بحوث في علم الأصول - ج8

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
490 /
305

وجوبا أو حرمة أو غيرهما، فإنّ اللازم المشترك فيها واحد، و هو الالتزام الإجمالي، و جريان الأصول في أطراف المعلوم بالإجمال إنّما يوجب نفي الطهارة أو الإباحة، و لا يلزم منه نفي موضوع وجوب الالتزام، لأنّ موضوعه طبيعي الحكم- الحكم على إجماله- لا خصوص الإباحة، و من الواضح انّ طبيعي الحكم، أو الحكم على إجماله، معلوم الثبوت في كل واقعة بالوجدان.

2- الوجه الثاني: هو أن نفرض انّ الواجب هو الالتزام بالعنوان التفصيلي للحكم الواقعي المشكوك حتّى لو كان تشريعا، فحينئذ نقول:

بأنّ الأصول العملية تجري، لأنّ هذه الأصول إمّا أن تكون أصولا تنزيلية، تتعبدنا بالآثار الشرعية لمؤدّاها، و إمّا أن تكون أصولا غير تنزيلية فتتعبدنا بالوظيفة العملية لمؤدّاها فقط، فإن كانت الأصول الجارية في أطراف المعلوم بالإجمال أصولا غير تنزيلية كقاعدة قبح العقاب بلا بيان الّتي تعبدنا بالوظيفة العملية لمؤدّاها فقط، فمن الواضح حينئذ انّ مثل هذه القاعدة لا يترتب على جريانها نفي وجوب الالتزام، لأنّ الالتزام أثر شرعي مترتب على الحكم بالإباحة، و الأصل الجاري لنفي الإباحة لمّا لم يكن تنزيليا، فلا يترتب على نفي الإباحة بالأصل غير التنزيلي نفي آثار الإباحة و الّتي منها وجوب الالتزام.

و إن كانت الأصول الجارية في أطرافه أصولا تنزيلية، حينئذ، يقال: إنّ إطلاق الأصل لهذا الأثر غير معقول، لأنّ هذا الأصل التنزيلي مفاده التعبّد بمؤداه لتمام آثاره، لكن شموله لهذا الأثر لا يمكن، فنرفع اليد عن إطلاقه لا عن أصله، و عليه: فلا مانعية حينئذ لوجوب الموافقة الالتزامية عن جريان الأصول، و ممّا ذكرنا يظهر حال الاحتمال الرابع.

4- الاحتمال الرابع: هو أن يكون وجوب الموافقة الالتزامية حكما عقليا، موضوعه مطلق الحكم الشرعي و لو لم يصل، فهو عين‏

306

الاحتمال الثالث، لكن الوجوب هنا عقلي لا شرعي كما في الثالث، و حينئذ، ممّا ذكرناه في الوجه الأول في الجواب عن الاحتمال الثالث يأتي هنا في المقام، و هو أنّه إذا كانت تجب الموافقة الالتزامية للحكم الواقعي و إن لم يصل فلا بدّ و أن يكون المقصود وجوب الالتزام بالحكم الواقعي بعنوانه الإجمالي لا التفصيلي، و ذلك لأنّ الالتزام به بعنوانه التفصيلي مستلزم للتشريع، و هو قبيح عقلا حرام شرعا، فيكون وجوب الموافقة الالتزامية موضوعه عبارة عن الحكم الشرعي على إجماله، فكأنّه قال: كل موافقة ثبت لها حكم شرعي على إجماله، فإنّه يجب الالتزام به، و إذا كان موضوع الالتزام الحكم الشرعي على إجماله، فهو معلوم الثبوت وجدانا و واقعا، لأنّ كل واقعة لا تخلو من حكم، و ليس موضوعه خصوص الإباحة ليقال: نرفعه باستصحاب النجاسة و يلزم الترخيص في المخالفة الالتزامية القطعية.

و من مجموع ما تقدّم، يتضح أنّ الموافقة الالتزامية على تقدير وجوبها لا تكون مانعة عن جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي.

3- الأمر الثالث: في وجوب الموافقة الالتزامية و عدمه، و في الحقيقة انّ هذا بحث فقهي، و من الواضح أنّه إن كان المراد من الالتزام البناء على انّ هذا حكما صادرا من الشارع و أنّه من أحكام اللّه سبحانه، فمن الواضح انّ هذا البناء ليس من الواجبات، فإنّ الإنسان لا يجب عليه أن يبني على أنّ كل حكم من الأحكام يكون صادرا من الشارع، و إن كان المراد من الالتزام البناء على أنّ كل ما جاء به النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) هو من عند اللّه تعالى، فهو ممّا لا بدّ من أن يتعبّد به، لأنّ إنكار مثل هذا تكذيب للنّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و لا يمكن أن يجتمع الإنكار مع التصديق بنبوّته.

و بعبارة أخرى: هناك مرحلتان، مرحلة نفرغ فيها عن انّ هذا

307

الحكم جاء به النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من اللّه تعالى، و في هذه المرحلة يجب أن نتعبّد بذلك، لأنّ هذا معناه الاعتقاد بالنّبوّة.

و هناك مرحلة قبلها، و هي أنّه هل يجب التعبّد بأنّ هذا حكم جاء به النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أم لا؟ فهذا لا دليل على وجوبه.

نعم الواجب على المكلّف أن يجزم بأنّ سلوكه لا يخالف ما جاء به النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و لو من باب الاحتياط، إذن فالالتزام بمعنى التسليم و الانقياد و الخضوع لأحكام اللّه تعالى ممّا جاء به النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) على نحو الإجمال مع تطبيق الخضوع على ما يحرز كونه مصداقا لهذه القضية الاحتمالية، هو واجب، و هو من شئون الإيمان عقلا و شرعا، إلّا أنّه لا دخل له فيما هو محل الكلام، و بهذا ننهي البحث في الموافقة الالتزامية.

308

الجهة السادسة: حجية الدليل العقلي‏

بعد الفراغ عن حجيّة القطع في نفسه بلا حاجة إلى جعل جاعل، وقع البحث بينهم في خصوص القطع الحاصل من غير الكتاب و السنّة، أي من الأدلة العقلية، فذهب فريق من علمائنا إلى إنكار حجيّة الدليل العقلي في مقام استنباط الأحكام الشرعية، و لتوضيح الحال في تحرير محل النزاع ينبغي إيراد مقدمتين.

1- المقدّمة الأولى: هي أنّ النزاع الواقع في حجيّة الدليل العقلي نزاعان لا ينبغي الخلط بينهما.

أحدهما: النزاع بين الإمامية و غيرهم، و هو نزاع في الدليل العقلي الظني المبني على الظن كالرأي، و القياس، و الاستحسان، و سدّ الذرائع، و المصالح المرسلة، و غيرها من الأدلة العقلية الظنيّة الّتي بنى جمهور علماء المسلمين غير الإمامية على العمل بها، و أجمع علماء الإمامية تبعا لأئمتهم (عليهم السّلام) على عدم جواز التعويل عليها في أنفسها.

و ثانيهما: هو نزاع بين علماء الإمامية أنفسهم، في جواز استنباط الأحكام الشرعية من الدليل العقلي حتّى و لو كان قطعيا.

و قد ذهب المشهور من علمائنا إلى حجيّة الدليل العقلي القطعي في‏

309

استنباط الحكم الشرعي، و ذهب جملة منهم إلى عدم حجيته و عدم جواز التعويل عليه في ذلك، و النزاع الثاني هو محل الكلام.

و ينبغي أن يعلم أنّ المقصود من الحكم العقلي ليس هو حكم القوّة العاقلة بمعناها الفلسفي الّذي يتميّز عن باقي قوى النّفس، بل المقصود به هو الحكم الّذي يصدره الإنسان على وجه الجزم و اليقين غير مستند إلى آية، أو رواية.

ثمّ انّ محل النزاع في حجيّة الأدلة العقلية إنّما هو في حجيّة الأدلة العقلية الّتي يراد استنباط الأحكام الشرعية منها في عرض الكتاب و السنّة.

و أمّا الدليل العقلي الواقع في مبادئ التصديق بالكتاب و السنّة، فلا إشكال في حجيته، فإنّ الكتاب و السنّة ينتهي التصديق بهما إلى دليل عقلي، إذ لا يمكن الاستقلال بالكتاب و السنّة للتصديق بالكتاب و السنّة.

كما انّ الحكم العقلي الواقع في طول الكتاب و السنّة كحكم العقل بوجوب الامتثال، و قبح المعصية، و استحقاق العقاب و نحوه ممّا هو واقع في طول الأحكام الشرعية المستنبطة من الكتاب و السنّة، فهذا أيضا ممّا لا خلاف و لا إشكال فيه، و إنّما مورد الخلاف و النزاع إنّما هو في الحكم العقلي الّذي هو في عرض الكتاب و السنّة بحيث يكون مصدرا و مرجعا في مقام استنباط الأحكام الشرعية منه، على حدّ مرجعية الكتاب و السنّة.

2- المقدّمة الثانية: هي انّ الأحكام العقلية على قسمين.

1- القسم الأول: أحكام عقلية نظرية.

2- القسم الثاني: أحكام عقلية عملية.

و قد قيل بأنّ العقل النظري هو إدراك ما هو واقع.

310

و قيل بأنّ العقل العملي هو إدراك ما ينبغي أن يقع.

و الأحسن تبديل هذا التعبير فيقال: إنّ العقل العملي بحسب الدقة هو أيضا إدراك ما هو واقع، و ذلك لأنّ العقل العملي يدرك حسن الأشياء و قبحها، و الحسن و القبح حيثيتان واقعيتان ثابتتان في لوح الواقع، فكما انّ العقل النظري يدرك الإمكان و الاستحالة، و هما ثابتان في لوح الواقع، فكذلك العقل العملي يدرك الحسن و القبح، «و أنّ هذا ممّا ينبغي، و هذا ممّا لا ينبغي»، و نفس الانبغاء و اللّاانبغاء أمر ثابت في لوح الواقع، لكن الفرق بينهما هو، أنّ الأمر الواقعي المدرك للعقل، إن كان لا يستدعي بذاته جريا على طبقه فهو من مدركات العقل النظري، و إن استدعى بذاته و بلا ضميمة الجري على طبقه فهو من مدركات العقل العملي، إذن، مدركات العقلين أمور واقعية لكنّها تختلف من حيث استدعائها للجري على طبقها بذاتها، و عدم استدعائها ذلك.

ثمّ انّ تشكيل الدليل العقلي على الحكم الشرعي، تارة، يكون مقتنصا من العقل النظري، و أخرى يكون مقتنصا من العقل العلمي، إذن، فهنا قسمان من الأدلة العقلية.

1- القسم الأول: الدليل العقلي المقتنص من العقل النظري، و هذا الدليل يرجع إلى أحد بابين.

أ- الباب الأول: باب الإمكان و الاستحالة، فإنّ العقل حاكم في هذا الباب، و هو كما يدرك الإمكان و الاستحالة بحسب عالم التكوين كذلك يدركهما بحسب عالم التشريع أيضا، فالعقل يحكم مثلا باستحالة اجتماع الوجوب و الحرمة، و يحكم باستحالة الخطاب الترتبي- على مبنى الكفاية- و يحكم بالإمكان على مبنانا.

و هذه الأحكام، يمكن أن تشكل أدلة عقلية على الحكم الشرعي، لكن بمعنى أنّها يمكن أن تشكل بمفردها أدلة نافية للحكم الشرعي، لكن‏

311

لا يمكن أن تشكل بمفردها أدلة مثبتة للحكم الشرعي، لأنّ العقل إذا حكم بالاستحالة في مورد فهذا يكفي وحده لنفي الحكم و التكليف الشرعي فيه، لكنّه إذا حكم بالإمكان أو الاستحالة، فحكمه حينئذ، لا يكفي في إثبات الحكم الشرعي، بل يحتاج إثبات الحكم حينئذ إلى ضم ضميمة خارجية إليه.

ب- الباب الثاني: باب العلية و المعلولية، من قبيل أن يفرض أنّ العقل النظري أدرك الملاك التام و المصلحة الملزمة التامة في «فعل» فيستكشف استكشافا لمّيا- أي أنّه ينتقل من العلّة إلى المعلول- وجود الحكم في مورد وجدت فيه تلك العلّة، و كذلك في موارد الأولوية، كما لو ثبت بقوله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ‏ حرمة هذا الكلام، فهنا يستقل العقل و يحكم بأنّ تمام المحذور الموجود في هذا الكلام موجود بنحو أتمّ في الضرب، و الشتم، إذن بقانون العليّة، يحكم العقل بأنّ المساوي للعلّة علّة لا محالة، و كذلك علية وجوب الشي‏ء لوجوب مقدمته أو لحرمة ضده، فإنّ هذه العلية على فرض ثبوتها يدركها العقل النظري.

و قد يدرك العقل معلولية شيئين لعلّة واحدة بحيث إذا ثبت أحد المعلولين ثبت الآخر لا محالة، فكل هذه الأحكام المدركة بالعقل النظري ترجع إلى باب العلية.

و من هنا يظهر أنّ العقل النظري قد يستقل أحيانا في إثبات هذه الأحكام، و قد لا يستقل في إثباتها أحيانا أخرى.

2- القسم الثاني: الدليل العقلي المقتنص من العقل العملي، فإنّ العقل العملي لا ينهض وحده و لا يكفي لاستنباط الحكم الشرعي، بل لا بدّ من أن ينضم إليه العقل النظري كي تتم عملية الاستنباط، فالعقل العملي في المقام قد يدرك قبح الكذب، و لكن هذا الإدراك وحده لا يكفي لاستنباط الحكم الشرعي بحرمة الكذب ما لم نضم إليه عقلا نظريا

312

يدرك و يحكم بالملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع، فإنّ هذه الملازمة من مدركات و أحكام العقل النظري لا العملي، و كذلك قد يدرك و يحكم العقل العملي بقبح تكليف العاجز، و لكن هذا لا يستنبط منه حكم شرعي ما لم يضم إليه عقل نظري يدرك استحالة صدور القبيح من المولى، إذن، فالعقل العملي دائما يحتاج إلى ضم عقل نظري في مقام استنباط الحكم الشرعي.

