بحوث في علم الأصول - ج8

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
490 /
255

ما لم يضف إليها عناية أخرى، و ذلك لأنّ تلك العناية كانت عبارة عن دعوى جعل الطريقية و أنّ مفاد دليل الحجيّة جعل الامارة علما و كاشفا، فيترتب عليه كل ما يترتب على العلم من الآثار و الّتي منها الأحكام المجعولة على القطع الموضوعي الطريقي، فهذه العناية لا تفيد بناء على ما ذكرنا في الجهة الأولى، حيث ذكرنا، انّ التفسير العرفي للقطع الموضوعي الصفتي هو عبارة عن كون القطع مأخوذا في موضوع الحكم بلحاظ معلولاته النفسانية من إزالة القلق و إيجاد الاستقرار و نحوه، بينما القطع الموضوعي الطريقي عبارة عن أخذ العلم بما هو، بلا ضمّ لحاظ معلولاته النفسانية إليه، و حينئذ، لو تمّ كون مفاد دليل الحجيّة هو جعل الامارة علما، و تمّت شروط الحاكميّة في دليل الحجيّة على دليل القطع الموضوعي، فمن الواضح أنّ غاية ما يصنعه دليل الحجيّة هو، أنّه يجعل الامارة علما و كاشفا، لكن لا يجعلها كذلك بلحاظ معلولات العلم، إذ انّ هذا هو القدر المتيقن ممّا يصنعه دليل الحجيّة.

إذن فإقامة الامارة مقام القطع الموضوعي الصفتي بحاجة إلى عناية أزيد اعتبارية على اصطلاح الميرزا (قده)، أو أزيد تنزيليّة على اصطلاح آخر كي يكمل ذلك الاعتبار النفساني، و هو غير موجود في دليل الحجيّة، سواء كان لفظيا أو كان السيرة.

هذا تمام الكلام في الجهة الرابعة.

و قد اتضح بهذه المسألة، انّ الامارات و الأصول تقوم مقام القطع الطريقي الصرف، و لكن لا تقوم مقام القطع الموضوعي الطريقي، فضلا عن القطع الموضوعي الصفتي، خلافا للمشهور.

256

[تنبيهات‏]

تنبيه [ (الاول): فى أنّ حاكمية دليل الحجيّة على أدلة الأحكام الواقعية بلحاظ القطع الطريقي، تكون حاكمية ظاهرية]

ينبغي التنبيه، على أنّه بناء على ما عليه المشهور و الميرزا (قده) من قيام الامارات مقام القطع الطريقي و الموضوعي معا، ينبغي التنبيه على أنّ حاكمية دليل الحجيّة على أدلة الأحكام الواقعية بلحاظ القطع الطريقي، تكون حاكمية ظاهرية، مرجعها إلى توسعة دائرة التنجيز و التعذير فقط، لا حاكمية واقعية، فمثلا: الامارة القائمة على أنّ زيدا عادل، هذه الامارة تقوم مقام القطع الطريقي بعدالته بلحاظ جواز الائتمام به، و قيامها مقام القطع الطريقي مرجعه إلى توسعة دائرة التنجيز و التعذير اتجاه الأحكام الواقعية، و هذا ما نسميه بالحكومة الظاهرية على الأحكام الواقعية، و من شئون كونها ظاهرية، إنّ لها انكشاف الخلاف، لأنّه يوجد واقع محفوظ في نفس الأمر مشترك بين العالم و الجاهل، فهذه التوسعة لها انكشاف الخلاف:

و أمّا قيامها مقام القطع الموضوعي الّذي مرجعه إلى كونها حاكمة على أدلة القطع الموضوعي، فهذه الحاكمية حاكمية واقعية، و إن كانت مدرسة الميرزا (قده) غير واضحة في هذا التمييز بين كونها واقعية أو ظاهرية، فهنا يثبت الحكم الواقعي حقيقة بالاعتبار أو التنزيل على الاختلاف.

و نكتة كونها واقعية هي، أنّه لم يؤخذ في موضوع هذه الحاكمية الشك، و إنّما أنشئ هذا الحكم إنشاء بنفس الدليل الحاكم، فبقطع النظر

257

عن هذه الحاكمية لم يحتمل وجود الحكم، لأنّ الحكم مترتب على القطع، و هو منتف وجدانا، فلم يكن هناك شك في وجود هذا، و إنّما أنشئ هذا الحكم بنفس الدليل الحاكم، فحاكمية دليل الحجيّة على دليل القطع الموضوعي من قبيل حاكمية دليل «الطواف بالبيت صلاة» على دليل «لا صلاة إلّا بطهور»، أي حاكمية واقعية، و لهذا لا يتصور لها انكشاف الخلاف، كما أنّه لا يتصور بعد أن يقول: «الطواف بالبيت صلاة» انكشاف الخلاف، لأنّ هذا التنزيل واقعي، و الواقعي لا يتبدل، فلا معنى لانكشاف الخلاف فيه.

و هناك نكتة أخرى لا بدّ من التنبيه عليها و هي: انّه لو قلنا بقيام الامارات مقام القطع الطريقي، و مقام القطع الموضوعي معا، فالميرزا (قده) حينئذ، هل يقول: بأنّ هذين التنزيلين أو القيامين مترابطان بحيث أنّ أحدهما موقوف على الآخر؟ بمعنى أنّ قيام الامارة مقام القطع الموضوعي فرع قيامها مقام القطع الطريقي، أو أنّه لا تلازم بينهما؟ و يترتب على ذلك بعض الثمرات.

منها: مثلا لو فرض أنّ الفقيه أراد أن يستنبط حكم الحائض الّذي هو خارج عن محل ابتلائه و استند إلى الامارة في ذلك، فهذه الامارة بالنسبة للفقيه لا تقوم مقام القطع الطريقي، لأنّ هذا الحكم لا يقبل التنجيز بالنسبة للفقيه حتّى لو قطع به فكيف بالامارة، إذن، فلا معنى للقول: بأنّ هذه الامارة حجّة على الفقيه بلحاظ قيامها مقام القطع الطريقي.

و إنّما هي حجّة على الحائض باعتبار قيامها مقام القطع الطريقي للحائض، و هذا شي‏ء آخر.

نعم لو أريد تسجيل حجيتها على الفقيه ابتداء، فهذه لا تكون بقيامها مقام القطع الطريقي، بل يكون بقيامها مقام القطع الموضوعي، لأنّ جواز

258

الإفتاء حكم مترتب على القطع، لأنّه لا يجوز الإفتاء إلّا بعلم، فالعلم موضوع لجواز إفتاء الفقيه لا طريق، و حينئذ، الامارة تقوم مقام قطع الفقيه بلحاظ جواز الإفتاء، فكما أنّ الفقيه لو قطع بحرمة دخول الحائض إلى المسجد يجوز له إفتاؤها بذلك، فكذلك عند قيام الامارة على ذلك.

فيجوز له أن يفتيها ببركة قيام الامارة مقام القطع الموضوعي.

و لكن هنا نسأل: بأنّ هذه العملية صحيحة أم لا؟.

و هذه العملية على مبنانا من عدم قيام الامارة مقام القطع الموضوعي، غير صحيحة، أمّا كيف يستند الفقيه إلى هذه الامارة فقد تقدّم الكلام فيه.

و خلاصته هي، انّ لهذه الامارة أثر بلحاظ نفس العلم بها الواقع موضوعا للحكم بجواز الإفتاء الّذي هو الحكم الداخل في ابتلاء الفقيه، و يفرض أنّه يطبق الامارة على إفتاء الحائض فيفتيها بها.

و أمّا على مبنى قيام الامارة مقام القطع الموضوعي، فإن قيل بأنّ قيام الامارة مقام القطع الموضوعي في طول قيامها مقام القطع الطريقي، فالامارة الّتي تقوم مقام القطع الطريقي هي الّتي تقوم مقام القطع الموضوعي، إذن لا تصح هذه العملية، لأنّ هذه الامارة بالنسبة للفقيه لا تقوم مقام القطع الطريقي كما عرفت، و عليه، فلا تقوم مقام القطع الموضوعي أيضا، و ذلك للطولية بينهما.

و إن فرض أنّ كلا منهما مستقل عن الآخر، فحينئذ، تصح هذه العملية، فيطبق الفقيه دليل حجيّة الامارة القائمة على حرمة دخول الحائض إلى المسجد على نفسه مباشرة، لكن لا بلحاظ قيام الامارة مقام القطع الطريقي، بل بلحاظ قيامها مقام القطع الموضوعي، و حينئذ، هذا الفقيه يفتي المرأة بحرمة دخولها إلى المسجد.

و الّذي يبدو، انّ هذه المسألة- و هي أنّ قيام الامارة مقام القطع‏

259

الموضوعي هل هو في طول قيامها مقام القطع الطريقي أم لا- تختلف باختلاف المدارك.

فإن بنينا على مبنى الميرزا (قده) من أنّ مفاد دليل الامارة هو جعل الامارة علما و يترتب عليه حينئذ كل آثار العلم، حينئذ، قيام الامارة مقام القطع الموضوعي يكون في عرض قيامها مقام القطع الطريقي، و حينئذ، لو فرض ان تعطل أحدهما فلا بأس بإعمال الآخر.

و أمّا لو بنينا على مشرب حاشية الآخوند (قده) و قلنا: بأنّ دليل الحجيّة يدلّ بالمطابقة على قيام الامارة مقام القطع الطريقي، و بالالتزام على قيامها مقام القطع الموضوعي، حينئذ، تكون هناك طولية بينهما، فلا يجري التنزيل الثاني ليعقل التنزيل الأول كما عرفت.

و من هنا لا يمكن قيام الامارة مقام القطع الموضوعي فيما إذا لم يكن للمقطوع أثر أصلا، إذ في هذه الحالة لا يعقل تنزيل المؤدّى منزلة المقطوع و الواقع، و ما دام هذا التنزيل بحاجة الأثر للواقع المقطوع، فلا تصل النوبة إلى تنزيل القطع بالواقع الجعلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي، إذ مع عدم الأثر للمنزل عليه، لا يعقل تنزيل المؤدّى منزلة الواقع لتصل النوبة إلى تنزيل القطع بالواقع الجعلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي، و من هنا: كلّما كان القطع بالخمرية مثلا، تمام الموضوع للحكم و لم يكن للخمرية حكم أصلا، حينئذ، لا يعقل قيام الامارة مقام القطع الموضوعي، إذ لا يعقل تنزيل المؤدّى منزلة الخمر الواقعي، لأنّه لا أثر شرعي للخمر الواقعي.

و هناك توهم، و هو أنّ الأثر موجود، و هو قيد للقطع، باعتبار أنّ الحرمة مترتبة على القطع بالخمرية لا على القطع بشي‏ء آخر، فالخمرية قيد للقطع، و عليه فالخمرية تكون قيدا في موضوع الحكم الشرعي، و هذا يكفي لقيام الامارة مقامه.

260

و لكن هذا غير صحيح، و ذلك، لأنّ القيد هنا عنوان الخمرية لا واقعها خارجا، لأنّ المفروض أنّ القطع بالخمرية هو تمام الموضوع، أي سواء كان خمرا في الواقع أم لا، إذن الخمرية بوجودها الخارجي ليست قيدا، بل هي قيد بوجودها اللحاظي التصوري في عالم جعل الحكم، و هذا لا ربط له بتنزيل المؤدى منزلة الواقع الّذي هو ناظر إلى الخمر الخارجي.

و عليه: فبناء على الطولية لا يمكن قيام الامارة مقام القطع الموضوعي.

و من مجموع هاتين النكتتين يتوجه على الميرزا (قده) إشكال لا يمكن لمدرسة الميرزا الالتزام به، و هو منبه فقهي إلى بطلان الأصول الموضوعية الّتي أساسها قيام الامارة مقام القطع الموضوعي.

و حاصل هذا الإشكال هو، أنّ الفقيه إذا قامت عنده الحجّة على حكمين إلزاميّين، كحرمة دخول الحائض إلى المسجد و قامت عنده حجّة أخرى على حرمة مقاربتها، فكل من الامارتين سوف تقوم مقام القطع الموضوعي بلحاظ جواز الإفتاء كما عرفت ذلك، فلو فرض انّ هذا الفقيه كان يعلم إجمالا بكذب إحدى الامارتين، و انّ أحد التحريمين غير ثابت في الواقع، فحينئذ، نقول: بأنّه لا إشكال في أنّ هذا العلم الإجمالي يقتضي عدم جواز إفتائه بكلتا الحرمتين، و ذلك لوقوع التعارض ما بين الامارتين، و لكن إذا بنينا حسب التصورات الأخرى، و فرضنا أنّ الامارة حجّة على الفقيه بلحاظ قيامها مقام القطع الموضوعي، إذن، فيكون دليل حجيّة هذه الامارة حاكما على دليل جواز الإفتاء و موسعا لدائرته، فإنّ موضوع دليل جواز الإفتاء هو القول بعلم، فدليل الحجيّة يوسع العلم و يقول: هذا قول بعلم، و هذه الحاكمية، حاكمية واقعية، و من نتائجها أنّه معها لا انكشاف للخلاف، فلو فرض أنّ الامارة كانت‏

261

في كل من الموردين تقوم مقام القطع الموضوعي، فلا يلزم منه طرح تكليف واقعي معلوم بالإجمال، بخلافه في موارد إعمال الامارة مقام القطع الطريقي، فإنّه لو علم إجمالا بكذب إحدى الامارتين، فحينئذ، يلزم منه طرح التكليف المعلوم بالإجمال، و عليه: فلما ذا لا يجوز للفقيه أن يفتي بحكمين للمرأة الحائض مع علمه أنّ إحدى الامارتين غير مطابقة للواقع في صورة قيامها مقام القطع الموضوعي؟ و إنّما يضرّ لو كانت الحاكمية ظاهرية، و أمّا إذا كانت الحاكمية واقعية فلا يضرّ؟.

