بحوث في علم الأصول - ج8

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
490 /
105

في قولنا: «الأربعة زوج»، لأنّها قابلة للانقسام إلى زوجين متساويين، فهذا البرهان مستبطن في نفس «الأربعة»، و هنا قضيّة «العدل حسن»، و «الظلم قبيح» ليس من القضايا الفطرية، إذ ليس هناك برهان على الحسن و القبح مستبطن في «العدل و الظلم»، أي في «الموضوع».

فإن كانت هذه قضية ضرورية ناشئة من حاق العقل، فيقتضي البرهان أن تكون قضية أولية، و حينئذ يجب أن لا يختلف فيها النّاس، مع أنّ النّاس يختلفون هنا، فما يراه جماعة قبيحا، يراه آخرون حسنا، و ليس مجرد تصور الموضوع و المحمول فيها كافيا للتصديق بالنسبة كما هو الحال في القضايا الأولية، إذ لو كان الأمر كذلك فيها لما اختلف النّاس أصلا، مع أنّهم يختلفون كما عرفت، فهذا يثبت انّ هذه القضية ليست أولية، و حينئذ، إذا لم تكن من القضايا الضرورية، إذن فهي ليست من القضايا المضمونة الحقّانيّة.

و هذا الكلام باطل كبرى و صغرى.

أمّا بطلانه كبرويا فهو أن يقال: إنّ القضية الأولية الّتي ينبع إدراكها من حاق القوّة العاقلة لا يلزم فيها أن تكون القوّة العاقلة عند جميع النّاس قادرة على إدراكها، بل يمكن فرضها قضيّة أولية، و لكن القوّة العاقلة ببعض مراتبها تكون صالحة لإدراكها دون بعض المراتب، و نشبّه القوّة العاقلة بالإحساس البصري، فكل النّاس عندهم إحساس بصري، و وجود الهلال في الأفق قضية حسيّة أولية فيدركها الحس مباشرة، لكن ليس بالضرورة، إذ يمكن أن يفرض انّ إحساس زيد البصري ضعيف و لا يمكنه أن يدرك الهلال الّذي يدركه كل من كان له حسّ سوي، لأنّ الإدراك الحسي له مراتب من حيث القوّة و الضعف، و القوّة العاقلة بحسب قانون الحركة الجوهرية. لها قوّة و ضعف، إذن فنفس هذا نقوله في القوّة العاقلة، إذ أنّ هناك بعض القضايا لا حد

106

أوسط فيها بين الموضوع و المحمول الّذي هو معنى كون القضية أولية، لكن مع هذا فإنّ بعض النّاس و النّفوس العاقلة في بعض مراتبها لا تدرك ثبوت هذا المحمول للموضوع، هذا مضافا إلى انّ إدراك هذه القضايا، و هي قضايا الحسن و القبح حيث أنّه يمسّ في كثير من الأحيان جوانب عاطفية و شخصية للإنسان المدرك من مصالح و عواطف، و لهذا قد يفترض أنّ قوّته العاقلة تدرك هذا، لكن تغلبه العاطفة و جوانبه الأخرى فتغطي عليه كثيرا من المدركات و تجعلها في معرض التشكيك فيها و التكذيب لها، و هذا هو فرق قضايا العقل العملي عن قضايا العقل النظري البحتة كالكل أكبر من الجزء، حيث لا يكون الاختلاف فيها اختلافا موضوعيا، لأنّها غالبا لا تماس فيها بينها و بين المصالح و العواطف، فلا تتأثر بها، بخلاف قضايا الحسن و القبح، و عليه فالكبرى، و هي أنّ مجرد وقوع الخلاف في ثبوت محمول لموضوع، لا يعني انّ القضية ليست أولية، لأنّ هذا الاختلاف قد ينشأ من قصور المقتضي و قد ينشأ من وجود المائع.

و أمّا بطلانه صغرويا، فهو أن يقال: بأنّنا ندّعي أنّه لا خلاف بين العقلاء في كبريات و مقتضيات العقل العملي كالحسن و القبح، و انّ «الكل أكبر من الجزء»، و إنّما الخلاف الّذي يتراءى خارجا، إنّما هو خلاف في صغرياتها أو في حالات التزاحم بين مقتضيات العقل العملي، و إلّا فأصل مقتضياته بدون فرض التزاحم ليس فيها خلاف، إذ كون الإحسان للفقير شيئا حسنا لا يمكن أن ينكره إنسان عمليا، و كون الإسراف شي‏ء قبيح في نفسه أمر لا يمكن إنكاره من قبل إنسان، و إنّما الخلاف هو في موارد التزاحم بين الإحسان و الإسراف، بين قيمتين أخلاقيتين و إعمال التزاحم بينهما.

و بهذا يثبت أنّ قضية الحسن و القبح قضية ضرورية، كما يثبت أيضا

107

على ضوء ما تقدّم في مسلكنا، قبح الفعل المتجرّى به بناء على أنّ الحسن و القبح أمرين واقعيّين يدركهما العقل، و لا يختلف الحال فيه بين المسلكين، أي بين أن تكون قضايا العقل العملي و إدراكاته مضمونة الحقّانيّة أم لا، فإنّ ضمان الحقّانيّة و عدمه لا يؤثر على واقع هذا الإدراك و على كون الحسن و القبح من القضايا الواقعية ما دام هي قضايا مصدقة.

نعم لو قيل بالفرضيّة الأولى في تفسير مسلك الفلاسفة، من أنّ الحسن و القبح حكمين و قضيتين مجعولتين من قبل العقلاء، فالأمر حينئذ يحتاج إلى استئناف بحث جديد في مقدار ما هو المجعول، و في أنّه مجعول مخصوص بموارد المعصية، بحيث لا تعمّ التجري، و في أنّ العقلاء هل يحكمون بقبح خصوص المعصية أو بالجامع بين المعصية و التجرى لأنّ الجعل بيد الجاعل توسيعا و تضييقا؟.

هذا تمام الكلام في طريقة إثبات قبح التجرّي عقلا، و سوف يأتي بيان مقدار ما هو المجعول من قبل العقلاء عند الكلام عن حرمة التجرّي شرعا،- بناء على كون الحسن و القبح من الأحكام المجعولة من قبل العقلاء-.

ثمّ إنّ الأصحاب حاولوا إقامة براهين على عدم قبح الفعل المتجرّى به، نستعرض أهمّها مع مناقشتها و دفعها.

البرهان الأول: هو ما أفاده المحقّق الخراساني (قده) (1) في حاشيته على الرّسائل، حيث ذكر، انّ الفعل المتجرّى به، قد يقال:

باستحالة اتصافه بالقبح، لأنّ الحسن و القبح إنّما يتصف بهما الفعل بتوسط العناوين الاختيارية الّتي تكون مصبّا لإرادة الإنسان و شوقه المؤكد المستتبع لتحريك العضلات، أمّا العناوين غير الاختيارية الّتي تنطبق على‏

____________

(1) درر الفوائد في شرح الفرائد: الخراساني، ص 13.

108

الفعل فلا يمكن أن تكون معروضة لحسن أو قبح، فمثلا: عنوان ضرب اليتيم إذا انطبق على فعل الضارب بالاختيار، يكون قبيحا، و إلّا فلا، و حينئذ، على ضوء هذه الكبرى، لو فرض أنّ الإنسان اشتبه، فتخيّل انّ الماء خمرا، فشربه بداعي أنّه خمر- كما في مورد التجرّي- و لكنّه كان ماء في الواقع، فهنا إذا قيل: إنّ هذا الفعل يتصف بالقبح، حينئذ نسأل:

انّه بأيّ عنوان يكون قبيحا؟ إذ أنّ هنا ثلاثة عناوين.

عنوان شرب الخمر، و عنوان شرب الماء، و عنوان شرب مقطوع الخمرية، و من الواضح انّ هذا الفعل لا يكون قبيحا بعنوان أنّه شرب للخمر، لأنّه عنوان غير محقق في الواقع، بل هو ماء، كما انّه ليس قبيحا بعنوان انّه شرب للماء، لأنّه عنوان ليس قبيحا في نفسه و لو صدر عن اختيار و كان صادقا عليه، و لكن مع هذا فإن شرب الماء ليس قبيحا.

و إنّما الّذي يمكن أن يتوهم قبحه من هذه العناوين هو، عنوان مقطوع الخمريّة، فإنّه ينطبق على هذا الفعل و الفرد الخارجي، إلّا أنّ هذا العنوان ليس اختياريا، و حيث أنّه غير اختياري، فلا يكون قبيحا، إذ بتوسطه يكون الفعل قبيحا.

أمّا الكبرى: و هي، انّ كلّ فعل لا يكون العنوان فيه اختياريا فلا يسري إليه القبح من ذاك العنوان، فلما عرفت، من انّ الحسن و القبح يعرض للعناوين الاختيارية.

و أمّا الصغرى: و هي انّ هذا العنوان، و هو شرب مقطوع الخمرية ليس اختياريا، فهذا مربوط بمبنى صاحب الكفاية (1) حيث يقول في أصوله، انّ الفعل الاختياري هو عبارة عن الفعل الصادر بالإرادة و الاختيار، فاختيارية أيّ عنوان فرع كونه صادرا بالإرادة.

____________

(1) المصدر السابق، ص 14. كفاية الأصول: ج 1، ص 260.

109

و الإرادة كما قال (قده) هي، الشوق المؤكد المستتبع لتحريك العضلات، فاختيارية كل عنوان إنّما تكون بشوقية ذلك العنوان، و حينئذ، هذا الإنسان الّذي شرب الماء متوهما أنّه خمر قد تعلقت إرادته- المتمثلة بشوقه المؤكد المستتبع لتحريك العضلات- بشرب الخمر المتوهم، لا بشرب مقطوع الخمرية بما هو مقطوع الخمرية، لأنّ مراده هو شرب الخمر، فشوقه كذلك، لا لمقطوع الخمرية، إذن، فهذا العنوان الثالث ليس محطّا و مصبّا لإرادته، إذن، فهو ليس اختياريا، لأنّ اختيارية الفعل تكون بتعلق إرادته به، و عليه: فالكبرى تنطبق على الصغرى و هي، انّ ما لا يكون اختياريا لا يعرض له القبح، و حينئذ، فالعنوان الثالث لا يعرض له القبح.

و قد التفت المحقق الأصفهاني (قده) إلى إمكان إيراد نقضين على هذا البرهان، فذكرهما (1) و أجاب عن كل منهما.

1- النقض الأول: هو انّ لازم هذا البيان انّ هذا الرجل لو شرب الخمر حقيقة بدون توهم، لكن شربه لا لشوق و إرادة لنفس الخمر، و إنّما شوقه و إرادته كانت متعلقة بالتبريد و كان هذا مقدمة للتبريد، حينئذ، لا يكون عنوان شرب الخمر اختياريا بالنسبة إليه على الرغم من صدق هذا العنوان خارجا بأنّه شرب للخمر، لكن غير اختياري، لأنّ مصبّ الإرادة و الشوق عند هذا الشارب لم يكن عنوان شرب الخمر، بل عنوان التبريد، و هو متوقف على شرب الخمر.

ثمّ انّه (قده) أجاب على هذا النقض، حيث قال: إنّ هذا الإنسان له إرادة نفسية للتبريد، لكن ينقدح منها إرادة غيرية للمقدّمة الّتي هي شرب الخمر، بذلك تكون المقدمة، و هي شرب الخمر بنفسها محطا

____________

(1) نهاية الدراية: الأصفهاني، ج 2، ص 10.

110

و مصبّا للإرادة، فتكون اختيارية، غايته أنّها إرادة غيرية، و هذا يكفي في تحقق عنوان الاختيارية.

و لكن هذا الجواب غير تام، إذ لو انّ هذا الناقض قلب المطلب و بدّل نقضه و قال: بأنّا نفرض أنّ الحرام، و هو شرب الخمر، كان معلولا للمحبوب لا علّة له، أي أنّ المحبوب كان مقدمة للحرام، كما في المثال المتقدّم، فإنّ شرب الخمر و هو الحرام مقدمة للمحبوب و هو التبريد، و من باب المقدمة ترشح الشوق إليه، لكن إذا افترض أنّ المحبوب كان مقدمة للحرام كما إذا فرض أنّ إيصال السلك الكهربائي كان يؤدّي إلى قتل إنسان، و هذا الشخص كان له غرض و شوق تعلق بإيصاله للتجربة، فأوصله و هو يعلم بأنّ وصوله إلى جسم المؤمن يؤدّي إلى قتله، فهنا نقول للمحقق الخراساني (قده) بأنّ قتل المؤمن لم يصدر من هذا الفاعل بالاختيار، لأنّ شوقه لم يكن متعلقا بقتله، بل تعلق بغرض آخر مباح هو التجربة، فهنا المحقق الأصفهاني (قده) لا يمكنه أن يردّ بالجواب السابق فيقول: إنّه يترشح من الشوق النفسي شوق غيري على الحرام، و ذلك لأنّ الحرام هنا ليس مقدمة، بل هو نتيجة، و الترشح لا يكون على النتائج.

إذن كيف يحكم بأنّ هذا الفعل حرام مع عدم كونه مرادا، و عليه:

فالنقض الأول يبدو تاما.

