بحوث في علم الأصول - ج8

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
490 /
205

و التحقيق هو أنّ لسان تنزيل الإمارة منزلة القطع الطريقي، هو أيضا لسان معقول من ألسنة أدلة الحجيّة و جعل الحكم الظاهري، بمعنى أنّه لو ورد في دليل من أدلة الحجيّة، تنزيل الإمارة منزلة القطع الطريقي لكان أمرا معقولا.

و ذلك: إمّا بأن يفرض أنّ تنزيل الإمارة منزلة القطع إنّما هو بلحاظ حيثيّة شدة اهتمام المولى، فيكون التنزيل بمثابة جملة خبرية، مرجعها إلى إخبار المولى عن أنّه، كما أنّه شديد الاهتمام في موارد التكاليف المعلومة، و لا يرضى بتفويتها، فكذلك هو شديد الاهتمام في موارد التكاليف المظنونة بالظن الخبري و لا يرضى بتفويتها أيضا.

و إمّا أن يكون تنزيلا للإمارة، منزلة العلم في المنجزية، بناء على ما قلناه من إمكان جعل المنجزية تبعا، و تسبيبا، باعتبار أنّ المنجزية الواقعية تحت سلطان المولى بتبع منشئها، فيكون التنزيل بلحاظ واقع المنجزية.

و يمكن أن يكون التنزيل بمعنى إسراء المنجزية عنوانا من المنزّل عليه إلى المنزّل، بمعنى إنشاء نفس التنزيل، أي إنشاء كون هذا بمنزلة ذاك، فإنّ هذا أيضا لسان من ألسنة إبداء ذلك الاهتمام الّذي هو ملاك تنجيز الواقع بالإمارة، فكل هذه الأنحاء و الصياغات معقولة في نفسها، و تؤدّي غرضا ثبوتيا واحدا.

3- الأمر الثالث: هو أنّهم بعد أن فرغوا، عن أنّ جعل المنجزية للإمارة ابتداء غير معقول، و فرّعوا عليه، أنّ تنزيل الظن منزلة العلم ليس من ألسنة أدلة الحجيّة، أي أنّه لا يفي بتنجّز الواقع، و بإقامة الإمارة مقام القطع الطريقي، حينئذ انقسموا إلى فريقين اعتمد كل فريق أساسا لتخريج قيام الإمارة مقام العلم.

فذهب الفريق الأول إلى اعتماد أساس الطريقية، كما هو عليه‏

206

مدرسة الميرزا (قده) (1)، من أنّ المجعول في الإمارات إنّما هو الطريقية و اعتبار الإمارة علما، من دون جعل المنجزية و التنزيل و الإسراء.

و الفرق عندهم بين جعل المنجزية، و جعل الطريقية، هو أنّ جعل المنجزية كما يتخيّلون يصادم قاعدة القبح، حيث معها لا يوجد بيان، بينما على مسلك جعل الطريقيّة كما يتخيّلون لا يردّ الإشكال، لأنّ المنزل فيها يصبح علما، فيكون بيانا، فيرتفع بذلك موضوع قاعدة القبح، فالإمارة تكون منجزة للواقع بجعل الطريقية و الكاشفية، لا بالمنجزية لها ابتداء، بل بجعل الطريقية يترتب عليه المنجزية، و لهذا حوّلوا تنزيل الظن منزلة القطع إلى اعتبار الظن قطعا، و أنّ العملية ليست عملية تنزيل، و إلّا لكان مرجعه إلى إسراء حكمه له، و حكم العلم هو المنجزية، فيلزم جعل المنجزية، و هو غير معقول.

و إنّما العملية هي عملية اعتبار الظن علما، إذ بمجرد اعتباره علما يرتفع موضوع قاعدة القبح، و حينئذ، كأنّهم بهذا تخلّصوا من الإشكال.

و قد اتضح بما ذكرناه سابقا انّ هذا المسلك غير تام، لأنّ لسان «جعلت الظن علما» لا ينفع شيئا حتّى يتميز عن بقية الألسنة، لأنّ هذا اللّسان إن كان يكشف كشفا عرفيا عن درجة اهتمام المولى بالواقع المشكوك، إذن فهذا هو وحده ملاك رفع موضوع قاعدة القبح، سواء أنشئ بعنوان العلم، أو عنوان التنجيز أو أيّ شي‏ء آخر، و إن فرض انّ هذا اللّسان لم يكشف عن ذلك، بل علمنا أنّ المولى حينما قال «جعلت الظن علما» من دون أن يكون هذا الجعل ناشئا من شدّة اهتمامه، بل مجرد اعتبار فقط لرؤيا قد رآها في منامه، فمثل هذا الاعتبار، وجوده و عدمه سواء.

إذن فمسلك جعل الطريقية لا يتميّز عن بقيّة المسالك بأية ميزة

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي، ج 2 طبعة حديثة، ص 108.

207

بحسب الحقيقة كما يتخيّل، لأنّه ليس محقّقا لنكتة التنجيز، نعم هو من أحسن ألسنة التنجيز.

و أمّا الفريق الثاني: فهو بعد أن بنى على استحالة جعل المنجزية، و استحالة تنزيل الظن منزلة القطع الطريقي، ذهب إلى أنّ التنزيل إنّما هو للمظنون منزلة المقطوع، أي لمؤدى الإمارة منزلة المقطوع كما ذهبت إليه مدرسة الشيخ الأنصاري (قده) (1)، لأنّ القطع الطريقي ليس له حكم شرعي لكي يسري بالتنزيل إلى الظن، و هذا غير المقطوع و المظنون، فإنّ المقطوع إمّا حكم شرعي، أو موضوع له أثر شرعي، فينزل منزلته حينئذ و يكون قابلا للإسراء الشرعي، و إذا نزل فيتخير التكليف الواقعي.

إلّا أنّ هذا التخريج لم يوضح وجها في انه كيف يكون هذا التنزيل رافعا لموضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

و على كلّ حال، فقد ظهر ممّا تقدّم، انّ جعل الحجيّة للإمارة، و جعل المنجزية، لا ينحصر أمره بلسان تنزيل المظنون منزلة المقطوع، بل يمكن أن يكون بتنزيل الظن منزلة القطع أيضا.

و بكلّ ما تقدّم، يتهيأ ذهننا لتقبّل المطالب القادمة.

3- الجهة الثالثة: في قيام الإمارات مقام القطع الموضوعي المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية الكاشفية:

و هنا: وقع البحث في إمكانه ثبوتا كما وقع ثبوتيا في الجهة الثانية، لكن هذا البحث الثبوتي الواقع هنا ليس في أصل إمكان قيام الإمارات مقام القطع الموضوعي من جهة إمكان التنزيل هنا شرعا كما كان هناك، فإنّه هنا لا يقال: كيف يكون غير العلم قائما مقام العلم‏

____________

(1) فرائد الأصول: الأنصاري، ص 40- 42- 43- 45- 46.

208

الموضوعي، فإنّ أثر العلم الموضوعي هنا، موضوع لحكم شرعي بحسب الفرض، فلا محذور أن يقيم الشارع شيئا آخر مقام موضوع حكمه، و من هنا لم يقع إشكال في أصل قيام الإمارات مقام القطع الموضوعي الطريقي، كما أنّه لا إشكال في أنّه يمكن إيصال ذلك بدليل مستقل غير دليل الحجيّة الّذي هو دليل قيام الإمارات مقام القطع الطريقي، بمعنى أنّ الشارع لو استعمل دليلين، أحدهما لإثبات قيام الإمارات مقام القطع الطريقي،- و هي المسألة المتقدّمة- و ثانيهما استعمل دليلا لإقامة الإمارات مقام القطع الموضوعي، فلو فعل ذلك، أيضا لا إشكال في إمكان ذلك، و إنّما الإشكال الثبوتي وقع في أنّه هل يمكن أن يكون دليل واحد وافيا بكلا المطلبين، حيث يمكن بدليل واحد،- و هو دليل الحجيّة- أن يكون وافيا بقيام الإمارة مقام القطع الطريقي و القطع الموضوعي معا أيضا؟ هذا، و كأنّهم اقتصروا على بحث المرحلة الثبوتية دون مرحلة الإثبات لمعرفة أنّ أدلة الحجيّة هل تفي بإثبات ذلك التنزيل أم لا؟.

و كأنّ الشّيخ الأنصاري (قده) (1)، و الميرزا (قده) يبنون على إمكان ذلك.

و أمّا صاحب الكفاية (قده) فقد استشكل في إمكانه، و هذا هو البحث الثبوتي.

و حاصل برهان الآخوند (قده) (2) على الاستحالة هو، أنّ قيام الإمارة مقام القطع الطريقي أو الموضوعي مرجعه إلى عملية تنزيل، و هذه العملية لها إحدى صيغتين.

____________

(1) المصدر السابق.

(2) كفاية الأصول: الخراساني، ج 2، ص 20- 21- 22.

209

1- الصيغة الأولى: هي تنزيل المظنون، منزلة الواقع المقطوع.

2- الصيغة الثانية: هي تنزيل نفس الظن منزلة القطع.

أمّا الصيغة الأولى: فهي إذا صدرت و وقعت في دليل، فهي تنتج قيام الإمارة مقام القطع الطريقي، لأنّ تنزيل المظنون منزلة المقطوع.

معناه: جعل الحكم على طبق مؤدّي الإمارة، و هذا مرجعه إلى قيامها مقام القطع الطريقي، و لا يوجب ذلك قيام الإمارة مقام القطع الموضوعي، لأنّ المنزّل عليه هنا ليس هو القطع، و إنّما هو المقطوع، و لا يترتب عليه إلّا أحكام المقطوع، إذن، فما يكون للقطع الموضوع من آثار و أحكام لا يترتب على الإمارة بتنزيل المظنون منزلة المقطوع.

و أمّا الصيغة الثانية: و هي تنزيل نفس الظن منزلة القطع، فهنا، المنزّل هو الظن، و المنزّل عليه هو القطع، و الظن و القطع باعتبارهما حالتين مرآتيتين، فهما تارة تلحظان باللحاظ الاستقلالي، بما هما صفتان، و أخرى، تلحظان باللحاظ الآلي المرآتي، أي، يلحظ الظن بما هو مرآة للمظنون، و القطع بما هو مرآة للمقطوع، فإذا فرض إن كان القطع و الظن في عملية التنزيل هذه ملحوظين باللحاظ الاستقلالي، فهذا معناه قيام الإمارة مقام القطع الموضوعي فيما للقطع من أحكام، لكن ذلك لا يوجب قيام الإمارة مقام القطع الطريقي لما بيّنوه في أبحاثهم السابقة، من أنّ قيام الإمارة مقام القطع الطريقي لا يكون بتنزيل نفس الظن منزلة القطع، لأنّ القطع الطريقي حكمه المنجزية، و المنجزية حكم عقلي، و لا يمكن إسراؤه بالتنزيل، فإذا كان التنزيل تنزيلا للظن الأمارتي منزلة القطع بما هو قطع انحصر أثر هذا التنزيل في إسراء ما للقطع من آثار شرعية و أحكام مترتبة عليه من المنجزية، فلا تسري بالتنزيل كما عرفت.

و أمّا إذا كان القطع و الظن ملحوظين باللحاظ الآلي، رجع حقيقة

210

تنزيل الظن منزلة القطع إلى تنزيل المظنون منزلة المقطوع، لأنّ الظن لوحظ آلة للمظنون، و القطع آلة للمقطوع، إذن رجع هذا اللحاظ إلى الصيغة الأولى الّتي تنتج قيام الإمارة مقام القطع الطريقي لا الموضوعي، و عليه: فلا توجد صيغة وافية بكلا الأمرين.

و هنا قد يتخيّل إنّا نختار الصيغة الثانية، و هي تنزيل نفس الظن منزلة القطع و نقول: إنّه جمع بين اللحاظين الآلي و الاستقلالي لكي ننجز كلا المطلبين.

و لكنّ هذا مستحيل، و ذلك لاستحالة اجتماع لحاظين متباينين على شي‏ء واحد.

ثمّ إنّ صاحب الكفاية استدرك بعد ذلك فقال: نعم إنّه لو كان هناك ما بمفهومه‏ (1) يكون جامعا بينهما لأمكن ذلك، و لكن ليس.

و قد يتخيّل أن يكون مقصوده من «مفهوم جامع»، أي مفهوم جامع بين اللحاظ الآلي و الاستقلالي.

لكن ليس هذا مقصوده، إذ من الواضح أنّ الجامع بين هذين اللحاظين إنّما هو الجامع المفهومي بينهما، و هو موجود، و هو نفس مفهوم اللحاظ، لكن هذا الجامع المفهومي ليس لحاظا بالحمل الشائع، و إنّما هو مفهوم من المفاهيم الّتي يتعلق بها اللحاظ، فلا يفي حينئذ بتنقيح دليل الحجيّة، لأنّ دليل الحجيّة و التنزيل يحتاج إلى لحاظ بالحمل الشائع، بل الظاهر هو أنّ مقصوده من قوله «مفهوم جامع»، يعني ما بمفهومه يعم الظن و المظنون و القطع و المقطوع، أو قل: يعني مفهوم له مصداقان، أحدهما الظن، و الآخر، المظنون، و كذلك للقطع و المقطوع،

____________

(1) كفاية الأصول: الخراساني، ج 2، ص 21.

211

حيث يقال حينئذ بعبارة واحدة، «نزّلت هذا بمنزلة ذلك»، فيكون تنزيل كلّي ينحل إلى تنزيلين، تنزيل الظن منزلة القطع، و المظنون منزلة المقطوع، لأنّ المفهوم المنزل له فردان، و المنزل عليه له فردان، فينحل هذا التنزيل إلى تنزيلين.

ثمّ قال (قده) (1): إنّ هذا غير موجود، إذ لا جامع من هذا القبيل.

إذن: فهذا التصوير غير تام، و بهذا يتبرهن استحالة وفاء لسان واحد و مفاد فارد على إقامة الامارة مقام القطع الطريقي و الموضوعي معا.

و بعد أن عرفت برهان استحالة قيام الامارة مقام القطع الطريقي و الموضوعي معا، ينبغي أن يعلم، إنّ هذا الإشكال الثبوتي في قيام الامارة مقام القطع الموضوعي بهذا النحو، إنّما هو فيما إذا لم نستظهر- من الدليل الّذي يرتب الحكم على القطع- انّ القطع قد أخذ في الموضوع بما هو حجّة، بلا دخل الكاشفية التامة في ذلك.