و هذا بخلاف العقل النظري فإنّه لا يحتاج في هذين البابين إلى ضم عقل عملي إليه.

هذه نبذة عن حكم الدليل العقلي في كل من قسمي الدليل العقلي، و النظري، و العملي.

و حيث اتضح موضوع هذا البحث و حيثيّاته، نبدأ في الحديث عن حجيّة الدليل العقلي و عدمها، فنقول:

إنّ الكلام حول الدليل العقلي يقع في ثلاث مقامات:

لأنّ القصور المدّعى في الدليل العقلي، إمّا أن يكون بلحاظ عالم الجعل، و إمّا أن يكون بلحاظ عدم صلاحيته للكشف، و إمّا أن يكون- بعد الفراغ عن عدم القصور في عالم الجعل و في عدم القصور في صلاحيته الدليل العقلي للكشف، بلحاظ قصوره في المنجزية و المعذرية، و انّ الدليل العقلي قاصر عن تنجيز الحكم أو التأمين عنه.

المقام الأول: هو أن يقال: بأنّ قصور الدليل العقلي نشأ من ضيق في عالم الجعل‏

و أخذ قيدا في الحكم الشرعي من قبل المولى، و هذا القيد يختل بقيام الدليل، و قد يصور هذا المعنى بعدّة وجوه نذكرها مع ذكر الخصوصيات الّتي تميّز بعضها عن بعض و من ثمّ نذكر ما يعقب عليها من تعقيبات عامة.

313

1- الوجه الأول: هو أن يقال: بأنّ المولى أخذ في موضوع الحكم الشرعي العلم بالجعل، لكن لا كل علم بالجعل، بل خصوص العلم الناشئ من تبليغ الحجّة

، الناشئ من الأدلة الشرعية بناء على ما أوضحناه سابقا من أنّه يعقل أخذ العلم بالجعل في موضوع المجعول دون أن يلزم محذور الدور و نحوه، إذ كما يعقل أخذ طبيعي العلم بالجعل في موضوع المجعول، كذلك يمكن أن يؤخذ حصة خاصة من العلم بالجعل في موضوع المجعول، و هو العلم الناشئ من الأدلة السمعية و الشرعية، و حينئذ، متى ما وصل الجعل بدليل عقلي بحت، لا يكون المجعول فعليا و إن كان الجعل ثابتا، و ذلك لأنّ فعلية المجعول مقيدة بالعلم الخاص بالجعل، و هذا العلم الخاص لم يتحقّق، و معه لا يكون المجعول فعليا، إذن فالقصور في الدليل العقلي ينشأ من نقص و ضيق في عالم الجعل‏ (1).

و هذا الوجه لو فرضت تماميته فهو، ينتج أكثر ممّا يريد إثباته هذا المنكر لحجيّة الدليل العقلي، و ذلك لأنّه ينتج ربط الحكم بالعلم السمعي، فلو لم يعلم المكلّف بالتكليف لا بدليل سمعي و لا بدليل عقلي، فمقتضى هذا الوجه حينئذ، انّ المجعول ليس فعليا في حقّه ذلك لأنّ فعلية المجعول أنيطت بالعلم السمعي، و حيث لا علم سمعي، إذن، لا فعلية للمجعول، إذن فكما انّ حالات العلم العقلي تخرج عن نطاق فعلية المجعول، فكذلك حالات اللّاعلم مطلقا تخرج عن نطاق فعلية المجعول، و يلزم عدم كون الشاكّ مكلفا.

2- الوجه الثاني: هو أن يفرض أخذ عدم العلم العقلي بالجعل، في موضوع المجعول‏

، بناء على ما أوضحناه سابقا من أنّه كما يمكن أخذ العلم بالجعل شرطا، يمكن أخذ العلم بالجعل مانعا،- أي أخذ

____________

(1) أجود التقريرات: ج 2، ص 40.

314

عدمه قيدا- فيؤخذ عدم العلم العقلي بالجعل، في موضوع المجعول، و حينئذ، سوف يكون القصور في الدليل العقلي ناشئا من ضيق في عالم الجعل، لا من كاشفيته و منجزيته.

و هذا الوجه يتميّز عن الوجه الأول، أنّه يتلاءم مع ثبوت التكليف للشاكّ، لأنّه أخذ في موضوعه عدم العلم العقلي بالجعل قيدا في المجعول، و لذا لو لم يعلم أصلا كان الحكم ثابتا عليه، و لكن لا بدّ من تقييد هذا القيد، فيقال: إنّ القيد ليس هو عدم العلم العقلي مطلقا، و إلّا لزم في حال قيام دليل عقلي و دليل سمعي معا على حكم عند المكلّف، لزم أن لا يثبت الحكم عليه، لأنّه يصدق على مثل هذا الشخص حينئذ، انّه قام عنده دليل عقلي، مع أنّه لا يلتزم أحد بعدم ثبوت الحكم في مثل هذا المورد، إذن، فلا بدّ من تقييد هذا القيد فيقال: إنّ الشارع أخذ في موضوع الحكم عدم العلم العقلي وحده، و هذا يناسب صورتي قيام الدليل الشرعي وحده، أو منضما إلى الدليل العقلي، إذ في صورة قيام الدليلان معا يصدق أنّه لم يقم الدليل العقلي وحده، و معه يكون الشرط متحققا لأنّ الشرط هو عدم قيام و تفرّد الدليل العقلي وحده، و هذا الشرط محفوظ في هذه الصورة.

3- الوجه الثالث: هو أن يؤخذ عدم العلم العقلي بالمجعول في موضوع الحكم المجعول‏

بناء على ما أوضحناه في التنبيه السابق، من أنّ العلم بالمجعول لا يعقل أخذه شرطا في المجعول، لكن يعقل أخذه مانعا خلافا لمدرسة النائيني (قده) الّتي ساقت المطلبين سياقا واحدا دون أن تبرز نكتة فرق بين أخذ العلم بالمجعول شرطا، و بين أخذه مانعا.

و نحن قد ذكرنا أنّه إذا أخذ شرطا يلزم منه محذور ما يشبه الدور، بخلاف ما لو أخذ مانعا فإنّه لا يلزم منه محذور.

315

4- الوجه الرابع: [في تقييد الحكم بنفس ما قيّد به في الوجوه السابقة، لكن على نحو نتيجة التقييد- أي بجعلين لا جعل واحد]

لو تعذرت كل هذه الوجوه، أو أنّه لم يلتفت إلى إمكان نكاتها و أنّه لا يعقل أخذ العلم بالجعل، و لا العلم بالمجعول لا شرطا و لا مانعا في الجعل الأول، فحينئذ، يصور هذا القيد بنتيجة التقييد على مسلك الميرزا (قده) بأن يقال: بأنّ الحكم يقيد بنفس ما قيّد به في الوجوه السابقة، لكن على نحو نتيجة التقييد- أي بجعلين لا جعل واحد-.

و قد قلنا سابقا إنّ هذا غير معقول، و إن بنى عليه الميرزا (قده) (1).

5- الوجه الخامس: هو أن يؤخذ العلم الناشئ من الدليل الشرعي قيدا في متعلق الوجوب و ليس في موضوع الوجوب‏

، أي في المأمور به لا في نفس الأمر، بخلاف الوجوه السابقة المفترضة لأخذه قيدا في موضوع الوجوب، بحيث لا وجوب بلا علم، و ذلك انّ الأمر بالعام أو بالصّلاة مثلا، متعلق بالفعل المأتي به بقصد القربة، و قصد امتثال الأمر في المقام موقوف على أن يكون هناك أمر قد وصل إلى المكلّف ليقصد امتثاله، و حينئذ، المولى، يخصص نفس قصد الامتثال الّذي هو داخل تحت الأمر و متعلقا له بحصة خاصة، و هي قصد امتثال الأمر الّذي وصل إلى المكلّف بالدليل الشرعي، فيقصد القربة الّذي هو متعلق الأمر، فيؤخذ منه حصة خاصة، و هو قصد التقرّب بلحاظ أمر واصل بالدليل الشرعي.

و هذا الوجه ذكره المحقّق العراقي (قده).

و ميزة هذا الوجه عن الوجوه السابقة هي، انّ الوجوب فيه فعلي على كلّ حال حتّى في حقّ من قطع بالحكم عن طريق الدليل العقلي، غاية الأمر أنّ الصّيام أو الفعل لا يصحّ منه لعدم تحقّق حقّ الامتثال منه ما دام قد وصله الحكم بدليل عقلي لا شرعي.

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي، ج 2، ص 40.

316

نعم هذا الوجه فيه جهة قصور عن الوجوه السابقة، و هو أنّه يختصّ بأبواب العبادات الّتي أخذ في متعلق الأمر فيها قصد القربة، و لا يجري في التوصليات البحتة المستغنية عن أخذ قصد القربة فيها، فلا تحصص بحصة خاصة.

إلّا أنّ هذا الوجه إنّما يتعقل فيما لو فرض أنّ تحصيل العلم بالدليل الشرعي كان تحت قدرة المكلّف و اختياره، و أمّا إذا لم يكن تحت قدرته و اختياره، و كان أمرا اتفاقيا قد يحصل بلا اختيار و قد لا يحصل، حينئذ يكون هذا القيد من قيود الواجب، يجب أخذه في الوجوب أيضا لا الواجب، لما برهنّا عليه في بحث مقدّمة الواجب من أنّ قيود الواجب إذا كانت اختيارية فيعقل أخذها في الواجب و عدم أخذها في الوجوب، و يكون اللازم حينئذ إيجادها من المكلّف، و أمّا إذا كانت غير اختيارية «كالوقت» مثلا، فإذا أخذت في الواجب وجب أخذها في الوجوب أيضا، و إلّا لزم البعث نحو تحصيلها و هو محال، لاستحالة التحريك نحو غير المقدور، إذ أنّ قصد القربة مقيّد بالعلم الشرعي بالأمر، إذن فهذا العلم الشرعي بالأمر يكون قيدا في الواجب، و حينئذ، فإن لم يكن هذا العلم تحت القدرة، فيجب أخذه في الوجوب، إذن فيرجع إلى أحد الوجوه السابقة مع شي‏ء من التغيير.

هذه وجوه خمسة يمكن أن تذكر في المقام لإثبات قصور الدليل العقلي الناشئ من قصور في عالم الجعل.

و بما بيّناه فيما تقدّم، حينئذ، لا يرد ما أورده الشيخ الأعظم (قده) في الرّسائل، من أنّ هذا القيد الّذي هو- «تبليغ الحجّة»- حاصل حتّى في حقّ من قام عنده الدليل العقلي، لأنّ من قام عنده هذا الدليل العقلي على انّ اللّه سبحانه أوجب صوم شهر رمضان مثلا، يستكشف من نفس هذا الدليل العقلي دليلا شرعيا و حكما سمعيا، لأنّ كل ما حكم به اللّه‏

317

سبحانه قد بيّنه النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و الأئمّة (عليهم السّلام) و بلّغوه، إذن، فالتبليغ محفوظ، فإن قيل: بأنّ الأحكام الشرعية مقيدة بكون التبليغ من الحجج (عليهم السّلام)، فهنا عند ما يقوم دليل عقلي على حكم شرعي و انّ هذا الحكم شرّعه اللّه تعالى، حينئذ نستكشف التبليغ من الحجج و أنّه وقع منهم (عليهم السّلام)، و حينئذ يكون القيد محرزا، و معه لا يردّ الإشكال الّذي أورده الشيخ الأعظم (قده) (1) لأنّه مبني على كون القيد المأخوذ هو، عنوان تبليغ الحجج (عليهم السّلام) لا عنوان الوصول من قبل الحجج (عليهم السّلام)، مع أنّه يمكن له (قده) أن يقول: بأنّ القيد المأخوذ إنّما هو الوصول من الحجج (عليهم السّلام) و ليس تبليغهم (عليهم السّلام) كما في الرّواية، «انّه إن كان قد صام نهاره، و صلّى ليله، و تصدّق بجميع ماله، و لم يكن ذلك بدلالة وليّ اللّه تعالى، لم يقبل منه ذلك»، الدالة على انّ العبرة بالوصول من الإمام (عليه السّلام)، لا بالتبليغ الواقعي الثبوتي، و الوصول من الحجّة (عليه السّلام) غير متحقّق، كما أنّه لا يردّ عليه ما أورده الميرزا (قده)، من أنّ الوصول أو التبليغ من الحجج متحقّق، لأنّ العقل هو أيضا حجّة، لأنّه الرّسول الباطني فإذا استفاد الحكم من الدليل العقلي فيكون قد وصل إليه من قبل الحجّة، فهذا لا يردّ أيضا، و ذلك لأنّ الكلام ليس في لفظة حجّة و مدلولها العقلي كي يقال: بأنّ مفهوم حجّة ينطبق على الدليل العقلي و العقل، و إنّما الكلام في الحجج الأئمّة (عليهم السّلام) المعصومين كما هو منصرف اللفظ، فإنه منصرف إلى الأئمة المعصومين (عليهم السّلام).

نعم يردّ عليه، انّ هذا المطلب غير تام لا إثباتا و لا ثبوتا.

أمّا إثباتا، فلأنّ هذه الوجوه لو كانت معقولة فهي تحتاج إلى دليل يدلّ عليها، لأنّ تقييد الوجوب أو الواجب بهذا القيد على خلاف مقتضى إطلاقات الأدلة، و الّذين ذهبوا إلى عدم حجيّة الدليل العقلي‏

____________

(1) الرّسائل: ص 9- 10.

318

تمسكوا بروايات ذكرها الشيخ في الرّسائل، و هذه الرّوايات لا تتم دلالة و حجيّة شي‏ء منها في إثبات هذا التقييد، لأنّها لا تخلو من أحد أمور ثلاثة.

1- الأمر الأول: هو أن تكون مسوقة لبيان عدم جواز التعويل على الأدلة العقلية الظنية الّتي يعول عليها فقهاء غير الإمامية في استنباط الأحكام الشرعية، و لأجل ذلك شدّد الأئمّة النكير على من كان يعوّل على مثل هذه الأدلة من القياس و الاستحسان، و سد الذرائع و المصالح المرسلة و غيرها.

