بحوث في علم الأصول - ج8

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
490 /
155

المهمل لم يصدر منه إلّا التجري، إذن فلو لم نقل بحرمة التجري، لم يكن هناك وجه لتسجيل هذا الإثم على هذا المكلّف.

2- الفرع الثاني: هو أنّهم اتفقوا على أنّ من ظنّ الخطر في طريق، أو سفر (1)، لو سلك ذلك الطّريق، فقالوا: إنّ سفره سفر معصية، و يجب عليه إتمام صلاته، حتّى لو كان في علم اللّه لا خطر في طريقه و سفره، مع أنّه بحسب الحقيقة لم يصدر منه عصيان بعد انكشاف عدم الخطر، و من الواضح أنّه لا وجه لهذا الحكم إلّا حرمة التجري، لأنّ الحكم قد تنجز عليه بالظن الّذي هو أدنى فردي الرجحان، فيشمل القطع بالخطر.

فاتفاقهم في هذين الفرعين لا يتمّ إلّا بناء على حرمة التجري.

و لكن هذا غير تام لوجوه.

1- الوجه الأول: هو انّ هذه الفتوى في كلا الفرعين لا ينحصر تخريجها بالقول بحرمة التجري، بل يمكن افتراض أنّهم طبّقوا مباني أخرى لاستخراج هذه الفتوى.

فمثلا: بالنسبة للفتوى الأولى- و هو من ظنّ ضيق الوقت- فلعلّ إثمه إنّما كان باعتبار عصيانه لخطاب من الخطابات الواقعية، و هو خطاب- حافظوا على الصلوات- و هذا غير خطاب «صلّ» كما استفاد هذا بعضهم و ذهب إليه، و خطاب المحافظة هذا، يدلّ على انّ المحافظة على الشي‏ء، معناه: التحرز عليه، و الاحتياط له بحسب شأنه، و حينئذ قد يستفاد وجود حكم واقعي، و هو وجوب صلاة الظهر، و حكم آخر هو وجوب المحافظة عليها.

____________

(1) فرائد الأصول: الأنصاري، ج 1، ص 8.

156

و هذا المكلّف و إن لم يعص الخطاب الأول، لكنّه عصى الخطاب الثاني- وجوب المحافظة- سواء كان الوقت واسعا أو لم يكن، و بهذا يكون عمله هذا عصيانا للخطاب الثاني.

و هناك احتمالات أخرى حيث قيل على سبيل المثال: بأنّه لم يرد التصريح في كلماتهم جميعا بكون هذا التأخير معصية، إذ بعضهم و إن صرّح بالمعصية، و لكن البعض الآخر اكتفى بذكر استحقاق العقاب دون أن يذكر المعصية، و حينئذ يقال: بأنّه لو تمّ إجماع فإنّما يتمّ على استحقاق العقاب، و هو لا يستلزم حرمة التجري، لأنّ التجري و إن كان قبيحا و موجبا لاستحقاق العقاب، لكن لا نقول بحرمته.

و أمّا الفتوى الثانية: فأيضا، يمكن القول، بأنّ مدركها لعلّه البناء على أنّ العنوان الّذي يوجب التقصير و الإتمام، ليس هو عنوان سفر المعصية و غير المعصية ليقال: إنّ هذا المكلّف لم يصدر منه معصية أو صدر منه، و إنّما قد يكون مدركها ما ورد في بعض الرّوايات الصحيحة الّتي أخذ في عنوانها «مسير حق».

و من الواضح أنّ مسير المتجري ليس مسير حق، و سواء كان معصية أو لم يكن، فإنّه ظلم للمولى، و ظلم المولى غير حق.

و عليه: فلا يمكن استكشاف حرمة التجري من هذين الفرعين، إذ لعلّهم اعتمدوا على هذه الرّوايات.

إذن: فوجه الفتوى غير منحصر في حرمة التجري.

2- الوجه الثاني: هو انّ هذا الإجماع غير ثابت، لأنّ القدر المتيقن من هذا الإجماع، هو إجماعهم على استحقاق العقاب لا أكثر و هو أعم من الحرمة، أمّا الإجماع على أنّه يعتبر عاصيا، فهذا غير ثابت، نعم نقل الإجماع على مثله، و أنت خبير بأنّ الإجماع المنقول غير حجّة.

157

3- الوجه الثالث: هو أنّه لو سلّم هذا الإجماع، لكن المسألة عقلية، و لا حجّة للإجماع فيها، و لا نقصد من كون المسألة عقلية، انّ عنوانها كذلك ليرد إشكال الميرزا (قده) من أنّ العنوان المطروح إنّما هو حرمة التجري و عدمها فإنّ العنوان و إن كان هو الحرمة الشرعية للتجري، لكن أحد مدارك هذه الحرمة هو الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع و هي أمر عقلي، لعلّ هؤلاء المجمعين استندوا إليه، و الإجماع على حكم شرعي بسبب مدرك عقلي يرجع إلى تشخيص ذلك المدرك، لأنّ عقلنا كعقلهم، فلا بدّ من أن نرى هذا المدرك في عقولنا لنرى، هل تحكم بذلك أو لا.

نعم، لو كان المدرك شرعيا لأمكن القول بحجيّة الإجماع حينئذ، إذ يمكن أن نقول: لعلّهم استندوا إلى مدرك شرعي لم نطلع نحن عليه لقربهم منه، و بعدنا عنه.

4- المسلك الرابع: هو الاستدلال بالرّوايات على حرمة التجري، حيث يستدل بالرّوايات الدالة على عقاب المتجري، إمّا بلحاظ ما دلّ من الأخبار على ترتب العقاب على قصد المعصية (1)، بدعوى أنّ المتجري قاصد للمعصية و إن لم يتحقّق قصده خارجا.

و أمّا بلحاظ الأخبار الدالة على ترتب العقاب على قصدها مع السعي في سبيلها، بدعوى أنّ المتجري قاصد و ساع نحوها، غايته أنّه لم يتمكن من الوصول إليها.

____________

(1) الوسائل: ج 1، باب 6. مقدمة العبادات: ح 3، ص 35.

الوسائل: ج 1، باب 16. مقدمة العبادات: ح 3، ص 35.

الوسائل: ج 1، باب 16. مقدمة العبادات: ح 22، ص 40.

الوسائل: ج 1، باب 11. مقدمة العبادات: ح 5، ص 48.

الوسائل: ج 1، باب 7 مقدمة العبادات: ح 2، ص 41.

158

و هذا الاستدلال غير تام، حتّى لو فرض أنّ هذه الرّوايات تامة سندا و دلالة على استحقاق العقاب و لم يكن لها معارض من الرّوايات الدالة على نفي العقاب على النية و القصد ما لم ترتكب المعصية، فلو سلّم كل ذلك، فمع هذا الرّوايات المذكورة لا يمكن أن تكون دليلا على حرمة التجري شرعا، إذ بعد الفراغ عن صحة سندها و دلالتها على استحقاق العقاب فغاية ما تدلّ عليه هو، أنّ المتجري يستحقّ العقاب، و استحقاق العقاب لا يلازم الحرمة باعتبار ما ذكرنا سابقا من أنّ استحقاق العقاب ثابت بحكم العقل بقطع النظر عن جعل الحرمة للتجري، و هذا الثبوت باعتبار أنّ التجري هتك و ظلم للمولى، و انّ كشف في غير هذا المقام، كما لو ورد أنّ «شرب الخمر» يدخل النّار، فهذا يكشف عن الحرمة، لأنّه لولاها لا منشأ لدخول النّار، و هذا غير المقام، و عليه فهذا المسلك غير تام.

نعم هناك بحث في الرّوايات الواردة في ترتب العقاب على النية إثباتا أو نفيا أو تفصيلا، إلّا أنّه بحث، الدخول فيه يخرجنا عن الأصول.

و إن شئت قلت: إنّه قد يستدل على حرمة التجري بالرّوايات الدالة على عقاب المتجري بقصد المعصية أو الساعي إليها، و إن لم يتحقّق قصده خارجا، و لكن من المحتمل قويا أن يكون ظاهر ذلك التجري في الشبهة الموضوعية، بأن تكون أصل كبرى حرمة الفعل ثابتة، و لكن المكلّف يقصد تحقيق صغراها خارجا فلم يتحقّق قصده، و ذلك كالنبوي- إذا التقى المسلمان بسيفهما على غير سنّة، فالقاتل و المقتول كلاهما في النّار، قيل هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، لأنّه أراد قتل صاحبه‏ (1)- حيث يدلّ على استحقاق العقاب لأنّه قصد المعصية.

____________

(1) وسائل الحر العاملي: ج 11، باب 67، ص 113.

159

و قد ناقش السيّد الخوئي (قده) (1) الاستدلال بها، بأنّها على تقدير تماميتها سندا و دلالة، فهي لا تدلّ على أكثر من حرمة قصد المعصية الواقعية، و معه، لا ربط لها بحرمة ما يعتقده العبد حراما رغم كونه ليس حراما في الواقع.

و هذه المناقشة غير تامة، لأنّه لو سلمنا دلالتها على حرمة قصد المعصية، حينئذ لا يكون هناك فرق بين قصد المعصية في مورد مصادفة فعل المتجري للواقع و عدمه، إذ من حيث قصد المعصية، لا فرق بينهما، و كذلك فإنّه إذا ثبتت حرمة التجري فيما إذا قصد المعصية فقط، فإنّها تثبت في التجري حين الإقدام على الفعل بطريق أولى و بشكل أشدّ أيضا.

و الصحيح في مناقشة هذه الرّوايات أن يقال: إنّ هذه الرّوايات، إن تمّ شي‏ء منها سندا، فهي دلالة تتراوح بين ما لا يدلّ منها على أكثر من استحقاق العقاب على القصد، و هو أعم من الحرمة، و بين ما يدلّ على حرمة نفس الرّضا و النيّة السيئة، أو نفس الالتقاء بالسيف، و ذلك لملاك قائم فيها و بقطع النظر عن الفعل الخارجي.

ثمّ إنّ هناك طائفة أخرى من الرّوايات تدلّ بظاهرها على نفي العقاب على مجرد نيّة (2) فعل الحرام دون التلبس به.

و قد جمع السيّد الخوئي (قده) (3) بين هاتين الطائفتين، بحمل‏

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي، ج 2، ص 31، 32.

(2) الوسائل: ج 1، باب 6، ح 6- 7، ص 36. و ح 108، ص 37.

الوسائل: ج 11، باب 93، ح 1، ص 369.

الوسائل: ج 11، باب 93، ح 20، ص 39.

الوسائل: ج 11، باب 93، ح 21، ص 40.

(3) أجود التقريرات: الخوئي، ج 2، ص 31، 32.

160

الطائفة الأولى على قصد المعصية مع عدم الارتداع عن قصده حتّى حيل بينه و بين العمل بقصده، و بحمل الطائفة الثانية على ما إذا ارتدع عن قصده بنفسه، و ذلك بتطبيق كبرى انقلاب النسبة، لأنّ النبوي المتقدّم يدلّ ذيله على العقاب، فتخصص الطائفة الأولى بفرض عدم الارتداع.

و هذا الجمع مضافا إلى عدم قبول مبناه، و هو كبرى انقلاب النسبة، غير صحيح، لأنّ النبوي إمّا أن يستظهر منه حرمة نفس الالتقاء بالسيف كحرام مستقل كما يفهم ذلك من إرادة القتل في ذيل الرواية، إذن لا يكون هذا عقابا على التجري، بل على نفس تجريد السيف فإنّه معصية حرام كحرمة سبّ المؤمن بغض النظر عن القتل، و إمّا أن تحمل إرادة القتل فيها على مجرد قصد القتل، و حينئذ، لا وجه لدعوى اختصاصها بما إذا لم يرتدع، إذ أنّ قصد القتل و إرادته أعم من ذلك، اللّهمّ إلّا أن يقال: انّ القدر المتيقن من هذه الطائفة و موردها هو ذلك.

و لكنّه قد حقّق في محله أنّ مجرد وجود قدر متيقن بين الطائفتين المتعارضتين لا يكون وجها للجمع العرفي بينهما عن طريق تخصيص كل منهما بمضمون هذا المتيقن.

و الصحيح هو حمل الطائفة الثانية على نفي فعليّة العقاب تفضلا و منّة من اللّه تعالى على عباده، لأنّها ليست ظاهرة في أكثر من ذلك، بل في ألسنة بعضها القرينة على ذلك، من قبيل ما دلّ على- انّ اللّه تفضّل على آدم على أن لا يكتب على ولده و ذريته ما نووا ما لم يفعلوا (1)- و كذلك ما دلّ على أنّ الملائكة الموكلين بتسجيل الذّنوب يمهلون العباد و لا يكتبونها بمجرد النيّة و قصد المعصية (2)، فإنّ هذه الألسنة

____________

(1) الوسائل: ج 1، ح 8، ص 37. و ج 11، باب 93، ح 1، ص 369.

(2) نفس المصدر: ح 20- 21، ص 39.

161

بنفسها تدلّ على ثبوت استحقاق العقاب الّذي تدلّ عليه الطائفة الأولى، و إنّما لا فعليّة و لا تسجيل منّة و تفضلا من اللّه سبحانه على عباده، إذن فلا تنافي بين الطائفتين.