فإذا استظهرنا من دليل ترتب الحكم على القطع، انّ القطع لم يؤخذ باعتبار كاشفيته التامة و طريقيّته الّتي لا يبقى معها احتمال الخلاف، بل أخذ في الموضوع بما هو حجّة و منجز و معذّر، فإذا استظهرنا ذلك من دليل الحكم المترتب على القطع، فلا إشكال حينئذ في قيام الامارة مقام القطع الموضوعي- بنفس دليل تنزيلها- منزلة القطع الطريقي، بلا حاجة إلى جعل تنزيل آخر، لتصل النوبة إلى البحث عن انّ هذين التنزيلين هل يمكن إفادتهما بصيغة واحدة أو لا، بل من الواضح حينئذ أنّ تنزيل الامارة منزلة القطع الطريقي وحده يحقّق فردا

____________

(1) المصدر السابق.

212

حقيقيا من موضوع دليل ذلك الحكم الّذي رتب على القطع، و حينئذ يكون دليل حجيّة الامارة واردا عليه.

و عليه: فموضوع إشكال الآخوند (قده) في الإمكان هو الفرض الأول، أي أنّ مورد إشكاله هو ما إذا كان دليل الحكم الموضوعي قد أخذ القطع بما هو قطع، موضوعا للحكم، لا القطع بما هو حجّة، لكي نحتاج إلى حكومة و تنزيل.

ثمّ انّ برهان الآخوند (قده) (1) قد اعترض عليه الميرزا (قده) (2)، كما أنّ الآخوند (قده) (3) نفسه سجّل موقفا خاصا من هذا البرهان.

و قبل ذكر كلا الموقفين للميرزا (قده)، و الآخوند (قده)، نذكر موقفنا الإجمالي من هذا البرهان.

و موقفنا هذا يتكوّن من عدّة نقاط، و سوف يتضح موقفنا أكثر من خلال تعرّضنا لكل من موقف الميرزا (قده)، و الآخوند (قده).

1- النقطة الأولى: هي انّ هذا الاستشكال و الاتجاه في البحث ليس صحيحا من الأساس، لأنّ هذا الاستشكال يفترض بأنّا نتعامل مع دليل لفظي من أدلة الحجيّة، و نريد أن نمتحن قدرة هذا الدليل ذو المضمون و المفاد الواحد حيث يقال: بأنّ هذا الدليل هل يمكنه أن يفي بالتنزيلين معا أو لا؟ و حينئذ، يستشكل الآخوند (قده) و يجيب: بأنّه إن كان بصيغة تنزيل المظنون منزلة المقطوع فلا يفي لما عرفت، و إن كان بصيغة تنزيل الظن مقام القطع، فإنّه يفي بالأول دون الثاني.

إلّا انّ هذا الكلام غير تام: و ذلك لأنّ أهم الامارات هو خبر

____________

(1) المصدر السابق.

(2) فوائد الأصول: الكاظمي، ج 2، ص 36- 37- 38.

(3) كفاية الأصول: الخراساني، ج 2، ص 21- 22.

213

الثقة و الظهور، و أهمّ دليل على حجيتهما هو السيرة العقلائية، و حينئذ، ينبغي التكلم في انّ هذه السيرة الّتي هي دليل لبّي، هل يستفاد منها إقامة الامارة مقام القطع الطريقي فقط، أو هو مع القطع الموضوعي؟، و هذا ما سوف تعرفه عند مناقشة الميرزا (قده) للآخوند (قده).

2- النقطة الثانية: و هي أنّه لو تنزلنا و فرضنا أنّا أمام دليل لفظي، فمع هذا، يمكن أن يكون لسان دليل واحد وافيا بكلا التنزيلين، و هو لسان تنزيل الظن منزلة القطع إذا كانا ملحوظين باللحاظ الاستقلالي بناء على مبنى الآخوند (قده)، من أنّ إقامة الامارة مقام القطع الطريقي يمكن أن يكون بجعل المنجزية ابتداء للامارة، فإنّه بناء على ذلك لا مانع من وفاء هذا اللّسان بكلا التنزيلين، فيقال: إنّ الظن مثل القطع في أمرين، أحدهما المنجزية، و بذلك يكون الظن قائما مقام القطع الطريقي، و الثاني، يكون مثله في ترتب الحكم الشرعي بوجوب التصدق مثلا، و هذا معناه: قيام الامارة مقام القطع الموضوعي من دون أن يلزم منه اجتماع لحاظين، و من المعلوم انّ هذا مبنيا على أصولهم الموضوعية.

و يحتمل أن يكون استشكال الآخوند (قده) في الإمكان مبنيا على الأصول الموضوعية لرسائل الشيخ الأنصاري (قده)، حيث افترض فيها أنّ قيام الامارة مقام القطع الطريقي لا يكون إلّا بتنزيل المظنون منزلة المقطوع، و انّ قيامها مقام القطع الموضوعي لا يكون إلّا بإقامة الظن مقام القطع، و حينئذ، فلا يرد إشكال النقطة الثانية على الآخوند (قده).

3- النقطة الثالثة: هي أنّه لو سلّمنا انّ عبارة «تنزيل الظن منزلة القطع» لا تفي بكلا المطلبين، لاستحالة جعل المنجزية، و انّ إقامة الامارة مقام القطع الطريقي إنّما تكون بجعل الحكم لا بجعل المنجزية ابتداء، لكن مع هذا نقول: بأنّه إذا كان البحث ثبوتيا كما هو المفروض، فإنّه يمكن الحصول على عبارة تفي بكلا التنزيلين، و ذلك بأن يقال: بأنّ‏

214

مفاد دليل الحجيّة هو الأمر، بأن أمر من قامت عنده الامارة أن يعمل كما يعمل القاطع، و من المعلوم أنّ القاطع بخمرية مائع له عملان:

أحدهما: عمل من شئون القطع الطريقي، و هو وجوب الاجتناب.

و الثاني: عمل من شئون القطع الموضوعي، و هو وجوب التصدق مثلا، إذا فرض انّ هذا القطع كان موضوعا لذلك، و حينئذ، فإذا أمر من قامت عنده الامارة بأن يعمل عمل القاطع، فبذلك ستقوم الامارة مقام القطع الطريقي و الموضوعي بعبارة واحدة و بلا محذور، فهذه العبارة تنحل إلى أمرين، أحدهما: يتمم الحجيّة و الآخر يتمم الموضوعية، هذا كله إذ أغمضنا النظر عن برهان الآخوند (قده) و عن إشكالاتنا أيضا.

4- النقطة الرابعة: هي أنّ ما ذكره الآخوند (قده) في برهان الاستحالة من أنّ القطع و الظن تارة يلحظان باللحاظ الاستقلالي، و أخرى، يلحظان باللحاظ الآلي، لا معنى له، لأنّ ما ذكره (قده) إنّما يتصور بالنسبة إلى قطع القاطع، و ظنّ الظان، و هذا ليس محلا للكلام، فإنّ محل الكلام هو مفهوم القطع، و مفهوم الظن اللذان يأخذهما الشارع في موضوع حكمه، و هذان المفهومان لا معنى لأن يلحظهما الشارع فانيين في الموضوع، فإنّ مفهوم القطع ليس كاشفا، بل هو كسائر المفاهيم الّتي إن لوحظت فانية فإنّما تلحظ فانية في مصاديقها كأيّ مفهوم آخر، و كذلك مفهوم الظن.

و بعبارة أخرى: الظن و القطع الّذي له حالة المرآتية بحيث يكون تارة، النظر إليه، و أخرى النظر به، إنّما هو قطع القاطع و ظنّ الظان، لا قطع المولى و ظنّه الّذي يأخذه في مفهوم الحجيّة، أي أنّ ما هو ظنّ و قطع بالحمل الشائع هذا هو الّذي يلحظ تارة آلي، و أخرى استقلالي، و أمّا مفهوم القطع الّذي هو قطع بالحمل الأوّلي الّذي يتصوره المولى فهذا لا معنى لأن يفنى في المقطوع، فإنّه إن لوحظ مرآة و فانيا فهو فانيا

215

في مصاديقه، فحينما نقول: النّار محرقة، و الخمر حرام، فالخمر هنا يلحظ فانيا في مصاديقه.

و هنا الأمر كذلك، فإذا قال: القطع يستوجب القطع، فمعناه: هذا القطع و هذا القطع، هذا خلّط بين القطع بالحمل الأوّلي و القطع بالحمل الشائع الصناعي، و هكذا مفهوم الظن.

اللّهمّ، إلّا أن يقال: انّه ليس مقصود الآخوند (قده) من اللحاظ، اللحاظ في مرحلة المدلول التصوري للكلام ليرد ما ذكرنا، بل المقصود من اللحاظ الاستقلالي و الآلي هو القصد الجدّى، و القصد الكنائي، فتارة يطلق الظن و القطع و يراد منهما المظنون و المقطوع كناية، و أخرى يطلقان و يراد بهما نفس الظن و القطع، فيكونان مقصودين جدا، و حينئذ، فإذا نزّل الظن منزلة القطع، و كان المقصود تنزيله منزلته بكلا اللحاظين، فيلزم الجمع بين الكناية و الجدية، في كلام واحد و استعمال واحد، و هو غير جائز، و حينئذ يكون التعبير بالآلية و الاستقلالية مسامحة في المقام، و معه لا يرد إشكالنا في النقطة الرابعة.

هذا إذا حملنا كلام صاحب الكفاية على مرحلة المدلول التصوري لدليل الحجيّة، لأنّ لحاظي الآلية و الاستقلالية من شئون المدلول التصوري للدليل.

و لكن حينما ننقل الإشكال من مرحلة المدلول التصوري، إلى مرحلة المدلول التصديقي، حينئذ يمكن أن يقال: بأنّ الإشكال تام بحسب مقام الإثبات بلا حاجة إلى إدخال عناية مسألة الصراحة و الكناية في المقام.

و إن شئت قلت: إنّ روح هذا الإشكال يمكن تقريبه بما حاصله:

إنّ الدليل الواحد الّذي يكون مفاده- بحسب المدلول التصوري- تنزيل الظن منزلة القطع، إن فرض أنّه كان بصدد إقامة الامارة مقام‏

216

القطع الطريقي التصديقي حقيقة و هو عبارة عن إبراز شدّة اهتمام المولى بالتكليف الواقعي المشكوك، لما قلناه سابقا، من أنّ كل دليل حجيّة لا يكون منجزا أو منشأ للحجيّة إلّا بتوسط كونه ذا مدلول تصديقي، أي أنّه مبرزا لشدّة اهتمام المولى بالتكليف الواقعي المشكوك، فالمدلول التصديقي لدليل الحجيّة هو إبراز ذلك و هو الأول و إن فرض كون مفاده الجعل النفسي و الحكم الواقعي النابع من ملاكات في متعلق الحكم فيكون المدلول التصديقي لدليل إقامة الامارة مقام القطع الموضوعي هو الثاني و هو جعل الحكم الواقعي على طبق الامارة كما كان مجعولا على طبق القطع، و من الواضح أنّ هذين مدلولان تصديقيان متغايران لا يصح عرفا أن يكونا لخطاب و دليل واحد، حيث يكون تنزيل واحد كاشفا عنهما معا كشف تصديقيا جديا، فإنّ هذا أمر غير عرفي، إذ أنّ دليل الجعل الواحد يكشف عرفا عن سنخ مدلول تصديقي واحد أيضا لا عن سنخين.

إذن فالإشكال ليس بلحاظ مرحلة المدلول التصوري، و ليس بلحاظ الجمع بين اللحاظين، الآلي و الاستقلالي، كما أنّه ليس باعتبار الجمع بين الكناية و الصراحة، بل لو فرض أنّهما معا كنائيان أو صريحان، إلّا أنّهما مدلولان تصديقيان متباينان عرفا، و لا معنى لأن نفرض أنّ كلاما واحدا له ذلك، فمثلا: قوله (عليه السّلام) «يعيد»، تارة يكون إخبارا عن الإعادة، و أخرى يكون أمرا بالإعادة، فهذا لا محذور فيه في مرحلة المدلول التصوري، بل المحذور فيه إنّما هو في مرحلة المدلول التصديقي.

و الحاصل: هو أنّ المدلول التصديقي في موارد قيام الامارة مقام القطع الطريقي هو مدلول إخباري، بينما هو في موارد قيامها مقام القطع الموضوعي هو مدلول إنشائي، فالجمع بينهما في خطاب واحد على‏

217

طريقة استعمال اللفظ في الإنشاء و الإخبار بحسب المدلول التصديقي لا التصوري إنّما هو أمر غير عرفي، نظير قوله «يعيد» و هو يريد بذلك، إنشاء الأمر، و الإخبار عن الإعادة.

هذا حتّى و لو كان المدلول التصوري للجمل المشتركة في الإنشاء و الإخبار واحدا كما عرفت ذلك في بحث الوضع.

و كأنّ صاحب الكفاية (قده) (1) كان يشعر بذلك، و من هنا حاول التعبير عن شعوره هذا، لكن بيانه جاء قاصرا لم يتطابق مع واقع شعوره بذلك، فتمسك بما ذكرنا، مع أنّ واقع الإشكال عرفي لا عقلي كما عرفت، فيبقى الدليل قاصرا عن إفادة كلا المطلبين، و هو إشكال إثباتي لا ثبوتي مرجعه إلى مرحلة المدلول التصديقي لا التصوري.

ثمّ إنّ الميرزا (قده) (2) أراد أن يتخلص من برهان صاحب الكفاية على الاستحالة فأفاد، بأنّ دليل الحجيّة إذا كان لسانه أنّ الامارة قطع و علم، فهذا اللّسان واف بكلا المطلبين و ذلك بتنزيل الامارة منزلة القطع الطريقي، من دون لزوم اجتماع اللحاظين، بل اللحاظ استقلالي فقط، حيث يلحظ كلا من القطع و الظن استقلالا و يقال: إنّ هذا هو ذاك، و لكن لا بنحو التنزيل ليلزم الإشكال من ناحية جعل المنجزية، فإنّه لو كان لسانه لسان تنزيل الظن منزلة القطع، لكان مرجعه إلى جعل أحكام القطع للظن، و من جملة أحكام القطع، المنجزية، فيرجع حينئذ إلى جعل المنجزية، و هو محال عند الميرزا (قده)، لأنّه خلاف قاعدة قبح العقاب بلا بيان كما مرّ معنا، و لهذا أدخل تعديلا على هذه العبارة و قال: إنّها بنحو الاعتبار لا التنزيل، أي جعل الظن و اعتباره علما، و هذا هو مبنى جعل الطريقية الّذي تقدّمت الإشارة إليه.