2- النقض الثاني: هو أنّه لو أراد هذا الشخص أن يعالج مرضا في معدته، و هذا المرض يتوقف على «جامع شرب المائع»، إذن فسوف يترشح شوق غيري على «جامع شرب المائع»، لكن هذا الإنسان طبّق هذا الجامع مع الخمر، فشربه، مع أنّه ليس لهذا الخمر شوق لا نفسي و لا غيري، و عليه فكيف يعاقب عليه؟.

و هذا النقض إنّما أتى به لأنّ جوابه على النقض الأول لا يأتي‏

111

هنا، ذلك لأنّ مقدمة العلاج ليس هو الحرام بالخصوص، بل هو الجامع، حيث أنّ الشوق متعلق بجامع المائع، و أمّا خصوص الخمر فلا شوق نفسي له و لا غيري، و معه لا يكون صدور الحرام منه اختياريا.

و أجاب الأصفهاني (قده) على هذا النقض، فقال: إنّ الإنسان إذا تعلقت إرادته بالجامع فلا يمكن، حينئذ تطبيق هذا الجامع على أحد الفردين إلّا إذا كان يوجد مرجح في البين لئلّا يلزم استحالة الترجيح بلا مرجح، و حينئذ قال: إنّ الشوق و إن تعلّق بالجامع، لكن ما لم يتعيّن هذا الشوق بالحصة الخاصّة لمرجح فيها على غيرها، لا يطبق على الخمر، لأنّ نسبة الجامع إلى كلتا الحصتين على حدّ سواء، إذن، فلا بدّ من مرجح، و معنى المرجح هنا هو حصول الشوق للحصة، و معه يكون اختياريا.

و الخلاصة: هي أنّه إذا تعلقت إرادته بجامع شرب المائع، فتطبيقه على شرب الخمر دون غيره من المائعات إنّما كان لمرجح فيه، و إلّا لزم الترجيح بلا مرجح، فتكون الخصوصية المرجحة حينئذ مرادة اختياريا لا محالة.

و هذا الجواب غير تام أيضا، لأنّنا قد نفرض أولا أنّ الجامع كان منحصرا بالخمر صدفة، إذن فهو في المقام يختار هذه الحصة، لا من باب أنّ لها مرجح على غيرها، بل من باب أنّها الفرد الّذي انحصر الجامع فيه.

و قد نفرض ثانيا، انّ المرجح موجود، و لكن ليس في عنوان شرب الخمر، بل في شي‏ء ملازم له، ككون الإناء الّذي فيه الخمر نظيفا دون أن ينحصر المرجّح في نفس عنوان شرب الخمر، بل لخصوصية كون إناء الخمر نظيفا اختار شرب الخمر مع انّ إرادته لم تتعلق بشرب الخمر، و هذا قبيح يقينا.

112

و عليه: فكلام الأصفهاني (قده)، هنا لا يغني شيئا.

و تحقيق كلام الخراساني (قده) بلحاظ هذه النقوض هو، أنّ الخراساني (قده) تارة يفترض انّه يدعي ان تعلق الإرادة بأحد المتلازمين يوجب إرادة الملازم الآخر تشريعا حتّى لو لم يكن بينهما مقدميّة، بل بينهما عرضية حيث قال هناك: بأنّ أحد المتلازمين لا يتخلف عن ملازمه في الحكم، فكذلك هنا يدّعي بأنّ المتلازمين لا يختلفان في الإرادة تكوينا.

و أخرى يعترف بأنّ المتلازمين إذا لم يكن بينهما مقدميّة، بل مجرد التلازم، فقد ينفكّ إرادة أحدهما عن إرادة الآخر.

فإن فرض أنّه يعترف بعدم الملازمة، و أنّ المتلازمين في الوجود يمكن انفكاكهما في الإرادة التكوينية كما ذهب إليه في الإرادة التشريعية، فهذه النقوض واردة عليه، إلّا إذا رفع يده عن تلك المباني الّتي التزم بها في باب الاختيار حيث يقول هناك: بأنّ الاختيار في الفعل ليس بمعنى تعلّق الإرادة و الشوق، بل اختيارية الفعل هي أن يكون الفعل واقعا تحت سلطنة الفاعل، أي تحت مصداق قولنا: «له أن يفعل، و له أن لا يفعل»، و هذا يكفي فيه مجرد الالتفات إلى العنوان و صدوره منه في حالة كان له أن «يفعل و له أن لا يفعل»، فهذا يكفي في كونه اختياريا كما عرفت ذلك في بحث «الإرادة و الطلب» سابقا.

فإن قلتم: إنّ كلمة الاختيار وضعت للفعل الإرادي.

فنقول: إنّ الكلام ليس في الاصطلاح أو اللغة، بل فيما هو المصحح للحسن و القبح، و للتكليف و العقاب فيهما، و المصحّح لذلك هو هذا المقدار الّذي ذكرنا.

و حينئذ، بناء على هذا، لا موضوع لهذا البرهان، و حينئذ نقول:

113

بأنّ العنوان الثالث، و هو عنوان «شرب مقطوع الخمرية» اختياري، لأنّه واقع تحت السلطنة و صدر منه مع الالتفات، إذن، فيكون اختياريا، فيقع قبيحا.

و أمّا إذ فرض أنّه يدّعي، انّ إرادة أحد المتلازمين ملازمة لإرادة الآخر تكوينا قياسا للإرادة التكوينية على الإرادة التشريعية الّتي ادّعى فيها ذلك، فحينئذ، لا يرد عليه النقضان المتقدّمان اللّذان ذكرهما المحقّق الأصفهاني (قده) و ذلك:

أمّا الأول: فلوضوح أنّ الإنسان الّذي يريد التبريد حال كون التبريد متوقفا على شرب الخمر، إذن، فهو يريد شرب الخمر للملازمة بينهما، فيكون الحرام متعلقا للإرادة بالاستلزام، و لو لأجل انحصار المراد به، و في عكسه كذلك، إذا أراد إيصال السلك الكهربائي، فهو يريد قتل هذا المؤمن، للتلازم بين إيصال السلك و قتله.

و أمّا عدم ورود النقض الثاني، فباعتبار أنّ هذا الإنسان إذا فرض أنّه يريد علاج معدته و قد توقف هذا على شرب جامع المائع، فإذا انحصر جامع المائع بالخمر، إذن فقد تلازما، لأنّ إرادة أحدهما تلازم إرادة الآخر، و لو فرض عدم الانحصار بالخمر، و لكن رجح إناء الخمر لخصوصية نظافته، إذن إرادة النظافة هي كذلك ملازمة مع إرادة شرب الخمر تكوينا، لأنّ إرادة أحدهما توجب إرادة الآخر، إذن، فلا نقض في الموردين.

و لكن هذا غير جار في مقام التجري، فإنّه لا تلازم بين ما هو المراد تكوينا، و بين شرب مقطوع الخمرية، لأنّه هو أراد شرب الخمر، و شرب الخمر لا يلازم الماء المقطوع الخمرية، بدليل انّ ما تعلق به شوقه و إرادته لا يلازم ما وقع، و ما وقع لا يلازم ما تعلّق به إرادته، فإنّه شرب مقطوع الخمرية، و لم يشرب الخمر، بل يمكن أن يعلّل و يقال:

114

كل فعل كان يستلزم المحبوب و المطلوب بحيث متى ما وجد يوجد المحبوب- و لو من باب الملازمة العرضية- فهذا يكون مرادا، و كل ما لا يكون كذلك لا يكون مرادا، إذن فهناك فرق بين النقضين و بين محل الكلام، أعني التجرّي، إذن كان ينبغي لصاحب الكفاية أن يفرق بينهما.

و الخلاصة هي: انّه إن فرض أنّ الخراساني (قده) لم يدّع استلزام إرادة أحد المتلازمين لإرادة ملازمه تكوينا، فالنقوض السابقة كلها واردة عليه.

و أمّا إذ فرض أنّه يدّعي انّ إرادة أحد المتلازمين يستلزم إرادة ملازمه تكوينا، فالنقوض غير واردة عليه، لكن بناء على هذا الاحتمال يردّ عليه حينئذ.

أولا: عدم تمامية أصل المبنى الّذي كان المنشأ لقوله في اختيارية الفعل و الّذي بنى عليه برهانه في المقام كما تقدّم في الشق الأول‏ (1)، فإنّ اختياريّة الفعل ليست متقومة بكونها مصبّا للشوق و الإرادة كما تقدّم تفصيل ذلك.

و ثانيا: بأنّ ما افترضناه قولا لصاحب الكفاية (قده)، و هو دعوى الاستلزام بين إرادة الشي‏ء و إرادة ملازمه، فهذه الدعوى الّتي يدّعيها- و قد دفعنا النقوض عنها- هي في نفسها باطلة، إذ لا موجب لافتراض كون انقداح الشوق في النّفس الّذي هو معنى الإرادة عنده لأحد المتلازمين هو موجب لانقداح الشوق للملازم الآخر كما أنكره صاحب الكفاية نفسه في الإرادة التشريعية، فإنّ الشوق، و الإرادة الشوقية، تابعة للملاءمة النفسية و لملاءمة الشي‏ء مع الطبع، و هذه الملاءمة، قد تكون في أحد المتلازمين دون ملازمه، فالشوق نحو كل شي‏ء تابع لملاكه.

____________

(1) كفاية الأصول: ج 1، ص 260.

115

و ثالثا: إنّ ما ذكره من البرهان بالتقريب المتقدّم، فهو لو تمّ، فإنّما يتمّ في الشبهة الموضوعية لا الحكمية، و حينئذ يكون الحق معه في ذلك.

يعني لو فرض أنّ هذا المكلّف قطع بخمرية الماء فشربه، فهنا يقال: إنّه كان يريد شرب الخمر الواقعي، و شرب الخمر الواقعي لا يستلزم شرب مقطوع الخمرية، إذن فشرب مقطوع الخمرية ليس مقصودا و مرادا له حتّى بناء على التلازم.

و أمّا في الشبهة الحكمية: لو سلم المبنيان- مبنى معنى اختيارية الفعل، و مبنى استلزام إرادة شي‏ء لإرادة ملازمه- فأيضا يتجه النقض بالتجري في الشبهة الحكمية، كما لو فرض أنّه قطع بأن شرب التتن حرام فشربه، و لم يكن حراما في الواقع، فهنا تعلّقت إرادته و شوقه بعنوان شرب التتن، و هذا العنوان يستلزم عنوان معلوم الحرمة، لأنّ شرب التتن معلوم الحرمة عنده، إذن فهو يريد شرب التتن، و هو مستلزم لعنوان شرب معلوم الحرمة، إذن فهو يريد شرب معلوم الحرمة، فيكون قبيحا.

فالبرهان الّذي ذكره إنّما يتمّ في الشّبهات الموضوعية فقط، بل حتّى التجري في الشّبهات الموضوعية غير مطّرد هذا البرهان.

إذ قد يفرض انّ إنسانا كان له شوق لشرب مقطوع الخمرية و لو لغرض شخصي فيه، ففي مثله يكون هذا العنوان اختياريا حتّى على مبنى الخراساني (قده) فيقبح.

و الوجدان لا يساعد على الفرق بين هذه الصورة و غيرها من صور التجري، و هذا منبه على قبح كلّ فعل متجرّى به.

بل يورد أيضا فيقال: إنّ هذا الفعل الصادر من المتجري في الشبهة الموضوعية، هل يدّعي صاحب الكفاية انّ حيثية من حيثياته‏

116

صدرت عن الفاعل بالاختيار، أو انّه يدعي عدم صدور أيّ حيثيّة منه بالاختيار؟

فإن ادّعى انّ بعض حيثيّاته صدرت بالاختيار، إذن فتلك الحيثيّة الصادرة منه بالاختيار، لا محالة ملازمة لعنوان شرب مقطوع الخمرية، و حينئذ بناء على قانون التلازم تسري الإرادة إليه أيضا، و حينئذ يحكم بقبحه.

و إن ادّعى إنّ هذا الفعل بتمام حيثيّاته ليس تحت الاختيار، فهذا مرجعه إلى البرهان الثالث الّذي سوف يبرهن به على عدم قبح التجري.

2- البرهان الثاني: لصاحب الكفاية (قده) أيضا معترفا بأنّه برهان غالبي لا دائمي، و هو مركب من مقدمتين.

1- المقدمة الأولى: هي انّ الالتفات إلى العنوان شرط في اختيارية ذلك العنوان، و مع عدم الالتفات إلى العنوان لا يكون الفعل بالاختيار.

و هذا صحيح حتّى على مسلكنا، دون الذهاب إلى مسلك الفلاسفة الّذين اشترطوا الإراديّة في الاختيار.

2- المقدمة الثانية: هي: انّ عنوان مقطوع الخمرية لا يلتفت إليه غالبا في مقام العمل، لأنّ من يشرب مقطوع الخمرية، ينظر إلى قطعه هذا نظرة كاشفيّة لا موضوعية، أي نظرة آليّة لا استقلاليّة، إذن فالعنوان الّذي هو مصبّ التفاته هو عنوان شرب الخمر، و هذا العنوان لم يتحقّق خارجا، و ما تحقّق خارجا- و هو مقطوع الخمرية- ليس مصبّا لالتفاته، إذن فلم يصدر منه شرب مقطوع الخمرية بالاختيار و الإرادة حتّى يكون قبيحا.

