بقطع النظر عن صدوره من أي شخص، و أمّا حينما يشرب خلا بتوهم أنّه خمر، كما في التجري، فهذا الفعل بقطع النظر عن إضافته إلى الفاعل لا مفسدة فيه لأنّه خل، لكن بما هو مضاف إلى هذا الفاعل المخصوص القاطع بحرمته، يكون قبيحا، فهذا قبح فاعلي.

فمرجع هذا الكلام إلى أنّ القبح تارة يكون من الفعل في نفسه كما في المعصية، فيستحقّ العقاب، و أخرى يكون في الفعل بما هو مضاف إلى فاعل مخصوص، فهذا قبح فاعلي، و لا يستحقّ العقاب.

____________

(1) المصدر السابق.

77

و حينئذ نقول: إن كان هذا هو مقصوده، فيردّ عليه:

أولا: انّه لا معنى لتقسيم الحسن و القبح إلى «فعلي و فاعلي»، فإنّ هذا معناه، أنّه يتصور انّ الفعل في نفسه بقطع النظر عن إضافته إلى فاعل مخصوص يتصف بالحسن و القبح، مع أنّه من الواضح بطلان هذا التصور، لأنّ الحسن و القبح إنّما يضافان إلى الفعل بلحاظ صدورهما من الفاعل.

و كأنّ هذا التقسيم ناشئ من الخلط بين الحسن و القبح، و بين المصلحة و المفسدة، إذ أنّ المصلحة و المفسدة موضوعهما هو الفعل في نفسه فهو الّذي يتصف بالمصلحة و المفسدة، و أمّا الحسن و القبح فإنّ موضوعهما الفعل بما هو مضاف إلى فاعله، و لا يتصور فيهما حسنا و قبحا بقطع النظر عن الفاعل، بل قد يكون الحسن ذا مفسدة، و القبح ذا مصلحة، كما في التجرّي و الانقياد على ما يأتي إن شاء اللّه تعالى.

إذن فمتعلق الحسن و القبح إنّما هو فعل الفاعل، لا فعل مقطوع النظر فيه عن الفاعل، فلو وقع فعل بلا فاعل و لو محالا، فلا معنى لحسنه و قبحه، و لا معنى لاستحقاقه الثواب عليه و العقاب، لأنّه لا وجود لشخص فاعل يثاب و يعاقب، بينما لو وقع فعل بلا فاعل، فهذا قد يكون فيه مصلحة، إذن، فباب المصلحة غير متقوم بإضافة الفعل إلى الفعل، إذن، فهناك مصلحة فعليّة، و مصلحة فاعلية، لكن الحسن و القبح باعتبار رجوعهما إلى استحقاق الثواب و العقاب، فهما متقومان بالفاعل، إذن فلا معنى لتقسيمهما إلى فعلي و فاعلي، لأنّ القبح و الحسن هما ما يذمّ و يمدح عليهما الفاعل، و هذا لا يكون إلّا بعد إضافتهما إلى فاعل، و ليس الفعل في نفسه.

و ثانيا: لو سلّمنا بهذا التقسيم، أي بقبح فعلي متعلق بذات الفعل، و قبح فاعلي متعلق به بما هو مضاف إلى الفاعل، فإنّه مع هذا يأتي الإشكال الثاني، و هو أن يقال حينئذ:

78

لما ذا لا يستحقّ الفاعل، العقاب على القبح الفاعلي، كما في التجرّي، ما دام أنّ الفعل بما هو مضاف إليه قبيح، فإنّه لا فرق بين القبح الفعلي و القبح الفاعلي من هذه الناحية، فكما أنّ القبح الفعلي يستوجب العقاب، فكذلك القبح الفاعلي.

و منه يعلم أنّه لا وجه لتخصيص استحقاق العقاب بخصوص صدور القبيح في نفسه و بقطع النظر عن الفاعل.

3- الاحتمال الثالث: هو أن يكون مقصوده من القبح الفعلي و الفاعلي. بمعنى أنّ مركز القبح الفاعلي هو نفس الإضافة و النسبة بين الفعل و الفاعل. لا الفعل ذاتا، و لا الفعل بما هو مضاف.

و بتعبير آخر: أن يكون مقصوده أنّه يتصور انّ الفاعل حينما يفعل شيئا يكون هناك ثلاثة أشياء، فاعل، و فعل، و نسبة بينهما، و حينئذ يقال:

بأنّ القبح، تارة يكون مصبّه هو الفعل بما هو منسوب إلى فاعل، و أخرى يكون مصبّه هو ذات النسبة مع خروج الفعل عن فعليّة القبح.

و فرق هذا عن سابقه هو، أنّه هنا: القبح الفعلي متعلق بالفعل المضاف إلى الفاعل بما هو مضاف، لكن بنحو يشمل ذات الفعل و ينطبق على الفعل المضاف بما هو مضاف، و القبح الفاعلي متعلق بذات الإضافة، إذن فعندنا شيئان، إضافة، و فعل مضاف، فالقبح الفعلي متعلق بالفعل المضاف بما هو مضاف، و القبح الفاعلي متعلق بذات الإضافة.

و هذا الكلام لا يردّ عليه الإشكال الأول، لأنّ القبح الفعلي هنا ليس متعلقا بالفعل بما هو هو، بل بالفعل بما هو مضاف، و فرقه عن القبح الفاعلي هو أنّ القبح الفاعلي متعلق بمحض الإضافة و النسبة بلا سريان للفعل ثمّ يرى أنّ القبح في باب المعصية فعليا و في باب التجري فاعليا.

79

لكن رغم هذا، فهذا الاحتمال غير صحيح، لأنّه يردّ عليه.

أولا: انّ التفكيك بين الإضافة و الفعل المضاف أمر تحليلي اعتباري لا واقعي، و إلّا فليس في الخارج شيئان، أحدهما الفعل، و الآخر، الإضافة، بل الإضافة بما هي معنى حرفي مفهوم منتزع عن الفعل بلحاظ انتسابه إلى الفاعل و صدوره عنه، و إلّا لو كان هناك شيئان خارجيان، الإضافة، و الفعل، لسألنا: إنّ هذه الإضافة من فعلها؟ و لا بدّ أن يكون هو نفس هذا الفاعل، و إلّا لفرضنا إضافة أخرى بين هذه الإضافة و بين الفاعل، و هكذا حتّى يتسلسل، فالإضافة ليست موجودة في مقابل وجود الفعل، بل هي أمر واقعي منتزع بلحاظ صدور الفعل من الفاعل، و الموجود خارجا إنّما هو الفعل، إذن فما تعلق به القبح هو الفعل، و لا معنى لافتراض تعلق القبح بالإضافة إذ الوجدان قاض بعدم وجود أكثر من تبعية اتجاه الفعل.

و ثانيا: هو أنّه لو سلّم ثبوت التعدّد بين الإضافة و الفعل المضاف بحسب الوجود الخارجي، حيث يفرض أنّ الإضافة لها وجود في الخارج، و انّ الفعل له وجود مستقل كذلك، و انّ القبح تارة يتعلق بالإضافة فقط، و أخرى يتعلّق بالمضاف بما هو مضاف، لو سلّم كل ذلك، فلما ذا لا يترتب استحقاق العقاب على «المتجرّي»، أي على القبح الفاعلي، إذا كانت الإضافة أمرا وجوديا منسوبا للفاعل. باعتبار أنّه قد صدر منه القبيح، لأنّ هذه النسبة و الإضافة أمر اختياري للفاعل أيضا، إذن فهي تستدعي المسئولية.

4- الاحتمال الرابع: هو أن يكون مقصوده من القبح الفعلي و الفاعلي، قبح الفعل المضاف بما هو مضاف لا قبح الإضافة، لكن القبح الفعلي متعلق بالفعل المضاف بعنوانه الأولي، و القبح الفاعلي متعلق بالفعل المضاف بعنوانه الثانوي، فمثلا في مورد المعصية حينما

80

يشرب العاصي «الخمر»، فهنا، هذا الفعل له عنوان أوّلي، و هو «شرب الخمر»، و له عنوان ثانوي، و هو «الإقدام على المعصية»، و في مورد التجرّي حينما يشرب الخل باعتقاد أنّه خمر، له عنوان أولي، و هو «شرب الخل»، و عنوان ثانوي، و هو «الإقدام على المعصية»، حينئذ، القبح في باب المعصية متعلق بالعنوان الأولي، فيسمّى بالقبح الفعلي، و في باب التجري القبح متعلق بالعنوان الثانوي فيسمّى بالقبح الفاعلي، فهنا قبحان كلاهما متعلق بالفعل، و لكن بلحاظ العنوان الأولي يكون قبحا فعليا، و بلحاظ العنوان الثانوي يكون قبحا فاعليا.