و بعبارة أخرى يقال: انّ الصحيح بعد فرض ورودهما في مورد التجري و تعارضهما هو حمل أدلة النفي على نفي فعليّة العقاب، و حمل أدلة الإثبات على إثبات استحقاق العقاب، و ذلك لأنّ أدلة النفي نصّ في نفي الفعليّة، و ظاهرة في نفي الاستحقاق- هذا إذا لم نقل إنّها كلّها أو جلّها تدلّ على نفي الفعليّة فقط- و أدلة الإثبات نصّ في إثبات استحقاق العقاب، و ظاهرة في إثبات الفعليّة- هذا إذا لم نقل إنّها كلّها أو جلّها تثبت الاستحقاق فقط، و حينئذ، نرفع اليد عن ظاهر كل منهما بنصّ الآخر.

و بهذا يثبت عدم الدليل على حرمة التجري شرعا.

162

تنبيهات‏

1- التنبيه الأول: [فى صدق التجرى على من حصل على مؤمّن على الارتكاب، و لكنّه أقدم على المشتبه برجاء مصادفة الحرام‏]

هو أنّه قد اتضح عدم اختصاص التجري بفرض القطع بالحرمة، بل التجري يجري في كل مورد يتنجز فيه التكليف، لعدم وجود مؤمّن عن التكليف الواقعي المحتمل و لو جاء به برجاء عدم مصادفة الحرام الواقعي عليه، بجميع حصصه و صوره، حتّى صورة رجائه لعدم المصادفة مع الحرام الواقعي، لكون إقدامه تجريا و خروجا عن حقّ العبوديّة و الطاعة لمولاه، و مجرد رغبته و رجائه أن لا يصادف الحرام الواقعي لا يفيد في رفع موضوع حق المولى.

نعم وقع الكلام فيمن حصل على مؤمّن على الارتكاب، و لكنّه أقدم على المشتبه برجاء مصادفة الحرام، كمن شرب مستصحب الحلية برجاء أن يكون هو الحرام الواقعي، فهنا ذكر المحقّق النائيني (قده) إنّ هذا تجر أيضا و يترتّب عليه أحكامه.

و الحاصل هو انّ فرض التجري، هو فرض انّ هذا الحكم الّذي كان يتخيّله المتجري على خلاف الواقع، و أحيانا يتفق أن ما تخيّله حراما يكون واجبا، ففي الموارد الّتي يحصل فيها التجري و يكون الحكم الواقعي فيها هو الوجوب أو الاستحباب، هنا ذهب بعضهم إلى أنّه يقع التزاحم بين الجهة الواقعية و بين حرمة التجري، باعتبار انّ هذا الفعل بلحاظ عنوانه الواقعي مطلوب، و بلحاظ عنوان التجري يكون له حكم التجري، و حينئذ يقع التزاحم بينهما.

163

و هذا منهم انسياقا مع الخلط بين باب الحسن و القبح، و بين باب المصالح و المفاسد.

و صفوة القول في المقام هو، أن يقال: بأنّه في فرض تنجز الحرمة الواقعية على المكلّف، بقطع، أو بأصل، و لم يكن الفعل حراما، بل كان في الواقع واجبا، حينئذ، يتكلم في انّ هذا الوجوب الواقعي هل يتنافى مع الحيثيّات الظاهريّة، أو أنّه لا يتنافى؟ و هذا الكلام ينحل إلى أربع نقاط.

1- النقطة الأولى: هي أنّ الوجوب الواقعي، هل يتنافى مع الحكم الظاهري الّذي جعله الشارع، و ببركته تنجزت الحرمة؟

و هذا هو عين البحث في الجمع بين الأحكام الواقعية و الظاهرية، و سوف يأتي الكلام عنه في محله إن شاء اللّه تعالى، و بتجاوز هذه النقطة نواجه النقطة الثانية.

2- النقطة الثانية: هي أنّه كيف يمكن الجمع و التوفيق بين الوجوب الواقعي، و بين تنجز الحرمة- لا الحكم الظاهري- سواء كان منشأ التنجز هو حكم الشارع، أو حكم العقل؟

و الشبهة هنا ليست شبهة اجتماع الحكمين المتضادين كما في النقطة الأولى، إذ ليس في هذه النقطة حكمان شرعيان، بل وجوب واقعي، و تنجز من قبل العقل.

إذن فالشبهة هنا هي، ان تنجز الحرمة بحكم العقل يوجب عجز المكلّف تشريعا عن الإقدام على هذا الفعل، و حينئذ، فالمكلّف لا يكون قادرا على الفعل شرعا، مع أنّ الوجوب الواقعي مشروط بالقدرة.

و من هنا تقع شبهة المنافاة المذكورة بين الوجوب الواقعي، و تنجز الحرمة بحكم العقل، إذ معناه أنّ العقل يمنع المكلّف عن الإقدام، فإنّ‏

164

الممنوع عقلا، كالممتنع تكوينا، و لازم ذلك، هو عدم ثبوت الوجوب الواقعي، و هذه غير شبهة ابن قبّة.

و لو تمّت هذه الشبهة، لاقتضت أن يكون الوجوب الواقعي مختصّا بغير من تنجزت عليه الحرمة ظاهرا.

و سوف نوكل بحث هذه الشبهة إلى مكان شبهة ابن قبّة.

3- النقطة الثالثة: و هي في المنافاة بين الوجوب الواقعي و قبح التجري، إذ كنّا قد ذكرنا سابقا، أنّ المعصية و التجري كلاهما قبيح بملاك واحد، و حينئذ، يقال: بأنّه كيف نوفق بين حيثيّة القبح في التجري، و بين حيثيّة الواقع الّتي هي الوجوب.

و هذه النقطة هي الّتي طرحت في كلمات الأصوليّين‏ (1).

و هنا، أراد المحقق العراقي (قده) أن يوفق بين حيثيّة التجري، و حيثيّة الواقع، و ذلك، ببيان الطولية بينهما فقال‏ (2):

بأنّ التجري عنوان منتزع عن مرتبة العصيان و الامتثال، فهو في طول الّذي يمتثل و يعصى، إذن فالتجري في طول الجهات الواقعية، و إذا كان في طولها، فلا تنافي.

و سنخ هذا الكلام جمع به بين الأحكام الظاهرية و الواقعية بدعوى أنّ الحكم الظاهري في طول الحكم الواقعي.

و الآن نفترض تمامية الطولية، و هذه الصغرى، كما أنّه نفترض أنّ الطولية تنفع في رفع التنافي، و هذه هي الكبرى، و نترك ذلك إلى بحث الجمع بين الأحكام الواقعية و الظاهرية، و لكن حتّى مع تسليم هذه‏

____________

(1) الفصول في الأصول: محمد حسين بن محمد رحيم، ج 2، ص 331، 332.

(2) مقالات الأصول: العراقي، ج 2، ص 16.

165

التمامية، فإنّ ذلك البيان لا يتم، و ذلك لأنّ التجري في طول الامتثال و العصيان للحكم المتجرى بلحاظه، و هو الحرمة الوهمية الّتي يعتقدها، لا في طول امتثاله الوجوب الواقعي الّذي لم يصل إلى المكلّف.

و نحن نتكلم عن التوفيق بين حيثيّة التجري، و الوجوب الواقعي، لا بين حيثيّة التجري، و الحرمة، كما لو فرضنا أنّ صلاة الجمعة واجبة، لكن هذا المكلّف تخيّل حرمتها، و تجرّى فصلّاها، فهنا، انتزاع عنوان التجري عن حرمة الجمعة المتخيّلة، هو في طول حرمتها الخيالية، فإنّه لو لا ذلك لما انتزع عنوان التجري، لا أنّه لو لا وجوبها الواقعي لما انتزع عنوان التجري، إذن فانتزاع عنوان التجري في طول الحرمة الخيالية، فيكون تعدّد المرتبة الطولية إنّما هو بين التجري، و بين الحرمة الخيالية، لا بين التجري و الوجوب الواقعي.

بينما نحن نتكلم عن التوفيق بين التجري و الوجوب الواقعي، و هذان الأمران لا طولية بينهما، إذن فحديث الطولية لا ينفع و لا ينطبق على المقام.

و إنّما الصحيح أن يقال: بأنّه لا تنافي أصلا بين قبح التجري، و الوجوب الواقعي، و ذلك، لأنّ التنافي بينهما إنّما يكون لو أرجعنا باب الحسن و القبح إلى باب المصالح و المفاسد، فإنّه حينئذ يقال: بأنّ هذا الفعل مقتضى وجوبه الواقعي، أنّه فيه مصلحة ملزمة، و بمقتضى قبح التجري ذاك، أنّه فيه مفسدة ملزمة، فالتنافي مبني على ذلك.

و قد عرفت أنّهما بابان، لا باب واحد، و لا تنافي بين كون شي‏ء فيه مصلحة ملزمة، و بين قبح بحكم العقل، و لا يجتمعان.

4- النقطة الرابعة: هي أنّه لو قلنا بحرمة التجري، مضافا إلى قبحه، فإنّه حينئذ يقال: كيف نوفق بين الوجوب الواقعي، و بين الحرمة الشرعية؟.

166

و حينئذ يقال: إنّ هذه الحرمة الشرعية، تارة يفرض ثبوتها بملاك قبح التجري، بقانون الملازمة بين حكم العقل، و حكم الشرع.

و أخرى يفرض ثبوتها بملاك من نوع ملاكات حرمة الخمر.

فإن فرض ثبوتها بالأول، إذن فهذه الحرمة لا تنافي الوجوب الواقعي، لا بلحاظ عالم الملاكات، و لا بلحاظ عالم الامتثال.

أمّا الأول، فلتغاير الملاك سنخا، لأنّ الوجوب الواقعي ملاكه عالم الحب و المصلحة، و الحرمة ملاكها، القبح، و لا تنافي بين كون الشي‏ء قبيحا، و بين كونه ذا مصلحة.

و أمّا الثاني، فمن الواضح عدم التنافي، لأنّ الوجوب محجوب عن المكلّف، فلا محركيّة له.

نعم لو كانت هذه الحرمة الشرعيّة لها ملاك يدخل في عالم الحب و البغض، و المصلحة و المفسدة، حينئذ، يقع التنافي ما بين الوجوب الواقعي و بين هذه الحرمة، لكنّه مجرّد فرض.

2- التنبيه الثاني: و فيه نتعرّض لثمرة ذكرها المحقّق العراقي (قده) (1) للقول بقبح التجري‏

، حيث ذكر أنّ هنا ثمرة عملية فقهية تترتب على افتراض القبح إثباتا و نفيا، و قد صوّرها في موارد التجري الاحتمالي.

و ذلك كما لو فرض أنّه قامت عند المكلّف إمارة على حرمة الجمعة، فصارت الحرمة منجزة عليه بالاحتمال المعتبر، لكن مع هذا، يحتمل أنّه غير حرام في الواقع، و يحتمل وجوبها العيني.

فلو فرض انّ هذا المكلّف أتى بالجمعة برجاء أن تكون واجبة

____________

(1) منهاج الأصول: الكرباسي، ج 3، ص 75، 76.

167

بالوجوب العيني، ثمّ أنّه بعد الإتيان بها انكشف له انّ هذه الجمعة واجبة عينا، فهل يجتزئ بما أتى به، أو أنّه لا بدّ له من الإعادة؟.

و هنا قال (قده): إنّ المسألة مبنية على قبح الفعل المتجرّى به، و عدمه، فإن بنينا على قبح التجري، فيكون ما أتى به ليس صحيحا، و لا بدّ من إعادته، و ذلك لأنّ ما وقع كان تجريا قبيحا عقلا، و مع كونه قبيحا لا يصلح للمقربيّة إلى المولى، إذن فلا يقع على وجه عبادي.

و أمّا إذا بنينا على أنّ الفعل المتجرّى به ليس قبيحا، فحينئذ يمكن أن يقع الفعل على وجه عبادي، و يكون صحيحا، و حينئذ، لا يحتاج إلى إعادته.

و تفصيل الكلام في المقام هو، أنّ فكرة هذه الثمرة، تارة تفترض في الواجبات التوصلية، و أخرى، في الواجبات العبادية.

و المحقّق العراقي (قده)، افترضها في الواجب العبادي دون التوصلي، من قبيل ما لو فرض أنّ أمرا من الأمور كان بحسب الواقع واجبا بالوجوب التوصلي، و قامت الإمارة على حرمته، ثمّ أتى به المكلّف رغم كونه منجز الحرمة، و كان إتيانه به تمردا و ليس برجاء وجوبه، ثمّ انكشف له أنّه واجب.

فهنا يأتي نفس السؤال، و هو، هل انّ ما أتى به مجز أم لا؟.

و الميزان في الأجزاء هنا، في الواجبات التوصلية هو، استيفاء الملاك، فإن دلّ دليل على أنّ الملاك قد استوفي بهذا الفعل و أنّه موجود حتّى في الفرد المحرم، فيكون مجزيا، سواء قلنا بقبحه أم لا إن كان واجبا توصليا في الواقع و إن كان قبيحا و محرما في الظاهر، و إن كان هذا الفعل غير مستوف للملاك، فلا يكون ما أتى به مجزيا، سواء قلنا بالقبح أم لا.