____________

(1) المصدر السابق.

(2) فوائد الأصول: الصفحات السابقة.

218

و هذا المبنى الّذي ذهب إليه الميرزا استفاد منه سابقا في دفع الإشكال الثبوتي على إقامة الامارة مقام القطع الطريقي، بحيث كان يتنافى هناك مع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، حيث أجاب هناك: بأنّ الامارة أصبحت علما، فترفع موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و أصبح اللّابيان بيانا.

و هنا أراد الميرزا (قده) أن يستفيد من هذا المبنى، و هو إمكان الجمع بين التنزيلين بعبارة واحدة، و ذلك لأنّ المولى حينما يعتبر غير العلم علما، حينئذ يترتب عليه أمران: أحدهما، رفع موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و بارتفاع موضوعها، يكون هذا هو معنى إقامة غير العلم مقام القطع الطريقي، و الثاني: هو أنّ الدليل الّذي دلّ على أنّ «معلوم الخمرية يحرم»، يطبقه في محل الكلام، لأنّ هذا معلوم الخمرية بالاعتبار، فيشمله حكمه، من الاجتناب عنه و غير ذلك، و هذا هو معنى قيام الامارة مقام القطع الموضوعي.

و لكن تحقيق الحال في كلام الميرزا (قده)، هو أنّ هذا الاعتبار، و هو اعتبار الظن علما، لو كان يحقّق ورودا- بالمعنى المعروف من الورود في موارد الجمع العرفي- على قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

و على دليل الحكم المترتب على القطع- بمعنى أنّه يرفع موضوع هذا القاعدة حقيقة و ينقح موضوعها- لو كان كذلك، لتم ما أفاده.

و توضيحه: إنّه ذكر في بحث التعادل و التراجيح، انّ الدليل الوارد، هو عبارة عن الدليل الّذي يحقّق موضوع الدليل المورود وجدانا، أو يرفعه بواسطة التعبّد، و في مقابله الدليل الحاكم، و هو الّذي لا يرفع الموضوع للدليل المحكوم و لا يحقّقه كذلك وجدانا، بل بالتعبّد و العناية من قبيل، «الطواف في البيت صلاة»، و حينئذ نقول:

لو كان موضوع قاعدة القبح هو عدم البيان بالمعنى الأعم من‏

219

العلم الحقيقي و الاعتباري، إذن دليل جعل الظن علما يكون واردا على قاعدة القبح، لأنّه بهذا الجعل يصبح الظن علما اعتباريا حقيقة، و المفروض انّ قاعدة القبح أخذ في موضوعها عدم البيان و العلم بكلا قسميه، و العلم و البيان هنا، موجود بالوجود الاعتباري، و هذا معناه:

ورود دليل الحجيّة على قاعدة القبح، إذن هذا ورود من جانب، و إذا فرضنا أنّ دليل القطع الموضوعي القائل «إذا قطعت بخمريّة شي‏ء وجبت إراقته»، فالإراقة هنا مترتبة على القطع بالخمرية، فإذا كان موضوع الدليل هو القطع بالمعنى الأعم من الوجود الحقيقي و الاعتباري، فحينئذ دليل الحجيّة الّذي مفاده جعل الظن علما يكون واردا على دليل القطع الموضوعي، لأنّه يحقّق فردا من موضوعه بالوجدان، و حينئذ، في حالة صحة هذه الافتراضات، سوف يكون دليل الحجيّة- و الّذي مفاده جعل الظن علما- سوف يكون واردا على دليل قاعدة القبح، و وجوب إراقة مقطوع الخمرية، و قد ذكرنا في باب الورود، انّه لا يشترط نظر الدليل الوارد إلى الدليل المورود، لأنّ الوارد يحقّق أو ينفي موضوع الدليل المورود حقيقة، و عليه: فبدون أن ينظر، هو يحقّق موضوع الدليل المورود، و بناء على هذا يتم كلام الميرزا (قده).

إلّا أنّ هذه الافتراضات غير صحيحة، و حينئذ لا يتم كلام الميرزا و لنا في المقام كلامان:

1- الكلام الأول: هو انّ هذه الافتراضات غير صحيحة.

2- الكلام الثاني: هو أنّه بناء على عدم صحة هذه الافتراضات، لا يكون كلامه تاما.

أمّا الكلام الأول: و هو كون افتراضات الورود غير صحيحة لا في جانب قاعدة القبح، و لا في جانب دليل القطع الموضوعي.

أمّا من ناحية قاعدة القبح، فلمّا بيّناه سابقا من أنّ قاعدة القبح لم‏

220

ترد في آية و لا في رواية بلفظ قاعدة القبح، أو قبح العقاب بلا بيان، و إنّما يدّعى أنّها قاعدة عقلية، فلو سلّمنا بذلك، إلّا أنّنا نقول:

إنّ هذه القاعدة إنّما يرتفع موضوعها فيما إذا صدر من المولى إنشاء ناظر إلى التكاليف الواقعية المشكوكة و مبرز لشدّة اهتمام المولى بها، لا مجرد الإنشاء، و حينئذ، بذلك يحصل العلم بالقضية الشرطية، و هي أنّه «لو كان التكليف الواقعي ثابت، فهو مهم عند المولى»، و هذا العلم هو الّذي يوجب رفع موضوع القاعدة، فدليل الحجيّة الّذي مفاده إنشاء الطريقية، و جعل الظن علما، ليس مجرّد إنشائه يكون كافيا لرفع موضوع القاعدة، لأنّ ميزان القبح و عدمه ليس مجرد الإنشاء و الألفاظ، بل الميزان هو، إبراز شدّة الاهتمام بالنحو الّذي عرفت.

إذن فدليل الحجيّة بالنسبة إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وارد، لكن وروده هنا لا يكفي بمجرد إنشاء الطريقية، بل يحتاج لرفع موضوعها إلى عناية نظر إضافي وراء مجرد إنشاء الطريقية، و هو إبراز شدّة اهتمام المولى، و إلّا فبدونه لا يكون رافعا لموضوع قاعدة القبح.

و أمّا بلحاظ دليل القطع الموضوعي، أي دليل وجوب إراقة مقطوع الخمرية، فمن الواضح انّ موضوع هذا الدليل هو القطع، و القطع لا يشمل إلّا أفراده الحقيقية دون العنائية منها، و عليه فمجرد إنشاء كون الظن علما في دليل الحجيّة لا يولّد تكوينا و وجدانا إطلاقا في دليل وجوب الإراقة، لأنّ هذا الدليل موضوعه العلم الوجداني كما هو ظاهره، فإسراء الحكم من القطع الوجداني إلى الفرد الادّعائي لا يتم بمجرد هذا الإنشاء، بل يتم بالنظر، بمعنى انّ هذا الدليل يجب أن يكون حاكما، و يكون تقدمه بالحكومة لا بالورود، و الحاكم، ملاك تقدمه هو، النظر إلى الدليل المحكوم، فهذا الدليل، و هو دليل الحجيّة، هو يسرّى حكم ذاك إلى هنا، لا أنّ ذاك الدليل هو الّذي سوف يسري.

221

إذن: فعملية الإسراء يتكفلها نفس دليل الحجيّة، لا دليل القطع الموضوعي.

و هذا هو مورد الفرق بين الورود و الحكومة، و الإسراء يكون بنظر الدليل إلى وجوب الإراقة، فيحتاج دليل الحجيّة إلى نظر زائد إلى تلك الأحكام المترتبة على القطع الموضوعي.

2- الكلام الثاني: هو أنّه بناء على ما اتضح في الكلام الأول، حينئذ نفس الإشكال العرفي الّذي كان يواجه عملية تنزيل الظن منزلة القطع، و الّذي هو روح كلام الآخوند (قده)، يتم هنا، لأنّ دليل الحجيّة الّذي مفاده اعتبار الظن علما، يحتاج أن يكون له نظران في مرحلة المدلول التصديقي، أحدهما: نظره إلى الأدلة الواقعية، و إبراز شدّة الاهتمام.

و الآخر: نظره إلى أحكام القطع الموضوعي، فكل منهما لا بدّ و أن يكون ملحوظا لدليل، لأنّهما نظران متغايران، و العرف لا يتقبل جمعهما.

فإن تمّ هذا الكلام في عملية التنزيل، يصح هنا، بل حتّى لو قطعنا النظر عن هذا، و فرضنا إمكان تكفل عملية التنزيل بكلا المطلبين تمسكا بإطلاق دليل التنزيل و قلنا: إنّ المنجزية قابلة للجعل، فنتمسك حينئذ بإطلاق دليل التنزيل و نقول: انّ الظن منزل منزلة القطع بكل آثاره بما فيه المنجزية و المعذرية و إبراز شدّة الاهتمام بناء على جعل الطريقية.

إلّا أنّ هذا لا يفيد هنا، بناء على جعل الطريقية، لأنّ اعتبار الكاشفية ليس تنزيلا حتّى نتمسك بإطلاقه بلحاظ الآثار، إذن فنحتاج إلى قرينة عرفية على أنّ هذا الدليل ناظر إلى أحكام القطع الموضوعي، و ما هو الدليل على نظره في سائر موارد الأدلة الحاكمة، فيما لو قيل مثلا:

«الفقاع خمر» بنحو الحكومة، فالنظر نثبته هنا بدلالة الاقتضاء و نقول:

222

إنّه لو لم يكن ناظرا إلى أحكام الخمر لكان هذا الكلام لغوا، و أمّا هنا فدلالة الاقتضاء لا تتأتى لأنّ هذا الكلام لا لغو فيه حتّى لو لم ينظر إلى أحكام القطع الموضوعي، إذ يكفي في إخراجه عن اللغوية أن يكون ناظرا إلى الحكم الواقعي و منجزا للواقع، فالقضية هنا أشكل لو فرض أنّ العملية كانت تنزيلا، إذ لو كان مفاد دليل الحجيّة هو التنزيل، إذن التنزيل معناه، النظر إلى الآثار، فإذا شكّكنا أنّه ناظر إلى بعضها أو كلّها، نتمسك بالإطلاق.

و أمّا على صياغة الميرزا (قده) حينما يكون مفاد دليل الحجيّة اعتبار الظن علما، فنفس المفاد الأولي لم يؤخذ فيه نظر إلى الآثار، فالنظر لها يحتاج إلى قرينة، و القرينة العرفية في سائر الموارد هي دلالة الاقتضاء، و دلالة الاقتضاء لا تتأتى في المقام، إذ يكفي في رفع اللغوية إقامته مقام القطع الطريقي كما عرفت.

و الخلاصة: هي أنّه- كما عرفت- في موارد الدليل الوارد مع الدليل المورود، لا يحتاج الوارد إلى نظر إلى المورود، لأنّ الدليل الوارد يتصرف في موضوعه تصرفا حقيقيا تكوينيا، و سريان حكم المورود إلى الفرد الّذي حقّقه الوارد يكون بنفس الدليل المورود، لا بالدليل الوارد، لأنّ هذا الفرد مصداقا لموضوعه حقيقة، فإطلاق دليل المورد يكون شاملا له.

و أمّا في موارد الدليل الحاكم، فسريان حكم الدليل الحاكم إلى المورد الّذي تمّت فيه الحاكمية، لا يكون بإطلاق الدليل المحكوم، لأنّ هذا مجرد فرد عنائي له، فلا يشمله إطلاق الدليل المحكوم، و إنّما يكون إسراء الحكم إلى مورد الدليل الحاكم ببركة الدليل الحاكم، و من هنا احتاج الدليل الحاكم إلى أن يكون ناظرا إلى الدليل المحكوم، كي يكون بهذا النظر متكفلا بإسراء حكمه إلى مورده.

223

و حينئذ بناء عليه قلنا: إنّ لنا كلامان مع الميرزا (قده)، و ذلك أنّ كلامه في جعل الطريقية يتمّ، لو فرض أنّ دليل جعل الطريقية يكون واردا على قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و كان واردا على دليل القطع الموضوعي، و موجدا فردا حقيقيا في موضوع ذاك الدليل، حينئذ يتمّ كلام الميرزا (قده)، إذ بعملية جعل الطريقية، و بلا حاجة إلى نظر، لا إلى ذاك الدليل، و لا هذا، يترتب كلا المطلبين.

لكن قلنا إنّ هذه الفرضية غير صحيحة، فإنّ دليل الحجيّة الّذي لسانه جعل الطريقية بالنسبة إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان، ليس واردا بمجرد إنشاء الطريقية، و إنّما يكون واردا إذا رفع ملاك قبح العقاب بلا بيان، و ذلك بأن يبرز شدّة اهتمام المولى بالأحكام الواقعية المشكوكة، فورود دليل الحجيّة على قاعدة القبح فرع أن يكون ناظرا إلى الأحكام الواقعية و مبرزا شدّة اهتمامه بها، إذن فهذا الورود بحاجة إلى هذا النظر.

و أمّا حكومة دليل الحجيّة على دليل القطع الموضوعي، فمن الواضح انّ هذا بحاجة لأن يكون دليل الحجيّة ناظرا إلى دليل القطع الموضوعي، لأنّ دليل الطريقية لا يحقّق ورودا بالنسبة إلى دليل القطع الموضوعي، أي أنّه لا يوجد فردا حقيقيا من موضوعه، بل يوجد فردا عنائيا، و الفرد العنائي لا يشمله إطلاق الدليل المحكوم، بل يحتاج إسراء الحكم إليه، إلى نظر بالنحو الّذي عرفت، إذن، فدليل الحجيّة يحتاج إلى نظرين حال إقامته مقام القطعين، الموضوعي و الطريقي، نظر إلى الأحكام الواقعية و نظر إلى أحكام القطع الموضوعي.

إذن فكلامنا الثاني هو، أنّه ما دام دليل الحجيّة بحاجة إلى نظرين ليتمّ كلا المطلبين، إذن لا يتمّ ما أراده الميرزا (قده) في مقام جعل الطريقية.