و لكن معه تكون هذه الرّوايات أجنبية عن محل النزاع بناء على ما ذكرناه في المقدّمة الأولى، من مقدمتي هذا البحث، إذن، على هذا الوجه يحمل قسم من الرّوايات.

2- الأمر الثاني: هو أن يكون قسما آخر من هذه الرّوايات دالا على اشتراط الولاية في صحة العمل، بمعنى أنّ العمل من دون معرفة الإمام (عليه السّلام) و الإيمان به لا يقع صحيحا.

و هذا مطلب نحن نقول به و نفتي به أيضا، و أنّ العبادة لا تقع صحيحة إلّا مع الإسلام و الإيمان، أي الولاية، فإذا اختل أحد الشرطين بطلت.

و لكن هذه الرّوايات الدالة على ذلك خارجة عن محل النزاع.

3- الأمر الثالث: هو أن يكون قسما ثالثا من هذه الرّوايات دالا على التأنيب على ترك الفحص عن الأدلة الشرعية و التوغل في أخذ المطالب و الأحكام من الأدلة العقلية كما هو الحال في رواية أبان المعروفة (1)، الّتي يقول فيها الإمام (عليه السّلام): «إنّ السنّة إذا قيست محق الدّين».

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 19، كتاب الديات، باب 44، ص 268، ح 1.

319

و الرّواية صحيحة، و ليس كما ادّعي، و لكنّها ناظرة إلى ما ذكرنا، لأنّ أبان حينما سمع بذلك الحكم، حصل له اطمئنان سريع بأنّ هذا حكم غريب لا يحتمل ثبوته و ذلك لأنّه لم يلتفت إلى الأدلة الشرعية، بينما لو فحص في الأدلة لما حصل عنده قطع و اطمئنان بغرابة الحكم، بل و لزال من نفسه هذا القطع كما هو الحال في كل الأمور الّتي لا يراجع الصغار فيها الكبار، بينما لو راجعوا أو سألوا لم يحصل لهم الاطمئنان فضلا عن القطع في جلّ ما قطعوا به، و هذا ما يعبّر عنه بالتقصير في مقدّمات الدليل.

فالرّوايات الّتي استدلوا بها على التقييد المذكور لا تخلو من أحد هذه المضامين الثلاثة، و استيعابها مفصلة يخرجنا عن طور علم الأصول، هذا محصل الكلام في مقام الإثبات، إذن فهذه الوجوه الخمسة غير تامة إثباتا، حتّى لو فرض أنّها ممكنة ثبوتا.

و الخلاصة هي أنّ الوجوه الخمسة لدعوى القصور في الدليل العقلي الناشئ من النقص في عالم الجعل، يقع تارة إثباتا، و قد عرفت أنّها غير تامة.

و بقي الكلام ثبوتا، و لنا حوله ثلاث تعليقات.

1- التعليق الأول: هو انّ هذا الكلام لو تمّ و صحّت هذه الوجوه الخمسة، و فرض أنّ العلم بالجعل مأخوذ في موضوع المجعول، لكن هذا لا يعني أنّ فقيها أصوليا إذا لم تثبت عنده هذه الوجوه و لو اشتباها، و تمسك بإطلاقات الأدلة، يكون القطع العقلي حجّة بالنسبة إليه تنجيزا و تعذيرا.

إذن، فالنزاع بين الأصوليين و الإخباريين بناء على هذا، يكون نزاع تخطئة و ليس نزاع اتهام، من قبيل النزاع في نجاسة الخمر و طهارته، أو

320

النزاع في حليّة لحم الأرنب و حرمته، إذن فهذه الوجوه تنتج أنّ النزاع على مستوى التخطئة لا الاتهام.

و هذا بخلاف ما لو قيل بأنّ الدليل العقلي لا ينتج القطع إلّا مع التقصير في المقدّمات كما هو معنى المقام الثاني، و انّ الإنسان الّذي لا يقصر في المقدّمات لا يحصل له القطع من الدليل العقلي، لأنّ هذا يعني؛ انّ الّذي يعتمد على القطع العقلي لا يكون معذورا و ليس مخطئا فقط، و كذا لو قيل بأنّ القطع العقلي ليس منجزا و لا معذرا بحكم العقل.

2- التعليق الثاني: هو انّ تصوير أخذ العلم الشرعي في موضوع المجعول، أو أخذ عدم العلم العقلي بالجعل في موضوع المجعول، و تصويرها بأحد الوجوه الخمسة- خصوصا الوجه الأول لأنّه أحسنها- إنّما يريد به أصحاب هذه الوجوه بيان، أنّهم لا ينكرون حجيّة القطع الذاتية، و إنّما ينكرون حصول قطع بالحكم الشرعي، و ذلك لأنّ الحكم الشرعي مقيد بالعلم الشرعي، أو بعدم العلم العقلي به، فإنّه بناء على مبناهم لا يحصل مع العلم العقلي قطع بفعلية المجعول، إذن، فمدّعاهم إنكار حصول القطع و ليس إنكار حجيته، و يتمّ لهم ذلك- حسب مدّعاهم- بتحويل القطع من طريقي إلى موضوعي بأخذه في موضوع الحكم بأحد الوجوه الخمسة، و معه لا يحصل القطع بفعلية المجعول خارجا.

هذا هو الغرض من الوجوه الخمسة، و هذا الغرض لا يمكن تحقيقه في المقام، لأنّ من قام عنده البرهان العقلي على وجود العلّة التامة للحكم يستحيل أن يصدّق بأنّ هذا الحكم منوط بأمر آخر هو عدم العلم العقلي وراء هذه العلّة التامة الموجودة بالفعل، لأنّه خلف قيام البرهان على وجود العلّة التامة بالفعل على الحكم الشرعي، فمثلا: من‏

321

يرى الملازمة بين وجوب المقدّمة و وجوب ذيها، يرى انّ وجوب ذي المقدّمة علّة تامة لوجوبها بالبرهان، و معه يستحيل أن يصدّق بهذه الوجوه الخمسة، لأنّ التصديق بها خلف العليّة التامة لما وقع مع قيام البرهان عليها.

و بتعبير آخر: انّ من حصل عنده علم عقلي، هل يحتمل أن يكون هناك شي‏ء آخر وراء ما هو موجود عنده من دليل له دخل في فعلية الحكم؟. أو أنّ البرهان العقلي قام عنده على عدم دخل ذلك في فعليته؟

و الأول أي إن كان يحتمل ذلك، يلزم منه أن لا قطع لهذا الإنسان بالحكم من أول الأمر و حينئذ، لا حاجة إلى هذه الوجوه الخمسة، و الثاني أي إن كان لا يحتمل، يلزم منه حصول القطع له بالحكم الشرعي، و حينئذ يستحيل له التصديق بتقييد الحكم الشرعي بعدم العلم العقلي، إذن فحال تقييد العلم الشرعي بالعقلي حال سائر التقييدات الأخرى الممكنة، فمثلا: إذا كان يقطع بوجود مصلحة بالإحسان إلى الفقير، فحينئذ، إن كان يرى انّ هذا هو العلّة التامة، إذن، فلا يمكنه أن يصدّق انّ عدم العلم العقلي مانعا، و إلّا احتمل أن يكون فسق الفقير هو المانع، إذن فهذا الوجه غير تام، إمّا بالبيان الأول أو الثاني.

3- التعليق الثالث: هو انّ الدليل العقلي قد يكون برهانا على عدم الحكم و نفيه و ليس على وجوده، و حينئذ، في مثله ما ذا يصنع؟، فإنّه لو كان الدليل العقلي برهانا على ثبوت الحكم تقولون انّ الحكم يؤخذ في موضوعه شرعا عدم الوصول عقلا، و هذا قد وصل عقلا، إذن، فلا يكون فعليا في حقّه، لكن لو قام الدليل العقلي برهانا على نفي الحكم، كما لو قطع المكلّف بعدم وجوب الصّلاة بالخطاب الترتبي، لاستحالة الترتب عنده مثلا، فهنا لا يوجد جعل ليؤخذ عدم الوصول العقلي شرطا في فعليته، و حينئذ، فهل يلزم على المولى أن‏

322

يؤسس جعلا بالوجوب المقطوع الاستحالة بحيث أنّه متى قطع الإنسان عقليا باستحالة الوجوب، بجعل المولى الوجوب في حقّه، ليردعه عن العمل بقطعه؟.

من الواضح انّ هذا مستحيل، لأنّه مع قطع المكلّف باستحالة الوجوب، كيف يجعل الشارع الوجوب في حقّه، فإنّ من قطع بالوجوب يمكن أن نردعه بما ذكرنا سابقا من أخذ عدم العلم العقلي في موضوع المجعول، لكن من قطع بعدم الوجوب و استحالته، كيف نردعه؟ هل نحكم عليه بالوجوب؟ هذا مستحيل، و عليه: فهذا الكلام لو تمّ فإنّما يتم في طرف الإثبات و قيام الدليل العقلي على ثبوت حكم، لا على نفي حكم، و بهذا اتضح انّ هذه الوجوه الخمسة غير تامة، لا ثبوتا و لا إثباتا.

ثمّ انّه لو قطعنا النظر عن كل ما قلناه، و فرضنا تمامية هذه الوجوه ثبوتا و إثباتا، إمكانا و وقوعا، و فرضنا أنّ الحكم الشرعي مقيد- كما تزعمون- بأن يكون واصلا من ناحية الأئمّة (عليهم السّلام) حينئذ نقول: إنّ الصغرى هنا موجودة، و هي أنّ الحكم متى وصل بالدليل العقلي فقد وصل إلينا عن طريق المعصومين (عليهم السّلام)، لا ببيان الشيخ الأعظم (قده) في الرّسائل حيث عرفت عدم تماميته، بل ببيان آخر، و هو أنّ الكتاب و السنّة أمرانا باتباع العقل، و على الأقل العقل الفطري الخالي من شائبة الوهم، إذن، فإذا ثبت شي‏ء بالعقل، و ثبتت الكبرى بالكتاب و السنّة، أي ثبت الرّجوع إليه بالكتاب و السنّة، حينئذ يثبت وصول ذلك الشي‏ء إلينا عن طريق الكتاب و السنّة فيشمله إطلاق الدليل، فمثلا: لو أمرنا المعصوم (عليه السّلام) بالقرعة، ثمّ قرعنا و عيّنا المسألة بها، حينئذ نسأل، هل هذا اتباع للأئمّة (عليهم السّلام)، أو اتباع للقرعة؟ لا إشكال في أنّه اتباع للأئمّة (عليهم السّلام)، لأنّهم هم جعلوها حجّة و أمرونا باتباعها، و في المقام‏

323

الأئمّة (عليهم السّلام) أمرونا باتباع العقل، و حينئذ يكون ما وصلنا عن طريقهم محقّقا صغرى لتلك الكبرى، فيشمله إطلاق الدليل أيضا و خلاصة كل ما تقدّم أنّه لا يعقل فرض القصور في الدليل العقلي من ناحية عالم الجعل، هذا حاصل الكلام في المقام الأول من المقامات الثلاثة.

المقام الثاني: هو في تصوير كون القصور المدّعى في الدليل العقلي من ناحية عدم صلاحيته للكشف في مقام إثبات حقيقة «ما»

، بمعنى أنّ الدليل العقلي لا يصلح لتكوين اليقين بالحكم الشرعي، و هذا المعنى هو المناسب لظاهر جملة من كلمات المحدّثين، خصوصا المحدّث الأسترآبادي في فوائده‏ (1) المدنية حيث ذكر هو و غيره من المحدّثين أنّ الدليل العقلي لا يصلح التعويل عليه في مقام الكاشفية كما يذكر في هذا المقام كلمات للأسترآبادي و الجزائري «ره» أثاروا فيها نقطة انّ الدليل العقلي إذا لاحظناه في حياة الإنسان، نرى شيوع الخطأ فيه و الاشتباه، إذ كم من إنسان برهن على مدّعاه عقليا ثمّ أبطله آخر ببرهان عقلي آخر، و قد يستثنى من ذلك جملة من فروع الرياضيات.

و قد فسّر المحدّث الأسترآبادي نفسه هذا، بأنّ هذه الجملة من الفروع إنّما تكون مستثناة باعتبار انّ موادها قريبة من الحس و محسوسة فلا يقع فيها الخطأ، بينما غيرها يكثر فيها شيوع الخطأ و الاشتباه كما في الفلسفة الإلهية و علم الكلام و الأصول، و مع شيوع الخطأ فيها كيف يمكن التعويل على الدليل العقلي.

و كأنّ التعويل في نظر هؤلاء لا يكون إلّا على الحس و الأمور البديهية و الأولية، و أمّا النظريات العقلية، فلا يمكن الاعتماد على العقل فيها.

____________

(1) الفوائد المدنية: المحدّث الأسترآبادي، ص 220.

324

و هذا المدّعى لا يفرق فيه- من زاوية غرضنا البحثي- بين أن يقال: إنّ الخطأ يقع في قوّة واحدة من قوى النّفس الدرّاكة، أو انّ قوى النّفي الدرّاكة لو لوحظت كل قوّة قوّة، لا يقع فيها خطأ، بل الخطأ يقع من حيث تلفيق النّفس و إصدار أحكام ناتجة عن التلفيق بين مدركات القوى الدرّاكة كما يدعي الفلاسفة، كما لو رأينا شخصا أسودا و حكمنا عليه بأنّه إفريقي و هو ليس كذلك، فإنّ هذا خطأ في الحكم، لكن مردّ هذا الخطأ إلى حكمين لقوّتين درّاكتين كلاهما صواب في نفسه صحيحا، أحدهما أنّه أسود، و هو حكم لقوّة الإدراك الحسّي، و هو مطابق للواقع، و حكم آخر، و هو انّ هذا الأسود- على نحو القضية الكلية الغالبية- إفريقي، و هذا حكم عقلي صحيح، صدر من العقل، و هو مطابق للواقع، و لكن وقع الاشتباه من قبل النّفس في مقام استنتاج حكم ثالث من هاتين القوّتين فأخطأت.