و قد أورد عليه المحقّق النائيني (قده) (1)، بأنّ القطع إذا كان لا يلتفت إليه، فهذا لازمه، انّ القطع إذن لا يعقل أخذه موضوعا للحكم‏

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي، ج 3، ص 44.

117

الشرعي، و معه: لا يكون الحكم حينئذ قابلا للوصول إلى المكلّف و التنجز عليه، لأن تنجز الحكم فرع الالتفات إلى موضوعه، و المفروض انّ موضوعه هو القطع، و هو لم يلتفت إليه.

و هذا الإيراد غير وارد، و إنّما يكون واردا لو كان صاحب الكفاية (قده) يدّعي أنّه يستحيل أن يلتفت القاطع إلى قطعه، و لكنّه ادّعى بأنّه خارجا لا يلتفت إلى قطعه في موارد القطع الطريقي، لأنّ غرضه في موارد القطع الطريقي يكون قائما بالمقطوع به لا في القطع نفسه، فلا محالة يكون نظره تابعا لغرضه، و حينئذ، يكون القطع مجرد طريق، و أمّا إذا كان غرضه متعلّقا بنفس القطع فهنا لا محالة من التفاته إلى نفس القطع، كما في موارد القطع الموضوعي، حيث يكون غرض المكلّف إحراز نفس القطع الموضوع للحكم.

و من الواضح أنّه في موارد التجرّي يكون القطع كاشفا لغرضه، إذن، فلا يكون ملتفتا إليه.

و بعبارة أخرى: إنّ الآخوند (قده) يدّعي الغفلة عن القطع في مقام القطع الطريقي، كما هو الحال في المتجرّي، فإنّ غرض المتجري هو شرب الخمر، إذن فمقطوع الخمرية يكون كاشفا عن غرضه، و عليه: فلا يردّ كلام الميرزا (قده) حينئذ.

و الصحيح في الإجابة على هذا البرهان هو أن يقال للآخوند (قده):

أولا: سلّمنا أنّ النظر إلى القطع بالخمرية نظر آلي، مرآتي، لكن النظر المرآتي معناه مرتبة من الالتفات التبعي، و هذا كاف في تحقّق الاختيار، فإنّ المقصود من الالتفات الّذي هو شرط في الاختيارية، هو ما يقابل الغفلة المطلقة الّتي تنافي السلطنة و الاختيار لا خصوص الالتفات التفصيلي.

118

و ثانيا: إنّ الفاعل كما يحسب حساب العناوين الأولية الّتي هي متعلق غرضه، كذلك يحسب عادة و يلتفت إلى العناوين الّتي يترقب أن تنطبق على فعله و تكون مانعة له عن تحصيل غرضه.

فمثلا: لنفرض إنّ هذا الإنسان عطشان، و هو يقطع أنّ أمامه ماء، و له غرض فيه، إذن هو حينئذ يتوجه إلى عنوان «شرب الماء» لا إلى قطعه بل إلى مقطوعه، و لكن إذا فرضنا انّ هناك عناوين أخرى يترقب أن تكون مانعة له عن تحصيل غرضه، من قبيل أن يكون بينه و بين الماء حاجز مثل برودة الماء الضارة، أو طعمها المؤذي، أو وجود طاغية يمنع من شربها، إلى غير ذلك من الحيثيّات، إذن فهنا لا محالة يلتفت إلى هذه الحيثيّات، و حينئذ، فهو تارة يصدّق بمانعيّة هذه الحيثيّات فيحتاط، و أخرى لا يتحفظ، بل يقتحم هذه العناوين الّتي يحتمل أن تكون مانعة و يشرب حالة كونه ملتفتا إلى هذه العناوين الّتي يترقب أن تكون مانعة له عن شرب الماء، و من جملة هذه العناوين المانعة عن الشرب بالنسبة للمكلّف المتدين القاطع بخمرية هذا المائع، هو كون فعله تجرؤا، و كون حرمة مقطوع الخمرية منجز عليه، و انّ شربه حرام، فيحسب حسابه أيضا، و حينئذ قد يقدم و قد لا يقدم، إذن فعنوان معلوم الحرمة لا بدّ من الالتفات إليه تفصيلا، لا سيّما و انّه مؤمن، ففرضه متعلّق بعدم عصيان المولى، إذن فلا محالة من التفاته إلى كل هذه العناوين و منها عنوان معلوم الحرمة، و هذا الالتفات كاف في أن يكون صدور الفعل منه اختياريا في مقام التجري.

3- البرهان الثالث: للآخوند (قده) (1) يقول فيه: إنّ التجري لم يصدر من فعل اختياري على الإطلاق، ليتصف بالحسن أو القبح،

____________

(1) كفاية الأصول: الخراساني، ص 262.

درر الفوائد: الخراساني، ص 13.

119

فيكون حال من شرب الماء بتخيّل أنّه خمر، كحال النائم يشرب خمرا و الوجه فيه هو، انّ ما قصد لم يقع، و ما وقع لم يقصد، فما قصده المتجري، و هو شرب الخمر، لم يقع في الخارج، و ما وقع منه في الخارج، و هو شرب الماء، لم يقصده و لم يرده، إذن فلا يكون فعلا اختياريا له.

ثمّ انّ الآخوند (قده) (1) استشكل على نفسه فقال: إنّه يمكن أن يقال: بأخذ جامع بين ما قصد، و ما وقع، و هذا الجامع هو «المائع» و بذلك يكون ما وقع قد قصد و وقع منه بالاختيار، فإنّ الّذي قصد هو شرب مقطوع الخمرية، و هو مائع، و أمّا الّذي وقع و تحقّق هو شرب الماء، و الماء مائع أيضا، إذن فهناك جامع بين ما قصد و ما وقع، و هو شرب المائع، إذن يمكن القول بأنّه وقع منه شرب المائع بالاختيار.

ثمّ أجاب على استشكاله، بأنّ الإرادة المتعلقة بالجامع إرادة ضمنيّة لا استقلاليّة، لأنّه أراد الجامع في فردّه الّذي هو شرب الخمر، بينما المراد استقلالا إنّما هو الخمر، و لهذا لو منع من شرب الخمر لما شرب مائعا آخر، إذن فالجامع بالمقدار الّذي قصده في ضمن حصة الخمر لم يقع، و بالمقدار الّذي وقع في ضمن حصة الماء لم يقصد، إذن على ما ذا يحاسب المتجرّي؟.

و لنا هنا كلامان:

1- الكلام الأول: هو نقضي، نقول فيه: إنّه بناء على هذا التحليل، يلزم جواز ارتكاب المعصية في كل مورد تعلق قصد المكلّف ببعض أفراد الحرام من الجامع، و يكون الواقع فردا آخر من الحرام، كما لو كان يريد شرب الخمر العنبي، فشرب بتخيّل أنّه خمر عنبي، لكن‏

____________

(1) المصدر السابق.

120

تبيّن أنّه خمر من التمر، فمثل هذا يلزم أن لا يكون قد صدر منه قبح، لأنّه لم يصدر منه فعل اختياري أصلا ليكون محرما، إذ ما قصده لم يقع، و ما وقع لم يقصده، لأنّ قصده للجامع ضمني لا استقلالي، حيث أنّه قصد الجامع في الحصة العنبيّة و الجامع في ضمن الحصة العنبيّة المقصودة لم يقع، و إنّما وقع في ضمن الحصة غير المقصودة.

و مثل هذا التحليل واضح الفساد.

2- الكلام الثاني: و هو حلّي و حاصله هو، انّ هذا البيان يؤدّي إلى أن يكون حال المتجري حال النائم الّذي يشرب الخمر في منامه، مع أنّ بداهة الوجدان تحكم بوجود فرق ما بين فعل المتجرّي و فعل النائم، و وجدانية هذا الفرق ينبغي أن تكون منبها للآخوند (قده) على أحد أمرين طوليّين.

1- الأمر الأول: هو أن يرفع يده عن مبناه الفلسفي في باب الاختياريّة و يتراجع عن قوله، بأنّ ميزان الاختياريّة هو أن يكون الفعل إراديا، بل ينبغي أن يذهب إلى ما ذهبنا إليه، من كون الفعل اختياريا عند ما يكون الفعل تحت السلطنة و صادرا مع الالتفات.

و من الواضح، ان ما ذهبنا إليه منطبق على محل الكلام، فإنّ شرب مقطوع الخمرية أمر يلتفت إليه و واقع تحت السلطنة.

و بناء على ميزاننا هذا في الاختياريّة تصبح هذه الشبهة غير ذات موضوع، لأنّ الاختيارية متحقّقة في المقام، فلو فرض انّ هذا ليس منبها لذلك، إذن فليكن منبها إلى صيغة جديدة لهذا المطلب تكون أحسن من صيغته المخالفة للوجدان، لئلّا يلزم مخالفة هذا الوجدان.

2- الأمر الثاني: هو أنّه تارة نقول: بأنّ ميزان اختيارية الفعل هو أن يكون بعنوان من عناوينه المنطبقة عليه مصبّا للإرادة، و هذه هي صيغة

121

الآخوند (قده)، و قد قلنا و يقال: إنّه بناء على هذه الصيغة، تأتي الشبهة فيقال: بأنّ ما هو متعلق للشوق لم ينطبق على هذا الفعل، و ما هو منطبق على هذا الفعل، و هو عنوان- «شرب مقطوع الخمرية»- لم يكن هو موضوع الشوق و متعلّقه، إذن، فالفعل غير اختياري في المقام.

حينئذ يأتي الأمر الثاني بالصيغة الثانية، و هي أن يقال: بأنّ اختيارية الفعل مربوطة بالإرادة، لكن ليس اختيارية الفعل بذلك، بمعنى أن يكون عنوان الفعل متعلقا للإرادة في عالم النّفس، بل بمعنى انّ الفعل يكون معلولا للإرادة و ناشئا في طولها، فإن افترضنا انّ هذا هو الميزان، فانّه حينئذ يقال: بأنّ كل إرادة في عالم النّفس تعرض على عنوان لا محالة، و هذا العنوان يكون بتشخيص المريد، فهو الّذي يشخص انّ هذا العنوان منطبق على هذا الفرد، و بعد تشخيص انطباق ذاك العنوان على ذاك الفرد يتحرك نحو هذا الفرد، و المحرك نحوه هو الإرادة بعد تمامية التشخيص، فالإرادة هي المحركة، سواء كان تشخيصه مطابقا للواقع أو غير مطابق، فمثلا: هو يريد أن يشرب ماء مطلقا، فهذا هو معروض الإرادة، ثمّ يشخص انّ هذا ماء مطلق، و في طول هذا التشخيص يتحرك نحو هذا الفرد الخارجي، و المحرك له هو الإرادة، لأنّه يرى انّ هذا مصداق الإرادة، و الإرادة هي المحركة، سواء كان تشخيصه مطابقا للواقع أو لا، إذن فهذا الفعل الصادر منه، المحرك له هو الإرادة لا محالة، و على هذا يكون الفعل اختياريا في كلتا الحالتين.

و بناء على هذه الصيغة الثانية، و هي كون المحرك له الإرادة و إن كان في مورد خطأ التشخيص فالصيغة الأولى غير منطبقة، لأنّ ما هو محبوب له هو عنوان «الماء المطلق»، و هو غير منطبق على هذا، و ما هو منطبق عليه. و هو عنوان «ماء الورد» مثلا ليس متعلقا للإرادة، إذن، فالصيغة الأولى غير منطبقة.

122

لكن الصيغة الثانية منطبقة، لأنّ هذا الفعل منشؤه هو الإرادة، و هو يكفي في الاختياريّة.

و هنا في مورد التجري، تعلقت إرادة هذا الإنسان بشرب الخمر، فتشخّص انّ هذا الخل خمر فشربه، فهنا، لو لاحظنا الصيغة الأولى، فهو لم يصدر منه فعل ذو عنوان اختياري لما مرّ معنا، لكن لو لاحظنا الصيغة الثانية، فهذا الفعل منه اختياري، لأنّه بعد تشخيص انّه خمر و لو خطأ، فالّذي حرّكه نحوه هو الإرادة، إذن فهذا الفعل نشأ عن الإرادة، و هذا يكفي في اختياريته.

و الحاصل هو، انّ هذا الفرد الخارجي قد صدر منه باختياره بعد أن طبّق مراده عليه و شخّصه فيه، إذن، فتحركه نحو إيجاد ذلك الفرد المشخّص بإرادته و اختياره اختياري، سواء أخطأ في تشخيصه، أو كان تشخيصه مطابقا للواقع.

و بهذا، نكون في الصيغة الثانية قد وفّقنا بين وجداننا و بينها.

4- البرهان الرابع: لصاحب الكفاية (قده) (1) نذكره مع شي‏ء من التنقيح، و حاصله هو، انّ هذا المتجري لو فرض أنّه رأى شخصا يغرق، فتخيّله عدوا للمولى، لكن تجرّى و أنقذه، فتبيّن أنّه ابن المولى، ففي مثل ذلك، هل يقال: بانّ هذا الإنقاذ أمر محبوب أم لا؟ فإن قيل انّه ليس بمحبوب للمولى، فهذا خلاف الوجدان، و إن قيل انّه محبوب للمولى، فحينئذ لو التزم بقبح الفعل المتجرّى به مع كونه محبوبا للمولى لزم اجتماع الضدين، و هو مستحيل.