ثمّ إنّه هنا لنا إشكالان على الميرزا (قده).

1- الإشكال الأول: و هو- كما عرفته سابقا- انّ دليل الحجيّة

224

الّذي مفاده الطريقية سوف يتوجه عليه نفس الإشكال العرفي المتقدّم و الّذي طرحه الآخوند (قده)، بل المطلب هنا أشدّ إشكالا ممّا سبق.

2- الإشكال الثاني: هو أنّه لا يوجد عندنا عبارة واردة في دليل لفظي تقول: «إنّ الظن علم» لنبحث في انّ هذا التعبير هل هو تنزيل أو و اعتبار، و على تقدير كونه اعتبارا، فهل يفي بقيام الامارة مقام القطعين الطريقي و الموضوعي أو لا يفي.

إذن فيجب أن نرجع إلى دليل الحجيّة، و من الواضح أنّه في الأدلة اللفظية على الحجيّة، لا يوجد مثل هذا التعبير، و إنّما المهم من دليل الحجيّة في الشّبهات الحكمية هو السيرة العقلائية الّتي هي دليل لبّي، فينظر إلى مقدار ما انعقدت عليه، و هذا لا ربط له بالجعل الواحد، و العبارة الواحدة، فقد تكون هناك عبارة واحدة وافية بالمطلبين معا، و لكن السيرة غير وافية بذلك، و قد يكون العكس.

و اللطيف في المقام انّ الميرزا (قده) في بحث كيفية الجمع بين الأحكام الظاهرية و الواقعية- بعد أن حاول الجمع بينهما على أساس جعل الطريقية و الكاشفية- استدلّ على إثبات كون المجعول في الامارات هو الطريقية، لا بدعوى استظهاره من الأدلة اللفظية، بل بدعوى انّ الأدلة اللفظة كلها مسوقة لبيان الإمضاء للمرتكزات العرفية، و إتمامهم الدليل على حجيّة جعل الطريقية إنّما هو السيرة العقلائية، فإنّها قائمة على جعل الطريقية للامارة، و جعلها علما، لا على جعل أحكام تكليفية ظاهرية.

ثمّ إنّه بعد دعواه هذه قال: نحن بالإمضاء الشرعي نثبت هذه السيرة، و ما دامت السيرة مبنيّة على جعل الطريقية، إذن فبالإمضاء الشرعي نستكشف جعل الطريقية.

225

و هذا الطريق لإثبات الطريقية سوف تأتي مناقشته.

لكن لو فرض تمامية هذا الطريق، و فرض أنّ جعل الطريقية تثبت بالسيرة العقلائية، حينئذ نحن يجب أن نرجع إلى هذه السيرة لنرى أنّها هل هي ناظرة إلى أحكام القطع الموضوعي أيضا، أو أنّها ناظرة إلى الأحكام الواقعية و تنجيزها بالامارة فقط.

و دعوى كونها ناظرة إلى أحكام القطع الموضوعي، تارة، يراد بها أنّها ناظرة إلى أحكام القطع الموضوعي الثابتة عند العقلاء فيما بينهم، أي أنّهم فيما بينهم بانون على أنّ الامارة مجعولة علما بلحاظ تنجيز ما بينهم من الأحكام الواقعية، و بلحاظ إسراء أحكام القطع الموضوعي المجعولة عند العقلاء حيث أنّ شأن العقلاء أن يجعلوا الامارة بلحاظ أحكامهم و شرعتهم، بلحاظ تنجيز الواقع، و بلحاظ أحكام القطع الموضوعي، و انّ الشارع أمضى هذا فيهم.

و هذه الدعوى غير تامة، باعتبار أنّه متى كان للعقلاء أحكام للقطع الموضوعي لنستكشف ما ذكره الميرزا (قده)، إذ أنّ مثل هذه الأحكام غير معهودة عندهم.

و تارة، أخرى يدّعى أنّ العقلاء، حينما نظروا إلى القطع الموضوعي و أحكامه، لم ينظروا إلى أحكامه عندهم، بل نظروا إلى أحكامه عند الشارع.

و حينئذ فإن ادعي هكذا، فهذا أوضح بطلانا، لأنّ هذا تشريع ليس من صلاحياتهم، إذ كل تشريع ينظر تشريعات نفسه، لا إلى تشريعات غيره، و عليه: فلا يمكن الاستدلال بدليل الحجيّة حتّى لو كان مفاده جعل الطريقية على إقامة الامارة مقام القطع الموضوعي، لأنّ دليل الحجيّة ليس لفظيا ليتوهم الإطلاق فيه، و إنّما هو السيرة العقلائية، و السيرة إنّما انعقدت على جعل الظن علما بلحاظ تنجيز التكاليف الواقعية كما عرفت،

226

أمّا إقامة الامارة مقام القطع الموضوعي، فهذا غير محرز منهم، و لا أقل من الشك بالنسبة إلى إقامة الامارة مقام القطع الموضوعي، فيكون دليل الحجيّة قاصرا عن إثبات ما زاد على القدر المتيقن، و القدر المتيقن إنّما هو إقامة الامارة مقام القطع الطريقي دون الموضوعي.

و إلى هنا ينتهي الكلام مع الميرزا (قده)، و من خلال ذلك اتضح حساب النقطة الأولى، حيث كان الكلام في نقطتين، و قد قلنا في الأولى: إنّ هناك خطأ في منهجية البحث، حيث فرض أنّ التعامل و كأنّه مع دليل لفظي، مع أنّه لا يوجد شي‏ء من هذا القبيل، بل الموجود هو السيرة فقط، و هي دليل لبّي يؤخذ منه بما انعقد عليه يقينا، و لا يتوهم فيه الإطلاق، و قد عرفت أنّه عاجز عن إثبات ما زاد على إقامة الامارة مقام القطع الطريقي دون الموضوعي، ثمّ يقع الكلام مع المعلق الثاني على النقطة الأولى.

2- النقطة الثانية: و فيها نبحث فيما ذكره صاحب الكفاية في حاشيته‏ (1) على الرّسائل تعليقا على نفسه، حيث حاول تصوير وفاء دليل الحجيّة لكلا التنزيلين، بحيث تقوم الامارة مقام القطعين الطريقي و الموضوعي من دون أن يلزم محذور اجتماع اللحاظين، و ذلك بأن يقال: إنّ دليل الحجيّة بمدلوله المطابقي ناظر إلى تنزيل الظن منزلة القطع الطريقي الّذي هو معنى الحجيّة، و تنزيل الظن منزلة القطع الطريقي معناه- بحسب إشكال الكفاية- تنزيل المظنون منزلة المقطوع، فالمدلول المطابقي لدليل الحجيّة هو، تنزيل الظن باللحاظ الآلي منزلة القطع بهذا اللحاظ أيضا، و بهذا ينتج دليل الحجيّة- ببركة هذا الدليل- واقعا جعليا، فإنّه بعد تنزيل مظنون الخمرية منزلة مقطوع الخمرية، يصير

____________

(1) درر الفوائد: الخراساني، ص 8- 9.

227

عندنا خمر جعلي تنزيلي، و حينئذ يدّعى انّ دليل الحجيّة يدلّ بالدلالة الالتزامية على تنزيل آخر، و هو تنزيل القطع بهذا الواقع الجعلي، منزلة القطع بالواقع الحقيقي، و هذان التنزيلان لم يجتمعا في مفاد واحد و نظر واحد ليلزم محذور اجتماع اللحاظين، بل أحدهما مفاد مطابقي للدليل، و الآخر مفاد التزامي له، و من مجموع التنزيلين يحصل المطلوب، و هو قيام الامارة مقام القطعين الطريقي و الموضوعي.

لكن لم يوضح لنا صاحب الكفاية (قده) أنّه ما هو ملاك هذه الدلالة الالتزامية، و لما ذا يفترض أنّ دليل الحجيّة- الدال بالدلالة المطابقية على تنزيل المظنون منزلة الواقع- يكون له دلالة التزامية بالنحو المتقدّم، فإنّه لا تلازم عقلي و لا منطقي بين هذين التنزيلين.

و هذا التلازم له وجهان.

1- الوجه الأول: هو أن يدّعى بأنّ هناك دلالة التزامية عرفية، فهو و إن كان لا يوجد ملازمة منطقية كي يصبح المظنون خمرا جعليا، و بين أن يصبح القطع بالخمر الجعلي قطعا بالخمر الواقعي، لكن هناك تلازم عرفي بينهما، باعتبار أنّ العرف لعدم تمييزه بين النكات و عدم دقة نظره، يرى أنّه ما دام أصبح مظنون الخمرية خمرا جعليا تنزيليا، إذن يلزم أن يكون القطع به كالقطع بذاك، و حينئذ تنشأ دلالة التزامية عرفية، لا منطقية و لا عقلية.

2- الوجه الثاني: هو أن يقال: بأنّ هذه الملازمة تثبت بدلالة الاقتضاء، و صونا للمفاد عن اللغوية، و ذلك بأن نفرض موردا يكون الحكم فيه مترتبا على جزءين، أحدهما الخمرية الواقعية، و الآخر، القطع بالخمرية، كما لو قال المولى: «إذا كان هذا خمر في الواقع، و قطعت بخمريته، فيجب إراقته»، بحيث كان موضوع الحكم مركبا من جزءين، و نفرض أنّ الامارة قامت على الخمرية، فهنا نفرض أنّ الخمرية

228

في نفسها ليست موضوعة لحكم شرعي، و إنّما الأثر هو للخمرية مع القطع بها، فلو فرض أنّ الامارة قامت على خمرية هذا المائع، فدليل الحجيّة يقول: بمدلوله المطابقي، نزلت المظنون منزلة الواقع المقطوع، و هذا التنزيل أحرز جزء الموضوع للحكم، و أمّا الجزء الآخر و هو القطع بالخمرية، لم يحرز بهذا التنزيل، و حينئذ إذا لم نستفد من تنزيل آخر إحراز الجزء الآخر، فيكون هذا التنزيل لغوا لأنّه يحرز جزء الموضوع فقط، و هذا لا يفيد إذا كان الجزء الآخر غير محقّق، فيكون لغوا لو لم نستكشف في طوله تنزيلا آخر.

إذن فبدلالة الاقتضاء، نستكشف تنزيلا آخر يصون دليل الحجيّة عن اللغوية و انّ شيئا «ما» قد نزّل منزلة القطع بالخمرية، و إن كانت دلالة الاقتضاء لا تعيّن هذا المنزّل حينئذ، فبمناسبة الحكم و الموضوع و الأسباب العرفية نقول: إذا كان الشارع قد نزّل شيئا منزلة القطع بالخمرية، فالمناسب أن يكون ذلك الشي‏ء هو القطع الجعلي، إذن، فالمناسبة تضمّ إلى دلالة الاقتضاء، فتنتج مدلولا التزاميا.

و الوجه الأول هو مفاد كلام الآخوند (قده) في حاشيته على رسائل‏ (1) الشيخ (قده)، و الوجه الثاني هو للمحقّق الأصفهاني (قده) (2) تفسيرا للكلام الآخوند (قده).

و هذا الكلام قد اعترض عليه الآخوند نفسه في الكفاية (3) حيث أفاد، بأنّ ما ذكره غير معقول.

و بيان اعتراضه بوجه فني، يكون بتوضيح مقدمتين، يتضح من خلالهما عدم معقولية كلامه.

____________

(1) المصدر السابق.

(2) نهاية الدراية: الأصفهاني، ج 2، ص 64- 65.

(3) كفاية الأصول: الخراساني، ج 2، ص 23- 24.

229

1- المقدّمة الأولى: هي أنّ هذين التنزيلين الّذين أحدهما مدلول مطابقي، و الآخر مدلول التزامي، هما تنزيلان طوليان لا عرضيان، حيث أنّ المستفاد بالالتزام في طول المستفاد بالمطابقة، و ليس المقصود بالطولية أنّها طولية في مقام الامارة و الدلالة، باعتبار أنّ الدلالة الالتزامية في طول الدلالة المطابقية، بل المقصود الطولية ثبوتا، و ذلك لأنّ هذا التنزيل الثاني، تنزيل القطع بالواقع الجعلي منزلة القطع بالخمر الواقعي، إذن هذا التنزيل بعد فرض وجود ذات المنزّل و المنزّل عليه، فهو في طول ذلك، إذن فالتنزيل هنا فرع أن يكون قطع بالواقع الجعلي، و أن يكون قطع بالواقع الحقيقي، حينئذ يفرض تنزيل هذا منزلة ذاك، و القطع بالواقع الجعلي في طول الواقع الجعلي، و الواقع الجعلي كان ببركة التنزيل الأول، إذن التنزيل الثاني في طول الأول.

2- المقدّمة الثانية: هي أن يقال: بأنّ الحكم له متعلق، و له موضوع، فإذا فرض أنّ الحكم كان له موضوع، و كان الموضوع مركبا من جزءين، و أريد تنزيل شي‏ء منزلة هذا الجزء، و تنزيل شي‏ء منزلة ذاك الجزء، كما إذا فرض أنّ حجيّة قول المفتي موضوعها مركب من جزءين، هما، الاجتهاد و العدالة، و أريد تنزيل شي‏ء منزلة الاجتهاد، و تنزيل شي‏ء آخر منزلة العدالة، فيجب أن يكون التنزيلان عرضيين، و يستحيل غير ذلك، و ذلك، انّ الحكم بالنسبة لمتعلقه يتحصّص، كما في الوجوب بالنسبة إلى الصّلاة حيث يتحصّص بالفاتحة و غيرها من أركان الصّلاة، فإذا أردنا أن ننزل شيئا منزلة جزء الواجب، فننزله منزلته بلحاظ حصة من الوجوب و ليس لنا شغل بالنسبة للباقي من الحصص، هذا بلحاظ المتعلق، و أمّا بلحاظ الموضوع إذا كان مركبا من جزءين، فالحكم لا يتحصّص بحصتين، فحجيّة قول المفتي مثلا ليس نصفها على الاجتهاد، و نصفها الآخر على العدالة، بل هو حكم واحد، فهنا يجب أن يكون هذا التنزيل ضمنه تنزيل شي‏ء آخر منزلة الشي‏ء الآخر، فالتنزيل‏

230

بلحاظ كلا الجزءين يجب أن يكون بلحاظ هذا الحكم الواحد، و هذا معناه: انّه تنزيل واحد لا تنزيلين.