و الصيغة النهائية لهذا النقص، هي أنّه يلزم على مبنى الميرزا من قيام الامارة مقام القطع الموضوعي- بعد الالتفات إلى كون الحاكمية حاكمية واقعية- يلزم أن لا يكون مبطلا لإقامة الثانية مقام القطع الموضوعي في موارد كون الأثر مترتبا على القطع فقط، لأنّه قد وجد تمام الموضوع في كل من الواقعتين، و معه يكون دليل الحجيّة شاملا لكل منهما على هذا المبنى.

و بهذا التنبيه تمّ البحث في أقسام القطع و ما يقوم من الامارات و الأصول مقامه.

262

[التنبيه الثانى‏] أخذ القطع بالحكم في موضوع الحكم‏

القطع الموضوعي تارة يكون قطعا بشي‏ء خارجي، من قبيل أن يؤخذ القطع برجوع الحج موضوعا لحكم شرعي كوجوب الصدقة، و أخرى يؤخذ القطع بالحكم موضوعا للحكم، و علي الثاني، فتارة يكون هذان الحكمان إمّا متخالفين، و إمّا متضادين، و إمّا متماثلين، و رابعة متحدين.

أمّا القسم الأول:- و هو أن يؤخذ القطع بحكم في موضوع حكم يخالفه- فهو ممّا لا إشكال في إمكانه، كما لو قال: «إذا قطعت بوجوب الصدقة، فصم» فأخذ القطع بوجوب الصدقة في وجوب الصوم.

و أمّا القسم الثاني: و هو أن يؤخذ القطع بحكم في موضوع حكم مضاد له، كما لو قال: «إذا قطعت بوجوب الصّلاة حرمت الصّلاة عليك»، أو إذا قطعت بحرمة الخمر رخّصتك بشربه، و هذا بحسب الحقيقة عبارة أخرى عن جعل حكم رادع عن طريقية القطع و كاشفيته، و هذا عين ما ذكرناه سابقا- لكن بعنوان آخر- من أنّه لا يعقل الردع عن القطع من قبل الشارع، لأنّه إذا أخذ القطع بحكم في موضوع حكم مضاد، فمعناه: انّ الشارع أعمل مولويته في الردع عن العمل بالقطع، و هذا غير معقول لنفس البيان السابق و الّذي كان حاصله:

إنّ هذا الحكم المضاد الّذي أخذ في موضوعه القطع بالحكم‏

263

المضاد له، إمّا أن يكون حكما حقيقيا، أو طريقيا، فإن كان حكما حقيقيا- بمعنى كون الحكم ناشئا من مبادئ و ملاكات في متعلقه- إذن يلزم اجتماع الضدين واقعا في طرفي الإصابة، لأنّ كلا من الحكمين حقيقي، بمعنى كونه واجدا لمبادئ حقيقية في متعلقه، و قد ثبت في محله، انّ الأحكام الحقيقية متضادة بحسب عالم الملاكات.

و إن كان هذا الحكم المترتب في المقام حكما طريقيا- أي الحكم الّذي لم ينشأ من مبادئ في متعلقه- بل نشأ من أجل التحفظ على مبادئ موجودة في متعلقات أحكام أخرى- و بهذا سوف نجمع بين الأحكام الواقعية و الطريقية و نرفع شبهة ابن قبّة- إذن فهذا لا يضاد الحكم الحقيقي، لكن الحكم الطريقي هنا غير معقول، لأنّه لا يعقل إلّا مع الشك في تلك الملاكات الّتي يراد حفظها بهذا الحكم الطريقي، و أمّا مع القطع و العلم، فلا يعقل جعله، كما تقدّم بيانه سابقا.

و أمّا القسم الثالث: و هو أن يكون القطع بالحكم مأخوذا في موضوع حكم مماثل له، كما لو قال: «إذا قطعت بحرمة الخمر حرمته عليك» لكن بحرمة أخرى، و هذا بحسب الحقيقة عين ما بحثناه في التجري من جعل خطاب للحرمة على المتجري بعنوان مقطوع الحرمة بنحو يشمل المتجري و العاصي، إذ هناك ذكرنا أنّه هل يعقل أن يجعل الحرمة على المتجري؟ لكن بعنوان أعم منه و من العاصي، غايته أنّ ذاك كان في خصوص الأحكام الإلزامية، و هو هنا أعم.

و حينئذ، نفس تلك البراهين المدعاة هناك على استحالة جعل حرمة على المتجري بعنوان مقطوع الحرمة، تأتي هنا مع أجوبتها و لكن هنا نضيف مطلبا جديدا على ما تقدّم.

و حاصله: هو أنّه قد يبرهن على استحالة أخذ القطع بحكم في موضوع حكم مثله بما حاصله:

264

إنّه إذا أخذ القطع بالحرمة في موضوع الحرمة، فحينئذ، إمّا أن نلتزم في مورد اجتماع الحرمتين بتعدّد الحرمة حقيقة و إمّا أن نلتزم بالتوحد و التأكد، و كلاهما محال، إذن فالمقدم مثله محال.

أمّا بطلان التعدّد فلمحذور اجتماع المثلين، لأنّ هاتين الحرمتين عرضان متماثلان على موضوع واحد.

[بيانان لاستحالة اجتماع الحرمتين بقصد التأكد فى أخذ القطع بالحرمة في موضوع الحرمة]

و أمّا بطلان التأكد فهو مستحيل ببيانين.

أ- البيان الأول: هو أنّ هاتين الحرمتين طوليتان، حيث أخذ في موضوع إحداهما القطع بالأخرى، و باعتبار هذه الطولية بينهما يستحيل أن تتوحد الحرمتان و الحكمان‏

، لأنّ الحرمة المترتبة أخذ في موضوعها القطع بالحرمة الأولى، إذن فهي في طول الأولى، ففرق بين حرمتين من هذا القبيل، و بين حرمتين من قبيل: «لا تغصب، و لا تشرب العصير العنبي»، فهنا لا بأس باجتماعهما، حيث أنّه يكون شي‏ء عصير عنبي، و مغصوب، فتجتمع الحرمتان بنحو التأكد، لأنّ الحرمتين هنا ليستا طوليتين، و أمّا في محل الكلام فإنّه لا يعقل توحدهما، لأنّ إحداهما في طول الأخرى، و إلّا فلو وجدا بوجود واحد لزم تقدم المتأخر، و تأخر المتقدم.

و هذا البيان سنخ ما تقدّم في بحث المقدّمات الداخلية، حيث قيل فيها: بأنّ المقدّمات الداخلية تتصف بالوجوب الغيري كالمقدّمات الخارجية.

و نوقش ذلك، لكن تارة بعدم المقتضي، و أخرى بوجود المانع، و هو أنّ المقدّمات الداخلية معروضة الوجوب النفسي، فلو اتصفت بالوجوب الغيري لزم اجتماع المثلين، و حينئذ، قيل: بأنّه نلتزم بالتأكد.

و قد قلنا هناك: بأنّ التأكد مستحيل باعتبار الطولية بينهما، فإنّ‏

265

الغيري في طول النفسي، و حينئذ لا يعقل التأكد، و حينئذ، فسنخ ذلك الإشكال يأتي في المقام، فإنّ الحكمين هنا طوليان فلا يعقل التأكد.

ب- البيان الثاني: لإبطال التأكد هو أن يقال: بأنّه لو قطعنا النظر عن الطولية، و التزمنا بالتأكد، فالتأكد بحسب عالم الجعل لا يعقل أن يكون بمعنى أنّ أحد الجعلين يتحرك و يندفع عن الجعل الآخر و يتوحد معه‏

، بل لا بدّ و أن يكون بمعنى أنّ مادة الاجتماع للجعلين يكون الحرمة فيها مجعولة بجعل ثالث، لكن بنحو شديد بحيث أنّ المولى في عالم الجعل يخرج مادة الاجتماع عن كل من الجعلين، و يجعلها محرمة بجعل ثالث بنحو أكيد، و مادة الاجتماع هي الحرام المقطوع الحرمة، و إخراجه من دليل «لا تشرب الخمر»، بأن يقيّد دليل «لا تشرب الخمر» بغير مقطوع الحرمة، و من خطاب «لا تشرب مقطوع الحرمة» يستثني ما إذا كان مقطوع الحرمة حراما في الواقع و مصادفا له، و يبقى تحته مقطوع الحرمة الّذي يكون قطعه غير مصادف للواقع، و يجعل بجعل ثالث على مادة الاجتماع، و هو الحرام المقطوع الحرمة، و قد استشكل في كلا هذين الجعلين.

و الحاصل: هو أنّه اتضح استحالة أخذ القطع بالحكم في موضوع مثله.

و كان خلاصة برهان الاستحالة هو، أنّه في مورد الاجتماع، إمّا أن يلتزم بتعدد الحكم، أو بالتأكد، و التعدد معناه، اجتماع المثلين، و التأكد محال باعتبار الطولية بين الحكمين المتماثلين.

و الجواب على ذلك: هو أنّ الكلام إن كان بلحاظ عالم الحكم و الجعل، فالمتعيّن هو الالتزام بالشق الأول، و هو القول بتعدد الحكم، و لا يلزم منه محذور اجتماع المثلين، لأنّ هذا المحذور إنّما يكون في الصفات الحقيقية الخارجية الاعتبارية.

266

و إن كان الملحوظ هو عالم ملاكات الحكم الّتي هي من الصفات الحقيقية، فالمتعين هو الالتزام بالشق الثاني، و هو التأكد، و لا محذور.

و دعوى أنّه لا يعقل التأكد في المقام، لأنّ أحد الحكمين متأخر رتبة عن الآخر، فكيف يعقل وجودهما بوجود واحد؟.

هذه الدعوى يكفي في جوابها أن يقال: إنّ التأخر و التقدم بين الحكمين من سنخ التأخر و التقدم بالطبع، حيث أنّ الحكم الثاني أخذ في موضوعه القطع بالحكم الأول، فكأنّه لا تصل النوبة إلى الثاني إلّا و قد فرغ عن الأول، فهو تقدم بالطبع لا بالعليّة، لوضوح أنّ الأول لم يجعل علّة للثاني، و إنّما القطع به أخذ موضوعا للثاني، فتقدّم الأول على الثاني إنّما هو بالطبع، و المتقدم بالطبع مع المتأخر بالطبع قد يوجدان بوجود واحد كما في الجزء و الكل، فإنّ الجزء موجود بنفس وجود الكل، إلّا أنّ الجنس متقدم على النوع بالطبع، بمعنى أنّ كل ما فرض للنوع وجود فرض للجنس وجود دون العكس، و هذا هو ميزان التقدم بالطبع.

نعم التقدم و التأخر بالعلية ينافي التوحد في الوجود، لأنّ أحد الشيئين إذا كان علّة و الآخر معلولا لا يوجدان بوجود واحد، بل هو محال، لأنّه يلزم أن يكون وجودا واحدا علّة لنفسه، إذن، أخذ القطع بالحكم في موضوع مثله معقول.

[أخذ القطع بالحكم في موضوع شخص ذلك الحكم‏]

و أمّا القسم الأخير و هو أخذ القطع بالحكم في موضوع شخص ذلك الحكم، فالكلام فيه في مقامين:

المقام الأول: هو في أخذ القطع بالحكم شرطا في موضوع شخص ذلك الحكم، بحيث يناط ثبوت الحكم بالعلم به.

المقام الثاني: في أخذ العلم بالحكم مانعا في موضوع شخص ذلك الحكم، بحيث يناط الحكم بعدم العلم به.

267

[المقام الأول أخذ العلم بالحكم شرطا في موضوع شخص ذلك الحكم‏]

أمّا المقام الأول: و هو أخذ العلم بالحكم شرطا في موضوع شخص ذلك الحكم، فالمعروف بينهم استحالة ذلك.

و لعلّ الأصل في دعوى الاستحالة هو العلّامة (قده)، فإنّه في بحوثه الكلاميّة، و في مقام الردّ على العامّة القائلين بالتصويب، و بأنّ التصويب محال قال (قده) لأنّ معناه، انّ الأحكام مخصوصة بمن يعلم بها، و من لم يعلم بها لا يكون مخطئا و لا يكون جاهلا، لأنّ الجاهل هو أن يثبت له حكم و هو لا يدري، فإذا فرض أنّ الأحكام مختصة بالعالم، إذن فالجاهل نسميه جاهل، و إلّا فهو بحسب الحقيقة لم يجهل ما هو ثابت في حق نفسه، فأشكل عليه العلّامة (قده) (1)، بأنّ هذا يلزم منه المحال، و هو أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه و هو دور، لأنّ الحكم إذا أخذ في موضوعه العلم به، يكون الحكم متوقف على العلم توقف الحكم على موضوعه، و العلم بالحكم في طول الحكم، فيتوقف العلم على معلومه، فيلزم التوقف من الجانبين، و هذا دور، إذن فالتصويب باطل.

ثمّ انّ المسألة دخلت علم الأصول تحت صياغة، انّه هل يعقل أخذ العلم بالحكم في موضوع شخصه أم لا؟ و ترتب على هذا ثمرات كثيرة كما سوف يأتي.

و تحقيق الحال هو أن يقال: ان أخذ القطع بالحكم في موضوع شخصه، تارة يكون بنحو بحيث يكون المأخوذ في الموضوع هو القطع و المقطوع معا، أي أنّه يؤخذ في موضوع شخص الحكم، القطع به، و مصادفة هذا القطع للواقع الّذي معناه أخذ المقطوع أيضا.