168

و لعلّ المحقّق العراقي (قده) لأجل هذا، لم يصوّر الثمرة في الواجبات التوصلية، بدعوى، أنّ وجوب الإعادة و عدمها ليس مربوطا بقبح الفعل المتجرّى به و عدمه، بل هو مربوط باستيفاء الملاك و عدمه.

و أمّا في حالة الشكّ، و عدم قيام دليل، فلا بدّ من الرّجوع حينئذ إلى الأصول العمليّة، من دون فرق بين القول بالقبح و عدمه.

نعم يمكن أن يكون للقول بالقبح و عدمه دخل في التوصليات، باعتبار تأثير ذلك في إحراز الملاك و عدمه.

فإنّه لو قلنا بقبح الفعل المتجرّى به، و قلنا إنّ القبح ينافي مع الوجوب الواقعي، إذن فسوف نسقط إطلاق الخطاب الواقعي لهذه الحالة، و إذا سقط فلا يبقى دليل على وفائه بالملاك.

و هذا بخلاف ما لو قلنا بعدم قبح الفعل المتجرّى به، فإنّه لا موجب حينئذ لسقوط إطلاق الخطاب الواقعي لهذا الفرد، فيثبت بهذا الإطلاق وفاؤه بهذا الملاك، إذن، فالقول بالقبح و عدمه، يكون له تأثير، لتوسطه في إمكان إثبات الملاك و عدمه.

و أمّا في التعبّديات، كما في فرضية «الجمعة»، فلا إشكال أنّ «الجمعة» محل الكلام، على القول بالقبح تقع باطلة، إذ أنّه بناء على القبح و أنّه ظلم للمولى، فلا يعقل أن يكون ظلم المولى مقربا نحو المولى، و بهذا يقع الفعل باطلا و تجب الإعادة.

و أمّا بناء على القول بعدم القبح، فالعراقي (قده) كأنّه يرى صحة صلاة الجمعة.

لكن هذا محل إشكال، بل يمكن القول ببطلانها في المقام.

و ذلك لأنّه من المعلوم عندهم، أنّ عبادية العبادة متقومة بأمرين.

169

أحدهما: صلاحية العبادة للتقرّب نحو المولى، بحيث يكون العمل منسوبا إلى المولى بنحو من أنحاء النسبة.

و ثانيهما: هو أن يؤتى بالفعل بداعي المولى و من أجله، فمثلا:

إكرام عدو المولى لا يمكن أن يكون عبادة و تقربا نحو المولى، لأنّ هذا الفعل ليس مضافا إلى المولى بوجه، إذن فالشرط الأول مختل، بينما إكرام ابن المولى لكن دون قصد التقرب نحو المولى، فأيضا الشرط الثاني مختل فيه، لأنّه لم يؤتى به من أجله و بداعيه، لأنّ حال المولى في فرض الفعل ليس أحسن منه على تقدير ترك الفعل، إذن، فلا تقع الجمعة عبادة و صحيحة. بينما العراقي (قده) لأنّه كان يبني على عدم قبح الفعل المتجرّى به و عدم كونه ظلما للمولى، إذن فالشرط الأول متحقّق عنده، و لذا ذهب إلى صحة العبادة و أنّها صالحة للتقرّب إلى المولى.

و لكن لم يلتفت العراقي (قده) إلى أنّه لا بدّ و أن يكون الداعي حقيقة للإتيان بالفعل هو المولى و قصد التقرّب منه، و هذا أمر يستحيل تحقّقه من هذا المكلّف قبل انكشاف الخلاف، لأنّه حين العمل كانت الحرمة منجزة عليه، و هذا يعني- أنّه حتّى بناء على عدم القبح- أنّه يحتمل انّ هذا الفعل فيه هتك للمولى و ظلم له، لأنّه يحتمل مطابقة الإمارة للواقع، و لا يحتمل أن يكون تركه ظلما، إذن، كيف يعقل أن يكون ترجيحه للفعل على الترك من أجل المولى.

و بعبارة أخرى: لا يمكن أن يكون الداعي لترجيح الفعل على الترك هو المولى نفسه، كما لو أمر عبده بإكرام فلان، لكن العبد يرى أنّه خلاف مصلحة مولاه، فيتجرأ على عصيانه حفظا لمصلحة المولى.

إلّا أنّ هذا لا يكون في المولى الحقيقي الّذي لا يتصور بحقّه أن يكون له مصلحة في الواجبات.

170

إذن، فالظاهر أنّ الصّلاة تقع باطلة على كلا القولين، إذ على فرض كون صلاة الجمعة واجبة، فليس للّه تعالى مصلحة فيها، بل المصلحة فيها للعبادة، و حينئذ لا تظهر ثمرة من هذه الناحية إذن فهذه الثمرة غير تامة.

و الخلاصة هي أنّ العراقي (قده) ذكر ثمرة للقول بقبح التجري تظهر في العبادات مفادها: أنّه إذا تنجز على المكلّف حرمة عبادة من العبادات، كصلاة الجمعة بالحرمة الذاتية، و مع ذلك صلّاها المكلّف برجاء صحتها و عدم حرمتها، ثمّ انكشف له عدم حرمتها، فهنا ذهب العراقي (قده) إلى بطلان هذه الصّلاة، بناء على قبح التجري، و ذلك لعدم إمكان التقرب بما هو قبيح و إن لم يكن محرما شرعا، و أمّا بناء على عدم القبح، فتقع صلاته هذه صحيحة عنده.

و هذه الثمرة غير تامة، إذ الفعل العبادي يقع باطلا هنا على كلا التقديرين، لأنّ المقصود من التقرّب و الإتيان بالفعل هو من أجل المولى و بداعي المولى، بحيث يكون حال المولى بحسب نظره- على تقدير إتيانه بالفعل- أحسن منه على تقدير ترك الإتيان به، و لكن مع فرض تنجز الحرمة عليه، لا يتأتّى للمكلّف أن يأتي بالفعل بداعي المولى، إذن فهذه الثمرة غير تامة.

3- التنبيه الثالث: هو أنّه قد بيّنا أنّ ضابط التجري هو، وجود المنجز، لا خصوص القطع، فمتى ما كان منجز، فالتجري موجود، و متى ما كان مؤمن فالتجري غير موجود.

و هذان المطلبان قد يتخيّل استثناء صورة من كل منهما.

فيستثنى ممّا كان منجزا، صورة ما إذا كان هناك منجز احتمالي، كما لو قامت إمارة على كون هذا المائع خمرا، لكن هو لا يعلم بخمريته، فيشربه برجاء أن لا يكون كذلك.

171

فهنا: مثل هذا الرجاء لا يفيده، إذ بمجرد تنجز حرمته عليه، يكون إقدامه على شربه ظلما للمولى، إذن، فمثل هذا الاستثناء واضح البطلان حيث لا فائدة بذلك الرجاء.

و يستثنى من صورة وجود مؤمّن، كما لو قام دليل شرعي على انّ هذا المائع حلال، لكن المكلّف شربه برجاء أن يكون حراما، فحينئذ، قد يقال: إنّ هذا تجر.

لكن الظاهر أيضا، انّ هذا المكلّف لا يستحقّ العقاب، و هذا له صورتان.

1- الصورة الأولى: هي أن يكون شربه لهذا المائع، مستندا إلى المؤمّن بحيث لولاه لما شربه، و إنّما شربه بعد وجود المؤمّن لاحتمال حرمته، و هذا واضح في عدم كونه تجريا لا في نفسه، و لا في فعله.

2- الصورة الثانية: هي أن يفرض أنّه ملتفت إلى وجود المؤمن، لكن هو مصرّ و بان على شربه على كلّ حال، سواء وجد مؤمّن أم لا، لشدّة حبّه للمسكر، لكن مع هذا، هو ملتفت إلى الترخيص من قبل الشارع بشربه.

فهنا يوجد تجري، لكن تجري نفسي، باعتبار أنّ قصده لم يكن مربوطا بالمولى، بل مستقلا عنه.

و هذا خلاف ناموس العبودية، باعتبار أنّه يجب عليه أن يبني مواقفه على أساس مواقف المولى، و إن كان في الخارج لم يتحقّق منه تجر أصلا، لأنّه شرب ما أذن به المولى ملتفتا لإذنه، فحاله، حال من يشرب المباحات الواقعية، و هو يبني على شربها حتّى لو حرّمها المولى، فهذه جرأة نفسية فيه لا خارجية. و بهذا تمّ الكلام في التجري.

172

الجهة الثالثة: أقسام القطع و أحكامه‏

قسّم القطع في كلمات الشيخ الأنصاري (قده) إلى قسمين.

1- القسم الأول: القطع الطريقي.

2- القسم الثاني: القطع الموضوعي.

فأمّا القطع الطريقي، فهو عبارة عن القطع الّذي لا يكون له دخل ثبوتا في تحقّق الحكم، بل يكون الحكم ثابتا في مورده مع قطع النظر عنه سواء كان قطعا بصغرى الحكم فيكون القطع طريقا محضا إمّا إلى الصغرى- موضوع الحكم- من قبيل قطعنا بخمرية هذا المائع، فإنّ الحرمة مترتبة واقعا على واقع الخمر فيكون القطع بالخمرية كاشفا محضا.

و إمّا أن يكون قطعا و طريقا إلى كبرى الحكم، من قبيل قطعنا بتحريم شرب كل خمر، و أمّا القطع الموضوعي، فهو ما كان للقطع دخل في تحقّق الحكم ثبوتا كما لو أوجب المولى إكرام مقطوع العدالة بحيث يكون القطع بالعدالة دخيلا في وجوب الإكرام ثبوتا، و من هنا يظهر أنّه يمكن أن يمكن أن يكون قطع واحد طريقا إلى حكم و موضوعا لحكم آخر غيره، و هذا لا إشكال فيه.

و إنّما صار البحث في عدّة مقامات.

173

1- المقام الأول: في أقسام القطع الموضوعي:

و قد قسّم الشيخ الأنصاري (قده) القطع الموضوعي إلى قسمين.

1- الأول: قطع مأخوذ موضوعا بما هو طريق إلى الواقع- على نحو الطريقيّة-.

2- الثاني: قطع مأخوذ موضوعا بما هو صفة في النّفس- على نحو الصفتيّة- و ذلك أنّ القطع الّذي يؤخذ في موضوع الحكم و يجعل الحكم منوطا به، فهو تارة يكون الحكم منوطا به باعتبار كشفه عن الواقع، بما هو كشف عن الواقع.

و أخرى يكون الحكم منوطا به بما هو صفة خاصة في عالم النّفس، حيث أنّ القطع فيه حيثيّتان، إحداهما، كشفه عن الواقع، و الأخرى، انّه صفة نفسانية معينة، فحينما يؤخذ في موضوع الحكم، تارة يؤخذ باللحاظ الأول، أي بما هو كاشف، و أخرى، يؤخذ باللحاظ الثاني، أي بما هو صفة نفسانية خاصة. فالأول، نسميه بالقطع الموضوعي المأخوذ على وجه الطريقيّة، و الثاني، نسميه بالقطع الموضوعي المأخوذ على وجه الصفتية.

و كل من القسمين المذكورين له قسمان، لأنّ القطع المأخوذ في الموضوع، تارة، يكون تمام الموضوع للحكم، بحيث سواء كان المقطوع ثابتا في الواقع، أو لم يكن فإنّه يترتب الحكم عليه، و أخرى يكون القطع المأخوذ جزء الموضوع، و الجزء الآخر هو وجود الواقع المقطوع به، كما لو قال: إن كان زيد عادلا و كنت قاطعا بعدالته فأكرمه فيكون الموضوع مركبا من جزءين، نفس القطع، و الواقع المقطوع، إذن فهذه أربعة أقسام للقطع الموضوعي كما ذهب صاحب الكفاية (1).

____________

(1) كفاية الأصول: المحقق الخراساني، ج 2، ص 5.

174

ثمّ إنّهم قالوا: بأنّ ظاهر الدليل حين أخذ القطع في الموضوع، هو أنّه مأخوذ على وجه الطريقية، كما أنّ مقتضى إطلاق الدليل هو أنّ القطع هو تمام الموضوع، لا جزؤه، سواء أصاب الواقع أو أخطأه.

فالمستظهر من هذه الأقسام هو، القطع الموضوعي الطريقي، و أنّه تمام الموضوع، فرفع اليد عن ذلك، يحتاج إلى قرينة.

[جهات البحث فى القطع‏]

و قد وقع الكلام حول ذلك في جهات:

1- الجهة الأولى: في أصل تصوير انقسام القطع الموضوعي إلى صفتي و طريقي:

حيث أشكل على هذا التقسيم فقيل: بأنّ كاشفية القطع لو كانت صفة زائدة في القطع و ليست داخلة في أصل قوامه، من قبيل صفة الثقل في الجسم، فحينئذ هذا أمر معقول، فيقال: إنّ القطع تارة يؤخذ في الموضوع بلحاظ هذه الصفة الزائدة القائمة به، و هي صفة الكاشفية، و أخرى يؤخذ في الموضوع بقطع النظر عن هذه الصفة الزائدة من قبيل الجسم فقط، فتارة يؤخذ بلحاظ حيثيّة الثقل، و أخرى بما هو جسم فقط، «فهنا تقاس الكاشفية بالثقل».