و يردّ عليه أولا: أنّه لو سلّم ذلك، لكن هذا لا ينتج مقصودكم، و هو نفي استحقاق العقاب للمتجري، كما ذهب إليه الميرزا (قده) (1). إذ كلامه يفترض الاعتراف بسراية القبح إلى نفس الفعل، غايته أنّه بعنوانه الثانوي.

و من الواضح أنّ الفعل إذا كان قبيحا بأيّ عنوان، فقبحه مرجعه إلى استحقاق العقاب عليه، إذن فلا محالة يستتبع العقاب و المؤاخذة من دون فرق بين أن يكون بتوسط عنوان أولي، أو عنوان ثانوي.

و ثانيا: انّه قد عرفت من تصوير المطلب سابقا، أنّ ملاك القبح في المعصية و التجرّي واحد، و هو «سلب حق المولى» الّذي هو متقوم بارتكاب ما يعلم بأنّه حرام، سواء كان حراما في الواقع أم لا.

ما «شرب الخمر»، فهب أنّه بعنوانه الأولي ليس قبيحا، نعم فيه مفسدة، لكن المفسدة شي‏ء، و القبح شي‏ء آخر، بل القبح الّذي هو من تبعات معصية المولى يدور مدار الظلم و سلب المولى حقّه، و إلّا فهو ليس قبيحا بالمعنى الّذي يقصده من القبح.

____________

(1) المصدر السابق.

81

و الخلاصة: هي أنّه لو سلّمنا تعلق القبح بالعنوان الثانوي في موارد التجري، و بالعنوان الأولي في موارد المعصية، فلما ذا يستوجب ذلك عدم استحقاق العقاب على المتجرّي ما دام أنّه فعل صادر منه اختيارا بعنوان قبيح.

و عليه: فهذا المسلك غير تام، بل الصحيح هو ما ذكرناه من كون قبح الفعل المتجرّى به و استحقاق العقاب عليه بنفس مناط استحقاق العاصي للعقاب، و هذا كلّه بناء على ما هو الصحيح من ثبوت «الحسن و القبح» العقليين و كونهما قضيتين أوليتين في العقل.

نعم للقوم مسالك تختلف النتيجة بحسبها.

و توضيح ذلك على وجه الإجمال هو، أنّ «الحسن و القبح» وقع فيهما خلافان.

أحدهما: خلاق بين الأشاعرة و العدلية، حيث ذهب الأشاعرة إلى أنّ «الحسن و القبح» ليسا عقليين، و أنّ العقل لا يدرك حسن شي‏ء و لا قبحه، بل هما شرعيان، فما حسّنه الشارع فهو حسن، و ما قبّحه الشارع فهو قبيح، و بقطع النظر عن تحسين الشارع و تقبيحه، فإنّه ليس هناك قيم للأفعال، كما سيأتي توضيح ذلك في تنبيه مستقل.

الثاني: في مقابل كلام الأشاعرة و هو كلام العدلية، حيث ذهبوا إلى أنّه بقطع النظر عن تحسين الشارع و تقبيحه، فإنّ العقل يدرك فرقا بين «الأمانة و الخيانة»، و بين «العدل و الظلم»، فالعقل يحسّن الأول، و يقبح الثاني.

إذن: «فالحسن و القبح» قضيتان عقليتان و هذا كله خارج عن محل الكلام.

و هناك خلاف ثاني بين المحقّقين من علماء الشريعة العدلية، و بين‏

82

عموم الفلاسفة و من جاراهم من علمائنا، و هذا بعد الفراغ عن أنّ مسألة التحسين و التقبيح عقلية لا شرعية في مقام بيان و تشخيص هوية هذه القضايا و نوعها في قائمة الصناعات الخمس في المنطق الأرسطي، و هذا الخلاف هو المقصود بالبحث في المقام.

إذن فهنا مسلكان في تشخيص هويّة قضايا «الحسن و القبح» العقليين.

1- المسلك الأول: و هو للمحقّقين من علماء العدلية، حيث ذهبوا إلى أنّ قضايا حسن العدل و قبح الظلم مثلا هي قضايا واقعية عقلية أوليّة، بمعنى أنّ شأن العقل في هذه القضايا هو شأن و دور المدرك الكاشف، كما هو شأنه في القضايا النظريّة الأخرى، غاية الأمر، انّ هذه القضايا لها واقع موضوعي منفصل عن اعتبار العقل ثابت في نفس الأمر، أي انّها قضايا واقعية تحقّقها بنفسها لا بوجودها الخارجي، و أنّ إدراك العقل لها إدراك أوّلي من سنخ إدراك العقل بأنّ الكل أكبر من الجزء، و أنّ المعلول لازم لعلّته، و هكذا، إدراك الإمكان و الاستحالة و الامتناع، من مدركات العقل النظري، فكما أنّ هذا الإدراك موضوعه هو محض الكشف، كذلك العدل، و الظلم، فالعقل وظيفته الإراءة، و كما أنّ تلك القضايا أوليّة، بمعنى أنّها ليست مرتبطة بتلقين أو عاطفة، فكذلك حسن العدل، و قبح الظلم.

2- المسلك الثاني: و هو مسلك الفلاسفة و بعض من جاراهم من علمائنا الّذين جروا على طبق المنطق الأرسطي في باب الصناعات الخمس، حيث ذهبوا إلى أنّ حسن العدل و قبح الظلم قضايا عقلية و لكنّها ليست أوليّة، بل هي من القضايا المشهورة.

و هذا اصطلاح وضع في المنطق الأرسطي في باب الصناعات الخمس، حينما أرادوا سبر مواد الأقيسة و المقدّمات الداخلة في الأدلة، فقالوا: بأنّ هذه المواد و المقدّمات على نحوين.

83

أ- النحو الأول منها: هو مقدّمات مقرونة بتصديق عقلي جازم.

ب- النحو الثاني منها: هو مقدّمات غير مقرونة بتصديق عقلي جازم، ثمّ ذهبوا إلى أنّ الثانية هي المقدّمات الّتي تؤلف صناعات الشعر و الخطابة و نحوهما.

و أمّا الأولى، فقد قسّموها إلى قسمين.

أ- القسم الأول: هو ما سمّوه بالقضايا العقليّة الضرورية.

ب- القسم الثاني: هو ما سمّوه بالقضايا العقلية المشهورة.

ثم قالوا: بأنّ البرهان يتألف دائما من القسم الأول، أي القضايا العقلية الضروريّة، و قالوا: بأنّ الجدل، و هو الدليل غير البرهاني، يتألف من القسم الثاني، أي من القضايا المشهورة.

و البرهان عندهم عبارة عن الدليل الّذي ينتج تصديقا جازما ضروريا، أي تصديقا مضمون الإصابة.

و أمّا الجدل: فهو دليل ينتج تصديقا جازما غير مضمون الإصابة.

و القسم الأول من هذه القضايا الّتي سمّوها بالضرورية، قالوا:

بأنّنا إنّما نسميها بالضرورية، لأنّها قضايا عقلية مضمونة الحقّانيّة مقرونة بتصديق جازم، و هذه القضايا الضرورية أرجعوها إلى ست قضايا سمّوها بالأوليّات، و كل القضايا الضرورية مستبطن و مستنتج من هذه القضايا الست.

و هذه القضايا الست هي: الأوليّات، و الفطريات، و الحساب، و المؤثرات، و التجريبيّات و الحدسيّات، و كل القضايا الأخرى الضرورية يجب أن تكون مستبطنة في هذه القضايا و إلّا فليست بضرورية.