و هذا الوجه يتضح جوابه ممّا ذكرناه سابقا، فانّ هذا خلط بين باب الحسن و القبح و بين باب المصالح و المفاسد، و على كلّ، فنحن‏

____________

(1) كفاية الأصول: الخراساني، ج 1، ص 261، 262.

123

نختار انّه فعل محبوب و فيه مصلحة للمولى، و لكن مع هذا هو فعل قبيح، لأنّ الحسن و القبح ليسا حكمين مجعولين بلحاظ عالم المصالح و المفاسد حتّى يلزم من كونه قبيحا كونه ذا مفسدة، و من كونه محبوبا كونه ذا مصلحة.

و عليه فالصحيح انّ الفعل المتجرّي به قبيح بحكم العقل، و قبحه بدرجة قبح المعصية.

(1) كفاية الأصول: الخراساني، ج 2، ص 13.

124

المقام الثاني: استحقاق العقاب على الفعل المتجرّى به‏

و قد اتضح ممّا ذكرناه، انّ مسألة قبح الفعل غير مسألة استحقاق العقاب عليه، بل هما مسألتان طوليتان إحداهما مترتبة على الأخرى، الأولى هي قبح الفعل، و هو ما لا ينبغي فعله، و الثانية هي مسألة استحقاق العقاب عليه.

و الصحيح على ما ذكرناه، انّه يستحقّ العقاب على الفعل المتجرّى به، عقابا تأديبيّا من قبل العقلاء، و عقابا قصاصيّا من قبل المولى، لأنّه كالعاصي استلب من حق المولوية الّذي تقدّم انّ موضوعه الجامع بين العصيان و التجري، و هذا يستنبط ممّا ذكرناه في المقام الأول، و إنّما عقدنا له مقاما مستقلا باعتبار أنّ العلماء تعرّضوا لوجوه مستقلة لإثبات استحقاق العقاب.

و على طريقتنا يستنبط استحقاق العقاب من المقام الأول، و على طريقتهم لا بدّ من التعرّض لما ذكروه.

و قد ذكر الميرزا (قده) انّ الشيرازي الكبير (قده) ذكر برهانا مركبا من أربع مقدّمات على استحقاق العقاب‏ (1)، و كانت المقدّمة الأولى‏

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي، ج 2، ص 28، 29.

125

و الثانية لا ربط لها بمسألة استحقاق العقاب، نعم المقدّمة الثالثة و الرابعة يصلح كل منهما أن يكون وجها لإثبات استحقاقه.

إذن، هذا البرهان ليس مركبا من أربع مقدّمات، بل هو مركب من الثالثة و الرابعة كما عرفت.

و نحن هنا نضيف إليهما الوجه الّذي ذكره الشّيخ الأنصاري (قده).

و معه يتحصل لدينا ثلاثة براهين على استحقاق المتجري للعقاب.

1- البرهان الأول: و هو المقدّمة الثالثة من برهان الشيرازي (قده) (1)، و حاصله هو.

إنّ المناط في حكم العقل باستحقاق العقاب إنّما هو ارتكاب ما يعلم مخالفته لتكليف المولى، لا ما يكون مخالفا للواقع، إذ المهم هو العلم بالتكليف لا إصابة هذا العلم للواقع، و ذلك لأنّه لو كانت الإصابة قيدا في الملاك و دخيلة فيه، إذن لتعطّل باب المعصية و لما أمكن إحراز الإصابة في أيّ مورد، لأنّ الإصابة ليست مضمونة إلّا للمعصومين، و هذا بخلاف ما إذا قلنا انّ حكم العقل بالاستحقاق، تمام ملاكه هو العلم بلا دخل الإصابة، إذ بناء على ذلك يكون الأمر أوضح، حيث أنّ المتجري و العاصي يكونان على حد واحد لأنّ مناط استحقاق العقاب الّذي هو العلم متوفر فيهما معا.

و قد أجاب الميرزا (قده) عن ذلك بما حاصله: إنّا لو سلّمنا انّ تمام المناط في حكم العقل إنّما هو العلم، لكن نقول: إنّ المتجري ليس بعالم حقيقة، بل هو جاهل، و جهله مركب في الواقع، إذن غاية ما تثبتون هو، انّ تمام الملاك هو العلم و هذا غير موجود في المتجري.

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي، ج 2، ص 228، 229.

126

و برهان الشيرازي (قده) و جواب الميرزا (قده) لا محصل لهما.

أمّا برهان الشيرازي (قده) فلا محصل له، لأنّنا نختار الشق الأول، و هو أن تكون المصادفة دخيلة في ملاك حكم العقل باستحقاق العقاب، و حينئذ يلزم تعطيل باب المعصية كما ذكر صاحب هذا البرهان.

و لكن هذا غير صحيح، لأنّ المصادفة للقاطع محرزة، لأنّه لا يحتمل هو في قطعه انّه غير مصادف ما دام قاطعا.

فإن قيل: بأنّ المصادفة غير محرزة لغير القاطع.

قلنا: لا بأس بذلك، و لكن لا يلزم منه تعطيل باب المعصية، لأنّ المهم إحراز نفس القاطع.

و إن شئت قلت: ننكر أن يكون العلم بالتكليف هو المناط، و إنّما نختار أن تكون إصابة الواقع هي المناط، و المفروض أنّها محرزة عند القاطع و المتجري، لأنّ القاطع يرى أنّ قطعه مطابق للواقع، فهو دائما يحرز التكليف، كما انّه يرى نفسه مستحقا للعقاب على تقدير المخالفة، إذن فلا يلزم تعطيل الأحكام.

و أمّا جواب الميرزا (قده)، فكأنّ الميرزا (قده) أراد أن يختار الشق الثاني، و هو أنّ تمام الملاك هو العلم، لكنّه قال: إنّ العلم في المتجري غير موجود لأنّ علمه جهل مركب، فكأنّ إيراده و جوابه نقاش لفظي، يرجع إلى أنّ كلمة العلم لأيّ شي‏ء موضوعة، هل للقطع المصادف للواقع، أو لما يشمل القطع في صورة الجهل، و هو كما ترى، إذ ليس الكلام استظهاريا ليردّ جواب الميرزا (قده)، بل صاحب البرهان الشيرازي (قده) يريد البرهنة على أنّ إصابة القطع للواقع غير دخيلة في ملاك حكم العقل باستحقاق العقاب، فعبّر الشيرازي (قده) بالعلم و هو يريد بالعلم ذات القطع، و الميرزا (قده) هنا طعّم القطع‏

127

بالإصابة و انّ القاطع غير المصيب ليس بعالم، فأخذ المصادفة قيدا في العلم، و هذا خلاف مقصود صاحب هذا البرهان، و إلّا فيمكن التعبير بالقطع بدلا عن العلم.

و غرابة هذه المطالب من هؤلاء الأعاظم، تدعو لاحتمال أن لا تكون صادرة عنهم، أو لاحتمال شي‏ء آخر كانوا يقصدونه.

2- البرهان الثاني: و هو المقدّمة الرابعة في برهان الشيرازي (قده)، و الّتي قلنا إنّها يمكن جعلها برهانا.

و حاصلها: انّ الميزان في استحقاق العقاب، إمّا القبح الفعلي و إمّا القبح الفاعلي، و الأول باطل، إذ يلزم منه أنّ المكلّف لو ارتكب حراما بتخيّل أنّه حلال، يلزم منه أن يكون مستحقا للعقاب، لأنّ القبح الفعلي محفوظ، مع أنّ هذا لا يستحق العقاب، و حينئذ يتعيّن الشق الثاني، و هو أن يكون ملاك حكم العقل باستحقاق العقاب هو القبح الفاعلي، و هذا محفوظ في العاصي و المتجري معا، و إنّما يختلفان في القبح الفعلي فقط.

و قد ناقش الميرزا (قده) فيه، بأنّه يوجد شق ثالث‏ (1) و هو، إنّا لا نقول بأنّ مناط استحقاق العقاب هو القبح الفعلي ليردّ النقض، و لا القبح الفاعلي على إطلاقه ليلزم إشراك المتجرّي مع العاصي، بل نقول:

بأنّ الملاك هو القبح الفاعلي الناشئ من القبح الفعلي، أي من مجموع القبحين، لأنّ القبح الفاعلي، تارة ينشأ من سوء السريرة، و أخرى ينشأ من قبح الفعل، و بهذا يفرّق بين العاصي و المتجري، و حينئذ لا يردّ النقض، لأنّ المتجري و إن كان له قبح فاعلي، لكن لأنّه غير ناشئ من الفعلي فلا عقاب له، بل يختصّ العقاب بالعاصي.

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي، ج 2، ص 29.

128

و كلا الكلامين، البرهان مع ردّه، تلفيق من الكلام، مبني على تخيّل أنّ القبح على نحوين، فاعلي و فعلي، و الفعلي معناه: حصة قائمة بالفعل بذاته و بقطع النظر عن إضافة إلى فاعله، و هذا مبني على خلط بين الحسن و القبح، و باب المصالح و المفاسد.

و قد بيّنا سابقا، انّ باب الحسن و القبح إذا نحن أرجعناهما إلى المصالح أمكننا أن نتعقل قبحان، قبحا في الفعل بذاته، و قبحا من حيث انتسابه إلى الفاعل، فنسمي الأول فعليا، و الثاني فاعليا.

لكن بعد أن بيّنا انّ الحسن و القبح بابهما باب مستقل، فحينئذ، دائما يكون معروض الحسن و القبح هو الفعل بما هو مضاف إلى صاحبه و فاعله، و حينئذ، فلا قبح فعلي مستقل عن فاعله الفاعلي ليتأتّى مثل هذا الكلام.

3- البرهان الثالث: و هو ما ذكره في الرّسائل الشيخ الأعظم (قده) (1) حيث يقال: انّه لو اختصّ استحقاق العقاب بالعاصي، للزم إناطة الاستحقاق بأمر غير اختياري، و هذا مستحيل.

و إن شئت قلت: لو كان عدم استحقاق المتجرّى للعقاب عدم إصابته للواقع، كان معنى استحقاق العقاب للعاصي هو، إصابة قطعه للواقع، و حينئذ لا يكون فرق بين العاصي و المتجري، و تكون الإصابة و عدمها أمرا غير اختياري، و حينئذ، فكيف يمكن أن تناط به العقوبة.

و قد أجيب عن هذا البرهان في الرّسائل‏ (2) بما يرجع حاصله: إلى التفكيك بين المقتضي لاستحقاق العقاب، و بين المانع عن تأثير هذا

____________

(1) فرائد الأصول: الأنصاري، ص 5، 6.

فوائد الأصول: الكاظمي، ج 2، ص 38.

(2) المصدر السابق.

129

المقتضي، حيث أنّ الاستحقاق علّة مركّبة من مقتضي و عدم مانع، فالمقتضي يجب أن يكون أمرا اختياريا دائما، و أمّا المانع عن الاستحقاق فلا يلزم كونه اختياري، و هذا أمر لا بدّ من الالتزام به، إذ هناك أمور غير اختيارية تكون مانعة عن الاستحقاق جزما كالعجز مثلا، كما لو فرض أنّه حدّث نفسه بشرب الخمر لكنّه كان عاجزا عنه، فهنا لا عقاب، لوجود المانع الّذي هو غير اختياري، و هذه كبرى.

و حينئذ نقول: انّه لو فرض أنّنا نقول: بأنّ نفس المصادفة هي المقتضي لتمّ ما ذكر، و أمّا إذا فرض أنّ المقتضي للاستحقاق كان عبارة عن نفس تصدّيه لعصيان المولى- و هذا قد وقع منه بمحض اختياره- إذن، فهذا المعنى أمر اختياري محفوظ في المتجري و العاصي معا، غايته أنّه في العاصي، المقتضي أثّر أثره، لعدم اقترانه بالمانع، و أمّا في المتجري، فقد اقترن هذا المقتضي بالمانع، و هو خطؤه في التشخيص، و هذا المانع و إن كان غير اختياري لكن لا يضرّ في كونه مستحقّا للعقاب.

و هذا الجواب على مستوى هذا البيان صحيح: إلّا أنّ هذا الّذي ذكره الشّيخ الأعظم (قده) (1) لو صيغ بالعبارة الّتي صغناه بها لانطبق على مسلكنا، فإنّ المتجري و العاصي كلاهما هتك المولى و ستر المولويّة و تحدّاه، و لا فرق بينهما من هذه الناحية، و مجرد إصابة هذا، و عدم إصابة ذاك، لا دخل لها في مقدار التحدّي، بل نسبة التحدّي واحدة، و حيث أنّ حقّ المولويّة مرجعه إلى حقّ احترامي، فنسبة هتك هذا الحق إليهما على حدّ سواء، فلا بدّ أن يشتركا في العقاب، و حينئذ، بهذا البيان يكون هذا البرهان صحيحا.