و الخلاصة، هي انّ القطع الموضوعي لا يؤخذ إلّا بما هو كاشف، و لا يمكن أخذه بما هو صفة و بقطع النظر عن حيثيّة الكشف، لأنّ الكاشفية ذاتية للقطع بل هي عين حقيقة القطع، إذ ليس القطع شيئا زائدا على الكشف كي يمكن أخذه بما هو صفة و بقطع النظر عن كاشفيته لأنّ معنى عدم لحاظها هو أنّه لا يلحظ نفس القطع، و هذا تهافت.

نعم غايته أنّه تارة يؤخذ بنحو تمام الموضوع للحكم، و أخرى يؤخذ بنحو جزء الموضوع، و يكون الواقع جزؤه الآخر.

175

و هذا الإشكال هو، الّذي دعا صاحب الكفاية (قده) (1)، كي يقرب إمكانية انقسام القطع الموضوعي إلى، قطع موضوعي صفتي، و إلى قطع موضوعي طريقي، فاستعمل عبارتين في مقام تصوير الصفتي، في مقابل الطريقي. كلتاهما غير تامة.

1- العبارة الأولى: هي أنّ القطع و العلم نور في نفسه نور لغيره.

و حينئذ يكون فيه حيثيّتان.

أ- الحيثيّة الأولى: أنّه نور في نفسه.

ب- الحيثيّة الثانية: أنّه نور لغيره.

و حينئذ: فتارة يؤخذ القطع في موضوع الحكم بلحاظ الحيثيّة الأولى، و هذا هو القطع الموضوعي الصفتي.

و تارة أخرى، يؤخذ القطع في موضوع الحكم، بلحاظ الحيثية الثانية، و هي كونه نورا لغيره، و هذا هو القطع الموضوعي الطريقي.

إلّا أنّ هذا الكلام يحتاج إلى تمحيص، إذ صحيح أنّ العلم نور في نفسه، و نور لغيره، إلّا أنّ مقصودهم من هذه العبارة، و هي كونه نور في نفسه، يعني أنّه ظاهر بذاته للنفس، و مقصودهم من كونه نورا لغيره، يعني أنّه مظهر لغيره.

و توضيحه: هو أنّ الأشياء تظهر للنفس و تحضر لديها، «بالعلم»، فمظهرها و منوّرها هو العلم، و أمّا نفس العلم فيحضر بنفسه للنفس، لا بمحضر له، و لهذا يعبر عنه بأنّه معلوم بالعلم الحضوري، كالحب و البغض و غيره من الصفات النفسية التجريدية، لكن هو مظهر لغيره دون الحب و أمثاله.

____________

(1) كفاية الأصول: الخراساني، ج 2، ص 19- 20.

176

و حينئذ نأتي إلى محل الكلام فنقول: إنّ القطع الموضوعي الصفتي، المقابل للقطع الموضوعي الطريقي، ما هو؟ فإن قيل: هو القطع الملحوظ بما هو نور في نفسه بقطع النظر عن كونه نورا و إنارة لغيره، حينئذ، إن أردتم بهذا أنّ القطع مأخوذ في موضوع الحكم باعتباره حاضرا لدى النّفس، إذن، فيلزم منه أن تكون كل صفة حاضرة لدى النّفس، محقّقة لموضوع الحكم، كالحب، و البغض لأنّه صفة حاضرة لدى النّفس إذن فيكون الموضوع مطلق ما يحضر في النّفس من المجردات، و هذا خلاف الفرض، و إن أردتم أنّ القطع المأخوذ في الموضوع، بما هو صفة حاضرة لدى النّفس، أنّه لوحظ خصوصية هذه الصفة، إذن ما هي هذه الخصوصية غير كونه كشفا و إراءة حيث لا خصوصية له تميّزه إلّا ذلك إذ خصوصية النّورية هي عين الكاشفية، إذن، فهذه العبارة لا تفي بتصوير شقين متغايرين.

2- العبارة الثانية: هي أنّ القطع صفة حقيقيّة متأصلة، و ليست صفة اعتبارية ذات إضافة، فهي ليست كالأعراض تحتاج إلى موضوع فقط، بل تحتاج إلى ما تضاف إليه و تتعلق به أيضا، فإن أخذ القطع في موضوع الحكم بما هو صفة حقيقية بقطع النظر عن إضافته إلى متعلقه، كان قطعا موضوعيا صفتيا، و إن أخذ بما هو مضاف إلى متعلقه، كان قطعا موضوعيا كاشفيا طريقيا.

و توضيحه: هو أنّ الصفات على قسمين.

1- القسم الأول: هو الصفات المقولية الحقيقية، أي الّتي لها وجود في نفسها.

2- القسم الثاني: هو الصفات الإضافية الاعتبارية، أي الّتي حقيقتها عين الإضافة.

فالأولى: هي عبارة عن المقولات العرضية الثمانية، باستثناء مقولة

177

الإضافة، في قبال مقولة الجوهر، فهذه الثمانية هي مقولات حقيقيّة ذات وجود مستقل، كمقولة، الكيف، و الأين، الخ ...

و الثانية: هي الصفات الاعتبارية الإضافية الّتي تدخل تحت مقولة الإضافة، و هذه، حقيقتها عين الإضافة، و روحها عين النسبة الموجودة في الأبوة، و البنوة، و الفوقية، و التحتية.

ثمّ إنّ القسم الأول، ينقسم إلى قسمين.

أ- القسم الأول: هو صفة حقيقية ذو إضافة.

ب- القسم الثاني: هو صفة حقيقية ليس ذو إضافة.

فالحقيقية غير ذي الإضافة، من قبيل البياض، و الحرارة، فإنّه ليس لها إضافة غير موضوعها.

و الصفة الحقيقية ذات الإضافة، هي عبارة عمّا كان من قبيل العلم، و الحب، و البغض، فهذه الأمور صفات حقيقية و ليست عبارة عن مجرد نسب، بل لها إضافة إلى غير موضوعها، فإنّ الحب يحتاج إلى محبوب، لا إلى محب فقط، و هكذا البغض، و العلم، فهذه صفات حقيقية ذات إضافة، و هذه الإضافة، أمر طارئ عليه، و لهذا يختلف عن القسم الثاني، الّذي هو صفات حقيقية بحتة، كالأبوة، و البنوة، فإنّ الإضافة عين حقيقتها.

فالقطع، صفة ذات الإضافة، إن أخذ في موضوع الحكم بما هو صفة حقيقية بقطع النظر عن إضافته إلى متعلقه فيكون صفتيا، و إن أخذ بما هو مضاف إلى متعلقه، كان موضوعيا طريقيا كاشفيا.

و بهذا البيان الثاني، يدفع الإشكال، لأنّ أخذ القطع في الموضوع على وجه الكاشفية، معناه: أخذه مضافا، أي بلحاظ إضافته إلى معلومه، و هذه الإضافة ليست داخلة في حقيقة العلم، لأنّ العلم ليس‏

178

من مقولة الإضافة، بل هو صفة حقيقية ثابتة، و الإضافة تتعلق به، و هذه الإضافة أمر قد يؤخذ، و قد لا يؤخذ، فالأول طريقي، و الثاني صفتي.

إلّا أنّ هذا البيان الثاني غير تام، لأنّه لا يحلّ الإشكال.

و توضيح ذلك يكون ببيان نكتتين.

1- النكتة الأولى: هي أنّ الإضافة على قسمين.

أ- القسم الأول: هو الإضافة المقولية الّتي هي عين مقولة الإضافة، و الّتي هي أمر طارئ على الصفات الحقيقيّة ذات الإضافة.

و الإضافة المقولية، عبارة عن نسبة قائمة بين شيئين، لكل منهما وجود مستقل عن الآخر في نفسه، غايته أنّه أخيف أحدهما إلى الآخر و ارتبط به، فتسمى بالإضافة المقولية، من قبيل، الأبوة، و البنوة، فالأب له وجود مستقل في نفسه، و البنوة لها وجود مستقل في نفسها، ثمّ وقعت إضافة بينهما.

ب- القسم الثاني: و يسمّى بالإضافة التحليلية، و قد يسمّى بالإضافة الإشراقية لبعض الاعتبارات، و نريد بالتحليلية، أنّ المضاف و المضاف إليه ليس لكل منهما وجود مستقل غير الآخر، بل المضاف إليه قد يكون وجوده بنفس المضاف، من قبيل إضافة الوجود إلى الماهية، فيقال: الإنسان موجود، فهذا الوجود، وجود للإنسان، فيضاف الوجود للإنسان، إذ ليس للإنسان وجود مستقل في مقابل هذا الوجود، بل هذا الوجود هو عين تحقق الإنسان خارجا، أي أنّه بحسب الواقع ليس هناك إلّا شي‏ء واحد نحلّله إلى ماهية، و وجود، ثمّ نوقع الإضافة بينهما، فهذه إضافة تحليلية اعتبارية و ليست مقولية.

2- النكتة الثانية: هي أنّ العلم له إضافتان، إضافة إلى المعلوم بالذات، و إضافة إلى المعلوم بالعرض، و العلم قد يكون مطابقا للواقع، و قد لا يكون مطابقا.

179

و على الأول، يكون له في الخارج مطابق، و هذا المطابق يسمّى معلوما بالعرض.

و على الثاني، لا يكون له مطابق في الخارج، لكن على كلا التقديرين، سواء كان مطابقا و له معلوم، أو كان خطأ و ليس له معلوم في الخارج، فعلى كلا التقديرين، العلم لا بدّ له من معلوم، و وراء هذا المعلوم في الخارج، معلوم نسمّيه بالمعلوم بالذات، و هو نفس الصورة الذهنية القائمة في أفق النّفس.

و من هنا صحّ القول: إنّ العلم له إضافتان: إضافة إلى المعلوم بالذات، أي إلى الماهية الحاضرة في عالم النّفس بهذا العلم، و إضافة إلى المعلوم بالعرض، أي للموجود الخارجي في حالة كون العلم مطابقا للواقع و ثابتا في نفس الأمر، و هذا يسمّى بالمعلوم بالعرض.

و حينئذ نأتي إلى كلام الآخوند (قده)، حيث أنّه يقول: بأنّ، القطع، تارة يؤخذ في الموضوع مع إضافته للمعلوم، و أخرى يؤخذ في الموضوع بقطع النظر عن المعلوم.

فهنا نسأل: ما ذا يريد بإضافته إلى المعلوم؟ هل يريد إضافته إلى المعلوم بالذات الّذي هو عبارة عن الماهية القائمة في أفق النّفس و الحاضرة بهذا العلم، أم أنّه يريد إضافته إلى المعلوم بالعرض، أي إلى الواقع الخارجي في حال كون العلم له معروض بالعرض في الخارج؟.

فإن أراد الأول، أي إضافته إلى المعلوم بالذات، فهذه الإضافة ليست إضافة مقولية عرضية طارئة على العلم، بل هي مقومة لحقيقة العلم في مرتبة ذات العلم، و لا يمكن سلخها و أخذ العلم بدونها في موضوع الحكم، لكي نتصور الصفتية، لأنّ العلم بالنسبة إلى المعلوم بالذات، كالوجود بالنسبة إلى الماهية، فهي إضافة تحليلية لا مقولية، إذ لا يمكن‏

180

أن يكون للعلم ثبوت حتّى في مرتبة ذاته منسلخا عن إضافته إلى المعلوم بالذات، إذن، فهذه الإضافة ليست مقولية عرضية، بل هي ذاتية تحليلية ثابتة في مرتبة ذات العلم، بمعنى أنّ الماهية توجد في عالم النّفس بوجود علمي، فيسمّى علما، و بوجود حبّي فيسمّى حبا، و هكذا، فالعلم مع المعلوم بالذات، من قبيل الوجود مع الماهية.

و أمّا إذا أراد بالإضافة، الإضافة إلى المعلوم بالعرض، فهذه إضافة عرضية مقولية، لأنّ المعلوم بالعرض له وجود مستقل في الخارج، و العلم له وجود مستقل في النّفس، و حصل بينهما علاقة، و هي، انّ هذا انكشاف لذاك، و ذاك منكشف لهذه، فهذه الإضافة بين العلم و المعلوم بالعرض تكون إضافة عرضية يمكن أخذها، و يمكن سلخها، فحينما يؤخذ القطع في الموضوع، فقد يؤخذ معها، و قد يؤخذ بدونها، لكن لا يمكن تنزيل القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية، إذ لا يمكن تنزيله على القطع الّذي لوحظ مع إضافته للمعلوم بالعرض، فإنّ تنزيله على ذلك لا يمكن مبنيا على ما تقدّم من الخصوصيات الّتي ذكروها لكل من القسمين، الصفتي و الطريقي.