و أمّا القسم الثاني، و هو القضايا العقلية المشهورة فهي و إن كانت‏

84

مقرونة بتصديق جازم لكنّها ليست مضمونة الحقّانيّة، بل هي الّتي يكون شفيعها عموم اعتراف العقلاء بها، و أمّا بقطع النظر عن اعترافهم، فهي ممّا لا يدركه العقل، و قالوا: بأنّ قضايا العقل العملي، «كالحسن و القبح» كلها تدخل في هذا الباب، فهي قضايا عقلية مشهورة، و تمام شرافتها و حسنها انّها يعترف بها عموم العقلاء، و قد قال ابن سينا (1)، انّ الفرق بين قضيّة انّ «الواحد نصف الاثنين»، و بين قضيّة انّ «الظلم قبيح»، هو أنّ القضيّة الأولى يدركها حتّى الإنسان المنعزل عن مجتمعه بل عن كل النّاس فضلا عن العقلاء، «كحي بن يقظان»، و لكن لا يدرك القضية الثانية، أي قبح الظلم لو بقي مع عقله المجرد و حسّه و وحشته، و إنّما يدرك ذلك لو كان يعيش في مجتمع قد عمّم الاعتراف فيه بهذه القضايا، بل قيل: انّه لا واقع لهذه القضايا إلّا عموم اعتراف العقلاء بها.

و كلمات هذا المسلك غائمة مشوشة، بل بعضها قاصر عن إفادة المطلوب، بل انّ هذه الأفكار لم تكن واضحة في أذهانهم وضوحا محددا لأنّهم نقلوها عن المنطق الأرسطي الإغريقي في أول ما نقلوا من علومهم، حيث لم يعطوا لهذه الكلمات المنقولة تفسيرا معقولا، و إلّا كيف تكون قضية عقلية مقرونة بالتصديق الجازم و ليس لها أساس واقع إلّا اعتراف عموم العقلاء بها؟

و سوف نذكر ما يمكن أن تنطبق عليه عبائرهم بعد تحليلها إن شاء اللّه تعالى.

و الآن نريد أن نعمق كلا المسلكين.

____________

(1) الشفاء، المنطق، البرهان: ج 3. ابن سينا: ص 117، 124.

الشفاء: ج 2، ص 150، 155.

85

أمّا المسلك الأول: و نسميه بالمسلك العقلي الواقعي.

و حاصله: هو أنّ العقل يدرك الحسن و القبح على نحو الكشف و المرآتية، و يرى أنّ هناك للحسن و القبح واقع موضوعي مستقل عن إدراكه لهما، و إدراكه لهما ليس نسبته إليهما إلّا نسبة الكاشف إلى المنكشف، إلّا أنّ هذا لا يعني أنّهما أمران واقعيان موضوعيان، بمعنى أنّ لهما وجود في الخارج على حدّ وجود البياض و الحركة، بل هما واقعيان فقط، و لكنّهما ليسا من الأمور الموجودة في الخارج، فإنّ الأمور الواقعية أوسع من لوح الوجود، فإنّ لوح الوجود مختص بخصوص الجواهر و الأعراض المقولة، و أمّا لوح الواقع فهو أوسع منه.

فهناك أمور واقعة بالوجود، و هي الجواهر و الأعراض المقولية، فالبياض مثلا، إنّما يكون أمرا واقعيا إذا وجد في الخارج، و كذا الحرارة و الحركة.

و هناك أمور خارجية واقعية بنفسها لا بوجودها، و بهذا كانت تنتسب إلى لوح أوسع من لوح الوجود نسميه بلوح الواقع، و من هذا القبيل الملازمات الذاتية بين الأشياء، فالملازمة بين العلّة و المعلول، و استحالة اجتماع النقيضين، و نحوها، فهذه أمور واقعية، و لكنّها ليس لها وجود في الخارج، فإنّ استحالة اجتماع النقيضين ليس له وجود في الخارج نشير إليه، و يستحيل أن يكون له وجود في الخارج كما سنوضحه، فهذه الأمور واقعية و خارجية بنفسها، و من هنا كان لوح الواقع أوسع من لوح الوجود، و حسن العدل، و قبح الظلم من هذا القبيل، فهما أمران واقعيان دون أن يكون لهما وجود في الخارج على حدّ وجود الحركة.

و هذا ما نريده من قولنا. «الحسن و القبح» أمران عقليان واقعيان، لأنّ لوح الواقع أوسع من لوح الوجود.

86

ثمّ إنّه يوجد عندنا شيئان: أحدهما قبح الفعل و حسنه، و الآخر استحقاق العقاب، و قد يتراءى الخلط بينهما في كلماتهم، فكأنّه يفهم من كلماتهم، أنّ الحسن و القبح و استحقاق العقاب أحدهما عين الآخر، حيث أنّ القبح هو ما يستحقّ فاعله الذمّ و العقاب، و الحسن ما يستحقّ عليه المدح و الثواب، و بهذا يرجعون هاتين القضيتين إلى معنى واحد و هو المدح و العقاب.

و لكن الصحيح أنّهما قضيتان متغايرتان، فإنّ حسن الفعل و قبحه، معناه: انّ هذا الفعل، «هل ينبغي أن يقع أو لا ينبغي وقوعه»، بقطع النظر عن نظر الآخرين، و أنّهم سوف يثيبون و يمدحون، أو أنّهم سوف يعاقبون و يذمّون، فالحسن معناه: «إنّ هذا ينبغي أن يقع، و الانبغاء هذا له مراتب، و القبح معناه: «إنّ هذا لا ينبغي أن يقع»، و عدم الانبغاء هذا له مراتب أيضا، و هذا الانبغاء و عدمه ليس أمرا مجعولا، بل مصداق «ينبغي» هنا، هو بنفسه أمر واقعي تكويني خارجي لم يجعله جاعل، و هذا معنى واقعيّة «الحسن و القبح».

و أمّا مسألة استحقاق العقاب و الثواب، فهذا بحث عن حسن و قبح فعل، هو فعل المثيب أو المعاقب بحيث أنّه لو صدر الفعل من هذا الشخص، فحينئذ يقال: الآمر، هل ينبغي أن يعاقبه أو أنّه ينبغي أن يثيبه، أو أنّه لا انبغاء، و عليه فهنا قضيتان متغايرتان طوليتان: إحداهما:

إنّ الخيانة لا ينبغي و إنّ الأمانة ينبغي، و الأخرى، ان من صدرت منه الخيانة ينبغي أن يذم، و إذا صدر منه حسن ينبغي أن يمدح، إذن، فهما قضيتان عقليتان متغايرتان.

أمّا القضية الأولى: إذا عمّقنا النظر فيها، نرى أنّهم أرجعوها إلى قضية أساسية، و هي «قبح الظلم و حسن العدل»، و قالوا: بأنّ «الحسن و القبح» مرجعهما إلى هاتين القضيتين الأساسيتين و هما «قبح الظلم، و حسن العدل».

87

و نحن إنّما نريد أن نحلل هذا لنثبت من خلاله أنّ قضية قبح الظلم في تركيبها خطأ منطقي، و هي ترجع إلى تركيب منطقي آخر، و إن كان مضمونها صحيحا، فالظلم قبيح، و معنى قبيح يعني أنّه لا ينبغي وقوعه، إذن، هذه القضية لها موضوع و محمول، فموضوعها الظلم، و محمولها لا ينبغي، أمّا الموضوع، و هو الظلم، فمعناه «سلب ذي الحق حقّه» إذن، الحق أمر مستبطن في معنى الظلم و مفروض فيه، و هذا الحق ليس عبارة عن حق من الحقوق المجعولة، لأنّنا نتكلم عن عالم مدركات العقل العملي، أي الحسن و القبح الثابتين بقطع النظر عن جعل جاعل، بل هي واقعية تكوينية، كما لو فرض أنّ لزيد حق واقعي تكويني على عمرو، و هذا يسلبه حقّه، و معنى أنّ له حقّ عليه، متمثل في أن يطيعه و يتأدّب أمامه، و هذا معناه: انّ عمرا ينبغي له أن يطيعه، فهذا التعبير هو عين ذاك، فقولنا: يحقّ لزيد على عمرو أن يطيعه، يعني أنّ عمروا عليه أن يتأدّب بين يديه، يعني لا ينبغي له أن يخالفه، إذن، بحسب التحليل، مفهوم الظلم قد استبطن بنفسه عدم الانبغاء، فالظلم الّذي هو موضوع القضية، يرجع بحسب التحليل إلى أنّ عمروا لا ينبغي له أن يخالفه، إذن، فترجع قضية انّ الظلم قبيح، إلى ان ترك فعل عمرو إلى ما لا ينبغي اتجاه زيد، أي إلى عدم الانبغاء، فتكون القضية ضرورية بشرط المحمول، إذن، فلا معنى لهذه القضية إلّا مجرد الإشارة إلى موارد الظلم خارجا، و إلّا، فبحسب هذا التحليل، صار المحمول مستبطنا في الموضوع، و هذا لا معنى له، و عليه فتركيب هذه القضية المنطقي خطأ.