و على كلّ حال، فهذا بحث فلسفي سواء أ كان صحيحا أم لا، لا ندخل فيه، و إنّما تحقيقه في الفلسفة، و لا دخل له في غرضنا سواء كان الخطأ يقع في قوّة دراكة واحدة، أو من التلفيق من قوّتين.

كما أنّه لا يفرق في غرض الإخباريين، حيث أنّ الدليل هو حصيلة هذه المدركات، حينئذ قالوا: بأنّ الدليل العقلي حيث يقع فيه الخطأ كما عرفت، فكيف يمكن أن يعوّل عليه؟

و قد نقل عن السيّد البروجردي (قده) قوله: انّ هذه النزعة الّتي ظهرت على أيدي الإخباريين- من عدم التعويل على الدليل العقلي و حصر المعرفة بالحس- يحتمل أن تكون قد تسربت إليهم من الاتجاه و النزعة التجريبية و الحسية في الفلسفة الأوروبية، لأنّ هذه النزعة الإخبارية كانت قد ظهرت عقيب تلك النزعة التجريبية الحسية، فكما أنّ تلك النزعة رفضت العقل و حصرت المعرفة بالحس،

325

فالأخباريون، و بالخصوص المحدّث الأسترآبادي (قده) كذلك فعلوا.

و هذه الملاحظة رغم حسنها و معقوليتها بحدّ ذاتها، إلّا أنّها على فرض صحة صدورها عن البروجردي (قده)، فهي غير تامة، فإنّه قد أشرنا في محله من كتابنا «المعالم الجديدة» بأنّ هذا الاتجاه الممثل للنزعة الحسية التجريبية جاء بعد اتجاه الإخباريين و الأسترآبادي (قده) بمائة سنة تقريبا، فإنّ الأسترآبادي (قده) عاش في أوائل القرن الحادي عشر، بينما هذه المدرسة الحسية الأوروبية عاشت في أواخر القرن الثاني عشر، و من هنا يحتمل أن تكون أفكار الأسترآبادي (قده) و مدرسته هي الّتي تسربت إلى أوروبا و المدرسة الحسيّة فيها، و كل هذا حكم على فرض أن نتعامل مع مدّعيات الأسترآبادي (قده) على أساس أنّ مدرسته هذه تمثل نزعة حسيّة.

إلّا أنّ هذا الافتراض غير واضح من كلماته، و إن كان يقول بأنّ الحس معتبر، و انّ العلوم العقلية الّتي تكون موادها حسيّة هي الثانية معتبرة، إلّا أنّه مع هذا ليس واضحا أنّ غرضه نفس غرض المدرسة الحسيّة الأوروبية، بل الظاهر أنّ غرضهم كان حصر المعرفة بالدليل الشرعي اللفظي و إلغاء حجيّة الدليل العقلي، سواء كان عقليا قبليا، أي غير مستمد من التجربة و الاستقراء، أو عقليا بعديا، أي مستمدا من التجربة و الاستقراء، و هذا يكفي بمدرسة الإخباريين بعدا عن المدرسة الحسيّة التجريبيّة الّتي ألغت العقل القبلي و حصرت المعرفة بالدليل الحسي الاستقرائي، بينما الأسترآبادي ألغى القبلي و البعدي و اعترف بالشرعي على أساس أنّه محسوس، و هذا اعتراف منه بالحس بالجملة لا بالحس الّذي تتبناه المدرسة الحسيّة الأوروبية.

و على أيّ حال فالكلام في مدّعى الإخباريين المذكور يقع في مقامين.

326

1- المقام الأول: في العقل النظري:

و قد عرفت انّ جوهر الكلام من قبل المشكّكين في كاشفية الدليل العقلي، مردّه إلى دعوى كثرة الأخطاء الواقعة في العقل النظري، و هذه الكثرة في الخطأ تمنع من حصول اليقين منه، و حينئذ لا يكون مشمولا لدليل الحجيّة، و حيث أنّ هذا الكلام لا يخلو من غموض، فلا بدّ من مقام حلّه و تحقيقه من الكلام حول هذا اليقين فيقال: انّ اليقين له معنيان.

1- المعنى الأول: هو أن يراد باليقين اليقين بالمعنى الأصولي، و هو الجزم و الانكشاف التام الّذي لا يستبطن أيّ تردّد و شكّ و هذا اليقين هو الّذي وقع موضوعا للحجيّة و المنجزية و المعذرية.

2- المعنى الثاني: هو أن يراد به اليقين بالمعنى المنطقي المأخوذ من كتاب البرهان و الصناعات الخمس، و هو غير الأول، فإنّ المناطقة البرهانيين لا يسمون كل جزم يقينا، و إلّا فالصناعات الأخرى غير صناعة البرهان قد تؤدّي إلى الجزم و لكنّه ليس يقينا، بل اليقين هو الجزم المضمون الحقانية الّذي يكون مطابقا للواقع بالضرورة، فتكون حقانيته و مطابقيته للواقع هي المقومة ليقينيته، و مقصود المحدّثين في المقام عند ما يقولون إنّ الدليل العقلي لا يورث اليقين، تارة يكون إنكار اليقين الأصولي في الأدلة العقلية، و أخرى، يكون إنكار اليقين المنطقي، فأيّ اليقينين يريدون، الأصولي أو المنطقي؟ فإن كان مراد إنكاركم هو اليقين الأصولي، فحينئذ إن تمّت صغراه تمّت كبراه، بمعنى أنّه إن تمّ أنّ اليقين بالمعنى الأصولي غير موجود، بل الشك هو الغالب فيه و حينئذ، مثل هذا لا ينتج جزما، و معه يتبين أنّه لا موضوع للحجيّة في الأدلة العقلية، لأنّ الحجيّة بمعنى المنجزية و المعذرية موضوعها الجزم و اليقين الأصولي الّذي لا يحتمل فيه الخلاف، و مع عدم وجوده و لا حجّة أصلا.

327

و الحاصل انّ كبرى وقوع الأخطاء في الاستدلالات العقلية هل يمنع عن حصول الجزم و اليقين أم لا؟

و هنا عادة قبل الحل ينقض على هذا المدّعى نقضا و حلا.

أمّا نقضا: فينقض عليه بنقضين.

1- النقض الأول: هو انّه إذا لم يكن الدليل العقلي معتبرا في إيجاد اليقين، باعتبار كثرة الأخطاء فيه، و انحصر الدليل بالأدلة الشرعية، حينئذ ما ذا تصنعون بالأدلة العقلية الّتي تثبتون بها أصل الشرع- أصول الدّين- حيث أنّه لا يمكن إثباته بالدليل الشرعي، مع أنّكم تستدلون بالأدلة العقلية في أصول الدّين و يحصل لكم الجزم على أساسها.

2- النقض الثاني: هو النقض بنفس الاستدلال بالأدلة الشرعية، فإنّه في هذه الأدلة و عمليات الاستدلال بها و الملابسات الّتي تحيط بالدليل الشرعي و الأخطاء الّتي تقع فيه، هي أيضا تشكّل نفس ما كان يقع في الدليل العقلي، خاصة إذا لاحظنا عالم الدلالة و السند، فلو كان مجرد حصول أخطاء كثيرة من هذا القبيل يوجب التوقف عن الجزم، إذن ينبغي أن لا يحصل جزم للمستدل بالأدلة الشرعية أيضا، إذ كثيرا ما يقع الخطأ في مقام الاستدلال بها.

و كلا هذين النقضين إنّما يردّان على المحدّثين، «خصوصا النقض الأول» فيما إذا افترض أنّ المحدّث الأسترآبادي كان يريد إنكار كاشفية الدليل العقلي جملة و تفصيلا، أي كل دليل عقلي على الإطلاق.

و أمّا إذا كان ينكر كاشفية خصوص تلك الأدلة العقلية ذات الطابع النظري التجريدي المستعملة في مثل علم الكلام و الفلسفة و الأصول، بمعنى أنّه ينكر حجيّة ذلك العقل البرهاني الّذي ينتج نظريات فقه و قضايا أخرى، فإنّه حينئذ لا يردّ عليه النقض الأول حيث أنّه ليس بحاجة لمثل‏

328

هذا العقل في إثبات «النّبوّة أو اللّه»، فإنّ إثبات هذه الأصول و إن استدل عليها ببراهين عقلية، إلّا أنّها هي بحسب الحقيقة تثبت بأدلة استقرائية أيضا، و حالها حال أي قضية عرفية تثبت بأدلة استقرائية، و إن استدل عليها ببراهين عقلية، و كذا النقض الثاني لا يردّ عليه، لأنّ كثرة الأخطاء هذه إنّما تمنع عن كاشفية خصوص العقل البرهاني، إذن، فهذان النقضان غير واردين على المحدّث حينئذ.

و أمّا حلا: فنطرح بادئ ذي بدء هذا السؤال، و هو أنّه، لما ذا كان الاطلاع على كثرة الأخطاء في الاستدلالات العقلية موجبا لعدم حصول اليقين منها؟ و للجواب عن ذلك يمكن للأخباريين ذكر تقريبين.

1- التقريب الأول: هو انّه إذا فرض أن استعرضنا مجموعة الاستدلالات العقلية، و افترضنا أنّ جزءا معينا منها ثبت خطؤه، فمثلا لو فرض أنّ مجموع الاستدلالات العقلية مائة، و فرضنا انّ خمسا و عشرين منها ثبت خطؤه، حينئذ مقتضى ذلك انّ أيّ استدلال نلحظه يكون نسبة احتمال عدم الخطأ فيه مطابقة مع نسبة مجموع الاستدلالات الصحيحة إلى مجموعة الاستدلالات، فإن كان مجموع الاستدلالات الصحيحة خمسة و سبعون من مائة، أي ثلاثة من أربعة، إذن يكون احتمال عدم الخطأ فيه ثلاثة على أربعة.

و بتعبير آخر، إذا كان في كل أربعة عراقيين يوجد عراقي واحد مريض، حينئذ إذا وجدت عراقيا واحدا، يكون احتمال كونه مريضا، واحدا على أربعة، و احتمال عدم كونه مريضا واحدا على أربعة، فإذا كان هناك نسبة معينة من المجموع، حينئذ، بمقتضى قانون حساب الاحتمال يستحيل أن يكون احتمال عدم مرضه أكبر من تلك النسبة، و من هنا لا يمكن أن يحصل الجزم من الدليل العقلي.

و الحاصل: هو أنّه لو فرض أنّ مجموع الاستدلالات في الدليل‏

329

العقلي كانت مائة، و قد ثبت خطأ ربعها، فحينئذ، كل دليل عقلي يكون احتمال صحته ثلاثة من أربعة، و مثله لا يمكن الجزم بصحته حيث لا موجب لهذا الجزم، و معه: فلا يمكن حصول الجزم من الدليل العقلي، و معه لا يكون حجّة.

و جواب هذا التقريب: هو أنّ هذا التقريب بهذه الطريقة إنّما تصح في تقييم استدلال عقلي يمارسه غيرنا و يكون نظرنا مجرد نظر المشاهد للنتائج، كما لو فرض أنّنا أردنا أن نعرف قيمة صواب نظرية «انّ الجزء لا يتجزأ» و قد استدلّ عليها بدليل عقلي فحينئذ نقول: بما أنّ نسبة الخطأ عند المستدل هي واحد على أربعة من مجموع استدلالاته، حينئذ تكون نسبة احتمال الصحة في نظريته ثلاثة على أربعة، و معنى هذا أنّه لا مدرك لهذا الحكم إلّا النسبة، إذن فمثل هذا الاستدلال لا ينتج إلّا الاحتمال.

لكنّ هذا الحال يختلف عمّا لو فرض أنّنا بأنفسنا عشنا و مارسنا عملية البرهان و الاستدلال العقلي بوجداننا العقلي، و رتبنا مقدّماته واحدة بعد الأخرى، حينئذ، لا تتحكم نظرية حساب الاحتمال و النسبة وحدها في تقرير احتمال حجيّة هذا البرهان، لأنّ مدرك صحته لا يستمدّ من حساب النسبة، و إنّما مدركه هو الفحص و ما يسمّى بالوجدان العقلي، و حينئذ، لا معنى لإجراء حساب الاحتمالات في هذا الوجدان، إذ نفس هذا الوجدان بنفسه امارة و له درجة من الكاشفية قد تصل أحيانا إلى درجة الجزم و القطع حسب وثوق الإنسان بنفسه، مضافا إلى خصوصيات جسمية و روحية و ملابسات أخرى كلها تتدخل في مقدار فاعلية هذا الوجدان العقلي، و عليه فهذا التقريب غير تام، و إنّما يصحّ عند ما نريد أن نقيّم صحة نظرية يثبتها شخص آخر.

2- التقريب الثاني: و هو ينصبّ على نفس ما سمّيناه هناك بالوجدان العقلي، فيقال: بأنّ كثرة وقوع الأخطاء في العقل بحيث لا

330

يلتفت إلى الشي‏ء مرّة بعد مرّة، فإنّ هذا يؤدّي إلى زوال الثقة منه بهذا الوجدان العقلي، و معه لا يحصل للمستدلّ العقلي يقين.

و الحاصل هو أنّ كثرة وقوع الأخطاء في الاستدلالات العقلية يوجب زوال الثقة بهذا الوجدان العقلي، و معه لا يحصل للمستدل يقين.

و هذا التقريب يفرق عن التقريب السابق، بأنّه في التقريب السابق كان يتصور بأنّ مدرك التصديق هو ملاحظة النسبة الرياضية للصواب و للخطإ، و لهذا قلنا بأنّ مدرك التصديق بالنسبة لنفس المباشر لعملية الاستدلال ليس هو النسبة، بل هو الوجدان العقلي، بينما في هذا التقريب يعترف بأنّ مصدر التصديق هو هذا الوجدان العقلي، لكن يقال:

بأنّ هذا الوجدان لا يولد اليقين بسبب ما يراه صاحب هذا الوجدان من كثرة وقوع الأخطاء.