فإنّه أولا: إذا فسّرنا القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية، بالقطع الّذي أخذ فيه إضافة للمعلوم بالعرض، فحينئذ يختصّ القطع الطريقي بما كان مطابقا للواقع، إذ من الواضح أنّه إذا لم يكن مطابقا فليس له معلوم بالعرض، إذ الإضافة إلى الموجود بالعرض فرع أن يكون هناك معلوم بالعرض، إذن ليس له إضافة إلى المعلوم بالعرض، و العلم الّذي لا يكون مصيبا، لا يكون له معلوم بالعرض في الخارج، إذن لا يكون له إضافة في الخارج، لعدم وجود أحد طرفي النسبة في الخارج، فلو كان القطع الموضوعي الطريقي، عبارة عن القطع الّذي يكون فيه، بإضافته، إضافة للمعلوم بالعرض، يلزم اختصاصه‏

181

بخصوص القطع الّذي يكون مصيبا للواقع، فيكون الواقع دخيلا في موضوع الحكم.

و هذا يتنافى مع ما ذكروه من أنّ القطع المأخوذ في الموضوع، سواء الصفتي أو الطريقي، من أنّه تارة يكون تمام الموضوع، و أخرى يكون جزء الموضوع، و يكون الجزء الآخر هو الواقع.

و هذا غير معقول، بل يتعيّن أن يكون القطع المأخوذ على وجه الطريقية، هو جزء الموضوع، لأنّه لا يعقل إضافته إلى الخارج، بلا خارج في البين.

و ثانيا: فإنّ ما ذكروه من أنّ الظاهر من الدليل دائما هو، أخذ القطع في الموضوع على نحو الطريقية، و إنّ أخذه على نحو الصفتية بحاجة إلى قرينة، فهذا سوف يصبح معكوسا، بناء على هذا التفسير، لأنّه إذا كان القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الصفتية. عبارة عن أخذ القطع بما هو بلا تقييده بالخارج، و أخذه على نحو الطريقية معناه:

تقييده بالخارج، يكون هذا خلاف ما يريدون و يدعون، إذ انّ هذا أشدّ عناية من ذاك، لأنّ هذا تقييده بالخارج، خلاف الأصل و الإطلاق، مع أنّهم صرّحوا بأنّ الصفتية على خلاف ظاهر الدليل، فيجب أن نفسّر القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الصفتية بنحو يكون على خلاف ظاهر الدليل هذا، مضافا إلى أنّه سيأتي أنّهم سيقولون بأنّ دليل حجيّة الإمارة الّذي ينزل الإمارة منزلة العلم، يجعل الإمارة بمنزلة القطع الموضوعي، و لا يجعلها بمنزلة القطع الموضوعي الصفتي، لأنّ دليل الحجيّة ليس ناظرا إلى حيثيّة الصفة، بل إلى حيثيّة الكاشفية على ما سوف يأتي.

و هذا أيضا لا يناسب هذا التفسير، إذ أنّ فرض أخذ القطع صفتيا، كان معناه: أخذ القطع بملاحظة كاشفيته الذاتية من دون تقييده‏

182

بالخارج، لأنّه يقول: إنّ الإمارة كاشفة كالعلم، فكل هذا لا ينسجم مع هذا التفسير.

و الصحيح في تصوير تقسيم القطع الموضوعي إلى صفتي و طريقي، هو إبداء بيانين، أحدهما عرفي، و الآخر دقّي، و المظنون أنّ الشيخ (قده) حينما طرح هذا التقسيم، كان مقصوده البيان العرفي الّذي ينسجم مع كل هذه الخصوصيات الّتي ذكرناها.

و توضيح البيان العرفي هو، أنّ القطع له خصوصية ذاتية، و هي الكاشفية عن الخارج، و له خصوصية عرفية طارئة، من قبيل، راحة النّفس، و هدوء البال، فإنّ اليقين يسبغ حالة من الاستقرار، بينما الشك يسبغ حالة من القلق.

و حينئذ: تارة يكون موضوع الحكم هو، القطع بلحاظ كاشفيته الّتي هي قوام حقيقته، و هذا هو معنى القطع الموضوعي الطريقي، لأنّه لوحظت هنا كاشفيته الذاتية المحفوظة له في مرتبة ذاته.

و تارة أخرى، يفرض أنّ القطع يؤخذ في موضوع الحكم بلحاظ الخصائص النفسية المترتبة عليه بما هو موجب لسكون النّفس، و هذا هو القطع المأخوذ على وجه الصفتية، و حينئذ ينسجم مع جميع الخصوصيات الّتي فرّعت.

و حينئذ: القطع الموضوعي الطريقي، أو الصفتي، نقسّمه إلى جزء الموضوع، و إلى تمام الموضوع، لأنّ القطع الموضوعي الطريقي لم نقيده بالإصابة للواقع الخارجي، بل أخذناه بلحاظ كاشفيته الذاتية، و هي محفوظة سواء كان مصيبا، أو مخطئا، إذن، فتارة تؤخذ هذه الكاشفية الذاتية تمام الموضوع، و أخرى، جزؤه، و كما أنّه يكون ظاهر الدليل هو، الطريقي لا الصفتي، لأنّ أخذه على وجه الصفتية معناه: ملاحظة

183

خصائص عرضية زائدة على ذاتها، من قبيل سكون النّفس، و هذه تحتاج ملاحظتها إلى قرينة، و مع عدمها، فالأصل عدمها.

كما أنّه تظهر نكتة، إنّ دليل حجّية الإمارة- الّذي يقول إنّ الإمارة علم لا ينزل الإمارة منزلة القطع الصفتي لأنّها علم، و لا يقول بأنّها تقتضي سكون النّفس و نحو ذلك، بل غاية ما يقتضيه هذا التنزيل هو، إقامة الإمارة مقام القطع الموضوعي المأخوذ على وجه الطريقية.

و توضيح البيان الدقّي، هو أنّ القطع له نسبتان حرفيتان إلى القاطع، فإنّ القطع حينما يلحظ يكون التعبير عنه بحرفين في لغة العرب، و كلّ من الحرفين يدلّ على نسبة، و كل نسبة مغايرة للأخرى.

فتارة نقول: «القطع في هذا القاطع»، فنعبّر عن النسبة بالطرفية و المحلية، باعتبار أنّ القاطع، أي النّفس هي محل القطع على حدّ محلية الجسم للبياض مثلا، فكما نقول: «البياض في الجسم»، نقول: «العلم في الذهن»، أو النّفس فهذه نسبة المحلية.

و هناك نسبة أخرى نعبّر عنها «باللّام»، فنقول: «العلم للإنسان»، فنلحظ العلم لا بما هو حال في الإنسان، بل بما هو مرآة للإنسان، إذ من الواضح أنّ التعبير الأول هو عن مجرد وجود علم، و مجرد وجود علم حال في شي‏ء، لا يعني انّ هذا الشي‏ء «عالم»، بل قد يكون العالم غيره، و إلّا بقطع النظر عن البرهان على ذلك، فمجرد كون العلم في الشي‏ء، لا يساوق منطقيا أن يكون ذاك الشي‏ء هو «العالم» بهذا العلم، إذ قد يكون العالم به شخص آخر، فكونه ظرفه و محلّه، غير كونه عالم به، فهذا لا بدّ في إبطاله من برهان.

إذن: ففي عالم التصوّر، هناك نسبتان متغايرتان، أحدهما نسبة «في» المعبرة عن المحليّة و الظرفيّة، و الأخرى، نسبة «اللّام» المعبرة عن‏

184

انّ هذا المحل هو الّذي له هذا العلم، فإذا ثبت أنّهما نسبتان متغايرتان لحاظا- و إن كنّا نقيم برهانا فلسفيا على استلزام إحداهما للأخرى- إلّا أنّ هذا لا ينافي مغايرتهما مفهوما.

و حينئذ يقال: بأنّ العلم تارة يؤخذ في موضوع الحكم مضافا إلى صاحبه بإضافة «في» بما هو علم في هذا الإنسان، و أخرى يؤخذ مضافا بإضافة «اللّام» بما هو علم لهذا الإنسان، و الأول عبارة عن الصفتي، و الثاني يعبّر عنه بالطريقي.

و كل الخصائص الّتي ذكروها سابقا تنطبق على هذا التفسير، غايته، انّ هذا التفسير ليس عرفيا، بمعنى أنّه حينما يكون العلم منسوبا بحرف «في» فقط لا يكون أمرا عرفيا و لا يقع في الأدلة الشرعية أو العرفية.

و هذا بخلاف أخذ العلم مع ضمّ آثاره النفسية كما في الأول، فإنّ هذا أمر عرفي قد يؤخذ العلم فيه مع آثاره بنفسه موضوعا للحكم.

و من مجموع ما ذكرنا يظهر حال إشكال آخر ذكره الميرزا (قده) (1)، حيث أورد على ما قيل- من أنّ القطع المأخوذ في الموضوع سواء كان صفتيا أو طريقيا، و أنّه تارة يكون جزء الموضوع و أخرى تمام الموضوع- أورد على ذلك، بأنّ القطع المأخوذ في الموضوع، إن كان صفتيا، فالأمر كما ذكر، فإنّه يعقل أن يكون جزء الموضوع، كما يعقل أن يكون تمام الموضوع، لكن إذا أخذ القطع الموضوعي طريقيا، فإنّه حينئذ لا يعقل أن يكون تمام الموضوع، بل يجب أن يكون جزئه، و يكون الجزء الآخر هو المقطوع، لأنّ معنى أخذه بما هو طريق و كاشف، يعني أنّ هناك نظر إلى المنكشف، و معنى أخذه تمام الموضوع، يعني أنّه لا دخل للمنكشف، و هذا تهافت.

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي، ج 2، ص 5- 6- 7.

185

و هذا الإشكال قد ظهر حاله بما ذكرنا في تصوير القطع الموضوعي الطريقي، فإنّنا إذا تصورنا القطع الموضوعي الطريقي بالبيان الثاني للآخوند (قده) و هو كون القطع ملحوظا مضافا إلى معلومه بالعرض، أي بتقييد القطع بالمعلوم بالعرض على أحد الاحتمالين في كلامه حينما ناقشناه سابقا فيقال: إنّ معنى القطع الموضوعي الطريقي، هو أنّ القطع يلحظ مضافا إلى معلومه بالعرض و مقيدا بهذه الإرادة، إذا كان هذا معناه، حينئذ، يرد إشكال الميرزا (قده)، لأنّه إذا أخذ مقيدا بإضافته إلى المعلوم بالعرض فمن الواضح انّ هذه الإضافة إلى المعلوم بالعرض، لا تكون إلّا حيث يكون المعلوم بالعرض في الخارج كما تقدّم، و هذا معنى أنّ المعلوم قيد في الحكم، حينئذ لا يعقل أن يكون القطع تمام الموضوع، و أمّا إذا قلنا بأنّ القطع المأخوذ في الموضوع، مأخوذ بلحاظ كاشفيته الذاتية و إضافته إلى المعلوم بالذات، لا إلى المعلوم بالعرض، و أنّ القطع الصفتي عبارة عمّا لوحظت فيه الآثار و المعلولات النفسيّة، فحينئذ، لا يرد إشكال الميرزا (قده)، لأنّ القطع الملحوظ باعتبار كاشفيته الذاتية هو أمر محفوظ على كلّ حال، سواء كان له مطابق في الخارج أم لا، و معه، فلا محذور في أن يكون القطع تمام الموضوع حينئذ، أي حين كون حيثيّة الكاشفيّة الذاتية للقطع هي الملحوظة.

و أمّا دعوى التهافت من الميرزا (قده) حيث قال: بأنّ أخذ القطع في الموضوع على وجه الطريقية معناه: لحاظ الواقع المقطوع و أخذه، و كونه تمام الموضوع معناه: عدم لحاظ تمام الواقع المقطوع، و هذا تهافت.

و حلّه هو أن يقال: بأنّ أخذ القطع في الموضوع على وجه الطريقيّة، إن أردتم بذلك، يعني أخذه في الموضوع عناية و استطراقا و مجرد معرّف إلى ما هو المأخوذ- و هو الواقع- من دون أخذه حقيقة،

186

فهذا نسميه بالمعرفيّة، و هذا معناه: أنّ المأخوذ هو الواقع، أولا لا القطع، و هذا خلف الطريقيّة الّتي نقصدها.

و إن أردتم من أخذه في الموضوع على وجه الطريقيّة، يعني: كون كاشفيته دخيلة في موضوع الحكم، فهذا صحيح، و لكن يمكن أن يكون للكاشفية تمام الدخل أو بعضه، و لا يلزم من دخالتها أن يكون المنكشف أيضا دخيلا، فإنّ الكاشفية شي‏ء، و المنكشفة شي‏ء آخر، و المقصود هو الأول لا الثاني، و معه لا تهافت كما عرفت.

و الخلاصة: هي أنّه اتضح بما تقدّم، صحة تقسيم القطع الموضوعي إلى أقسام أربعة، كما أفاده المحقّق الخراساني (قده) (1).

نعم القسم الآخر الّذي أضافه المحقّق الخراساني (قده) إلى القطع المأخوذ على نحو الصفتية، و هو القطع المأخوذ بما هو صفة للمقطوع به، حيث قسّمه إلى ما يكون على نحو جزء الموضوع، أو تمامه، هذا القسم غير تام.