____________

(1) فرائد الأصول: الأنصاري، ص 5، 6.

130

المقام الثالث: في حرمة الفعل المتجرى به شرعا

و الاستدلال عليها تارة يكون بلحاظ نفس إطلاقات أدلّة الأحكام الواقعية، بمعنى أنّنا نثبت حرمة مقطوع الخمرية بنفس خطاب «لا تشرب الخمر»، و أخرى يكون بلحاظ قاعدة الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع، فإنّ كل ما حكم العقل بقبحه، حكم الشرع كذلك بحرمته، و ثالثة يكون بلحاظ الإجماع، و رابعة بلحاظ الرّوايات، إذن فهناك أربعة مسالك يدخل منها لإثبات حرمة الفعل المتجرّى به.

1- المسلك الأول: هو التمسك بإطلاقات الأدلّة الأولية الدالة على حرمة شرب الخمر قبلا.

و لا شكّ انّ هذه الاستفادة تحتاج إلى عناية، لأنّ الدليل لو خلّي و طبعه، لاقتضى تعلّق الحرمة بالموضوع بوجوده الواقعي و هو الخمرية، لأنّ الألفاظ موضوعة لمعانيها بوجوداتها الواقعية من دون دخل للعلم و الشك فيها، فالخمر اسم للمسكر المخصوص، لا لما قطع بأنّه كذلك، إذن، فالتصرف في مدلول العبارة و إخراجه من ذاك إلى هذا يحتاج إلى عناية.

و هذه العناية يمكن بيانها بأحد بيانين.

131

1- البيان الأول: و هو الّذي سلكناه في التعبير عن مثل هذه العناية الموهومة في المقام، و ذلك بأن يقال: انّ الخطاب إذا فرض أنّ موضوعه كان هو الخمر الواقعي، فهذا معناه، استبطان متعلّق التكليف للمصادفة، إذ من الواضح انّ هذا لا يكون شرب خمر واقعي إلّا في فرض المصادفة، بحيث لو صادف الواقع يكون حينئذ متعلقا للتكليف، و إلّا فلا، و المصادفة باعتبارها أمرا غير اختياري كما تقدّم، إذن فلا يعقل أخذها في متعلق التكليف، إذن، فلا يعقل القول بأنّ شرب الخمر الّذي يكون مصادفا للواقع حرام لعدم اختيارية المصادفة، و حينئذ، لا بدّ و أن يكون متعلق التكليف معرّى عن قيد المصادفة، و معنى ذلك: أنّ التكليف متعلق بالجامع بين المصادفة و غيرها، و هذا الغير يشمل مقطوع الخمرية عند المتجري.

و هذا البيان هو صورة مغالطة.

و حلّها هو أن يقال: انّ المصادفة لا تؤخذ متعلقا للتكليف، بحيث يكلّف الإنسان بأن يكون خمره خمرا حقّا، و لكن المصادفة تؤخذ موضوعا للتكليف و شرطا، و يصاغ هذا بشكل القضية الشرطية فيقال: إذا كان ما تراه خمرا، مصادفا للواقع، فهو حرام، فالمصادفة الراجعة إلى مفاد كان الناقصة لا يتعلّق بها التكليف، بل يتعلّق بمفاد كان التامة، فالمصادفة الّتي تؤخذ في مفاد كان الناقصة تؤخذ شرطا في التكليف بنحو مفاد كان التامة كما عرفت، و حينئذ، لا يلزم أن يكون التكليف تكليفا بالمصادفة، و بالتالي بأمر غير اختياري.

2- البيان الثاني: و قد نقله الميرزا (قده) (1)، و بيانه يتوقف على شرح بعض مصطلحات الميرزا (قده)، و عنده هنا ثلاثة أمور:

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي، ج 2، ص 15- 16.

132

الأول هو الإرادة، و هو واضح، و الثاني هو الفعل، و هو واضح أيضا، و هناك شي‏ء ثالث بين الإرادة و الفعل، و هو ما يسميه بالاختيار، و هو فعل نفساني يأتي بعد الإرادة و قبل الفعل، و لهذا يقال: «أراد، فاختار، ففعل»، و هذا الفعل النفساني حقيقته بتحرك النّفس على طبق الإرادة الّذي ينتج قيامها بالفعل خارجا، و هو (قده) يرى أنّ الإرادة مهما كانت قوية لا تكون علّة حتميّة لوقوع الفعل في الخارج كما يتصور الفلاسفة، بل بعد تماميتها فالإنسان يبقى له الاختيار و عدمه، و معنى الاختيار هو أن يحرك نفسه نحو المراد، و عليه: فعندنا إرادة، و اختيار، و فعل خارجي، و الإرادة تكون متعلقة بما يلائم قوّة من قوى الإنسان، فهو يشتهي الماء لأنّه عطشان، فالإرادة تتعلق بالعناوين الواقعية الّتي هي تتطابق،- حينما يتصورها الإنسان- مع شهوة من شهواته، فالإرادة تتعلق بشرب المسكر، و أمّا الاختيار فهو تحرك نفسي نحو المراد خارجا، و هذا الاختيار يكون محركا نحو ما يراه الإنسان مصداقا لشرب الخمر، إذ من الواضح أنّ الإنسان بعد اشتياقه للمسكر الواقعي، يصير في مقام التحرك، فالنّفس تحمله إلى ما يراه هو خمرا، و لهذا قد يفرض أنّ الخمر أمامه لكن لا يتوجه نحوه، لأنّه لا يراه خمرا، فلو أراد شرب الخمر و تخيّل انّ هذا الماء خمرا فسوف تحمله نفسه عليه، لأنّه يعتقده مصداقا لمراده، سواء كان مصداقا للمراد في الواقع أم لا.

و بعد هذه المقدّمة، حينئذ نأتي إلى بيان الميرزا (قده)، و هو مركب من أمرين:

1- الأمر الأول: هو أنّ التكليف حيث أنّه من أجل تحريك اختيار المكلّف، لهذا فهو لا يتعلق إلّا بالأمور الاختيارية، إذن فمتعلقه نفس الاختيار، أو لا أقل، انّ متعلقه هو بما يتعلق به الاختيار، لأنّ التكليف ميزانه و ملاكه هو، تحريك اختيار المكلّف سلبا أو إيجابا، فلا

133

بدّ و أن يتعلق التكليف إمّا بنفس الاختيار، أو أنّه يتعلق بما يتعلق به الاختيار.

2- الأمر الثاني: هو أنّ الاختيار يتعلق بما يعتقد كونه خمرا، لا بالخمر الواقعي، سواء كان خمرا مصداقا لمراده أو لم يكن.

و هذا قد فهم من المقدّمة، لأنّ الاختيار يتعلق بما يراه الإنسان مصداقا لمراده كما عرفت.

و حينئذ، إذا جمعنا بين الأمرين و قلنا: انّ التكليف يتعلق بالاختيار، أو بما يتعلق الاختيار به، و قلنا: بأنّ ما تعلق به الاختيار- و هو عبارة عمّا يراه الإنسان خمرا- فحينئذ ينتج أن التكليف متعلق بما يراه الإنسان خمرا، سواء كان خمرا في الواقع أو لم يكن.

و قد اعترض الميرزا (قده) (1) على هذا البيان بتقريب يرجع حاصله: إلى أنّ الاختيار و إن كان يتعلق بما يعمل الإنسان انّه خمر، لكن هذا العلم الّذي يؤخذ في موضوع الاختيار، ليس مأخوذا على وجه الصفتية، بل على وجه الطريقيّة- أي قطع موضوع- فهذا القطع لو كان مأخوذا في موضوع الاختيار على وجه الصفتية بلا نظر لمقطوعه أصلا، لتمّ هذا الكلام، لكن ليس الأمر كذلك، لأنّ القطع بكون هذا خمرا، إنّما يحرك الإنسان باعتباره كاشفا عن متعلقه، إذن، فمتعلقه دخيل في موضوع الاختيار، فيصير موضوع الاختيار هو القطع مع المقطوع، أي القطع الموضوعي الطريقي، و هذا يلزم منه عدم شمول الخطاب للمتجري، لأنّ القطع بالنسبة إليه موجود، لكن المقطوع غير موجود.

و هذا الكلام من الميرزا (قده) مبني على مطلب سوف يأتي في القطع الموضوعي، فإنّ القطع الموضوعي ينقسم إلى قطع موضوعي‏

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي، ج 2، ص 15- 16.

134

طريقي، و قطع موضوعي صفتي، فهناك كلام للميرزا (قده) في القطع إذا أخذ في الموضوع على وجه الطريقية، و لا يعقل أخذه في تمام الموضوع من دون أن يكون للمقطوع دخل، لأنّه لو كان مأخوذا على نحو الطريقية، فلا بدّ من فرض كون نظره إلى ذي الطريق، و حينئذ، فرض عدم دخله، يعني فرض عدم النظر و هو تهافت.

و لهذا قال: إنّ القطع الّذي يؤخذ في الموضوع على وجه الطريقية يجب أن يكون مأخوذا جزءا، و الجزء الآخر هو ذو الطّريق، و لا يصحّ أن يكون تمام الموضوع، لأنّه تهافت، لأنّ معناه: أنّه لا نظر لذي الطّريق، و معنى أخذه على وجه الطريقية، يعني: انّ النظر لذي الطّريق و هو تهافت.

إذن، فكلامه هنا مبني على كلام هناك، حيث يقول هنا انّ القطع المأخوذ في موضوع الاختيار، لو كان مأخوذا على وجه الصفتية لكان الكلام تاما، لأنّه يكون هو تمام الموضوع، لكن القطع إنّما يحرك للاختيار بما هو طريق، إذن فهو مأخوذ على وجه الطريقية و الموضوعي الطريقي، بحيث أنّه يؤخذ جزء الموضوع، و الجزء الآخر هو المقطوع، أي الخمرية.

و بناء عليه، لا يكون الخطاب شاملا لمقطوع الخمرية و هو ليس بخمر.

و هذا الكلام غير صحيح، لأنّ مبناه غير صحيح كما سوف يأتي، فإنّ القطع الموضوعي سواء الصفتي منه أو الطريقي، يعقل أخذه تمام الموضوع كما يعقل أخذه جزء الموضوع.

إلّا أنّ الجواب الحاسم، هو حلّ المغالطة، و ذلك بأن يقال: انّ التكليف لا يلزم أن يكون متعلقا لا بنفس هذا الاختيار و لا بنفس‏

135

موضوع هذا الاختيار، و إنّما يلزم بقانون استحالة تكليف العاجز، أن يكون متعلقا بما يكون قابلا لأنّ يتعلق به الاختيار و يحركه نحوه.

و العناوين الواقعية لها هذه القابلية، باعتبار قابلية وصولها إلى المكلّف و تحريكه نحوها، فكون التكليف مشروطا بالقدرة و الاختيار شي‏ء، و كونه متعلقا للاختيار شي‏ء آخر، فالمهم أنّ التكليف لا يتعلق بأمر لا يقبل بأن لا يتعلق به الاختيار، إذ لا بدّ من كون موضوعيهما متطابقين تماما.

2- المسلك الثاني: لإثبات حرمة الفعل المتجرى به، هو التمسك بقاعدة الملازمة بين حكم العقل، و حكم الشرع.

و هذا المسلك له صغرى و كبرى.

أمّا الصغرى: فهي أنّ العقل يحكم بقبح التجري. و بالتالي يحكم بقبح الفعل المتجرّى به.

و أمّا الكبرى: فهي انّ كل ما حكم العقل بقبحه، حكم الشرع بحرمته، للملازمة.

أمّا الصغرى، فقد تقدّم الكلام عنها في المقام الأول.

و أمّا الكبرى، و هي قاعدة الملازمة، فسوف يأتي الكلام عنها عند الكلام عن الدليل العقلي.

و الآن لو افترضنا تمامية الكبرى، بعد أن افترضنا تمامية الصغرى، حينئذ، يبقى في المقام انّ هذه الكبرى- و بغض النظر عمّا يرد عليها من إشكالات- إنّما تجري في مورد قابل لجعل الحكم من قبل الشارع، و أمّا في مورد لا يعقل فيه جعل الحكم من قبل الشارع، فالقاعدة هذه لا تجري.

136

إذن، فالبحث ينحصر في انّ هذا المورد قابل لجعل الحكم الشرعي، أم أنّه يوجد مانع عقلي و محذور ثبوتي في جعل الحكم الشرعي؟.

فإن كان هناك مانع و محذور، فقاعدة الملازمة لا تجري، و حينئذ لا يتمّ هذا المسلك، و إن تبيّن أنّه لا محذور، فحينئذ تجري هذه القاعدة و يتم هذا المسلك.

و هنا يمكن أن يقرب وجود المحذور الثبوتي بعدّة وجوه.

1- الوجه الأول: و هو ما سجله السيّد الخوئي (قده) (1) في دراساته.

و حاصله: هو انّ هذه الحرمة المفروض ثبوتها تبعا لحكم العقل بقبح التجري، هل هي مخصوصة بخصوص الفعل المتجرّى به، أي الفعل غير المصادف للواقع، المقطوع الحرمة، أو أنّها تشمل مطلق مقطوع الحرمة، سواء صادف الواقع أم لا؟، و كلا الشقين باطل.