و يردّ على هذا الكلام نقضا و حلا.

أمّا نقضا: فإنّه يقال: بأنّ مرجع هذه الدعوى إلى أنّ العقل يرى انّ كثرة الأخطاء مانعة من تأثير هذا الوجدان العقلي في حصول اليقين.

و هذه الدعوى بنفسها من مدركات العقل، إذ ليست هي مفاد آية و لا رواية، بل هي من مدركات العقل الّذي يقع فيه هذا الخلاف- النفي و الإثبات- و عليه: فكيف يعقل أن يدّعي الطرف المقابل هذه الدعوى في مقام إلزامنا برفع اليد عن الدليل العقلي، لأنّه إن ادّعى هذه الدعوى بنحو اليقين و الجزم، فهذا بنفسه تكذيب للدعوى، لأنّه حصل له يقين بإدراك عقلي، و هو خلف دعواه نفسها، و إن فرض أنّه لم يدّع حصول اليقين و الجزم بها، فحينئذ، هو و شأنه، و لكن دعواه لا تصلح دليلا ملزما للغير برفع اليد عن التعويل على الدليل العقلي.

و يردّ عليه حلا بأن يقال: إنّ بطلان يقين بسبب ظهور الخطأ في يقين آخر له ثلاث حالات.

331

1- الحالة الأولى: هي أن يفرض وجود تلازم بين القضية الثانية و الأولى اللّتين نعتقد بهما، ثمّ بعد ذلك يظهر خطأ اعتقادنا بالقضية الأولى، حينئذ، لا محالة يزول اعتقادنا بالقضية الثانية.

و هذا مبني على التلازم الموضوعي الخارجي بين المعتقد به في القضية الأولى و المعتقد به في القضية الثانية، لأنّنا فرضنا أنّ القضية الثانية- الّتي هي موضوع الاعتقاد الثاني- تستلزم القضية الأولى الّتي هي موضوع الاعتقاد الأول، فإذا زال اعتقادنا الأول، فلا محالة يزول اعتقادنا الثاني.

و هنا استدعاء ظهور الخطأ في الاعتقاد الأول لزوال الاعتقاد في القضية الثانية هو، استدعاء منطقي قائم على أساس التلازم بين الموضوعين حتّى لو لم يكن هناك استلزام من الأول على الثاني، أي حتّى لو كان هذا الاستدعاء من طرف واحد.

2- الحالة الثانية: هي أن يفرض عدم التلازم بين الموضوعين في البطلان و الصحة، لكن ظهور بطلان الاعتقاد بالقضية الأولى يوجب زوال البرهان على الاعتقاد بالقضية الثانية و إن لم يكن استلزام بين القضيتين، و نمثل لذلك بمثالين:

1- المثال الأول: هو أنّ قدماء الفلاسفة كانوا يعتقدون بقضيتين.

إحداهما: قضية وجود الأفلاك التسعة طبقا لنظرية كونية قديمة.

و الأخرى: قضية وجود عقول عشرة تطبيقا لقانون «انّ الواحد لا يصدر عنه إلّا واحد»، و مع الاعتقاد بكون الأفلاك تسعة و كونها متغايرة سنخا و ذاتا فلا بدّ و أن يكون هناك عقول بعدد هذه الأفلاك مع زيادة عقل لما هو تحت فلك القمر، أي لعالم العناصر الأربعة، ثمّ بعد ذلك ثبت خطأ الاعتقاد بالقضية الأولى، لأنّه ليس هناك أفلاك تسعة كما

332

كانوا يتصورون، و خطأ هذا الاعتقاد لا يستلزم خطأ الاعتقاد بقضية العقول العشرة، أي بالقضية الأخرى، إلّا أنّه بعد ثبوت بطلان القضية الأولى- أي العقول العشرة- يبطل برهان القضية الثانية، و هو انّ الواحد لا يصدر عنه إلّا واحد، أي أنّ برهان «انّ الواحد لا يصدر منه إلّا واحد» لا يمكنه أن يثبت عقولا عشرة، بل عقل واحد لا غير.

2- المثال الثاني: هو أن يخبرك شخص بإخبارات متعددة، ثمّ بعد ذلك تطلع على كذبه في عدد كبير منها، فانّه حينئذ يزول تصديقك له فيما يأتي به من أخبار جديدة، و إن لم يكن تلازم بين الصدق و الكذب في تلك الأخبار، لأنّ الكذوب قد يصدق أحيانا، لكن رغم هذا، يزول الاعتقاد بصحة كلامه كلّه، لأنّ برهان هذا الاعتقاد كان حساب الاحتمال، فتضيق نسبة الصدق في مجموع الكلام، إذ كنت تصدقه في أكثر ما يقول، ثمّ بعد الاطلاع على كذبه في جملة من الإخبارات السابقة تهبط حينئذ هذه النسبة، و معها يهبط الاعتقاد بكلامه الجديد و هذا معناه زوال البرهان على تصديق أخباره الجديدة.

3- الحالة الثالثة: هي أن يفرض وجود حالة نفسية- و ليست حالة منطقية كما هو الحال في الأولى- تمنع من حصول اليقين بالقضية الثانية بعد ظهور خطأ اليقين بالقضية الأولى، و هذا من قبيل: ما حصل لجملة من الفلاسفة الشكّاكين- من عدم حصول اليقين في القضية الثانية- بسبب تذبذب البراهين في أفكارهم و لما كان يتراءى لهم من أخطاء في القضية الأولى أوجبت بطلان الثانية، فهنا، زوال الاعتقاد ببعض القضايا، كان نتيجة لزوال الاعتقاد بقضايا أخرى، و لم ينشأ من التلازم بين القضيتين كما في الحالة الأولى، و لا من ناحية فقدان البرهان كما في الثانية، بل هي حالة نشأت من سبب نفسي.

و لا إشكال انّ محل الكلام ليس من قبيل الحالة الأولى، فإنّا لا

333

نتكلم عن استدلالات عقلية على قضايا تستلزم أمورا ثبت بطلانها، إذ أنّ مثل هذا لا إشكال في بطلانه، فإنّ ما يستلزم الباطل باطل.

كما انّ محل الكلام ليس من الحالة الثانية، فإنّا لا نتكلم في اعتقادات عقلية يزول البرهان العقلي فيها بظهور الخطأ في أمور أخرى، لأنّ البرهان هنا ليس النسبة، بل هو الوجدان العقلي، إذ هذا الوجدان بالمقدار الملحوظ منطقيا لا علاقة له بالوجدانات الأخرى.

نعم الحالة الثالثة داخلة في محل الكلام، فيقال: ما دمت قد أخطأت عشرة إخطاءات، إذن لا يبقى لي ثقة بهذا الوجدان، و حصول هذه الحالة النفسية الّتي تمنع من حصول الثقة باليقين العقلي أمر وجداني، فقد يحصل عند شخص أخطاء يقينية عدّة مرّات و معها لا يبقى له ثقة بوجدانه العقلي بعد ذلك، و هذا أمر معقول قد يتفق لإنسان، لكنّه قد لا يتفق لإنسان آخر، و ذلك لأنّ هذا أمر وجداني، و القضية فيه ليست مبنية على ترابط منطقي أو تلازم موضوعي بين هذه القضية و القضية الأخرى، بل هو مبني على أمور نفسية قد تحصل بموجبها القريحة النفسية الّتي توجب زوال الثقة بالوجدان العقلي، و قد لا تحصل بموجبها تلك القريحة الّتي توجب زوال الثقة به، فهي تختلف باختلاف الأشخاص، و على كلّ حال لا ملازمة بين هذه التفصيلات.

إذن فروح هذا المطلب، يرجع إلى التجربة، لأنّ هذه الحالة سببها سرعة التصديق و تكرار حالة «ما»، و هكذا.

و لا إشكال في أنّ العلماء الّذين استندوا إلى الأدلة العقلية وجدت عندهم قناعات كاملة بذلك، و على أساسه ترتبت هذه النتيجة بعد أن كانوا لا يرون حجيّة الظنون.

هذا كله إن كان المراد من اليقين الّذي لا يعطيه الدليل العقلي لكثرة الأخطاء، هو اليقين الأصولي.

334

و أمّا إن كان المراد منه اليقين المنطقي، «و هو الجزم المضمون الحقّانيّة»، هو الّذي يزول لكثرة الأخطاء، حيث يقال: إنّ الدليل العقلي قد يخطئ فلا تكون الأدلة العقلية حينئذ مضمونة الحقّانيّة.

و هذا الكلام و ان تمّت صغراه، لكن الكبرى لا تتم، لأنّ الحجيّة بمعنى المعذرية و المنجزية موضوعها الجزم و اليقين الأصولي الّذي ليس معه شك، و ليس موضوعها اليقين المنطقي البرهاني المضمون الحقّانيّة، إذ الأصولي لا شغل له باليقين البرهاني، بل شغله بالقطع و الظن و الشك، فانكفاء و تعثر اليقين البرهاني لا يضرّ بغرض الأصولي.

هذا ما ينبغي قوله في مقام التعليق على هذا الكلام، إلّا أنّ الموجود في الكتب في مقام التعليق على هذه النقطة، اتجاه آخر، حيث ذكروا في مقام الجواب على مسألة «انّ كثرة الخطأ يوجب زوال اليقين» فقالوا: إنّ كثرة الخطأ إنّما تقع لعدم مراعاة قواعد و علم المنطق و ضمان تفادي هذا الخطأ يكون بمراعاة علم المنطق و نحن نتكلم عن الأدلة العقلية الّتي روعي فيها علم المنطق، و كأنّهم افترضوا انّ الكلام في اليقين المنطقي، فلم يميزوا بصورة واضحة بين اليقين الأصولي و اليقين المنطقي.

و لذلك أشكل المحدّث الأسترآبادي على هذا الكلام، حيث قال:

بأنّ علم المنطق يعصم من الخطأ من ناحية الصورة، و لا يعصم من ناحية المادة.

و قد أجاب العلماء على هذا الكلام: بأنّ الخطأ في المادة لا بدّ و أن ينتهي إلى الخطأ في الصورة، و ذلك بعد أن نستبطن طريقة القوم المتعارفة عند هؤلاء في المنطق الأرسطي، فهم يقولون أنّه توجد معارف أولية هي أساس المعرفة البشرية و هذه المعارف تستنبط منها كل معرفة بطريقة البرهان، و هذه الطريقة يحدّدها علم المنطق، و حينئذ، إذا جئنا

335

إلى كل قضية و قلنا بأنّه حصل خطأ في هذا الاستدلال، فإن كان في الصورة، فالمنطق هو الّذي يعصم، و إن كان في المادة، فإن كانت أولية فلا معنى للخطإ فيها، و إن كانت ثانوية، إذن فهي بحاجة إلى برهان، ثمّ ننقل الكلام إلى هذا البرهان، فإنّ له صورة، و مادة، و الخطأ إمّا في صورته، و إمّا في مادته، و هكذا، و لكي لا يلزم التسلسل، لا بدّ و أن ينتهي إلى الأوليات، و عليه: فالخطأ إنّما يرجع إلى الصورة، و بهذا أبطلوا كلام المحدّث الأسترآبادي (قده).

و الحاصل: هو أنّ الأعلام من الأصوليين عند ما تصدوا للجواب عن الشبهة، افترضوا الكلام في اليقين المنطقي البرهاني، و حينئذ، قالوا: إنّ هذه الشبهة غير واردة، لأنّ كثرة الأخطاء إنّما وقعت بسبب عدم مراعاة قواعد المنطق العاصم عن الخطأ، فلو أنّ قواعد المنطق روعيت لما وقع الخطأ، و ذلك لأنّ المعرفة البشرية تنقسم إلى عقلين.

1- العقل الأول: هو عقل أوّلي، و هو عبارة عن إدراك المعارف الأولية الّتي هي أساس معرفة الإنسان، و هذه المعارف الأولية هي عبارة عن القضايا الست المعروفة، و هي: الأوليات، و الفطريات الّتي قياساتها معها، و التجريبيات، و الحدسيات، و المحسوسات، و المتواترات، فهذه القضايا تشكل العقل الأولي، و هي قضايا مضمونة الحقّانيّة بذاتها.

2- العقل الثاني: هو العقل الثانوي، و هو عبارة عن البرهان و استخراج معلومات من تلك المعلومات الأولية، و في هذا العقل الثاني، كل قضية و معرفة تمّ استخراجها من قضايا العقل الأول على أساس وضوء قواعد المنطق، تكون مضمونة الحقّانيّة، لضمان حقّانيّة العقل الأول، إذ أنّ القضية و المعرفة المستخرجة منه لازمة له و لازم الحق حق لا محالة، و أمّا إذا لم يكن استخراجها منها قائما على أساس قواعد علم المنطق فإنّها لا تكون مضمونة الحقّانيّة، و في مثلها يكثر

336

وقوع الخطأ، لأنّها غير مضمونة الحقّانية لا بالذات، و لا بانتهائها إلى ما يكون مضمون الحقّانيّة بالذات.

و بناء عليه: يمكن للمحدث الأسترآبادي (قده) أن يشكل على هؤلاء، بأنّ قواعد علم المنطق الّتي تعصم الفكر عن الخطأ، هل هي ضرورية بديهية كبرى و تطبيقا، أو انّها ليست بديهية كذلك، أو انّها على الأقل بعضها ليس بديهيا؟.

فإن قالوا: بأنّ القواعد المذكورة بديهية كبرى و تطبيقا، قلنا: انّ هذا خلاف الوجدان بالضرورة، لأنّها لو كانت كذلك لما وقع خطأ بحسب الخارج أصلا كما هو الحال في كثرة الأخطاء في العلوم النظرية البرهانية، و هذا يبرهن على عدم بداهتها كبرى و تطبيقا.

و إن قالوا: انّها ليست بديهية كبرى، قلنا: إذن سوف يقع الخطأ في نفس القواعد العاصمة.