و التركيب الصحيح هو أن يقال: الخيانة قبيحة، و الكذب قبيح، و هتك المولى قبيح و نحوه، فهنا لا يكون المحمول مستبطنا في الموضوع. و بالجملة: إذا أردنا الإشارة إليها نقول: الظلم قبيح، فهذه القضية منتزعة من مجموع قضايا، و أصل المطلب هو تلك القضايا، من قبيل مخالفة المنعم قبيحة، و هي محل كلامنا.

88

و أمّا القضية الثانية: و هي قضية مخالفة المولى المنعم قبيحة، فقد جعلوها ذات القضية الأولى، و قد عرفت أنّها قضية أخرى موضوعها فعل العقلاء و مواقفهم من فاعل القبيح، إذن فهذه القضية غير تلك، بل هما قضيتان طوليتان.

و الآن نأتي إلى القضية الأولى، و هي قضية أنّ مخالفة المنعم قبيحة، أي قضية الفعل القبيح، فهنا قد يقع الخطأ في تشخيصه، و هذا الخطأ قد يكون بمعنى أنّ الشي‏ء ثابت، لكن هو لم يدرك ثبوته، و قد يكون العكس، أي أنّ الشي‏ء غير ثابت و لكن تخيّل ثبوته، فالخطأ تارة يكون بنحو التوسيع، و أخرى يكون بنحو التضييق، فالأول خطأ في التضييق، و الثاني، خطأ في التوسيع.

أمّا الخطأ في التضييق، فهو في قضية المولى المنعم يقبح مخالفته، و هذه القضية فيها، كبرى، و صغرى، فالكبرى، هي «قبح مخالفة المنعم»، و الصغرى هي، «إنّ هذا مولى منعم»، و هذه مخالفة للمولى المنعم، حينئذ، الخطأ بنحو التضييق، تارة يكون في الكبرى، و أخرى يكون في الصغرى، إذن، فعندنا نحوان من الخطأ، فالخطأ في الكبرى بنحو التضييق معناه: انّه بحسب لوح الواقع، المولى المنعم يقبح مخالفته، لكن هذا الإنسان لقصور في عقله لم يدرك القبح في مخالفة المولى، و هذا المطلب، تارة يتصور بنحو كلي، بمعنى إنّ هذا الإنسان القاصر في عقله لا يتصور قبح المخالفة أصلا فضلا عن إدراكها، فهو لا يدرك قبح مخالفة المنعم سواء في القطع أو الظن أو غيره، و أخرى لا ينفي الكبرى رأسا، و إنّما ينفي إطلاقها، من قبيل القائلين بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، فهؤلاء و إن نسجوا مصطلحات دون أن يشعروا بأنّهم يلغون بهذا قبح مخالفة المولى و إنّ هذا على خلاف مولويته و انّ مرجع هذا و روحه إلى أنّه لا يقبح مخالفة المولى المنعم في المجهولات،

89

فيكونوا قد نفوا إطلاق الكبرى، لا الكبرى رأسا، و سمّوه بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، فمثل هذا يكون خطأ بنحو التضييق بلحاظ الكبرى، فمن ارتكب الخطأ، فهل يؤثر في رفع قبح المخالفة في حقّه؟ أي انّ عدم علمه بالقبح الّذي هو أمر واقعي، هل يمنع عن فعليّة القبح؟ طبعا لا، إذ يستحيل ذلك، لأنّه لو كان يمنع عن فعليّة القبح لكان القبح مشروطا بالعلم به، و هو محال و دور، لأنّ معناه: انّ الشي‏ء موقوف وجوده على العلم بوجوده، و هو دور، و عليه فالقاصر الّذي لم يدرك أصل كبرى قبح مخالفة المنعم، أو الّذي لم يدرك إطلاق هذه الكبرى، يبقى القبح فعلي في حقّه، فلو خالف المولى، إذن فقد ارتكب ما لا ينبغي، و هو معنى القبح، لأنّ عدم الانبغاء يستحيل كونه مشروطا بالعلم، لأنّ الشي‏ء لا يكون مشروطا بالعلم بنفسه.

إذن فالخطأ بنحو التضييق لا يوجب نفي القضية الأولى، و هي قبح المخالفة.

لكن يمكن أن يقال: بأنّ هذا الخطأ يوجب نفي القضية الثانية، و هي استحقاق العقاب، فيقال: بأنّ استحقاق العقاب الّذي يرجع إلى قولنا: إنّ المولى الّذي ينبغي له أن يعاقب لا يقبح منه أن يعاقب، فهذه القضية مشروطة بالعلم بالأولى، لأنّه لم يجعل العلم بشي‏ء شرط في نفس ذلك الشي‏ء، إذن فلا يلزم في هذه القضية دور، لأنّ هذه القضية غير تلك القضية، إذن فيمكن أن نقول: إنّ حسن العقاب و استحقاقه مشروط بالعلم بالقضية الأولى و لا دور، و حينئذ، القاصر لا يعاقب و إن ارتكب قبيحا، لأنّه لم يعلم بالأولى، فمن تمسك بقاعدة قبح العقاب بلا بيان يقول: بأنّ مثل هذا القاصر لا يستحقّ العقاب لأنّه خالف المولى بلا بيان، و المفروض أنّ القضية الثانية مشروطة بالعلم بالقضية الأولى، فهذا خطأ بنحو التضييق بلحاظ الكبرى.

90

و قد يكون الخطأ بنحو التضييق بلحاظ الصغرى، و ذلك، كمن يتخيّل انّ المولى غير منعم عليه، و لا يدري بأنّه منعم عليه، و حينئذ يخالفه، فهذا خطأ في تشخيص الصغرى.

و حينئذ يقال: بأنّ هذا الإنسان المخطئ، هل أنّ القضية الأولى فعلية في حقّه كما في الكبرى، أو أنّها غير فعلية في حقّه؟.

و هنا قد يقال: بأنّ القضية الأولى غير فعليّة في حقّه أصلا، و ذلك لأنّ الأولى مشروطة بالعلم بصغراها و لا دور.

و جوابه هو، إنّ العقل يحكم بقبح مخالفة المنعم، لكن لا بوجوده الواقعي، بل يحكم بقبح مخالفة المنعم الّذي يعلم بكونه منعما، و لا دور كما هو واضح، لأنّ القبح أمر واقعي تكويني يترتب على مخالفة من يعلم بكونه مولى منعما، و هذا لا يشمل المنعم المجهول، فلو خالف عمرو زيدا المنعم عليه واقعا، لأنّه يعتقد بأنّه غير منعم عليه، فهنا لم يصدر من عمرو قبيح، و لم يرتكب ظلما أصلا، أي لم يصدر منه ما لا ينبغي، و لهذا لو فرض أنّ عمروا كان معصوما أخلاقيا، فمع هذا يصدر منه هذا العمل، و هذا برهان على انّ هذا العمل ليس بقبيح، و إلّا لما صدر منه هذا العمل، إذن، فيفرق الحال بين الخطأ في تشخيص الكبرى، و الخطأ في تشخيص الصغرى.

فالخطأ في تشخيص الكبرى لا يحول دون فعليّة القضية الأولى في حقّه.

و أمّا الخطأ في تشخيص الصغرى، فيحول دون فعليّة القضية الأولى فضلا عن الثانية في حقّه.

و أمّا الخطأ بنحو التوسيع بحيث انّ ما لا يكون مصداقا، يراه مصداقا، و هذا الخطأ تارة يكون بنحو التوسيع في الكبرى، و أخرى يكون بنحو التوسيع في الصغرى.