لأنّه إن أراد من المقطوع به، المعلوم بالذات، فليس هذا قسما آخر للقطع الصفتي في قبال ما سبق، إذ أنّ القطع المأخوذ بنحو الصفتية للقاطع، تكون خصوصية المعلوم أيضا مأخوذة فيه، و إلّا لزم ثبوت الحكم عند القطع بأيّ شي‏ء من الأشياء، إذ إضافة العلم إلى معلوم معيّن كإضافته إلى العالم، مأخوذ في موضوع الحكم عليه، و إلّا لزم أن يكون كل قطع و من أيّ قاطع، محقّقا لموضوع الحكم في حقّ غير القاطع أيضا.

و إن أراد من المقطوع به، المعلوم بالعرض، فقد عرفت أنّه هو

____________

(1) كفاية الأصول: الخراساني، ج 2، ص 18- 20.

187

الكاشفية بالمعنى المجازي، و قد ذكر سابقا أنّ مفهوم القطع ليس مساوقا معه، هذا فضلا عن أنّه حينئذ لا يصحّ تقسيمه إلى ما يكون تمام الموضوع، و إلى ما يكون جزء الموضوع، ذلك لأنّ هذه الإضافة المجازية مساوقة مع الإصابة و لزوم وجود الواقع، و حينئذ، فلا يكون الحكم ثابتا من دونه.

و على ضوء ما تقدّم، تعرف أنّه يعقل أخذ القطع في موضوع حكم شرعي، بأحد وجوه خمسة.

الوجه الأول: هو أخذه بما هو تمام الموضوع.

الوجه الثاني: هو أخذه بما هو صفة، جزء الموضوع.

الوجه الثالث: هو أخذه بما هو انكشاف بالذات تمام الموضوع.

الوجه الرابع: هو أخذه بما هو انكشاف بالذات، جزء الموضوع.

الوجه الخامس: هو أخذه بما هو انكشاف للواقع بالعرض و المجاز.

و هو يساوق كونه جزء الموضوع. و قد تبيّن أيضا، إنّ ظاهر أخذه بنحو الكاشفية، هو أخذه بما هو انكشاف بالذات لا بالعرض و المجاز، هذا تمام الكلام في الجهة الأولى في التصوير الرباعي للقطع الموضوعي.

2- الجهة الثانية: في قيام الإمارات و الأصول مقام القطع الطريقي:

و معنى تنزيلها و قيامها مقام القطع الطريقي إثباتا، يعني أنّه بلحاظ دليل حجيّتها يترتب عليها آثار القطع الطريقي من المنجزيّة و المعذريّة، كما ذهب إليه الشّيخ (قده) في رسائله‏ (1)، و الآخوند (قده) (2) في‏

____________

(1) فرائد الأصول: الأنصاري، ص 22- 23.

(2) درر الفوائد: الخراساني، ص 7- 8.

188

كفايته‏ (1)، و كأنّهم فرغوا من قيام الإمارة مقامه، لأنّ هذا هو المتيقن من دليل حجيّتها، إذ لو لم تقم مقامه لما كان هناك معنى لجعل الحجيّة لها، فالقدر المتيقن من دليل جعل الحجيّة هي كونها تقوم مقام القطع الطريقي، و إلّا فلا معنى لجعل الحجيّة لها.

لكن أثير بعد شيخ الرّسائل و الكفاية (قده) إشكال ثبوتي حول قيام الإمارة مقام القطع الطريقي، و هذا الإشكال مبني على تصورات المشهور القائلين بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، حيث يقال:

انّه يحسن العقاب مع العلم بالبيان بمقتضى قاعدة حجيّة القطع، و يقبح العقاب بلا بيان بمقتضى قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

حينئذ: مبنيا على هذا التصور قالوا: إذا كان العقل يحكم بقبح العقاب بلا بيان و علم، و حينئذ، إن فرض أنّه حصل علم وجداني، فهذا يرفع القبح موضوعا، و أمّا إذا فرض قيام إمارة معتبرة على الحرمة، و كانت الإمارة ظنّية أو احتمالية لا قطعيّة، فموضوع قاعدة قبح العقاب بلا علم موجودة، و هو، «اللّاعلم»، و دليل الحجيّة لا يمكن أن يخصّص قاعدة قبح العقاب، لأنّها عقلية، إذن فكيف يعقل، بجعل الحجيّة للإمارة، أن تكون هذه الإمارة مصححة للعقاب، و منجزة له على الواقع المشكوك غير المعلوم، مع أنّ موضوع قاعدة قبح العقاب تام في المقام؟.

فإن قيل: بأنّ دليل الحجيّة ينجز بالإمارة الواقع المشكوك، بمعنى: أنّه يصحح العقاب على الواقع المشكوك.

فجوابه: هو أنّ هذا على خلاف قانون قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

____________

(1) كفاية الأصول: الخراساني، ج 2، ص 20.

189

و إذا فرض و ادّعي أنّ دليل الحجيّة لا يصحح العقاب على التكليف الواقعي المشكوك، بل هو ينشئ تكليفا ظاهريا و يصحح العقاب عليه، و هذا التكليف الظاهري معلوم لا مشكوك.

أو فقل: إن فرض أنّ دليل الحجيّة أنشأ تكليفا ظاهريا و نجّزه، بحيث يصحّ العقاب عليه، لأنّه يصبح معلوما، فإنّه يرد عليه.

أولا: إنّ هذا التكليف الظاهري لا عقاب له، و لا تنجيز مستقل له عن التكليف الواقعي المشكوك، لأنّه إن كان خطابا طريقيا، إذن فهو ليس تكليفا و حكما حقيقيا واحدا لمبادئ و ملاكات الحكم الحقيقي في نفسه، و ما هو موضوع التنجيز و استحقاق العقاب، إنّما هو الحكم الحقيقي لا الطريقي.

و إن كان حكما حقيقيا، فهذا التزام بالسببية و تحول الحكم من الواقعي إلى الظاهري، ببعض مراتب التحوّل، و المفروض بطلان السببية كما سيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى.

و ثانيا: إنّ هذا على فرض تسليمه، ليس معناه تنزيل الإمارة منزلة القطع الطريقي المنجز للحكم الواقعي، بل الإمارة أحدثت حكما آخر، و هذا الحكم الآخر قطعنا به بقطع طريقي و هذا خلف التنزيل.

و إن شئت قلت: إنّ هذا ليس معناه التنزيل، و إنّما هو تنجيز بملاك حكم آخر، هو الحكم الظاهري الواصل إلى المكلّف بالعلم الوجداني، و هذا خلف التنزيل.

و الخلاصة: أنّه لا إشكال في قيام الإمارات مقام القطع الطريقي إثباتا لكن هناك إشكال ثبوتي فيه، حيث يقال: بأنّ هذا التنزيل للإمارة مستحيل، لأنّ الإمارة إذا قامت مقام القطع الطريقي، فإن نجّزت الواقع مع أنّه لا يزال مشكوكا، فيكون هذا على خلاف قانون قاعدة قبح‏

190

العقاب بلا بيان، و إن أنشأت بنفسها حكما ظاهريا و نجّزته، فهو خلاف ما سيأتي من عدم منجّزية الأحكام الظاهرية مستقلا، بل هو خلف التنزيل.

و هذه الشبهة مع شبهة ابن قبّة صارتا محورا و أساسا لأكثر المطالب الّتي ذكرت فيما بعد، كما أنّها حرّكت علماء الأصول و الفكر الأصولي، ففرّعوا عليها كل ما هو جديد في مسألة حجيّة الإمارة و القطع و الأحكام الظاهرية، يلتمسون بذلك تخريجات و تفسيرات لحقيقة الحكم الظاهري و كيفية الجمع بينه و بين الحكم الواقعي.

و الصحيح: هو انّ هذه الشبهة، لا أساس لها على مبنانا، و إنّما هي شبهة تامة بناء على مسلك القائلين بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، و ذلك لأنّه بعد إنكارنا لهذه القاعدة، و البناء على مسلك حق الطاعة للمولى في موارد الشك و الجهل بالواقع، تصبح الإمارة منجزة، و تصبح هذه الشبهة بلا موضوع، لأنّ مقتضى الأصل أن يصبح التكليف المولوي منجزا إذا وصل إلى المكلّف بأيّ درجة من درجات الوصول، سواء كان مقطوعا، أو موهوما، فتكون الإمارة منجزة لكونها مؤكدة و موجبة لإلزام المكلّف اتجاه مولاه بما دلّت عليه.

إذن: كل تكليف غير مقطوع العدم هو منجز، و نحتاج لرفع اليد عن تنجزه إلى القطع بإذن الشارع.

و بناء على هذا، فلا موضوع لتلك الشبهة، لأنّ الإمارة، إمّا أن يفرض أنّها تنجّز التكليف المشكوك، و ذلك بأن تثبت وجوبا أو حرمة، و إمّا أن يفرض أنّها معذرة، بمعنى أنّها تثبت الرخصة.

و القسم الأول، هو مورد الشبهة، حيث يقال: كيف تنجز الواقع المشكوك مع أنّه يقبح العقاب بلا بيان؟.

فنقول: إن تنجز الواقع على القاعدة، و الإمارة ليست إلّا مؤكدة

191

لهذا التنجيز كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى، فتنجز الواقع المشكوك في مورد الإمارة المثبتة للتكليف، ليس على خلاف قانون عقلي، بل على طبقه، هذا بالنسبة للأمارات المثبتة للتكليف.

و أمّا الإمارات المرخصة و المؤمّنة، فهي أيضا ليست على خلاف قانون عقلي، لأنّ القانون العقلي هو قانون المولوية و حق الطاعة، و هو يقتضي أن يكون للمولى حق الطاعة في كل ما نحتمله من التكاليف ما لم يقطع بإذنه، بالإقدام، أو الإحجام، و مع القطع بإذنه نكون قد جرينا على طبق قانون المولوية و العبودية.

و من الواضح أنّ الإمارة المرخّصة تكون إذنا قطعيا في الإقدام، غايته، أنّه إذن ظاهري قطعي، لأنّ المفروض أنّ الشارع أمرنا باتباع الإمارة، فإذا قامت الإمارة على الرخصة و قد قطعنا بأنّها مرخّصة، فيكون جرينا حينئذ على طبقها، جريا على طبق قانون العبودية، و يكون المكلّف قاطعا بالإذن الظاهري كما مرّ، فيكون معذورا في جريه على طبقها.

و عليه فلا شبهة من حيث المنافاة مع القانون العقلي، حيث انّ هذا التنجيز و التعذير للإمارة كان إثباته بحكم العقل.

نعم يبقى الإشكال في كيفيّة تعقل صحة الإذن المذكور المعبّر عنه بالحكم الظاهري، و اجتماعه مع الحكم الواقعي، بنحو لا يلزم منه التضاد أو محذور آخر.

و هذه هي الشبهة الأخرى الّتي أثارها «ابن قبّة» كما سيأتي بيانها و حلّها.

نعم ينفتح باب هذه الشبهة على مسلك المشهور القائلين بقاعدة قبح العقاب بلا بيان حيث يقال هناك: كيف يصحح العقاب على الواقع المشكوك لمجرد قيام الإمارة عليه، مع أنّه يقبح العقاب بلا بيان؟

192

و قد يجاب على هذه الشبهة بجواب من خلال تقريبين مبنيّين على تصورات مدرسة المحقّق النائيني (قده).

1- التقريب الأول: هو أن يقال‏ (1): انّ البيان الّذي أخذ عدمه موضوعا في قاعدة، «قبح العقاب بلا بيان»، صار موجودا بقيام الإمارة، و ذلك بتقريب أنّ دليل الحجيّة قد جعل الإمارة علما و بيانا بناء على مسلك الطريقية في باب جعل الحجيّة، فكأنّ المولى قال: «خبر الثقة علم»، و حينئذ يكون بيانا، و حينئذ يرتفع موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

و هذا المدّعى تارة يبين بلسان الحكومة، بمعنى أنّ دليل الحجيّة ينزل الظن الخبري منزلة العلم، فيكون حاكما على دليل «قبح العقاب بلا بيان»، من قبيل حاكميّة قولهم (عليهم السّلام) «الطواف بالبيت صلاة» على دليل، «لا صلاة إلّا بطهور».

و هذا التقريب غير معقول: لأنّ هذا التنزيل و الحكومة إنّما يصحّ من الشارع فيما إذا كان الأثر المنزّل عليه شرعيا و تحت يد الشارع التصرف فيه توسعة و تضييقا، كما هو الحال في قولهم (عليهم السّلام): «لا صلاة إلّا بطهور»، فإنّ هذه الشرطية شرعية و بيد الشارع، فإنّه بيده الوضع، فبيده الرفع، و هذا لا يعقل في المقام.

و ذلك لأنّ قبح العقاب بلا بيان، و صحة العقاب مع البيان إنّما هو من أحكام العقل العملي، و ليست آثارا شرعية كي يصحّ الحكم عليها من قبل الشارع، فإنّ الشارع إذا نزّل شيئا منزلة حكم العقل، فإنّ هذا لا يوجب توسعة في حكم العقل، لأنّ حكم العقل تابع لموضوعه الواقعي، إذن، فدليل الحجيّة بلسان الحكومة و التنزيل من قبل الشارع على‏

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي، ج 2، ص 9.