و إن قالوا: انّها ليست بديهية تطبيقا، قلنا: إذن سوف تحتاج إلى عاصم آخر في مرحلة التطبيق غير القاعدة المنطقية، بعد فرض عدم عصمتها في مرحلة التطبيق، و حيث لا عاصم آخر، إذن فتنشأ الأخطاء الكثيرة.

هذا غاية ما يمكن أن يجيب به الأخباري على كلام الأصوليين بناء على التصور المعروف للمعرفة البشرية.

و هذا الجواب هو أفضل ممّا ذكره المحدث الأسترآبادي، من أن علم المنطق يعصم صورة لا مادة، إذ قد ذكرنا سابقا، أنّ الخطأ يمكن إرجاعه إلى الصورة أيضا.

و لكن هذا التصور للمعرفة البشرية أساسا غير صحيح، و قد كانت هذه المسألة هي الّتي فتحت علينا أبواب التفكير و كانت المفتاح لتأليف‏

337

كتاب الأسس المنطقية للاستقراء، و حيث انّ الخوض فيها تفصيلا يخرجنا عن غرض بحثنا فلا بدّ من ذكر شي‏ء و لو إجمالا يتمثل في نظرية أخرى يقع مجملها في مقامين.

1- المقام الأول: في العقل الأول:

و خلاصته: هو أنّ منطق أرسطو يرى انّ القضايا الست و هي القضايا العقلية الأولية هي أساس المعرفة البشرية، و تكوّن المواد الرئيسية لكتاب البرهان، لأنّها مضمونة الحقّانيّة.

و نحن لا نسلم ذلك في كل هذه القضايا، بل إنّ ما نسلمه قسمين من هذه القضايا الست، و هما الأوليات، من قبيل «استحالة اجتماع النقيضين»، و الفطريات الّتي هي عبارة عن القضايا الّتي قياساتها معها من قبيل، «انّ الأربعة زوج لأنّها تنقسم إلى متساويين»، بينما لا نسلم كون القضايا الأربعة الأخرى من التجريبيات، و الحدسيات، و المتواترات، و المحسوسات، انّها قضايا أولية لا تعتمد على قضايا قبلية، و ذلك لأنّه لو أخذنا على سبيل المثال التجريبيات، نرى أنّ المنطق الأرسطي عند ما يجري تجارب عدّة على قطع عديدة من الحديد، و يرى أنّه يتمدد بالحرارة فالعقل يحكم حينئذ، بأنّ كل حديد يتمدد بالحرارة، فهذه قضية تجريبية خارجية، حيث جرّبنا مائة قطعة حديد فوجدناها تتمدد بالحرارة، و بعد ذلك لم نصدر الحكم على خصوص المتمدد بالحرارة، بل عمّمنا الحكم على كل حديد.

و حينئذ في بادئ النظر يخطر على بال الإنسان العرفي أنّ مدرك هذا الحكم هو هذه التجارب العديدة، و من هنا يقال: بأنّ النتيجة هنا أكبر من المقدّمات، لأنّ المقدّمات في الدليل محصورة بعدد معين، بينما النتيجة تشمل كل حديد في العالم، و الحال على عكس ذلك في الاستنباط و القياس من الشكل الأول، فإنّ النتيجة إمّا مساوية للمقدّمات‏

338

أو أصغر منها، و من هنا يقال: إنّ الفكر له سيران، أحدهما سير من العام إلى الخاص، كما في باب الشكل الأول من القياس، و ثانيهما، سير من الخاص إلى العام، كما في باب الاستقراء المنطقي.

و المنطق الأرسطي لم يقبل السير من الخاص إلى العام في الاستنتاج لأنّ مسألة السير هذه أوجدت مشكلة منطقية لم تحل و هي زيادة الحكم على التجربة حيث يقال: ما هو مبرر الانتقال من الخاص إلى العام؟.

و في مقام حل هذا الإشكال قال المنطق الأرسطي: إنّ الاستقراء و التجربة بحسب الدقة هي، سير من العام إلى الخاص، و ذلك لأنّه يوجد عند العقل قبل التجربة و الاستقراء قضية عقلية قبلية، و هي أنّ الاتفاق لا يكون دائميا و لا أكثريا في عالم الطبيعة و الخارج، بمعنى أنّ الصدفة لا تتكرر، و الاتفاق لا يستمر، و هذه قضية يعتبرها أرسطو قضية أولية في العقل.

و نحن: إذا افترضنا انّ هذه القضية قضية أولية نأتي إلى مثالنا فنقول: بأنّه في مائة حالة تجربة وجدت فيها الحرارة، وجد التمدد أيضا، فإن لم تكن الحرارة سببا للتمدد، إذن، يكون اجتماع الحرارة مع التمدد في المائة مرّة اتفاقيا، لكن قلنا: إنّ الاتفاق لا يتكرر و لا يكون دائميا، بقانون تلك القضية العقلية المتقدّمة، إذن فيتبرهن أنّ الحرارة هي سبب التمدد في الحديد، و إذا كانت سببا و علّة، فيجب أن لا يتخلّف عنها معلولها، إذن، فتسري هذه العلّة إلى كل حديد آخر، إذا تعرّض للحرارة، و معه يسري حكم التمدد إلى كل حديد تعرّض للحرارة.

و بهذا أرجع القضية التجريبية إلى السير من العام إلى الخاص، و بهذا يعرف أنّ القضية العقلية الأولية هي عبارة عن قضية «انّ الاتفاق لا يتكرر و ليس دائميا، و أمّا قضية الحرارة و التمدد فهي قضية ثانوية.

339

و نفس هذا الكلام الّذي قالوه في التجريبيات، قالوه أيضا في الحدسيات، فذكروا انّ نور القمر مستمد من ضوء الشّمس، لأنّ ضوءه دائما يتشكل بشكل يناسب مع نسبة مكان الشّمس إليه، فإن لم يكن ضوؤه مستمد منها، فهذه صدفة، و القضية العقلية الأولية تقول بأنّ الصدفة و الاتفاق لا يتكرر، إذن يتبرهن أنّ ضوءه مستمد من ضوء الشّمس، إذن فضوؤها علّة لضوئه، فتسري إلى دائمية ضوئه.

و كذلك قالوا في المتواترات: فإنّ التواتر على ما عرفوه، عبارة عن اجتماع عدد من النّاس و توافقهم على الإخبار عن قضية يكونون بنحو من الكثرة بحيث يمتنع تواطؤهم على الكذب، و امتناع تواطؤهم، باعتبار أنّه لو كان كل واحد منهم يكذب لكان صدفة، و هي لا تتكرر و ليست دائمية، إذن فيثبت صدقهم.

فالمتواترات، و الحدسيات، و التجريبيات، أقاموها على أساس هذه القضية العقلية القبلية.

و قد ناقشنا هذا المطلب في كتاب الأسس المنطقية للاستقراء، و أثبتنا بسبعة براهين، انّ هذه القضية العقلية الأولية، و هي كون «الاتفاق لا يكون دائميا، و انّ الصدفة لا تتكرر» أثبتنا انّها ليست قضية عقلية ثابتة قبل التجربة، كاستحالة اجتماع النقيضين، و إنّما هي قضية مبنية على الاستقراء و التجربة و حساب الاحتمالات، فمثلا: عند ما نعطي مريضا قرصا من الأسبرين فيشفى، نقول: يحتمل أن يكون سبب شفائه ذلك القرص، و لكن يبقى احتمال آخر و هو أن يكون سبب شفائه حادثة أخرى اقترنت مع الأسبرين صدفة، لكن إذا أعطي الأسبرين لشخص آخر مريضا بنفس المرض و شفي فاحتمال أن يكون سبب شفائه أمر آخر غير ذلك القرص لاحتمال أن تكون الصدفة قد تكررت في هذا الأمر الثاني احتمال ضعيف، و هو أضعف من الفرض الأول، و هكذا يضعف‏

340

هذا الاحتمال أكثر لو أعطينا شخصا ثالثا قرصا من الأسبرين، حيث يضعف احتمال كون حادثة أخرى اقترنت صدفة مع الأسبرين، و هكذا يضعف أكثر لو أعطينا قرص الأسبرين شخصا رابعا و شفي، إلى أن يصبح احتمال استناد الشفاء لأمر آخر غير قرص الأسبرين ضعيف جدا بحيث لا يؤثر على احتمال استناد الشفاء إلى قرص الأسبرين الّذي أعطيناه للمريض، لأنّه لو لم يكن الأسبرين هو سبب شفائه لكان معناه اجتماع ثلاث أو أربع صدف و هذا بحسب حساب الاحتمالات ضعيف، فإنّه كلّما تكاثرت التجربة و كانت النتيجة واحدة ضعف احتمال الصدفة، لأنّ ضرب مجموع الاحتمالات ببعضها يضعفها، إذن، فقضية «انّ الاتفاق لا يكون دائميا ليست قضية قبلية بديهية، بل هي قضية بنفسها استقرائية ثبتت بحساب الاحتمالات، و بهذا يثبت أنّ المتواترات و التجريبيات، و الحدسيات، ليست قضايا ضرورية بديهية كما انّها ليست مضمونة الحقّانيّة، و إن كانت قضايا قطعية بالقطع الأصولي، لكنّها ليست كذلك منطقيا، لقيامها على أساس حساب الاحتمال، بل هذا المطلب قلناه بعينه في المحسوسات أيضا، كما سوف يأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى.

و الخلاصة هي أنّ الكلام في تحقيق الصورة الّتي ذكروها يقع في مقامين و كان الكلام في المقام الأول حول تحقيق حال العقل الأول، حيث يقولون أنّه عبارة عن المعرفة الأولى الّتي تشكّل الأساس في المعرفة البشرية، و انّ هذه المعرفة تتكوّن من ستّ قضايا كلها أوليّة، و قد قبلنا اثنتين منها انّها كذلك، و هما: الأوليات، و الفطريات، و أمّا الأربعة الباقية منها، و هي التجريبيات، و الحدسيات، و المتواترة، و المحسوسات، فلم نقبل بأوّليتها، و قد ذكرنا انّها قائمة على أساس قاعدة، و هي «انّ الصدفة و الاتفاق لا يتكرر»، و هذه القاعدة بنفسها قائمة على حساب الاحتمالات.

341

و بقي الكلام عن القضايا المحسوسة، و هي على قسمين.

1- القسم الأول: هو أن يكون الواقع المحسوس فيها أمرا وجدانيا، من قبيل الإحساس بالجوع و الألم و الحب و نحوه.

و هذه القضايا لا إشكال في كونها أولية، و لا تقوم على أساس حساب الاحتمالات.

2- القسم الثاني: هو أن يكون المحسوس له ثبوت خارج عالم النّفس، من قبيل الإحساس بالقلم، و السرير الّذي ننام عليه، و بجارك الّذي تراه إلى جانبك، و من هنا يقال: «إنّ هذه المحسوسات، فيها ما هو محسوس بالذات، و هو الصورة القائمة في أفق النّفس في مرتبة الإدراك الحسي، و فيها ما هو محسوس بالعرض و هو الأمور الخارجية، و عليه: فالإدراك الحسّي لا يتعلّق مباشرة بالواقع الخارجي بل يتقوم بالمحسوس بالذات.

و من هنا قد لا يكون للإدراك الحسّي واقع خارجي، كالأصولي الّذي يرى الواحد اثنين، فإنّه له إدراكان حسيّان دون أن يكون هناك واقعان خارجيان، و إنّما الواقع الخارجي محسوس و محكي بالعرض، و في هذا القسم الثاني بالنسبة إلى المحسوس بالذات معرفتنا أولية أيضا كالقسم الأول.

و أمّا بالنسبة إلى معرفتنا بالمحسوس بالعرض، أي انّ هذه الصورة الحسيّة القائمة في أفق إدراكنا الحسّي لها مطابق في الخارج و واقع موضوعي أم لا؟ و معه فهل معرفتنا به أوّلية أم لا؟ و هذه المسألة من ألغاز الفلسفة، و كأنّ الاتجاه المتعارف عند فلاسفتنا إلى أنّ هذه المعرفة أوليّة، لأنّ الإنسان بالفطرة الذاتية يدرك أنّه يتعامل مع أشياء لها وجود في الخارج، و ليست مجرد صور في ذهنه.

342

و كأنّ بعض الفلاسفة (1) المسلمين المتأخرين تنبه إلى أنّه لا يمكن الالتزام بأنّ معرفة الواقع الموضوعي أوليّة، إذ لو كانت أوليّة للزم أن لا تخطى- كما يعتقدون- معرفة حسيّة أبدا، بينما الخطأ في الحواس موجود، إذ أنّ خداع الحواس كثير، و معه، كيف يقال بأنّ الإدراك الحسّي معرفة أوليّة؟ و كأنّه لأجل هذا، أراد هذا الفيلسوف المسلم أن يتخلص من هذا المحذور، فبنى على أنّ المعرفة الحسيّة بنحو القضية الإجمالية هي أوليّة، بمعنى أنّ بعض الإحساسات بالجملة لها مطابق في الواقع، إذ ليست كل هذه الأشياء الّتي نحسّ بها من حولنا مجرد خيالات، و لذلك ادّعى البداهة و الأوليّة فيها.

و نحن في كتاب فلسفتنا قبل الأسس المنطقية للاستقراء، اتجهنا إلى علاج آخر، فبنينا على أنّ المعرفة هنا في القضايا الحسيّة معرفة مستنبطة بقانون العلية، باعتبار ان الصورة الحسيّة حادثة لا بدّ لها من علّة، و قانون العلية قضية أوليّة أو مستنبطة من قضية أوليّة، فما أحسّ به بالذات هو الصورة و إلّا كيف حصلت هذه الصورة في أفق النّفس؟ إذن، فعن طريق قانون العلية نثبت الواقع الموضوعي للصورة الحسيّة.

و في مقابل هذه الاتجاهات الثلاثة اتجاه المثاليين، حيث أنّهم يقولون بأنّه لا معرفة أوليّة لنا بالواقع الموضوعي أصلا، بل انّ هذه الموجودات المحسوسة كلها، ليس لها واقع خارجي وراء الصور الذهنية القائمة في النّفس، إذن فتمام ما نعرفه هو المحسوس بالذات.