91

فالخطأ بنحو التوسيع في الكبرى، كما لو فرض أنّ إنسانا كان يتخيّل انّ الجار يكون له من المرتبة على حدّ ما للمنعم بحيث أنّه تقبح مخالفته، فإذا اعتقد بهذا أو أدركه، فهل يقبح منه حقيقة مخالفته أو لا؟.

و الصحيح أنّه يقبح منه مخالفته، فإنّ موضوع القبح هو ما يراه الفاعل انّه ممّا لا ينبغي، و لهذا لو أقدم هذا الإنسان على مخالفة هذا الجار لصحّ ذمّه و توبيخه، إذ ما دام أنّه يراه قبيحا فكيف يقدم على مخالفته.

و هذا القبح ليس توسعة في دائرة من دوائر القبح الأولي، بل هو قبح طولي ثانوي، لأنّه أخذ في موضوعه إدراك قبح أولي، لأنّ هذا القبح مرجعه إلى أنّ من يدرك إنّ شيئا «ما» قبيحا ثمّ يقدم عليه فهو منه قبيح، إذن، فهو قبح طولي ثانوي أخذ في موضوعه إدراك قبح أولي، سواء كان إدراك القبح الأولي الّذي أخذ في موضوع هذا القبح الثانوي إدراكا مطابقا للواقع، أو مخالفا للواقع، فهذا بنفسه قبح ثانوي، و لازم ذلك هو انّ هذا الإنسان الّذي أدرك وهما قبح مخالفة الجار، لو ارتكب مخالفة الجار فيكون قد صدر منه القبح الثانوي، لأنّ القبح هو، ارتكاب ما تخيّله قبيحا، و إلّا فنفس مخالفة الجار بما هي لا قبح فيها، و إنّما كان ذلك قبحا لما تخيّله أنّه قبيح.

و أمّا إذا فرض انّ إنسانا أدرك قبح مخالفة المنعم، و كان هذا الإدراك مطابقا للواقع، و مع هذا خالفه، فهنا يوجد قبيحان، لأنّه ارتكب القبح الأولي، و القبح الثانوي، لأنّه ارتكب مخالفة المنعم بما هو منعم، و هو قبيح أولي، و ارتكب ما يراه قبيحا، و به يكون قد ارتكب قبيحا ثانيا ثانويا، ففي الأول، القبح الطولي موجود، و في الثاني، الأولي و الطولي موجود، إذن فهذان فرضان.

92

و في قبالهما فرض ثالث، يكون فيه القبح الأولي فقط موجود.

و هذا هو الخطأ بنحو التضييق، و هو كمن يخالف المنعم عامدا مع عدم إدراكه قبح ذلك، فهنا القبح الأولي موجود دون الثانوي.

إذن فهنا قبيحان قد يجتمعان و قد لا يجتمعان، ففي مسألة الجار يجتمعان، و لكن فيمن ينكر إنعام المنعم و عدم إدراك قبح مخالفته لا يجتمعان.

و أمّا الخطأ التوسعي بلحاظ الصغرى، فمثاله ما أشير إليه سابقا من انّ هذا الإنسان يدرك أنّ مخالفة المنعم قبيحة، و يتخيّل أنّ زيدا هو المنعم، بينما هو غير منعم عليه، فهنا الوجدان قاض بأنّ هذا القبح منه إنّما كان لمخالفته زيدا، و هذا القبح ليس طوليا، بل هو أوّلي، بمعنى أنّه هنا يمكن أن نفرض توسعة في دائرة القبح الأولي من أول الأمر و نقول: بأنّ قبح مخالفة المنعم من أول الأمر، موضوعه، قبح ما يعتقد بكونه مخالفة للمنعم، و هذا يعتقد فيه ذلك، فهنا هذا ليس في طول الاعتقاد بقبح المخالفة، بل في طول الاعتقاد بمنعميّة زيد، و لا يلزم من هذا أخذ المتقدّم رتبة في المتأخّر رتبة، فيكون القبح هنا أوليا راجعا إلى توسعة دائرة القبح الأولي بحيث يكون موضوعه ما يعتقد كونه مخالفة المنعم، و هذا هو أساس التصور الثاني من التصورات الثلاثة الّتي بها بنينا على قبح التجري، فهذا يدخل تحت مصاديقه عند ما تخيّل انّ المنعم زيدا و هو ليس بمنعم.

و منها الاشتباه في تشخيص أمر المنعم و نهيه كما هو الحال في التجري، و كل هذا يدخل تحت موضوع القبح الأولي، و من هنا، فالوجدان قاض بتساوي درجة القبح هنا، فلا فرق بين من يرتكب ما يعتقد كونه مخالفة و يكون مخالفة واقعا، و بين ما يرتكبه و هو يعتقد بأنّه مخالفه مع أنّه ليس مخالفه واقعا، أي لا فرق بين العاصي و المتجري في‏

93

دائرة القبح، لأنّهما لم يرتكبا إلّا قبيحا واحدا، لأنّ هذا القبح في حالة الاشتباه ليس طوليا ليجتمع قبحان في المعصية، بل كان ذلك للتوسعة كما عرفت.

و بهذه الفذلكات ظهر أنّ صاحب التصور الثالث إذا قبل وجدان من يقول بأنّ المتجري و العاصي كلاهما ارتكبا قبيحا بدرجة واحدة، فحينئذ يتعين عليه أن يرفع يده عن التصور الثالث، و ذلك لأنّ هذا الشخص كان يقول في التصور الثالث إنّ حق الطاعة موضوعه مركب من جزءين، هما، وجود التكليف و إحرازه، فالمتجري بناء على هذا لم يسلب المولى حقّه، لأنّ أحد جزئي الموضوع غير موجود، لكن هو يرى بأنّ هذا ظلما، و الوجدان قاض بأنّ الإتيان بما يراه ظلما قبيح أيضا، و من هنا ألزمنا صاحب التصور الثالث بقبح التجري، لكن الآن نقول:

إنّ صاحب التصور الثالث إذا سلّم بوجداننا، فإنّه لا بدّ له من رفع اليد عن هذا التصور الثالث، و ذلك لأنّ قبح الإقدام على ما يراه الإنسان ظلما للمنعم، تارة، يفرض قبحا ثانيا غير قبح مخالفة المنعم، و أخرى يفرض غيره.

و بتعبير آخر: تارة يفرض انّ قبح المخالفة هو ما يكون حقيقة مخالفة و قبحا، و أخرى يفرض انّ قبح المخالفة هو ما يعتقد هو أنّه قبيح و إن لم يكن واقعا قبيح.

فإن ادّعى أنّ القبح هو ما يعتقد أنّه قبيح، إذن يلزم أن يكون العاصي أشدّ من المتجري لأنّه ارتكب قبيحين، بينما المتجري ارتكب قبحا واحدا، و هذا خلاف الوجدان المفترض.

و إن افترض توسعة في دائرة القبح من أول الأمر، بمعنى أنّ هناك قبحا واحدا يشمل العاصي و المتجري فهذا لا يكون إلّا بالتصور الثاني.

و أمّا ما ذكرناه من كيفيّة رفع الإشكال بناء على التصور الثالث،

94

فهو انّ صاحب التصور الثالث يرى أنّ حقّ المولوية مخصوص بمورد العصيان، و عليه، فظلمه لا يكون إلّا في مورد العصيان.

لكنّا كنّا نقول: بأنّ هذا يدّعي أنّ القبح ليس موضوعه الظلم، بل الإتيان بما يعتقد كونه ظلما، و حينئذ، فلا يوجد قبحان، و قد كان هذا صيغة جدلية مؤقتة إلى الآن.

أمّا الآن فقد اتضح بطلان هذه الصيغة و لا بدّ من الرّجوع إلى التصور الثاني، إذ حقّ المولوية عبارة عن قبح المخالفة، و الظلم عبارة عن فعل القبح، فلو قيل بأنّ الإقدام على هذا قبيح، فلا بدّ أن يكون قبح آخر وراء هذا القبح، و يلزم من هنا أسوئيّة العاصي على المتجري.