و هذا يبرهن، على أنّ تنزيل شي‏ء منزلة أحد الجزءين لا يعقل أن يكون متأخرا لا رتبة و لا زمانا عن تنزيل ذاك الشي‏ء منزلة الجزء الآخر، و حينئذ إذا تمّت هاتان المقدّمتان تتبرهن الاستحالة، فيقال: إنّ التنزيلين المفترضين في الحاشية طوليان، و يستحيل أن يكون التنزيلان لجزئي الموضوع طوليين، كما برهن في المقدّمة الثانية.

هذا هو إشكال صاحب الكفاية في الكفاية على نفسه في حاشيته على رسائل الشيخ (قده)، و به لا يتم إذن كلامه في الحاشية.

و الخلاصة: هي أنّ إشكال صاحب الكفاية على حاشية نفسه على الرّسائل، يرجع إلى مقدمتين.

و كانت الأولى تقول: إنّ التنزيلين طوليان.

و كانت الثانية تقول: إنّه يستحيل أن يكون التنزيلان لجزئي الموضوع لحكم واحد طوليين.

و حينئذ بحسب المفروض من كلامه، على أساسه، لا يكون وافيا كما عرفت.

و الّذي يتراءى من عبارته في الكفاية، أنّه يريد أن يستشكل على التنزيلين الطوليين بإشكال الدور، و إنّ كلا منهما يتوقف على الآخر.

و لعلّ تفسير كلام صاحب الكفاية أتمّ ممّا يتراءى من ظاهر كلامه في الاعتراض بإشكال الدور.

و أمّا بناء على ما ذكرناه، فالمسألة لا تحتاج إلى صياغة إشكال الدور، بل مرجعها إلى أنّ الحكم الواحد لا يتصور له إلّا تنزيل واحد، إذ أنّ جزأي موضوع حكم واحد يجب أن يكون تنزيلهما ضمن تنزيل‏

231

واحد بلا حاجة إلى ضمّ صيغة الدور، هذا، على أنّ في عبارته تشويش، منشؤه، أنّه لم يعلم منه (قده)، انّ هذا الدور، هل يريد أن يجريه بين الدلالتين بحسب مقام الإثبات، أي بين الدلالة على تنزيل المظنون منزلة الواقع، الّتي هي دلالة مطابقية، و بين الدلالة الالتزامية، على تنزيل القطع بالواقع الجعلي، منزلة القطع بالواقع الحقيقي، فهل الدور بين الدلالتين، أو هو بين المدلولين؟

أمّا تقريب الدور بين الدلالتين فهو أنّ يقال: إنّ الدلالة المطابقية لدليل الحجيّة على تنزيل المؤدى و المظنون منزلة الواقع، تتوقف على ضم تلك الدلالة الأخرى، أي على تنزيل شي‏ء منزلة الجزء الآخر من الموضوع، إذ لو لم نضم الدلالة الثانية لكانت الأولى لغوا، إذن الدلالة المطابقية على حفظ الجزء الأول من الموضوع بالتنزيل، تتوقف على الدلالة الثانية الالتزامية، و الدلالة الالتزامية هذه، تتوقف على الدلالة المطابقية، لأنّ الدلالة الالتزامية في طول الدلالة المطابقية و معلولة لها، و هذا دور.

و هذا التقريب غير تام، و شبيه بالمغالطة، و ذلك لأنّ هذا التقريب بنفسه يجري في التنزيلين العرضيّين أيضا، كما لو فرض أنّنا حوّلنا الدلالة الالتزامية إلى دلالة مطابقية، و فرضنا أنّ دليل الحجيّة له دلالتان مطابقيتان، إحداهما على تنزيل المظنون منزلة الواقع، و الأخرى على تنزيل الظن منزلة القطع، و أغمضنا النظر عن إشكال اللحاظ الآلي و الاستقلالي، فإنّه رغم هذا، يأتي إشكال الدور، لأنّ كلا من الدلالتين متوقفة على الأخرى، لأنّ كلا منهما بدون الأخرى لغو، لأنّ حفظ أحد الجزءين بدون الآخر لغو، و ينتج ذلك استحالة تنزيل شيئين منزلة جزأي الموضوع و لو في عرض واحد، إذن فهذه مغالطة.

و حلّها هو، إنّ كلا من الدلالتين لا تتوقف على فعليّة الدلالة

232

الأخرى و سد تمام أبواب عدمها، بل تتوقف على عدم المائع في الدلالة الأخرى من سائر الجهات غير جهتها نفسها.

و بعبارة أخرى، سدّ سائر أبواب العدم للدلالة الأولى من غير ناحيتها هي، فكل من الدلالتين يتوقف على أن يكون باب العدم للأخرى مفتوحا من غير ناحيتها، و أن يكون من غير ناحيتها الدلالة الثانية تامة، إذن فالمناط هو في صدق الشرطية، و هي «أنّه لو كانت هذه لكانت تلك»، فكل منهما يتوقف على صدق شرطية من هذا القبيل، و حينئذ يرتفع الدور في المقام، فإنّ الدلالة الالتزامية هنا و إن كانت معلولة للدلالة المطابقية، إلّا أنّ الدلالة المطابقية ليست معلولة للدلالة الالتزامية، بل هي معلولة للقضية الشرطية، و هي «أنّه لو كانت الدلالة المطابقية، لكانت الدلالة الالتزامية» و صدّق الشرطية فعلي لا يتوقف على صدق الطرفين، إذن لا دور.

و قد يقرب الدور بلحاظ المدلول، أي بلحاظ نفس التنزيلين، بأن يقال:

إنّ تنزيل المظنون منزلة الواقع يتوقف على التنزيل الثاني، إذ بدون التنزيل الثاني، يكون الأول لغوا، و التنزيل الثاني هو تنزيل القطع بالواقع الجعلي، منزلة القطع بالواقع الحقيقي، و تنزيل القطع بالواقع الجعلي فرع القطع بالواقع الجعلي، فلكي يكون هناك قطع بالواقع الجعلي، لا بدّ أن يكون هناك واقع جعلي، و المفروض أنّ الواقع الجعلي نشأ من التنزيل الأول، إذن يتوقف أن يكون الثاني متوقف على الأول.

و هذه الصياغة مغالطة أيضا، لأنّ صياغة بهذا النحو يمكن إجراؤها حتّى لو لم يكن المنزل في التنزيل الثاني هو القطع بالواقع الجعلي، بل حتّى لو نزّل نزول المطر منزلة القطع بالخمرية، فإنّ نزول المطر ليس في طول التنزيل الأول، فحينئذ تكون صورة المغالطة بأن يقال:

233

إنّ الأول متوقف على الثاني، و الثاني متوقف على الأول، إذ الثاني بدون الأول لغو، فكل منهما متوقف على الآخر لأنّه بدونه لغو، و هذه مغالطة.

و حلّ ذلك هو أن يقال: إنّ التنزيل الأول ليس موقوفا على فعلية الثاني، بل الأول و الثاني بمجموعهما يصدران معا، باعتبار ان أحدهما بدون الآخر يكون لغوا، إذن فكلاهما يصدران معا، إذن فالتنزيل الأول يتوقف على رفع اللغوية، و رفعها يكفي فيه صدق الشرطية، و هي «أنّه لو كان التنزيل الأول لكان التنزيل الثاني» إذ يكفي في رفع اللغوية ذلك، إذن فلا دور، إذن فصياغة الدور غير واردة لا إثباتا و لا ثبوتا، و كل من التنزيلين بحسب عالم الجعل ليس في طول الجعل الآخر، بل الجعلان عرضيان، و الأحسن في مقام تقريب إشكال الكفاية هو ما ذكرنا سابقا.

3- الكلام الثالث: هو للمحقّق العراقي (قده) (1) إشكالا على الكفاية و انتصارا لما جاء في الحاشية و دفعا لمحذور استحالة طولية التنزيلين في المقام، حيث أفاد بأنّه لا مانع من أن يكون تنزيل بلحاظ كل جزء، تنزيلا مستقلا مفصولا عن التنزيل الآخر، سواء كان متقدما أم متأخرا عنه رتبة، لأنّ المولى حينما يجعل حكما كوجوب الحج، على الموضوع المركب من البلوغ و الاستطاعة، فكل من الجزءين يكون له حكم تعليقي، فالاستطاعة حكمها هو وجوب الحج لو انضم إليها البلوغ، و البلوغ حكمه وجوب الحج لو انضم إليه الاستطاعة، فالمولى حينما يجعل وجوب الحج على البالغ المستطيع، يكون موضوعه كل من الجزءين لأثر تعليقي، و إذا كان كل من الجزءين موضوع لحكم تعليقي، إذن فالتنزيل يكون لكل من الجزءين مستقلا بلحاظ أثره التعليقي، فليس‏

____________

(1) مقالات الأصول: العراقي، ج 2، ص 18.

فوائد الأصول: تعليقة العراقي، ج 3، ص 106- 107.

234

هناك عملية تنزيل واحدة، لأنّه ليس هناك أثر واحد، بل أثران، كل منهما مترتب على أحد الجزءين بشرط انضمام الآخر إليه، إذن فالمولى في مقام التنزيل لا يطلب أكثر من إسراء هذا الحكم التعليقي على المنزل، و بما أنّ هذا الحكم التعليقي تمام موضوعه نفس الجزء، إذن يمكن أخذه في موضوع التنزيل الآخر للجزء الآخر من دون محذور استحالة طولية التنزيلين في المقام.

و التحقيق انّ كل هذه الكلمات غير صحيحة.

أمّا ما ذكره العراقي (قده) فيرد عليه اعتراضان.

1- الاعتراض الأول: هو انّ افتراض وجود أثرين و حكمين تعليقيين لجزأي الموضوع، مرجعه بحسب الحقيقة إلى انّ المولى بعد ان يجعل حكمه الواحد، و هو «وجوب الحج» على موضوعه المقدر الوجود على نهج القضية الحقيقية، حينئذ العقل ينتزع من هذا الجعل الواحد جعلين انتزاعيين، جعلا، لسانه، «إنّ البالغ إذا استطاع يجب عليه الحج»، و جعلا آخر، لسانه، «إنّ المستطيع إذا بلغ يجب عليه الحج»، و هذان جعلان منتزعان من ذلك الجعل الواحد، و ليسا جعلين صادرين من الشارع حقيقة، و إلّا للزم تعدّد الوجوب بتعدّد الجعل، و حينئذ فدليل التنزيل بلحاظ كل جزء إذا كان المقصود به عملا إنشائيا، أي انّه ينشئ الجعل بهذا الدليل، فيجب أن يكون إنشاء هذا الأثر التعليقي بإنشاء منشأ انتزاعه، و هو ذاك الحكم الواحد المترتب على المجموع المركب، إذن فإنّ هذين الأثرين التعليقيين ليسا مجعولين استقلالا، و إنّما هما منتزعان عن ذاك المجعول الواحد، فإذا أريد بتنزيل شي‏ء منزلة جزأي الأثر التعليقي على نحو يكون جملة إنشائية، فحينئذ لا بدّ و أن يكون إنشاؤه بإنشاء منشأ انتزاعه، و حيث انّ منشأ انتزاعه حكم واحد، إذن فلا بدّ حينئذ و أن يرجع كلا التنزيلين إلى تنزيل واحد.

235

نعم لو كان هذا التنزيل بنحو الإخبار، فلا بأس بأن يخبر بكل منهما، فيقول: انّ هذا منزّل منزلة ذاك في الأثر التعليقي، و كذا يقول في الطرف الثاني، لأنّ مرجع الإخبارين إلى الإخبار عن وجود تنزيل واحد للمجموع منزلة المجموع المركب.

و التحقيق فيه هو، انّه تارة نبني على انّ التنزيل عملية ثبوتية، و مرجعها إلى جعل الحكم على المنزل تبعا لثبوته في المنزل عليه بحيث يكون التنزيل عملية ثبوتية و يكون مضمونها هو جعل الحكم و إسراؤه من المنزل عليه إلى المنزل، و هذا هو مبنى صاحب الكفاية (قده).

و أخرى، نبني على انّ التنزيل شي‏ء يرجع إلى اللّسان الإثباتي و يكون من شئون و خصوصيات البيان في الدليل الشرعي، و ذلك بأن يقال: إنّ المولى حينما يحكم بوجوب الحج على المستطيع و يبيّن ذلك بدليل قوله تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، فهنا تارة يقول ذلك و لا يجعل عدلا للاستطاعة، و أخرى يأخذ البدل عدلا للاستطاعة كقوله: «يجب الحج على المستطيع أو من يجد الزاد و الراحلة»، فإن فرض الثاني كما إذا قال: «من كان مستطيعا، أو من بذل له الزاد يجب عليه الحج»، ففي مثله يقال: إنّ الحكم متعلق بالجامع بين الأمرين، بين من كان مستطيعا، و بين من بذل له الزاد.

و أخرى، نفرض انّ الدليل يكون بلسان «من كان مستطيعا يجب عليه الحج»، فهذا اللّسان لا يفي بإيجاب الحج على من بذل له الزاد، فحينئذ، يكون قوله: «أو من بذل له الزاد» مبين ببيان منفصل، و البيان المناسب له هو أن يقال: مثلا «نزّلت من بذل له الزاد و الراحلة منزلة المستطيع»، فهذا التنزيل مرجعه إلى التعويض عن القرينة المتصلة، فوظيفته وظيفة بحسب مقام الإثبات و ليس التنزيل بابه باب الجعل و إسراء الحكم من المنزل عليه إلى المنزل.

236

إذن فعملية التنزيل لها فهمان:

الأول: أن يكون التنزيل عملية ثبوتية، عالمها نفس المولى قبل أن يتكلم بشي‏ء، و مضمون هذه العملية هو جعل الحكم.