أمّا الشق الأول: فلأنّ هذه الحرمة إنّما ثبتت باعتبار قبح التجري، و العقل يحكم بقبح التجري و العصيان معا، و لا يفرق بينهما، لأنّهما بملاك واحد، إذن فلا موجب لاختصاص الحرمة الناشئة من هذا القبح بخصوص موارد التجري، في حين أنّ القبح و الحرمة على حدّ واحد.

و أمّا الشق الثاني: و هو أن تكون هذه الحرمة متعلقة بجامع مقطوع الحرمة، فإنّ هذا مستحيل عقلا لاستلزامه التسلسل، و ذلك لأنّ هذا التحريم بنفسه هو خطاب سوف نقطع به، و حينئذ يتولد منه خطاب آخر، و هو حرمة مقطوع هذا الخطاب، لأنّ الحرمة على طبيعي مقطوع الحرمة، و هكذا تأتي منه حرمة أخرى تحرّم مقطوعها و هكذا يتسلسل.

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي، ج 2، ص 38.

137

و هذا البرهان غير تام: لأنّا يمكن أن نختار الشق الأول و الثاني بلا أيّ محذور.

فأولا: نسلم انّ هذا الخطاب الّذي نريد إثباته للمتجري، موضوعه، هو طبيعي مقطوع الحرمة، أي أنّنا نختار الشق الثاني و لا يلزم التسلسل في التحريمات، و ذلك لأنّ كل تحريم فعليته تابعة لفعلية موضوعه، و موضوع الحرمة في هذا الخطاب هو القطع بحرمة سابقة، لأنّ موضوعه هو مقطوع الحرمة، فإذا التفت إلى الحرمة الجديدة و إلى كبراها و صغراها، إذن سوف يحصل القطع بها، و بعد حصول القطع، يصبح الموضوع فعليا.

و أمّا حصول حرمة ثانية إذا التفت لها و إلى كبراها و صغراها، يحصل له قطع بها، ثمّ تأتي حرمة أخرى، و هكذا كلّما حصل له التفات إلى الحرمة الجديدة مع صغراها و كبراها يتولد عنده قطع جديد و استتبع هذا القطع الجديد حرمة جديدة. فهذا أمر غير معقول إذ لا يعقل أن يصدر من المكلّف التفاتات و قطوع غير متناهية، بل انّ هذه عملية جولان عقلي، إذ لا يمكن أن يصدر من المتناهي قطوع غير متناهية، إذن، فهذه عملية تنتهي، لأنّ نشوء كل حرمة عن سابقتها يكون عن التفات من المكلّف إلى الصغرى و الكبرى، فترتب الحرمة الثانية على الأولى، لالتفات المكلّف دخل فيه.

و كأنّ صاحب هذا الكلام يتوهم انّ كل حرمة تولد حرمة بلا التفات من المكلّف، و هذا غير صحيح.

و ثانيا: لو سلّمنا انّ هذا الشق الثاني يلزم منه محذور التسلسل، حينئذ نقول باختيار الشق الأول، أو على الأقل نختار أن يكون موضوع الحرمة كل ما هو مقطوع الحرمة من غير ناحية هذا الخطاب، ففي هذا الخطاب الجديد المستكشف بقانون الملازمة يقول: أحرّم عليك كل‏

138

مقطوع الحرمة من غير ناحية هذا الخطاب، و إنّما كان استثناء هذا الخطاب، لئلا يقع محذور التسلسل، مضافا إلى إشكالات أخرى.

2- الوجه الثاني: للبرهنة على استحالة ذلك، هو للميرزا (قده)، و هو أحسن من سابقه‏ (1).

و حاصله هو: انّ هذا التحريم الّذي يثبت للتجري بقانون الملازمة المزبورة لا يخلو من أحد شقوق ثلاثة، فإنّه إمّا أن يكون مجعولا بنفس خطاب «لا تشرب الخمر»، و إمّا أن يكون مجعولا بخطاب آخر، و حينئذ- أي على الثاني- يحتاج إلى موضوع، و موضوعه حينئذ، إمّا أن يكون هو خصوص مقطوع الحرمة غير المصادف، و إمّا أن يكون جامع مقطوع الحرمة، فهنا شقوق ثلاثة.

و الشق الأول منها باطل، لأنّ حرمة التجري في طول التجري، و التجري في طول وصول حرمة شرب الخمر إلى المكلّف، إذ لو لم يصل هذا الحكم إلى المكلّف لا يكون متجريا، إذن فحرمة التجري متأخرة رتبة عن وصول حرمة شرب الخمر و لا يعقل أن يؤخذ المتأخر مع المتقدم في خطاب واحد، فكيف يعقل أن تحصل في عرضها و بجعل واحد.

و أمّا الشق الثاني، و هو أن يكون حرمة التجري مجعولة بخطاب مستقل و موضوعه مقطوع الحرمة غير المصادف، فهذا غير معقول، لأنّ مثل هذا الخطاب لا يعقل وصوله إلى المكلّف و تنجيزه في وقت واحد، لأنّه إن لم يكن قاطعا بخمرية شي‏ء، إذن فلا موضوع، و إن قطع، فهو يرى أنّ قطعه مصيب للواقع، فحينما يقول له مولاه: حرّمت عليك المقطوع الخطئي، فسوف يقول: إنّ مقطوعي صحيح، و حينئذ فلا يعقل‏

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي، ج 2، ص 17.

139

فعليته و تنجيزه على المكلّف في آن واحد، و كل خطاب يستحيل تنجزه يستحيل جعله.

و أمّا الشق الثالث: و هو أن يقال للمكلّف: إنّ مقطوع الخمرية حرام سواء كان مصيبا أم لا، حينئذ، هذا الخطاب يمكن وصوله إلى المكلّف، لكن هذا الخطاب غير معقول أيضا، و ذلك ببيان أمرين.

1- الأمر الأول: هو انّ هذا الخطاب، النسبة بينه و بين خطاب «لا تشرب الخمر» من حيث الموضوع، هي العموم من وجه، لأنّ الخمر قد يكون مقطوعا و قد لا يكون، و مقطوع الخمرية، قد يكون خمرا و قد لا يكون، لكن في نظر القاطع تكون النسبة هي العموم و الخصوص المطلق، لأنّه هو يرى انّ مقطوعاته دائما مصيبة، فمقطوع الحرمة أخصّ مطلقا في نظره من الخمر الواقعي و حينئذ يلزم اجتماع المثلين بحسب نظره و هو محال، و إن كانت النسبة العموم من وجه أو التباين، فيعقل تعددهما بلحاظ موردي الافتراق.

2- الأمر الثاني: هو انّ جعل خطابين وجوبيين، أو حرمتين و بينهما مادة اجتماع، إن كان أحدهما مع الآخر بينهما عموم من وجه، فيعقل جعل خطابين متماثلين في مادة الافتراق، لأنّه في مادة الاجتماع يستحيل تعدد الخطاب، لاستحالة وجود المثلين في مورد واحد، فلا بدّ من الالتزام فيه بوحدة الخطاب حينئذ، و يبقى لكل من الخطابين مجاله في مادة الافتراق، فيكون تعدد الخطاب هنا معقول، لكن إذا كانت النسبة هي العموم و الخصوص المطلق، فتعدد الخطاب غير معقول لما عرفت من اجتماع المثلين حينئذ، إذن فلا بدّ من التأكد، و معه فأيّ شي‏ء يبقى للأخص مطلقا، إذ أنّه سوف يستهلك في الخطاب الأعم، إذن يستحيل تعدد الخطاب، و على هذا الأساس، إذا ضممنا الأمرين إلى بعضهما، فيلزم من خطاب «لا تشرب الخمر»، مع خطاب «لا تشرب‏

140

مقطوع الخمرية»- حيث انّ النسبة بينهما هي العموم المطلق في نظر القاطع- يلزم اجتماع المثلين و هو محال كما يراه المكلّف، إذن فجعل مثل هذا الخطاب يكون مستحيلا و بهذا يبطل الميرزا (قده) هذه الشقوق الثلاثة.

و لكن هذه المحاولة من الميرزا (قده) غير تامة، لأنّ ما ذكره فيها في الفروض الثلاثة، ممّا لا يمكن المساعدة عليه.

أمّا ما أفاده (قده) بالنسبة للفرض الأول، من كون الحرمتين طوليتين فلا تجعلان بجعل واحد، لأنّه يلزم من جعلهما بجعل واحد، أخذ التحريم المتأخر مع المتقدم.

و قد قلنا في محله: إنّ الملحوظ في هذا المحذور، تارة هو دعوى انّ هذين الأمرين حيث أنّهما طوليان، فلا يعقل تصور مفهوم جامع بينهما لينصبّ جعل الحكم على الجامع فيما بينهما، لاستحالة تصور مفهوم جامع بين الطوليّين، ليحكم عليه بحكم من الأحكام.

فإن كان هذا هو الملحوظ:

فجوابه: انّ مجرد الطولية بين الفردين لا يمنع عن تصور جامع مفهومي بينهما، إذ قد تقرّر في بحث حجيّة الخبر مع الواسطة، انّه بلحاظ عالم المجعولات و الأحكام الفعلية، لا مانع من تأخر بعضها عن بعض و أخذ بعضها في موضوع البعض الآخر، مع كونها جميعها مجعولة بخطاب واحد و جعل واحد، فمثلا: أخبار المفيد (قده) خبر، و أخبار الطوسي (قده) عن خبر المفيد (قده) خبر آخر، و الثاني في طول الأول مع أنّه يوجد جامع بينهما، و هو مفهوم الخبر.

إذن، ففي المقام، يكون وصول الحرمة الفعلية للخمر الواقعي الّذي يريد شربه، مأخوذا في موضوع الحرمة الفعلية للتجري، و لا محذور من جعلهما بخطاب واحد.

141

و أمّا إن كان الملحوظ- بعد التسليم بإمكان وجود الجامع المفهومي التصوري- هو عدم معقولية إيجاد هذين الحكمين بجعل واحد، لأنّ ذلك خلف الطولية، باعتبار انّ إيجادهما بجعل واحد معناه:

العرضية بينهما، إن كان هذا هو الملحوظ:

فجوابه: انّه لا محذور في جعل يكون منشئا لمجعوله على نهج القضية الحقيقيّة، على الموضوع المقدّر الوجود، ففي باب الجعل الّذي يكون جعلا على نهج القضية الحقيقيّة المجعول لا يكون فيها فعليا بنفس الجعل، بل يكون فعليا بفعلية موضوعه خارجا كما عرفت في محله، و حينئذ، فلا محذور بأن ينشأ بجعل واحد كلتا الحرمتين الطوليتين، إذ ليس معنى ذلك عرضيّتهما في عالم الفعلية، لأنّ جعلهما لا يساوق فعليتهما، و إنّما فعلية كل منهما تكون منوطة بتحقّق موضوعه، و حينئذ، إذا تحقق موضوع الحرمة الأولى، فيتحقّق الأول، و هي بنفسها تحقّق موضوع الحرمة الثانية.

و الخلاصة هي: انّ العرضية جعلا، لا تتنافى مع الطولية مجعولا و فعلية.

و عليه: فهذا الإشكال على كلا التقديرين غير تام.

و أمّا الشق الثاني: و هو فرض كون الخطاب مجعولا بجعل مستقل لخصوص الفعل المتجرّى به- أي انّ موضوع الخطاب هو المائع الّذي قطع بخمريته و لم يكن قطعه مصيبا-.

و قد كان إشكاله عليه، بأنّ هذا الخطاب يستحيل وصوله إلى المكلّف لأنّ المكلّف في حال إقدامه متجرئا على المولى لا يلتفت إلى خطئه، و معه لا يرى نفسه متجرئا و مشمولا لهذا الخطاب، و لو فرض أنّه التفت إلى خطئه إذن فقد خرج عن عنوان التجري، إذن جعل حكم لا يقبل الوصول أمر غير معقول.

142

و جوابه هو: أنّه إن فرض اختصاص التجري بخصوص القاطع الّذي يكون قطعه على خلاف الواقع، فهذا الإشكال وارد، لأنّ مثل هذا القاطع لا يلتفت إلى واقع حاله إلّا بعد زوال قطعه، لكن قد قلنا سابقا، انّ التجري لا يختصّ بالقاطع، بل يشمل كل من قامت عنده الحجّة على التكليف و كان هذا التكليف غير ثابت في الواقع سواء كانت هذه الحجّة القطع أو الإمارة كما اعترف بذلك الميرزا (قده) (1) نفسه أو الاحتمال في موارد تنجز الاحتمال.

فبناء على هذا، حينئذ، يمكن القول: بأنّ هذه الحرمة المجعولة على المتجري قابلة للوصول إليه في غير موارد القطع، و هذا الإيصال يمكن بيانه بأحد بيانين:

1- البيان الأول: هو أن يقال: بأنّ حرمة التجري تكون واصلة بالعلم الإجمالي، بمعنى أنّها تكون طرفا للعلم الإجمالي، و هذا إيصال منجز.