و أمّا المحسوس بالعرض فلا معرفة لنا به.

و كل هذه الاتجاهات الفلسفية الأربعة الّتي تذبذب بها الفكر البشري خلال ألفي عام غير صحيحة، فالمعرفة الحسيّة ليست بديهية

____________

(1) العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائي (قده).

343

بداهة تفصيلية، و لا بداهة إجمالية، و لا مستنبطة بقانون العلية، و لا أنّه ليس لدينا معرفة موزونة بالواقع الموضوعي الخارجي للمحسوسات.

و إنّما الصحيح بناء على ما اكتشفناه من الأسس المنطقية للاستقراء هو، معرفتنا بالواقع الموضوعي للمدركات الحسيّة جملة و تفصيلا قائمة على أساس حساب الاحتمالات، غاية الأمر انّ هذا الحساب يشتغل بالفطرة عند الإنسان، و بعقل رزقه اللّه تعالى، سمّيناه بالعقل الثالث، في قبال العقلين الأول و الثاني آنفي الذّكر.

و نحن حينما نقارن إحساساتنا في عالم اليقظة بإحساساتنا في عالم الرؤيا، ندرك بأنّ إحساساتنا في عالم الرؤيا ليس لها مطابق واقعي إلّا أوهام شيخ الإشراق، و هذا بخلاف الإحساسات في عالم اليقظة، فإنّا ندرك بأنّ لها واقع موضوعي، مع أنّه إذا لوحظت هذه الإحساسات بكل منها نجد أنّه لا فرق بين هذه الصورة و تلك من حيث وضوح الصورة، لأنّ الإحساس بكل منها وجداني لا يفرق بينها.

نعم هناك فرق بينهما، هو، أنّ المحسوس في عالم اليقظة بما أنّه يدرك مرّات عديدة و في أزمان مختلفة حيث يشكل هذا التكرار قرائن احتمالية تتجمع بحساب الاحتمال على المدركات الحسيّة للتغطية على ثبوت صورتها لواقعها الموضوعي، إذ أنّ تكرر صورتها بشكل ثابت و مستمر على نهج واحد مدّة طويلة، يقتضي بحساب الاحتمالات انّ هذه الصورة ليست مخلوقة لي، بل توجب بحساب الاحتمال ثبوت حقيقة موضوعية للمدرك خارجا بعيدا عن الخيال و الوهم و مع قطع النظر عن تصوّر المدرك.

و هذا بخلاف المدرك المحسوس في عالم المنام، حيث أنّ الصورة فيه سريعة التقلّب و التغيّر، ممّا لا يحصل بحساب الاحتمال ما يوجب ثبوت حقيقة موضوعية له.

344

إذن فمعرفتنا بالواقع الموضوعي ليست بديهية لا تفصيلا، و لا إجمالا، و لا مستنبطة من قانون العلية، لأنّ قانون العليّة يبني على انّ هذه الصورة لها علّة، و لكنّه لا يعيّن أنّ علّتها هل هو الواقع الموضوعي، أو الحركة الجوهرية للنفس، و إنّما الّذي يعيّن أنّ العلّة من خارج هو حساب الاحتمال.

و بهذا يتضح لدينا، صورة إجمالية عن الاختيارات الّتي انتهينا إليها في الأسس المنطقية للاستقراء، و تفصيل ذلك في محله.

و بهذا يتبين لنا، أنّ العقل الأول، منحصر في الأوليات و الفطريات و الحسيّات المحسوسة بالذات، و أمّا بقية القضايا الّتي عدّوها من البديهيات، فإنّها ليست من العقل الأول، بل هي قضايا مستنبطة على أساس حساب الاحتمالات كما عرفت.

2- المقام الثاني: في العقل الثاني:

و هو أنّ أرسطو و المناطقة بعد أن فرغوا من العقل الأول و فرضوه و قالوا: بأنّ كل ما يستنبط بطريقة صحيحة من العقل الأول يكون عقلا ثانيا مضمون الحقّانيّة ببركة ضمان حقّانيّة العقل الأول، و كل ما لا يستنبط منه بطريقة صحيحة لا يكون مضمون الحقّانيّة، و طرق الاستدلال و الاستنباط عندهم هي القياس، و الاستقراء، و التمثيل، و الثاني و الثالث، لا يرون حجيتهما إلّا إذا أرجعا إلى القياس، إذن، فالطريق الوحيد و الصحيح منها لاستنباط المعرفة من العقل الأول هو الشكل الأول من القياس، و يتقوم هذا الشكل بحدود ثلاثة، هي أصغر، و أوسط، و أكبر، و بين كل حد و الحد الّذي يليه مباشرة لا يوجد حد، و هذا يعني: انّ القضية أوليّة، و لكن ثبوت الحد الثالث للحد الأول يعني قضية مستنبطة دون ثبوت الحد الثاني للأول، و لا ثبوت الثالث للثاني، لأنّه لا حدّ أوسط بينهما، و حينئذ، إذا أخذنا بذلك، فمعناه: إنّنا إذا وضعنا قائمة

345

بمعلوماتنا فينبغي أن نذكر في السطر الأول المحمولات الذاتية لموضوعاتها المنطقية بالضرورة مع موضوعاتها، ثمّ في السطر الثاني نذكر محمولات هذه المحمولات المنطقية بالضرورة عليها، و في السطر الثالث نذكر محمولات هذه المحمولات، و هكذا في كل سطر تكون القضية ضرورية لا مستنبطة، لأنّ المحمول ثابت للموضوع بالذات.

نعم، ثبوت محمول المحمول للموضوع و الّذي بينهما حد أوسط، يكون قضية مستنبطة، لأنّه بواسطة المحمول.

إذن فتمام خارطة المعرفة البشرية تكون عبارة عن هذه الأسطر.

و من هنا لا يخلو الكلام المعروف عن صحة ببعض المعاني، و هو أنّ المعرفة البشرية إذا فرضت و ضبطت بحسب طريقة أرسطو لا نرى فيها أيّ زيادة أو نمو أو معرفة جديدة، و أنّ هذا الكلام أشبه بالتحليل المجمل منه باستفادة المعارف.

و لكن أرسطو و المناطقة يقولون حينئذ، انّ هذا العقل الثاني مضمون الحقّانيّة بالعقل الأول، باعتبار أنّه مستنبط منه حسب قانون الشكل الأول الّذي هو من قوانين العقل الأول، فيكون مضمون الحقّانيّة بالأول، فالعقل الأول مضمون الحقّانيّة بالذات، و العقل الثاني مضمون الحقّانيّة بالعرض.

و خلاصة تصورهم للعقل الثاني هي أنّ كل المعلومات و المعارف الثانوية المستمدة من الأوليات بطريقة القياس أو بطريقة أخرى ترجع إلى القياس تكون مضمونة الحقّانيّة بالعرض باعتبار ضمان حقّانية الأوليات ما دامت طريقة المنطق الأرسطي و قواعده قد روعيت في مقام الاستنباط.

و ما ذكره أرسطو و المناطقة ينحل إلى دعويين.

346

1- الدعوى الأولى: هي أنّ المعارف الّتي ينتهي إليها التسلسل في مقام الاستدلال كلها مضمونة الحقّانيّة.

2- الدعوى الثانية: هي دعوى أنّ المعارف الثانوية هي أيضا مضمونة الحقّانيّة لأنّها تستنتج من المعارف الأولية باعتبار التلازم و التضمن بينها و بين المعارف الأولية الّتي استنتجت منها، بمعنى: انّ المعقول من المعرفة الأوليّة يتضمن أو يستلزم المعقول من المعرفة الثانوية، و هذا ما نسميه بالتوالد الموضوعي، بمعنى أنّ المعلومات الأولية تولّد المعلومات الثانوية باعتبار التلازم بينهما، فإذا تمّت كلتا الدعويين يثبت المطلوب، و هو أنّ ما استنتج من المعارف الأولية بطريق صحيح يكون مضمون الحقّانيّة.

و نحن لنا تعليق على كل واحدة من هاتين الدعويين.

أمّا تعليقنا على الدعوى الأولى: فهو، إنّا نرى أنّ المعلومات و القضايا الّتي يدركها العقل إدراكا أوليا مباشرا- أي من غير أن يبرهن عليها- لا يلزم أن تكون يقينية، و لا مضمونة الحقّانيّة، بل قد تكون مشكوكة، أو مظنونة، أو مقطوعة قطعا خاطئا، بينما المعروف بينهم أنّ كل القضايا الأولية الّتي هي أساس المعرفة، يجب أن تكون يقينية و حقّانية، بينما هذا لا موجب له كما عرفت. و من ذلك ينشأ شيوع الأخطاء في العلوم النظرية، فإنّ كثيرا من هذه الأخطاء في هذه العلوم لم ينشأ من خطأ في الاستدلال، بل نشأ من الخطأ في الأصول الموضوعية للاستدلال، أي من طرح فكرة ادّعيت أوّليتها و حقّانيتها، و هي غير مطابقة للواقع، كما هو ديدنهم في البناء على حقّانية كل قضية أولية. و هذه الكلية لا نسلّمها إذ كون الفكرة أولية يدركها العقل مباشرة دون حاجة إلى استدلال شي‏ء، و كونها يقينية حقّانية شي‏ء آخر، و أحدهما لا يستلزم الآخر، فمثلا: نحن قلنا انّ إدراك الإنسان لمحسوساته‏

347

الوجدانية إدراك أولي، و معرفته بمحسوساته الوجدانية معرفة أولية، لكن مع هذا فإنّ هذه المعرفة ليست دائما يقينية، بل قد تكون غير ذلك.

فمثلا: إذا اتفق لإنسان أن يسمع صوتا، فمعرفته بهذا الصوت وجدانه، لأنّ سماعه وجداني، فلو ابتعد هذا الإنسان عن مصدر هذا الصوت قليلا فإنّه يبقى يسمعه لكنّه يبقى يبتعد و يخفّ سماعه للصوت و هكذا كلّما ابتعد، حتّى يصل إلى درجة يشكّ في أنّه هل يسمع الصوت ذاته أم لا؟، إذن فهذا شكّ في قضية أولية لأنّها قضية غير مستنتجة و هذا دليل على إمكان وقوع الخطأ و الشك في الوجدانيات الأوليات فكيف بقضايا أولية غير وجدانية.

و مثال آخر: و هو أنّهم بقوا لفترة طويلة من الزمن قديما يطبقون قانون «انّ الكل أعظم من الجزء» على الكميات المتناهية و غير المتناهية، و من هنا استدلّ على استحالة التسلسل ببرهان التطبيق، أي تطبيق العلل على المعلولات، كأن يقال: إنّه إن تساويا لزم تساوي الجزء مع الكل، لأنّ سلسلة المعلولات هي سلسلة العلل بإضافة واحد، و الكل لا بدّ و أن يكون أعظم من الجزء، و إن لم يتساويا كان معناه تناهي أحدهما على الأقل، و قد كان هذا البرهان على استحالة التسلسل مبنيا على بديهية «انّ الكل أكبر من الجزء» حتّى جاءت الرياضيات الحديثة فأنكرت بداهة هذه القضية في الكميات اللّامتناهية، و جعلتها مختصّة بالكميات المتناهية، إذ في غيرها ينعدم معنى الكل و الجزء، مع أنّ قضية «انّ الكل أعظم من الجزء» قضية أولية حكم بها كثير من العقول، كما حكم ببطلانها كثير من العقول أيضا، و عليه: فعلى فرض كونها خطأ، فهو في إدراك كونها أولية، و من هنا امتازت الرياضيات البحتة و المنطق عن العلوم النظرية، و كان الخطأ فيهما أقل، باعتبار أنّ المصادرات و الأصول الموضوعية في المنطق و الرياضيات البحتة معلوم الحقّانية.

348

و الحاصل هو أنّ كثيرا من الخطأ في العلوم النظرية لا ينشأ من الاستدلال الصحيح، بل ينشأ من افتراض قضايا على انّها أوليّة، بينما هذه القضايا ليست أوليّة و لا يقينية، أو ليست صحيحة أصلا، فقد تكون مشكوكة عند شخص، و معلومة عند آخر.

و أمّا تعليقنا على الدعوى الثانية: فهو إنّا نرى أنّ المعارف الأولية يتولّد منها قسمين من المعارف.

1- القسم الأول: معارف يقينية بملاك التلازم الموضوعي بين متعلق تلك المعرفة، و متعلق هذه، و هذا ما يقول علم المنطق.

2- القسم الثاني: معارف ظنية بدرجة من درجات الاحتمال بحسب حساب الاحتمالات، و هذا القسم الثاني تدخل فيه جميع معارفنا المستقاة من التجربة و الاستقراء، فإنّ هذه المعارف و إن كانت مستخرجة من أولياتنا، لكن هذه الأوليات لا تنتج معرفة قطعية بالقضية الاستقرائية على أساس التلازم الموضوعي، و إنّما تنتج منطقيا درجة كبيرة من الاحتمال، و أمّا اليقين فإنّه يحصل في المقام نتيجة ضعف درجة احتمال الخلاف إلى درجة بحيث يزول ضمن قواعد معيّنة لذلك قد بيّناها في كتاب الأسس المنطقية للاستقراء، هذا حاصل التعليق على المقام الأول، و هو العقل النظري.

2- المقام الثاني: في العقل العملي:

و قد قلنا سابقا انّ بعض علمائنا الإخباريين ذهبوا إلى عدم إمكان التعويل على العقل، باعتبار كثرة الأخطاء فيه، و قد قلنا انّ الكلام معهم تارة، يقع في العقل النظري، و أخرى، في العقل العملي، و قد تقدّم الكلام في الأول.

و أمّا الكلام في العقل العملي فنفس الشبهة جارية فيه، حيث يدّعى بأنّ كثرة الأخطاء إنّما هي في العقل العملي، فتكون مانعة عن إمكان‏

349

التعويل على إدراكات العقل في باب الحسن و القبح، و أكبر دليل على كثرة الأخطاء فيه هو وقوع الاختلاف في إدراك الحسن و القبح بين النّاس، فما داموا مختلفين في تقويم حقيقة الأفعال و الأشياء من حيث الحسن و القبح، و ما داموا لا يمكن أن يكونوا مصيبين جميعا في وقت واحد، إذن، فلا بدّ و أن يكون فيهم المصيب، و فيهم المخطئ، و هذا برهان كثرة الأخطاء في إدراكات العقل العملي.