و التعبير الآخر عن هذا الافتراض، هو أن يقال: إنّ القطع بشخص‏

____________

(1) شرح تجريد الاعتقاد: الحلي، ص 254- 255.

268

الحكم له معلوم بالذات، و هو الصورة القائمة في أفق نفس العلم، و له معلوم بالعرض، و هو المطابق الخارجي، فحينما نأخذ القطع بالحكم في موضوع شخص ذلك الحكم، فتارة، نأخذه بما هو مضاف إلى معلومه بالعرض، حيث أنّ كل علم له إضافة لمعلومه بالذات، و إضافة إلى معلومه بالعرض إن كان له ذلك، أي كان مطابقا للواقع، فأخذ القطع بالحكم بما هو مضاف إلى معلومه بالعرض، مساوق لأخذ نفس المعلوم بالعرض في الموضوع، و حينئذ يكون القطع و المقطوع معا مأخوذين في موضوع شخص نفس الحكم، و هذا واضح الاستحالة، فإنّه دور، بل أشدّ، لأنّه لا يحتاج إلى دوران، إذ يلزم منه بالعبارة الواحدة توقف الشي‏ء على نفسه، لأنّ المفروض انّ القطع و المقطوع كلاهما أخذا في موضوع شخص الحكم، و المقطوع هو شخص الحكم، إذن قد أخذ شخص الحكم في موضوع شخص الحكم، و هذا توقف للشي‏ء على نفسه مباشرة بلا دوران، فيكون مستحيلا.

و تارة أخرى، يفرض أنّ العلم بالحكم يكون مأخوذا في موضوع شخصه، لكن لا بما هو مضاف إلى معلومه بالعرض، بل نفس العلم يكون دخيلا في موضوع العلم بالحكم، و في مثله، الصياغة الفنية للدور بحسب عالم الحكم الّتي أشرنا إليها فيما سبق يكون موردا للمناقشة.

و ذلك: لأنّ هذا الحكم موقوف على العلم توقف الحكم على موضوعه، لأنّ المفروض أنّ العلم أخذ موضوعا للحكم، فالحكم متوقف على الموضوع، و هو العلم، لكن العلم غير متوقف على الحكم، فإنّ كل علم بحسب وجوده التكويني إنّما يتقوم بمعلومه بالذات لا بمعلومه بالعرض الّذي هو الحكم، فالمعلوم في الحقيقة هو الصورة الذهنية القائمة في أفق نفس العالم، أمّا مطابقها الخارجي، و هو الحكم الشرعي، فهذا لا يتقوم العلم به، و إنّما يستحيل أن يكون العلم متقوما به، لأنّ العلم لا يتقوم بما هو خارج أفق عالم النفس، و لهذا قد يفرض‏

269

أنّ العلم ليس له معلوم بالعرض كما هو الحال في موارد عدم إصابة العلم للواقع، فإنّ هناك علما لكنّه متقوم بالمعلوم بالذات لا بالعرض، فهنا العلم بالحكم لا يتوقف على وجود الحكم الشرعي و ثبوته الخارجي، أي على المعلوم بالعرض، بل يتوقف على صورة ذهنية لهذا الحكم الشعري ثابتة في أفق نفس العالم، أي أنّه يتوقف على المعلوم بالذات، إذن فلا دور، لأنّ الحكم الشرعي بوجوده الخارجي يتوقف على العلم توقف الحكم على موضوعه، بينما العلم ليس متوقفا على الوجود الخارجي للحكم الشرعي، بل على صورته الذهنية القائمة في أفق نفس العالم، و هي الّتي تسمّى بالمعلوم بالذات.

و من هنا استشكل في محذور الدور، و من ثمّ صاروا بصدد التعويض عن الدور ببيان آخر يثبت الاستحالة.

و قد تمثل هذا البيان بثلاثة وجوه أخرى لتوضيح استحالة أخذ القطع بالحكم في موضوع نفسه.

1- الوجه الأول: هو أن يقال: إنّ هذا المطلب على خلاف الطبع التكويني للقطع.

و توضيحه هو، انّ القطع، من خصائصه التكوينيّة الكشف و الإراءة، و لا يعقل عزله عن هذه الخصوصية، و من خصائص هذه الكاشفية تكوينا هي أنّ القطع يري القاطع شيئا مفروغا عنه ثابتا بقطع النظر عن قطعه، فالقطع دوره دور الكاشفية و المرآة، فكما أنّ المرآة ترى صورة الشخص أنّه موجود بقطع النظر عن القطع، بل هذه خصيصة تكوينيّة للقطع ثابتة بالوجدان، و حينئذ، إذا سلّمنا هذا الوجدان، نقول:

بأنّه إذا أخذ القطع بالحكم في موضوع نفسه، فحينئذ هنا، إمّا أن يحصل القطع بحكم ثابت بلحاظ هذا القطع، و إمّا أن يحصل القطع بحكم ثابت بقطع النظر عن هذا القطع.

270

ءفإن قيل بالأول، فهذا خلف تلك الخصيصة التكوينيّة، لأنّ هذا معناه: إنّنا بالقطع نرى شيئا يتولّد من القطع.

و إن قيل بالثاني، فهذا معقول، لكن هذا غير شخص الحكم، لأنّ شخص الحكم قد قيّد بالقطع، إذن فنحن لم نقطع بشخص ذلك الحكم، بل بغيره، و القطع بغيره لا يترتب عليه شخص الحكم، لأنّ شخص ذلك الحكم إنّما يترتب على القطع بشخصه، إذن، فيلزم الخلف في المقام بهذا البيان، و هذا الوجه تام.

2- الوجه الثاني: هو لزوم اللغوية، و ذلك بتقريب أنّ شخص هذا الحكم سوف يثبت لمن يقطع به، أي أنّه في المرتبة السابقة على ثبوت هذا الحكم، لا بدّ و أن يكون هناك قطع به، و حينئذ ننقل الكلام إلى تلك المرتبة السابقة و نقول:

هذا اقطع بالحكم الثابت في المرتبة السابقة، إن كان كاف لمحركيّة العبد، إذن لا فائدة في الحكم الّذي سوف ينشأ منه، و إن لم يكن كافيا لذلك، و كان المكلّف بانيا على العصيان مثلا، إذن فالحكم الناشئ منه سوف يكون حاله حال الأول، فلا يعقل أن يكون للحكم المترتب على القطع فائدة في مقام العمل، لأنّه في طول الوصول، فإن كان الوصول و القطع السابق كافيا في التحريك، إذن فلا أثر له، و إلّا فلا يصلح للتحريك.

و سنخ هذا البرهان ذكره السيّد الخوئي (قده) (1) في بحث التجري لإثبات استحالة أخذ القطع بالحرام الواقعي في موضوع حرمة التجري، بدعوى: أنّ القطع بحرمة الخمر الواقعية، إن كان كافيا في التحريك، فلما ذا تجعل حرمة التجري، و إلّا فحال الحرمة الثانية حال الأولى.

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي، ج 2، ص 20.

الدراسات: ج 3، ص 29.

271

و هذا البرهان كان هناك غير صحيح، و لكنّه هنا صحيح.

أمّا عدم صحته هناك، فلأنّ المفروض أنّ الحرمة المترتبة على القطع غير الحرمة المقطوعة، إذن فقد يقال: إنّه من اجتماعهما يلزم التأكد، و المكلّف قد لا يتحرك عن تكليف واحد، و لكنّه يتحرك عن التكليف الأشد الأقوى، و حينئذ فلا يلزم محذور اللغوية هناك.

و لكن هذا بخلافه هنا في المقام، فإنّ المفروض أنّه قد أخذ القطع بالتكليف في موضوع شخصه، إذن، ثبوت هذا التكليف لا بضم تكليف إلى تكليف آخر، أي يتعيّن نفس التكليف، فتكون صورة البرهان هنا أوضح، لأنّ المكلّف لا يستطيع أن يحمل إلّا تكليفا واحدا، سواء جعل عليه هذا الحكم أم لا، و جعل هذا الحكم لا يزيد في عدد التكاليف، فيقال: إنّ هذا القاطع إن كفاه هذا القطع للتحريك، فلا فائدة لجعل شخص الحكم، و إن لم يكفه فالأمر كذلك.

و لكن يرد على الوجه الثاني بأن يقال: إنّ فائدة جعل الحكم في المقام هو، إيجاد هذا العلم.

و توضيحه هو، إنّ هذا البيان الّذي بين في الوجه الثاني يمكن إيراده في جميع الموارد حتّى بالنسبة إلى حكم لم يؤخذ القطع به في موضوع شخصه، فمثلا: وجوب الصّلاة المترتب على طبيعي المكلّف، سواء كان قاطعا أو جاهلا، و حينئذ نقول: بأنّ وجوب الصّلاة إنّما يترقب أن يؤثر بالنسبة إلى من انكشف له الوجوب و وصل إليه بمرتبة من المراتب، و أمّا من لم يصل إليه، فالوجوب ليس مؤثرا، و من وصل إليه الوجوب، فهو على كلّ حال سوف يتحرك، سواء كان هناك وجوب أم لا، إذن جعل وجوب الصّلاة لغو، و أمّا من لم يصل إليه الوجوب، فحينئذ سواء كان وجوب أم لا، سوف لا يتحرك، إذن فهذا الجعل لغو على كلا التقديرين.

272

و هذا يكشف عن انّ هذا البيان مغالطة إذن.

و حلها: هو أنّه في سائر الموارد، جعل الوجوب بنفسه هو الّذي يحقّق العلم، فالجعل أحد العوامل المؤثرة في تكوين القطع، و يكفي في ذلك فائدة، فعلمنا بوجوب الفجر إنّما هو لجعله.

و نفس هذا البيان يأتي في محل الكلام، فلو قطع النظر عن أيّ برهان و بقينا نحن و هذا البرهان حينئذ نقول: بأنّ فائدة جعل هذا الحكم هي أنّه بدونه لا يحصل القطع، فنحتاج لتكميل هذا البرهان إلى برهان آخر.

و إن شئت قلت: انّه يرد على هذا الوجه بأن يقال:

إنّ فائدة الجعل هنا- كما هي فائدته في جميع الموارد- هي أن يصل إلى المكلّف فيحركه، إذن، فالجعل بنفسه منشأ يتسبّب به لإيجاد العلم بالحكم، كيف و هذا السنخ من الإيراد لو تمّ لأمكن أن يورد به على كل جعل و لو لم يؤخذ في موضوعه العلم به، فمثلا يقال: إنّ وجوب الصّلاة إن أريد جعله في حق العالم به فهو لغو، لأنّه يتحرك من علمه سواء كان هناك وجوب أم لا، و إن أريد جعله في حق الجاهل فهو لا يتحرك عنه على كلّ حال.

و الجواب واحد في الجميع، و هو أنّ المحركيّة المصححة للجعل، هو أن يحرك في طول وصوله، و يكون نفس جعله من علل إيصاله.

3- الوجه الثالث: هو أن يقال: انّ أخذ القطع بالحكم في موضوع شخصه يلزم منه الدور، لا في عالم الحكم فقط، بل في عالم وصول الحكم، بمعنى: انّ وصول الحكم دوري، و كل جعل للحكم يكون وصوله دوريا يكون هذا الجعل مستحيلا.

و توضيحه يكون ببيان مقدمتين.

273

1- المقدّمة الأولى: هي أنّ الأحكام الفعلية، بمعنى المجعولات الّتي هي محل الكلام، وصولها إنّما يكون بعد إحراز الجعل الكلّي بوصول موضوعاتها المقدرة الوجود، فالعلم بالمجعول دائما تابع للعلم بموضوعه المقدّر الوجود، كما في باب الأحكام المجعولة، كوجوب الحج المجعول على المستطيع، فإحراز وجوب الحج يكون بإحراز الاستطاعة، و لا معنى لأن تحرز الاستطاعة بإحراز وجوب الحج، إذ ليس للحكم المجعول صلاحية أن يدرك إدراكا مباشرا، إذ هو ليس محسوسا بإحدى الحواس، و إنّما إدراكه دائما يكون بلحاظ موضوعه، فالعلم بالحكم المجعول معلول لموضوعه المقدر الوجود.

2- المقدّمة الثانية: هي أنّه إذا طبّقنا ما ذكر في المقدّمة الأولى على محل الكلام في الحكم الّذي أخذ في موضوعه القطع بشخصه، يتضح لنا أنّ القطع بهذا الحكم موقوف على القطع بموضوعه كما عرفت في المقدّمة الأولى، و موضوعه هو نفس القطع، فينتج: انّ القطع بالحكم متوقف على القطع بالقطع بالحكم.

و حينئذ نقول: بأنّ القطع بالقطع بالحكم، إمّا نفس القطع، بدعوى أنّ هذا هو قانون كل الصفات الوجدانية، فإنّ هذه الصفات كالقطع و الظن و نحوهما معلومة بنفس وجودها لا بصورة زائدة عليها، باعتبار أنّها بنفسها حاضرة لدى النّفس، فعلمها الحصولي عين علمها الحضوري و ليس زائدا عليه، و حينئذ، فالعلم بالقطع هو نفس وجود القطع لا شي‏ء آخر وراءه كما هو الحال في العلم بزيد الّذي هو وراء وجود زيد.