و بيانه هو: انّه لو فرض انّ هذا المكلّف قامت عنده بيّنة على خمرية هذا المائع، حينئذ، إذا جعل المولى حرمة التجري بها فصار المكلّف يعلم إجمالا انّ هذا المائع حرام، لأنّه إن كان خمرا، فهو حرام بخطاب لا تشرب الخمر أي انّه حرام بعنوانه الأولى، و إن لم يكن خمرا، فهو تجر و هو حرام بدليل حرمة التجري، و هذا العلم الإجمالي منجز، إذن فحرمة التجري قد وصلت بوصول منجز و كاف لرفع الإشكال.

و هذا البيان يشكل عليه، باعتبار انّ هذا العلم الإجمالي منحل دائما، لأنّ أحد طرفيه- و هو حرمة شرب الخمر الواقعية- منجز، فإنّ‏

____________

(1) المصدر السابق.

143

هذه الحرمة إن لم يكن عليها منجز فلا تجري، و إن كان عليها منجز، إذن فهذا معناه: انّ أحد طرفي العلم الإجمالي عليه منجز، و قد قلنا في محله، انّه إذا كان أحد طرفي العلم الإجمالي مبتلى بمنجز خاص به، حينئذ، ينحل و لا يكون منجزا للطرف الآخر.

2- البيان الثاني: هو أن يقال: انّ حرمة التجري تقلب هذا اليقين إلى اليقين التفصيلي لجامع الحرمة، فإنّ هذا المكلّف الّذي قامت عنده البينة على انّ هذا المائع خمر، كان يحتمل خطأ البينة، فالحرمة الواقعية محتملة عنده. لكن كان مسئولا عنها لقيام الحجّة، و لكن إذا فرض انّ التجري كان حراما، إذن فهو سوف يعلم تفصيلا بحرمة هذا الفعل، إمّا لأنّه خمر، و إمّا لأنّه تجر، و من المعلوم انّ ارتكاب ما يقطع بحرمته أشدّ محذورا من ارتكاب ما يحتمل حرمته و لو كان منجزا، إذن فتأثير حرمة التجري هو بتصعيد المنجز في مرتبة الاحتمال، إلى مرتبة اليقين، و هذا نحو من المحركيّة الكافية لتصحيح جعل مثل هذا الحكم.

و الخلاصة هي: انّ حرمة هذا الفعل، المنجز لها، كان العلم الإجمالي، و الآن، صعّد إلى اليقين، و نفس تصعيد المنجز، له أثر في مقام المحركيّة فلا يكون لغوا.

و أمّا الشق الثالث: و هو أن يكون الخطاب بحرمة التجري مستقلا، و يكون موضوعه جامع الخمرية، و هذا خطاب قابل للوصول.

لكن الميرزا (قده) (1)، أشكل عليه، بأنّه يستحيل جعله في نظر القاطع، لأنّ نسبته إلى الخطاب الواقعي في نظره هو، العموم و الخصوص المطلق، و معه يلزم اجتماع المثلين في نظر القاطع.

و جوابه هو، انّ النسبة بين الخطابين في نظر القاطع ليس العموم‏

____________

(1) المصدر السابق.

144

المطلق، بل العموم من وجه، و ذلك لأنّ هذا الخطاب لا يختصّ بخصوص مقطوعات هذا القاطع، بل كل قاطع بالخمرية لو لاحظ مقطوع نفسه لحكم بأنّه خمر، لكن هو يعترف بأنّ بعض مقطوعات النّاس قد يكون غير مطابق للواقع، إذن فخطاب لا تشرب مقطوع الخمرية لا يختصّ بهذا المكلّف، و النسبة تلحظ بلحاظ تمام المكلّفين، و حينئذ تكون النسبة هي العموم من وجه، و حينئذ يكون جعل حكمين معقولا في نظر القاطع أيضا، و هذا هو الجواب الصحيح.

و أمّا السيّد الخوئي (قده) فقد أجاب على إشكال الميرزا (قده) هذا عبر وجهين.

1- الوجه الأول: هو أنّه يعقل أن يجعل المولى خطابين- خطاب، «لا تشرب الخمر»، و خطاب، «لا تشرب مقطوع الخمرية»- و هنا: يوجد مادة افتراق بينهما، و هو فيما لو فرض انّ إنسانا لم يصله خطاب لا تشرب الخمر، لكن وصله خطاب، لا تشرب مقطوع الخمرية، و حينئذ، يكفي هذا في تعدد الحكم و الخطاب، و يفيده في فرض عدم وصول الخطاب الأول، و لا محذور في جعل الخطاب الثاني في فرض عدم وصول الأول فيكون الخطاب الثاني هو المؤثر، و هذا الوجه غير تام.

و يردّ عليه: انّه في المقام، في فرض عدم وصول الخطاب الأول، لا موضوع للخطاب الثاني، لأنّ موضوع الثاني، إنّما هو بملاك قبح التجري كما هو محل كلامنا، فالخطاب الثاني نريد إثباته بملاك قبح التجري أي بملاك الخطاب الأول، و مع عدم وصول الخطاب الأول، لا تجري.

هذا مضافا إلى أنّ الميرزا (قده) يريد إثبات انّ النسبة بين الخطابين أنفسهما هو العموم من وجه، لا بين الوصولين، و إلّا لوقع‏

145

المحذور بين من وصل إليه الخطابان معا، ففي مثله يقال انّ النسبة هي العموم المطلق، و هذا مستحيل، إذن فالإشكال وارد في حق من وصل إليه الخطابان، إذن فلا بدّ في مقام دفعه، أن يبيّن انّ النسبة بين الخطابين- حتّى في حق من وصل إليه كلا الخطابين- هي العموم من وجه، لا العموم المطلق.

و الحاصل هو أنّه كان برهان الميرزا (قده) في الشق الثالث، هو انّ خطاب حرمة التجري يكون خطابا مستقلا، و موضوعه هو مطلق مقطوع الخمرية، و كان إشكاله (قده) عليه هو لزوم الاستحالة في نظر القاطع، للزوم اجتماع المثلين في مثله.

و قد أجبنا عليه، بأنّ النسبة بين الخطابين حتّى في نظر القاطع هي، العموم من وجه، و عليه فلا محذور.

و هذا الجواب كنّا قد بنيناه على مبنى و مشرب الميرزا (قده) و المشهور و الأصول الموضوعية عندهم القائلون: بأنّ الخطابين المتماثلين بنحو العموم المطلق غير معقول.

لكن نحن نقول: بأنّ فرض خطابين استقلاليين بينهما عموم مطلق أمر معقول، لأنّه في مورد الاجتماع لا نلتزم بالتأكد ليلزم انصهار الأخص في الأعم رأسا، بل نقول: بأنّ كلا منهما محفوظ بنفسه و لا تأكد و لا يلزم محذور اجتماع المثلين، لأنّ هذا المحذور لا يردّ في الخطاب الّذي هو من الأمور الاعتبارية، و إنّما نلتزم بالتأكد في ملاكات الحكم، «في المصالح و المفاسد»، لأنّها أعراض حقيقية، فيستحيل وجود فردين متماثلين من الحب أو البغض على موضوع واحد، بل حينما يكون هناك حبّان أو بغضان، يكون أحدهما مؤكدا للآخر، إذن، فنلتزم بالتأكد في مبادئ الحكم.

146

و كان السيّد الخوئي (قده) قد تصدّى للجواب على كلام الميرزا (قده) عبر وجهين.

و كان حاصل الوجه الأول، هو انّ خطاب «لا تشرب الخمر»، و خطاب، «لا تشرب مقطوع الخمريّة»، يمكن فرض انفكاك كل منهما عن الآخر، كما لو فرضنا انّ الخطاب الأول لم يصل إلى المكلّف، فيكون الخطاب الثاني هو المؤثر، و يكفي ذلك في تعدد الحكم.

و قد قلنا سابقا: انّ هذا الإشكال غير تام لأمرين.

الأول: هو لأنّه يستحيل فرض فعلية الخطاب الثاني في فرض عدم وصول الخطاب الأول، لأنّ الثاني يتكفل بحكم قبح التجري مع وصول الأول، و مع عدم وصول الأول لا قبح و لا تجري، إذن فلا موضوع للحرمة بالعنوان الثانوي.

الثاني: هو انّ هذا البيان يوجب الانفكاك بين الخطابين في مقام الوصول، و هذا غير منظور للميرزا (قده)، بل منظوره هو الانفكاك بين الخطابين في عالم الوجود لا في عالم الوصول.

2- الوجه الثاني: الّذي ذكره السيّد الخوئي (قده) هو، أنّه لو سلمنا انّ النسبة بينهما العموم المطلق، لكن لا بأس بجعل خطابين متماثلين بينهما عموم مطلق، ببرهان انّ هذا واقع خارجا، كما لو نذر الإنسان أن يصلّي صلاة الظهر، فإنّ نذره ينعقد، و عليه وجوبان، وجوب الظهر، و وجوب الوفاء بنذره، و هذان الوجوبان بينهما عموم مطلق، لأنّ وجوب الظهر يشمل كل ظهر، و وجوب الوفاء بالنذر أخصّ، لكونه في يوم معين، و عليه فلا محذور.

و هذا الكلام تام كما أشرنا إليه، لكن لا بدّ من كشف الغطاء عن الشبهة، و انّ هذا الّذي لا بأس به إنّما هو من باب أنّه لا يلزم فيه محذور اجتماع المثلين في عالم الجعل كما عرفت.

147

و أمّا ما ذكره السيّد الخوئي (قده) من البرهنة على ذلك بالنقض فهو غير تام، ذلك لوضوح انّ النسبة بين الخطابين في مورد النقض هي العموم من وجه لا المطلق، لأنّ خطاب الوفاء بالنذر لم يجعل في حق خصوص هذا الناذر، و معه تكون النسبة هي العموم من وجه، حيث تكون مادة الاجتماع حينئذ، هي من نذر صلاة الظهر من يوم الجمعة، و مادة الافتراق هي ظهر غير يوم الجمعة، و مادة افتراق الآخر، هي نذر زيارة مسلم بن عقيل، فهنا خطاب وجوب الوفاء بالنذر جعل كخطاب كلّي يشمل هذا الناذر و غيره، و معه تكون النسبة هي العموم من وجه، إذن ليس الملاك في إبطال كلام الميرزا (قده) هي النقوص، بل رفع الغطاء عن هذه الشبهة يقتضي أن يكون التمثيل بموارد الأمر بالجامع و الأمر بالفرد و الحصة، فإنّه لا محذور حيث لا يلزم تأكد و لا اجتماع المثلين.

هذا مضافا إلى انّ النسبة في المقام بين الخمر الواقعي، و معلوم الخمريّة أيضا هي العموم من وجه بحسب نظر القاطع، إذ قد يعلم أنّه ربّما يكون شي‏ء معلوم الخمرية عند غيره، أو في مرّة أخرى، مع عدم كونه في الواقع خمرا، و معه يكون جعل حكمين معقولا من وجهة نظر القاطع نفسه.

3- الوجه الثالث: الّذي قد يستدل به على استحالة جعل الحكم بحرمة التجرّي هو، ما ذكره السيّد الخوئي (قده) (1).

و حاصله: انّ الحكم بحرمة التجري غير قابل للمحركيّة، و ذلك، لأنّ الحكم بذلك أخذ في موضوعه وجود حرمة واقعية منجزة على هذا المكلّف.

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي، ج 2، ص 38، 39.

148

و حينئذ: ننقل الكلام إلى ذاك المتنجز السابق رتبة، فنسأل: هل انّ هذا المتنجز السابق كاف لمحركيّة هذا المكلّف أم لا؟ فإن كان كافيا، إذن فلا حاجة لجعل خطاب ثاني، لأنّه سوف لن يشرب مقطوع الخمرية بنفس محركيّة خطاب لا تشرب الخمر، لأنّه خمر في نظره، و إذا فرض أنّه شقي لا يخاف المولى سبحانه و الخطاب الأول لا يحركه، إذن، الخطاب الثاني سوف لن يحركه، إذن، على أيّ حال، الخطاب الثاني لا أثر له، لأنّه غير قابل للمحركيّة، فيلغو حينئذ.

و جوابه: هو أنّ التجري تارة، يكون في موارد الاحتمال، و أخرى يكون في موارد القطع.

أمّا في موارد الاحتمال، كما لو تنجزت عليه خمرية هو المائع بالاستصحاب مثلا، فهنا لا إشكال في أنّ جعل الخطاب الثاني يكون له محركيّة و أثر كما عرفت، لأنّ الخطاب الثاني يصعّد احتمال الحرمة المنجزة بالاستصحاب إلى درجة القطع بجامع الحرمة، و من الواضح انّ محركيّة مرتبة التنجز الاحتمالي، أقل من محركيّة التنجز القطعي، إذن، فالخطاب الثاني يكون له محركيّة و مصعديّة.