و هذا المدّعى بهذا المستوى لا يريد في المقام إنكار الحسن و القبح بما هما صفتان ذاتيتان واقعيتان في الأفعال، قائمتان في نفس الأمر و الواقع، و إنّما يريد أن يشكّك في صلاحية العقل و في صلاحية الكشف العقلي عن هاتين الصفتين، باعتبار كثرة وقوع الأخطاء في إدراك العقل لصفتي الحسن و القبح، إذن، فتشكيك علمائنا المحدّثين إنّما هو بحسب مقام الإثبات لا الثبوت، و هذا بخلاف تشكيك الأشعري، فإنّه تشكيك ثبوتي لا إثباتي، بمعنى أنّه ينكر أصل الحسن و القبح و يعتبرهما من الصفات الجعلية، و هذا هو معنى قوله «الحسن ما حسّنه الشارع، و القبح ما قبّحه الشارع».

إذن، هناك تشكيكان في العقل العملي، و الكلام مع هذين التشكيكين، تارة يكون نقضا عليها، و أخرى حلا، فالكلام إذن في جهتين.

1- الجهة الأولى: هي أنّ هؤلاء المشكّكين بعد أن بنوا على سقوط العقل العملي في مقام الإثبات، كما هو مقتضى التشكيك الأول، و في مقام الثبوت، كما هو مقتضى التشكيك الثاني، نقض عليهم الأعلام بأنّه يلزم من ذلك محذوران.

1- المحذور الأول: هو أنّه كيف نثبت وجوب الطاعة و حرمة المعصية للشارع، فإنّ هذا الوجوب و الحرمة لا يمكن أن يكون بدوره‏

350

حكما شرعيا، و إلّا نقلنا الكلام إلى نفس هذا الحكم الشرعي، و سألنا من جديد، أنّه لما ذا تجب طاعته؟ و هكذا، و في مقام الجواب نحن ننتهي إلى أن العقل العملي يستقل بلزوم فعل ما ينبغي، و ترك ما لا ينبغي، و انّ طاعة المولى ممّا ينبغي، و انّ معصيته ممّا لا ينبغي، و بالتالي يحكم باستحقاق المثوبة أو العقوبة، فلو أنّه أنكر الحسن و القبح ثبوتا أو إثباتا لما أمكن ذلك.

و جواب هذا النقض واضح، إذ بناء على مسلك التشكيك الإثباتي- القائلين بأنّ منشأ عدم التعويل على العقل هو كثرة الأخطاء، مع الاعتراف بالحسن و القبح- يمكن أن يدّعى استكشاف «الحسن، و القبح»، أي وجوب الطاعة و حرمة المعصية، من الأدلة الشرعية الواردة عن المعصومين (عليهم السّلام) ممّا دلّ على تقبيح المعصية و حسن الطاعة، فيكون هذا بنفسه كاشفا عن قبح المعصية، و وجوب الطاعة، بلا حاجة إلى التعويل على الدليل عقلي، إذن، الحسن و القبح العقليان موجودان، و هما يستكشفان من كلمات الشارع بعد ثبوت عدم إمكان التعويل على استقلال العقل في ذلك.

و أمّا بناء على مسلك التشكيك الثبوتي، بمعنى إنكار أصل الحسن و القبح الواقعيين، فإنّه حينئذ لا معنى لاستكشاف الحسن و القبح الواقعيين من الدليل الشرعي، لأنّ ما لا واقع له، لا معنى لإثباته بالدليل الشرعي، و لكن حينئذ يقال: لا حاجة لإثبات قبح المعصية، و حسن الطاعة في مقام تحريك العبد نحو الطاعة، بل يكفينا فرض وجود العقاب على المعصية، و الثواب على الطاعة، كما هو لسان بعض الأدلة الشرعية، من «انّ اللّه تعالى يعرّض العاصي لعقاب»، دون حاجة إلى إثبات حسن الطاعة و قبح المعصية، إذ احتمال تعرّض العبد للعقاب و الثواب، كاف في ردعه عن المعصية، و بعثه نحو الطاعة.

351

2- المحذور الثاني: اللازم من كلام المشكّكين في العقل العملي، هو أن يقال لهم: انّه بناء على إنكاركم لأحكام العقل العملي، سوف ينسدّ باب إثبات نبوّة نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، بل نبوّة سائر الأنبياء (عليهم السّلام)، و ذلك لأنّ إثبات النّبوّة إنّما يكون بالمعجزة، غير أنّ دلالة المعجزة على النّبوّة، فرع مقدّمة عقلية مأخوذة من العقل العملي، و هي قبح إظهار المعجزة على يد الكاذب، لأنّ ذلك تضليل، و هو قبيح من اللّه، و بعد ضمّ هذه المقدّمة العقلية إلى المعجزة، يثبت أنّ المعجزة تكون دالة على صدق مدّعي النّبوّة، و لو لا هذه المقدّمة لما دلّت المعجزة وحدها على نبوّته، إذ غاية ما تدلّ عليه هو، انّ اللّه تعالى خرق المألوف و أوجد هذه الحادثة، أمّا كون هذا نبي، فهذا لا يثبت كما عرفت، إذن هذه المقدّمة لا بدّ منها، و هي مأخوذة من العقل العملي، فإذا أنكرناه ثبوتا أو إثباتا، فمعناه: إنكارنا لهذه المقدّمة، و معه لا دليل على النّبوّة.

و هذا النقص، يمكن دفعه، و لنا عليه ثلاث تعليقات.

1- التعليق الأول: هو أنّه لا حاجة في دلالة المعجزة على صدق مدّعي النّبوّة إلى ضمّ هذه المقدّمة العقلية، و إن كان هذا هو المألوف في علم الكلام، و ذلك لأنّنا لو قطعنا النظر عن هذه المقدّمة العقلية- «قبح الكذب و التضليل»- نسأل، انّه هل المعجزة تدلّ على إثبات النّبوّة أم لا؟

فإن كانت تدلّ عليها، فهذا معناه: انّ دلالة المعجزة على النّبوّة لها طريق آخر إجمالا، من دون توقف على ضم هذه المقدّمة، و إن كانت لا تدلّ عليها،- مع قطع النظر عن هذه المقدّمة العقلية-، إذن، فأيّ كذب حينئذ موجود حتّى يقبح، إذ لا قبح حينئذ أصلا، لأنّ قبح الكذب، فرع كون المعجزة دالة على النّبوّة، فإذا قلنا انّ المعجزة في نفسها لا يكون لها دلالة على النّبوّة، فإنّه حينئذ لا قبح أصلا، لأنّه لا كذب.

2- التعليق الثاني: هو انّ هذه المقدّمة العقلية الّتي نضمّها إلى‏

352

المعجزة، و هي «قبح الكذب» قد يستبدلها المشكّك بمقدّمة عقلية من العقل النظري، فيبدل قضية «قبح الكذب» بقضية «منقصة الكذب»، فإنّ النقصان منفي عنه تعالى بالعقل النظري، لأنّ المطلق لا نقصان فيه بوجه، إذن، فنحتاج إلى بحث في إمكانية تحويل المقدّمة العقلية المذكورة، من دعوى «قبح الكذب، إلى دعوى «منقصة الكذب»، و المنقصة غير القبيح، إذ ليس كل منقصة قبيح، فالجهل نقص، لكنّه ليس قبيحا في كثير من الأحيان، و النقص منفي عنه تعالى بالعقل النظري، لأنّ النقص حدّ، و المطلق لا حدّ فيه.

3- التعليق الثالث: و هو يختصّ بخصوص نبوّة نبينا محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فنقول: انّه لو احتجنا إلى ضمّ هذه المقدّمة العقلية إلى المعجزة لإثبات النّبوّة، فإنّا لا نحتاج إلى ضمها لإثبات نبوّة نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، لأنّ معجزته هي نفس كتابه و رسالته، لا على نحو الحصر، و إن كانت بعض معجزاته الأخرى تحتاج إلى ضم هذه المقدّمة، و لكن باعتبار انّ هذه الرّسالة لا يمكن لأمّي مثله أن يأتي بها من عند نفسه في مثل ظروف محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الاجتماعية، فإنّه حينئذ، لا نحتاج إلى ضمّ تلك المقدّمة، لأنّ هذه المعجزة عبارة أخرى عن أنّه جاء بها من عند اللّه تعالى، و لا معنى للمجي‏ء بها من عند اللّه صدفة.

2- الجهة الثانية: في الكلام الحلّي، و قبل الدخول في الحل، يمكن تصعيد بيان هذه الشبهة بنحو تصبح تشكيكا و برهانا للتشكيك الأشعري الثبوتي فضلا عن التشكيك الإثباتي، و ذلك بأن يقال: انّ هذا الاختلاف في الحسن و القبح دليل على أنّهما ليسا صفتين واقعيتين ثابتتين للأشياء في نفس الأمر و الواقع، بل هما تلفيقات عرفية اجتماعية، و لذا اختلفا باختلافهما، و هذا معنى انّ الحسن و القبح شرعيين لا عقليين، أي أنّهما بجعل الشارع و تربية مرب.

353

و كأنّ المعلقين الأصوليين على هذه الشبهة، أرادوا الجواب عنها، سواء كانت شبهة للتشكيك الإثباتي، أو الثبوتي، و ذلك ببيان: أنّه لا اختلاف في كبرى العقل العملي أصلا، و إنّما الاختلاف في تشخيص الصغرى و المصداق، لأنّ كبرى العقل العملي، مرجعها إلى قضيتين كليتين، و هما حسن العدل، و قبح الظلم، و هاتان القضيتان لا اختلاف فيهما بين العقلاء في مختلف المجتمعات و الأعراف، و كل الاختلاف الّذي يقع بينهم إنّما يقع في تشخيص الصغرى، حيث انّ بعضهم يقول:

انّ هذا العمل ظلم، و يقول البعض الآخر، انّ هذا العمل ليس ظلما، و من ثمّ يدرجه كل منهما في قضية من تينك القضيتين، و هذا لا يضرّ في حقّانية الكبرى و العقل العملي المدرك لها.

و هذا الكلام بهذا البيان صوري، لأنّ هؤلاء الأعلام جعلوا من هاتين القضيتين- «قبح الظلم، و حسن العدل»- كبرى كلية للعقل العملي، و جعلوا تمام القضايا الأخرى تطبيقا لهذه الكبرى، فكأنّ العقل العملي أوّل ما يحكم، يحكم بقبح الظلم، ثمّ يطبّق قياسا من الشكل الأول، فيقول: هذا ظلم، و كل ظلم قبيح، فهذا قبيح، و الخطأ هنا في هذا القياس، يكون في اختيار الحد الأوسط المناسب الّذي جعلوه واسطة في إثبات الأكبر للأصغر.

و نحن قد حلّلنا هذه القضية، و قلنا في بحث التجرّي، انّ قضية «الظلم قبيح»، ليست قضية أوليّة من مدركات العقل العملي، بل و لا يعقل كونها كذلك، و إنّما هي قضية ضرورية بشرط المحمول، و ذلك لأنّ قولنا: «الظلم قبيح»، من قبيل قولنا، «القبيح قبيح»، باعتبار انّ معنى الظلم، «العدوان، و التعدّي» و معنى التعدّي هو، الخروج عن الحدّ، و الحدّ هو ذلك الضابط الّذي يدركه العقل، و يرى أنّه لا ينبغي للإنسان أن يتعدّاه، لا أنّه لا يمكن تعدّيه تكوينا، إذن، مفهوم «لا

354

ينبغي» مستبطن في نفس مفهوم الظلم، و كذا، القبح، فإنّ معناه: الإتيان بما لا ينبغي، إذن، صارت القضية تكرارين، لأنّه حينئذ، يكون معنى، «الظلم قبيح»، هو انّ الإتيان بما لا ينبغي لا ينبغي.

و هذه القضية، إن كانت مفيدة، فهي مفيدة في مقام التعبير و الإشارة إلى تمام مدركات العقل العملي الثابتة في المرتبة السابقة على هذا التعبير، و عليه: فهي في طول العقل العملي، لا انّ قضايا العقل العملي في طولها، و عليه: فهذا البيان للتخلص من هذا المحذور غير تام.

بل الّذي ينبغي أن يقال: هو أنّه لا اختلاف أصلا في قضايا الحسن و القبح عند الإنسان المتمدن في جميع مجتمعاته و أعرافه على اختلافها، و إنّما الاختلاف في الأنظار إنّما هو في مقام التزاحم بين حيثيّات الحسن و القبح فيما إذا اجتمعتا في فعل واحد، حيث أنّ من يقدم حيثيّة الحسن على حيثيّة القبح، و هناك من فعل العكس.

و توضيح ذلك هو، انّ العقل العملي قسمان: الأول: هو عقل بديهي لا يختلف فيه النّاس، و الثاني: هو عقل نظري يختلف فيه النّاس، و العقل الأول البديهي هو عبارة عن العقل الّذي يدرك الحيثيّات الاقتضائية للحسن و القبح في نفسها،- بقطع النظر عن ابتلائها بمزاحم و عدمه- فإنّ كل إنسان سوي، يمكنه إدراك هذه البديهيات و الحيثيّات، كما في إدراك حسن الصدق، مع قطع النظر عن مزاحمة أي حيثيّة أخرى تقتضي قبحه، كما لو تزاحم مع حفظ الأمانة لو توقف حفظها على الكذب، فإنّه يحصل حينئذ تزاحم بين الحيثيّة الإيجابية للصدق، و الحيثيّة السلبية للخيانة، لكن العرف من حيث هو، بقطع النظر عن هذه المزاحمة، لا يوجد فيه من يشكّك بحسن الصدق، و حفظ الأمانة، هذه هي بديهيات العقل العملي الأول، و لكن هذه الحيثيّات المقتضية للحسن‏