الثاني: هو أن تكون عملية التنزيل عملية بيانية بحسب مقام الإثبات، و حينئذ إذا بنينا على الثاني، إذن لا موضوع لكلام المحقّق العراقي و لا لكلام الآخوند (قده)، لأنّ عملية التنزيل إذا كانت مجرد عملية بيانية، فلا يتمّ كلا الكلامين، لأنّ التنزيل ليس عبارة عن جعل الحكم ليقال: إنّه إذا كان حكم واحد فلا بدّ أن يكون هناك تنزيل واحد كما يقول الآخوند (قده)، ذلك انّ التنزيل ليس جعل الحكم، بل هو طرز بيان لسعة دائرة الحكم، كما انّ كلام العراقي (قده) لا يتمّ، لأنّ تعدّد التنزيل أمر إثباتي لا ربط له بتعدّد الحكم كي نفتش عن حكمين تنزيليين، بل حتّى لو لم يوجد إلّا حكم واحد، فمع هذا يعقل تعدّده، ففي الدليل الأول نقول: «المستطيع البالغ يجب عليه الحج»، و بعد هذا يريد التعويض عن «أو» فيقول: «البذل بمنزلة الاستطاعة»، ثمّ يعوض عن «أو» مرّة أخرى فيقول: «الرشد بمنزلة البلوغ».

فبعد ضم هذين إلى الدليل الأول، تكون النتيجة انّه إذا تحقّقت الاستطاعة و البذل و البلوغ أو الرشد، يجب الحج، فتعدد القرائن المنفصلة لا ينافي مع وحدة الحكم.

إذن، فبناء على الفهم الثاني لعملية التنزيل لا يتمّ كلا الكلامين.

و أمّا لو بني على الفهم الأول، و هو كون عملية التنزيل عملية ثبوتية و مضمونها ثبوتي في نفس المولى، و هو جعل الحكم، حينئذ، يكون معنى التنزيل جعل الحكم و إسراؤه من موضوع لآخر، و حينئذ يكون لكلام الآخوند (قده) صورة، و هو انّ التنزيل إذا كان كذلك، حينئذ، إذا كان عندنا حكم واحد فلا يكون عندنا إلّا تنزيل واحد،

237

و حينئذ، العراقي (قده) يفتش عن حكمين كي يتعدّد التنزيل فيقول: إنّ كل واحد من جزأي الموضوع له حكم تعليقي كما تقدّم تفصيله.

لكن هذا غير تام في مقام الجواب على إشكال الكفاية، و يردّ عليه.

أولا: إنّ هذا الحكم التعليقي الّذي فرضه للاستطاعة، و الحكم التعليقي الّذي فرضه للبلوغ، هما ليسا حكمين مجعولين حقيقة، و إلّا للزم تعدّد الحكم، و يكون الحج واجب مرتين على من بلغ و استطاع، و هو خلف، بل هذان الحكمان منتزعان من نفس جعل ذاك الحكم الواحد لوجوب الحج على الموضوع المركب.

نعم العقل ينتزع من هذا الجعل الواحد عنوانين انتزاعيين كما عرفت، فهما مجعولان بتبع منشأ انتزاعهما.

ثانيا: لو فرض انّ عملية التنزيل كانت عملية ثبوتية مرجعها إلى الجعل و إسراء الحكم من مورد لآخر، إذن، فهذا الحكم التعليقي لا يعقل إسراؤه إلّا بإسراء منشأ انتزاعه، و حيث انّ كليهما منشأ انتزاعهما واحد، إذن فيعود الإشكال.

الاعتراض الثاني: هو انّنا لو تعاملنا مع هذين الحكمين التعليقيين كحكمين قابلين للجعل مباشرة، حينئذ نقول: إنّ عندنا تنزيلان، تنزيل للبذل، منزلة الاستطاعة، و تنزيل للرشد منزلة البلوغ، و كل منهما يكون بلحاظ الأثر التعليقي، ففي الأول، و هو تنزيل البذل منزلة الاستطاعة، فالأثر التعليقي هو وجوب الحج، فهنا نسأل: إنّ الأثر التعليقي الّذي لوحظ عند التنزيل، و أسري بتنزيل البذل منزلة الاستطاعة، فهذا الوجوب، هل هو وجوب الحج المعلق على البلوغ؟ فإذا كان هو، إذن ينتج أنّه لو انّ هذا الإنسان بذل له الزاد و كان بالغا فيجب عليه الحج،

238

لكنّه لا ينتج- أنّه إذا بذل له و كان راشدا- أنّه يجب عليه الحج، هذا بمقتضى التنزيل منزلة الجزءين لا أحدهما، فلو كان المقصود التعويض عن أحد الجزءين لما اتجه الإشكال أصلا كما صرّح هو به، لأنّه يأخذ ذاك الجزء الوجداني في الجزء الّذي يريد أن ينزله منزلة شي‏ء آخر، و ينزل الجزء التنزيلي مع الجزء الوجداني منزلة الجزءين الوجدانيين.

و الحاصل هو أنّه حينما ينزل البذل منزلة الاستطاعة في الحكم المعلق، فهذا الحكم ما هو؟ فإن كان هو وجوب الحج على المستطيع المعلق على البلوغ، فينتج أنّه لو بذل له الزاد و كان بالغا أنّه يجب عليه، و لا ينتج وجوبه على من اجتمع عليه كلا الجزءين التنزيليين، و نفس الشي‏ء يقال في ذاك الطرف، و هذا غير المقصود.

و إن قلتم انّه في هذا التنزيل حينما ينزل البذل منزلة الاستطاعة فهو ينزله من حكمها المعلق الّذي هو وجوب الحج على تقدير الرشد، لا على تقدير البلوغ، فحينئذ، الحكم المعلق جعل في التنزيل الآخر لا في الجعل الأول، لأنّه في الأول جعل على المستطيع إذا بلغ، و على البالغ إذا استطاع، لا على المستطيع إذا كان راشدا، إذن فهذا الحكم مجعول في التنزيل الآخر، فيلزم أن يكون هذا التنزيل ناظرا لذاك و في طوله، و كذلك يقال في التنزيل الآخر، و عليه فيلزم الدور حينئذ و يكون كل من التنزيلين في طول الآخر.

و حاصل الدور في الإشكال الثاني على العراقي (قده)، هو أنّه إذا أريد إيجاد تنزيلين بنحو بحيث يعوض عن مجموع الجزءين الأصليين بمجموع الجزءين التنزيلين من دون أن يعوض عن أحد الجزءين فقط بالبدل التنزيلي و بضمه إلى الجزء الآخر، فإنّ هذا خارج عن المقصود، إذ المقصود من تنزيل المؤدى منزلة الواقع، و تنزيل القطع بالواقع الجعلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي، هو إقامة مجموع البدلين التنزيليين مقام‏

239

مجموع الجزءين الأصليين، لا بنحو يقام هذا البدل التنزيلي مقام أصله في الانضمام إلى الجزء الأصلي الآخر، بل بالنحو الّذي عرفت، و هو دوري.

و إن كان هناك تنزيل واحد فهو أمر معقول، و ذلك كما لو قال:

نزلت مجموع هذين الأمرين منزلة مجموع هذين الجزءين بلحاظ الحكم الواقعي المترتب على مجموع الجزءين الأصليين.

و لكن عرفت أنّه إذا فرضنا تعدد التنزيل فإنّه لا يعقل ذلك إلّا على وجه دوري، لأنّه في كل من التنزيلين يكون التنزيل بلحاظ الحكم المجعول المعلق، و حينئذ هذا الحكم المعلق ليس هو الحكم المعلق المجعول بوجوب الحج على المستطيع البالغ، لأنّ ذاك الحكم المعلق تعلق على الجزء الأصلي الآخر، لا التنزيلي الآخر، فلو نزلنا البذل منزلة الاستطاعة في حكمها المعلق، إذن حكمها المعلق هو الحكم المعلق على تحقّق الجزء الأصلي الآخر، و هو البلوغ، و ليس هذا هو المطلوب، إذن فلا بدّ و أن يكون التنزيل لا بلحاظ الحكم المعلق المجعول في المؤدى الواقعي الأول، بل بلحاظ الحكم المجعول في التنزيل الآخر، ليكون كل من التنزيلين ناظرا إلى الحكم المجعول في التنزيل الآخر.

و هذا يمكن بيانه بتقريب آخر في مقام إثبات الاستحالة و حاصله:

هو أن يقال:

إنّ التنزيل الّذي ينزل المؤدى منزلة الخمر الواقعي، هذا التنزيل لا بدّ و أن ينظر فيه إلى حكم ثابت للخمر، إمّا فعلي، أو معلق، ليسري بالتنزيل إلى المؤدى، و حينئذ هنا نسأل: إنّه ما هو حكم المنزل عليه المنظور بالتنزيل؟ فإن فرض انّ هذا الحكم هو الحكم المعلق المستفاد من الجعل الأولي، و هو جعل الحكم على الخمر الواقعي المقطوع‏

240

الخمرية حيث أنّ ذاك الحكم كان ينحل إلى حكمين معلقين كما قال العراقي (قده)، أحدهما ثبوت الحكم على الخمر معلقا على انضمام القطع إليه، فإن أريد بالتنزيل إسراء هذا الحكم المعلق إلى المنزل، و هو مؤدى الامارة منزلة الخمر الواقعي من هذا الحكم المعلق على الجزء الأصلي الآخر، إذن، لأنتج انّ هذا الجزء المنزل بضمه إلى الجزء الآخر الأصلي ينتج الحكم، و هو خلاف المقصود.

فإذا قلنا ليس المقصود بتنزيل كل من الجزءين بنحو يضم إلى الجزء الأصلي الآخر، فهو في نفسه غير معقول، إذ لا يعقل أن يجعل هذا الحكم المعلق على مؤدى الامارة، إذ من الواضح أنّه مع القطع بالخمرية الواقعية لا حكم ظاهري و لا إمارة، إذ الامارة بما هي حجّة ظاهرية لا يعقل اجتماعها مع القطع بالخمرية الواقعية ليعلق حكمها على انضمام القطع بالخمرية الواقعية إليها.

و أمّا إذا قيل: بأنّ الخمر صار له حكم معلق آخر، و هو الحكم المعلق على انضمام الجزء التنزيلي الآخر ببركة التنزيل، فإنّ التنزيل الثاني ينزل القطع بالواقع الجعلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي من حكم المعلق، إذن، فالخمر صار طرفا في حكم معلق جعل في التنزيل الثاني، و هذا التنزيل الأول يسري هذا الحكم المعلق، و هذا أيضا خلف، لأنّ معناه: إنّ التنزيل الثاني ضمّ ببركة التنزيل إلى الجزء الأصلي الأول، لكي ينتج حكما فعليا على الخمر، و هو خلف. لأنّنا فرضنا أنّ كلا من التنزيلين لا يقصد بإيجاد البدل التنزيلي لجزئه. أن يضم هذا البدل إلى الجزء الأصلي الآخر، بل أن يضم إلى البدل الآخر، فإذا افترضنا انّ الخمر صار طرفا للحكم المعلق في التنزيل الثاني، فمعناه: انّ الثاني ضم بدله التنزيلي إلى الأصلي الآخر، إذن كلا الفرضين خلف، و الثالث محال، فيتم المطلوب.

241

و الخلاصة: هي انّ تنزيل المؤدى منزلة الخمر الواقعي لا بدّ و أن ينظر فيه إلى حكم ثابت للخمر، إمّا فعلي، أو تعليقي ليسري بالتنزيل إلى المؤدّى، إذن، فلا بدّ أن يكون نظر دليل التنزيل إلى حكم ثابت للخمر الواقعي يكون المقصود إسراؤه إلى المنزل عليه، و إلّا فالتنزيل غير معقول لما عرفت، و الحكم الثابت في المنزل عليه هنا، إن كان هو الحكم المعلق المستفاد من الجعل الأولي للحكم على الخمر المقطوع الخمرية، فهذا خلف أيضا، لأنّه معلق على انضمام الجزء الأصلي الآخر، فلو أريد إسراؤه لما أنتج المقصود كما عرفت، بل هو في نفسه غير معقول في خصوص المقام، لأنّ الجزء المعلق عليه في المقام هو القطع بالخمرية و مع حصوله لا يبقى موضوع التنزيل الظاهري في المؤدّى.

و إن كان هو الحكم المعلق على القطع التنزيلي الثابت ببركة التنزيل الثاني، فهذا أيضا خلف، فإنّ هذا معناه: إنّ التنزيل الثاني قد ضم فيه الجزء التنزيلي الثاني- و هو القطع بالواقع التنزيلي- لا الجزء الأصلي من الآخر- و هو الخمر الواقعي- بل يلغو التنزيل الأول حينئذ، لأنّ الجزء التنزيلي الثاني دائما- في خصوص المقام- يكون مع التنزيل الأول لكونه في طوله، فلا يبقى إلّا أن يكون التنزيل بلحاظ حكم غير ثابت للمنزل عليه، بل يثبت بنفس دليل التنزيلين، و هذا محال، لأنّه لو أريد فيه النظر إلى إسراء الحكم الثابت في نفس هذا الدليل، فهو محال في نفسه، لأنّ معناه: افتراض ثبوته قبل ثبوته، و إن أريد فيه عدم النظر إلى حكم موضوع أصلا، فهو خلف فرض التنزيل.

3- الاعتراض الثالث: على العراقي (قده) هو أنّه حينما نريد تنزيل القطع بالواقع الجعلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي، يعني نأخذ

242

القطع بالواقع الجعلي في موضوع الحكم المذكور الّذي هو حكم شرعي واحد و القطع بالواقع الجعلي و التنزيلي معناه: حكم الشارع على طبقة بما يماثل حكمه الأولي، و هذا هو معنى التنزيل.

و المفروض أنّه عندنا حكم واحد، إذن، فقد أخذنا القطع بالحكم في موضوع نفس ذلك الحكم و هو محال عندهم.

أو قل: إنّ تنزيل القطع بالواقع التنزيلي الجعلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي معناه: أخذ القطع بالواقع الجعلي في موضوع الحكم المذكور الّذي هو حكم شرعي واحد، و هذا معناه أخذ القطع بالحكم في موضوع شخصه، و هو محال عندهم.

نعم الإشكال غير وارد على مبنانا، لأنّا وجّهنا إمكان أخذ القطع بالحكم في موضوع نفسه و ذلك بأن يؤخذ القطع بالجعل في موضوع المجعول و ذلك كما لو كان الحكم متعدد، و التنزيل متعدد، فالمأخوذ في أحد الحكمين هو العلم بالحكم الآخر، و لا مانع من ذلك، و إن كان مانعا على مبنى العراقي و الكفاية.

و أمّا كلام صاحب الكفاية، فيردّ عليه أربع إشكالات.