و أمّا إذا فرضنا انّ المتجري كان قاطعا بالحرمة خارجا، فالمتنجز هو قطعي من أول الأمر، فهنا أيضا جعل الخطاب الثاني يكون له أثر عملي، لأنّه ما دام أنّ الخطاب الثاني له ملاك مستقل غير الخطاب الأول كما هو المفروض، و انّ الخطاب الأول ملاكه المفسدة الموجودة في الخمر، و خطاب لا تشرب مقطوع الخمرية ملاكه هو القبح، ففي هذا الفرض، يتأكد لا محالة درجة التنجز، و تشتد درجة استحقاق العقاب حينئذ، كما هو الحال في الخاطبين العرضيّين حين اجتماعهما، كحرمة إيذاء الجار، و حرمة إيذاء الرحم، و كان الجار رحما فأذاه، فهنا لا شكّ أنّ إيذائه أشدّ، و ليس ذلك إلّا لأنّ درجة استحقاق العقاب‏

149

متأكدة تبعا لاشتداد درجة مخالفة المولى في خطابيه له، و عليه:

فالمحركيّة محفوظة في المقام بعد فرض إمكان التأكد في حيثيّة على الجرأة على المولى، فبضم الثاني للأول لا بدّ من تأكد حيثيّة الجرأة، و قد يتفق أنّ إنسانا لا يحجم عن عصيان خطاب واحد، و لكن يحجم عن عصيان خطابين يكون أحدهما مؤكدا للآخر.

و قد عرفت سابقا، انّ المعنى الصحيح للتأكد عندنا في مقام اجتماع حكمين، هو ما ذكرناه من التأكد في مقام المحركيّة، لا اتحادهما في نفس الجعل و الاعتبار، بل هما باقيان على ما هما عليه من التعدّد جعلا و إنشاء.

و بما ذكرنا من الوجوه الثلاثة مع أجوبتها، اتضح أنّه لم يتمّ برهان على عدم قابلية المورد لجعل الحرمة الشرعية على طبق حكم العقل بقبح التجري.

و عليه: فصيغة البرهان الّتي طرحت أولا لا تزال قائمة،- و هي انّ كلّما حكم العقل بقبحه، حكم الشرع بحرمته أيضا- إذا كان الموضع قابلا.

و قد عرفت انّ الموضع قابل لتطبيق القاعدة في المقام، و إثبات حرمة الفعل المتجرّى به، لأنّه لم يتمّ شي‏ء من الوجوه الّتي استدل بها على عدم القابلية.

لكن مع هذا، فبرهان الملازمة بين حكم العقل بالقبح، و حكم الشرع بالحرمة غير تام، و ذلك للمناقشة في كبراه، فإنّ قاعدة الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع بالمعنى المذكور غير تام.

و سوف يأتي تحقيقها عند الكلام على النزاع الدائر بين الأصوليّين و الأخباريّين في حجيّة الدليل العقلي.

150

و على أيّ حال، ستبقى قابلية المورد محفوظة، و إن كنّا لا نسلّم بكبرى هذه القاعدة.

ثمّ انّه بمناسبة المقام لا بأس بالكلام عن قاعدة موروثة ذكرها الشيرازي الكبير (قده) (1) في باب الملازمة بين حكم العقل بالقبح، و حكم الشارع بالحرمة.

و حاصلها: هو أنّ حكم العقل بالحسن و القبح على قسمين.

1- القسم الأول: هو ما يستلزم الحكم الشرعي.

2- القسم الثاني: هو ما لا يستلزم الحكم الشرعي.

و ميزان الفرق بين القسمين هو، انّ الحسن و القبح، إن كانا واقعين في سلسلة معلولات الأحكام الشرعية، كقبح المعصية، و قبح التجري الواقعين في طول الحكم الشرعي، فمثل هذا لا يستتبع حكما شرعيا، و أمّا ما لا يكون واقعا كذلك، بل كان واقعا في سلسلة علل الأحكام الشرعية، كقبح الغصب، و الخيانة، فمثل هذا يستلزم حكما شرعيا.

و حينئذ، عند تطبيق هذه القاعدة على التجري، نرى أنّ قبح التجري من القسم الّذي لا يستلزم حكما شرعيا، لأنّ قبحه واقع في سلسلة معلولات الأحكام الشرعية، لأنّ قبح التجري على شرب الخمر هو فرع حرمة شرب الخمر، إذن فلا ملازمة، إذ لو لم يكن شرب الخمر حراما و منجزا لما قبح شرب مقطوع الخمريّة.

و قد اتضح بطلان هذه القاعدة بهذا التفصيل ممّا ذكرناه سابقا، حيث أنّ المحل لا يكون قابلا لجعل الحكم الشرعي فيما إذا كان القبح واقعا في سلسلة معلولات الأحكام الشرعية.

____________

(1) تقريرات المجدد الشيرازي: للروزدري المتوفى حدود سنة 1290 ه، ج 3، ص 277.

151

بخلاف القبح غير الواقع في سلسلة المعلولات، فإنّه قابل لجعل الحكم الشرعي.

إذن فهذه القاعدة، ترجع إلى ذلك التفصيل، و هذا ما ثبت بطلانه، حيث أنّ عدم قابلية المحل لجعل الحكم في موارد القبح الطولي، لا بدّ و أن يكون بسبب أحد الوجوه المتقدّمة، من التسلسل، أو برهان الميرزا (قده) في لزوم عدم المحركيّة، و قد عرفت بطلان كلا الإشكالين سابقا.

و إن كان الإشكال في عدم قابلية المحل في موارد القبح الطولي هو لزوم الدور، حيث يدّعى أنّ الحسن و القبح، لو كانا معلولين للحكم، ثمّ نشأ منهما الحكم، لزم أن يصبح المعلول علّة لعلّته.

فإن كان هذا هو مدرك هذه القاعدة، فهو، واضح البطلان، إذ من الواضح انّ الحكم الّذي يفترض معلولا للحسن و القبح حكم جديد، غير الحكم الّذي يفترض انّ الحسن و القبح وقعا في سلسلة معلولاته و معه، لا دور حينئذ، و بهذا، فلا يبقى مدرك لهذه القاعدة إلّا إشكال لزوم التسلسل، أو إشكال لزوم عدم المحركيّة، و قد عرفت بطلانهما.

و عليه: فهذا التفصيل غير تام، خصوصا بعد ما اتضح بطلان تلك الوجوه، خصوصا الوجه الأخير، إذ قد بيّنا أنّه قابل للمحركيّة بنحو التأكيد، بل انّ شبهة عدم قابلية المحل لو كان القبح طوليا، لو تمّت لجرت في موارد القبح العرضي.

إذ حتّى لو سلّمنا عدم الاختلاف في مراتب الظلم كي يتمّ محذور عدم المحركيّة إذن، فاللازم حينئذ، أن لا يكون ملاك المحذور في قاعدة الملازمة، مختصّا بسلسلة المعلولات من حيث هي كما وصفها.

إذ لا فرق من هذه الناحية بين سلسلة العلل، و سلسلة المعلولات بناء على مبناهم في استحقاق العقاب.

152

و توضيحه هو، انّ غاية ما يقال لإثبات محذور عدم المحركيّة، هو أنّنا لا نتصور اختلافا في مراتب الظلم.

فلو سلّم ذلك أمكن تصوير عدم المحركيّة للحكم الجديد حينما يكون القبح معلولا للحكم أيضا، و ذلك، لأنّ الحكم الأول المفترض كاف في أن تكون مخالفته ظلما، و لا يتأكد ذلك بحكم جديد، لأنّنا لا نتصور اختلافا في مراتب الظلم، إذن، فلا محركيّة للحكم الجديد.

و هذا بخلاف ما لو كان القبح واقعا في سلسلة العلل، كقبح الغصب مثلا، حيث أنّ الظلم هنا ليس ظلما للمولى، بل هو ظلم لشخص آخر، فأثر الحكم هو أن تكون المخالفة ظلما للمولى، و الظلم الأول إذ كان كافيا لاستحقاق العقاب،- لما يقال مثلا: من أنّ ارتكاب القبيح موجب للذمّ، و ذمّ كل شخص بحسبه، و ذمّ المولى عقابه- فهذا لا يمنع عن تأثير حكم المولى في المحركيّة، و ذلك لأنّ الظلم الأول هو ظلم لغير المولى، بينما الظلم الثاني هو ظلم للمولى، فهما ظلمان لشخصين.

و معه فقد يدّعى انّ ما افترضناه من عدم قبول الظلم للاشتداد إنّما هو بشأن شخص واحد، أمّا لو كان العمل الواحد ظلما لشخصين، فلا شكّ أنّ ظلم شخصين أشدّ من ظلم شخص واحد.

و هذا البيان لو تمّ فإنّما يتمّ بلحاظ التفصيل بين القبح الّذي يكون معلولا للحكم، و القبح الّذي يكون راجعا إلى ظلم العباد، و لكن لا يتمّ بلحاظ القبح الّذي يقع في سلسلة العلل، و لكنّه يعتبر ظلما بشأن المولى، كما في السجود بعنوان الاستهزاء باللّه تعالى، أو كما في التشريع، و ذلك لأنّه- في هذا الفرض- سيكون كلا الظلمين أيضا راجعين إلى جهة واحدة و هي المولى، و معه لا يتصور فيه الاشتداد، فإن كان القبح الأول موجبا لارتداع العبد فهو، و إلّا فتحريم المولى له أيضا

153

لا يؤثر في ارتداعه و يكون لغوا، و محل كلامنا في حرمة التجري من هذا القبيل‏ (1).

هذا بناء على مبناهم، من أنّ قبح جميع القبائح، يرجع إلى قبح الظلم، و يتفرع عنه.

و أمّا بناء على ان قولنا: الظلم قبيح قضية بشرط المحمول، و هي انّ قبح كل قبيح يكون ثابتا برأسه، بملاكه الخاص، لا أنّ قبح كلّ قبيح يرجع إلى ملاك واحد، هو كون الظلم قبيحا، فقد يتوهم تمامية الفرق بين سلسلة العلل و سلسلة المعلولات، و ذلك، لأنّ القبح الثابت في سلسلة العلل يكون ثابتا بملاكه الخاص، غير ملاك القبح الّذي يكون ثابتا بحكم المولى، و حينئذ يتأكد القبح، لكون ملاكه متعددا.

و هذا بخلاف القبح الواقع في سلسلة المعلولات، فإنّ هذا القبح مع القبح الّذي ثبت بحكم جديد كلاهما قبح واحد لكونهما بملاك واحد هو معصية المولى، و حينئذ يدّعى عدم إمكان التأكد، و عدم اختلاف المراتب في القبح و ملاكه، إذن، فالتأكد يكون معقولا فيما إذا كان القبح واقعا في سلسلة العلل، و لو كان بلحاظ حق المولى دون العباد، و لا يكون معقولا إذا كان واقعا في سلسلة المعلولات.

و لكن يردّ عليه: انّ البناء على دعوى تسليم الفرق بين فرض وحدة الملاك و تعدّده، و تخصيص إنكار المراتب بالفرض الأول، يشكل مبررا للتفصيل بين سلسلة العلل و سلسلة المعلولات من حيث هما كذلك، لأنّ قبح ما يرجع إلى مخالفة حق المولى، يكون دائما بملاك واحد، بلا فرق بين ما يكون في سلسلة المعلولات كالمعصية

____________

(1) مصباح الأصول: بحر العلوم، ج 2، ص 26.

154

مثلا، و ما يكون في سلسلة العلل، كالسجود بعنوان الاستهزاء باللّه سبحانه، أو التشريع، فإنّ ذلك كلّه بملاك واحد، هو مخالفة احترام المولى و قداسته.

إذن فهذا التفصيل لو تمّ، فهو يتمّ فقط بين القبح الّذي يرجو إلى مخالفة حق العباد ابتداء، كالغصب مثلا و بين ما لا يرجع إلى غير المولى كالمعصية و التجري، فإنّه يمكن أن يقال حينئذ، إنّ قاعدة الملازمة تطبّق هنا باعتبار إمكان تأكّد القبح باجتماع ملاكين، أحدهما بالنسبة للمولى، و الآخر بالنسبة لغير المولى، هذا كلّه بناء على تسليم القبح العقلي في سلسلة العلل.

أمّا إذا قلنا: انّ تمام ما يدرك النّاس قبحه في سلسلة العلل، كما في الغصب و نحوه، ليس قبحه إلّا من الأمور العقلائية الّتي تختلف باختلاف المجتمعات و ليس أمرا واقعيا يدركه العقل، فإنّه حينئذ لا يبقى موضوع لقاعدة الملازمة في سلسلة العلل.

3- المسلك الثالث: لإثبات حرمة التجري، هو الإجماع. فانّه و إن لم تذكر حرمة التجري بعنوانها في كلمات الفقهاء، لكن يستكشف إجماعهم عليها من خلال اتفاقهم على الحكم في فرعين حيث أنّه لا موجب لحكمهم هذا إلّا حرمة التجري.

1- الفرع الأول: كما ذكر في رسائل الشّيخ الأنصاري (قده) (1) هو، لو أنّ إنسانا ظنّ ضيق الوقت وجب عليه البدار حينئذ، فلو أنّه مع هذا، تجرأ و أهمل الصّلاة، فإنّه و إن انكشف سعة الوقت، و تبين خطؤه فيما ظنّ، لكنّهم قالوا بأنّه يستحقّ العقاب، و يعتبر آثما.

و هذا الحكم لا موجب له إلّا حرمة التجري، حيث انّ هذا

____________

(1) فرائد الأصول: الأنصاري، ج 1، ص 8. تحقيق عبد اللّه النوراني.