فإمّا أن يقال هكذا، أو يفرض أنّ العلم بالخصوص بالوجدان هو غير الوجدان، بل هو علم حصولي، بمعنى أخذ صورة عن هذا الوجدان، كالعلم بالأمور الحسيّة، فإنّ العلم بالأمور المحسوسة غير الإحساس، فلو فرض ذلك، حينئذ نقول:

274

بأنّ هذا القطع بالصفة الوجدانية معلول للصفة الوجدانية، و ليس حاله حال القطع بالأمور الخارجية الّذي لا يتوقف على وجود معلوم بالعرض له في الخارج، و لهذا لا يعقل الخطأ في القطع بالصفة الوجدانية.

و حينئذ إن ادّعينا أحد هذين الأمرين، و هو أنّ القطع بالقطع هو نفس القطع، إذن فهذا الدور واضح، لأنّ القطع بالحكم يتوقف على القطع بموضوعه بحكم المقدّمة الأولى، و القطع بالموضوع هو القطع بالقطع، فإذا كان القطع بالقطع عين القطع، نتج أنّ القطع بالحكم يتوقف على القطع بالحكم، و هو محال.

و إن فرض أنّ القطع بالقطع شي‏ء آخر وراء نفس القطع يكون ملازما له، إذن فالقطع بالقطع معلول لنفس القطع فيلزم الدور مع الدوران، لأنّ القطع بالحكم متوقف على القطع بالموضوع، و الموضوع هو القطع، إذن القطع بالحكم يتوقف على القطع بالقطع، و القطع بالقطع يتوقف على القطع بالحكم، و هو دور، و هذا دور في عالم الوصول.

و عليه: فهذا حكم يستحيل على المكلّف به خارجا، لأنّ علمه به يتوقف على العلم به، و إذا استحال العلم به، معناه: إنّ استحالته فعليّة.

و هذا الوجه صحيح، و عليه: فيتبرهن بهذا استحالة أخذ العلم بالحكم في موضوع شخص ذلك الحكم بالوجه الأول و الثالث ثمّ إنّه بعد ذلك يقال: بأنّه ما هو الحل في مورد يريد المولى أن يصير مصوبا، و أراد أن يجعل حكمه بنحو يختص بالعالم دون الجاهل، كوجوب القصر، أو وجوب الجهر و الإخفات حيث لا إشكال عقلائيا و متشرعيا في إمكان تخصيص الحكم بالعالم به في نفسه لو أراد الشارع ذلك.

و هنا لا بدّ من افتراض عملية وجدانية تمكّن المولى من ذلك إذا

275

أراد التصويب لنكتة من النكات و بنحو لا يردّ عليه إشكال العلّامة (قده)، و الحل يكون بأحد وجهين.

1- الوجه الأول: هو أن يؤخذ العلم بالجعل في موضوع فعليّة المجعول و لا محذور، لأنّ الجعل غير المجعول كما عرفت في بحث الواجب المشروط.

و محل كلامنا سابقا هو في أخذ العلم بالمجعول في موضوع المجعول بحيث يكون متعلق العلم هو المجعول لا الجعل، و المترتب على العلم هو المجعول، فمتعلق العلم عين ما هو مترتب على العلم.

أمّا هنا في محل الكلام فإنّنا نقول: بأنّه نستفيد من الاثنينية بين الجعل و المجعول على ما عرفت من أنّ الأحكام مجعولة على نهج القضايا الحقيقيّة، فالمولى حينما يجعل وجوب الحج على المستطيع، فإنّه بمجرد هذا التشريع يتحقّق الجعل دون المجعول، لعدم استطاعة المكلّف مثلا، لكن إذ وجد المستطيع يصبح المجعول فعليا في حقّه، إذن، فالمجعول تابع لفعليّة موضوعه المقدّر الوجود، أمّا الجعل، فهو فعلي بمجرد الإنشاء.

حينئذ: و بعد فرض هذه الاثنينية يقال: بأنّ العلم بالجعل يؤخذ في الموضوع المقدّر الوجود، و الّذي هو موضوع المجعول، فيقول المولى مثلا: أوجبت الحج على من كان مستطيعا عالما بجعلي هذا، و بهذا الإعلام لا يبقى أيّ محذور، لأنّ المترتب على العلم هو غير ما يكون مكشوفا بالعلم، فما يكون مترتبا على العلم هو فعليّة المجعول لا الجعل، لأنّ الجعل لا يتوقف على وجود الموضوع المقدّر الوجود كما هو واضح، و الّذي يتوقف على العلم إنّما هو المجعول، و الّذي يتوقف عليه العلم هو الجعل.

276

و قد أورد ذلك على السيّد الخوئي (قده) فأجاب: بأنّ هذا لا يؤثر في حل المشكلة (1)، و ذلك لأنّه يؤخذ العلم بجعل الحكم في موضوع الحكم المجعول، فيؤخذ العلم بجعل على زيد في موضوع الوجوب على زيد، فيعود الدور، لأنّ الجعل لا يكون جعلا للوجوب على زيد إلّا إذا كان قد تحقّق موضوعه في حقّ زيد، فجعل وجوب الحج على المستطيع لا يكون جعلا عليّ إلّا إذا كنت مستطيعا، فالعلم الّذي يؤخذ في موضوع المجعول إذا أضيف إلى الجعل بما هو شامل لهذا المكلّف، إذن، شموله فرع تحقّق موضوعه، فيلزم الدور، بل ان أخذ بما هو جعل لآخر فهو خارج عن محل الكلام، و يكون من باب أخذ العلم بحكم مكلف في موضوع حكم مكلف آخر، من قبيل: ما إذا قطع بأنّ المرأة إذا وجب عليها الإخفات، وجب عليه الجهر، فهذا لا بأس به، لكنّه خارج عن محل الكلام.

و جوابه: هو أنّنا نختار حلا وسطا، فلا نقول بأنّ العلم بالجعل الشامل فعلا لهذا المكلّف، مأخوذ في موضوع حكم، ليلزم الدور، و لا نقول انّ العلم بجعل مضاف إلى مكلف مأخوذ في موضوع مكلف آخر، بل العلم بجعل يكون في نفسه شاملا لهذا الإنسان، و لا تكون فعليّة الشمول منوطة إلّا بنفس هذا العلم.

و هذا يحل المشكلة، لأنّ العلم هنا علم بجعل مضاف لهذا المكلّف، لكنّه مضاف إليه على تقدير حصول العلم، أي مضاف إليه لو حصل العلم، فنقول: إنّ العلم بثبوت جعل لا يكون موقوفا بشموله لهذا المكلّف إلّا على مجرد العلم به.

و هذا الافتراض معقول، و يحقّق كلا الأثرين الملحوظين‏

____________

(1) الدراسات: ج 3، ص 40.

277

للأصولي، فيحقّق الأثر الأول المتمثل في إشكال العلّامة الحلّي (قده) على التصويب حيث تكون هذه صيغة معقولة للتصويب إذا دلّ عليه دليل.

و يحقّق الأثر الثاني المتمثل في إشكال التهافت القائل: بأنّه لو استحال التقييد في المقام، أي استحال أخذ العلم بالحكم في موضوع شخصه، فحينئذ يستحيل التمسك بإطلاق الخطاب لإثبات الإطلاق، لأنّ إطلاق الخطاب لا يكشف عن سعة دائرة الملاك، لأنّ عدم التقييد قد يكون لاستحالة التقييد لا لعدم اختصاص الملاك بالمقيد، فلو ثبتت هذه الاستحالة، حينئذ لا يمكن التمسك بإطلاق خطاب المولى لإثبات أنّ غرضه قائم بالمطلق لا بالمقيد، إذ لعلّ غرضه قائم بالمقيد، لكن لم يذكر القيد لاستحالة التقييد.

و هذا الغرض يتحقّق بهذه الصيغة المعقولة، لأنّنا نقول: لو كان الغرض معلقا بالمقيّد لكان بإمكانه أن يقيّد، بأن يأخذ العلم بالجعل في موضوع العلم بالمجعول، فنستكشف من عدم أخذه قيام الغرض بالمطلق.

و إن شئت قلت: إنّ جواب السيّد الخوئي (قده) غير تام، فإنّنا نريد بالجعل القضية الحقيقية الّتي تكون نسبتها إلى زيد و غيره على حدّ سواء.

و توضيحه هو أن يقال: إنّ المقصود من الجعل هو الكبرى، و هو جعل وجوب الحج على المستطيع العالم به مثلا، و حينئذ لا يكون هناك محذور لا في عالم الجعل، و لا في عالم فعليّة المجعول.

أمّا في عالم الجعل، فلوضوح أنّ المأخوذ فيه هو مجرد فرض العالم بالجعل، و لا يتوقف ذلك على فعليته.

و أمّا عدم المحذور في عالم فعليّة المجعول، فلأنّ المكلّف يتعلق‏

278

علمه بتلك القضية المجعولة لا العلم بفعليتها في حقّه، و لا العلم بانطباقها عليه، و تلك القضية قضية واحدة و ليست أمرا إضافيا، و إنّما العلم بالانطباق فرع العلم بالصغرى أيضا، و هو العلم بتحقّق تمام قيود موضوع تلك القضية خارجا في حقّ المكلّف، و هو الّذي يستحيل أخذه في فعليّة الحكم، و هذا مطلب واضح الصحة و الإمكان عقلا و عقلائيا.

و هذا التخريج لا يفرق فيه بين القول بأنّ المجعول له وجود حقيقي وراء الجعل، أو أنّه له وجود توهمي وراء الجعل كما هو الصحيح و تقدّم في بحث المطلق و المشروط، فحينما توجد الاستطاعة يحدث شي‏ء حقيقة اسمه المجعول، أو انّ هذا مجرد توهم، فعلى كلّ حال، ما دام هناك أمران تحليلا، هما الجعل و المجعول، فهذه الصيغة معقولة في المقام لرفع الإشكالات المتقدّمة، و يترتب على هذا أثران، أحدهما: ما تقدّم من تصحيح التصويب في المورد الّذي يقوم الدليل عليه، و الثاني:

هو إمكان نفي احتمال دخالة العلم بالحكم في الغرض و الملاك من الحكم، حيث أنّه يكون التقييد به ممكنا فيكون التمسك بالإطلاق في الخطاب لنفي إطلاق الغرض و الملاك ممكنا أيضا خلافا لما إذا قيل باستحالة التقييد به فلا يمكن التمسك بالإطلاق للكشف عن إطلاق الغرض و الملاك بلحاظ هذا القيد الّذي هو من القيود الثانوية.

2- الوجه الثاني: هو أن يؤخذ العلم بالإبراز في موضوع الحكم، فإنّه لا إشكال في أنّ إبراز الحكم غير نفس الحكم، إذ أنّ الإبراز عبارة عن خطاب المولى الّذي يدلّ على جعل الحكم في نفس المولى، فهو من مقولة الخطاب و الكلام، و الحكم من مقولة مدلول الخطاب، و حينئذ، لا مانع من أن يجعل أحد قيود الحكم، وصول نفس الإبراز و نفس الخطاب، فمثلا يقول: «من يصل إليه كلامي هذا يجب عليه أن يحجّ» فيكون وجوب الحج مقيدا بإبراز هذه القضية الشرطية، فإنّ إبراز

279

هذا الإبراز قضية شرطية و هي وجوب الحج إذا علم بالإبراز، و هذه الشرطية هي مدلول هذا الإبراز و الخطاب، إذن، فقد أخذ العلم بالإبراز في موضوع الحكم المبرز و لا محذور.

و كل من هاتين الصيغتين وافية بكلا الفرضين الأصوليين اللّذين عقدت هذه المسألة لهما، فإنّ هاتين الصيغتين وافيتين بتعقل التصويب حيث يدلّ دليل على إرادة المولى له.

و الفرض الثاني هو إمكان التمسك بإطلاق الخطاب لإثبات أنّ غرض المولى قائم بالمطلق لا بالمقيد، إذ لو كان غرضه قائما بالمقيد لأمكن أن يقيده بإحدى هاتين الصيغتين، فإمّا أن يأخذ العلم بالجعل، و إمّا أن يأخذ العلم بالإبراز، و حيث لم يأخذ أحدهما فيتعين أنّ غرضه قائم بالمطلق.

إلّا أن الميرزا (قده) بعد أن بنى على استحالة تقييد الحكم بالعالم به، فإنّه لم يتبنّ مثل هذه التخلّصات بل سلك مسلكا آخر في التخلّص فيه عناية زائدة.

و حاصل مسلكه (قده) هو، أنّ تخلّص بالطريقة المسمّاة بمتمم الجعل‏ (1).

و توضيح هذه الطريقة هو أنّه يقول: بأنّ الحكم بوجوب الصّلاة يستحيل أن يكون مقيدا بالعلم بوجوب الصّلاة بالبراهين السابقة، و إذا استحال التقييد بالعلم استحال الإطلاق أيضا، لأنّه بنى على أنّ التقابل بين الإطلاق و التقييد هو تقابل العدم و الملكة، فالتقييد بعدم العلم مستحيل عنده، أي تقييد الحكم بأن لا يصل، فإذا استحال التقييد من ذاك الطرف، أيضا استحال الإطلاق المقابل لكل منهما، و عليه: فيكون‏

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي، ج 3، ص 11.

280

الحكم مهملا من جميع الجهات لاستحالة كل من التقييد و الإطلاق، مع انّ غرض المولى الواقعي هو إمّا المطلق و إمّا المقيد، إذن كيف يصل إلى إيصال غرضه الواقعي؟

و هنا يقول الميرزا (قده) (1)، إنّه يصل إليه عن طريق جعل ثاني وراء الجعل الأول، ففي البداية يجعل وجوب الصّلاة بنحو مهمل دون أن يقيده بأي شي‏ء، لا بهذا الفرد الجاهل، و لا بالعالم و لا بالأعم، ثمّ بعد هذا يجعل جعلا ثانيا، و هو وجوب الصّلاة، لكن إن كان غرضه مقيدا فيجعله على العالم بالجعل الأول و لا دور و لا محذور فيه لتعدد الجعلين لأنّ العلم بالجعل الأول أخذ في موضوع الجعل الثاني، و إن كان غرضه في المطلق فإنّه سوف يكون مطلقا، لأنّ الثاني قابل للتقييد بالعلم بالجعل الأول، فيكون قابلا للإطلاق.