1- الإشكال الأول: هو بطلان المقدّمة الثانية، أي انّنا لو سلّمنا المقدّمة الأولى، و هي تعدّد التنزيل، فإنّا لا نسلّم عدم معقولية تعدد التنزيل بلحاظ حكم واحد، و ذلك لما بيّناه في أول مناقشة المحقّق العراقي، من أنّ التنزيل ليس أمرا ثبوتيا راجعا إلى جعل الحكم في عالم الثبوت و نفس المولى، بل مرجعه إلى لسان من ألسنة الأدلة الإثباتية، فتنزيل مؤدّى الامارة منزلة الخمر الواقعي، و تنزيل القطع الجعلي منزلة القطع الحقيقي، هما لسانان إثباتيان من ألسنة الأدلة، لا ثبوتيين ليردّ كلامه، إذ الحكم الواحد، تارة، يراد توسعته بقرينة متصلة فيعبر، «بأو»، و أخرى، بقرينة منفصلة، و ذلك لسان من ألسنة التنزيل، و ليس هذا

243

التنزيل جعلا، إذ من الواضح أنّه ليس المقصود جعل حكم آخر وراء الأول، و إلّا للزم تعدّد الأحكام، بل المقصود توسعة دائرة موضوع الحكم الأول، و هذه التوسعة لم تبيّن بالدليل الأول، إذن فتبيّن بدليل ثاني، إذن، فالتنزيلان ألسنة إثباتية، لا جعول ثبوتية، فتعدّدها من باب تعدّد القرائن المنفصلة الكاشفة عن جعل الحكم على موضوع مركب واحد، و هذا لا مانع منه، و ليس بابه باب الجعول المتعدّدة لحكم واحد.

و الحاصل: هو انّ المقدّمة الثانية- القائلة باستحالة الطولية بين التنزيلين لجزأي الموضوع الواحد- باطلة، إذ التنزيل كما عرفت هو مجرد لسان إثباتي، و لا يعني إسراء حقيقيّا للحكم، إلّا بلحاظ المدلول التصديقي الجدي، إذن، فتعدد التنزيل ليس إلّا من باب تعدد القرينة المنفصلة الكاشفة عن جعل الحكم على الموضوع المركب.

2- الإشكال الثاني: هو بطلان دعوى الطولية بين التنزيلين في كلامه، فإنّ تنزيل الأول، و هو تنزيل المؤدّى منزلة الخمر، و تنزيل الثاني، و هو تنزيل القطع بالخمر منزلة القطع بالواقع الحقيقي، ليس في طول تنزيل المؤدّى، فهما ليسا طوليين، بل بالإمكان جعلهما في إنشاء واحد، ذلك بأن ينزل المجموع المركب من المؤدّى و القطع بالخمرية الجعلية منزلة المجموع المركب من الخمر الواقعي و القطع بالخمرية الواقعية، و ذلك بعد أن يكون المراد من القطع بالواقع الجعلي هو القطع بهذا الجعل الّذي يراد به إنشاء التنزيلين، حينئذ يكون مرجعه إلى وجود جعل واحد أخذ في موضوعه جزءان، أحدهما، قيام الامارة، و الآخر القطع بنفس هذا الجعل، و سوف يأتي أن أخذ القطع بالجعل في موضوع فعلية المجعول أمر معقول، إذن، فالجمع بين هذين التنزيلين أمر معقول و لا يلزم أن يكونا طوليين و متعددين.

244

و بعبارة أخرى: إنّ تنزيل القطع بالواقع التنزيلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي ليس في طول تنزيل المؤدّى، لأنّ تنزيل شي‏ء منزلة شي‏ء آخر لا يتوقف على وجود المنزل خارجا، بل يتوقف على مجرد افتراضه، فيصحّ تنزيل النبيذ أو الفقاع منزلة الخمر حتّى لو لم يوجد فقاع أو نبيذ خارجا، إذ تنزيل القطع بالمؤدّى التنزيلي لا يتوقف على أكثر من فرض وجود النبيذ مثلا، فمرجعه حينئذ إلى وجود جعل واحد أخذ في موضوعه جزءان، قيام الامارة، و القطع بنفس هذا الجعل.

أو قل: إنّ مرجعه إلى أخذ القطع بالحكم في موضوع شخصه حيث أنّ التنزيلين بلحاظ حكم واحد و إسراء واحد.

و قد عرفت و سوف يأتي، انّه يعقل أخذ القطع بالجعل في موضوع فعليّة المجعول، إذ الجمع بين هذين التنزيلين أمر معقول، و لا يلزم أن يكونا طوليين و متعددين.

3- الإشكال الثالث: هو أنّه لو سلّمنا كلتا المقدّمتين، فمع هذا يمكن تتميم كلام حاشية الآخوند على رسائل الشيخ (قده)، و ذلك لأنّنا قلنا سابقا بأنّ الدلالة الالتزامية الّتي ادعاها في الحاشية لها أحد وجهين: فهي إمّا أن تكون دلالة التزامية عرفية، و إمّا أن تكون عقلية بدلالة الاقتضاء.

فإن كان مدرك هذه الدلالة هو الملازمة العرفية، من باب أنّ العرف- لعدم دقته- يرى انّ تنزيل المؤدّى منزلة الواقع يساوق تنزيل القطع بالواقع الجعلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي، و حينئذ، نحن لا نتكلم في مورد تكون الخمرية فيه جزء الموضوع، و يكون القطع بالخمرية هو الجزء الآخر ليلزم الإشكال، بل نتكلم في مورد يكون الخمر فيه تمام الموضوع لحكم واقعي و هو حرمة الشرب، و يكون القطع بالخمرية تمام الموضوع لحكم واقعي آخر «كوجوب الإراقة» مثلا، إذن يوجد حكمان واقعيان.

245

أو قل: تنزيلان مستقلان لا ربط لأحدهما بالآخر، و يكون القطع بالواقع التنزيلي الأول بلحاظ الحكم الأول و بلا توقف على الثاني، و القطع بالواقع التنزيلي الثاني بلحاظ الحكم الثاني، و ملاك الدلالة الالتزامية العرفية- و هو المسامحة و عدم الفرق بين القطع بالواقع الحقيقي، و القطع بالواقع التنزيلي- إذا بني عليها، فهي جارية في محل الكلام لأنّها نكتة خفاء المطلب، و لأنّه لا يفرق بين أن يكون الخمر موضوعا مستقلا أو لا.

و على ضوء هذا لا بأس إذن بوجود تنزيلين، و لا يلزم حينئذ وحدة التنزيل لوحدة الحكم، و بهذا يتمّ المطلوب.

و إن كان الوجه في الدلالة الالتزامية هو دلالة الاقتضاء، حينئذ نقول: بأنّ تنزيل المؤدّى منزلة الواقع يوجب بدلالة الاقتضاء- و صونا لكلامه عن اللغوية- أن يكون المولى قد نزّل شيئا آخر منزلة الجزء الآخر- و هو القطع بالخمرية الواقعية- لئلّا يلزم لغوية التنزيل الأول.

لكن دلالة الاقتضاء لا تعين ما هو المنزل منزلة الجزء الآخر، و إنّما عيّنه الآخوند (قده) بالمناسبات العرفية و الفهم العرفي حيث قال: «المناسب أن يكون المنزل منزلة الخمرية هو القطع بالواقع الجعلي، و إلّا فيمكن أن يكون أمرا آخر، و هو الظن بالواقع الحقيقي، و بذلك يتم رفع اللغوية.

إذن هذا الإشكال الّذي يشكله منشأ من طولية التنزيلين، و هذه الطولية نشأت من افتراض انّ المنزل هو القطع بالواقع الجعلي الّذي هو في طول التنزيل، أمّا لو كان المنزل هو الظن بالواقع الحقيقي، إذن لا طولية بين التنزيلين.

و حينئذ نقول: إنّ إشكال الآخوند (قده) تمام ما يبطل هو، المناسبات العرفية، و لا يبطل أصل دلالة الاقتضاء، إذ عندنا دالان:

دلالة الاقتضاء، و هي تنزيل شي‏ء، و المناسبة العرفية تعيّنه في القطع‏

246

بالواقع الجعلي، و برهان الكفاية يبرهن على استحالة ذلك، إذن تسقط المناسبة العرفية، لا دلالة الاقتضاء، فإنّ دلالة الاقتضاء لم تكن تعيّن ابتداء ما هو المنزل منزلة الجزء الثاني، و إنّما عيّنّا ذلك بالمناسبة العرفية، إذن، بضم دلالة الاقتضاء إلى دليل الكفاية و هو الظن بالخمرية الواقعية لا القطع بها، و معه لا طولية.

و إن شئت قلت: لو فرضنا انّ تنزيل القطع بالواقع التنزيلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي مستحيل، فيستكشف انّ أمرا آخر هو الّذي نزل منزلة القطع بالواقع، فإنّ دلالة الاقتضاء لم تكن تعيّن ابتداء ما هو المنزل منزلة القطع بالواقع الحقيقي،- أي الجزء الثاني- و إنّما عيّنّا ذلك بالمناسبات العرفية، فإذا كان ذلك محالا، فليكن المنزل الظن بالواقع أو أمر آخر ملازم.

و الخلاصة: هي انّ كلام الكفاية يرد عليه:

أولا: بطلان المقدّمة الثانية، لأنّ التنزيل ليس من جنس الجعل ثبوتا ليقال: أنّه بناء على وحدة حكم المنزل عليه لا يتصور إلّا تنزيل واحد، بل التنزيل مرجعه إلى عالم الإثبات، إذن، لا محذور في تعدّد القرائن الإثباتية بالنسبة إلى دليل واحد كما عرفت.

و يرد ثانيا: بطلان المقدّمة الأولى، لأنّه يشترط في معقولية التنزيل فعليّة المنزل، فتنزيل القطع بالواقع التنزيلي ليس في طول أن يوجد واقع تنزيلي خارجي، بل في طول افتراض ذلك في عالم الجعل كما تقدّم، و لا مانع من أن يفترض الأمران معا في جعل واحد، فيقول مثلا:

«نزلت المؤدّى بالقطع بالواقع الجعلي منزلة الجزءين الواقعيين»، و قد عرفت ما يرد ثالثا فيما مرّ.

4- الإشكال الرابع: هو أنّ المحقّق الخراساني (قده)، كان يريد

247

أن يقول: بأنّ هذين التنزيلين طوليان كما ذكر في المقدّمة الأولى، و الطولية كان يدعيها من هذا الطرف، بمعنى أنّ التنزيل القطع بالواقع الجعلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي في طول تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، بينما إذا دقّقنا النظر، نجد أنّ الطولية في المقام- لو تعقلنا هذين التنزيلين- ثابتة، لكن بعكس ما كان يترقبه صاحب الكفاية، فإنّ التنزيل الأول في طول التنزيل الثاني لا العكس، و طولية التنزيل الأول، و هو تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، طوليته ليس باعتبار خصوصية المنزل هنا و المنزل هناك، بل أيّ شي‏ء كان المنزل هنا و هناك، فالطولية محتومة في المقام، بمعنى أنّ التنزيل الأول في طول التنزيل الثاني، و ذلك لنكتة ترجع إلى طبيعة التنزيل نفسه لا إلى خصوصية أنّ المنزل ما هو، كما كان يلحظ ذلك في الكفاية، و ذلك أنّ التنزيل الأول بحسب حقيقته هو تنزيل ظاهري، و التنزيل الثاني بحسب هويته هو تنزيل واقعي، و كل التنزيلات الظاهرية في طول التنزيلات الواقعية المنصبّة على حكم واحد، يعني حكم واحد إذا تحقّق له تنزيلان، أحدهما واقعي و الآخر ظاهري، فيكون الظاهري في طول الواقعي.

و توضيح ذلك يكون ببيان أمرين.

أ- الأمر الأول: هو أنّ تنزيل المؤدّى منزلة الواقع ظاهري، و ذلك لأنّ مرادنا من التنزيل الظاهري، يعني التنزيل الّذي يكون مضمونه حكما ظاهريا و إسراء ظاهريا لحكم المنزل عليه إلى المنزل مع حفظ الواقع على واقعه، بحيث أنّه قد ينكشف الخلاف، إذن فالتنزيل الظاهري مرجعه إلى حكم ظاهري أخذ في موضوعه الشك في حكم المنزل عليه.

و المقصود بهذا التنزيل هو إسراء حكم المنزل عليه إلى المنزل، لكن إسراء ظاهريا، لأنّه حكم في الشك، كما لو قال المولى: «المائع‏

248

المظنون الخمرية و الّذي أخبر الثقة عن خمريته، منزل منزلة الخمر الواقعي»، فهذا التنزيل ظاهري لأخذ الشك في موضوع المنزل عليه، و المقصود منه إسراء حكم المنزل عليه إلى المنزل، و لأنّ مفاد هذا التنزيل جعل الحجيّة.

إذن يتضح انّ ما هو المجعول في هذا التنزيل بحسب الحقيقة ليس هو إسراء الحكم الواقعي حقيقة، لأنّ هذا خلف أخذ الشك في موضوعه، و خلف كوننا نتكلم عن دليل الحجيّة و هو الحكم الظاهري، و إنّما مفاد هذا التنزيل هو إنشاء حكم ظاهري مماثل للحكم الواقعي، فإن كان الخبر مصيبا للواقع فالحكم الظاهري مماثلا للحكم الواقعي، و إن كان الخبر مخطئا، فالحكم الظاهري غير مماثل للحكم الواقعي، و لكن نكون قد أنشأنا حكما ظاهريا به.

ب- الأمر الثاني: هو أنّ تنزيل القطع أو أيّ شي‏ء آخر منزلة القطع الموضوعي هو تنزيل واقعي، و مفاده جعل حكم واقعي، و ذلك لأنّ هذا التنزيل لم يؤخذ في موضوعه الشك، فمثلا حينما يقول: «نزلت الظن منزلة القطع بالخمرية» فيما لو فرض أنّ القطع بالخمرية كان موضوعا لوجوب الإراقة، فهنا: حينئذ لا يوجد شك في وجوب الإراقة، بقطع النظر عن هذا التنزيل، بل هو معلوم العدم، لأنّ موضوعه القطع إذن، فالشك منتف وجدانا، إذن، هذا التنزيل هو إنشاء حكم واقعي و توسعة واقعية للحكم بوجوب الإراقة.