و الحاصل هو أنّه لا بدّ من الرّجوع إلى التصور الثاني لأنّ قبح الإقدام على المعصية إن كان غير القبح الأولي لزم صدور قبحين من العاصي، و إن كان نفس قبح الظلم فلا بدّ من افتراض أنّ موضوعه يشمل القاطع أي أنّ تمام موضوعه القطع، و هو التصور الثاني، هذا هو مسلك متهور العدلية الصحيح.

2- المسلك الثاني: من مسلكي الحسن و القبح، و هو المسلك الّذي يعترف كالمسلك الأول «بالحسن و القبح» العقليّين، و لكنّه يعتبر أنّهما من القضايا المشهورة الّتي تدخل في صناعة الجدل دون أن تدخل في صناعة البرهان، و هذا المسلك هناك فرضيتان لتفسيره.

1- الفرضية الأولى: هي ما يتراءى من كلمات السيّد الخوئي (قده) (1) حينما يتحدث عن هذا المسلك، حيث يفهم منه أنّه يرجع قضية الحسن و القبح إلى كونهما قضية إنشائية لدى العقلاء و حكمية و إيجادية، لا قضية خبرية ناظرة إلى واقع و موطن خارج أفقها.

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي، ج 2، ص 27- 30.

95

و حاصل هذه الفرضية، هو، انّ الحسن و القبح عبارة عن حكمين مجعولين من قبل العقلاء، و هذان الحكمان يتميزان عن سائر الأحكام العقلائية في نكتة: و هي انّ الحسن و القبح حكمان تطابق العقلاء على جعلهما، لا أنّه حكم مجعول من قبل بعض العقلاء دون بعض، و ذلك باعتبار تطابق العقلاء على إدراك المصالح و المفاسد الّتي من وراء ذلك، فالحسن و القبح إذن قضية إنشائية جعلية، و ملاك هذا القضية الإنشائية هو تطابقهم في إدراك الملاك و هو المصلحة و المفسدة، فإنّهم كلهم يدركون المصلحة فيما يحكمون بحسنه، و المفسدة فيما يحكمون بقبحه، و من هنا كان هذا الحكم عاما و قضية مشهورة.

و مثل هذه الفرضة أيضا هي مدّعى أكثر من واحد ممّن فسّر الحسن و القبح بأنّهما موقفان عمليان للعقلاء لا حكمان مجعولان، إذ في جملة من كتب المنطق فسّر الحسن بمعنى مدح العقلاء، و القبح بعنى ذمّهم، و المدح و الذمّ فعلان من أفعال العقلاء فيهما جنبة إيجادية لا إخبارية و كاشفيّة.

و هذا روحه روح الأول، فهو و الأول يشتركان في كون الحسن و القبح قضية إنشائية.

نعم، يبقى انّ الحسن و القبح بالبيان الأول حكمان مجعولان، و بالبيان الثاني يكونان موقفين عمليين للعقلاء.

سواء كان الأول، أو الثاني، فملاكهما واحد هو المصلحة و المفسدة، بدعوى أنّنا لا ندرك شيئا آخر في الخارج وراء المصلحة و المفسدة في الأفعال، و إذا وجدنا ذمّ العقلاء و مدحهم فإنّما هو تبعا للمفسدة و المصلحة.

و هذه الفرضية لا تنطبق على كلمات أصحاب هذا المسلك من‏

96

الحكماء، حيث أنّهم يصرحون بأنّ القضايا المشهورة- و الّتي جعل الحسن و القبح منها- هي قضايا مقرونة بالتصديق الجازم و محط له، كما في القضايا الضرورية، غاية الأمر انّ التصديق الجازم في القضايا المشهورة أضعف جنبة من ناحية الحقّانيّة و مضمونيتها من التصديق الجازم في باب القضايا الضرورية.

و من الواضح انّه مع الاعتراف بأنّ القضايا المشهورة تستبطن تصديقا جازما بمفادها، فهذا يستلزم كون القضية خبرية تصديقيّة لا إنشائية جعلية، و إلّا لو كانت قضايا مجعولة فما معنى تصديق العقلاء بالحسن و القبح و جعلهم بالنسبة للعاقل الأول قبل وجود العقلاء إذا كان عبارة عن جعل الحكم و اتخاذ الموقف، حيث ينبغي أن يقال بعدم قبح الظلم و حسن العدل في حق العاقل الأول، مع أنّ هذا خلاف الوجدان.

إذن فلا بدّ و أن تكون هذه القضايا واقعية إخبارية لا إنشائية، حيث أنّهم اعترفوا بأنّ التصديق الجازم تستبطنه القضية المشهورة كما اعترف بذلك المنطق الأرسطي، و عليه: فلا بدّ أن نفرض انّ القضية المشهورة فيها جنبة حكاية و إراءة، و إنّها غير متمحضة في الناحية الإنشائية.

إذن، فتفسير القضايا المشهورة بالمعنى الّذي يقدره المناطقة، بأنّها عبارة عن أحكام من قبل العقلاء، لا ينطبق على مصادر البحث مع المنطق الأرسطي.

ثمّ انّ دعوى كون الحسن و القبح أمرا جعليا إنشائيا إيجاديا لا واقعيا خارجيا، إمّا أن ترجع إلى دعوى ثبوتية أو دعوى إثباتية.

أمّا رجوعها إلى دعوى ثبوتية فهي أن يقال: بأنّ حسن العدل و قبح الظلم يستحيل كونهما أمرين خارجيين، فيتعين أن يكونا أمرين إنشائيين جعليّين بالبرهان، فالمطلب حينئذ ثبوتي.

97

و بيان الشبهة الثبوتية هي أن يقال: بأنّ حسن العدل و قبح الظلم لو كانا صفتين خارجيتين على حدّ الصفات الخارجية الّتي لها واقع خارجي من قبيل البياض و الحركة و الحرارة، إذن، لاحتاجت إلى محل تتقوم به موجود في الخارج، لأنّ الصفة الخارجية بحاجة إلى محل في الخارج، و لهذا نجد أنّ البياض الّذي هو صفة خارجية يحتاج إلى جسم يعرض له، و كذلك الحرارة، و هنا: «الحسن و القبح» معروضهما هو العدل و الظلم، حتّى قبل وجودهما خارجا، فإنّ العدل ليس معناه أنّه بعد أن يوجد يكون حسنا، بل هو حسن على أيّ حال، وجد في الخارج أو لم يوجد، و كذلك قبح الظلم، إذن، فهما لو كانا صفتين خارجيتين لكانت خارجيتهما فرع خارجية موصوفهما، بينما نجد أنّ معروضهما متحقّق قبل تحققهما خارجا، أي قبل تحقق موصوفهما خارجا، فيكون هذا برهان على أنّهما ليسا من الصفات الخارجية، و هذا برهان على أنّهما من الصفات الجعلية.

و جواب هذا التقريب هو أن يقال: إنّه لو كان المقصود من كونهما صفتين خارجيتين، يعني أنّهما صفتان موجودتان في الخارج على حدّ وجود البياض و نحوه، لكان البرهان المتقدّم برهانا على عدم الخارجية الوجودية، و إنّما خارجيتهما- كما ذكر المبرهن- خارجية ثابتة في لوح الواقع الّذي هو أوسع من لوح الوجود، إذن، فهما واقعان بأنفسهما لا بوجودهما، و حينئذ، لا يحتاجان في عالم الوجود الخارجي إلى فعليّة الموصوف، و إلّا فلو كان لهما وجود خارجي محتاج إلى فعليّة الموصوف، لكانت فعلية الموصوف هذا واجبة، و معها يتعدد الواجب، فإمكان الإنسان مثلا أمر واقعي، و لكن ليس معنى هذا أنّه موجود في الخارج، و إلّا لكان لا بدّ للإمكان هذا من إمكان آخر و هكذا يتسلسل، إذن فالأمور الواقعية لا تحتاج إلى فعلية موصوفها في الخارج، إذن، فالشبهة الثبوتية لا أساس لها.

98

و أمّا رجوعها إلى دعوى إثباتية، فبيانها أن يقال: بأنّنا لا ندرك شيئا واقعيا في الخارج وراء المصالح و المفاسد في الأفعال و إنّما الشي‏ء الّذي نلاحظه هو حكم العقلاء، مدحهم و ذمّهم تبعا للمفسدة و المصلحة، إذن، فالعقلاء يصدرون أحكاما على أساس إدراك المصالح و المفاسد، و عليه فالحسن و القبح حكم من قبل العقلاء ثابت في المصالح و المفاسد في الخارج.