193

الأحكام العقليّة غير معقول، و إنّما تعقل الحاكمية التنزيليّة على الأحكام الشرعية الأخرى باعتبار أنّ توسعتها و تضييقها بيد الشارع دون الأحكام العقليّة.

إذن: فهذا التقريب لا يعالج مشكلة مناقضة جعل الإمارة مع حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان.

2- التقريب الثاني: هو أن يبيّن مدّعى مدرسة المحقّق النائيني (قده) (1) بلسان الورود، بدعوى أنّ موضوع حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، و صحته مع البيان، إنّما هو البيان بالمعنى الأعم، من العلم الوجداني و التعبّدي، الظاهري، أو الواقعي، فالمولى باعتباره للإمارة علما، يوجد فردا حقيقيّا في موضوع القاعدة، فيكون هذا ورودا حينئذ.

و هذا التقريب، و إن كان أحسن من سابقه، و لكن على كلّ حال، سواء قرّب هذا المطلب، بالتقريب الأول، أو الثاني، فلا إشكال في أنّه لا يمسّ روح الإشكال، بمعنى أنّه ليس هذا هو نكتة الجواب عن الشبهة، إذ ليس النكتة في أنّ المجعول هو الطريقيّة و العلمية، لأنّنا بحاجة لدفع هذه الشبهة في غير ما يكون المجعول فيه هو العلميّة و الطريقيّة، كما في الأصول العمليّة الشرعيّة غير التنزيليّة مثلا، إذ لا إشكال في أنّ أصالة الاحتياط تنجز الواقع المشكوك، و لم يقع خلاف بين علمائنا الأصوليّين، و الاخباريّين في أنّ وجوب الاحتياط لو ثبت في مورد من الشارع، لكان منجزا و مقدّما على البراءة العقليّة أيضا، و إنّما الخلاف في أنّه ما هي تلك النكتة الثبوتيّة في نفس جعل الحكم الظاهري المجعول لرفع التناقض، حتّى لو لم يكن الجعل بلسان جعل الطريقية

____________

(1) المصدر السابق.

194

و العلميّة هذا، مع العلم أنّ دليل وجوب الاحتياط ليس مفاده جعل العلمية و الطريقيّة، و إنّما هو حكم ظاهري لوجوب التحفظ، و مع هذا ينجز الواقع المشكوك، و يقدم على البراءة العقليّة، فإنّ الواقع ليس معلوما لا وجدانا و لا تنزيلا و لا اعتبارا، و مع ذلك يتنجز فيه الاحتياط.

و هذا يكشف عن أنّ روح ملاك دفع الشبهة ليس هو جعل الطريقية و العلمية.

و إذا عرفت ملاك دفع الشبهة في مورد أصالة الاحتياط، يتبيّن لك حينئذ، أنّ نكتة دفع الشبهة غير مربوطة بكون الجعل على نحو الطريقيّة و العلمية و الحكومة أو الورود، بل هي مربوطة بشي‏ء آخر، و بوجود ذلك الشي‏ء الآخر، سوف تندفع الشبهة المذكورة، سواء كان لسان دليل الحجيّة جعل الطريقية أو الأمر بالاحتياط، و إن كان ذاك الشي‏ء الآخر غير موجود، فلا ينفع في دفع الشبهة مسألة جعل الطريقيّة.

فالصحيح في العلاج هو أن يقال: انّه لو تنزلنا عن إنكار قاعدة قبح العقاب بلا بيان و سلّمنا بها، فلا بدّ و أن لا نسلّم بها على إطلاقها، بل نلتزم بأنّها مخصوصة ببعض الموارد- كما في مورد الحكم المشكوك- دون بعض.

و توضيحه: هو أنّ التكاليف الواقعيّة المشكوكة على قسمين.

1- القسم الأول: تكليف مشكوك لا يعلم بثبوته، و لكن يعلم أنّه لو كان ثابتا فهو في غاية الأهمية و لا يرضى المولى بتفويته، من قبيل أن يفرض انّ هذا المكلّف لا يعلم أنّ المولى في حالة غرق، فأصل التكليف بالإنقاذ موجود، و هو تكليف شديد الأهمية جدا، بحيث أنّ المولى لا يرضى بتفويته.

ففي هذا القسم يوجد شكّ، و علم، فالشكّ في القضية الفعلية،

195

و أنّه هل هناك خطاب أنقذ المولى أم لا؟ و علم بقضية شرطية، و هي، أنّه لو كان يوجد خطاب أنقذ، و كان المولى يغرق، إذن، فهذا الخطاب في غاية الأهمية حتّى عن الشاكّ.

2- القسم الثاني: من التكاليف المشكوكة، ما كان فيه شكّان، شكّ في الخطاب الفعلي، و شكّ حتّى في القضية الشرطية، من قبيل أن يشكّ في أنّه هل هناك نفس محترمة تغرق أم لا؟ و على فرض وجودها، هو يشكّ في أنّ اهتمام المولى بذلك، هل هو بنحو لا يرضى المولى بتفويته حتّى في الشاكّ أم لا؟

فالشكّ في القسم الأول، موجود في الثاني، و المعلوم في الأول، مشكوك في الثاني.

و حينئذ، لو بنينا على أنّ قاعدة القبح ثابتة، فعلى الأقل تكون ثابتة في القسم الثاني دون الأول.

و دعوى جريانها في الأول خلاف البداهة، فإنّها لا تجري في أحكام الموالي العرفية، كما في مثالنا، فضلا عن أحكام المولى الحقيقي، و الإمارة الّتي تدلّ على التكليف ببركة دليل حجيّتها، تخرج هذا التكليف المشكوك من القسم الثاني، و تدخله في الأول، فتوجب علما بأنّ هذا التكليف المشكوك على تقدير ثبوته فهو ممّا لا يرضى المولى بتفويته حتّى في الشاكّ، فتوجب العلم بالقضية الشرطيّة، لا القضية الفعلية، فهذا يخرج عن موضوع قاعدة القبح.

و أمّا إخراج دليل الحجيّة، التكليف المشكوك، عن الثاني، و إدخاله في الأول، بمعنى، أنّه كيف يوجد علما بالقضية الشرطيّة؟، فهذا له بيانان.

1- البيان الأول: هو أن يقال: انّه ذكرنا انّه بناء على التمسك‏

196

بقاعدة القبح، حينئذ، يتوقف رفع الشبهة على أن ندعي تخصيصا في هذه القاعدة، و أنّها لا تشمل موارد العلم بالقضية الشرطية.

و حينئذ الإمارة و أيّ خطاب ظاهري في باب الإمارات و الأصول، و إن كان لا يوجب زوال الشكّ في التكليف الواقعي، و لكن يوجب زوال الشكّ في القضية الشرطية، و يبدله إلى العلم بها.

و بهذا يكون واردا على قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

و أمّا كيفيّة كون الحكم الظاهري موجبا للعلم بالقضية الشرطية، فقد يقرّب ببرهان الإن، بأن يقال: انّ الخطاب الظاهري الإلزامي يكشف عن اهتمام الشارع بالحكم الواقعي المشكوك، بحيث لا يرضى بتفويته، على فرض وجوده حتّى من الشاكّ، فيكشف عن هذه المرتبة من الاهتمام، من باب كشف المعلول عن العلّة، لأنّه هو معلول لهذا الاهتمام فيكشف عنه لا محالة.

إلّا أنّ هذا البيان غير تام: و ذلك لأنّ هذا الكشف الإنّي دوري، لأنّ كشف الخطاب الظاهري عن تلك المرتبة من الاهتمام بالكشف الإنّي هو فرع أن يكون معلولا لتلك المرتبة، لأنّ الكشف الإنّي ينشأ من المعلول لا غيره، و كونه معلولا لتلك المرتبة من الاهتمام فرع أن يكون كاشفا، إذ لو لم يكن كاشفا لم ينشأ من الاهتمام حينئذ، فإنّ تلك المرتبة من الاهتمام إنّما تكون علّة للخطاب الظاهري الّذي ينجز الواقع، و هذا الخطاب لا ينجز الواقع إلّا إذا كان كاشفا عن هذه المرتبة، إذن، فمعلوليته فرع كاشفيته، و كاشفيته تكون فرع معلوليته إذن، و الصحيح في تقريب هذه الكاشفية أن يقال: انّ هذه الكاشفية من باب الأدلة اللفظية للحجيّة، فهذه الكاشفية كاشفية عرفية، فإنّ قوله (عليه السّلام) «صدّق العادل»، أو قوله: «أخوك دينك فاحتط لدينك»، له مدلول تصديقي عرفي واضح، و هذا المدلول التصديقي الواضح هو، «إنّي» يهتم بالواقعيات المشكوكة،

197

و حينئذ، فكاشفية الخطاب الظاهري المتكفل للحجيّة- بألسنتها المختلفة- عن تلك المرتبة من الاهتمام، إذن فهذه ليست كاشفية «إنّيّة»، من باب كشف المعلول عن العلّة، بل كشف عرفي تصديقي.

2- البيان الثاني: هو أن يقال: انّه في الأدلة اللبية للحجيّة، من قبيل الحجيّة الثابتة بالسيرة العقلائية فالأمر فيها أوضح، فإنّ روح السيرة العقلائية هذه عبارة أخرى، عن أنّ المولى العقلائي لا يرضى بتفويت أغراضه الواقعية المشكوكة و الّتي على طبقها خبر الثقة، فإذا قطعنا بالإمضاء، كان معناه القطع بأنّ الشارع كالمولى العقلائي من حيث الاهتمام بأغراضه الواقعية، و عدم رضاه بتفويتها من قبل الشاكّ مع وجود خبر ثقة عليها.

و بما بيّناه، اتضح أنّ جوهر الموقف من دفع الشبهة، إنّما هو بمقدار ما يبرزه ذلك الخطاب الظاهري من تلك المرتبة من الاهتمام، بحيث أنّه أوجد علما بالقضية الشرطية، إذن، فهو ينجز الواقع المشكوك، لأنّه يخرج المورد عن موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان مهما كان لسانه الإنشائي، سواء كان لسان الأمر، «كصدق العادل»، أو لسان تنزيل شي‏ء آخر بمنزلة الواقع كما في قوله (عليه السّلام)، «ما أدّيا إليك فعنّي يؤدّيان»، أو كان لسانه لسان إلغاء الشكّ، و جعل الطريقية، كما لو قال المعصوم: «لا ينبغي التشكيك فيما يروي عنا ثقاتنا»، أو لسان جعل التنجيز، أو أيّ لسان آخر، فهذه كلّها تغني في مقام التعبير و ليس لأحدها دخل في روح المطلب، بل روحه الّذي به يتنجز الواقع إنّما هو؛ بمقدار ما أبرزه هذا الخطاب من تلك المرتبة، و ما أوجده من علم وجداني بالاهتمام.

أمّا سنخ المجعول فلا دخل له، فإن كشفت تلك المرتبة من الاهتمام بالإمارة، فهذا المكشوف منجز، و إلّا، فالإشكال وارد على كلّ‏

198

حال، حتّى لو كان لسانه لسان جعل الطريقيّة، فإنّ مجرد كون لسان علما، لا يغير من واقع قاعدة قبح العقاب بلا بيان شيئا، و لهذا قلنا أنّه لا بدّ من اكتشاف نكتة ثبوتية في باب الإمارات.

و الخلاصة هي أنّه لا إشكال في كون الخطاب الظاهري المنجز دالا على أنّ التكليف المشكوك الّذي يعلم أنّه على تقدير ثبوته، يعلم أنّ المولى لا يرضى بتفويته، فهنا، العقل لا يحكم بقبح العقاب، بل يحكم بالعقاب على تقدير التفويت، لأنّ موضوع قاعدة القبح ارتفع هنا لا محالة.

و إنّما الكلام في وجه دلالة الخطاب الظاهري المنجز على عدم جواز تفويت الحكم الشرعي المشكوك على تقدير ثبوته.

و قد قربت هذه الدلالة تارة بطريق الإن، و ذلك بأن يدّعى، بأنّ دليل الحكم الظاهري الإلزامي يكشف عن اهتمام الشارع بالحكم الواقعي المشكوك، فيكون الحكم الظاهر معلولا لهذه المرتبة من الاهتمام.

إلّا أنّ هذا غير تام، بحسب الفرض حيث لا يعقل دفع محذور التضاد به إلّا بعد افتراض كون الحكم الظاهري ناشئا عن ملاك التحفظ على الواقع و الاهتمام به، فيعلم حينئذ، من ذلك، الحكم الواقعي المشكوك، على تقدير وجوده في مورد الحكم الظاهر، و حينئذ يرتفع بالعلم بهذه القضية الشرطية موضوع قاعدة القبح.

و لكن هذا الكشف الإنّي دوري، لأنّ كون الخطاب الظاهري معلول لتلك المرتبة من الاهتمام، فرع أن يكون كاشفا، لأنّ تلك المرتبة من الاهتمام، إنّما تكون علّة للخطاب الّذي ينجز الواقع، و هذا الخطاب لا ينجز الواقع إلّا إذا كان كاشفا عن هذه المرتبة، فمعلوليته فرع كاشفيته، و كاشفيته تكون فرع معلوليته، إذن فمجرد كون لسان، لسان‏

199

جعل الطريقيّة، و كونه علما لا يغير من واقع قاعدة قبح العقاب بلا بيان شيئا، و لهذا قلنا: إنّه لا بدّ من اكتشاف نكتة ثبوتية في باب الإمارات و الأصول تدفع على أساسها المشكلة.