و هذا معنى انّ هذا التنزيل يكون تنزيلا واقعيا، و سوف يأتي أنّ تنزيل الامارات منزلة القطع الموضوعي نسميه بالحكومة الظاهرية، إذن فهذان التنزيلان مختلفان جوهرا و حقيقة، لأنّ الأول ظاهري، و الثاني واقعي، و حينئذ: يترتب على ذلك.

أولا: الطولية بين التنزيلين بعكس ما كان يترقبه صاحب الكفاية، فإنّ‏

249

الطولية ستكون بمعنى أنّ التنزيل الظاهري الّذي هو التنزيل الأول في طول التنزيل الثاني الّذي هو الواقعي، لأنّ الظاهري هو جعل الحكم المماثل للواقعي، إذن لا بدّ و ان يفترض في مرتبة سابقة حكم و تنزيل واقعي.

و يترتب على ذلك ثانيا: انّه هنا، تعدد التنزيل الّذي استشكل فيه، لا موجب للاستشكال فيه، باعتبار وجود حكمين هنا حقيقة، أحدهما واقعي، و الآخر ظاهري، إذن، فالقول انّه لا يعقل تعدّد التنزيل لطولية التنزيلين مع وحدة الحكم، هذا القول إنّما يعقل و يتصور لو كان التنزيلان واقعيين معا، و أمّا إذا كان أحدهما مفاده الحكم الظاهري، و الآخر مفاده الحكم الواقعي، فحينئذ لا استحالة بتعدد التنزيل، بل يكون شيئا معقولا على كلّ حال لما عرفت، و يكون كلام الكفاية بلا موضوع.

و يترتب ثالثا: انّه يتبين انّ التنزيل الأول هنا في نفسه غير معقول، و ذلك لأنّا فرضناه تنزيلا ظاهريا، و انّ المجعول فيه هو الحكم الظاهري، و هذا الحكم الظاهري، المجعول فيه لا بدّ و أن يفرض أنّه معلق على جزء آخر أولا، فإن فرض أنّه غير معلق على جزء آخر، إذن فلا يمكن مطابقته للواقع، إذ الظاهري إن لم يكن معلقا، إذن فهو خلف كونه حكما ظاهريا، لأنّ الظاهري يجب أن يكون مماثلا للحكم الواقعي، و المفروض أنّ الحكم الواقعي منوطا بالجزء الآخر، فإذا لم يكن الحكم الظاهري معلقا على جزء آخر، إذن، فهو غير مماثل للحكم الواقعي حينئذ.

و إن فرض أنّه منوطا بالجزء الآخر، حينئذ، فإن كان هذا الجزء الآخر الأصلي هو القطع بالخمرية الواقعية، فهذا مستحيل، لأنّه لا يعقل إناطة الحكم الظاهري بالقطع بالخمرية الواقعية، لأنّ هذا يوجب رفع موضوعيته، و إن كان هذا الجزء الآخر هو البدل التنزيلي للقطع بالحرمة

250

الواقعية، و أيّ شي‏ء فرضنا هذا البدل- فهذا خلف كونه ظاهريا، لأنّ الحكم الواقعي في المقام غير معلق على الجزء الآخر بحسب الفرض، إذن لا يمكن أن نفرض أنّ الحكم الظاهري معلقا على الجزء الآخر، إذ الظاهري لا يمكن تعليقه على طرف لا يكون الواقعي معلقا عليه، و المفروض انّ هذا البدل التنزيلي لا يفي بالحكم الواقعي لو ضم إلى الجزء الأصلي الآخر، لأنّ الحكم الظاهري لا بدّ و أن يجعل بنحو يحتمل مطابقته للواقع، هذا حاصل الإشكالات الأربعة على الكفاية.

ثمّ ننتقل إلى ما ذكره صاحب الكفاية في حاشيته على رسائل الشيخ الأعظم (قده)، فقد ذكر فيها، أنّه بدليل الحجيّة نثبت بالمطابقة تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، و بدلالة الالتزام نثبت تنزيل القطع بالواقع الجعلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي، و هنا لنا تعليقان.

1- التعليق الأول: هو انّ هذه الدلالة الالتزامية غير مقبولة، لأنّ مدركها كما عرفت هو أحد وجهين: إمّا مسامحة العرف، و إمّا دلالة الاقتضاء، و كلاهما غير صحيح.

أمّا الأول: فمن الواضح انّ الدلالة الالتزامية العرفية إنّما تكون حجّة فيما إذا فرض أنّ المدلول الالتزامي- إمّا في مرحلة المدلول التصوري أو في مرحلة المدلول التصديقي، كان قريبا من الذهن العرفي جدا بحيث انّ العرف حينما يلتفت إلى مدلول هذا الكلام ينتقل منه بسرعة عرفية إلى ذلك المدلول الالتزامي، حينئذ في مثله، يكون حجّة، لأنّه يرجع إلى باب ظهور اللفظ، و أمّا إذا كان مدلولا التزاميا بحاجة إلى تفكير عميق كي يلتفت إلى تصور هذا المدلول الالتزامي، و بعد ذلك يفترض الملازمة، فالذهن العرفي حينئذ لا ينتقل بسرعة من المدلول المطابقي إلى المدلول الالتزامي، و حينئذ مثل هذه الدلالة الالتزامية لا تشكل ظهورا في اللفظ ليكون حجّة، و بالتالي هي غير عرفية.

251

و أمّا الثاني: و هو دلالة الاقتضاء، فالجواب عليه أوضح، و ذلك لأنّه تارة يكون أصل كلام الحكيم لغوا لو لا الالتزام بهذا اللازم كما لو ورد دليل الحجيّة في خصوص هذا المورد و قال: «نزلت مظنون الخمرية منزلة الواقع» مع أنّه لا أثر للواقع، فهنا لا بأس بالقول انّ هذا الكلام لو لا اللازم لكان لغوا، فيستكشف اللازم حينئذ، و أمّا إذا فرض انّ هذا الاستكشاف كان بلحاظ إطلاق الكلام لا أصله، لأنّ دليل الحجيّة لم يرد في خصوص هذا المورد، بل في سائر الموارد، و حيث لا أثر لهذا الكلام، فيكون لغوا، فيستكشف هذا الإطلاق، لأنّ دليل الحجيّة قد أخذ في موضوعه الأثر العملي، و حيث لا أثر عملي فلا إطلاق لدليل الحجيّة في نفسه، إذن، فأين الإطلاق لنحافظ عليه و نصونه عن اللغوية بإثبات اللازم، لأنّ دليل الحجيّة ككل دليل أخذ في موضوعه، وجود الأثر العملي، و مع عدمه فلا إطلاق، إذن فلا معنى للتمسك بدلالة الاقتضاء.

2- التعليق الثاني: على كلام الحاشية هو أن يقال: إنّ كلام الحاشية لا يتم لإفادة قيام الامارة مقام القطع الموضوعي فيما إذا كان القطع تمام الموضوع للحكم الشرعي و لم يكن المؤدى موضوعا لحكم شرعي، فإنّه في مثل ذلك لا يكون المؤدّى منزلا منزلة الواقع لتكون الامارة منزلة منزلة القطع، فلو فرض أنّه قال: «إذا قطعت بخمرية المائع حرم شربه، و وجبت إراقته» بنحو يكون تمام الموضوع لحرمة الشرب و وجوب الإراقة هو، القطع بالخمرية، أمّا واقع الخمرية فلا يكون موضوعا لحكم و لا دخيلا في جزء الموضوع أيضا ففي مثل ذلك لا يتم كلام الحاشية، لأنّه فيها أريد استكشاف التنزيل الثاني من التنزيل الأول، إذ لا بدّ أولا من إثبات تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، ثمّ بالملازمة نستكشف بالدلالة الالتزامية أو بدلالة الاقتضاء انّ القطع بالواقع التنزيلي، منزل منزلة القطع بالواقع الحقيقي، إذن فلا بدّ قبل كل شي‏ء

252

من أن يتم تنزيل المؤدى منزلة الواقع ليترتب عليه الدلالة الالتزامية، و في محل الكلام، فإنّ تنزيل المؤدى منزلة الواقع غير معقول، لأنّ الواقع ليس له أثر و لو ضمنا، إذن فلا يعقل تنزيل المؤدى منزلته و لو بلحاظ الأثر الضمني و التعليقي، و إذا لم يكن بالإمكان تنزيله كذلك، فلا يتم المدلول المطابقي ليتم المدلول الالتزامي، و هو تنزيل القطع بالواقع الجعلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي، إذن ففي أمثال ذلك، لا يتم هذا البيان، بل لو تمّ فإنّما يتم فيما فرضه صاحب الحاشية.

3- التعليق الثالث: و هو نظري، حيث يقال: إنّ صاحب الحاشية ما دام أنّه كان يبحث بحثا نظريا ثبوتيا، فلو قلب المطلب و افترض دليلا مفاده تنزيل الظن منزلة القطع، أي إقامة الامارة مقام القطع الموضوعي، و يستفيد منه بالملازمة العرفية قيام الامارة مقام القطع الطريقي، و مقتضى هذا القيام حينئذ، أنّها ترفع موضوع البراءة، لأنّ أصالة البراءة حكم شرعي جعل موضوعه عدم العلم، و العلم هنا نسبته إلى البراءة نسبة القطع الموضوعي، و إن كان نسبته إلى التكليف الواقعي نسبة القطع الطريقي، فإذا فرض انّ الامارة القائمة على حرمة التتن نزلت منزلة القطع بحرمة شرب التتن في رفع موضوع البراءة، فيمكن القول: بأنّه نفهم من ذلك بالدلالة الالتزامية العرفية انّه حجّة و منجز لأنّ العرف يفهم من كونه رافعا لموضوع البراءة، أنّه منجز و حجّة، و إن كان لا ملازمة عقلية، إذ قد يرفع شي‏ء موضوع البراءة، و لكن لا ينجز، بل تجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان على رأي المشهور.

و يرد حينئذ على هذه الاستفادة بعض ما أوردنا سابقا على استفادة الحاشية نفسها، و بذلك اتضح انّ الامارات لا تقوم مقام القطع الموضوعي، لعدم إيفاء دليل حجيّة الامارة بقيامها مقام القطع الموضوعي.

و بهذا يكون قد تمّ هيكل البحث الّذي بني من إشكال صاحب‏

253

الكفاية على تنزيل الامارة منزلة القطع الموضوعي، و من تعليقنا على الكفاية و الحاشية، و المعلّق عليها، و قد تبيّن ما عرفت.

نعم أشرنا في أول البحث إلى انّ هذا الكلام و الإشكال في قيام الامارات مقام القطع الموضوعي، إنّما يرد فيما إذا كان القطع مأخوذا في موضوع الدليل بما هو قطع كما هو ظاهر صاحب الكفاية (قده) (1)، بحيث يحتاج إقامة الامارة مقامه إلى حاكمية دليل حجيّتها و نظره إليه.

و أمّا إذا استفدنا من أخذ القطع في الموضوع أنّه مأخوذ بما هو حجّة، فحينئذ لا يأتي في المقام إشكالنا السابق، و هو أنّ دليل الحجيّة ليس له نظران، لأنّ دليل الحجيّة حينئذ يكون واردا على القطع الموضوعي لا حاكما، و بذلك يتحقّق مصداق حقيقي لموضوع دليل القطع الموضوعي بالتعبّد، و قد أوضحنا أنّ الدليل الوارد لا يحتاج إلى نظر نحو الدليل المورود، لكن ذلك على تفصيل حاصله: أنّه يوجد هنا ثلاث صور:

الأولى: هو أن يفرض انّ المؤدّى، أي المقطوع ليس له أثر شرعي أصلا، و إنّما تمام الأثر مترتب على القطع.

الثانية: هي أن يفرض انّ الأثر يكون مترتبا على المجموع المركب من القطع و المقطوع.

الثالثة: هي أن يفرض انّ تمام الموضوع هو القطع.

فإن كان تمام الموضوع هو القطع، ففي مثله لا يعقل قيام الامارة مقام القطع، إذ لا يعقل حجيتها في نفسها، لأنّ حجيتها فرع أن تكون قابلة للتنجيز و التعذير بلحاظ مؤدّاها، و المفروض أنّها غير قابلة لذلك‏

____________

(1) المصدر السابق.

254

بلحاظ مؤدّاها، لأنّ مؤدّاها ليس موضوعا لحكم شرعي في نفسه لا ضمنا و لا استقلالا، و معه لا يتحقّق فرد من موضوع الدليل.

و إن كان القطع مع المقطوع كلاهما جزءين لموضوع حكم شرعي واحد، فهنا أيضا لا يعقل جعل الحجّة كما ذكرنا سابقا من أنّ تنزيل شي‏ء منزلة الواقع ظاهرا مع كون الجزء الآخر هو القطع، أمر غير معقول، و إنّما ينحصر هذا المطلب بما إذا كان للمؤدّى أثر شرعي في نفسه قابل للتنجيز، و كان هناك أثر آخر مترتب على القطع، فحينئذ، دليل الحجيّة يشمل المؤدّى بلحاظ أثر المؤدّى في نفسه، و بهذا يتحقّق أثر وجداني لموضوع دليل القطع الموضوعي، فيشمله دليل القطع الموضوعي.

هذا تمام الكلام في قيام الامارة مقام القطع الموضوعي الطريقي، و بقي الكلام في قيام الامارة مقام القطع الموضوعي الصفتي.

4- الجهة الرابعة: في قيام الامارة مقام القطع الموضوعي الصفتي:

و ليس في هذه الجهة مزيد كلام بعد أن اتضحت حيثيّات البحث في الجهة السابقة، إذ بناء على مسلكنا في الجهة السابقة، و هو عدم قيام الامارات مقام القطع الموضوعي الطريقي، يكون عدم قيام الامارات مقام القطع الموضوعي الصفتي بطريق أولى، و بنفس النكات الّتي تقدّمت في الطريقي، لكن بنحو أوضح.

و أمّا بناء على مسلك الميرزا (قده) الّذي يقول بقيام الامارات مقام القطع الموضوعي الطريقي تبعا للشيخ الأنصاري (قده)، فحينئذ ينفتح الكلام في قيام الامارات مقام القطع الموضوعي الصفتي و عدمه.

و هنا ينبغي القول: بأنّ مجرد افتراض تلك العناية الّتي بذلها الميرزا (قده) في تتميم قيام الامارات مقام القطع الموضوعي الطريقي هناك، فإنّها لو بذلت لتنتج المطلوب هنا، أو ما أنتجته هناك، لا تكفي‏