و كأنّ السيّد الخوئي (قده) أراد أن يشكل على هذا المطلب، و يبرهن على واقعية الحسن و القبح، فقال: بأنّ «الحسن و القبح»، لو كانا حكمين مجعولين من قبل العقلاء، إذن فما هو شأن العاقل الأول الّذي وجد قبل وجود العقلاء الكثيرين، حيث أنّنا نسأل: هل انّ هذا العاقل الأول كان له حسن و قبح أم لا؟ فإن قلتم بأنّه كان له، سألناكم حينئذ، كيف تفسّرون هذا الحسن و القبح؟ فهل هو بمعنى إصدار الحكم من قبل العقلاء أم كيف؟ فإنّ هذا لا معنى له في شخص واحد، لأنّه أين الحاكم و المحكوم عليه، مع أنّه يوجد حسن و قبح، إذن فهذا يثبت أنّهما أمران واقعيان لا جعليين، و إلّا فلا بدّ أن يقال بعدم قبح الظلم و حسن العدل في حقّ هذا العاقل الأول، مع انّ هذا خلاف الوجدان.

و هذا الكلام كأنّه ينبغي إرجاعه إلى التكذيب الوجداني لهذه الدعوى الإثباتية، و ذلك بأن يقال: بالعبارة المطمئنة، إنّه بالوجدان ندرك أنّ من وراء ما نواجه من جعول و إنشاءات و مواقف العقلاء، انّ هناك شي‏ء ثابت فوقنا و قضايا واقعية نشعر بها و يدركها العقل العملي عن طريق مجرد الإدراك، و هذا الشي‏ء و هذه القضايا هي «الحسن و القبح»، و هذه دعوى وجدانية صحيحة، و بذلك تكون تكذيبا وجدانيا للبرهان المذكور.

أمّا لو تجاوزنا هذه الدعوى الوجدانية، و أردنا إقامة البرهان على‏

99

خلافها، فمن أين يعرف حال ذلك العاقل الأول، و انّه كان يدرك الحسن و القبح أم لا، نعم نحن نجزم بأنّه كان يدرك قياسا على أنفسنا و من خلال وجداننا، و هذا الوجدان هو الأساس في اعتقادنا بأنّ ذاك العاقل كان يدرك الحسن و القبح، و عليه، فالأصل في هذه الدعوى هو الوجدان، و حينئذ فإن قبلنا هذا الوجدان، إذن فلندّعه من أول الأمر، و إن لم نقبله، فلا يتمّ هذا البرهان، لعدم علمنا بأنّ العاقل الأول كان يدرك الحسن و القبح أم لا.

و لكن الوجدان- كما عرفت- قائم على وجود حسن و قبح، و هذا الوجدان لم ينكره الأرسطيّون أنفسهم على ما يصرح به أرسطو نفسه، و ابن سينا (1) في منطق الشفاء، حيث يقولون إنّ القضية المشهورة قضية تستبطن تصديقا جازما، و هذا لا معنى له إلّا إذا فرض واقع مرئي بهذه القضية، هذا من ناحية وجدانية.

و أمّا من ناحية برهانية و استدلالية، فيمكننا نقض هذه الفرضية بما حاصله: هو انّ هذه الفرضية تربط بين الحسن و القبح و بين إدراك المصالح و المفاسد، فتعتبر انّ حكم العقلاء بالحسن و القبح تابع لإدراك المصلحة و المفسدة، بينما هذا لا يفسّر وجداناتنا الأخلاقية (2) في باب الحسن و القبح، فإنّ وجداناتنا تبرهن على أنّ الحسن و القبح مستقل بنفسه و أجنبي عن باب المصالح و المفاسد، و من جملة هذه الوجدانات المنبهة على ذلك هو ما أبرزناه في بحث التجري حيث قلنا إنّ قبح التجري و العصيان على نحو واحد، إذ وحدة درجة القبح في شارب الخمر عصيانا و في شارب الخل متوهما أنّه خمر، مع عدم وحدة درجة المفسدة يكشف عن أنّ القبح غير المفسدة، فإنّه من الواضح انّ مفسدة

____________

(1) منطق الشفاء: ابن سينا، ج 3، ص 63، 64، 66. و 120، 121، 122.

(2) منطق الشفاء: ج 3، ص 65، 66، 67. النجاة: ابن سينا، ص 29، 37، 38.

100

العصيان ليست كمفسدة التجري بينما قبحهما واحد. إذن فوحدة درجة القبح مع عدم وحدة درجة المفسدة يكشف عن أنّ باب الحسن و القبح غير باب المصلحة و المفسدة.

و الخلاصة هي أنّه بعد وجدانية عدم كون الحسن و القبح من المدركات على أساس أنّها تشريعات و مواقف عقلائية نقول:

إنّ هذه الفرضية تربط بين القبح و الحسن و المفسدة و المصلحة، و تعتبر أنّ حكم العقلاء و إدراكهم للأخيرين سببا لإدراك الأولين، بينما هذا لا يفسر وجدانياتنا الأخلاقية في باب الحسن و القبح، لأنّها لا تبرهن على أنّهما باب مستقل عن باب المصلحة و المفسدة، و لهذا كان التجرّي قبيحا رغم عدم المفسدة في نفس الفعل.

بينما وجداناتنا تبرهن على كون الحسن و القبح باب مستقل بنفسه و أجنبي عن باب المصالح و المفاسد.

و من المنبهات على ذلك ما قلناه سابقا، من كون قبح التجري و العصيان على نحو واحد، و انّ وحدة درجة القبح في العاصي مع درجة القبح في المتجري مع عدم درجة المفسدة، يكشف عن أنّ القبح غير المفسدة، حيث كان التجري قبيحا رغم عدم المفسدة في نفس الفعل المتجرى به.

و من المنبهات أيضا على ذلك هو، أنّه لو كان الحسن و القبح راجعا إلى باب المصلحة و المفسدة، للزم إجراء باب التزاحم فيما إذا تزاحم القبح مع المصلحة، مع أنّ العقلاء لا يبنون على إجراء التزاحم بين القبح و مصلحة، أو الحسن و مفسدة، فمثلا لو توقف شفاء مريض على قتل صحيح، بأن يؤخذ عضو من الصحيح و يعطى للمريض، ففي عالم المصلحة و المفسدة يقع التزاحم بين مصلحة المريض، و مفسدة قتل‏

101

الصحيح، فلو كان باب الحسن و القبح عبارة عن أحكام مجعولة على أساس المصلحة و المفسدة، للزم أن يقال بالتزاحم هنا، بينما العقلاء لا يبنون على جريان التزاحم في المقام، حيث لا يبرّرون عملية قتل الصحيح بشفاء المريض أو كثير من المرضى، و هذا معناه: انّ أخلاقية الحسن و القبح مستقل عن باب المصالح و المفاسد، و هذا برهان على عدم الربط بين الحسن و القبح و بين المصالح و المفاسد، و بالتالي فهذا منبه على واقعيّة الحسن و القبح و أنّهما صفتان ذاتيّتان واقعيّتان ليستا داخلتان في باب الجعل و الاعتبار، إذن فأساس هذه الفرضية غير تام، لأنّه لم يقل أحد من المناطقة، بأنّ الحسن و القبح من الأحكام العقلائية المجعولة من قبل العقلاء، و إنّما الّذي ينبغي أن يكون تفسيرا لهذا المسلك و هذه الفرضية، إنّما هو التفسير الثاني، و هو أنّ الحسن و القبح قضايا تصديقيّة جزمية يجزم بها الإنسان في مقابل القضايا الظنيّة، و لكن هذه القضايا ليست داخلة في باب القضايا الضرورية، أي أنّها غير مضمونة الحقّانيّة، و لهذا يقول «ابن سينا»، بأنّه لو خلق إنسان منفردا عن مجتمعه، منقطعا عن كل أحد، لما أدرك لا بعقله و لا بحسّه و لا بوهمه انّ العدل حسن، و الظلم قبيح، لأنّ هذه القضية ليست هي مدرك أوّلي للعقل أو الحسّ أو الوهم، و إنّما الإنسان حينما يعيش مع الآخرين يحصل له تصديق بهذه القضايا، إذن فهي قضية مشهورة لا ضرورية.