و ميزة الثاني على الأول هو، انّ الثاني باعتباره غير الأول، فأخذ العلم بالجعل الأول في موضوعه لا دور فيه، فوظيفة الجعل الثاني إيصال المولى إلى غرضه، و دفع الإهمال عن الأول.

و حيث انّ هذين الجعلين ناشئين من غرض واحد و ملاك واحد لم يمكن للمولى إيصاله بالجعل الأول فقط، فيتوسل بجعلين لأجل هذا الغرض، إذن، فالثاني مع الأول ليسا حكمين متغايرين من قبيل أخذ القطع في وجوب الصّلاة في موضوع وجوب الصوم.

بل روحه أخذ القطع بالحكم في موضوع نفسه، لأنّ هذين الجعلين روحهما واحدة و ملاكهما واحد، لكن من حيث الصياغة و باعتبار تعدد الجعلين يندفع المحذور، و نكون قد وصلنا روحيا إلى حاق الغرض، و هو أخذ القطع بالحكم موضوع نفسه.

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي، ج 3، ص 11.

281

و هذا التخلص من الميرزا غير صحيح.

و لتوضيح ذلك، يقع الحديث معه في كل من الجعلين، إذن فالكلام في مقامين.

1- المقام الأول: في الجعل الأول الّذي تصوره الميرزا (قده) مهملا.

و الصحيح أن يقال فيه: إنّ استحالة التقييد لا توجب استحالة الإطلاق، بل توجب ضرورية الإطلاق، و ذلك لأنّا بيّنا في بحث المطلق و المقيد أنّ التقابل بين الإطلاق و التقييد الثبوتيين في عالم الجعل هو تقابل السلب و الإيجاب، أي تقابل التناقض، فإذا استحال أحد النقيضين وجب ضرورية النقيض الآخر.

و السيّد الخوئي (قده) (1) يقول ذلك، و لكنّه على مبناه لا يحقّ له ذلك، لأنّه يبني (قده) على أنّ التقابل بينهما هو تقابل التضاد، فلا يمكنه أن يرى ضرورة الإطلاق باستحالة التقييد:

بل هو يحتاج في تعيين أحد الضدين عند انتفاء الآخر إلى إقامة برهان على أنّهما من الضدين الّذين ليس لهما ثالث.

و أمّا بناء على مسلكنا فلا نحتاج إلى عناية ما دام التقابل بينهما هو تقابل السلب و الإيجاب، فإذا استحال أحدهما أصبح نقيضه ضروريا.

و لكن مع هذا، فإنّ ضرورية أحدهما لا يفيدنا شيئا، فلا يوصلنا إلى غرضنا الأصولي و هو إثبات انّ غرض المولى قد تعلّق بالمطلق، لأنّ هذا الإطلاق الثبوتي مفروض على المولى فلا يكشف عن إطلاق حقيقي في الحكم بلحاظ غرضه و ملاكه، إذن، فحال هذا الإطلاق حال‏

____________

(1) محاضرات فياض: ج 5، ص 365.

282

الإهمال بحكم الميرزا (قده)، لاحتمال أن يكون من عدم قدرة المولى على التقييد، إذن فهذا الإطلاق كإهمال الميرزا (قده) لا يفيد الفقيه شيئا من حيث أنّ الفقيه لا يتمكن بمثل هذا الجعل أن يثبت سعة دائرة الغرض، سواء كان هذا الجعل مهملا كما يقول الميرزا (قده) أو مطلقا بالمعنى المتقدّم.

ثمّ إنّ السيّد الخوئي (قده) (1) علّق على الجعل الأول للميرزا (قده) فاعترض عليه باعتراضين.

1- الاعتراض الأول: هو أنّ التقابل بين الإطلاق و التقييد و إن كان تقابل العدم و الملكة كما كان يقول به السيّد الخوئي في أول الأمر ثمّ عدل عنه و اختار كون التقابل تقابل التضاد، حيث يقول‏ (2): و إن كان التقابل بينهما تقابل العدم و الملكة، لكن الملكة المأخوذة هنا ليس بمعنى القابلية الشخصية، بل بمعنى القابلية النوعية، فميزان صدق العدم المطعّم بالملكة هي قابلية عدم هذا المحل لا شخصه، و استدلّ على ذلك، بأنّ التقابل بين الجهل و العلم من باب تقابل العدم و الملكة، فلا يقال عن الجدار بأنّه جاهل لأنّه غير قابل للعلم رأسا، و لكن يقال عن الإنسان أنّه جاهل بحقيقة كنه اللّه سبحانه، مع أنّه ليس قابلا للعلم بحقيقته تعالى، لكن حيث أنّ الإنسان قابل لنوع هذا العلم و إن لم يكن قابلا لشخصه فصحّ أن يوصف بأنّه جاهل بكنه اللّه تعالى.

و إن شئت قلت: إنّ التقابل بين الإطلاق و التقييد هو تقابل التضاد لا تقابل العدم و الملكة، فإنّ التقييد عبارة عن لحاظ دخل القيد، و الإطلاق عبارة عن لحاظ عدم دخل القيد، و هما أمران وجوديان‏

____________

(1) محاضرات فياض: ج 5، ص 365، 366. أجود التقريرات: ج 2، ص 85.

(2) محاضرات فياض:، ج 5، ص 365.

283

و التقابل بينهما من تقابل التضاد لا العدم و الملكة (1)، و حتّى لو فرضنا أنّ التقابل بينهما من تقابل العدم و الملكة، إلّا أنّه يكفي في تقابل العدم و الملكة، القابلية النوعية أو الصنفية للملكة، فلا يلزم القابلية الشخصية، و في المقام، و إن لم يكن المورد قابلا للتقييد بخصوص العالم و بشخص هذا القيد، إلّا أنّه قابل للتقييد ببقية القيود و بنوع القيد، و هذا المقدار كاف في الإطلاق.

و الوجه في ذلك، أنّ الإنسان لا يكون عالما بحقيقة كنه اللّه سبحانه، و إلّا لا نقلب الواجب ممكنا أو الممكن واجبا، و مع ذلك يتصف بأنّه جاهل بحقيقة اللّه سبحانه، بل يكون الجهل به ضروريا بالنسبة إليه، فلو كانت القابلية الشخصية معتبرة لما اتصف بالجهل، لعدم إمكان الاتصاف بالعلم في هذا المورد بل هو مستحيل، مع أنّ الاتصاف بالجهل ضروري، إذن، فالمعتبر هو القابلية النوعية، إذن، فليس إذا استحال التقييد يستحيل الإطلاق بل قد يكون الإطلاق ضروريا، و المصحح لهذا التعبير هو وجود القابلية لنوع العلم، و هنا كذلك، حيث يصحّ أن يقال: إنّ هذا الخطاب مطلق من ناحية هذا التقييد المستحيل و المصحح له قابلية المحل لنوع هذا التقييد.

و هذا الكلام غير تام، و ذلك لأنّه يوجد في المقام مطلبان لا علاقة لأحدهما بالآخر.

أولهما: مطلب لفظي اصطلاحي، و حاصله: هو أنّ الحكماء في بحث التقابل في الفلسفة العالية، قالوا بأنّ التقابل على أربعة أقسام، تقابل السلب و الإيجاب، و تقابل التضاد، و تقابل التضايف، و تقابل العدم و الملكة.

____________

(1) المصدر السابق.

284

و هنا قد يقع بحث في الاصطلاح حيث يسأل: هل أنّ الحكماء الّذين عبّروا بتقابل العدم و الملكة، هل اشترطوا فيه القابلية الشخصية أو أنّهم جعلوها أعم؟ و هذا بحث لا محصل له إلّا تحديد الاصطلاح، و إلّا لا إشكال في أنّ كل وجود مع عدمه متقابلان سواء طعّم العدم بالقابلية الشخصية، أو النوعية، أو الحيثيّة، أو لم يطعم بشي‏ء أصلا، فحينئذ، لو ورد دليل شرعي يقول: بأنّ التقابل بين الإطلاق و التقييد هو تقابل العدم و الملكة، حينئذ يقع البحث في هذا التقابل ما هو، و حينئذ يرجع إلى الاصطلاح في مقام شرح مدلول هذا الدليل الشرعي، لكن من الواضح عدم وجود دليل شرعي من هذا القبيل، إذن فهذا مطلب اصطلاحي لا دخل له هنا، و لو فرض أنّ الحكماء اختاروا أنّ القابلية في باب العدم و الملكة هي قابلية نوعية، فهل هذا يكفي للقول بأنّ القابلية هنا نوعية لا شخصية؟ من الواضح عدم كفاية ذلك، لأنّ البحث ليس عن تحديد مصطلح العدم و الملكة عند الحكماء، لا سيّما و أنّه لم تردّ آية أو رواية تفيد بأنّ الإطلاق و التقييد بينهما تقابل العدم و الملكة لكي نبحث عن تحديد مفاد هذا الاصطلاح.

و ثانيهما: مطلب في منهج البحث، و هو أن نلحظ انّ الإطلاق بمعنى ما يقتضي سريان الحكم إلى تمام أفراد الطبيعة، و هل أنّ حيثيّة السريان متقومة بالقابلية الشخصية أو النوعية أو ليست متقومة أصلا بالقابلية، سواء كان المصطلح الفلسفي أو حتّى الاستعمال العرفي يساعد على صدق عدم الملكة في مورد فقدان القابلية الشخصية أم لا، إذن، فالمسألة ثبوتية و ليست لفظية أو اصطلاحية.

و الخلاصة أنّ تحقيق هذا المطلب إذن، يكون بالالتفات إلى الحيثيّة الّتي تقتضي السريان ليرى أنّ تلك الحيثيّة هل تقتضي السريان بلا أخذ قابلية أصلا، أو مع أخذها، و على الثاني، فهل القابلية المأخوذة شخصية أو نوعية؟.

285

و الصحيح هو انّ هذه الحيثيّة الّتي تقتضي السريان لم يؤخذ فيها قابلية أصلا في الإطلاق كما عرفت ذلك في بحث المطلق و المقيد، و لهذا قلنا هناك: بأنّ التقابل بين الإطلاق و التقييد هو تقابل السلب و الإيجاب لا العدم و الملكة، و معه: فحيثيّة سريان الحكم إلى تمام أفراد الطبيعة متقومة بمجرد عدم التقييد، فتكون العلاقة بين الإطلاق و التقييد علاقة التناقض، لا العدم و الملكة مهما كان مصطلح العدم و الملكة فيما ذكره السيّد الخوئي (قده).

2- الاعتراض الثاني: للسيّد الخوئي (قده) (1) على الجعل الأول في كلام الميرزا (قده) هو أنّ الإهمال في الجعل الأول غير معقول، و ذلك لأنّ الإهمال إنّما يعقل في مقام إبراز شي‏ء و إظهاره، فقد يكون المبرز مهملا و غير متصدي لبيان تمام الخصوصيات، لكن في مقام عالم الثبوت لذلك الشي‏ء لا يعقل الإهمال، لأنّ مقام الثبوت لا بدّ و أن يفرض فيه التعيّن، لأنّ كل شي‏ء في متن وجوده و وعاء ثبوته لا بدّ و أن يكون متعينا متحددا، فمثلا حينما نتحدث عن زيد قد نهمل بعض خصوصياته، لكن زيدا في متن الواقع غير مهمل، بل لا بدّ أن يكون متحددا من حيث الجهل و العلم و غيره، إذن فالإهمال شأن مقام الإثبات، و أمّا مقام الثبوت لا بدّ فيه من فرض التعين و التحدد، و عليه: فالحكم و الجعل الأول في مقام ثبوته و متن وجوده لا بدّ أن يكون تمام أطرافه متعينة من المكلّف و الموضوع و المحمول، و لا يمكن أن يكون الجعل الأول مهملا، و كأنّه أثبت أولا عدم إمكان الإهمال في مقام الثبوت، ثمّ استنتج من ذلك عدم إمكان الإهمال في الحكم و الجعل الأول.

و الصحيح انّ هذا الاعتراض غير تام، فإنّه عندنا في المقام مطلبان.

____________

(1) المصدر السابق.

286

1- المطلب الأول: هو أنّه تارة نبني على أنّ التقابل بين الإطلاق و التقييد تقابل السلب و الإيجاب.

2- المطلب الثاني: هو أنّه تارة أخرى نبني على أنّ التقابل بين الإطلاق و التقييد تقابل آخر كالتضاد، كما اختاره السيّد الخوئي (قده).