و قد عرفت انّ هذه الكاشفية من باب الأدلة اللفظية للحجيّة، فهي كاشفية إنّيّة عرفيّة تصديقيّة، و ليست كاشفية إنّية عقليّة، من باب كشف المعلول عن علّته، بل كشف عرفي تصديقي.

و كذلك يقال في الأدلة اللبيّة للحجيّة، فإنّ روحها عبارة أخرى عن عدم رضى المولى بتفويت أغراضه المشكوكة الّتي على طبقها خبر الثقة، حيث أنّنا إذا قطعنا بالإمضاء كان معناه القطع بأنّ الشارع كالمولى العقلائي يهتم بأغراضه الواقعية و لا يرضى بتفويتها من الشاكّ مع وجود خبر ثقة عليها.

و الحاصل هو أنّه: على ضوء ذلك، يتضح جوهر الموقف من دفع الشبهة، إذ بمقدار ما يبرزه الخطاب الظاهري من تلك المرتبة من الاهتمام، يوجد علما بالقضية الشرطية، و حينئذ، هو ينجز الواقع المشكوك لأنّه يخرج المورد عن موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان مهما كان لسانه الإنشائي، سواء كان لسان الأمر، أو لسان تنزيل شي‏ء آخر بمنزلة الواقع، أو كان لسانه، لسان إلغاء الشكّ و جعل الطريقيّة، كما لو قال: «لا ينبغي التشكيك فيما يروي عنا ثقاتنا»، أو لسان جعل التنجيز، أو أيّ لسان آخر، فهذه كلّها تفنّنات في مقام التعبير لا دخل لها في روح المطلب، و إنّما روحه الّذي به يتنجز الواقع إنّما هو بمقدار ما أبرزه هذا الخطاب من مراتب الاهتمام و ما أوجده من علم وجداني بالاهتمام.

و الحاصل: هو أنّ الخطاب الظاهري، إنّما يكون موجبا للعلم بالقضية الشرطية عن طريق دلالة عرفية تصديقية، لا إنّيّة عقليّة، و ذلك بدعوى أنّ المستظهر من أدلة الأحكام الظاهرية اللفظية، إنّما هو بمقدار

200

ما تبرزه هذه الخطابات من مراتب اهتمام الشارع بأغراضه و ملاكاته الواقعية، و ما توجده من علم وجداني بهذه الأغراض و الملاكات و إن اختلفت ألسنتها، من جعل الطريقية أو المنجزية أو التنزيل أو غير ذلك، فإنّ ذلك كله ينجز الواقع المشكوك و يخرجه عن موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

و هذا هو نفسه، النكتة العقلائية من وراء جعل الحجيّة العقلائية للأدلة اللبية الّتي ليس فيها خطاب، عند ما تكون ممضاة من قبل الشارع بخبر على طبقها، كما في السيرة العقلائية و غيرها، و إنّما اختلاف ألسنة هذه الخطابات في جميع موارد الحكم المشكوك و السيرة مثلا، إن هي إلّا تفنّنات في التعبير لا دخل لها في حلّ المشكلة.

و يظهر من بعض كلمات المحقّق العراقي (قده) (1) في بعض الموارد، محاولة الجواب على هذه الشبهة، مع الإصرار على التمسك بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، و أحسن ما يقرّب به كلامه هو أن يقال:

إنّ الخطاب الظاهري في موارد الإمارة أو الأصل المعلوم وجدانا، أمره مردّد، بين أن يكون مطابقا للواقع، أو لا يكون مطابقا، فإن كان مطابقا للواقع، فهذا الخطاب الظاهري هو نفسه حكم واقعي منجز، لأنّنا لا نريد بالخطاب الواقعي المنجز عقلا إلّا الخطاب الّذي وراءه مبادئ حقيقية و ملاكات.

و إن كانت الإمارة غير مطابقة للواقع بل كانت خطابا ظاهريا فارغا، إذن هذا الخطاب ليس وراءه شي‏ء من الملاكات و المبادئ، و حينئذ، يكون هذا حكما صوريا لا واقعيا، و بما انّ أصل هذا الخطاب الظاهري معلوم لنا وجدانا، حينئذ، إذا ضممنا هذين الأمرين، و هو إنّا

____________

(1) مقالات الأصول: العراقي، ج 2، ص 18.

201

نعلم وجدانا بالخطاب الظاهري- و لعلّه هو الخطاب الواقعي- إذن، فمعناه أنّه على أحد التقديرين- و هو تقدير مطابقة الخطاب للواقع- نكون عالمين بالحكم الواقعي، و حينئذ يكون المقام شبهة مصداقية لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، و معه لا يصحّ التمسك بها لكوننا نحتمل البيان و العلم بالحكم الواقعي.

و لكن هذا غير تام، و جوابه الصحيح هو أن يقال: بأنّه لو سلّمنا أنّ الخطاب الظاهري على أحد التقديرين واقعيا، لكن ليس معناه، أنّه على أحد التقديرين عالمون بالحكم الواقعي، بل نحن عالمون بجامع الخطاب المردّد بين كونه واقعيا، و كونه صوريا، فعلى تقدير كونه واقعيا، فنحن عالمون بذاته و جامعيته لا بواقعيته، و هذا الجامع لا يتنجز بالعلم، لأنّ الخطاب الواقعي هو الّذي يقبل التنجيز، بينما الصوري لا يقبله، فالعلم بالجامع بينهما لا يقبل التنجيز إذن، لأنّ العلم بالجامع بين ما يتنجز و ما لا يتنجز ليس بمنجز.

و الخلاصة هي: إنّ ما هو موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان إنّما هو كونه واقعيا، و من دون العلم بذلك يقبح العقاب بلا بيان.

إذن لا بدّ في مقام دفع هذه الشبهة من أن ننكر قاعدة قبح العقاب بلا بيان رأسا، و إمّا أن نقول بالتفصيل كما عرفت.

هذا تمام الكلام في قيام الإمارات و الأصول مقام القطع الطريقي.

و قد اتضح من مجموع ما ذكرناه عدّة أمور.

1- الأمر الأول: هو أنّ صاحب الكفاية (قده) (1). في بحث الجمع بين الأحكام الواقعية و الظاهرية، اختار مسلكا في تصوير جعل الحجيّة في باب الإمارات و الأصول، حيث ذكر أنّ أدلة الحجيّة مفادها

____________

(1) كفاية الأصول: الخراساني، ج 2، ص 44.

202

المجعول هو المنجزية و المعذرية، و ليس مفادها إنشاء أحكام تكليفيّة، فمثلا، مرجع جعل الحجيّة للخبر الواحد هو جعله منجزا.

و قد اعترض عليه الميرزا النائيني (قده) (1) بأنّه لا يعقل أن يكون مفاد دليل الحجيّة هو جعل المنجزية للخبر الواحد، لأنّه، إن أريد بالمنجزيّة واقع المنجزيّة الّذي هو عبارة عن حكم العقل باستحقاق العقاب، فهذا حكم عقلي لا يعقل جعله من قبل الشارع، و إن أريد عنوان المنجزيّة و مفهومها، بمعنى أنّ المولى ينشئ هذا المفهوم و هذا العنوان، فهذا الإنشاء أمر تحت القدرة لكل منشئ، لكن هذا لا يعقل أن يكون مستتبعا للمنجزية حقيقة، لأنّ ذلك على خلاف قاعدة قبح العقاب بلا بيان، لأنّ مجرد إنشاء المنجزيّة عنوانا لخبر الثقة، لا يبدّل اللّابيان بالبيان، و اللّاعلم بالعلم.

إذن، فموضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، ثابت، فلا يكون لجعل المنجزية أثره و قدرته على تنجيز الواقع المشكوك حقيقة، لأنّ هذا على خلاف قاعدة القبح.

و ممّا ذكرناه، يتضح لك، انّ اعتراض الميرزا (قده) غير تام، بل هو جري على التعامل مع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، كدليل من قبيل الأدلة اللفظية، بحيث لا يمكن رفع اليد عنها إلّا بتبديل موضوعها من اللّابيان إلى البيان، و عنوان البيان مساوق للعلم، و لا علم بمجرد إنشاء المنجزية.

و قد عرفت انّ هذا التصور يقام على أساس غير تام، و ذلك انّنا أوضحنا فيما تقدّم، أنّ تنجيز الإمارة للواقع المشكوك بلحاظ جعل الحجيّة لها، إنّما هو عبارة عن قيام الإمارة مقام القطع الطريقي، و روح‏

____________

(1) فوائد الأصول: الميرزا، ج 2، ص 32- 33- 34- 36- 37- 38.

أجود التقريرات: الخوئي، ج 2، ص 75، 76.

203

هذا و ملاكه هو أنّ الخطاب الظاهري يكشف عن درجة اهتمام المولى بالواقع المشكوك- خطابه الواقعي- على فرض وجوده، بحيث يوجب العلم بالقضية الشرطية، «و هي أنّه لو كان هناك وجوب، فالمولى مهتم به جزما» و هذا العلم بالقضية الشرطية، هو الّذي يخرج مورد الإمارة الحجّة عن موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، لأنّ موردها هو عدم البيان و العلم بهذه القضية الشرطية، و حينئذ، لا فرق في مقام إبراز هذه القضية الشرطية، بين أن يبرزها بلسان: إنّي جعلت خبر الثقة منجزا، أو بلسان:

إنّي آمركم بالعمل بخبر الثقة، أو بلسان: إنّ خبر الثقة علم، أو بأيّ لسان آخر، فهذه التعابير كلّها وافية بحسب لسانها العرفي في الكشف عن الشرطية، و الّتي يكون الكشف عنها هو الملاك المنجز للواقع المشكوك.

و عليه: ففي مقام جواب إشكال الميرزا (قده) على صاحب الكفاية (قده)، نختار الشق الثاني و نقول:

إنّ مراد الآخوند (قده) من جعل المنجزية للإمارة، هو جعل عنوان المنجزية، بمعنى إنشاء هذا العنوان و اعتباره على الإمارة.

فإن قيل: إنّ هذا يخالف قاعدة القبح.

قلنا: إنّه غير مخالف، لأنّ هذا الإنشاء يكشف بظهوره العرفي و يبرز اهتمام المولى بالواقع المشكوك، لو كان موجودا، فإنّ هذا لسان عرفي في مقام كشف ذلك، و حينئذ، يوجد علمنا بالقضية الشرطية بلحاظ كشفه العرفي، فإذا أوجب علمنا بالقضية الشرطية، تنجز الواقع و خرج عن موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، لأنّ موضوعها مقيّد بعدم العلم بالقضية الشرطية، و قد صار بعد هذا الكشف بيانا و علما.

ثمّ إنّا نختار ثانيا: الشق الأول، و هو أن يكون المقصود إيجاد

204

واقع المنجزية، و غاية ما تقولون: إنّ واقع المنجزية غير قابل للجعل الشرعي، بل هو أمر واقعي عقلي.

و هذا صحيح، لكن هذا الأمر الواقعي قابل للجعل بالواسطة من قبل الشارع.

و ذلك: بإيجاد ملاكه المشار إليه سابقا، و هو اهتمام المولى و عدم ترخيصه في المخالفة الاحتمالية لغرضه، و هذا هو منشأ المنجزية، و معه، فهو قابل للجعل بالتبع، كما وقع في أدلة الأحكام الواقعية، إذ، فما أكثر ما أفهمت الحرمة الواقعية بلسان بيان العقاب، كما في قولهم (عليهم السّلام)، «من شرب الخمر فعليه كذا و كذا»، فالمنجزية قابلة للإيصال، و ذلك بإيصال منشئها إلى المكلف، فإذا صحّ هذا في الأحكام الواقعية، صحّ في الأحكام الظاهرية.

و بهذا يتضح، انّ مسلك جعل الإمارة منجزة من قبل الشارع، مسلك معقول، واف بقيام الإمارة مقام القطع الطريقي.

2- الأمر الثاني: هو أنّه، بعد أن فرغوا عن استحالة جعل المنجزية للإمارة و أنّه أمر غير معقول، فرّعوا على ذلك، بأنّه إذا أريد في دليل الحجيّة إقامة الإمارة و تنزيلها منزلة القطع الطريقي، فلا يمكن أن يكون ذلك بتنزيل الظن منزلة القطع، لأنّ تنزيل الظن منزلة القطع، معناه: إسراء حكم المنزّل عليه إلى المنزّل. و إذا كان حكم المنزّل عليه في القطع الطريقي هو المنجزية، إذن فتنزيل الظن منزلة معناه: جعل المنجزية، و المفروض أنّهم قد فرغوا في الأمر الأول عن استحالة جعل المنجزية ابتداء، إذن فيحكم هنا بأنّ تنزيل الظن منزلة القطع الطريقي مستحيل أيضا لما عرفت، و من هنا راحوا يفتشون على أساس آخر يخرّجون عليه قيام الظن و الإمارة منزلة القطع الطريقي.