2- الفرضية الثانية: في تفسير مسلك المناطقة، المتطابقة مع كلماتهم هي، انّ قضية الحسن و القبح قضية تصديقية جازمة، بمعنى أنّ كل إنسان يصدق تصديقا جازما بواقع يسميه، «الحسن و القبح»، و يرى بمنظار هذا التصديق الجزمي رؤية قطعية، إنّ هناك أمرا واقعيا خارج نطاق نفسه، و هو قبح بعض الأفعال و حسن بعضها الآخر، إلّا أنّ هذا التصديق ليس منشؤه من كون هذه القضايا ضرورية مضمونة الحقّانيّة، و الّتي حصروها بأصناف ستة هي، الأوليّات، و الفطريّات، و الحسيّات‏

102

و المتواترات، و التجريبيّات، و الحدسيّات، و هي الّتي تشكّل مواد الأقيسة في صناعة البرهان حيث تنتج تصديقا مضمون الحقّانيّة، و إنّما قضية الحسن و القبح من غير هذا القبيل، حيث أنّ التصديق الجازم بها يحصل نتيجة التأديب و التربية الاجتماعية العقلائية.

و تقريب عدم كون قضايا الحسن و القبح من القضايا الأولية المضمونة الحقّانيّة مبني على تشخيص الميزان في كون القضية أولية مضمونة الحقّانيّة أم لا، لكي نميّز على أساسه بين القضية الضرورية، و القضية المشهورة، و هذا الميزان يمكن بيانه بإحدى صيغتين.

أ- الصيغة الأولى: هي أن يقال: إنّ الميزان الكلّي في القضية الضرورية مرتبط بجانب المدرك في القضية، لا الإدراك نفسه، فمتى كان ثبوت الحكم فيها للموضوع بالضرورة «كالأربعة زوج»، «أو تنقسم إلى متساوين»، فهي قضية مضمونة الحقّانيّة، و من المستحيل عدم انقسامها كذلك، إذ المحمول ثابت فيها للموضوع بالضرورة.

نعم: إذا قلنا: «الإنسان موجود» فهذه قضية ليست ضرورية، لأنّ الوجود للإنسان بالإمكان، و ليس من المستحيل أن لا يكون موجودا، نعم لو حوّلنا هذه القضية إلى قضية «الإنسان ممكن الوجود»، لأصبحت ضرورية، لأنّ الإمكان ثابت للإنسان بالضرورة.

و الحاصل هو انّ الميزان يرجع إلى جانب المدرك، أي تكون جهة القضية ضرورية المدرك لا الإدراك نفسه، فإنّه إذا كان ثبوت الحكم فيها للموضوع بالضرورة، كما في الأربعة زوج، تكون قضية أوليّة ضرورية مضمونة الحقّانيّة.

و هذا الميزان- بقطع النظر عن عدم انطباقه على أكثر ما اعتبروه قضايا ضرورية، لو أردنا أن نحاسب مسألتنا على أساسه- هو منطبق على قضايا العقل العملي، إذ أنّنا ندّعي انّ ثبوت الحسن للعدل، و القبح‏

103

للظلم، ثابت بالضرورة لا بالإمكان، بل يستحيل أن لا يكون بالضرورة، فإنّ عقل الإنسان يدرك هذا، فهو جزء من مدركاتنا، إذ أنّنا لا نرى نسبة القبح إلى الظلم كنسبة الماء إلى المسجد، بل نرى انّ الحسن و القبح صفتان ذاتيتان لموضوعهما على حدّ ذاتية الزوجية للأربعة، فإن كان هذا هو الميزان، فهو ينطبق على مدركاتنا.

ب- الصيغة الثانية: و هي أكثر انسجاما مع كلماتهم.

و حاصلها: هو انّ الضرورة تكون بلحاظ الإدراك نفسه، بمعنى انّ الإدراك ضروري، و معنى أنّه ضروري، يعني أنّ الإدراك ناشئ من حاق القوّة العاقلة، لا من أسباب غير عقلائية، فكل قضيّة كانت ناشئة من حاق القوّة العاقلة الّتي أودعها اللّه تعالى في الإنسان، تكون قضية ضرورية مضمونة الحقّانيّة، و كل قضية لم يكن إدراكها ناشئا من حاق القوّة العاقلة، بل كانت بسبب مؤثرات غير عقلائية، «كالغضب و الشهوة» و غيرهما، تكون قضية غير ضرورية قد يحصل الجزم بها، و لكنّها غير مضمونة الحقّانيّة.

و حينئذ، على ضوء هذا قد يقال: إنّ قضية حسن العدل، و قبح الظلم ليستا قضيتين ضروريتين، لأنّهما ليستا ناشئتين من حاق القوّة العاقلة، و إنّما هما ناشئتان من أسباب أخرى، و قد حصرت القضايا الّتي يكون إدراكها من حاق القوّة العاقلة في القضايا الست، و قضية حسن العدل، و قبح الظلم ليستا منها، و هذا المطلب يمكن أن يبين ببيانين.

1- البيان الأول: هو أن يقال: بأنّ قضية حسن العدل و قبح الظلم لم ينشأ من حاق القوّة العاقلة، أو على الأقل، لا يمكن التسليم القطعي بذلك، لأنّه من المحتمل أن يكون التصديق بذلك نتيجة التأديب الاجتماعي العقلائي، حيث أنّهم أدركوا انّ المصالح العامّة تتوقف على هذه القضايا، فلقّنوا هذه القضايا جيلا بعد جيل، فكأنّ الإنسان كان‏

104

يلقّن الجزم بذلك بسبب التلقين و الزمن، و ليس هذا ناشئا من حاق العقل، و لهذا قال ابن سينا مقالته المتقدّمة.

و هذا البيان حينما يصدر من أولئك المناطقة، فمن السهل الرد عليهم، باعتبار أنّ هؤلاء أمثال ابن سينا، هم يسلمون بوجود إدراك تصديقي جازم لقضايا الحسن و القبح، لكنّهم ينفون ضمان الحقّانية.

و حينئذ نقول لهم: بأنّه لو كان احتمال نشوء هذا الإدراك التصديقي الجازم بسبب مجرد التلقين و التأديب جدّيا في نفوسكم، إذن، لزال هذا التصديق من نفوسكم، إذ كيف يمكن أن تكونوا بالفعل مصدّقين بقضايا الحسن و القبح تصديقا جازما، و مع هذا تصنّفون الحسن و القبح من صنف القضايا الجزميّة المستعملة في صناعة الجدل، و مع هذا تحتملون أن يكون هذا الإدراك مستندا للتلقين، إذ أنّ احتمال هذا، مع الاعتراف بفعليّة التصديق لا يجتمعان، و حينئذ، فإمّا أن تعترفوا بأنّ الوجدان قاض بأنّ هذا التصديق لم يكن متأثرا بالتلقين و التأديب، و بهذا تتعاملوا مع هذه القضية بوصفها قضية مدركة بحاق القوّة العاقلة، و إمّا أن تكونوا كالمناطقة المحدّثين الّذين رفعوا يدهم عن التصديق الجازم بهذه القضية و قالوا: بأنّ الحسن و القبح يتأثران بأوضاع النّاس و عاداتهم، كما سوف يأتي من أدلتهم، إذن لا بدّ من أحد هذين الموقفين، و عليه فهذا البيان غير تام.

2- البيان الثاني: هو أن يقال: إنّ قضيّة حسن العدل، و قبح الظلم ليستا من القضايا التجريبيّة، و الحدسيّة، و الحسيّة، و المتواترات، و الفطريّات، و الأوليّات، لأنّ الأوليات عبارة عن القضايا الّتي يكون تصور الموضوع و تصور المحمول فيها كافيا لإدراك النسبة بينهما من قبيل، «الكل أكبر من الجزء»، و لأنّ الفطريات عبارة عن قضايا قياساتها معها، أي أنّ برهان ثبوت المحمول للموضوع مستبطن في ذلك الموضوع كما