فإذا بنينا على المطلب الأول، حينئذ لا نحتاج إلى إدخال هذه الخصوصيات في مقام تسجيل استحالة الإهمال و الاعتراض على الميرزا (قده)، إذ من الواضح أنّ الإهمال بمعنى عدم الإطلاق و التقييد معا معناه ارتفاع النقيضين و هو واضح الاستحالة، لاستحالة ارتفاع النقيضين، إلّا أنّ هذا على خلاف مبنى الميرزا و السيّد الخوئي (قده)، إذ بناء على مبناهما- من أنّ التقابل بين الإطلاق و التقييد هو تقابل العدم و الملكة- لا مانع من ارتفاع الإطلاق و التقييد معا، و حينئذ لا يمكن أن يبرهن على استحالة الإهمال بما ذكره السيّد الخوئي (قده)، لأنّ ما ذكره يفترض أنّ الإهمال معناه اللّاتعيين المساوق للوجود المردّد، بحيث يكون معنى الإهمال، أنّ الصورة الذهنية الّتي هي ثابتة في متن وجود الحكم مردّدة غير متعينة، و من الواضح انّ هذا التردّد و اللّاتعيين بهذا المعنى مستحيل، سواء في عالم الوجود الذهني أو الوجود الخارجي، فإنّ كل موجود في مرتبة وجوده متعيّن، و من هنا كنّا نقول: باستحالة الفرد المردّد ذهنا و خارجا، فالصورة الذهنية للطبيعة في عالم الذهن لا محالة تكون متعينة، فالفرد الّذي هو مردّد في واقع وجوده بين زيد و عمر مستحيل، نعم قد يتردّد شخص فيه و أنّه هل هو زيد أو عمرو، لكن في واقع وجوده تردّده مستحيل.

لكن الإهمال بناء على مبنى السيّد الخوئي الّذي هو التضاد لا يلزم منه التردّد الوجودي بهذا المعنى، لأنّ الإهمال معناه أنّ المولى يلحظ الطبيعة حينما يريد جعل الحكم لها دون أن يلحظ دخل القيد أو عدمه،

287

و هذا لا يجعل لحاظ الطبيعة بما هو وجود ذهني غير متعين في حده الوجودي و مرددا في متن وجوده، بل هو وجود متعين لطبيعة متعينة، غايته لم يضم إليه لحاظ دخل القيد و لا لحاظ عدم دخله، إذن فأين الإهمال بهذا المعنى و انّ كل موجود في حاق ثبوته لا بدّ أن يكون متعينا لاستحالة التردّد الثبوتي؟ فالتعين بهذا المعنى صحيح، لكن هنا لا يلزم التردّد الثبوتي كما يرى السيّد الخوئي، نعم المولى يلحظ هذا الموجود لكن دون أن يلحظ فيه عدم القيد أو وجوده، و حينئذ يحتاج إثبات استحالة الإهمال إلى إبراز نكتة أخرى غير ما ذكر، و هذا سوف نشير إليه عند الكلام على الجعل الثاني.

و الحاصل هو انّ هذا الاعتراض من السيّد الخوئي (قده) غير تام، فإنّه تارة يبنى على أنّ التقابل بين الإطلاق و التقييد من تقابل السلب و الإيجاب، و أخرى يبنى على أنّه من تقابل الضدين، أي أنّ التقييد هو لحاظ القيد، و الإطلاق لحاظ عدمه.

فإنّ بنينا على الأول، فالمطلب لا يحتاج إلى إدخال هذه الخصوصيات في مقام تسجيل الاعتراض على الميرزا (قده).

بل قد يقال بعبارة أخرى، إنّ الإهمال بمعنى عدم الإطلاق و التقييد معا، معناه: ارتفاع النقيضين و هو واضح الاستحالة، و إن بنى على الثاني، أي كون التقابل من تقابل الضدين كما هو مبناه، أو بنى على مبنى الميرزا، من كون التقابل بنحو العدم و الملكة، فإنّه حينئذ لا يمكن إثبات استحالة الإهمال بالبيان المذكور، لأنّ الإهمال حينئذ لا يعنى اللّاتعيين و الوجود المردّد، و إنّما يعني عدم لحاظ الإطلاق، و عدم لحاظ التقييد، أو عدم القابلية لذلك بناء على مبنى الميرزا (قده) فإنّه بناء عليه يكون لحاظ للطبيعة بلا لحاظ أي شي‏ء زائد عليها، لا لحاظها مردّدة بين الإطلاق و التقييد، و عليه: فأين هذا الإهمال من الإهمال في الوجود؟ إذن فالتعين بهذا المعنى‏

288

صحيح، لكن هنا لا يلزم التردّد الثبوتي، كما عرفت، فإنّ المولى يلحظ هذا الموجود لكن دون أن يلحظ فيه عدم القيد أو وجوده، إذن فلا بدّ في إثبات استحالة الإهمال في المقام من إبراز نكتة أخرى غير ما ذكر كما سنشير إلى ذلك عند الكلام على الجعل الثاني.

2- المقام الثاني: في الجعل الثاني: و الّذي عوّل عليه الميرزا (قده) لأجل إيجاد نتيجة التقييد أو نتيجة الإطلاق، ففي هذا الجعل يجعل الحكم على العالم بالجعل الأول فيكون منتجا نتيجة التقييد، أو يجعله على المكلّف مطلقا فينتج نتيجة الإطلاق، و هنا يعترض على ما أفاده (قده) باعتراضين.

1- الاعتراض الأول: هو انّ هذا الجعل الثاني الّذي أخذ في موضوعه العلم بالحكم الأول، إذا قصد منه التقييد، حينئذ نسأل: انّه هل أخذ في موضوع الجعل الثاني- متمم الجعل- العلم بالجعل الأول، أو العلم بفعلية مجعول الجعل الأول؟

فإن قيل بالأول، فهذا تطويل للمسافة بلا موجب، لأنّنا برهنّا فيما تقدّم على أنّ العلم بالجعل الأول يمكن أن يؤخذ في موضوع نفس الجعل الأول بلا محذور، و بلا حاجة إلى متمم الجعل، و معه: لا موجب للتوسل بجعلين، إذ يتحقّق المطلب بالجعل الأول.

و إن قيل بالثاني: فهذا لا يمكن التوصل إليه بالجعل الواحد، لكن لا يمكن التوصل إليه بجعلين أيضا، و ذلك لأنّه إذا أخذ في موضوع الجعل و الحكم الثاني، العلم بفعلية المجعول الأول، حينئذ نسأل- بأنّ هذا الجعل الأول حيث أنّ مجعوله رتّب على موضوع مهمل من حيث العلم و الجهل- نسأل بأنّ الطبيعة المهملة هنا، هل تنطبق على المقيّد من باب أنّ المهملة في قوّة الجزئية، أو أنّها تنطبق على كلا الفردين، أو أنّها لا تنطبق على شي‏ء؟

289

فإن قيل بأنّها تنطبق على المقيّد فقط، إذن فلما ذا يحتاج إلى الجعل الثاني- «متمم الجعل»- لإيجاد نتيجة التقييد إذ عليه، لو أنّ المولى جعل الجعل الأول و سكت، إذن فينطبق جعله هذا على المقيد، فلو كان غرض المولى هو المقيد، إذن فقد حصل غرضه بالجعل الأول، و قد وصلتم إلى نتيجة التقييد و بدون جعل ثاني، اللّهمّ إلّا إذا أراد المولى نتيجة الإطلاق من أنّ الميرزا (قده) يقول بالحاجة إلى الجعل الثاني حتّى في نتيجة التقييد.

و إن قيل بالثاني، و هو كون المهملة في قوّة الكليّة، بحيث أنّ الطبيعة المهملة تنطبق على تمام الأفراد، إذن فالمولى لو تعلّق غرضه بالمطلق فإنّه لا يحتاج إلى جعل ثاني، لأنّ الجعل الأول يكون كافيا.

و إن قيل بالثالث، و هو كون هذا الجعل المهمل الأول غير منطبق لا على المقيد، و لا على فاقد القيد، إذن حينئذ متى سوف يعلم بمجعوله؟ لأنّه إذا كان لا ينطبق، إذن سوف لن يتحقّق علم بالمجعول الأول لكي يتحقّق الجعل الثاني، فإنّ الجعل الثاني أخذ في موضوعه العلم بمجعول الجعل الأول.

و حينئذ إذا قلنا انّ مجعول الجعل الأول لا يصير فعليا، لعدم انطباقه على شي‏ء في الخارج، حينئذ معه لا يعقل العلم بفعلية المجعول، و حينئذ، لا يتحقّق شرط الجعل الثاني.

و الحاصل هو أنّ العلم المأخوذ في موضوع الجعل الثاني هو العلم بفعلية المجعول بالجعل الأول المهمل حسب الفرض، و حينئذ نسأل: هل انّ الجعل المهمل، هل هو في قوّة الجزئية، أو الكليّة، أو أنّه لا قوّة له أصلا؟

فإن قيل بالأول: إذن فهذا معناه أنّنا لا نحتاج إلى نتيجة التقييد بالجعل الثاني، بل الجعل الأول يحقّق التقييد.

290

و إن قيل بالثاني: فهذا معناه أنّنا لا نحتاج في موارد الإطلاق إلى الجعل الثاني، فإنّ الجعل الأول يكون مطلقا في نفسه.

و إن قيل بالثالث: حينئذ يقال: بانّ الجعل الثاني يستحيل تحقّق موضوعه الّذي هو العلم بالمجعول بالجعل الأول، لأنّ العلم بفعلية المجعول بالجعل الأول فرع العلم بتحقّق موضوعه، و قد فرض أنّ موضوعه هو المهمل غير المنطبق على شي‏ء، إذن فلا يعلم بتحقّقه، و عليه: فلا يتحقّق موضوع الجعل الثاني.

ثمّ انّنا نصعّد هذا الإشكال، بناء على كون العلم بمجعول الجعل الأول مأخوذا في موضوع الجعل الثاني، فنقول: بأنّه إذا كان العلم بالمجعول الأول مأخوذا في موضوع الجعل الثاني، فيلزم أن يستحيل تحقّق العلم بالمجعول بالجعل الأول، كما أنّه يستحيل فعلية المجعول بالجعل الثاني، و ذلك لأنّ المجعول في الجعل الأول قضية مهملة، و الموضوع فيه لا مطلق و لا مقيد، و الموضوع المهمل الّذي هو هكذا يستحيل أن يكون في قوّة الكليّة، و ذلك لأنّ المهملة معناها أنّه لا إطلاق فيها، و الإطلاق معناه حيثيّة السريان، أي الحيثيّة الّتي تقتضي إسراء الطبيعة إلى تمام أفرادها، فإذا فرض عدم الإطلاق، فلا بدّ و أن يفرض عدم السريان، لأنّنا إذا فرضنا أنّ المهملة كانت سارية، و في قوّة الكليّة، فهذا معناه: انّ حيثيّة السريان محفوظة، و نحن لا نريد بالإطلاق إلّا حيثيّة السريان، إذن فهذا خلف ما فرض من عدم الإطلاق فيها، إذن فلا يمكن أن تكون المهملة في قوّة الكليّة، بل هي إمّا في قوّة الجزئيّة أو أنّه لا قوّة لها أصلا، و على كلا التقديرين يستحيل تحقّق العلم بالمجعول الأول الّذي أخذ شرطا في الجعل الثاني.

أمّا إذا كان المجعول الأول لا قوّة له أصلا فواضح كما عرفت.

و أمّا إذا كان في قوّة الجزئيّة، فحينئذ يقال: بأنّ معنى كونه في قوّة

291

الجزئيّة، يعني أنّه قابل للانطباق على المقيّد لا على غيره، إذن، انطباق الموضوع في الجعل الأول على فرد، فرع أن يكون واجدا للقيد، و القيد هو العلم بالحكم، إذن فيكون انطباق المهملة على فرد يعني: العلم بالحكم، و العلم بالحكم، و هو المجعول، فرع انطباق المهملة عليه، فيلزم الدور، و نفس المحاذير السابقة، من أخذ العلم في الجعل الأول، في موضوع الجعل الأول تأتي هنا أيضا، و بهذا يتبرهن استحالة الجعل الأول، كما يتبرهن استحالة الجعل الثاني.

ثمّ انّنا نصعّد الإشكال فنقول: انّ المهملة يستحيل أن تكون في قوّة الكليّة و لا في قوّة الجزئيّة، بل لا قوّة لها أصلا، و ذلك لأنّ انطباق الطبيعة على حصة يتوقف على أحد أمرين: إمّا على أخذ هذه الحصة بعنوانها موضوعا، و إمّا على لحاظ الطبيعة مطلقة من ناحية الحصة المقابلة لهذه الحصة.

إذن الانطباق موقوف إمّا على تقييد، أو على إطلاق للمقابل، فإذا لم يكن تقييد و لا إطلاق مقابل، إذن لا ينطبق على أيّهما، فمثلا: طبيعة الإنسان لها حصتان، الأسود، و الأبيض، فانطباق هذه الطبيعة على الأبيض فرع أحد أمرين.

فإمّا أن يفرض أن يكون البياض قد أخذ قيدا كما لو قال: «أكرم الإنسان الأبيض» فحينئذ تنطبق الطبيعة على الأبيض.

و إمّا أن نلحظ الطبيعة مطلقة من ناحية السواد، فنلحظ عدم أخذ السواد قيدا، حينئذ تسري الطبيعة إلى الأسود، إذن فانطباق الطبيعة على أحدهما فرع أحد أمرين، إمّا التقييد بالبياض، أو الإطلاق من ناحية السواد، فإذا لم يثبت كلاهما، فلا تنطبق على الأبيض.

حينئذ، هنا في محل الكلام، المقيّد هو العالم بالحكم، و انطباق طبيعة المكلّف على العالم بالحكم فرع أحد أمرين: فإمّا أن يؤخذ نفس‏

292

العلم بالحكم قيدا فتنطبق عليه، لكن هذا يستحيل أن يكون مطلقا من ناحية الجهل، لأنّ التقييد بالجهل مستحيل عند الميرزا (قده)، فالإطلاق المقابل له مستحيل أيضا عنده (قده) كما عرفت من مبناه في قضية التقابل بين الإطلاق و التقييد، حيث إذا استحال الإطلاق استحال التقييد، إذن انطباق المهملة على المقيّد بالعلم مستحيل، و هذا يبرهن على أنّ المهملة لا قوّة لها في مقام الانطباق أصلا.

و إذا تبرهن هذا، يتبرهن بالتبع استحالة الإهمال، و بهذا تمّ النقاش مع الميرزا (قده)، و به تمّ الكلام في المقام الأول، و هو أخذ العلم بشخص الحكم شرطا في موضوع الحكم.

2- المقام الثاني: في أخذ العلم بالحكم مانعا في شخص ذلك الحكم و ذلك، بأن يؤخذ عدم العلم بالحكم في موضوع ذلك الحكم.

و هذا المطلب تصوره الشيخ الأنصاري (قده) في مقام توجيه كلمات المحدّثين الّذين ذهبوا إلى عدم حجيّة القطع الناشئ من الدليل العقلي، فاعترض عليهم، بأنّه كيف يعقل الردع عن القطع مع أنّ حجيته ذاتية، حينئذ، صار الشيخ (قده) في مقام توجيه كلمات المحدّثين بحيث لا يردّ عليهم إشكال عقلي ثبوتي، فقال: بانّه يمكن أن نحول القطع من طريقي إلى موضوعي، و حينئذ يدّعى انّ الأحكام الشرعية قد أخذ في موضوعها عدم القطع بها من غير طريق الأئمّة (عليهم السّلام)، فلو حصل القطع بها من غير طريقهم (عليهم السّلام)، حينئذ لا يتحقّق الحكم، لا لأنّ القطع غير حجّة، بل لانتفاء موضوع الحكم، و بهذا وجّه كلمات المحدّثين‏ (1)، و من هنا انفتح باب معقولية أخذ عدم العلم و عدم القطع بالحكم في موضوع شخص ذلك الحكم.

____________

(1) الرّسائل: الأنصاري، ص 10.

293

و الصحيح أنّه بالنسبة للجعل لا إشكال في معقولية أخذ عدم القطع بالجعل في موضوع المجعول، و ذلك بأن يقال: «بأنّي جعلت وجوب الحج على من لم يقطع بهذا الجعل من ناحية الرمل، أو الجفر مثلا، أمّا من قطع به من هذه الناحية، فلا يشمله هذا الجعل».

و هذا أمر معقول، فأخذ القطع بالجعل معقول، لكن كيف يؤخذ عدم القطع به؟.

و غاية ما يتوهم هنا هو، انّ الجعل إذا قيّد بعدم القطع به فإنّه يلغو، لأنّ الجعل إنّما يترقب له فائدة فيما لو فرض أنّه وصل إلى المكلّف، فإذا قيّد الجعل بعدم الوصول يكون لغوا، إذ لو وصل لما كان مجعولا فعليا، و لو لم يصل فلا أثر له حتّى لو كان مجعوله فعليا، إذن أي متى يترقب الأثر؟

أ من حالة وصول الجعل؟ من الواضح عدمه، لأنّ المجعول غير فعلي.

أو من حالة عدم وصول فعلية المجعول؟ من الواضح أنّه لا أثر لها.

و هذا الكلام إنّما يتم فيما لو أخذ عدم مطلق الوصول قيدا في الجعل بتمام مراتبه، فإنّه حينئذ يلزم هذا الإشكال، و هو اللغوية و أنّه لا أثر له.

و أمّا إذا أخذ فيه عدم حصة من الوصول، لا عدم مطلق الوصول، حينئذ لا يلزم منه محذور اللغوية، إذ يكفي في ترتيب الأثر الوصول الآخر الّذي لم يؤخذ عدمه في الموضوع.

و ما ادّعاه الشيخ الأنصاري (قده) في مقام توجيه كلماتهم هو، أن يؤخذ عدم حصة خاصة من الوصول، في موضوع الحكم، و هو عدم الوصول الناشئ من البراهين العقلية، و هذا لا يردّ عليه الإشكال.

294

و أمّا أخذ عدم العلم في المجعول في موضوع المجعول، فهل يعقل؟ أو أنّه مستحيل؟ كما أنّ أخذ العلم في المجعول في موضوع المجعول مستحيل؟

و الصحيح انّ برهان الدور بصيغته السابقة لا يجري في المقام، إذ قلنا سابقا أنّه إذا أخذ العلم بالمجعول في موضوع المجعول، فيلزم توقف الحكم على موضوعه، و توقف الموضوع على حكمه، فيتوقف كل منهما على الآخر.

و هذا الدور لا يأتي هنا، لأنّه هنا إذا أخذ عدم العلم بالمجعول في موضوع المجعول، ففعلية المجعول موقوفة على عدم العلم بالمجعول، و عدم العلم بالشي‏ء لا يتوقف على ذلك الشي‏ء.

و بعبارة أخرى، انّه إذا أخذ عدم العلم بالمجعول في موضوع المجعول، ففعلية المجعول يتوقف على العلم بالمجعول، و لكن عدم العلم بالمجعول لا يتوقف على المجعول، إذن، فلا دور.

و الخلاصة هي أنّ فعلية المجعول يتوقف على عدم العلم به، و عدم العلم به لا يتوهم أنّه يتوقف على المجعول، و هذا هو الفرق بين طرف العلم، و طرف عدمه.

ففي طرف العلم، يتوهم أنّ العلم بالمجعول يتوقف على المجعول، فإن توقف المجعول على العلم دار.

لكن في طرف عدم العلم، لا يتوهم انّ عدم العلم بالمجعول يتوقف على المجعول، و معه لا دور حينئذ، و معه لا تجري المحاذير السابقة، فإن كان هناك محذور فلا بدّ من استئناف بحث جديد ليتضح به غير ما تقدّم.

و من هنا، قد يقال: بوجود محذور في أخذ العلم بحكم مانعا عن شخص ذلك الحكم، و ذلك بأن يقال: أنّه إذا أخذ العلم المخصوص‏

295

كالعقلي مثلا، مانعا عن فعلية الحكم، فهذه المانعية لا يترتب عليها أثر في المقام، و إنّما يترتب عليها أثر لو أمكن أن تصل إلى من وجد في حقّه المانع، لكي يعرف المانعية و يترتب الأثر عليها، مع انّ هذه المانعية لا يمكن أن تصل إلى الشخص الّذي يكون المانع محفوظا عنده، لأنّها إن وصلت لمن لم يكن علمه عقليا، إذن فالمانع غير موجود عنده ليكون لإيصال المانعية أثر بالنسبة إليه، و أمّا من كان عالما علما عقليا بفعلية المجعول، فهذا يستحيل تصديقه بهذه المانعية، إذ بمجرد أن يصدق بها يخرج عن كونه عالما بفعلية الحكم، إذن، فاجتماع المانع مع وصول المانعية مستحيل، و عليه: فمثل هذه المانعية لا يعقل جعلها، لعدم الأثر لها.

و جواب هذه الشبهة أولا: انّ هذه المانعية مجعولة بنفس جعل الحكم لا بجعل مستقل، و المناط في فائدة جعل الحكم هو أن يكون قابلا للوصول إلى المكلّف، و من الواضح أنّ التكليف بوجوب الحج على البالغ المستطيع غير العالم علما عقليا بهذا الوجوب، هو تكليف قابل للوصول إلى المكلّف به، و هو من كان عالما علما شرعيا، و هذا تمام ما يراد من التكليف، فإنّه يكفي في فائدته أن يكون قابلا للوصول لمن خوطب به، و لا يعتبر قابليته للوصول لمن لم يخاطب به.

و ثانيا: إنّ قولكم، انّ من يوجد عنده المانع يستحيل أن تصل إليه المانعية، فهذا غير تام.

و ذلك لأنّه بحسب الدقة، حينما يقيّد الحكم بعدم العلم العقلي بالمجعول، حينئذ، يستحيل أن يوجد المانع، لا أنّه يوجد و لكن لا تصل المانعية، لأنّ هذا المكلّف الّذي يعلم عقلا بشخص هذا الحكم و الّذي هو حكم مقيّد بعدم هذا العلم، كيف يعقل أن يتعلّق علمه العقلي بفعلية حكم مع أنّ فعليته مقيّدة بعدم هذا العلم العقلي بهذا الحكم نفسه‏

296

إذ عدم علمه به لا يجتمع مع علمه به، فهذا التقييد بحسب الحقيقة يؤدّي إلى استحالة وجود المانع، لا أنّ المانع يوجد لكن يستحيل وصول مانعيته.

فإن قيل: إذا كان المانع مستحيل وجوده، إذن ما معنى أخذ عدمه قيدا، و ما هي فائدته؟ لأنّه إذا استحال وجوده كان عدمه ضروريا.

فجوابه: إنّ استحالة وجود المانع، كان سببه هذا التقييد، إذ لو لا هذا التقييد كان وجود المانع بمكان من الإمكان، و استحالة وجوده الناشئة من التقييد لا يوجب لغويته، و بهذا يتضح، انّ أخذ عدم العلم في موضوع شخص الحكم أمر معقول.

و بهذا تمّ الكلام في أخذ القطع بحكم في موضوع حكم مماثل، أو مخالف، أو مضاد، أو متحد معه شرطا و مانعا.

ثمّ انّ الشيخ (قده) في الرّسائل، و المتأخرين ذكروا كلاما طويلا في أقسام الظن، و مماثلتها لأقسام القطع، حيث أنّه قد يكون مأخوذا في موضوع حكم آخر يماثله، أو يخالفه، أو يضاده، أو يكون عينه بنحو الشرطية أو المانعية، و من هنا صاروا في مقام التفتيش عن نكات الفرق بين القطع و الظن من هذه الناحية، و حيث انّ هذه الأقسام هي مجرد افتراضات لا تطبيق لها و لا أثر إلّا في مجال جعل الأحكام الظاهرية، و الجمع بينها و بين الأحكام الواقعية الّتي سوف يأتي الكلام عنها، لذا نتركها في المقام إلى مقامها إذ لا ثمرة في بحثها، و ندخل في تنبيه جديد من تنبيهات القطع.

297

التنبيه الثالث من تنبيهات القطع، هو البحث عن وجوب الموافقة الالتزامية في التكليف الشرعي و عدمه.

و يقع البحث فيه من ناحيتين.

1- الناحية الأولى: في وجوب الموافقة الالتزامية و عدمها.

2- الناحية الثانية: هي أنّه إذا قيل بوجوب الموافقة الالتزامية، فهل يكون وجوبها مانعا عن إجراء الأصول العملية في أطراف العلم الإجمالي فيما إذا لم يكن هناك مانع من ناحية الموافقة العملية؟ كما في موارد الأصول المثبتة للتكليف مع كون المعلوم بالإجمال حكم ترخيصي كما في موارد جريان استصحاب النجاسة مع العلم إجمالا بطهارة أحد الإناءين، حيث لا محذور في جريان الاستصحابين من ناحية الموافقة العملية، إذ لا امتثال عملي للمعلوم بالإجمال لأنّه ترخيص؟ لكن حينئذ يقع الكلام في أنّه هل ينشأ محذور من ناحية المخالفة الالتزامية؟ لأنّه إذا استصحبنا النجاسة أو الحرمة في كلا الطرفين يكون هذا موجبا للالتزام بمخالفة حكم اللّه تعالى، و حينئذ، ان قيل بحرمة المخالفة الالتزامية، و وجوب موافقتها فقد ينشأ محذور يمنع من جريان الأصول في مثل هذا المورد.

و مثال آخر: هو موارد دوران الأمر بين المحذورين، كما لو علم في مورد بالوجوب أو الحرمة، فإنّه هنا لا مانع من جريان الأصول‏

298

بلحاظ الموافقة العملية، لأنّ المخالفة الاحتمالية قهرية سواء جرت الأصول أم لا، و المخالفة القطعية مستحيلة سواء جرت الأصول أم لا، إذن لا محذور من ناحية المخالفة العملية، لكن قد ينشأ محذور من ناحية المخالفة الالتزامية، كما لو تعبّدنا بعدم الوجوب، و عدم الحرمة، فمعناه أنّه لم نلتزم بحكم اللّه تعالى في هذه المسألة الدائرة أمرها بين الوجوب أو الحرمة، إلى غير ذلك من الموارد الّتي تظهر فيها ثمرة المخالفة الالتزامية، و قبل الدخول في تحقيق الحال في ذلك، لا بدّ من بيان معنى الموافقة الالتزامية الّتي يدّعى وجوبها حيث يحتمل فيها عدّة احتمالات.

و قبل بيان هذه الاحتمالات، لا بدّ من شرح معنى الموافقة الالتزامية فنقول: إنّ الموافقة الالتزامية هي عبارة عن فعل نفساني واقع تحت اختيار المكلّف، و هذا الفعل هو سنخ توجّه مخصوص من قبل النّفس نحو مطلب «ما» بحيث ينتزع من هذا التوجّه مفهوم الخضوع و التسليم و الانقياد، و هذا أمر اختياري للنفس، إذن، ليست الموافقة الالتزامية مجرد القطع و اليقين و العلم بالمطلب، إذ قد يفرض أنّ الإنسان يحصل له اليقين بنبوّة إنسان أو إمامته أو أعلميته، لكنّه مع هذا لا يلتزم بذلك، بمعنى أنّه لا يتوجه إلى هذه النّبوّة أو الإمامة توجها نفسيا خاصا بحيث ينتزع منه عنوان الخضوع و الانقياد لذلك النّبيّ، بل هو في مقام التوجيه يعرض عنه و إن كان في واقع نفسه يقطع بأنّ هذا نبي.

و من هنا يعلم، انّ الالتزام ليس مساوقا لليقين و القطع، بل معناه ما تقدّم، إذن فهو من أفعال الجوانح و ليس من أفعال الجوارح.

و حينئذ، يقع الكلام، في أنّ الحكم الشرعي كما يستدعي فعلا جارحيا، فهل يستدعي فعلا جانحيا بحيث نتوجّه إلى الحكم الشرعي توجها مخصوصا، و المعبّر عنه بالالتزام بالنحو الّذي عرفت أم لا؟.

299

و تحقيق الكلام في ذلك، يستوجب التكلم في عدّة أمور.

الأمر الأول: في أنّه كيف نتصور مانعية وجوب الموافقة الالتزامية عن إجراء الأصول العملية؟.

و هنا يمكن تصوير هذه المانعية ببيانات ثلاث.

1- البيان الأول: هو أنّه إذا وجب الالتزام بالحكم الواقعي المعلوم إجمالا، فإنّه يستحيل حينئذ جريان الأصول و الالتزام بها، لأنّه لو جاز الالتزام بجريانها أيضا للزم الالتزام بالمتنافيين، و هذا يستحيل صدوره من عاقل، إذ كيف نلتزم بطهارة أحد الإناءين مع الالتزام فعلا بنجاسة كل منهما بالاستصحاب، إذن فالالتزام بهذين الأمرين معا التزام بالمتنافيين، و هو مستحيل.

و هذا التقريب واضح البطلان، لأنّ المفروض في المقام أنّ متعلّق أحد الالتزامين حكم واقعي، و متعلّق الآخر حكم ظاهري، و المفروض انّنا جمعنا بين الأحكام الواقعية و الأحكام الظاهرية و لم نفترض تضادا و تنافيا بين الإباحة الواقعية و الحرمة الظاهرية، و حينئذ لا يكون الالتزام بهما معا التزاما بالمتنافيين.

و عليه: لا يكون هذا برهانا على استحالة جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي بناء على وجوب الموافقة الالتزامية.

2- البيان الثاني: هو أنّ نفس الالتزام بالحكم الواقعي المعلوم إجمالا، مناف لجريان الأصول، و إن لم يكن التزاما بالمنافي، لأنّه لا منافاة بين الحكم الواقعي و الظاهري، لكن نفس الالتزام منافي، لأنّ الالتزام الجدي بإباحة شي‏ء شرعا و واقعا لا يلائم مع الالتزام بحرمته استصحابا و ظاهرا، إذ الالتزام الجدي بإباحته يستدعي ترتب الأثر عليها، إذن فنفس الالتزام بالإباحة الواقعية ينافي جريان الاستصحاب،

300

و بناء عليه: قد يتوهم انّ هذه المانعية- كما في الدراسات- إنّما تتم لو كان الواجب هو الالتزام بالحكم الواقعي بعنوانه التفصيلي، فإنّ الالتزام بإباحة شي‏ء بعنوانه التفصيلي مع البناء على حرمته استصحابا لا يجتمعان.

و أمّا إذا كان الواجب هو الالتزام بالحكم الواقعي بعنوانه الإجمالي فلا منافاة حينئذ بين الإباحة و الحرمة في كل مورد.

لكن الصحيح في تقريب هذه المانعية هو البيان الثالث، حيث لا يفرّق فيه الحال بين كون الواجب هو الموافقة الالتزامية للحكم الواقعي بعنوانه التفصيلي، أو بعنوانه الإجمالي.

3- البيان الثالث: هو أن يقال: بأنّ وجوب الموافقة الالتزامية من شئون الحكم المعلوم بالإجمال، فإذا جرى الأصل في نفي الحكم المعلوم بالإجمال، نفي وجوب الموافقة الالتزامية نفيا ظاهريا بنفي موضوعها، باعتبار انّ موضوع وجوبها هو ثبوت الحكم، فإذا انتفى الحكم بالأصل المؤمن، فحينئذ، ينتفي موضوع وجوب الموافقة الالتزامية، و هذا ينتج الترخيص من قبل الأصل في ترك الالتزام رأسا، أي الترخيص في المخالفة القطعية الالتزامية، لأنّ هذا الحكم منفي، فكأنّه قال: لا يجب عليك الالتزام، و هذا ترخيص في المخالفة القطعية الالتزامية.

و هذا التقريب من سنخ تقريب المانعية لوجوب الموافقة القطعية، أو حرمة المخالفة القطعية في جريان الأصول، حيث كنّا نقول: بأنّ جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي يؤدّي إلى الترخيص في ترك الموافقة الالتزامية، لأنّ وجوبها من تبعات الحكم الشرعي، و هو منفي، و هذا ترخيص في المخالفة الالتزامية القطعية، و عليه فلا يجب الالتزام به لا إجمالا و لا تفصيلا.

301

و بهذا التقريب ينبغي أن يبين مانعية وجوب الموافقة الالتزامية عن جريان الأصول.

2- الأمر الثاني: في تحقيق حال هذه المانعية، فنقول:

إنّ وجوب الالتزام فيه احتمالات.

1- الاحتمال الأول: هو أن يكون وجوب الالتزام بالأحكام، حكما عقليا في طول تنجز التكليف، بمعنى أنّ كل تكليف يتنجز امتثاله العملي و موافقته العملية في طول ذلك الحكم العقلي بلزوم الالتزام الجنائي به، فيكون وجوب الموافقة الالتزامية حكما عقليا في طول تنجز التكليف من ناحية امتثاله العملي.

و من الواضح، انّه بناء على هذا الاحتمال لا يعقل مانعية وجوب الالتزام عن جريان الأصول، لأنّ وجوب الالتزام هنا فرع تنجز التكليف، و مع جريان الأصل لا يتنجز التكليف، لأنّه بجريان الأصل يرتفع تكوينا موضوع وجوب الموافقة الالتزامية.

و ينبغي أن يعلم أنّه بناء على هذا العلم الإجمالي، يختصّ وجوب الموافقة الالتزامية بالأحكام الإلزامية دون الترخيصية، لأنّ الأحكام الترخيصية لا تنجز لها، و يختصّ بالأحكام الإلزامية الواصلة أيضا، لأنّ غير الواصل لا تنجز له، و يختص بالأحكام الإلزامية الواصلة بوصول منجز لا بوصول غير منجز كالعلم الإجمالي و نحوه الدائر أمره بين المحذورين، إذن فلا موضوع لوجوب الموافقة الالتزامية في هذه الموارد ليتصور مانعيته عن جريان الأصول.

2- الاحتمال الثاني: هو أن يكون وجوب الموافقة الالتزامية متنجزا في عرض التنجز العملي، يعني: انّ للحكم الشرعي تنجزان في عرض واحد، أحدهما تنجز عملي، و الآخر تنجز التزامي، و العقل‏

302

يحكم إذا وصل التكليف بوجوب الموافقة العملية، و هذا هو التنجز العملي، و يحكم بوجوب الموافقة الالتزامية، و هذا هو التنجز الالتزامي، و هذان حكمان عقليان، و تنجزان عقليان عرضيان، و كلاهما فرع وصول الحكم الشرعي، فإذا لم يصل، فكلاهما غير منجز.

و فرق هذا الاحتمال عن الأول، هو أنّ التنجز الالتزامي هنا ليس في طول التنجز العملي و لذا يعقل الانفكاك بينهما، بأن يكون حكم من ناحية التنجز العملي غير منجز، لكن من ناحية الالتزام منجز، لعدم الطولية بينهما، و بناء عليه: قد يتنجز الحكم التزاما و لا يتنجز عملا.

و حينئذ يقال: إذن، ما هو المقدار الواصل من التكليف هنا؟

فيقال: إنّ المقدار الواصل في موارد العلم الإجمالي هو الجامع بين الوجوب و الحرمة و هو الإلزام، إذ من الواضح انّ إباحة كل منهما بالخصوص غير واصلة في موارد دوران الأمر بين المحذورين، بل الواصل هو جنس الالتزام، و هناك، الواصل جامع الإباحة، و حينئذ، و حيث أنّنا قلنا إنّ وجوب الموافقة الالتزامية فرع الوصول، إذن فتجب الموافقة الالتزامية بمقدار ما وصل، و ما وصل هو الجامع، إذن يجب الالتزام بالجامع، و هذا لا ينافي جريان الأصول في كلا الطرفين، إذن، فتجري أصالة البراءة في هذا الطرف و في ذاك الطرف، لكن يلتزم بالجامع، و لا يؤدّي جريانها في كليهما إلى الترخيص في الموافقة الالتزامية القطعية، كما يؤدّي إلى الترخيص في المخالفة العملية القطعية و نكتة الفرق هي أنّه في باب المخالفة العملية القطعية نقول: إنّ التكليف المنجز هو الجامع، لكن لا تجري الأصول في أطراف المعلوم بالإجمال، لأنّ جريانها في تمامها يؤدّي إلى الترخيص في ترك الجامع رأسا، لأنّه موجود في أحدهما، و مع الترخيص في كليهما يلزم منه ترخيص بترك الجامع، إذن جريانها يوجب الترخيص في المخالفة العملية

303

القطعية للجامع، لأنّ الإتيان بالجامع مع ترك الطرفين غير معقول، إذ ليس له وجود إلّا بهما، فإذا تركا ترك.

و هذا بخلافه في الموافقة الالتزامية القطعية، فإنّ جريان الأصل المؤمن في الأطراف يستدعي عدم وجوب الالتزام بكل منها، و هو لا ينافي وجوب الالتزام بالجامع، لأنّ الالتزام به لا يوجد في ضمن الالتزام بأحدهما، بل يمكن للالتزام أن يقف على الجامع و لا يسري إلى هذا الطرف أو ذاك، و ذلك لأنّ الجامع هنا أمر نفساني يوجد بوجود مستقل دون أن يسري إلى أحد الطرفين، كما انّ نفس العلم لم يسر إلى أحدهما، فكذلك الالتزام به، لأنّ الجامع غير منحصر لا بهذا و لا بذاك.

و الحاصل: هو أنّ الترخيص في ترك الالتزام بهذا بالخصوص أو بذاك بالخصوص ليس معناه ترك الالتزام بالجامع، و من هنا كان جريان الأصول في تمام الأطراف يؤدّي إلى الترخيص في المخالفة العملية القطعية، و لكن لا يؤدّي إلى الترخيص في الموافقة الالتزامية القطعية، و عليه، لا مانع من جريان الأصول من ناحية وجوب الموافقة الالتزامية، بمعنى أنّ وجوب الموافقة الالتزامية لا يكون مانعا عن جريان الأصول بناء على هذا الاحتمال.

3- الاحتمال الثالث: هو أن يفرض انّ وجوب الموافقة الالتزامية حكم شرعي مستقل لا عقلي، كما لو حكم الشارع بأنّه «كلّما ثبت الجامع يجب الالتزام به»، و هذا معناه: انّ العلم الإجمالي بإباحة أحد الأمرين، يستوجب علما إجماليا بوجوب الالتزام بأحدهما، و حينئذ نسأل: هل يوجد محذور في جريان الأصول من ناحيته أم لا؟

و قد ذكرنا في الأمر الثاني، انّ وجوب الموافقة الالتزامية له عدّة الاحتمالات كما تقدّم، و الاحتمال الثالث منها هو، أن يكون وجوب‏

304

الموافقة الالتزامية حكما شرعيا مترتبا على واقع الحكم الشرعي الأولي، بمعنى أنّ هناك حكم شرعي أولي، هو الوجوب أو الحرمة أو الإباحة، و هناك حكم شرعي ثانوي مترتب على الأول، هو وجوب الالتزام بالحكم الشرعي الأولي، فيكون هذا الوجوب حكما مترتبا على واقع الحكم الأول سواء كان معلوما أو مشكوكا، واصلا أو غير واصل، و كأنّ كل حكم يجب الالتزام به سواء وصل أم لا، و بناء على هذا الاحتمال، يوجد عندنا في المقام إباحة واقعية غير واصلة بخصوصيتها في أحد الطرفين، و هذه الإباحة تقع موضوعا لوجوب الالتزام الشرعي بناء على عدم اختصاصه بالحكم الواصل، بل يهم غير الواصل، إذن الإباحة الواقعية المشخصة تقع موضوعا لوجوب الالتزام، و من هنا قد يتوهم أنّ جريان استصحاب النجاسة في كل من الطرفين موجب لنفي الإباحة الواقعية ظاهرا، و يترتب على ذلك نفي أثرها، و هو وجوب الالتزام، و هذا ترخيص في المخالفة الالتزامية القطعية، و عليه: فلا يجوز إجراء الأصول لئلّا يؤدّي جريانها إلى تلك المخالفة.

و هذا التوهم غير صحيح لوجهين.

1- الوجه الأول: هو أنّه لا يعقل القول بوجوب الموافقة الالتزامية للحكم الواقعي غير الواصل بعنوانه التفصيلي، لأنّه يلزم منه التشريع حيث أنّ عنوانه التفصيلي مع عدم الوصول ممّا لا يعلم، و الالتزام بحكم غير معلوم تشريع محرم، و عليه: فبناء على أنّ وجوب الالتزام المترتب على التكليف الواقعي غير الواصل لا يمكن أن يكون متعلقه هو الالتزام بالعنوان التفصيلي، فيجب حينئذ أن يكون متعلق وجوب الموافقة الالتزامية هو الحكم الشرعي الواقعي بعنوانه الإجمالي، و من الواضح حينئذ، انّ وجوب الالتزام بالحكم الواقعي بعنوانه الإجمالي موضوعه معلوم الثبوت وجدانا، لأنّ كل واقعة لا تخلو من حكم، و هذا الحكم يستدعي وجوب الالتزام الإجمالي، سواء كان‏